مكية وآياتها خمس وثلاثون ومائة.
٦٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا خُشْنَامُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ قَرَأَ طه وَيس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلائِكَةُ الْقُرْآنَ؛ قَالُوا: طُوبَى لأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهَا، وَطُوبَى لأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لأَلْسُنٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا "
﴿طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾ إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٣﴾ تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى ﴿٤﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿٥﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴿٦﴾ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴿٨﴾﴾ [طه: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم طه أكثر المفسرين على أن معناه: يا رجل، يريد النبي ﷺ، وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وابن عباس فِي رواية عطاء، والكلبي غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة، وبالنبطية، والسريانية.
ويقول الكلبي: هي بلغة عك.
قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة فِي هذا المعنى، لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش.
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] لتتعب وتبلغ من الجهد ما بلغت، وذلك أنه لما أنزل عليه الوحي بمكة اجتهد فِي العبادة حتى أنه كان يصلي على إحدى رجليه، يراوح بين قدميه لطول قيامه، فيشتد ذلك عليه، فأمره الله تعالى أن يخفف على نفسه، وذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل ذلك التعب.
﴿إِلا تَذْكِرَةً﴾ [طه: ٣] قال
[ ٣ / ١٩٩ ]
المبرد: لكن تذكرة.
أي: لكن أنزلناه، أي: لتذكر به من يخشى الله، والتذكرة مصدر كالتذكير.
تنزيلا أي: نزلناه، ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] قال ابن عباس: أخبر بعظمته.
الرحمن مرفوع على خبر ابتداء مضمر، لأنه لما قال: ممن خلق بينه، فكأنه قال: هو الرحمن.
﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمد العروضي، أنا أبو منصور الأزهري، أنا أبو الفضل المنذري، قال: سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء الإقبال على الشيء.
ونحو هذا قال الفراء، والزجاج في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] ولا يصح الاستواء فِي صفة الله تعالى إلا من هذا الوجه، وما سواه فهو باطل فاسد.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [طه: ٦] أي أنه مالك كل شيء ومدبره، وما بينهما يعني الهواء، ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] هو التراب الندي، قال الضحاك: يعني ما وارى الثرى من شيء.
والمفسرون يقولون: أراد الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله ﷿.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ [طه: ٧] أي: ترجع صوتك به، ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] أي: فلا تجهد نفسك برفع الصوت، فإنك وإن لم تجهر، علم الله السر وأخفى، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: السر ما أسررت فِي نفسك وأخفى، ما لم تحدث به نفسك مما يكون فِي غد علم الله فِيهمَا سواء.
والتقدير وأخفى منه، إلا أنه حذف للعلم به، وهذا كقولك: فلان كالفيل، أو أعظم منه.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [طه: ٨] أي: لا معبود يستحق العبادة غيره، ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر، والحسنى تأنيث الأحسن.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿٩﴾ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾﴾ [طه: ٩-١٠] قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩] هذا استفهام تقرير بمعنى الخبر، أي: وقد أتاك، ونحو هذا قال ابن عباس: يريد وقد أتاك حديث موسى.
﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ [طه: ١٠] قال ابن عباس: كان موسى رجلا غيورا، لا يحب الرفقة لئلا ترى امرأته، فأخطأ الطريق فِي ليلة مظلمة، فرأى نارا من بعيد.
فقال لأهله يريد امرأته، امكثوا أقيموا مكانكم، ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] رأيتها وأبصرتها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] القبس: شعلة من نار يقبسها من معظم النار، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] قال ابن عباس: من يدل على الطريق.
وقال مجاهد: هاديا يهدي إلى الطريق.
قال الفراء: أراد هاديا فذكره
[ ٣ / ٢٠١ ]
بلفظ المصدر.
قال السدي: لأن النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿١٥﴾ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴿١٦﴾﴾ [طه: ١١-١٦] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [طه: ١١] قال ابن عباس: لما توجه نحو النار، فإذا النار فِي شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة، فسمع النداء من الشجرة: يا موسى، وهو قوله: ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١-١٢] وقرئ بفتح الألف على معنى نودي بأني، ومن كسر فالمعنى: نودي فقيل ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] قال وهب: نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى.
فأجاب سريعا، ما يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك.
فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه ﷿، فأيقن به، وقوله: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] روى ابن مسعود، عن النبي ﷺ، «كانت نعلا موسى من جلد حمار ميت» .
وهذا قول أكثر المفسرين، قيل لموسى: لا تدخل الوادي وهما عليك.
وقال الحسن: كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكن أمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة، فتناله بركتها.
وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، قال: يقول: أفض بقدميك إلى بركة هذا الوادي.
وهو قوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] أي المطهر، وقال الوالبي: المقدس المبارك، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] وطوى اسم الوادي فِي قول جميع المفسرين.
قوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] قال الكلبي: اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] إليك مني أمره بعبادته.
وأخبره بالتوحيد، فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت فِي وقتها أو لم تكن.
هذا قول عامة المفسرين، وروي ذلك مرفوعا.
٦٠٣ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ
[ ٣ / ٢٠٢ ]
عُمَرَ الْمَاوَرْدِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا هَمَّامٌ، نا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَرَأَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هُدْبَةَ
قال الحسن: أقم الصلاة لأن تذكرني لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله.
وهذا قول مجاهد، قال: إذا صلى العبد، ذكر الله.
ثم أخبره بمجيء الساعة، فقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ [طه: ١٥] يعني القيامة، ﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] قال أكثر المفسرين: أخفيها من نفسي.
وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.
قال قطرب، والمبرد: هذا على عادة مخاطبة العرب، يقولون إذا بالغوا فِي كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي: لم أطلع عليه أحدا.
ومعنى الآية أن الله بالغ فِي إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب.
قال قتادة: هي فِي بعض القراءة أكاد أخفيها من نفسي ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين.
قال ابن الأنباري: والمعنى فِي إخفائها التهويل والتخويف، لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت.
وقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] أي: بما تعمل من خير وشر، واللام فِي لتجزى متعلقة بقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] .
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ﴾ [طه: ١٦] لا يمنعنك ولا يصرفنك، عنها عن الإيمان، ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه: ١٦] بأنها آتية، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [طه: ١٦] مراده وخالف أمر الله، ﴿فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] فتهلك.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿١٧﴾ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴿١٨﴾ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿١٩﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾ قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى ﴿٢١﴾﴾ [طه: ١٧-٢١] ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] قال الزجاج: ما التي بيمينك؟ ومعنى سؤال موسى عما فِي يده من العصا، التنبيه له عليها ليقع المعجز بها بعد التثبيت فِيها، والتأمل لها.
قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] أعتمد عليها إذا مشيت، والتوكؤ التحامل على العصا فِي المشي، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] قال الفراء: أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقها فترعاه الغنم.
فقال: هش يهش هشا إذا خبط الشجر.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] المآرب الحوائج، واحدتها مأربة، ومنه المثل: مأربة لا حفاوة.
وأراد بالمآرب ما يستعمل فِيهِ العصا من السفر.
قال الله: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٩]
[ ٣ / ٢٠٣ ]
أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا أبو الشيخ الأصفهاني، نا أحمد بن محمد بن سريح، نا محمد بن رافع، نا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهبا يقول: قال له الرب: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٩] .
فظن موسى أنه يقول: ارفضها، فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه لفتة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل، فيلقمها، ويطعن بنابه فِي أصل الشجر العظيمة فيحتها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحجن عنقا فِيهِ شعر مثل النيازك، فلما عاين ذلك موسى ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠] ثم ذكر ربه، فوقف استحياء منه، ثم نودي ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف.
