مكية وآياتها ثلاث وتسعون.
٦٨٣ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الأَسَدِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا سَلامٌ الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " وَمَنْ قَرَأَ طس سُلَيْمَانَ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ سُلَيْمَانَ وَكَذَّبَهُ، وَهُودًا، أَوْ شُعَيْبًا، وَصَالِحًا، وَإِبْرَاهِيمَ، وَيَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ وَهُوَ يُنَادِي: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ "
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ﴿١﴾ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ﴿٥﴾ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿٦﴾﴾ [النمل: ١-٦] بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿طس﴾ [النمل: ١] قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، أقسم الله به.
وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن.
وقال مجاهد: هو من الحروف المقطعة التي هي فواتح يفتح الله بها القرآن، وليست من أسمائه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١] تقدم تفسيره.
﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] بيان من الضلالة لمن عمل به، وبشرى بما فيه من الثواب للمصدقين به أنه من عند الله.
ثم نعتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النمل: ٤] لا يصدقون بالبعث، ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] قال ابن عباس، ومقاتل: يعني ضلالتهم حتى رأوها حسنة.
فهم يعمهون يترددون فيها متحيرين.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [النمل: ٥] أشده، ﴿وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦] قال السدي: يلقى عليك القرآن وحيا من عند الله الحكيم.
أي: أنزله عليك بعلمه وحكمته.
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٧﴾ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨﴾ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٩﴾ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿١٠﴾ إِلا مَنْ
[ ٣ / ٣٦٨ ]
ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١﴾ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿١٢﴾ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤﴾﴾ [النمل: ٧-١٤] قوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ﴾ [النمل: ٧] قال الزجاج: موضع إذ نصب، والمعنى: اذكر إذ قال موسى.
أي: اذكر قصته إذ قال لأهله لامرأته: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل: ٧] أبصرتها، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧] عن الطريق، وكان قد تحير وترك الطريق، فإن لم أجد أحدا يخبرني عن الطريق آتيكم بشعلة نار، وهو قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] والشهاب أصل خشبة فيها نار ساطع، وتفسير القبس قد سبق، وقرئ بشهاب قبس بالتنوين والإضافة، قال الزجاج: من نون جعل قبس من صفة الشهاب.
ومن أضاف، فقال الفراء: هو مما يضاف إلى نفسه إذا اختلفت الأسماء، كقوله: والدار الآخرة.
وقوله: لعلكم تصطلون لكي تصطلوا من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء، يقال: صلي بالناء واصطلى بها إذا استدفأ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] أي: بورك على من في النار، أو فيمن في النار، قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه، بمعنى واحد، والتقدير من في طلب النار، وهو موسى، فحذف المضاف، وهذا تحية من الله ﷿ لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هو النور، وذلك أن موسى رأى نورا عظيما فظنه نارا، لذلك ذكر بلفظ النار، ومن في النار هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رأى موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتسبيح والتقديس.
ومن حولها هو موسى، لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها، والله تعالى نادى موسى لما توجه إلى النار بأنه قد بارك فيه وفي الملائكة الذين كانوا في ذلك النور الذي رآه.
ثم نزه نفسه، فقال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] .
ثم أخبر الله موسى عن نفسه، وتعرف إليه بصفاته وذاته، فقال: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] والكناية في إنه للشأن والأمر، أي: إن الشأن والأمر أن المعبود أنا.
وقال الفراء: هذه الهاء عماد، وهو اسم لا يظهر.
ثم أراه على قدرته ليشاهد من قدرة الله ما لم يشاهده قبل، وهو قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل: ١٠] وفي الآية محذوف تقديره فألقاها فصارت حية، فلما رءاها تهتز كأنها جان قال الزجاج: صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان، وهو الحية الأبيض، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها، وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وقوله: ولى مدبرا أي: من الخوف من الحية، ولم يعقب يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب.
وأهل التفسير يقولون: لم يقف ولم يلتفت.
فقال الله: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] قال ابن عباس: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي، والمعنى: لا يخيف الله الأنبياء، أي: إذا أمنهم لا يخافونه، فكيف تخاف الحية، نهي عن الخوف من الحية، ونبه على أمن المرسلين عند الله، ليعلم أن من آمنه الله من عذابه بالنبوة لا يستحق أن يخاف الحية.
ثم قال: ﴿إِلا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١١] يعني أذنب وظلم نفسه
[ ٣ / ٣٦٩ ]
بالمعصية، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ [النمل: ١١] أي: توبة وندما، بعد سوء عمله، وفي هذا إشارة إلى أن موسى، وإن ظلم نفسه بقتل القبطي وخاف من ذلك، فإن الله يغفر له لأنه ندم على ذنب وتاب عنه حين قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] وهذا من الاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن من ظلم ثم تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] إني لا يخاف لدي الأنبياء والتائبون، وقوم يقولون: إلا ههنا بمعنى ولا كأنه، قال: ولا يخاف لدي المرسلون، ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء.
ثم أراه آية أخرى، فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] الجيب: حيث جيب من القميص، أي قطع من الجيب، قال ابن عباس: كانت عليه جبة زربقانية من صوف، كماها إلى مرفقيه، ولم يكن لها أزرار، وأدخل يده في جيبها فأخرجها وإذا هي تبرق مثل البرق.
فذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] من غير برص.
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] وقد فسرناها في ﴿[بني إسرائيل،] إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [سورة النمل: ١٢] أي: مبعوثا إليهم أو مرسلا، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] خارجين عن طاعة الله.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٣] بينة واضحة، كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] وقد مر.
قالوا هذا أي: هذا الذي نراه عيانا، ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل: ١٣-١٤] أنكروها ولم يقروا بأنها من عند الله، واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، وأنها ليست بسحر، ظلما وعلوا قال الزجاج: التقدير وجحدوا بها ظلما وعلوا.
أي شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله، فانظر يا محمد، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] في الأرض بالمعاصي.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥﴾ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴿١٦﴾ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٧﴾ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿١٨﴾ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴿١٩﴾﴾ [النمل: ١٥-١٩] قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] قال ابن عباس: علما بالقضاء وبكلام الطير والدواب وتسبيح الجبال.
﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ [النمل: ١٥] بالنبوة والكتاب، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجن والإنس، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥﴾ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٥-١٦] نبوته وعلمه وملكه، قال قتادة: كان لدواد تسعة عشر ذكرا، فورث سليمان ملكه من بينهم ونبوته.
٦٨٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِجُرْجَانَ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الآبَنْدُونِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُورَبَذِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّلْتِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَرَادَةَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
[ ٣ / ٣٧٠ ]
هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى دَاوُدَ مَخْتُومٌ فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: أَنْ سَلِ ابْنَكَ سُلَيْمَانَ، فَإِنْ هُوَ أَخْرَجَهُنَّ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَدَعَا دَاوُدُ سَبْعِينَ قَسًّا وَسَبْعِينَ حَبْرًا، وَأَجْلَسَ سُلَيْمَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ، أُمِرْتُ أَنْ أَسْأَلَكَهُنَّ، فَإِنْ أَنْتَ أَخْرَجْتَهُنَّ فَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، قَالَ سُلَيْمَانُ: لِيَسْأَلْ نَبِيُّ اللَّهِ عَمَّا بَدَا لَهُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: أَخْبِرْنِي، يَا بُنَيَّ، مَا أَبْعَدُ الأَشْيَاءِ، وَمَا أَقْرَبُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا آنَسُ الأَشْيَاءِ، وَمَا أَوْحَشُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا أَحْسَنُهَا، وَمَا أَقْبَحُهَا؟ وَمَا أَقَلُّهَا، وَمَا أَكْثَرُهَا؟ وَمَا السَّاعِيَانِ؟ وَالْمُشْتَرِكَانِ؟ وَمَا الْقَائِمَانِ؟ وَمَا الْمُخْتَلِفَانِ؟ وَمَا الْمُتَبَاغِضَانِ؟ وَمَا الأَمْرُ إِذَا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حُمِدَ آخِرُهُ، وَمَا الأَمْرُ إِذَا رَكِبَهُ الرَّجُلُ ذُمَّ آخِرُهُ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَمَّا أَقْرَبُ الأَشْيَاءِ فَالآخِرَةُ، وَأَمَّا أَبْعَدُ الأَشْيَاءِ فَمَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا آنَسُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ فِيهِ رُوحٌ، وَأَمَّا أَوْحَشُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ لا رُوحَ فِيهِ، وَأَمَّا الْقَائِمَانُ فَالسَّمَاءُ وَالأَرْضُ، وَأَمَّا السَّاعِيَانِ فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَالْمُشْتَرِكَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأَمَّا الْمُتَبَاغِضَانِ فَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ كُلُّ وَاحِدٍ يُبْغِضُ صَاحِبَهُ، وَأَمَّا الأَمْرُ إِذَا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حُمِدَ آخِرُهُ فَالْحِلْمُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَأَمَّا الَّذِي إِذَا رَكِبَهُ الرَّجُلُ ذُمَّ آخِرُهُ فالعدة عَلَى الْغَضَبِ، قَالَ: فَفَكَّ الْخَاتَمَ فَإِذَا هَذِهِ الْمَسَائِلُ سَوَاءٌ عَلَى مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ الْقِسِّيسُونَ وَالأَحْبَارُ: لَنْ نَرْضَى حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَإِنْ هُوَ أَخْرَجَهَا فَهُوَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِكَ، فَقَالَ: سَلُوهُ، قَالَ سُلَيْمَانُ: سَلُونُي وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ، قَالُوا: مَا الشَّيْءُ إِذَا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ: هُوَ الْقَلْبُ، إِذَا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَالُوا: صَدَقْتَ، أَنْتَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ دَاوُدُ، ﵇، قَضِيبَ الْمُلْكِ، وَمَاتَ مِنَ الْغَدِ
أخبرنا أبو الحسن المؤمن بن محمد السوادي، أنا محمد بن عبد الله بن نعيم، أنا أبو سعيد الأحمشي، نا الحسن بن حميد، نا الحسين بن علي السلمي، نا محمد بن حسان، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اعطي سليمان بن داود ﵇ ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبع مائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، واعطي علم كل شيء وملك كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة التي سمع بها الناس، وذلك قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بِالْكُوفَةِ، نا حَامِدُ بْنُ بِلالِ بْنِ الْحَسَنِ الْبُخَارِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ طَلْحَةَ، نا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلِيلُ، نا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " الدِّيكُ الأَبْيَضُ صَدِيقِي وَصَدِيقُ صَدِيقِي وَعَدُوُّ عَدُوِّي، قَالُوا: فَمَا يَقُولُ الدِّيكُ إِذَا صَاحَ؟ قَالَ: يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ يَا غَافِلِينَ "
٦٨٦ - أنا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلِ بْنُ بِشْرٍ، نا سمانَةُ بِنْتُ حَمْدَانَ بْنِ مُوسَى الأَنْبَارِيَّةُ، بِالأَنْبَارِ، قَالَتْ: نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ابْنُ الْعَسْكَرِيِّ، نا
[ ٣ / ٣٧١ ]
أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْوَاسِطِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَامَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا: أَنْتَ ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: أَنْتَ ابْنُ عَمِّ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالسَّفِيرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جِبْرِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالُوا: فَإِنَّا قَوْمٌ قَدْ قَرَأْنَا الْكُتُبَ وَعَرَفْنَا مَا فِيهَا، وَنَحْنُ سَائِلُونَ عَنْ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْتَ أَخْبَرْتَنَا بِهَا آمَنَّا وَصَدَّقْنَا، قَالَ: سَلُونِي تَفَقُّهًا، وَلا تَسْأَلُونِي تَفَنُّنًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، دَعَا لِي فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» فَعَلِمْتُ أَنَّ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، تَلْحَقُنِي، سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا يَقُولُ٤، وَالزُّرْزُورِ، وَالدُّرَّاجُ، وَالدِّيكُ فِي صَقِيعِهِ، وَالْحِمَارُ فِي نَهِيقِهِ، وَالضِّفْدِعُ فِي نَقِيقِهِ، وَالْفَرَسُ فِي صَهِيلِهِ، قَالَ: نَعَمْ، أُخْبِرُكُمْ؛ أَمَّا الْقُنْبُرُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي صَفِيرِهِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مُبْغِضِي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا الزُّرْزُورُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ يَا رَازِقُ، وَأَمَّا الدُّرَّاجُ فَيَقُولُ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَأَمَّا الدِّيكُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ يَا غَافِلِينَ، وَأَمَّا الضِّفْدِعُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي نَقِيقِهِ: سُبْحَانَ الْمَعْبُودِ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، وَأَمَّا الْحِمَارُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي نَهِيقِهِ: اللَّهُمَّ الْعَنِ الْعَشَّارَ، وَأَمَّا الْفَرَسُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي صَهِيلِهِ إِذَا الْتَقَتِ الْفِئَتَانِ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ، قَالُوا: يَابْنَ عَبَّاسٍ، نَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلامُهُمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْطِقُ الطَّيْرِ كَلامُ الطَّيْرِ، فَجَعَلَهُ كَمَنْطِقِ الرَّجُلِ إِذَا فَهِمَ
وأنشد قول حميد بن ثور:
عجبت أنى يكون عناؤها فصيحا ولم يقر بمنطقها فما
ومعنى الآية: فهمنا ما تقول الطير، ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] قال ابن عباس: يريد من أمر الدنيا والآخرة.
