مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة
٤٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ هُودٍ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِهُودٍ وَكَذَّبَ بِهِ وَنُوحٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ السُّعَدَاءِ»
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿٣﴾ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤﴾﴾ [هود: ١-٤] الر قال ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن.
كِتَابٌ قال الفراء، والزجاج: هذا كتاب.
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ قال الكلبي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها.
ثُمَّ فُصِّلَتْ بينت بالأحكام من الحلال والحرام والوعد والوعيد ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] قال ابن عباس: من عند حكيم في خلقه، خبير بمن يصدق بنبيه ﷺ وبمن يكذب به.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] قال الزجاج: المعنى: أمر ألا تعبدوا إلا الله.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] من ذنوبكم السالفة ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] من المستأنفة متى وقعت ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣] قال ابن عباس: يتفضل عليكم بالرزق والسعة إلى أجل الموت.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] نعطي كل ذي عمل صالح أجره وثوابه، وقال ابن عباس، وابن مسعود: يؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته فضله، يعني الجنة، وهي فضل الله.
يعني: أن من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: تتولوا عن الإسلام ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٣] في الآخرة ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] وهو يوم القيامة.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٥﴾ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٦﴾﴾ [هود: ٥-٦] قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] يقال: ثنيت الشيء ثنيا إذا عطفته وطويته، وكان طائفة من المشركين يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ﷺ كيف يعلم به؟ فأخبر الله ﷿ عما كتموه.
ومعنى يثنون صدورهم: يطوونها على عداوة محمد ﷺ، قال قتادة: كذلك أخفى ما يكون من ابن آدم إذا حنا ظهره، واستغشى ثيابه، وأضمر همه في نفسه.
قوله: لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي: ليتواروا عنه ويكتموا عداوته، فقال الله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] قال ابن الأنباري: أعلم الله أن سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهراتهم.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] قال ابن عباس: يريد: بما في النفوس.
والمعنى: تحقيقه ما في القلوب من المضمرات.
قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [هود: ٦] الآية، يعني: ما من حيوان يدب، قال الزجاج: الدابة: اسم لكل حيوان مميز وغيره، بني على هاء التأنيث، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى.
قوله: ﴿إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] قال المفسرون: فضلا لا وجوبا والله تكفل بذلك بفضله.
٤٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ بِنْتِ ابْنِ مَنِيعٍ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: نا الأَعْمَشُ، عَنْ سَلامِ بْنِ سَلامِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبَّةَ، وَسَوَاءً ابْنَيْ خَالِدٍ يَقُولانِ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلا يَبْنِي بِنَاءً، فَأَعَنَّاهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا لَنَا وَقَالَ: «لا تَيْأَسَا مِنَ الرِّزْقِ مَهْمَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا، فَإِنَّ الإِنْسَانَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ وَيَرْزُقُهُ»
وقال أهل المعاني: على ههنا بمعنى من، المعنى من الله رزقها، ويدل على صحة هذا قول مجاهد: ما
[ ٢ / ٥٦٤ ]
جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا.
قوله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا حين تأوي إليه وَمُسْتَوْدَعَهَا حيث تموت.
وهو قول ابن عباس.
وقال قتادة، ومجاهد: أما مستقرها ففي الرحم، وأما مستودعها ففي الصلب.
كُلٌّ ذلك عند الله ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] يعني: اللوح المحفوظ، والمعنى: أن ذلك ثابت في علم الله.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٧] تقدم تفسيره، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] يعني: قبل أن يخلق السماء والأرض، قيل لابن عباس: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح.
وفي وقوف العرش على الماء، والماء على غير قرار أعظم الاعتبار لأهل الإنكار، وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] قال ابن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله.
قال ابن الأنباري: معناه ليختبركم.
فيعلم وقوع الفعل منكم الذي به تستحقون الثواب والعقاب، فيثيب المطيع المعتبر بما يرى من آيات السموات والأرض، ويعاقب أهل العناد، قوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ [هود: ٧] بعد ان شاهدوا خلق السموات والأرض ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] قال الزجاج: السحر باطل عندهم فكأنهم قالوا: إن هذا إلا باطل مبين.
