خاطب الله اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم لأنهم أبناؤهم وهم يعتزون بنسبتهم إليهم ولا ينكرون عليهم أفعالهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة.
واذكروا- أيها اليهود المعاصرون- إذ قال آباؤكم: يا موسى لا يمكننا أن نستمر على طعام واحد مثل المن والسلوى.
فاطلب لنا من ربك آن يطعمنا مما تنبت الأرض من خضروات وبقول كالحنطة والعدس والبصل والقثاء، فقال موسى تعجبا واستنكارا: أتستبدلون هذا الطعام بالمن والسلوى وهما خير وأهنأ؟ وإذا طلبتم الأقل نفعا وخيرا عوضا عما هو خير لكم فاهبطوا أى بلد زراعي فإن لكم فيه ما طلبتم.
وبما جنوا من كفر وقتل للأنبياء بغير حق كما قتلوا زكريا ويحيى وغيرهم لهذا جعلت الذلة والمسكنة محيطة بهم مضروبة عليهم، كما تضرب الخيمة على من فيها، ورجعوا بالخسران والبعد من رحمة الله وهذا بسبب عصيانهم لأوامر ربهم عصيانا متكررا واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فقد قتلوهم معتقدين أن قتلهم بغير حق!! ضربت عليهم الذلة والمسكنة: هما الذل والفقر والحاجة، ولا شك أنهم كذلك وإن كانوا ذوى مال، فاليهود قد ورثوا صفات الذل وضعف النفس وامتهانها بل وبيع الشرف لأجل المال فهم في فقر دائم وذل مستمر، ما داموا يعبدون المادة ويتألّهون المال.
المال.
غنى النفس ما استغنيت عنه وفقر النفس ما عمرت شقاء
[ ١ / ٤٢ ]
ولقد فهم بعض العلماء قديما أن هذه الآية تشير إلى أنهم لا تقوم لهم دولة أبدا، ونحن معهم في هذا إذ قيام دولة كهذه يوما أو يومين لا يهدم رأيهم، فقديما استولى الصليبيون على بيت المقدس ردحا من الزمن، ثم علت كلمة الله ورفعت راية الإسلام، وقريبا بأمر الله ترفع راية الإسلام.
وقيام دولتهم هذه بمثابة تنبيه شديد من الله لنا علّنا نتعظ ونثوب إلى رشدنا وديننا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «١» فارجعوا إلى رشدكم حتى لا تضرب عليكم الذلة والمسكنة بكل معانيها القريبة والبعيدة.
وبعد أن ذكّرهم بما فعلوا قديما، وبيّن عاقبة أمرهم بأوضح بيان ليعتبر المعاصرون ويتعظوا، أتى بقانون عام شامل لا يفرق بين أحد فقال ما معناه:
كل من آمن يا لله واليوم الآخر إيمانا قلبيا وعمل صالحا فله من الله الأجر والمثوبة، وأنه لا يخاف أبدا ولا يحزن في الدنيا والآخرة، سواء كان من الذين آمنوا أو من اليهود أو النصارى أو من الذين رجعوا عن دينهم مطلقا قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٢» . وهذا أروع مثل لمبدأ المساواة في الإسلام.