وقال مقاتل: يعني الملك والنبوة والكتاب، وتسخير الرياح، وسخرة الجن والشياطين، ونطق الطير.
إن هذا الذي أعطينا، ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا.
قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] أي: جمع له جموعه وكل صنف من الخلق جند على حدة، يدل عليه قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧] قال المفسرون: كان سليمان إذا أراد سفرا أمر فجمع طوائف من هولاء الجنود على بساط واحد، ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض.
والمعنى: وجمع لسليمان جنوده في مسير له، قال محمد بن كعب: بلغنا أن سليمان بن داود عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون منها للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوابر على الخشب فيها ثلاث مائة كتيبة وسبع مائة سرية، فيأمر الريح العاصفة فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو
[ ٣ / ٣٧٢ ]
يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح فأخبرتك به، وقوله: فهم يوزعون قال قتادة: على صنف من جنوده وزعة ترد أولاهم على أخراهم، يعني: ليجتمعوا ويتلاحقوا وهو من الوزع الذي هو الكف، يقال: وزعته أزعه وزعا، والشيب وازع، أي مانع، قال الليث: والوازع في الحرب الموكل بالصفوف، يزع ما تقدم منهم.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨] أي أشرفوا عليه، قال كعب: هو بالطائف.
وقال قتادة، ومقاتل: هو بالشام.
قالت نملة أي: صاحت بصوت خلقه الله لها، ولما كان ذلك الصوت مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول.
قال أهل المعاني: ومعرفة النملة معجزة له، ألهمها الله معرفته حتى عرفته وحذرت النمل حطمه، وهو قولها: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] والنمل تعرف كثيرا من منافعها من ذلك، إنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت إلا الكزبرة فإنها تكسر بأربع قطع لأنها تنبت إذا كسرت بقطعتين، فالذي هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان، ومعنى لا يحطمنكم لا يكسرنكم، والحطم الكسر، والحطام ما تحطم، وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] أي: بحطمكم ووطئكم.
قال مقاتل: قد علمت النملة إنه ملك لا بقي فيه، وإنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطأها، لذلك قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] وهذا يدل على أن سليمان وجنوده كانوا ركبانا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح، لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن يتواطأها بأرجلهم، ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله الريح لسليمان، قال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فادخلته أذن سليمان، فلما سمع كلامها تبسم، وذلك قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] قال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء ﵈ التبسم، وضاحكا حال، ومعناه متبسما، وليس المراد بلفظ الضحك أكثر من التبسم، وسبب ضحك سليمان ﵇ من قول النملة التعجب، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك.
وقال مقاتل: ثم حمد ربه حين علمه منطق كل شيء وسمع كلام النملة.
﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩] أي ألهمني، ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩] يقال: فلان موزع بكذا، أي مولع به، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم، واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين.
قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿٢٠﴾ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢١﴾﴾ [النمل: ٢٠-٢١] وتفقد الطير التفقد: طلب ما غاب عنك، والطير اسم جامع للجنس، وكانت الطير تصحب سليمان في سفره، تظله بأجنحتها، والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير، ﴿فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] أي: ما للهدهد لا أراه، يقول العرب: ما لي أراك كئيبا؟ معناه ما لك، ولكنه من القلب الذي يوضحه المعنى، والهدهد طائر معروف.
قال مجاهد: سئل ابن عباس: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ فقال: إن سليمان نزل منزلا ولم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدله على الماء إذا أراد أن ينزل، فلما فقده سأل عنه، وذلك أن الهدهد يرى الماء في الأرض كما يرى الماء في الزجاجة.
٦٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، نا أَبُو الْمُعَلَّى
[ ٣ / ٣٧٣ ]
الْعَطَّارُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْهُدْهَدَ، فَقَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ طَلَبَهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِسْقَاةَ الْمَاءِ، وَإِنَّ الصَّبِيَّ يَضَعُ لَهُ الْفَخَّ، فَيُغَطِّي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ التُّرَابِ فَيَجِيءُ فَيَقَعُ فِيهِ، فَيُقَالُ: وَيْحَكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَدَرَ يَحُولُ دُونَ الْبَصَرِ
٦٨٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا أَبُو الْحُرَيْشِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْكِلابِيُّ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ فُلَيْحٍ الْمَكِّيُّ، نا الْيَسَعُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ ذَهَبَ اللُّبُّ وَعَمِيَ الْبَصَرُ
وقوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] قال الزجاج: معناه بل كان من الغائبين.
وقال المبرد: لما تفقد سليمان الطير ولم ير الهدهد فقال: ﴿مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] على تقدير أنه مع جنوده، وهو لا يراه، ثم أدركه الشك، فشك في غيبته عن ذلك الجمع حيث لم يره، فقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] أي: بل أكان من الغائبين، كأنه ترك الكلام الأول واستفهم عن حال غيبته.