يعني: هذا القول الذي يقول لنا: أنا نبعث بعد الموت، قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [هود: ٨] يعني: عن المشركين ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] قال ابن عباس، ومجاهد: إلى أجل وحين معلوم.
والأمّة ههنا المدة من أوقات الزمان ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] أي: ما يحبس العذاب عنا؟ يقولون ذلك تكذيبا واستهزاء، قال الله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] يقول: إذا أخذتهم سيوف النبي ﷺ وأصحابه لم تغمد عنهم، حتى يباد أهل الكفر، وتعلو كلمة الإخلاص وَحَاقَ ونزل وأحاط ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] وهو العذاب.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾﴾ [هود: ٩-١١] وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [هود: ٩] قال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال غيره: في عبد الله ابن أبي أمية المخزومي.
والمراد بالرحمة ههنا الرزق.
وقوله: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ [هود: ٩] شديد اليأس من رحمة الله وسعة رزقه كَفُورٌ لنعمته، وهذا بيان عما يوجبه الخلق السوء من القنوط من الرحمة عند نزول الشدة، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ [هود: ١٠] قال ابن عباس: صحة وسعة في الرزق.
﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [هود: ١٠] بعد مرض وفقر ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ [هود: ١٠] يريد الضر والفقر إِنَّهُ لَفَرِحٌ بطر فَخُورٌ قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما وسعت عليه.
﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [هود: ١١] هذا استثناء منقطع ليس من الأول، معناه: لكن الذين صبروا، يعني: أصحاب النبي ﷺ والمؤمنين، مدحهم الله بالصبر على الشدة والمكاره، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: في الشدة والرخاء ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١] .
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٣﴾ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾﴾ [هود: ١٢-١٤] قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] قال أهل التفسير: قال المشركون للنبي ﷺ: ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك.
وقال بعضهم: هل ينزل عليك ملك فيشهد لك بالصدق، أو تعطى كنزا تستغني به أنت وأتباعك.
فهمَّ رسولُ الله ﷺ أن يدع سب آلهتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] أي: لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] الضائق بمعنى: الضيق، قال ابن الأنباري: أن في موضع خفض بالرد على الباء في به.
يريد: وضائق به صدرك بأن يقولوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢] يستغني به ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] يشهد له بالنبوة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] قال الزجاج: إنما عليك أن تنذرهم وليس عليك أن تأتيهم بما يقترحون عليك من الآيات.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] أي: حافظ لكل شيء.
قوله: أَمْ يَقُولُونَ معناه: بل أيقولون: افترى القرآن وأتى به من عند نفسه قُلْ لهم فَأْتُوا أنتم في معارضتي ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] مثل القرآن من البلاغة
[ ٢ / ٥٦٦ ]
مُفْتَرَيَاتٍ بزعمكم ودعواكم ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٣] إلى المعاونة على المعارضة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] في قولكم: افتراه.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [هود: ١٤] من تدعونهم إلى المعاونة، ولم يتهيأ لكم المعارضة فقد قامت عليكم الحجة ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أي: أنزل والله أعلم بإنزاله وعالم أنه حق من عنده، وَاعلموا أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] استفهام معناه الأمر.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾﴾ [هود: ١٥-١٦] قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود: ١٥] الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: من كان يريد عاجل الدنيا فلا يؤمن بالبعث والثواب والعقاب.
وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله في الدنيا بحسناته، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، وأما المؤمن فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة.
