وبمناسبة ورود اسم الجلالة (الله) لأول مرة في البسملة والسورة نقول إن من المفسرين «٣» من قال إن الكلمة مضعفة أو معدلة من لفظ (إله) وإنها من جذر (أله)
_________________
(١) انظر كتاب «السنة» للسباعي ص ٧٢.
(٢) انظر «قواعد التحديث» للقاسمي ص ٣٩- ٤٥ ففيها بحث واف عن الأحاديث القدسية ومداها. []
(٣) انظر تفسير الفاتحة في تفسير الطبري والزمخشري والطبرسي والخازن وغيرهم.
[ ١ / ٢٩٣ ]
بمعنى عبد أو (وله) بمعنى حار من شدة الوجد أو (لاه) بمعنى سكن إلى الشيء.
ومما قاله بعضهم إن كلمة (اللاة) المعبود الجاهلي المشهور المذكور في سورة النجم هي مؤنث (الله) . ويقتضي القول الأخير أن تكون كلمة (اللاة) عربية فصحى أصلا مع أن هذه الكلمة قرئت بصيغ متنوعة متقاربة مثل (اللاتو) و(اللت) و(هاللت) على آثار قديمة بابلية ونبطية وثمودية وتدمرية ولحيانية «١» قبل البعثة بأمد طويل قد يصل إلى ألفي عام ولا يقل عن أربعمائة عام أي قبل أن تصبح اللغة العربية فصحى مثل لغة القرآن وعصر النبي ﷺ.
ولما كانت لغة البابليين والثموديين واللحيانيين والأنباط والتدمريين واللغة العربية الفصحى من أصل قديم واحد فلا يبعد أن يكون أصل الكلمة يعني الربّ المعبود وأن تكون من جذر من الجذور السابقة الذكر. وأن تكون كلمة (الله) الفصحى هي تطور من ذلك. وفي اللغات العربية القديمة وردت كلمة (ايل) بمعنى الله أو الإله أو المعبود. وكانت تطلق على المعبود الأعظم أحيانا وعلى بعض المعبودات أحيانا في بلاد اليمن والعراق والشام قبل البعثة النبوية بمئات السنين.
وكانوا يضمون إليها كلمات متنوعة ويسمون أنفسهم بها تسجيلا لعبوديتهم للمعبود الذي كانت ترمز إليه. ومن ذلك يسمع ايل (إسماعيل) ويصدق ايل وحي ايل وباب ايل وإسرائيل. وقد يكون من هذا الباب جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل إلخ
فليس من المستبعد أن تكون كلمة (الله) في الفصحى وكلمة (اللاة) تطورا عن تلك الكلمات وأن يكون أحد الجذور المذكورة مشتركة بين هذه اللغات وأن تكون الكلمة من أحدها.
وفي اللغة العبرانية التي هي شقيقة من شقائق اللغة العربية كلمة (الوهيم) بمعنى الآلهة حيث يبدو من ذلك صورة من صور تطور الكلمة من أحد تلك الجذور.
_________________
(١) انظر «تاريخ العرب قبل الإسلام» جواد علي ج ٥، ص ٧٢ وما بعدها.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وعلى كل حال فإن كلمة (الله) قد غدت في اللغة العربية الفصحى قبل الإسلام علما على القوة العظمى العاقلة الخالقة المدبرة الرازقة المحيية المميتة، أو اسما رئيسيا وأصيلا لها. وقد كان العرب يستعملونها في هذه الدلالة على اعتبار أنه لا بدّ لهذا الكون العظيم البديع من صانع عاقل حكيم مدبر والدينونة له بالعبودية والعبادة. وكانوا يعبدونه ويحلفون بكلمتي (الله) و(اللهم) ويسمون أنفسهم (عبد الله) للدلالة على ذلك. وإن كانوا يشركون معه شركاء للتقرب إليه والاستشفاع بهم عنده مما حكته آيات قرآنية كثيرة كثرة تغني عن التمثيل.
ولقد استعمل القرآن هذا اللفظ علما أو اسما رئيسيا على تلك القوة أيضا.
وورد فيه لحدته أحيانا ومع صفات الله وأسمائه الحسنى أحيانا. ومع تقرير وجوب وجود القوة العظمى التي يرمز إليها ووجوب الاعتقاد بها وشمول ربوبيتها ووجوب الدينونة لها بالعبادة والخضوع، والإخلاص لها وحدها، ووجوب تنزيهها عن أية شائبة ومماثلة وشراكة بأي اعتبار كان، ووصفها بجميع صفات الكمال مما احتوت تقريره والتدليل عليه آيات كثيرة كثرة تغني عن التمثيل كذلك. ومما غدا الطابع المميز للعقيدة الإسلامية. وقد جرى المسلمون على إطلاق لفظ (الجلالة) على الله تقويا وتعظيما.