المثل الأول: المنافقون قوم أظهروا الإسلام زمنا قليلا فأمنوا على أنفسهم وأولادهم وأخفوا وراءهم الكفر والفساد، ولكنهم لم يلبثوا على ذلك حتى أظهر الله الحق، وبدا الصبح لذي عينين فأضحوا بعد أمنهم خائفين وصاروا متخبطين في ظلمة النفاق والفضيحة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فحالهم هذه تشبه حال جماعة أوقدوا نارا لينتفعوا بها، فلما أوقدت النار وأبصروا ما حولهم زمنا يسيرا أطفأها الله وذهب بنورهم من أساسه وتركهم في ظلمة الليل وظلمة السحب المتراكمة وظلمة إطفاء النار فهم لا يبصرون.
ولا شك أن المنافقين صم عن الحق فلا يسمعون، وبكم فلا يتكلمون، وعمى عن الهدى فلا يبصرون. إذن فهم لا يرجعون أصلا عن حالهم فلا تأس عليهم ولا تحزن.
أردف الله المثل السابق بمثل آخر مستقل واضح ليظهر حالهم فلا تخفى على أبسط الناس فهما وإدراكا.
المعنى:
المثل الثاني: أنزل الله القرآن الكريم: وقد اعترى المنافقين شبهة واهية، وفي هذا القرآن وعد لمن آمن ووعيد لمن كفر، وفيه حجج بينات واضحات، وفيه آيات فاضحة لهم وكاشفة أستارهم كانت تنزل عليهم نزول الصاعقة أو أشد، وهم مع القرآن الكريم إذا نزلت آية فيها مغنم فرحوا وساروا مع المسلمين وإذا نزلت آية تطالبهم بالجهاد أو تكشف حالهم وقفوا وبهتوا.
فحالهم هذه تشبه حال قوم نزل عليهم مطر غزير من كل جانب، وكان يصاحبه صواعق تصم الآذان حتى أنهم يجعلون أنامل أصابعهم في آذانهم خوفا من الموت.
وأما برقه ونوره فكلما ظهر في الأفق فرحوا وساروا آمنين، وهم حريصون على ذلك، وإذا أظلم الأفق وانتهى البرق وقفوا حيارى مبهوتين.
والله محيط بهم قادر عليهم، ولو شاء لأذهب أسماعهم بقوة الرعد وأبصارهم بوميض البرق فهو القادر المختار.
[ ١ / ٢١ ]
روائع التشبيه: في هذا المثل العظيم عيون البلاغة، وقوة التعبير الذي يقف عنده كل بليغ وأديب.
فيه تشبيه القرآن بالمطر إذ المطر يحيى موات الأرض. والقرآن يحيى موات النفوس، ومع القرآن شبهة واهية لا أساس لها كالظلمات العارضة مع المطر.
وفيه وعد ووعيد كالرعد قوة وشدة، وفيه حجج وآيات كالبرق وضوحا وجلاء، وفيه آيات كاشفة فاضحة كالصواعق أو أشد خطرا.
والظاهر- والله أعلم- أن المثل الأول للمنافقين الخلص، والثاني للمترددين تارة يظهر لهم وميض الإيمان ونوره وتارة يخبو، وقيل: هما لصنف واحد.