وذلك قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] قال سعيد بن جبير: ثواب ما عملوا من خير أعطوا في الدنيا، وليس لهم في الآخرة إلا النار، فإذا جاء هذا الكافر الآخرة ورد منها على عاجل الحسرة إذ لا حسنة له هناك ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] لا ينقصون، أي: يعطوا فيها أجر ما عملوا في الدنيا، ثم أخبر ما لهم في الآخرة فقال ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] ما عملوا في الدنيا من حسنة لأنهم لم يروا لها ثوابا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] من خير.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٨﴾ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿١٩﴾ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴿٢٠﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢١﴾ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ﴿٢٢﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٣﴾ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾﴾ [هود: ١٧-٢٤]
[ ٢ / ٥٦٧ ]
قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] يعني النبي ﷺ في قول عامة المفسرين، قال ابن عباس: يريد على يقين وبيان.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] وهو جبريل ﵇ في قول أكثر المفسرين، قال ابن قتيبة: والشاهد من الله لنبيه ﷺ كِتَابُ مُوسَى.
يعني: التوراة، يتلوه أيضا في التصديق لأن النبي ﷺ بشر به موسى في التوراة إِمَامًا نصب على الحال وَرَحْمَةً أي: ذا رحمة يعني التوراة فإنها كانت إماما في ذلك الوقت وسبب الرحمة لمن آمن بها، وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] يعني: أصحاب محمد ﷺ ومن صدقه، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] يعني: ومن كفر بالنبي ﷺ من أصناف الكفار واليهود والنصارى وغيرهم.
٤٤٨ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ، أنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ لا يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنْ بِي إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قَالَ: فَقُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ فِي الْكِتَابِ فَوَجَدْتُهُ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]
وقوله: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٧] قال الكلبي، عن ابن عباس: فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار وذلك هو الحق من ربك.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] يعني: أهل مكة، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨] فزعم أن له ولدا وشريكا ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] يعني: بعد الحشر يوم القيامة وَيَقُولُ الأَشْهَادُ قال ابن عباس، ومجاهد: هم الملائكة والأنبياء.
وقال قتادة: يعني: الخلائق.
ونحو هذا قول مقاتل.
الأشهاد: الناس كما يقال على رءوس الأشهاد، أي: رءوس الناس، والأشهاد جمع شاهد مثل ناصر وأنصار، وصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف، وقوله: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] قال ابن عباس: زعموا أن لله ولدا وشريكا.
﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] قال: يريد المشركين.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
٤٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ وَنَحْنُ نَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ عَارَضَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُدْنِي الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ كَتِفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، فَيَسْأَلُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَسْأَلَهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْكُفَّارُ فُيَنَادَى عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سُوَيْدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ
قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٩] تقدم تفسيره.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [هود: ٢٠] قال ابن عباس: لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ٢٠] أي: لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [هود: ٢٠] قال ابن الأنباري: لإضلالهم الأتباع واقتداء غيرهم بهم.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] قال قتادة: لأنهم صم عن الحق عمي فلا يبصرون ولا يهتدون.
وقال الوالبي، عن ابن عباس: حال الله بين أهل الكفر وبين أهل الطاعة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا ففي قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وأما في الآخرة ففي قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] .
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ٢١] قال ابن عباس: أي: صاروا إلى النار.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] بطل افتراؤهم في الدنيا فلم ينفعهم في الآخرة شيئا، ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] قال ابن عباس: يريد حقا أنهم هم الأخسرون.
قال الفراء: لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد، ولا محالة، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينك.
فتراها بمنزلة اليمين؟ كذلك فسرها المفسرون في قوله: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ [هود: ٢٢] حقا أنهم، وقال الزجاج: لا جرم لا: نفي لما ظنوا أنه ينفعهم كأنه قال: لا ينفعهم ذلك.
و﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢]، أي: كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وجرم معناه: كسب، ذكرنا ذلك في قوله: لا يجرمنكم قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل فيه.
وقوله: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] الإخبات: الخشوع والتواضع والطمأنينة، قال مجاهد: اطمأنوا.
قال قتادة: وأنابوا إلى ربهم.