ثم أوعده، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] قال المفسرون: تعذيبه إياه أن ينتف ريشه، ثم يلقيه في الشمس، فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض.
أو لأذبحنه لأقطعن حلقه، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] بحجة بينة في غيبته، أصله ليأتينني بنونين كما يقرأ ابن كثير، ولكن حذفت النون التي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات.
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿٢٢﴾ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾ أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٢٦﴾﴾ [النمل: ٢٢-٢٦] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لم يلبث إلا يسيرا حتى جاء الهدهد، ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] أي: علمت شيئا من جميع جهاته، ما لم تعلم.
قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه.
وقال مقاتل: قال الهدهد: علمت ما لم تعلم، وجئتك بأمر لم تعلم، وجئتك بأمر لم تخبرك به الجن، ولم تعلمك به الإنس، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك.
وهو قوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] وقرئ من سبأ بالتنوين، قال الزجاج: من لم يصرف فلأنه اسم مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، من صرف ثلاثة اسم البلد فيكون منكرا سمي به مذكر، وروي في الحديث أن النبي ﷺ سئل
[ ٣ / ٣٧٤ ]
عن سبأ، فقال: «كان رجلا له عشر من البنين» .
وقد تكلمت العرب فيه الأجواد وغير الأجواد، وقال جرير:
الواردون وتيم في ذرى سبأ
وقال آخر:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما
وقوله: بنبأ يقين قال ابن عباس: الخبر الصادق، فقال سليمان: وما ذاك؟ فقال الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] يعني: بلقيس ملكة سبأ، قال مجاهد: كان تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، والقيل بلغتهم الملك، تحت يدي كل قيل ألف مقاتل.
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] قال عطاء: من زينة الدنيا من المال، والجنود، والعلم.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] قال: يريد سريرا من ذهب، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا، مضروب بالذهب، مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر.
أخبر الهدهد أنها وقومها على غير دين الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] الآية، إلى قوله: ألا يسجدوا ومن قرأ بالتشديد كان المعنى فقدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، ثم حذفت، قاله الزجاج، وقال الفراء: زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، ثم حذفت اللام.
ومن قرأ بالتخفيف كان المعنى: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السموات والأرض خلافا عليهم، وحمدا لله لمكان ما هداكم لتوحيده، فلم تكونوا مثلهم في الطغيان والكفر، وعلى هذه القراءة هذا كلام معترض من غير القصة، إما من الهدهد وإما من سليمان.
وقال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف.
يعني: ألا يا أيها الناس: اسجدوا لله.
قرأه العامة لئلا تنقطع القصة بما ليس فيها.
وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] يقال: خبأت الشيء أخبأه خبأ، والخبء ما خبأته لوقت.
قال الزجاج: جاء في التفسير أن الخبأ ههنا من السماء، والنبات من الأرض، وعلى هذا في تكون بمعنى من، وكذا هو في قراءة عبد الله، ويجوز أن يكون يعني الخبأ الغيب، فيكون المعنى: يعلم الغيب في السموات والأرض، وهذا قول قتادة، ويعلم ما تخفون في قلوبهم، وما
[ ٣ / ٣٧٥ ]
يعلنون بألسنتهم، وقرأ الكسائي بالتاء لأن أول الآية خطاب على قراءته بتخفيف الآيات اسجدوا كذلك آخر الآية.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] أي: هو الذي يستحق العبادة لا غيره، وهو رب العرش العظيم، لا ملكة سبأ، لأن عرشها، وإن كان عظيما، لا يبلغ عرش الله في العظمة، فلما فرغ الهدهد من كلامه.
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣١﴾﴾ [النمل: ٢٧-٣١] قال سليمان للهدهد: سننظر فيما حدثتنا من هذا القصة، أصدقت فيما قلت، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] .
ثم كتب سليمان كتابا، وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، فذلك قوله تعالى فيما قلت: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] يعني: إلى أهل سبأ، ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨] قال مقاتل: يغرب عنهم.
وهذا على التقديم والتأخير، والتقدير فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم لأن التولي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] ماذا يردون من الجواب.
فمضى الهدهد بالكتاب، فألقاه إليهم، فقالت: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، فقرأت الكتاب، وأخبرت قومها، وقالت: ألقي إلي كتاب كريم.
قال عطاء، والضحاك: سمته كريما لأن كان مختوما.
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير يدل على صحة هذا التفسير.
٦٨٩ - مَا أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: إِكْرَامُ الْكِتَابِ خَتْمُهُ
وقال قتادة، ومقاتل: كتاب كريم: حسن.
وهو اختيار الزجاج، قال: حسن ما فيه.
ثم بينت ممن الكتاب، فقالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] أي أن الكتاب من عنده، وإنما وإن المكتوب فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣٠-٣١] قال ابن عباس: لا تتكبروا علي.
والمعنى: لا تترفعوا عليّ وأتوني مسلمين منقادين طائعين، قال قتادة: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جملا لا تطيل، يعني أن هذا القدر الذي ذكره الله كان كتاب سليمان.
ثم أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها فاستشارتهم.
﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴿٣٢﴾ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴿٣٣﴾ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٣٤﴾ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [النمل: ٣٢-٣٥] و﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلأُ﴾ [النمل: ٣٢] تعني: الأشراف، وكانوا ثلاث مائة عشر قائدا، وهم أهل مشورتها، ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] أشيروا عليّ وبينوا لي ما أعمل، ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ [النمل: ٣٢] فاعلته وقاضيته، حتى تشهدون تحضروني، أي: إلا بحضوركم ومشورتكم.
قالوا مجيبين: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي: في الأبدان، في معنى قول ابن عباس، وفي قول مقاتل: أرادوا كثرة العدد.
﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] يعني: الشجاعة في الحرب، ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: والأمر إليك أي: في القتال وتركه، فانظري من الرأي، ماذا تأمرين ماذا تشيرين علينا.
قالت مجيبة لهم عن التعريض بالقتال ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] قال الزجاج: أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة أفسدوها، أي: أهلكوها وخربوها.