﴿قَالَ خُذْهَا﴾ [طه: ٢١] بيمينك، ﴿وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه: ٢١] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف قد خلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها، أوكى طرف الدرعة على يده، فقال ملك: يا موسى، أرأيت لو أذن الله بما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئا.
قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت وكشف عن يده.
ثم وضعها فِي فم الحية فإذا يده فِي الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين.
قال المفسرون: أراد الله تعالى أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون، ولا يولي مدبرا.
قوله: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه: ٢١] قال السدي: نردها عصا كما كانت.
والسيرة الهيئة والحالة، يقال لمن كان على شيء فتركه ثم عاد إليه: عاد إلى سيرته.
قال الزجاج: المعنى سنعيدها إلى سيرتها، فلما حذفت إلى، وصل إليها الفعل فنصبها.
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ﴿٢٢﴾ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴿٢٣﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٢٤﴾ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿٣٣﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿٣٤﴾ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴿٣٥﴾﴾ [طه: ٢٢-٣٥] قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] قال الفراء، والزجاج: جناح الإنسان عضده إلى أصل إبطه.
وهذا قول مجاهد، قال: كفك تحت عضدك.
وقوله: تخرج بيضاء قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع، يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، وأشد ضوءا.
فذلك قوله: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] أي: من غير برص فِي قول الجميع، قال الليث: ويكنى بالسوء عن البرص.
وقوله: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] أي: دلالة على صدقك سوى العصا.
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٣] أراد الآية الكبرى، قال ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] جاوز القدر فِي العصيان، وذلك أنه خرج فِي معصيته إليّ فتجاوز به معاصي الناس.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك.
وذلك أنه كان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وجنده وحده، فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحد لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك لم يخفف فرعون، وإن اشتدت شوكته وكثر جنوده.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦] سهل علي ما بعثتني له.
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] قال ابن عباس: يريد أطلق عن لساني العقدة التي فِيهِ حتى يفهموا كلامي.
وهو قوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾﴾ [طه: ٢٨-٢٩] عونا وظهيرا من أهل بيتي، قال الزجاج: اشتقاقه فِي اللغة من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من التهلكة، والوزير الذي يعتمد الملك على رأيه فِي الأمور ويلتجئ.
وقوله: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٣٠] مفعول الجعل على تقدير اجعل هارون أخي وزيري.
﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] قو ظهري وأعني به، والأزر الظهر.
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢] اجمع بيني وبينه فِي النبوة، وقرأ ابن عامر أشدد به أزري وأشركه فِي أمري على الجواب والمجازاة، والوجه الدعاء على ما قرأت به العامة، لأنه معطوف على ما تقدمه من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾﴾ [طه: ٢٥-٢٦] فكما أن ذلك كله دعاء، فكذلك ما عطف عليه قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] قال الكلبي: يقول: نصلي لك كثيرا.
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] بحمدك والثناء عليك، بما أوليتنا من نعمك، ومنيت به علينا من تحميل رسالتك.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] عالما إذ خصصتنا بهذه النعمة.
فاستجاب الله دعاءه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴿٣٦﴾ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴿٣٧﴾ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿٣٨﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴿٤٠﴾ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴿٤١﴾ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾﴾ [طه: ٣٦-٤٤] ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] أعطيت ما سألت، وسؤال الإنسان: أمنيته التي يطلبها، فلين الله له صدره، وحل العقدة من لسانه، وبعث معه أخاه هارون.
ثم أخبر بمنته عليه قبل هذا، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] أي: أحسنا إليك، وأنعمنا عليك قبل هذه المرة.
ثم فسره بقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه: ٣٨] أي: ألهمناها حين عييت بأمرك ما كان فِيهِ سبب نجاتك من القتل، ومعنى ما يوحى: ما يلهم.
ثم فسر ذلك الإيحاء، فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩] أي: اجعليه فِيهِ بأن ترميه فِيهِ، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] قال ابن عباس: يريد النيل.
واليم البحر، والنهر الكبير، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ
[ ٣ / ٢٠٥ ]
بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩] وهو شط البحر والوادي، ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] يعني فرعون، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] قال عطاء، عن ابن عباس: لا يلقاك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر.
وقال عكرمة: حسن وملاحة، فحيث أبصرت وجهه آسية قالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] وقال قتادة: ملاحة كانت فِي عين موسى، ما رآه أحد إلا عشقه.
وقال عبيدة: يقول: جعلت لك محبة عند غيري، أحبك فرعون، فسلمت من شره، وأحبتك امرأته آسية، فتبنتك.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ولتربى وتغذى بمرأى مني، يقال: صنع الرجل جاريته إذا رباها، وصنع فرسه إذا داوم على علفه، والقيام عليه.
وتفسير قوله: على عيني بمرأى مني صحيح، ولكن لا يكون لموسى فِي هذا تخصيص، فإن جميع الأشياء بمرأى من الله، والصحيح فِي هذا قول قتادة: لتغذى على محبتي وإرادتي.
وهذا القول اختيار أبي عبيدة، وابن الأنباري.
قال أبو عبيدة: لتغذى على محبتي، وما أريد.
والعرب تقول: اتخذ شيئا على عيني، أي: على محبتي.
وقال ابن الأنباري: العين فِي هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذي على عيني، أي على المحبة مني.
والمعنى: ولتصنع على عيني، قدرنا مشي أختك وقولها هل أدلك على من يكفله، لأن هذا كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله.
وهو قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٤٠] يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه.
فاتبعت موسى على أثر الماء، وقوله: ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ [طه: ٤٠] يعني: حين أبى موسى المراضع، فقالت: هل أدلكم ﴿عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠] أي: يرضعه ويضمه إليه، فقيل لها: ومن هي؟ قالت أمي.
قالوا: أمك لها لبن.
قالت: لبن أخي هارون.
فأرسلوها، فجاءت بالأم، فقبل ثديها، فذلك قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠] أي: رددناك إليها، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [طه: ٤٠] بك وبرؤيتك، وقتلت نفسا يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: ٤٠] من غم مخافة أن تقتل به، خلصناك منه حين هربت إلى مدين، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] قال ابن عباس فِي رواية سعيد بن جبير، ومجاهد فِي رواية ابن أبي نجيح: الفتون وقوعه فِي محنة بعد محنة، خلصه الله منها، أولها: أن أمه حملته فِي السنة التي كان فرعون يذبح فِيها الأطفال، ثم إلقاؤه فِي البحر، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب، وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، ويقول عند كل بلية: وهذا من الفتون يا ابن جبير.
وعلى هذا معنى فتناك خلصناك من تلك المحن
[ ٣ / ٢٠٦ ]
كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث وشائب، والفتون مصدر، وقوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [طه: ٤٠] تقدير الكلام وفتناك فتونا فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين، ومثل هذا الحذف فِي التنزيل كثير، قال الفراء: وهو من كلام العرب، أن تجتزئ بحذف كثير من الكلام إذا كان المعنى معروفا.
ومدين بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى فأقام بها عشر سنين.
قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] يعني: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فِيهِ إلى الأنبياء، هذا قول المفسرين، والمعنى: على الوعد الذي وعده الله وقدره فِي علمه أن يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة، وهذا معنى قول محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدرت أن تجيء.
قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] الاصطناع: اتخاذ الصنيعة، وهو الخير تسديه إلى إنسان، قال ابن عباس: يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي.
والمعنى: لتتصرف على إرادتي ومحبتي، وذلك أن تبلغة الوحي، وقيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته.
وقال الزجاج: تأويله اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي، حتى صرت فِي التبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت عليهم.
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه: ٤٢] قال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى.
﴿وَلا تَنِيَا﴾ [طه: ٤٢] لا تضعفا، ولا تفترا، يقال: ونى يني إذا ضعف.
