استفتاح عجيب لأول سورة من القرآن الكريم، وابتداء حيز الأفهام وزلزل العقول على بساطة تركيبه من حروف هجائية.
فقال جماعه بعد البحث وطول الفكر: هذا مما استأثر الله بعلمه فهو من المتشابه الذي نؤمن به على أنه من عند الله- والله أعلم- واعلم أنه أمر مفهوم عند النبي ﷺ لأنه خوطب به، وهو أشبه ما يكون (بالشفرة) بين الله ورسوله وقال آخرون:
لا بد أن يكون لذكره معنى، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة الحجة على العرب بعد أن تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله.
فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله؟! مع أنه كلام عربي من حروف هجائية ينطق بها كل أمى ومتعلم ومع هذا فقد عجزتم.
وذلك الذي نزل على محمد هو الكتاب الكامل في كل ما يتعلق به من معنى شريف وقصد نبيل وقصص فيه عبرة وعظة وتشريع صالح لكل زمان ومكان.
[ ١ / ١٣ ]
كتاب هذا حاله لا ينبغي من العاقل أن يشك في أنه من عند الله خصوصا وقد تحدى الله به العرب وهم أهل البيان واللسن تحداهم بأسلوب مثير: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فارجعوا إلى الحق وآمنوا به.
وقد وصفه الله بعد هذين الوصفين بوصف ثالث أنه مصدر هداية وإرشاد لمن أراد أن يأخذ الوقاية لنفسه من عذاب ربه، وإنما خصهم بالهداية لأنه لا يهتدى به إلا من تخطى عقله وقلبه حواجز المادة فآمن بالغيب- ما وراء المادة- وبعمل الخير. وآمن بالسفارة بين الله والخلق، وبالحياة الآخرة.