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر، ومعنى الآية أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وانتهى الخبر عنها، وصدقها الله فيما قالت، فقال: وكذلك يفعلون أي: وكما قالت هي يفعلون.
ثم قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥] قال السدي: تختبر بذلك سليمان لتعرف أملك هو أم نبي؟ فبعثت إليه بغلمان وجوار في قول أكثر المفسرين، قال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة.
وقال مقاتل، ومجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية.
وقال قتادة، وسعيد بن جبير: أرسلت بلبنة من ذهب في حرير وديباج.
﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] بقبول أم رد.
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴿٣٦﴾ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴿٣٧﴾﴾ [النمل: ٣٦-٣٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] أي: جاء الرسول سليمان، ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] أي: أتزيدونني مالا؟ وهذا استفهام إنكار، يعني أنه لا يحتاج إلى مالهم لأن الله أعطاه ما هو خير من ذلك، وهو قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٣٦] أي: من الإسلام والنبوة والملك، ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] من المال، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بها.
ثم قال سليمان للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧] أي: لا طاقة لهم بها، ولنخرجنهم منها من سبأ وهي قريتهم، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] .
فلما رجع إليها الرسول قالت: قد عرفت ما هذا بملك، ومالنا به من طاقة.
فتجهزت للمسير إليه، وأخبر جبريل سليمان أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه.
﴿قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣٨﴾ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿٣٩﴾ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴿٤٠﴾﴾ [النمل: ٣٨-٤٠]
[ ٣ / ٣٧٧ ]
قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وإنما قال هذا سليمان بعد أن قربت منه، وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان، وأحب أن يأخذ عرشها قبل أن تسلم، فلا يحل له أخذ ما لها، وذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] منقادين طائعين.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩] وهو المارد القوي الغليظ الشديد، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] يعني: من مجلسك الذي تقضي فيه، وكان سليمان يجلس في مجلسه للقضاء غدوة إلى نصف النهار، قال مقاتل: قال العفريت: أنا أضع قدمي عند منتهى بصري، فليس شيء أسرع مني.
وإني عليه أي: على حمله، لقوي أمين على ما فيه من الذهب والجواهر.
فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] وهو آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وهذا قول أكثر المفسرين في الذي عنده علم من الكتاب، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] قال سعيد بن جبير: قال لسليمان انظر إلى السماء، فما طرف حتى جاء به، فوضعه بين يديه.
والمعنى: حتى يعود إليك طرفك بعد مدة إلى السماء، وقال مجاهد: معنى ارتداد الطرف إدامة النظر حتى يرتد إليه طرفه خاسئا، وعلى هذا معنى الآية أن سليمان يمد بصره إلى أقصاه، وهو يديم النظر، فقبل أن ينقلب إليه بصره حسيرا يكون قد أتي بالعرش.
قال محمد بن إسحاق: انخرق مكان العرش حيث هو هناك ثم نبع بين يدي سليمان.
ونحو هذا روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: جرى تحت الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.
وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان.
وقال أهل المعاني: لا ينكر من قدرة الله أن يعدمه من حيث كان، ثم يوجده حيث كان سليمان بلا فصل بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، ويكون كرامة للولي، ومعجزة للنبي.
واختلفوا في ذلك الذي دعا به آصف: فقال مقاتل، ومجاهد هذا: يا ذا الجلال والإكرام.
وقال الكلبي: يا حي يا قيوم.
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، نا ابن أبي الدنيا، أنا عبيد الله بن عمير الخيثمي، عن المنهال بن عيسى، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، قال: قال سليمان بن داود لصاحب العرش: قد رأيتك تراجع شفتيك، فما قلت؟ قال: قلت: إلهي وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت، ائت به.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠] في الآية محذوف تقديره فدعا الله فأتى به، فلما رآه مستقرا عنده ثابتا بين يديه، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] أي: هذا التمكين من حصول المراد من فضل الله وعطائه، قال قتادة: والله ما جعله فخرا ولا بطرا، ولكنه جعله منة لله وفضلا منه.
ليبلوني ليختبرني، أأشكر الله فيما أعطاني من نعمة، ﴿أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ﴾ [النمل: ٤٠] ربه، ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠] لأجل لنفسه، يفعل ذلك لأن ثواب شكره يعود إليه، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ [النمل: ٤٠] عن شكره، كريم بالإفضال على من يكفر نعمه، قال المفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج سليمان بلقيس فتفشي إليه أسرار الجن، وذلك أن أمها كانت جنية، ولا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده لو تزوجها، فأساءوا الثناء عليها ليزهدوا فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئا، وإن رجلها كحافر الحمار.
فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها.
فذلك قوله: ﴿
[ ٣ / ٣٧٨ ]
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴿٤١﴾ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴿٤٢﴾ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿٤٣﴾ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٤﴾﴾ [النمل: ٤١-٤٤] ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١] التنكير التغيير، يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته.
قال قتادة، ومقاتل: هو أن يزاد فيه أو ينقص.
ننظر أتهتدي لمعرفته، ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١] أي: من القوم الذين لا يهتدون ولا يعرفون.
فلما جاءت المرأة، ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] قال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر، وعجبت من حضورها عرشها عند سليمان.
ف ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وقال مقاتل: عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم.
قال عكرمة: كانت حكمية، قالت: لئن قلت هو هو خشيت أن أكذب، وإن قلت لا خشيت أن أكذب.
فقالت: كأنه هو.
شبهته به.
قيل لها: فإنه عرشك، فما أغني عنك إغلاق الأبواب.
وكانت قد خلفته وراء سبعة أبواب لما خرجت، فقال: وأوتينا العلم لصحة النبوة، من قبلها من قبل الآية في العرش، وكنا مسلمين طائعين منقادين لأمر سليمان.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٣] أي: منعها من التوحيد الذي كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، قال الفراء: معنى الكلام وصدها من أن تعبد الله ما كانت تعبد.
﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] استئناف خبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت فيما بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.
وأراد سليمان أن ينظر إلى قدمها من غير أن يسألها كشفها، إذ قيل له: إن رجلها كحافر الحمار.
فأمر أن يهيأ لها بيت من قوارير فوق الماء، ووضع سرير سليمان في صدر البيت، و﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] قال ابن قتيبة: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك.