﴿فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] قال الفراء: فِي ذكري وعن ذكري سواء.
والمعنى: لا تقصرا فِي ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما، وذكر النعمة شكرها.
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٤٣] تكرير الأمر بالذهاب للتأكيد، ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] مر تفسيره.
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] قال ابن عباس، والسدي: كنياه.
واختلفوا فِي كنيته، فقيل: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة.
وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ﴿١٨﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿١٩﴾﴾ [النازعات: ١٨-١٩] أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المروزي، فِي كتابه، أنا محمد بن الحسن الحدادي، أنا محمد بن يحيى، أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنا أبو عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: القول اللين أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت، ولا ينزع منك لذة الطعام والشراب والجماع حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فقال فرعون: إن لي ذا أمر وهو غائب حتى يقدم.
فلم يلبث أن قدم
[ ٣ / ٢٠٧ ]
هامان، فقال له فرعون: أعلمت أن موسى قد دعاني إلى أمر أعجبني، وأخبره بالذي دعاه إليه، وأردت أن أقبله منه، فقال له هامان: قد كنت أرى أن لك رأيا بينا، أنت رب فتريد أن تكون مربوبا، وبينا أنت تُعْبَدُ فتريد أن تَعْبُدُ.
فقلبه عن رأيه ذلك فأنبى، قال الشيخ سمعت إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، سمعت والدي، سمعت أحمد بن محمد الأزرقي، سمعت محمد بن إبراهيم يقول: حضرت مجلس يحيى بن معاذ، وقرأ رجل هذه الآية ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فبكى يحيى، ثم قال: إلهي، هذا رفقك بمن يقول أنا إله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت إلهي، إن قول إلا إله إلا الله يهدم كفر خمسين سنة، فما تصنع بذنوب خمسين سنة.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] أي: ادعواه على الرجاء والطمع، لا على اليأس من فلاحه، فوقع التعبد لهما على هذا الوجه، لأنه أبلغ لهما فِي دعائه إلى الحق، وقد كشف الزجاج عن هذا المعنى، فقال: المعنى فِي هذا عند سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما، والعلم من الله قد أتي من وراء ما يكون، وإنما تبعث الرسل وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم.
وقال ابن الأنباري: مذهب الفراء فِي هذا: كي يتذكى أو يخشى فِي تقديركما، وما تمضيان عليه.
﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴿٤٥﴾ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿٤٨﴾﴾ [طه: ٤٥-٤٨] ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥] أن يبادر ويعجل بعقوبتنا، يقال: فرط فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر، أي بدر وسبق.
وقوله: ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] أي: يتجاوز الحد فِي الإساءة بنا.
٦٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرٍ الرُّصَافِيُّ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، أنا سَالِمُ بْنُ جُنْدَةَ، نا أَبِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى سُلْطَانٍ يَخَافُ تَغَطْرُسَهُ؛ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فُلانٍ وَأَحْزَابِهِ؛ أَنْ يُفَرِّطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، أَوْ أَنْ يَطْغَى، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ
﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] بالنصرة والعون، ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه.
والمعنى: لست بغافل عنكما فلا تهتما.
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] أرسلنا إليك، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] أي: خل عنهم، ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وكان فرعون يستعملهم فِي الأعمال الشاقة، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ
[ ٣ / ٢٠٨ ]
مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] يعني العصا، وقيل اليد، ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] قال الزجاج: ليس يراد به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله.
يدل على هذا المعنى قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] أي: إنما يعذب من كذب بما جئنا به وأعرض عنه، فأما من اتبعه، فإنه يسلم من العذاب، فأتيا فرعون وبلغاه الرسالة.
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى ﴿٥١﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ﴿٥٢﴾﴾ [طه: ٤٩-٥٢] قال فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] من إلهكما الذي أرسلكما؟ ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] أي: صورته، خلق كل جنس من الحيوان على صورة أخرى، فلم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان.
﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] والمعنى: ثم هداه لما يصلحه من مطعمه ومشربه ومنكحه إلى غير ذلك، والاحتجاج على فرعون من هذا الجواب، أنه قد ثبت خلق وهداية للخلائق، ولا بد لها من خالق وهاد، وذلك الخالق والهادي هو الرب لا رب غيره.
فلما دعاه إلى دين الله واتباع الهدى، قال له فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١] معنى البال: الحال والشأن، والمعنى: ما حالها، فإنها لم تقر بالله، وبما تدعوا إليه، ولكنها عبدت الأوثان.
ويعني بالقرون الأولى: الأمم المتقدمة، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود.
قال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢] قال الزجاج: أي أعمالهم محفوظة عند الله، يجازي بها.
والتقدير علم أعمالها عند ربي، ﴿فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢] قال الكلبي: يعني اللوح المحفوظ.
والمعنى أن أعمالهم مكتوبة مثبتة عليهم، أي أنهم يجازون بما عملوا، وأنت تجازى بما تعمل.
وقوله: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] تأكيد وتحقيق للجزاء بالأعمال، أي: لا يخطئ ربي ولا يتسرع ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم.
قال السدي: لا يغفل ولا يترك شيئا.
وأصل الضلال فِي اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء فِي اللبن، وضل الكافر عن المحجة، وضل الناس إذا غاب عنه حفظه، ومعنى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] عن شيء، ولا يغيب عنه شيء.
ثم زاد فِي الأخبار عن الله، وبيان وصفه، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ﴿٥٤﴾ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴿٥٥﴾﴾ [طه: ٥٣-٥٥] الذي جعل لكم الأرض مهادا وقرئ مهدا وهو مصدر كالفراش، والمهاد مثل الفراش والبساط، وهما اسم ما يفرش ويبسط، ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا﴾ [طه: ٥٣] والسلك إدخال الشيء فِي الشيء، والمعنى: أدخل فِي الأرض لأجلكم طرفا تسلكونها، كما قال ابن عباس: سهل لكم فِيها طرقا.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [طه: ٥٣]
[ ٣ / ٢٠٩ ]
يعني المطر، وتم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله تعالى عن نفسه متصلا بالكلام الأول بقوله: فأخرجنا به بذلك الماء، ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣] قال ابن عباس: أصنافا من النبات مختلفة: أبيض، وأحمر، وأخضر، وأصفر، وكل لون منها زوج.
ولا واحد لشتى من لفظه.
كلوا أي: مما أخرجنا بالمطر من النبات والثمار، ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] يقال: رعت الماشية الكلأ رعيا، ورعاها صاحبها رعاية إذا أسرحها فِي المراعي.
والمعنى: أسيموا مواشيكم فيما انبتناه بالمطر، ومعنى هذا الأمر التذكير بالنعمة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [طه: ٥٤] مما ذكر، ﴿لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] لذوي العقول الذين يتناهون بعقولهم عن معاصي الله، وإنما خص أولي النهي لأنهم أهل التفكر والاعتبار.
قوله: منها أي: من الأرض، وجرى ذكرها في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ﴾ [طه: ٥٣]، ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] يعني: آدم خلق من الأرض، والبشر كلهم منه، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] بعد الموت، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] عند البعث، كما أخرجكم أولا عند خلق آدم من الأرض.
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴿٥٦﴾ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩﴾﴾ [طه: ٥٦-٥٩] ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ [طه: ٥٦] يعني فرعون، ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] يعني: الآيات التسع، ﴿فَكَذَّبَ﴾ [طه: ٥٦] نسب جميعها إلى الكذب، وأبى أن يقبل التوحيد، ونسب إلى موسى السحر.
