والمشهد الذي احتوته الآيات والأحاديث المروية في صدده يدلّ بقوة على أن الدعوة بدأت علنية خلافا لما روي «٢» أو لما هو مستقر في الذهن. وأن النبي ﷺ أخذ يمارس صلاته الجديدة جهرة ويدعو الناس إلى الله وتقواه. وفي المشاهد المماثلة التي ظلت تذكر في السور العديدة المبكرة في النزول، مثل القلم والمزمل والمدثر والتكاثر والماعون والكافرون تأييد لذلك. وكل ما يمكن أن يقال إزاء ما ورد في الأحاديث التي تروي أقوال بعض أصحاب رسول الله مثل ما روي عن عمر في قصة إسلامه حيث سأل بعد إسلامه: «أنحن على حقّ أم باطل؟ فقال له رسول الله ﷺ: بل على حقّ، فقال عمر: ففيم التخفي إذن؟» . ومثل ما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة ظاهرين آمنين حتى أسلم عمر» «٣» . إن النبي ﷺ- حماية لأصحابه- كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم. غير أن دعوته للناس كانت
_________________
(١) انظر «السيرة الحلبية»، ج ١، ص ٣٣٠ وما بعدها. وانظر تفسير آية سورة الحجر فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [٩٤] في كتاب تفسير ابن كثير والبغوي بل وغيرهما من المفسرين.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر «سيرة ابن هشام» ج ١ ص ٣٤٢ وما بعدها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وظلت جهرة. وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي بالله ورسالته.
والمتبادر أن هذه الآيات قد نزلت بعد نزول الآيات الخمس الأولى بمدة ما، وبعد نزول جملة من القرآن تتضمن أمرا بالدعوة وشيئا من مبادئها وأهدافها. وبعد أن سار النبي ﷺ في دعوته شوطا ما، حيث أخذ يتصل بالناس ويدعوهم ويبشرهم وينذرهم ويتلو عليهم ما أوحي إليه من آيات القرآن وسوره ويصلي جهرة، فتصدى له الطاغية فنزلت منذرة منددة، مذكرة قارعة.
وإلحاق هذه الآيات بالآيات الخمس الأولى حيث تكونت شخصية السورة يدل على أن سور القرآن كانت تؤلف أولا فأولا، وعلى أن المشهد الذي احتوته لم يتأخر كثيرا. ولعله من أوائل مشاهد المناوأة للدعوة والتعرّض لصاحبها مما يدل عليه إلحاق آياته بأولى آيات القرآن نزولا.