وهذه الآية نازلة في أصحاب رسول الله ﷺ، وما
[ ٢ / ٥٦٩ ]
قبلها نازلة في المشركين، ثم ضرب مثلا للفريقين، فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ﴾ [هود: ٢٤] يريد الكفار، ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ [هود: ٢٤] يريد المؤمنين لأنهم سمعوا الحق وأبصروه واتبعوه، وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هود: ٢٤] استفهام، أي: في المشابهة أَفَلا تَذَكَّرُونَ أفلا تتعظون يأهل مكة؟ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٥﴾ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٢٦﴾ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴿٢٨﴾ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿٢٩﴾ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿٣٠﴾ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٣٢﴾ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٣٣﴾ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٣٤﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [هود: ٢٥-٣٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي﴾ [هود: ٢٥] من فتح الألف كان التقدير: أرسلنا نوحا بأني لكم نذير مبين، وكان الوجه بأنه لهم نذير ولكنه على الرجوع من الغيبة إلى خطاب نوح قومه، ومن كسر الألف كان التقدير: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال لهم: إني نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] قال الزجاج: المعنى: قد أرسلنا نوحا إلى قومه بالإنذار.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] إني أنذرتكم لتوحدوا الله وتتركوا عبادة غيره، ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قِوْمِهِ﴾ [هود: ٢٧] قال ابن عباس: يعني: الأشراف ورؤساء القوم.
﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: إنسانا مثلنا لا فضل لك علينا ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: لم يتبعك لم يتبعك الملأ منا وإنما اتبعك أخساؤنا، قال ابن عباس: يريد المساكين الذين لا عقول لهم ولا شرف ولا مال.
والرذل: الدون من كل شيء والجمع أرذل، ثم يجمع على أراذل كقولك: كلب وأكلب وأكالب.
وقوله: بَادِيَ الرَّأْيِ البادي: الظاهر من قولك: بدأ الشيء.
إذا ظهر، وقال الزجاج: المعنى: اتبعوك في الظاهر وباطنهم على خلاف ذلك، ويجوز أن يكون اتبعوك في ظاهر الرأي
[ ٢ / ٥٧٠ ]
ولم يتدبروا ما قلت، ولم يتفكروا.
ومن قرأ: بادئ بالهمز فالمعنى: أنهم اتبعوك ابتداء الرأي، أي: حين ابتدأوا ينظرون وإذا فكروا لم يتبعوك ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] قال ابن عباس: يريدون التكذيب له ولما جاء به من النبوة وهل الفضل كله إلا في النبوة.
﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] ليس ما جئت به من الله، وجمعت بالكاف، لأنهم ذهبوا إلى مخاطبة نوح وأصحابه.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] قال ابن عباس: على يقين وبصيرة ومعرفة من ربوبية ربي وعظمته ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨] يعني النبوة، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨] فخفيت عليكم نبوتي لأن الله سلبكم علمها ومنعكم معرفتها لعنادكم الحق، وقرأ أهل الكوفة: فعُمّيت مشددة مضمومة العين، قال ابن الأنباري: معناه: فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء.
أَنُلْزِمُكُمُوهَا أنلزمكم قبولها؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا ما أنتم له كارهون.
قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك.
﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ٢٩] على تبليغ الرسالة ﴿مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] قال ابن جريج: إنهم سألوه طرد الذين آمنوا ليؤمنوا به أنفة من أن يكونوا معهم على السواء، فقال نوح: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم، ويأخذ لهم ممن ظلمهم، وصغر شئونهم.
وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] قال ابن عباس: تجهلون ربوبية ربكم وعظمته.
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٣٠] من يمنعني من عذاب الله إن طردت المؤمنين؟ والمعنى: إن طردتهم كان ذنبا ارتكبته، فمن يدفع عني عذاب الله.
قوله: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١] لما قالوا لنوح: إن هؤلاء الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما نرى منهم.
قال نوح مجيبا لهم: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١] غيوب الله التي يعلم منها ما يضمر الناس ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] فأعلم ما يسترونه في نفوسهم، أي: فسبيلي قبول إيمانهم الذي ظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] هذا جواب لقولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧]، ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] قال ابن عباس: تحتقر وتستصغر.
يعني المؤمنين، يقال: ازدراه.