ونحو هذا قال الزجاج في الصرح: إنه الصحن، يقال: هذه مساحة الدار، وصرحة الدار.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] وهي معظم الماء، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] لدخول الماء، قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقيها رأى سليمان قدما لطيفا، وساقا حسنا خدلجا أزب، فقال لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة للجسد؟ فعلمه عمل النورة.
فكانت النورة والحمامات من يومئذ، فلما رأى ساقها وقدمها ناداها سليمان، ف ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] أي: من الزجاج وليس بماء، قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله.
ف ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] بعبادة غيرك، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] أخلصت له التوحيد، قال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتيبة، فسأله: هل تزوجها سليمان؟ قال: عهدي بها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] يعني أنه لا يعلم ذلك، وأن آخر ما سمع من حديثها ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] .
[ ٣ / ٣٧٩ ]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٤٦﴾ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴿٤٧﴾﴾ [النمل: ٤٥-٤٧] قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] أي: مؤمنون وكافرون، كل فريق يقول الحق معي.
فقال صالح للفريق المكذب: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] أي: بالعذاب قبل الرحمة، أي: لم قلتم إن كان ما تأتينا به حقا فأتنا بالعذاب، لولا هلا، ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦] من الشرك، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] فلا تعذبون في الدنيا.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] تشاءمنا بك وبمن على دينك، وذلك أنهم قحط المطر عنهم، وجاعوا، فقالوا: أصابنا هذا الشر من شؤمك وشؤم أصحابك.
فقال لهم صالح: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم.
وهذا كقوله: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] .
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] تختبرون بالخير والشر.
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴿٤٨﴾ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿٤٩﴾ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿٥٠﴾ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥١﴾ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٥٢﴾ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٥٣﴾﴾ [النمل: ٤٨-٥٣] ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [النمل: ٤٨] يعني: التي بها صالح، وهي الحجر، تسعة رهط وهم غواة قوم صالح، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل: ٤٨] يعملون فيها بالمعاصي، ولا يصلحون ولا يطيعون الله.
قالوا فيما بينهم: تقاسموا بالله احلفوا بالله لنبيتنه لنقتلن صالحا، وأهله بياتا، ومن قرأ بالنون كأنهم قالوا: أقسموا بالله لنفعلن كذا، والأمر بالقسم في القراءتين دخل في الفعل معهم، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أي: لذي رحم صالح، إن سألنا عنه: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] ما قتلناه، وما ندري من قتله وأهله، والمهلك يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع، وروى عاصم بفتح الميم واللام، يريد الهلاك، يقال: هلك هلاكا يهلك مهلكا، وروى
[ ٣ / ٣٨٠ ]
حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهو اسم المكان على معنى: ما شهدنا موضع هلاكهم ومكانه.
قال الزجاج: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحا وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم فعلوا ذلك، أو رأوه وكان هذا مكر عزموا عليه.
قال الله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] جازيتهم جزاء مكرهم بتعجيل عقوبتهم، ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] بمكر الله بهم.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقرئ أنا بالفتح، قال الزجاج، والفراء: من كسر استأنف، فهو يفسر به ما كان قبله مثل قوله: فلينظر الإنسان إلى طعامه إنا صببنا ومن فتح رده على إعراب ما قبله جعله تابعا للعاقبة، كأنه قال: العاقبة أنا دمرناهم.
قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم.
وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم.
وقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] يعني بصيحة جبريل.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] قال الزجاج: نصب خاوية على الحال، والمعنى: فانظر إلى بيوتهم خاوية.
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] بظلمهم وشركهم بالله أهلكناهم حتى صارت منازلهم خاوية خالية ساقطة على عروشها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [النمل: ٥٢] في هلاكهم، ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] لعبرة لمن علم توحيد الله وقدرته.
﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النمل: ٥٣] صدقوا صالحا من العذاب وكانوا يتقون الشرك.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٥٤﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٥٥﴾ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٥٦﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٥٧﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ﴿٥٨﴾﴾ [النمل: ٥٤-٥٨] ولوطا واذكر لوطا، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٤] الذين أرسل إليهم أتأتون الفاحشة يعني: اللواط في قول الجميع، وأنتم تبصرون وأنتم تعلمون أنها فاحشة، وهو من البصر الذي هو العلم، وهذه الآيات التي في هذه القصة مفسرة في ﴿[الأعراف.
وقوله:] بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة النمل: ٥٥] قال ابن عباس: تجهلون القيامة وعاقبة العصيان.
وقوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] جعلناها بتقديرنا وقضائنا عليها أنها من الباقين في العذاب، وما بعد هذا مفسر في ﴿[الشعراء.
قوله:] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿٦٠﴾﴾ [سورة النمل: ٥٩-٦٠] ﴿
[ ٣ / ٣٨١ ]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩] هذا خطاب لرسول الله ﷺ، أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال مقاتل: هم الأنبياء الذين اختارهم الله لرسالته.
وقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد بن عبد الله ﷺ.
وقال في رواية عطاء: هم الذين وحدوه، وآمنوا به.
وقال في رواية الكلبي: هم أمة محمد ﷺ، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته.
ومعنى السلام عليهم: أنهم سلموا مما عذب به الكفار.
ثم قال مخاطبا المشركين: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] يا أهل مكة، أي: الله خير لمن عبده أم الأصنام لعابديها، إلزام للحجة على المشركين، قيل لهم بعدما ذكر هلاك الكفار: الله خير أم الأصنام.
والمعنى أن الله نجى من عبده من الهلاك، والأصنام لم تغن عن عابديها عند نزول العذاب، وكان المشركين يتوهمون في الأصنام وفي عبادتها خيرا، فقيل لهم احتجاجا: الله خير أما تشركون.
قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [النمل: ٦٠] تقدير الكلام أما تشركون خير من خلق السموات والأرض، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل: ٦٠] يعني المطر ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ [النمل: ٦٠] جمع حديقة، وهي كل روضة وحائط وبستان عليه حائط، وما لم يكن عليه حائط لا يقال حديقة ذات بهجة ذات منظر حسن، والبهجة الحسن، يبتهج به من رآه، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] أي: ما ينبغي لكم ذلك، لأنكم لا تقدرون عليها.
