أن الله- سبحانه- لا يترك ضرب الأمثال بالبعوض أو أخس منه، فالمثل جعل لكشف المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد لا سبيل إلى إنكاره، فإن كان المضروب له المثل عظيما كالحق والإسلام ضرب مثله بالنور والضياء.
وإن كان ضعيفا حقيرا كالأصنام ضرب مثله بما يشبهه كالذباب والبعوض والعنكبوت، على أنه لا فرق عند الله بين البعوضة والجمل في الخلق والتقدير.
فأما المؤمنون، ففي قلوبهم نور يهديهم إلى التصديق بأن هذا كلام الله، وأما الكفار الجاحدون فهم في حيرة من أمرهم، وقصارى قولهم أن يقولوا متعجبين، ماذا يريد الله بهذا المثل؟ شأن المتخبط الذي لا يدرى. لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ [سورة المدثر آية ٣١] .
فأنت معى أن المثل ضل به كثير من الناس، واهتدى به كثير من الناس، ولا يضل به إلا الخارجون عن طاعة الله، الذين ينقضون ما عاهدوا الله عليه من الإيمان بمحمد
[ ١ / ٢٧ ]
والتصديق به، خصوصا بعد ظهور الحجة على صدقة، وأنه مكتوب عندهم في التوراة، فهؤلاء يفرقون بين الأنبياء فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وقد أمر الله بوصل الإيمان بجميع الأنبياء، ولكن هؤلاء همهم الإفساد بين الناس. والتضليل في العقائد إبقاء على رئاسة كذابة وزخرف زائل، هؤلاء لا شك قد خسروا دنياهم بافتضاحهم وتخبطهم، وخسروا آخرتهم بغضب الله عليهم، وأى خسران بعد هذا؟!!