يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)
[ ١٩٩ ]
التفسير: فى آية البر (١٧٧) لم يذكر الصوم فيما ذكر من شعائر البر، ولكن قد أشير إليه ضمنا فى قوله تعالى: «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ» إذ كان الصوم مما يدخل فى دائرة الصبر.. بل هو «الصبر» نفسه.
وفى هذه الآية بيان لفريضة الصوم ووقتها وأحكامها، كما ذكر، فى الآيات التي قبلها من أعمال البر: القصاص فى القتلى، والوصية عند الموت، وهما أمران يستندان إلى الصبر، وكما سيذكر بعد ذلك الجهاد فى سبيل، وهو أمر لا يقوم إلا على الصبر.
وفى قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» بيان لمن أبيح لهم الخروج من هذا الحكم العام الذي دخل فيه المسلمون جميعا، وهو وجوب الصوم..
ويقال: طاق الشيء يطوقه طوقا وطاقة، وأطاقه إطاقة إذا قوى عليه، وطوّقه تطويقا ألبسه الطوق، يقول الله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»:
(١٨٠ آل عمران) ومعنى هذا أن الذي يطيق شيئا إنما يعطيه طاقته، أي كل قوته، وهذا لا يكون إلا مع الأمر الشاق، الذي لا يقدر علية إلا بجهد ومشقّة.
والذين يطيقونه هم الذين يرهقهم الصوم، ويبلغ بهم المشقة والجهد، كالمريض مرضا ملازما، وكمن دخل مرحلة الشيخوخة، وكبعض الحوامل اللائي يعانين من حملهن ما يلزمهن نظاما خاصّا فى التغذية.. وهكذا كلّ من خرج بناؤه الجسدى عن حد الاعتدال، فلا يستطيع الصوم، وإن استطاعه وجد المشقة والحرج، فلهؤلاء أن يفطروا، فقد رفع الله عنهم الحرج بقوله تعالى:
«وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٧٨: الحج) وبقوله سبحانه:
«لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها»: (٢٨٦: البقرة) .
[ ٢٠٠ ]
والفدية هى ما يفتدى به المفطر الذي أباحت له حاله الجسدية الإفطار، وهو ما يقدمه كفّارة عن إفطاره، كما بينه الله تعالى فى قوله: «طَعامُ مِسْكِينٍ» أي عن كل يوم.
وقوله تعالى: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» ترغيب فى عمل البر والاستزادة منه، فإذا جعل الله سبحانه الفدية الواجبة هى طعام مسكين، فإنما ذلك رحمة بعباده ورفقا بالمعسرين منهم، وتمكينا للفقراء أن يلحقوا بالأغنياء، بتقديم هذا القربان إلى الله، وبالمشاركة فى البر والمواساة، ثم إن باب التطوع متسع مع هذا لمن تسخو نفسه بالبذل، وتسمح يده بالعطاء: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» !.
وفى قوله تعالى: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» ما يضبط ميزان الاتجاه إلى الإفطار عند ذوى الأعذار. فلا يميل بهم إلى التفلّت من الصوم، مع الجهد المحتمل، ومع المشقة الممكنة، فالصوم تكليف، ولكل تكليف أعباؤه ومشقاته، وإلا لما كان ثواب وجزاء.. فترجيح جانب الصوم على جانب الإفطار مع الفدية ومع قيام العذر- من شانه ألا يجعل للأعذار الواهية مدخلا للترخص فى هذه العبادة، والتحلل منها لأقل مشقة وأقل جهد.