إذا احتقره، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لن يؤتيهم خيرا إذ ليس علي أن أطلع على ما في نفوسهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] مني ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] إن طردتهم تكذيبا لظاهر إيمانهم، ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ [هود: ٣٢] خاصمتنا في الدين ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود: ٣٢] من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] في وعد العذاب، ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ﴾ [هود: ٣٣] بالعذاب ﴿اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣] لا تعجزون الله ولا تفوتونه إن أراد أن ينزل بكم العذاب، ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] قال ابن عباس في رواية عطاء: يضلكم.
والمعنى: يوقع الغي في قلوبكم لما سبق لكم من الشقاء، قال ابن الأنباري: وقال بعضهم: يهلككم.
وليس هذا من كلام العرب إذ المعروف عندهم: أغويت فلانا.
إذا
[ ٢ / ٥٧١ ]
أضللته بشر دعوته إليه وحسنته له.
ودلت هذه الآية على أن الإغواء بإرادة الله، وذكر نوح دليل المسألة فقال: هُوَ رَبُّكُمْ قال ابن عباس: هو إلهكم وسيدكم وخالقكم.
وتأويله: إنه إنما يتصرف في ملكه فله التصرف كيف يشاء، قوله: أَمْ يَقُولُونَ أي: بل يقولون يعني قوم نوح: افْتَرَاهُ اختلق الوحي وأتى به من عند نفسه ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥] أي: إثم إجرامي وعقوبة إجرامي، فحذف المضاف، والإجرام، معناه: اكتساب السيئة، يقال: أجرم فهو مجرم.
﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] من الكفر والتكذيب.
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿٣٧﴾ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٣٩﴾ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ﴿٤٠﴾ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤١﴾ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾﴾ [هود: ٣٦-٤٣] قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] قال المفسرون: لما جاء هذا دعا على قومه، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقوله: فَلا تَبْتَئِسْ قال الفراء، والزجاج: لا تحزن.
وقال ابن عباس: لا تغتم.
يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكره، فحزن له، قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] قال ابن عباس: بمرأى منا.
وقال الضحاك: بمنظر منا.
وقال الربيع: بحفظنا.
والتأويل: بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك، ﴿وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] قال ابن عباس: وذلك انه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، ويجوز أن يكون
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المعنى بوحينا إليك أن اصنعها وَلا تُخَاطِبْنِي لا تراجعني ولا تسألني ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧] أي: في مآلهم، وترك تعذيبهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ يعني: نوح ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨] قال محمد بن إسحاق: قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا.
وقال عامة المفسرين: إنهم رأوه ينجر الخشب ويهيئ شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء.
ولم يكونوا رأوا قبل ذلك سفينة، ولا ماء هناك فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] قال ابن الأنباري: إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من غفلتكم عما أظلكم من العذاب.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: ٣٩] هذا وعيد وتهديد، أي: فسوف تعلمون من أحق بالسخرية منكم وهو الذي يأتيه عذاب يخزيه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ﴾ [هود: ٣٩] أي: يجب عليه عذاب مُقِيمٌ دائم، يعني: عذاب الآخرة.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠] بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت وأصحابك في السفينة.
هذا قول عكرمة، والزهري، ورواية الوالبي عن ابن عباس، قال قتادة: ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها.
وقال ابن عباس في رواية عطاء، وعطية: يريد التنور الذي يخبز فيه.
قال الحسن: كان تنورا من حجارة قيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.
قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠] في السفينة مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الذكر زوج والأنثى زوج.
وهو قول الحسن، وقتادة قالوا: ذكر وأنثى، وقرأ حفص: من كلٍّ بالتنوين، أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، وقوله: وَأَهْلَكَ أي: واحمل أهلك، قال المفسرون: يعني ولده وعياله.
﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، وَمَنْ آمَنَ واحمل من صدقك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] أي: إلا نفر قليل وهم ثمانون إنسانا، وَقَالَ نوح لقومه الذين أمر بحملهم ارْكَبُوا فِيهَا أي: اركبوا الماء في السفينة ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] أي: أجراها ومن قرأ بفتح الميم فالمجرى مصدر الجري وَمُرْسَاهَا أي: إرساؤها، والإرساء: الإثبات، يقال: رسا الشيء يرسو.
