مكية وآياتها ثلاثون.
٧٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الشُّرُوطِيُّ، نا أَبُو إِسْحَاقَ الأَسَدِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ»
٧٣٠ - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، إِمْلاءً، نا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ، نا نَضْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَشَّاءُ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الإِمَامُ، نا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «لا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ وَتَبَارَكَ»
﴿الم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٣﴾﴾ [السجدة: ١-٣] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ١-٢] قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٢-٣] يعني المشركين، افتراه محمد من تلقاء نفسه، ﴿بَلْ هُوَ﴾ [السجدة: ٣] أي القرآن، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] يعني العرب، وكانوا أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد ﵇، لعلهم يهتدون لكي يرشدوا من الضلالة.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٤﴾ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿٥﴾ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٦﴾﴾ [السجدة: ٤-٦] و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [السجدة: ٤] مفسر في ﴿[الأعراف إلى قوله:] مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [سورة السجدة: ٤] يعني الكفار، يقول: ليس من دون عذابه من ولي، قريب ينفعكم فيرد عذابه عنكم، ولا شفيع لكم، أفلا
[ ٣ / ٤٤٩ ]
تتذكرون أفلا تتدبرون هذا فتؤمنوا.
قوله: يدبر الأمر يعني: أمر الدنيا، يدبره الله ﷿ مدة أيام الدنيا، فينزل القضاء والقدر ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] قال ابن عباس: يرجع إليه.
والمعنى: يعود الأمر والتدبير حتى ينقطع أمر الأمراء وأحكام، وينفرد الله تعالى بالأمر، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قال ابن عباس: يريد أن يوما من أيام الآخرة مثل ألف سنة.
مما تعدون من أيام الدنيا، وأراد بهذا اليوم يوم القيامة، وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وقد مر ذلك.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [السجدة: ٦] أي: ذلك الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض عالم ما غاب عن الخلق وعالم ما حضر، العزيز المنيع في ملكه، الرحيم بأهل طاعته.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴿٧﴾ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٨﴾ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ﴿٩﴾﴾ [السجدة: ٧-٩] ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] يعني: أحسن خلق كل شيء، قال مقاتل: علم كيف تخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد.
وقال السدي: أحسنه لم يتعلمه من أحد، والإحسان العلم.
يقال: فلان يحسن كذا إذا علمه.
قال صاحب النظم: بيان ذلك أنه لما طول رجل البهيمة والطائر طول عنقه لئلا يتعذر عليه ما لا بد له من قوته، ولو تفاوت ذلك لم يكن له معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الحيوان مقدر لما يصلح به معاشه.
وقرئ خلقه بفتح اللام، وهو صفة للنكرة التي هي شيء، والمعنى: أتقن وأحكم كل شيء خلقه، قال ذلك الكلبي، ومجاهد.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] يعني آدم، كان أوله طينا.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة: ٨] ولده وذريته، من سلالة تقدم تفسيرهما، ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ضعيف، يعني النطفة.
ثم رجع إلى آدم، فقال: ثم سواه سوى خلقه، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ثم عاد إلى ذريته، فقال: وجعل لكم يعني: من بعد أن كنتم نطفا، ﴿السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه.
﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴿١٠﴾ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾﴾ [السجدة: ١٠-١١] وقالوا يعني: منكري البعث: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] هلكنا وصرنا ترابا فلم يبق شيء من خلقنا، ومعنى الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، وضل الميت في التراب إذا بطل.
﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] استفهام إنكار أنكروا إعادتهم بعد الموت، قال الله تعالى: بل هم يعني: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] أي بالبعث.
قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] أي: يقبض أرواحكم أجمعين، ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] قال ابن عباس: وكل بقبض أرواحكم.
٧٣١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، نا أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، أَنَّ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: لَقِيَ جِبْرِيلُ مَلَكَ الْمَوْتِ بِنَهْرٍ بِفَارِسَ، فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، كَيْفَ
[ ٣ / ٤٥٠ ]
تَسْتَطِيعُ قَبْضَ الأَنْفُسِ عِنْدَ الْوَبَاءِ، هَهُنَا عِشْرُونَ أَلْفٍ وَهَهُنَا كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: تُزْوَى لِيَ الأَرْضُ حَتَّى كَأَنَّهَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَأَلْتَقِطُهُمْ بِيَدِي
٧٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُفَضَّلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، أنا أَبُو عُمَارَةَ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ سِنَانٍ الرَّقِّيُّ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " الأَمْرَاضُ وَالأَوْجَاعُ كُلُّهَا بَرِيدُ الْمَوْتِ وَرُسُلُ الْمَوْتِ، فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ، كَمْ خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، وَكَمْ رَسُولٍ بَعْدَ رَسُولٍ، وَكَمْ بَرِيدٍ بَعْدَ بَرِيدٍ، أَنَا الْخَبَرُ لَيْسَ بَعْدِي خَبَرٌ، وَأَنَا الرَّسُولُ لَيْسَ بَعْدِي رَسُولٌ، أَجِبْ رَبَّكَ طَائِعًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَإِذَا قَبَضَ رُوحَهُ تَصَارَخُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: عَلَى مَنْ تَصْرُخُونَ؟ وَعَلَى مَنْ تَبْكُونَ؟ فَوَاللَّهِ مَا ظَلَمْتُ لَهُ أَجَلا، وَلا أَكَلْتُ رِزْقًا؛ بَلْ دَعَاهُ رَبُّهُ فَلْيَبْكِ الْبَاكِي عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوَدَاتٌ وَعَوَدَاتٌ حَتَّى لا أُبْقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا "
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] أي: تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم.