ثم قال مستفهما منكرا عليهم: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه، بل ليس معه إله هم قوم يعني: كفار مكة، يعدلون يشركون بالله غيره.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل: ٦١] مستقرا لا يميد بأهلها، وجعل خلالها فيما بينها، أنهارا كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] .
﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: ٦١] جبالا ثوابت أثبت بها الأرض ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] مانعا من قدرته بين العذب والملح، فلا يختلط أحدهما بالآخر، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] توحيد ربهم وسلطانه وقدرته.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ [النمل: ٦٢] المكروب المجهود، إذا دعاه فيكشف ضره، وهو قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله، والمعنى: يهلك قرنا فينشئ آخرين.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] قال ابن عباس: قليلا ما تتعظون.
ومن قرأ بالياء، فالمعنى: قليلا تذكر هؤلاء المشركين.
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] أمن يهديكم يرشدكم إلى مقاصدكم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
[ ٣ / ٣٨٢ ]
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [النمل: ٦٤] في الأرحام من نطفة، ثم يعيده بعد الموت، ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النمل: ٦٤] المطر، ومن الأرض النبات، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [النمل: ٦٤] حجتكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] أن لي شريكا صنع من هذه الأشياء.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٦٥﴾ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ﴿٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿٦٧﴾﴾ [النمل: ٦٥-٦٧] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [النمل: ٦٥] يعني الملائكة، والأرض يعني الناس، الغيب ما غاب عن العباد، إلا الله وحده، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ولا يعلمون متى يكون البعث، والمعنى أن الله هو الذي يعلم الغيب ويعلم متى البعث لا غيره.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] ادارك معناه تدارك، أي: تتابع وتلاحق، ومنه قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨] .
وقرأ ابن كثير بل أدرك أي: بلغ ولحق، كما تقول: أدركه علمي، أي بلغه ولحقه.
قال ابن عباس: يريد ما جهلوه في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة.
وقال السدي: اجتمع علمهم يوم القيامة، فلم يشكوا ولم يختلفوا.
وقال مقاتل: يقول: بل علموا في الآخرة حين عاينوا ما شكوا فيه وعموا عنه في الدنيا.
وهو قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ [النمل: ٦٦] بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] جمع عَمٍ، وهو الأعمى القلب.
قال الكلبي: يقول: هم جهلة بها.
وما بعد هذا مفسر في ﴿[المؤمنين إلى قوله:] لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿٦٨﴾ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿٦٩﴾ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿٧٠﴾﴾ [سورة النمل: ٦٨-٧٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] والآية ظاهرة.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] على كفار مكة، والمعنى: على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ [النمل: ٧٠] وقرئ في ضيق بكسر الضاد، وهما لغتان، قال ابن السكيت: يقال في صدر فلان ضيق أو ضيق، وهو ما يضيق عنه الصدر.
وهذه الآية مفسرة في آخر ﴿[النحل.
] وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٧١﴾ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴿٧٢﴾
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٤﴾ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٧٥﴾﴾ [سورة النمل: ٧١-٧٥] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [النمل: ٧١] الذي تعدنا يا محمد من العذاب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] بأنه يكون.
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] يقال: ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه، قال ابن عباس: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] قرب لكم.
وقال السدي: أقرب لكم.
وقال قتادة: أزف لكم.
والمعنى أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول للذين يستعجلون العذاب قدرنا، ﴿لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] من العذاب، فكان بعض الذي نالهم ببدر وسائر العذاب لهم فيما بعد الموت.
ثم ذكر فضله في تأخير العذاب، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [النمل: ٧٣] قال مقاتل: على أهل مكة حين لا يعجل عليهم بالعذاب، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ذلك.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [النمل: ٧٤] تخفي وتستر صدورهم، وما يعلنون بألسنتهم من عداوتك والخلاف عليك، أي: إنه يعلم ذلك فيجازيهم به.
قوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾ [النمل: ٧٥] أي: جملة غائبة، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٧٥] قال المفسرون: ما من شيء غائب وأمر يغيب عن الخلق، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] إلا هو بين اللوح المحفوظ، قال مقاتل: يريد علم ما تستعجلون من العذاب، هو مبين عند الله، ولئن غاب عن الخلق.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٧٦﴾ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٧٧﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿٧٨﴾ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٧٩﴾ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٨٠﴾ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾﴾ [النمل: ٧٦-٨١] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] قال الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا وشيعا، يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من دين بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه إن أخذوا به وأسلموا.
وإنه وإن القرآن، لهدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن به.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ [النمل: ٧٨] قال مقاتل، والكلبي: بين أهل الكتاب يقضي بينهم يوم القيامة.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [النمل: ٧٨] الغالب فلا يمكن رد قضائه، العليم بما يحكم، فهو يقضي بين المختلفين بما لا يمكن أن يرد.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] ثق به، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] على الدين البين، أي: إن العاقبة لك بالنصر.
ثم ضرب للكفار مثلا، فقال: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] شبه كفار مكة بالأموات، يقول: كما لا يسمع الميت النداء كذلك لا يسمع الكافر النداء.
﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] قال قتادة: لو أن أصم وَلَّى مدبرا، ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان.
ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه من التوحيد، كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، والصم الذين لا يسمعون.
ثم ضرب العمى مثلا لهم أيضا، فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان، وقرأ حمزة تهدي العمي على
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الفعل، وحجته قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [يونس: ٤٣] والمعنى أنك لا تهديهم، عن ضلالتهم لشدة عنادهم، إن تسمع ما تسمع سماع إفهام، ﴿إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [النمل: ٨١] قال مقاتل: إلا من صدق بالقرآن أنه من الله.
فهم مسلمون مخلصون بتوحيد الله.
قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢] قال ابن عباس: حق العذاب عليهم.
وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم.
والمعنى: حق، ووجب أن ينزل بهم ما قال الله، وحكم به من عذابه، وسخطه عليهم، أي: على الكفار الذين تخرج الدابة عليهم، وهو قوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٢] وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وقال مخلد بن الحسين: لا تخرج الدابة حتى لا يبقى أحد يريد أن يؤمن.