إذا ثبت، وأرساه غيره.
قال ابن عباس: تجري باسم الله وترسو باسم الله.
وقال الضحاك: كان إذا أراد أن ترسو قال: بسم الله.
فرست وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله.
فجرت.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
٤٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَمَانٌ لأُمَّتِي إِذَا رَكِبُوا السُّفُنَ أَوِ الْبَحْرَ أَنْ يَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَلِكِ "
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] إلخ الآيات، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] .
قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هود: ٤٢] يعني الفلك ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] الموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه بالجبال في عظمته وارتفاعه على الماء ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] قال محمد بن إسحاق: كان كافرا واسمه كنعان.
﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢] أي: في مكان منقطع بعيد من السفينة، ومعنى العزل: التنحية والإبعاد، يقال: هو بمعزل من هذا الأمر.
أي: بموضع قد عزل منه، ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢] ومن قرأ يكسر الياء أراد: يا بنيي، فحذف ياء الإضافة وترك الكسرة دلالة عليها، كما يقال: يا غلامِ أقبل.
ومن فتح الياء أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار: يا بنييا، ثم حذف الألف لسكونها وسكون راء اركب، والمعنى: أن نوحا دعا ابنه إلى أن يركب معه في السفينة ليسلم من الغرق، فقال ابنه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] يقول: أنضم إلى جبل يمنعني من الماء فلا أغرق.
فقال نوح: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] لا مانع اليوم من عذاب الله ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] هذا استثناء منقطع، المعنى: لكل من رحم، فإنه معصوم ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] منع الماء بين ابن نوح وبين الجبل ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] .
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ
[ ٢ / ٥٧٤ ]
الْجَاهِلِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٤٧﴾ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤٨﴾﴾ [هود: ٤٤-٤٨] وَقِيلَ بعد ما تناهى أمر الطوفان ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤] اشربي ما فوقك من الماء، يقال: بلعت الماء أبلعه بلعا.
﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] أي: عن إنزال الماء، يقال: أقلعت السماء بعد ما أمطرت.
إذا أمسكت، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] أي: نقص، يقال: غاض الماء يغيض غيضا.
إذا نقص، وغضته أنا.
﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤] أهلك قوم نوح وفرغ من هلاكهم وَاسْتَوَتْ يعني السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] هو جبل بالجزيرة، وكان استواؤها دلالة على نفاد الماء.
٤٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عِلْبَاءِ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ مَعَ نُوحٍ ثَمَانُونَ رَجُلا مَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا، وَإِنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ وَجَّهَهَا اللَّهُ إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَقَرَّتْ، فَبَعَثَ نُوحٌ الْغُرَابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الأَرْضِ فَذَهَبَ فَوَقَعَ عَلَى الْجِيَفِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَبَعَثَ الْحَمَامَةَ، فَأَتَتْهُ بِوَرَقِ الزَّيْتُونِ وَلَطَّخَتْ رِجْلَيْهَا بِالطِّينِ فَعَرَفَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ نَضَبَ، فَهَبَطَ إِلَى أَسْفلِ الْجُودِيِّ فَابْتَنَى قَرْيَةً وَأَسْمَاهَا ثَمَانِينَ، وَيُرْوَى أَنَّ نُوحًا ﵇ رَكِبَ السَّفِينَةَ فِي رَجَبٍ فَجَرَتْ بِهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَرَّتْ بِالْبَيْتِ فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ وَأُرْسِيَتْ عَلَى الْجُودِيِّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَصَامَ نُوحٌ وَأَمَرَ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ فَصَامُوا شُكْرًا لِلَّهِ.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْقَوْمِ الْمُتَّخِذِينَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا
قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] قال عكرمة، عن ابن عباس: إنه لابنُه ولكنه خالفه في النية والعمل.
ونحو هذا قال الكلبي، ومحمد بن إسحاق، ومقاتل، قالوا: هو ابنه من صلبه، وقال قوم: إن هذا الذي خالف نوحا كان ابن امرأته، ولكم يكن من صلبه.