ثم أخبر عن حالهم في القيامة وعند الحساب، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿١٢﴾ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١٣﴾ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾﴾ [السجدة: ١٢-١٤] ولو ترى يا محمد، إذ المجرمون قال مقاتل: يعني كفار مكة.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] مطأطئوها حيا وندما، يقولون ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة: ١٢] ما كنا ننكر، وسمعنا فارجعنا إلى الدنيا، نعمل صالحا نقول لا إله إلا الله، إنا موقنون قال ابن عباس: اتقوا ذلك اليوم ما كانوا ينكرون في الدنيا.
ثم أخبر أنه إنما يؤمن من قدر الله له الإيمان، فقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] قال ابن عباس: رشدها وبيانها.
وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] .
﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] يعني: كفار الفريقين، قال ابن عباس: يقول: هذا قضائي وقدري في ملكي وربوبيتي.
والقول الذي وجب من الله بملء جهنم قوله لإبليس: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] .
٧٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّارُ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ اللَّخْمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الأَبْزَارِيُّ، نا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، نا
[ ٣ / ٤٥١ ]
أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، نا الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى الرَّقَاشِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ﵁، عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " لَيَعْتَذِرَنَّ اللَّهُ إِلَى آدَمَ ثَلاثَ مَعَاذِيرَ؛ يَقُولُ اللَّهِ: يَا آدَمُ، لَوْلا أَنِّي لَعَنْتُ الْكَذَّابِينَ وَأَبْغَضْتُ الْكَذِبَ وَالْخُلْفَ وَأُعَذِّبُ عَلَيْهِ لَرَحِمْتُ الْيَوْمَ وَلَدَكَ أَجْمَعِينَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَعْدَدْتُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَئِنْ كُذِّبَتْ رُسُلِي وَعُصِيَ أَمْرِي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَيَقُولُ اللَّهِ، ﷿: يَا آدَمُ، اعْلَمْ أَنِّي لا أُدْخِلُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ النَّارَ وَلا أُعَذِّبُ مِنْهُمْ بِالنَّارِ أَحَدًا إِلا مَنْ قَدْ عَلِمْتُ بِعِلْمِي أَنِّي رَدَدْتُهُ إِلَى الدُّنْيَا لَعَادَ إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَعْتِبْ، وَيَقُولُ اللَّهِ، ﷿: يَا آدَمُ، قَدْ جَعَلْتُكَ حَكَمًا بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِكَ، قُمْ عِنْدَ الْمِيزَانِ فَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فَلَهُ الْجَنَّةِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنِّي لا أُدْخِلُ مِنْهُمُ النَّارَ إِلا ظَالِمًا "
قوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ [السجدة: ١٤] قال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب بما نسيتم.
﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة: ١٤] بما تركتم الإيمان بيومكم هذا.
وقال السدي: بما تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا.
إنا نسيناكم تركناكم في العذاب، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: ١٤] الذي لا ينقطع، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] من الكفر والتكذيب.
ثم ذكر المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿١٥﴾ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٧﴾﴾ [السجدة: ١٥-١٧] ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ [السجدة: ١٥] وعظوا، ﴿بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] سقطوا على وجوههم ساجدين، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] وقالوا: سبحان الله وبحمده.
﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] أن يعفروا وجوهم ساجدين.
قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ترتفع جنوبهم، يقال: جفا الشيء عن الشيء وتجافى عنه إذا لم يلزمه ونبا عنه، والمضاجع جمع المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه، يعني الفرش، وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وهو قول الحسن، ومجاهد، وعطاء، ورواية معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ.
٧٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَابُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَكَمِ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَدْ أَصَابَنَا الْحَرُّ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَقْرَبُهُمْ مِنِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِئْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، فَقَالَ: " لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ،
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ "
٧٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ الطَّوِيلُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْبُوشَنْجِيُّ، نا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ، نا بَكْرُ بْنُ حُبَيْشٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ بِلالٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ "، وَقَالَ، ﵁: وَنَزَلَتْ فِينَا مَعَاشِرَ الأَنْصَارِ؛ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَلا نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ، ﷺ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَازِمٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالا: هِيَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَصَلاةِ الْعِشَاءِ صَلاةُ الأَوَّابِينَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَنَامُونَ حَتَّى يُصَلُّوا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ
وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] قال ابن عباس: خوفا من النار وطمعا في الجنة.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال الكلبي: في الواجب عليهم والتطوع.
قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] أي: لا يعلم أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ما خبئ لهؤلاء الذين ذكرهم مما تقر به أعينهم، قال ابن عباس في هذه الآية: هذا مما لا تفسير له، والأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره.
٧٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " يَقُولُ اللَّهُ، ﷿: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ "
٧٣٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيُّ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " يَقُولُ اللَّهِ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ "
٧٣٨ - قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْرَؤُهَا: مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ،
[ ٣ / ٤٥٣ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ
وقرأ حمزة ما أخفي بإسكان الياء، أي ما أخفي لهم، حجته قراءة عبد الله نخفي بالنون.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ﴿١٨﴾ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٩﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [السجدة: ١٨-٢٢] قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] نزلت في عليٍّ بن أبي طالب ﵁، والوليد بن أبي معيط، وذلك أنه جرى بينهما تنازع وسباب، فقال له الوليد: اسكت، فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا.
فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق تقول الكذب.
فأنزل الله تعالى هذه الآية تصديقا لما قال علي بن أبي طالب ﵁.
روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فقال: قال الوليد بن عقبة لعليّ: أنا أَحَدُّ منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك.
فقال له عليٌّ: اسكت، فإنما أنت فاسق.
فنزلت ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] قال: يعني بالمؤمن علي ﵁، وبالفاسق الوليد بن عقبة.
وقوله: لا يستوون قال الزجاج: معنى الاثنين جماعة لذلك، قال: لا يستوون.
قال قتادة: لا والله ما استووا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة.
ثم أخبر عن منازل الفريقين، فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ [السجدة: ١٩] الذي يأوي إليه المؤمنون، نزلا أي: معدة لهم، وقد سبق تفسيره.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٩﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [السجدة: ١٩-٢٠] مفسرة في ﴿[الحج.
] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [سورة السجدة: ٢١] قال مقاتل: يعني ما ابتلوا به من الجوع سبع سنين.
وقال ابن مسعود: يعني القتل ببدر.
وهو قول قتادة، والسدي.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] يعني: عذاب الآخرة، لعلهم يرجعون إلى التوحيد والإيمان، يعني: من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط.
ومن أظلم تقدم تفسيره في ﴿[الكهف.
] مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٢] يعني: الذين قتلوا ببدر وعجلت أرواحهم إلى النار.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٢٣﴾ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٢٥﴾﴾ [السجدة: ٢٣-٢٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة: ٢٣] يعني التوراة، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] قال المفسرون: وعد محمد ﷺ أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به، وهذا قول مجاهد، والكلبي، والسدي.
وجعلناه يعني الكتاب، وهو التوراة، ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣] من الضلالة.
وجعلنا منهم من بني إسرائيل، أئمة قادة في الخير، يهدون بأمرنا يدعون الناس إلى طاعة الله بأمر الله، يعني الأنبياء الذين كانوا فيهم.
وقال قتادة: هم غير الأنبياء.
لما صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، وقرئ لما صبروا أي لصبرهم، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] أنها من الله.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ [السجدة: ٢٥] يقضي ويحكم، بينهم يعني: الذين كذبوا النبي ﷺ من بني إسرائيل، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥] من الدين، لأنهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر الآخرون.
ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ﴿٢٧﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٨﴾ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿٢٩﴾ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ﴿٣٠﴾﴾ [السجدة: ٢٦-٣٠] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [السجدة: ٢٦] الآية مفسرة في ﴿[طه.
ثم وعظهم ليحذروا، فقال:] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ [سورة السجدة: ٢٧] يعني: المطر والسيل، ﴿إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] وهي التي لا تنبت في الشتاء، حتى إذا جاء الماء أنبتت ما يأكله الناس والأنعام، وهو قوله: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ [السجدة: ٢٧] الآية.
ويقولون يعني: كفار مكة، ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] أي: والقضاء بين الخلق، وهو يوم البعث، يقضي الله فيه بين المؤمنين والكافرين.
فقال الله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩] لا ينفع الإيمان يوم القضاء بين الخلق، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] لا يؤخر العذاب عنهم ولا يمهلون لمعذرة أو توبة.
٧٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ اللَّبَّادُ، نا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، نا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَتَى هَذَا
[ ٣ / ٤٥٥ ]
الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٨﴾ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ فُتِحَ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، فَلَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهُ آيَةُ السَّيْفِ
وانتظر موعدي لك، يعني نصره على أعدائه، إنهم منتظرون بك حوادث الأزمان من موت أو قتل فيستريحوا منك.
[ ٣ / ٤٥٦ ]