قالوا: وتخرج الدابة من صدر الصفا.
٦٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْخُتَّلِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " بِئْسَ الشِّعْبُ جِيَادٌ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا، قَالُوا: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ فَتَصْرُخُ ثَلاثَةَ صَرَخَاتٍ يَسْمَعُهَا مَنْ بَيْنِ الْخَافِقَيْنِ»
٦٩١ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو يَزِيدَ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ، نا سَوَادَةُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَكَّةَ، وَهُوَ عَلَى الصَّفَا إِذْ قَرَعَ الصَّفَا بِعَصَاهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِشِرَاكٍ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الدَّابَّةَ لَتَسْمَعُ قَرْعَ عَصَايَ هَذِهِ
٦٩٢ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، أنا أَبُو الْفَضْلِ، أنا أَبُو يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: هِيَ دَابَّةٌ ذَاتُ زَغَبٍ وَرِيشٍ، لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ
٦٩٣ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، نا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، نا أَوْسُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا، وَتَخْتِمُ وَجْهَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْخِوَانِ يَجْتَمِعُونَ، يَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا: يَا كَافِرُ
وقوله: تكلمهم قال مقاتل:
[ ٣ / ٣٨٥ ]
تكلمهم بالعربية، فتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن، والبعث، والثواب والعقاب، وقرئ أن الناس بفتح الهمزة وكسرها، فمن فتح أراد تكلمهم الدابة بأن الناس، ومن كسر فلأن معنى تكلمهم تقول لهم إن الناس، والكلام قول.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿٨٣﴾ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨٤﴾ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ﴿٨٥﴾ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٨٦﴾﴾ [النمل: ٨٣-٨٦] قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ [النمل: ٨٣] الفوج الجماعة من الناس كالزمرة، وإنما يريد الرؤساء والمتبوعين في الكفر حشروا وجمعوا لإقامة الحجة عليهم، وقوله: فهم يوزعون مفسر في هذه ال ﴿[.
] حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ [سورة النمل: ٨٤] إلى موقف الحشر، قال الله لهم: أكذبتم بآياتي هذا استفهام معناه الإنكار عليهم، والوعيد لهم.
قال ابن عباس: كذبتم أنبيائي، وجحدتم فرائضي وحدودي.
﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ [النمل: ٨٤] قال ابن عباس: ولم تختبروا حتى تفقهوا وتسمعوا.
وقال مقاتل: ولم يحيطوا علما أنها باطل.
ومعنى هذا: أكذبتم غير عالمين بها، يعني: ولم تتفكروا فيها.
ووقع القول وجب العذاب، ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥] بما أشركوا، ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] بحجة عن أنفسهم.
ثم احتج عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦] يبصر فيه، أي: ليبغى فيه الرزق، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [النمل: ٨٦] فيما جعلنا، ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] .
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴿٨٧﴾ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴿٨٨﴾ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴿٨٩﴾ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٠﴾﴾ [النمل: ٨٧-٩٠] ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧] قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى.
﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] أي: ماتوا لشدة الخوف، كقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] والمعنى: يبلغ منهم الفزع إلى أن يموتوا، وقوله: ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال ابن عباس: يريد الشهادة، وهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وقال الكلبي، ومقاتل: يعني جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت.
وقوله: وكل أي: من الأحياء الذي ماتوا، ثم أحيوا.
أتوه
[ ٣ / ٣٨٦ ]
يأتون الله يوم القيامة، وقرأ حمزة أتوه على الفعل، داخرين صاغرين، وقد تقدم.
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] واقفة في مكانها لا تسير، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] حتى تعلق على الأرض فتستوي بها، صنع الله أي: صنع الله ذلك، ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] أبرم خلق وأحكمه، ومعنى الإتقان في اللغة الإحكام للأشياء، إنه خبير بما يفعلون بما يفعل أعداؤه من المعصية والكفر، وبما يفعل أولياؤه من الطاعة، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة.
وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٨٩] بكلمة الإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله، والمعنى: من وافى يوم القيامة بالإيمان، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه.
والمعنى: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والنجاة من العذاب، وخير منها هنا اسم من غير تفضيل، ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] قرئ بالتنوين والإضافة، قال أبو علي الفارسي: إذا نون يجوز أن يعني به فزع واحد، ويجوز أن يعني به الكثرة، لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإن كانت مفردة الألفاظ كقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] وكذلك إذا أضيفت يجوز أن يعني به مفرد، ويجوز أن يعني به كثرة.
وعلى هذا القراءتان سواء لا فضل بينهما، فإن أريد به الكثرة فهو شامل لكل فزع، وإن أريد به واحد فتفسيره ما ذكرنا في قوله: ﴿الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
وقال الكلبي: إذا أطبقت النار على أهلها، فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل: ٩٠] يعني بالشرك، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] يقال: كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب.
وتقول لهم الخزنة: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا﴾ [النمل: ٩٠] جزاء، ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] في الدنيا من الشرك.
٦٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْمُسْلِمِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ الإِيمَانُ وَالشِّرْكُ يَجْتَمِعَانِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، ﷿، فَيَقُولُ اللَّهِ لِلإِيمَانِ: انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ إِلَى النَّارِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: قَوْلَهُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي: الشِّرْكَ، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ "
قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩١﴾ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْءَانَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿٩٢﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٩٣﴾﴾ [النمل: ٩١-٩٣] ﴿
[ ٣ / ٣٨٧ ]
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] وهي مكة، جعلها الله حرما آمنا من القتل فيها والسبي والظلم، فلا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] لأنه خالقه ومالكه، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] المخلصين لله بالتوحيد.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٩٢] عليكم يا أهل مكة، يريد تلاوة الدعوة إلى الإيمان، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] له ثواب اهتدائه، ومن ضل عن الإيمان بالقرآن، وأخطأ طريق الهدى، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] من المخوفين، فليس عليّ إلا البلاغ، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] على نعمه، سيريكم آياته قال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا والقتل ببدر.
فتعرفونها حين تشاهدونها على نعمة النبوة، ثم أراهم ذلك، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم الله إلى النار، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم.
[ ٣ / ٣٨٨ ]