من بعد ذكر ما يلين القلوب الجامدة من المواعظ والآيات والحجج البينات قست قلوبكم قسوة قاسية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة منها، إذ قلوبكم لم تتأثر بالآيات، فكأنها خرجت عن دائرة الحيوان إلى دائرة الجماد، بل نزلت عن درجة الجماد أيضا، فها هي ذي الحجارة تتأثر بالماء تارة فيتفجر منها بكثرة فيتكون النهر، وتارة تتشقق شقوقا يخرج منها الماء ولو بسيطا، والحجارة قد تأثرت بالمؤثرات الخارجية فتسقط منقادة لله وحده، وقلوبكم لم تتأثر بالمؤثرات والمواعظ فكانت أقسى من الحجارة، بل أشد قسوة منها، وما الله بغافل أبدا سيجازيكم عليه أوفى جزاء، وانظر إلى قوله تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ فإن لفظ ثم في الأساليب العربية يفيد الترتيب ولكن مع التراخي والتباعد بين ما قبلها وما بعدها فكأن قسوة قلوب هؤلاء مرتبة أوغلت في البعد عن الوضع السليم.
هذا خطاب إلى النبي ﷺ وأصحابه وسط الخطاب الموجه إلى اليهود إذ الكلام كله في بيان سوءاتهم.
[ ١ / ٤٨ ]
أنسيتم أفعالهم وأعمالهم فتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود؟ كان منهم جماعة يسمعون كلام الله ثم يغيرونه ويبدلونه حسب هواهم، وهم يعلمون أن هذا العمل يتنافى مع الحقيقة، فكيف تطمعون إذن في إيمان من له سابقة في الضلال؟.
ونقيصة أخرى من نقائصهم وهي أن منافقيهم إذا تقابلوا مع المؤمنين قالوا: نحن مؤمنون بالله والنبي إذ هو المبشر به عندنا فنحن معكم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: كيف تحدثون أتباع محمد بما أنزل الله عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا وهم يأخذون كلامكم حجة عليكم فيخاصموكم عند ربكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم التي تضركم أفلا تعقلون أن هذا خطأ وضرر؟ فيرد الله عليهم: أيحسبون أن هذا سر لا يطلع عليه أحد؟ ولا يعلمون أن الله﷾- يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة، فسواء قلتم أم لم تقولوا فإنه يعلم ما تضمرون وما تعلنون وسيجازيكم على ذلك كله.
هذا شأن من عرف الكتاب منهم وهو علماؤهم وأحبارهم، وأما الأميون منهم فإنهم لا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها «أنهم شعب الله المختار، وأن الأنبياء منهم فيشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما قليلة» وما هم في كل ذلك إلا واهمون.
والمعنى: لا تطمع يا محمد في إيمانهم ولا تأس على أمثالهم، فإن من كان كذلك فلا خير فيه، ولا أسف عليه.