وهو قوله: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ [طه: ٥٧] يعني مصر، ﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٥٧] تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه: ٥٨] فلنقابلن ما جئتنا به من السحر بسحر مثله، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ [طه: ٥٨] مكانا لا يقع منا خلاف فِي حضوره، تعد لحضورنا ذلك المكان، ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ [طه: ٥٨] ثم بين ذلك، فقال: مكانا سوى وقرئ ﴿سُوًى﴾ [طه: ٥٨] بضم السين، والمعنى: مكانا تستوي مسافته على الفريقين، فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا معنى قول المفسرين، قال قتادة: نصفا.
وقال مقاتل: عدلا بيننا وبينك.
وقال مجاهد: منصفا.
فواعده موسى يوما معلوما، ويوما ووقتا معلوما، وهو قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩] قال مجاهد، وقتادة، والسدي: كان ذلك يوم عيد لهم يتزينون فِيهِ.
وقال سعيد بن جبير: كان ذلك يوم عاشورا.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] يعني: ضحى ذلك اليوم، ويريد بالناس أهل مصر، يقول: يحشرون إلى ضحى العيد ضحى، فينظرون إلى أمري وأمرك.
قال الفراء: يقول: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد.
قال: وجرت عادتهم بحشر الناس فِي ذلك اليوم.
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴿٦٠﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴿٦١﴾ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴿٦٢﴾ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ
[ ٣ / ٢١٠ ]
أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴿٦٣﴾ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴿٦٤﴾﴾ [طه: ٦٠-٦٤] فتولى فرعون قال مقاتل: أعرض عن الحق، وعما يلزمه من الطاعة.
فجمع كيده مكره وحيلته، وذلك جمعه السحرة، ثم أتى حضر الموعد.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ [طه: ٦١] أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون، ويلكم ألزمكم الله الويل، ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: ٦١] قال ابن عباس: لا تشركوا بالله أحدا، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] ويقرأ بضم الياء يقال: سحته الله، وأسحته إذا استأصله وأهلكه.
قال ابن عباس، ومجاهد: فيهلككم.
وقال قتادة: فيستأصلكم.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] قال ابن عباس: خسر من ادعى مع الله إلها آخر.
وقال قتادة: خسر من كذب على الله ونسب إليه باطلا.
قوله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] تناظروا فِي أمر موسى وتشاوروا، يعني السحرة، سرا من فرعون، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه.
وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج.
وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: ٦١] قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] يعنون موسى وهارون، قال ابن عباس فِي رواية عطاء: هي لغة بلحرث بن كعب، يعني قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ [طه: ٦٣] .
وإجماع النحويين إن هذا لغة حارثية، وذلك أن بلحرث بن كعب، وخثعم، وزبيرا، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين فِي الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضا هذه المعاملة، كما قال قائلهم:
أيُّ قلوص راكب تراها طاروا علاهن فطر علاها
وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام فِي عليها مفتوحة، قلبوها ألفا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين، وقرأ أبو عمرو إن هذين بالياء، بخلاف المصحف، واحتجاجه فِي ذلك بما روي أنه غلط من الكاتب، وأن فِي الكتاب غلط ستقيمه العرب بألسنتها.
وقال الزجاج: لا أجيز هذه القراءة لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته لأن اتباعه سنة.
وقرأ ابن كثير ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ [طه: ٦٣] بتخفيف إن على معنى: ما هذان إلا ساحران، وإن إذا خففت كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها،
[ ٣ / ٢١١ ]
واستحسن الزجاج هذه القراءة، قال: وكان الخليل يقرأ بهذه القراءة.
والإجماع أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل،
[ ٣ / ٢١٢ ]
وقوله: ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ [طه: ٦٣] تقدم تفسيره، ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] قال الفراء: العرب تقول هؤلاء طرقة قومهم وطرائق قومهم لا طراقهم.
والمثلى: تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، يقال: فلان أمثل قومه، أي أفضلهم، وهم الأماثل.
روي الشعبي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، فِي هذه الآية، قال: يصرفا وجوه الناس إليهما.
والمعنى أن يغلبا بسحرهما فيميل إليهما السادة والأشراف منكم، وقال قتادة: طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عدة وأموال، فقالوا: إنما يريدون أن يذهبا بهما لأنفسهما.
وهذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن زيد: ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها فِي السيرة.
واختاره أبو عبيدة، فقال: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه.
ثم تواصوا فيما بينهم، فقالوا: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] قال الفراء: الإجماع الإحكام، والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل أزمعته.
وقرأ أبو عمرو فاجمعوا موصولا من الجمع، وحجته قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] والمعنى: لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به، استظهارا للمبالغة فِي سحرهم.
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم، وأشد لهيبتكم، وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين.
وقال أبو عبيدة: الصف موضع المجمع، ويسمى المصلى الصف.
وقال الزجاج: وعلى هذا معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فِيهِ لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت الصف، بمعنى أتيت المصلى، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤] قال ابن عباس: قد سعد اليوم من غلب، ومعنى استعلى: علا بالغلبة.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿٦٦﴾ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴿٦٧﴾ قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴿٦٨﴾ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴿٦٩﴾ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾﴾ [طه: ٦٥-٧٠] ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥] أي: اختر أحد هذين، والمراد بالإلقاء إلقاء العصي على الأرض، وكانت السحرة معهم عصا، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول.
قال موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٦] أمرهم بالإلقاء أولا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم، ثم يلقي هو عصاه، فتبتلع ذلك، وقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٦] قال عطاء: كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، مع
[ ٣ / ٢١٣ ]
كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفر.
وقال عكرمة: كانوا تسع مائة.
وقال محمد بن إسحاق كانوا خمسة عشر ألف.
﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ [طه: ٦٦] إلى موسى، ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] قال الكلبي: خيل إلى موسى أنها حيات كلها، وأنها تسعى على بطنها.
يقال: خيل إليه إذا شبهه له، أدخل عليه التهمة والشبهة.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] أي: أحس ووجد خوفا، لأن سحرهم كان من جنس ما أراهم فِي العصا، فخاف أن يلتبس الناس على أمره ولا يؤمنوا به.
فقال الله: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] عليهم بالظفر والغلبة.
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] يعني العصى، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] قال الزجاج: القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها متلقفة.
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر.
وقرئ كيد سحر والمعنى: كيدا من سحر، كما قالوا: قميص حرير، وجوبة خز.
﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] قال ابن عباس: ولا يسعد الساحر حيث ما كان.
وروى جندب بن عبد الله البجلي، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] قال: لا يأمن حيث وجد ".
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿٧١﴾ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿٧٣﴾﴾ [طه: ٧١-٧٣] وما بعد هذا مفسر فِي ﴿[الأعراف إلى قوله:] إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [سورة طه: ٧١] قال ابن عباس: يريد معلمكم.
قال الكسائي: الصبي بالحجاز، إذا جاء من عند معلمه، قال: جئت من عند كبيري.
وقال محمد بن إسحاق: إنه لعظيم السحار، والكبير فِي اللغة الرئيس، ولهذا يقال للمعلم الكبير.
وقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فِي بمعنى على، كقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أي عليه.
ولتعلمن أيها السحرة، ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ [طه: ٧١] لكم، وأبقى وأدوم، أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم الإيمان به.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ [طه: ٧٢] لن نفضلك ولن نختارك، ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه: ٧٢] قال مقاتل: يعني اليد والعصا.
وقال عكرمة، والقاسم بن أبي بزة: هو أنهم ما رفعوا رءوسهم حيث خروا
[ ٣ / ٢١٤ ]
سجدا، حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا منازلهم فِي الجنة التي إليها يصيرون، وقوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] ذكر الفراء، والزجاج فِيهِ وجهين: أحدهما لن نؤثرك على الله الذي خلقنا، والثاني أنه قسم.
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] فاصنع ما أنت صانع، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] قال ابن عباس: إنما سلطانك وملكك فِي هذه الدنيا، فأما الآخرة فليس لك فِيها حظ ولا سلطان.
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه: ٧٣] قال ابن عباس: يريد الشرك الذي كنا فِيهِ.
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] قال ابن عباس: إن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر.
وذكر فِي التفسير أنه أكره السحرة على معارضة موسى بالسحر.
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] قال محمد بن إسحاق: خير منك ثوابا وأبقى عقابا.
وقال محمد بن كعب: خير منك ثوابا إن أطيع، وأبقى عذابا منك إن عصي.
وهذا جواب قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١] وههنا انتهى الإخبار عن السحرة.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى ﴿٧٤﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴿٧٦﴾﴾ [طه: ٧٤-٧٦] قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤] قال ابن عباس فِي رواية الضحاك: المجرم الكافر.
وقال فِي رواية عطاء: يريد الذي أجرم وفعل مثل ما فعل فرعون.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
قال المبرد: لا يموت ميتة مريحة ولا يحيا حياة تنفعه، فهو يألم كما يألم الحي، ويبلغ به حالة الموت فِي المكروه إلا أنه لا يبطل فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت إذا كان غير منتفع بحياته، وأنشد ابن الأنباري فِي مثل هذا المعنى:
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ [طه: ٧٥] مصدقا بما جاء من عند الله، ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه: ٧٥] قال ابن عباس: قد أدى الفرائض.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥] يعني: درجات الجنة، وبعضها أعلى من بعض، والعلى جمع العليا، وهو تأنيث الأعلى.
٦٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، نا عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ كَأَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ»
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ﴿٧٧﴾
[ ٣ / ٢١٥ ]
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴿٧٩﴾﴾ [طه: ٧٧-٧٩] ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ [طه: ٧٧] اجعل لهم طريقا فِي البحر بالضرب بالعصا، يبسا لا نداوة فِيهِ ولا بلل يابسا، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فِيها ماء وطين، ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧] أي: لا تخاف أن يدركك فرعون من خلفك، ولا تخشى من البحر غرقا، وقرأ حمزة لا تخف جزما على النهي له من الخوف، معناه: لا تخف أن يدركك فرعون، واستأنف قوله: ولا تخشى على معنى: وأنت لا تخشى، كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] .
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨] أتبع ههنا مطاوع متعد من تبع، والباء في بجنوده زيادة، والمعنى: أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وكان هو أيضا فِي جنوده، فغشيهم علاهم وسترهم، ﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] قال ابن الأنباري: يعني: البعض الذي غشيهم.
لأنه لم يغشهم كل مائة، بل الذي غشيهم بعضه، فقال الله تعالى: الذي غشيهم، ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء.
قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ [طه: ٧٩] يعني: حين دعاهم إلى عبادته، وما هدى وما أرشدهم حين أوردهم مواقع الهلكة، وهذا تكذيب له فِي قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] .
ثم ذكر الله منته على بني إسرائيل، فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴿٨٠﴾ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴿٨١﴾ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴿٨٢﴾﴾ [طه: ٨٠-٨٢] ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه: ٨٠] يعني فرعون، غرقه بمرأى منهم، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] وهو أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون ليأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة فِيها بيان ما يحتاجون إليه، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: ٨٠] يعني فِي التيه، وهذا مخاطبته لمن كان فِي عصر النبي ﷺ من اليهود.
قوله: كلوا أي: وقلنا لهم كلوا، ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] أي: لا تنظروا فيما أنعمت عليكم فتتظالموا، وقال الكلبي: لا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] تجب لكم عقوبتي، وقرئ فيحل، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ [طه: ٨١] بالكسر والضم، قال الفراء: الكسر أحب إلي من الضم، لأنه من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل الكسر يجب، وجاءني التفسير بالوجوب لا بالوقوع.
هذا كلامه، أو يحل بالكسر، من قولهم: حل الشيء يحل حلا وحلالا إذا انحلت عنه عقدة التحريم، وزال عنه الحظر، وذلك أنهم ما لم يطغوا كان العذاب ممنوعا محظورا عنهم، فإذا طغوا ارتفع ذلك الحظر، فحل لهم العذاب، وقوله: فقد هوى أي: هلك وسقط فِي النار، يقال: هوى يهوي هويا إذا وقع فِي مهواه.
[ ٣ / ٢١٦ ]
قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] قال ابن عباس: تاب من الشرك.
﴿وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وحد الله وصدقه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢] أدى فرائض الله، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] قال عطاء، عن ابن عباس: علم أن ذلك توفيق من الله له.
قال فِي رواية أبي صالح: علم أن لهذا ثوابا.
وهو قول الثوري، والشعبي، ومقاتل، وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وهذا اختيار الزجاج، لأنه يقول: ثم أقام إيمانه.
أخبرنا أبو نصر الجوزقي، أنا بشر بن أحمد المهرجاني، أنا أحمد بن علي، نا أبو سعيد الأشج، نا عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن سعيد بن جبير ثم اهتدى، قال: لزم السنة والجماعة.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿٨٧﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴿٨٨﴾ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ﴿٨٩﴾﴾ [طه: ٨٣-٨٩] قوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٣] قال المفسرون: كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من فيهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين ليلحقوا به، فقال الله: ما الذي حملك على العجلة حتى خلفت قومك وخرجت من بينهم.
﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] هم بالقرب مني، يأتون بعدي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] قال الكلبي: ليزداد رضا.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ [طه: ٨٥] قال الزجاج: ألقيناهم فِي فتنة ومحبة.
وقال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل، لما سبق لهم فِي حكمتنا، ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] من بعد انطلاقك من بينهم، ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد أن الضلالة كانت على يد السامري.
يعني أنه كان سبب إضلالهم، وقال الكلبي: صرفهم السامري إلى عبادة العجل.
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان السامري من أهل باجربي، وقع بأرض مصر، فدخل فِي بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر فِي نفسه.
وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] حزينا بما فعلوا، تقدم تفسيره فِي ﴿[الأعراف،] قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [سورة طه: ٨٦] صدقا لإثبات الكتاب، ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] مدة مفارقتي إياكم، ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾ [طه: ٨٦] يجب، ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [طه: ٨٦] بعبادتكم العجل، والمعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنيعا يكون سبب غضب ربكم، ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] ما وعدتموه لي من حسن الخلافة بعدي، بيان هذا قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
فقال الذين لم يعبدوا العجل: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] أي: ونحن نملك من أمرنا شيئا، أي: لم نطق رد عبدة العجل من عظيم ما ارتكبوا، لكثرتهم وقلتنا، وجاء فِي الرواية أن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا، وافتتن الباقون بالعجل، وكانوا
[ ٣ / ٢١٧ ]
جميعا ست مائة ألف، وأكثر القراءة بالكسر فِي بمِلكنا والمعنى: بملكنا أمرنا، ومن قرأ ﴿بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] بفتح الميم، فهو المصدر الحقيقي، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكا، والملك ما ملك، ومن قرأ بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، أي: لم نقدر على ردهم، ثم ذكروا قصة اتخاذ العجل، فقالوا: ولكنا حَمَلْنَا أوزارًا من زينة القوم أي: أثقالا وأحمالا، قال قتادة: كانت حليا تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم.
وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي: أن الأوزار هي الأحمال، وزينة القوم حلي آل فرعون، استعاره بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي فِي أيديهم، وكان موسى أمرهم بذلك.
وقرئ ﴿حُمِّلْنَا﴾ [طه: ٨٧] بالتشديد وضم الحاء، والمعنى: جعلونا نحملها، قال أبو عبيدة: الوجه القراءة الأولى، لأن التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان فِي أيديهم من حلي آل فرعون.
وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: ٨٧] قال السدي: قال هارون لهم الحلي غنيمة، ولا تحل لكم الغنيمة، فاحفروا لها حفرة، فاطرحوها فِيها حتى يرجع موسى فيقضي فِيها.
فذلك قوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: ٨٧] أي: طرحناها فِي الحفيرة، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أوقد لهم هارون نارا وقال: اقذفوا ما كان معكم فِيها.
فجعلوا يأتون معهم من الحلي فيقذفونه فِيها حتى انسكبت الحلي فِيها، ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل، قال قتادة: وقد كان فِي طرف عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقدفها فيه.
وهو قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] يعني: ما كان معه من التراب.
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد لحما ودما له خوار كما يخور الحي من العجول.
وقال قتادة: جعل يخور خوار البقرة.
وقال الحسن: صور بقرة صاغها من الحلي التي كان معهم، ثم ألقي على فرس جبريل فانقلب حيوانا يخور.
﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] يعني: قال السامري ذلك ومن تابعه ممن افتتن بالعجل، قال سعيد بن جبير: عكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوه شيئا قط.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] قال السدي: يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه.
وقال قتادة: يقول: إن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه فِي طريق آخر.
فعيرهم الله تعالى بصنيعهم، وقال موبخا: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا
[ ٣ / ٢١٨ ]
يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا﴾ [طه: ٨٩] أنه لا يرجع إليهم قولا، أي: لا يرد لهم جوابا، كما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] .
﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] توبيخ لهم، إذ عبدوا من لا يملك ضر من ترك عبادته، ولا نفع عنده.
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿٩٠﴾ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴿٩١﴾﴾ [طه: ٩٠-٩١] ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ [طه: ٩٠] أي: من قبل أن يأتي موسى لما رأى ما وقعوا فيه، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ [طه: ٩٠] ابتليتم به، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] لا العجل، فاتبعوني فِي عبادته، ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] لا أمر السامري.
فعصوه و﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] لن نزال مقيمين على عبادة العجل، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] .
فلما رجع موسى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ قَالَ يَابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴿٩٤﴾﴾ [طه: ٩٢-٩٤] ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] بعبادة العجل.
ألا تتبعن لا زائدة، أي: ما منعك من اتباعي واللحوق بي، أفعصيت أمري إذ أقمت فيما بينهم وقد كفروا.
ثم أخذ برأس أخيه ولحيته غضبا منه عليه ﴿قَالَ يَابْنَ أُمَّ﴾ [طه: ٩٤] قرئ بالفتح والكسر، ومعنى الكلام فيه فِي ﴿[الأعراف،] لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [سورة طه: ٩٤] أي: بشعر رأسي، إني خشيت إن فارقتهم واتبعتك، ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٩٤] فرقت جماعتهم، وذلك أنه لو لحق بموسى لصاروا أحزابا، حزب يسيرون معه، وحزب يتخلفون عنه من الإيمان والإنكار على عبدة العجل، وحزب مع السامري، فلا يؤمن أن يصيروا فِي الخلاف إلى التسافك، فاعتذر بهذا، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أي: ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني فِي قومي.
فلما اعتذر هارون بهذا العذر.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴿٩٥﴾ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩٦﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ
[ ٣ / ٢١٩ ]
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴿٩٧﴾ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿٩٨﴾﴾ [طه: ٩٥-٩٨] قال موسى للسامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] أي: ما شأنك الذي دعاك إلى ما صنعت.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أي: علمت ما لم تعلموا، وعرفت ما لم تعرفوا، فقال له موسى: وما الذي أبصرت دون بني إسرائيل.
قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] يريد أثر فرس جبريل، وذلك أنه قبض قبضة من تراب حافر فرسه، وألقي فِي نفسي أن أقبض من أثرها، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم، فحين رأيت قومك طلبوا منك أن تجعل لهم إلها، حدثتني نفسي بذلك، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] فألقيتها فِي صورة العجل، وَكَذَلِكَ وكما حدثتك يا موسى، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] زينت لي نفسي من أخذ القبضة، وإلقائها فِي صورة العجل.
قال له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ [طه: ٩٧] أي: من بيننا، ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ [طه: ٩٧] ما دمت حيا، ﴿أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] قال ابن عباس: لك ولولدك.
والمساس فقال: من المماسة.
ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم فِي البرية مع الوحش والسباع، لا يمس أحدا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، فكان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس.
أي لا تقربني ولا تمسني، وصار ذلك عقوبة له ولولده، حتى إن بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك.
وذكر أنه إن مس واحدٌ من غيرهم واحدًا منهم حم كلاهما فِي الوقت.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه: ٩٧] أي: وعدا لعذابك، يعني يوم القيامة، لن تخلف ذلك الموعد، ولن يتأخر عنك.
قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت فِي القيامة، والله لا يخلف الميعاد.
ومن قرأ بكسر اللام كان المعنى: لا تخلف ذلك الموعد، أي ستأتيه ولا مذهب لك عنه.
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] قال ابن عباس: يريد الذي تعبده وظللت عليه مقيما، يعني العجل، وظللت هو الأصل، ولكن اللام الأولى حذفت لثقل التضعيف والكسر، والعرب تفعل ذلك كثيرا، تقول: مست لي ومسست.
وقوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] قال ابن عباس: حرقه بالنار ثم ذراه فِي اليم.
وهو النسف، ومعناه: نقص الشيء لتذهب به الريح، وهو التذرية، وذكر فِي التفسير أن موسى أخذ العجل فذبحه، فسألت منه دم، لأنه كان قد صار لحما ودما، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه فِي البحر.
ثم أخبرهم موسى عن إلههم، فقال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [طه: ٩٨] أي: هو الذي يستحق العبادة، لا العجل، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] علمه علما تاما ولم يقصر عنه علمه.
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴿١٠٠﴾ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا ﴿١٠١﴾﴾ [طه: ٩٩-١٠١] كَذَلِكَ أي: كما قصصنا عليك يا محمد نبأ موسى وقومه، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] من أخبار من
[ ٣ / ٢٢٠ ]
مضى وتقدم، ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] يعني القرآن.
ثم أوعد على الإعراض عنه، وترك الإيمان به، فقال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] حملا ثقيلا من الإثم.
خالدين فيه أي: فِي عذاب ذلك الوزر، ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١] قال الكلبي: بئس ما حملوا على أنفسهم من المآثم كفرا بالقرآن.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴿١٠٢﴾ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا ﴿١٠٣﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا ﴿١٠٤﴾﴾ [طه: ١٠٢-١٠٤] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢] وقرأ أبو عمرو ننفخ على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [طه: ١٠٢] والوجه قراءة العامة، لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢] فِي سورتين، قال ابن عباس: يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلها.
وقوله: زرقا قال: يريد زرق العيون، سود الوجوه.
ومعنى الزرقة الخضرة فِي سواد العين كعين السنور، والمعنى فِي هذا تشويه الخلق بسواد الوجوه، وزرقة العيون.
يتخافتون يتسارون فيما بينهم، فيقولون: إن لبثتم أي: ما لبثتم، أي من النفخة الأولى إلى الثانية، إلا عشرا إلا عشر ليالي، وذلك أنه يكف عنهم العذاب فيما بين النفختين، وهو أربعون سنة، استقصروا مدة لبثهم لهول ما عينوا.
قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٠٤] أي: بما يتسارون بينهم، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه: ١٠٤] أعقلهم وأعدلهم قولا، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم.
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ﴿١٠٨﴾﴾ [طه: ١٠٥-١٠٨] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ، فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] قال المفسرون: يصيرها الله رمالا تسيل، ثم يصيرها كالصوف المنفوش يطيرها الرياح.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ [طه: ١٠٦] أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها، قاعا قال الفراء: القاع ما انبسط من الأرض، ويكون فيه السراب نصف النهار، وجمعه قيعة، ومنه قوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] .
﴿صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] والصفصف الأملس الذي لا نبات فيه، ونحو هذا قال المفسرون.
﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] قال عكرمة، عن ابن عباس: ليس
[ ٣ / ٢٢١ ]
فيه منخفض ولا مرتفع.
وقال مجاهد: انخفاضا وارتفاعا.
وقال قتادة: لا ترى فِيها صدعا ولا أكمة.
وقال الحسن: العوج ما انخفض من الأرض، والأمت ما نشز من الروابي.
وتقول العرب: ملأ سقاءه حتى ليس فيه أمت، إذا لم ينثن لتمام الامتلاء.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] قال الفراء: يعني صوت الداعي للحشر.
قال المفسرون: يتبعون صوت داعي الله الذي يدعوهم إلى موقف القيامة.
﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] لا عوج لهم عن الداعي، فلا يقدرون إلا أن يتبعوه، قال ابن عباس: كلهم تبع الصوت لا يتعوج عنه، ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] سكتت وذلت وخضعت، ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] قال أكثر المفسرين: يعني صوت نقل الأقدام إلى المحشر، والهمس الصوت الخفي كصوت أخفاف الإبل فِي المشي، وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يعني تحريك الشفاه بغير منطق.
وهو قول مجاهد: الكلام الخفي.
والمعنى على هذا التفسير: سكتت الأصوات، فلا يجهر أحد بكلام إلا كالسر من الإشارة بالشفة، وتحريك الفم من غير صوت.
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴿١٠٩﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴿١١٠﴾ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴿١١١﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ﴿١١٢﴾﴾ [طه: ١٠٩-١١٢] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩] أي: لا تنفع الشفاعة أحد من الناس إلا من أذن الله أن يشفع له، فذلك الذي ينفعه الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله، وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [طه: ١١٠] الكناية راجعة إلى الذين كفروا في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] قال ابن عباس: يريد ما قدموا وما خلفوا.
وقال الكلبي: ما بين أيديهم من أمر الآخرة.
وما خلفهم من أمر الدنيا، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] الكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه: ١١٠] أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه، ويجوز أن تعود الكناية إلى الله، لأن عباده لا يحيطون به علما.
قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] قال ابن عباس فِي رواية الوالبي: ذلت.
وهو قول قتادة، وقال فِي رواية عطاء: خضعت.
وقال طلق بن حبيب: هو السجود على الجبهة.
قال الزجاج: معنى عنت فِي اللغة: خضعت، وسمي الاسير عانيا لخضوعه فِي يد من أسره، يقال: عنا يعنو عنوا إذا خضع.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه: ١١٢] مَنْ للجنس، والمعنى: من يعمل الصالحات، وهو مؤمن، لأن غير المؤمن لا يقبل عمله، ولا يكون صالحا، ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٢] أي: فهو لا يخاف، وقرأ ابن كثير: فلا يخف على
[ ٣ / ٢٢٢ ]
النهي، فهو حسن، لأن المعنى: ومن يعمل من الصالحات، وهو مؤمن فليأمن، لأنه لم يفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمر بالأمن، وقوله: ﴿ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] الهضم: النقص، يقال: يهضمني فلان حقي، أي ينقصني.
قال الوالبي، عن ابن عباس: لا يخاف أن يظلم فيزاد عليه فِي سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته.
وقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله، ولا تبطل حسنة عملها.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴿١١٣﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴿١١٤﴾﴾ [طه: ١١٣-١١٤] وَكَذَلِكَ كما بينا فِي هذه ال ﴿[، أنزلناه أنزلنا هذا الكتاب،] قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ [سورة طه: ١١٣] بينا فيه ضروب الوعيد، قال قتادة: يعني وقائعه فِي الأمم المكذبة.
لعلهم يتقون ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ بمن قبلهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] يجدد لهم القرآن اعتبارا، فيتذكروا به عقاب الله للأمم، فيعتبروا.
وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [طه: ١١٤] أي: جل عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون فِي صفته، الملك الذي بيده الثواب والعقاب، فهو يملكها، الحق معناه ذو الحق، وقد تقدم الكلام فيه ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ﴾ [طه: ١١٤] قال ابن عباس، والمفسرون: كان النبي ﷺ يبادر جبريل، فيقرأ قبل أن يفرغ من الوحي، حرصا منه على ما كان ينزل عليه، وشفقة على القرآن، مخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك، يقول: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ﴾ [طه: ١١٤] أي: بقراءته، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] من قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك، وهذا كقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] .
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] أي: بالقرآن ومعانيه، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية، قال: اللهم زدني علما وإيمانا ويقينا.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿١١٥﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى ﴿١١٦﴾ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى ﴿١١٨﴾ وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ﴿١١٩﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾ فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴿١٢٢﴾﴾ [طه: ١١٥-١٢٢] قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] أي: أمرناه وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة، من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي، وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكر فِي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] والمعنى أنهم إن نقضوا العهد، فإن آدم أيضا عهدنا إليه،
[ ٣ / ٢٢٣ ]
فنسي قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: ترك عهدي وما أمر به.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] معنى العزم فِي اللغة: توطين النفس على الفعل، قال عطية العوفي: لم نجد له حفظا لما أمر به.
وقال الحسن: صبرا عما نهي عنه.
وقال ابن قتيبة: رأيا معزوما عليه.
حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده، وأبى أن يسجد له، وقال الحسن:، فقال الله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .
٦٠٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَازِمٍ، نا كَامِلُ بْنُ مُكْرَمٍ، نا جِبْرِيلُ بْنُ مجاعٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، نا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي فَضَالَةَ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحْلامَ بَنِي آدَمَ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَ حُلْمُ آدَمَ لَرَجَحَ حُلْمُهُ حُلْمَهُمْ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾
وما بعد هذا تقدم تفسيره إلى قوله: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] قال عطاء: يريد شقاء الدنيا ونصبها.
وقال الحسن: عنى به شقاء الدنيا لا ترى ابن آدم إلا ناصبا شقيا.
وقال السدي: يعني الحرث والزرع، والعجن والخبز، ولم يقل فتشقيا، لأن أول الآية خطاب لآدم.
إن لك يا آدم، ألا تجوع في الجنة، ولا تعرى وعده الله في الجنة الشبع والاكتساء، وألا يصيبه فيها عطش ولا حر.
وهو قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] ومن قرأ وإنك بالكسر فعلى الاستئناف وعطف جملة كلام على جملة، والظمأ مصدر قولك: ظمأ يظمأ إذا عطش، ويقال: ضحى الرجل يضحى ضحا وضحيا إذا أبرز الشمس فأصابه حرها، قال الضحاك، عن ابن عباس: يقول: لا تعطش فيها كما يعطش أهل الدنيا، ولا يصيبك فيها حر كما يصيب أهل الدنيا.
والمعنى: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها، لأنه ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود.
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠] كقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] وقد تقدم، ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] على شجرة من أكل منها لم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] جديد ولا يفنى، وهذا كقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] الآية، وما بعد هذا مفسر في ﴿[الأعراف إلى قوله:] وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [سورة طه: ١٢١] أي: بأكل الشجرة التي نهي عنها، فغوى أي: فعل ما لم يكن له فعله، وقيل: ضل، حيث طلب الخلد والملك بأكل ما نهي عن أكله، هذان قولان حكاهما المفسرون، وقال ابن الأعرابي: الغي الفساد.
ومعنى ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ههنا: فسد عليه عيشه، قال ابن قتيبة: أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخدايعه، والقسم له بالله أنه لمن الناصحين، حتى دلاه بغروره، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم، ونية صحيحة، فنحن نقول عصى آدم وغوى كما قال الله، ولا نقول آدم عاصٍ وغاوٍ كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه: قد قطعه وخاطه ولا، نقول: هو خياط، حتى يكون معاودا لذلك الفعل، معروفا به.
٦٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّمْلِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ الأَحْمَرُ، نا ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
[ ٣ / ٢٢٤ ]
أَبِي سَعِيدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: لَقِيَ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَأَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَخَطِيئَتِكَ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: وَأَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ، فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ فِيكُمْ، وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي، قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: فَوَجَدْتَ فِيهَا: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلا قَدْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ
قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢] قال ابن عباس: اصطفاه.
فتاب عليه فعاد عليه بالعفو، وهدى هداه للتوبة حتى قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية، وما بعد هذا مفسر في ﴿[البقرة إلى قوله:] قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنْي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿١٢٤﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴿١٢٦﴾﴾ [سورة طه: ١٢٣-١٢٦] ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]
٦٠٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْحِسَابِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَجَارَ اللَّهُ تَابِعَ الْقُرْآنِ مِنْ أَنْ يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَيَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ
قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] قال عطاء: عن موعظتي.
وقال الكلبي.
عن القرآن، فلم يؤمن ولم يتبعه.
﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] الضنك الضيق والشدة، وكل ما ضاق فهو ضنك، يقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، وضنك عيشه يضنك ضناكة وضنكا، وأكثر ما جاء في تفسير المعيشة الضنك: عذاب القبر، عن النبي ﷺ، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري.
٦٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ
[ ٣ / ٢٢٥ ]
لِلْمُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ وَيُرَحَّبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ قَبْرُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، يَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
٦١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، نا أَبُو عَمْرٍو الضَّرِيرُ، أنا حَمَّادٌ، أنا أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ، ﷿، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قَالَ: الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ عَذَابُ الْقَبْرِ، يَلْتَئِمُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلا يَزَالُ يُعَذَّبُ حَتَّى يُبْعَثَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، قَالَ: يُرِيدُ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ حَتَّى يَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] قيل في التفسير: أعمى البصر.
وقيل: أعمى عن الحجة.
يعني أنه لا حجة له يهتدي إليها، والأعمى إذا أطلق كان الظاهر عمى البصر.
يدل على هذا قوله: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] قال الفراء: يقال إنه يخرج من قبره بصيرا، فيعمى في حشره.
قال الله مجيبا لهذا الكافر: كذلك أي: الأمر كما ترى، ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦] فتركتها ولم تؤمن بها، ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] وكما تركتها في الدنيا نتركك اليوم في النار.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] وكذلك وكما ذكرنا، ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ [طه: ١٢٧] أشرك، ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] أفظع وأعظم مما ذكر من عذاب القبر.
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ﴿١٢٨﴾ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴿١٢٩﴾ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴿١٣٠﴾﴾ [طه: ١٢٨-١٣٠] ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨] يبين لهم إذا انظروا، يعني كفار مكة، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨] يقول: أفلم يبين لهم طريق الاعتبار كثرة إهلاكنا القرون قبلهم بتكذيب الرسل، فيعتبروا ويؤمنوا.
وقوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه: ١٢٨] يعني أهل مكة، كانوا يتجرون ويسيرون في مساكن عاد وثمود، فيها علامات الإهلاك، أفلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين رأوا مسأكنهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ﴿١٢٨﴾ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٢٨-١٢٩] في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى يوم القيامة، وهو قوله: وأجل مسمى، ﴿لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] لكان العذاب لازما لهم، واللزام مصدر وصف به العذاب.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] أمر الله نبيه ﷺ بالصبر على ما يسمع من أذاهم إلى أن يحكم الله فيهم، ثم حكم بالقتل، فنسخ الصبر، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠] صل لله بالحمد له والثناء عليه، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يريد الفجر، وقبل غروبها يعني العصر، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] ساعاته، واحدها إنْيٌ، قال ابن عباس: يريد أول الليل، المغرب والعشاء.
﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يريد الظهر، وسمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول، وطرف النصف الثاني.
٦١١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، نا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَنَظَر إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؛ لَيْلَةَ أَرْبَعَةَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، ﷿، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَوَكِيعٍ
وقوله: لعلك ترضى قال ابن عباس: ترضى الثواب والمعاد.
ومن ضم التاء، فمعنا: ترضى بما تعطاه من الدرجة الرفيعة، واختار أبو عبيدة هذه القراءة واضعًا لها معنين: ترضا تعطى الرضا، والآخر يرضاك الله وتصديقها قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] قال: وليس في الآخرة إلا وجه واحد.
قوله: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٣١﴾ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴿١٣٢﴾﴾ [طه: ١٣١-١٣٢] ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآية قال أبو رافع: نزل برسول الله ﷺ ضيف، فبعثني إلى يهودي، فقال: " قل له: إن رسول الله ﷺ يقول، يعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى هلال رجب ".
فأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن.
فأتيت رسول الله، فأخبرته، فقال: «والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه» .
فنزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا، وقد فسرنا هذه الآية في ﴿[الحجر، قال أبي بن كعب في هذه ال:: فمن لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يطل حزنه ولا يشفي غيظه، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعمه ومشربه نقص علمه ودنا عذابه.
وقوله:] زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١] يعني بهجتها ونضارتها وما يروق الناظر عند الرؤية، قال ابن عباس، والسدي: زينة الدنيا.
وقوله: لنفتنهم فيه لنجعل ذلك فتنة وضلالة بأن أزيد
[ ٣ / ٢٢٧ ]
لهم النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا، ورزق ربك في المعاد، يعني الجنة، خير وأبقى أكثر وأدوم.
قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] قال سعيد بن جبير: قومك يعني من كان على دينه، كقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقد تقدم:
٦١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عُمَرَ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا أَبُو النُّعْمَانِ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كَانَ إِذَا نَزَلَ بِأَهْلِهِ ضِيقٌ أَمَرَهُمْ بِالصَّلاةِ، وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ
وقوله: واصطبر عليها أي: اصبر على الصلاة، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر،﴾ لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ﴿[طه: ١٣٢] لخلقنا ولا لنفسك،﴾ نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ ﴿[طه: ١٣٢] قال ابن عباس، والسدي: يعني الجنة.
للتقوى قال الأخفش: لأهل التقوى.
قال ابن عباس: يريد الذين صدقوك واتبعوك واتقوني.
قوله:﴾ وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٣٣﴾ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴿١٣٤﴾ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴿١٣٥﴾ ﴿[طه: ١٣٣-١٣٥] وقالوا يعني المشركين،﴾ لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴿[طه: ١٣٣] هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتي بها الأنبياء، نحو الناقة والعصا،﴾ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿[طه: ١٣٣] بيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما كفروا، ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤالهم الآيات كحال أولئك، وهذا البيان إنما قص عليهم في القرآن.
﴾ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ ﴿[طه: ١٣٤] يعني مشركي مكة،﴾ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ ﴿[طه: ١٣٤] القبل: بعث محمد ونزول القرآن، لقالوا يوم القيامة:﴾ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا ﴿[طه: ١٣٤] هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك، فنتبع آياتك نعمل بما فيها﴾ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ﴿[طه: ١٣٤] بالعذاب، ونخزى في جهنم.
قل لهم يا محمد: كل منا ومنكم، متربص نحن نتربص بكم وعدا لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر، فانتظروا، فستعلمون إذا جاء الأمر، وقامت القيامة،﴾ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ [طه: ١٣٥] الدين المستقيم ومن اهتدى من الضلالة، أنحن أم أنتم؟
[ ٣ / ٢٢٨ ]