وهو قول علي، وأبي جعفر الباقر، ومجاهد، والحسن.
قوله: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] يعني: وعدتني أن تنجيني وأهلي، وفي هذا سؤال النجاة لابنه، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] قال ابن عباس: أعدل العادلين.
﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك،
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وقال هشيم: سألت أبا بشر عن هذه الآية، فقال: معناه أنه ليس من أهل دينه.
وكان نوح يظن أنه من أهل دينه، وروي أنه كان يظهر الإيمان ويستر الكفر، وقوله ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] إن سؤالك إياي أن أنجي كافرا عمل غير صالح، وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ: عَمِلَ غيرَ صالح واختاره الكسائي.
٤٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ هَارُونَ الْقَارِي، نا ثَابِتٌ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ كَيْفَ تَقْرَؤُهَا؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ» وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْنَكَ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ يَعْنِي الشِّرْكَ
﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] بجواب مسألتك من إنجاء الكافر من العذاب إِنِّي أَعِظُكَ أنهاك ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] قال ابن عباس: يريد الآثمين، لأن ذنب المؤمن جهل ليس بكفر.
ثم اعتذر نوح أجمل الاعتذار فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] قال ابن عباس: يريد: إنك أنت علام الغيوب وأنا لا أعلم ما غاب عني.
﴿وَإِلا تَغْفِرْ لِي﴾ [هود: ٤٧] جهلي ﴿وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] .
قوله: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾ [هود: ٤٨] قال ابن عباس: يريد من السفينة إلى الأرض بِسَلامٍ مِنَّا أي: سلامة وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ قال المفسرون: معنى البركات على نوح أنه صار أبا البشر والأنبياء لأن جميع من بقى كانوا من نسله.
قال ابن عباس: يريد أنك آدم الأصغر.
قوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] قال ابن عباس: يريد من ولدك.
قال ابن الأنباري: من ذراري من معك.
ولم يكن الذين كانوا مع نوح أمما، وأراد المؤمنين وأهل السعادة من ذريته.
ثم ذكر الكفار من ذريته فقال وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ يعني في الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] يعني في الآخرة، قال محمد بن كعب القرظي: لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام النساء يومئذ إلى أن تقومك الساعة إلا دخل في ذلك السلام والبركات، ولم يبق كافر إلا دخل في ذلك المتاع والعذاب الأليم.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] قوله: تِلْكَ يعني ما ذكر من قصة نوح ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩] من أخبار ما غاب عنك وعن قومك ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] قال قتادة: من قبل هذا القرآن.
وما كان علم محمد وقومه بما صنع نوح لولا أن الله بين له ذلك، فَاصْبِرْ أي: كما صبر نوح على أذى قومه ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] إن آخر الأمر بالظفر والتمكين لك ولقومك كما كان لمؤمني قوم نوح.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ ﴿٥٠﴾ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٥١﴾ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴿٥٢﴾ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
[ ٢ / ٥٧٧ ]
بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥٣﴾ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٦﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴿٥٧﴾ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٨﴾﴾ [هود: ٥٠-٥٨] قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: ٥٠] هذا عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] كأنه قال: أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا وكان أخاهم في النسب لا في الدين، قال ابن عباس: يريد ابن أبيهم.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠] أي: ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان، وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] قال المفسرون: إن الله تعالى حبس المطر عن قوم عاد ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هود: إن أنتم آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد.
وذلك قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]، وقد تقدم تفسيره في أول ﴿[النعام] وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [سورة هود: ٥٢] فسرت القوة ههنا بالمال والولد والشدة وكل هذا مما يقوي به الإنسان، قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومقاتل: يعني العدد وكثرة الأولاد.
وقوله: ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] لا تتركوا الإيمان بالله، ولا تعرضوا عنه، ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] أي: بحجة واضحة ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] أي: بقولك، والباء وعن تتعاقبان ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] بمصدقين.
﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] أي: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بالجنون فأفسد عقلك وأجنك، فالذي تُظهر من عيبها لما لحق عقلك من التغيير، يقال: عراه أمر كذا، واعتراه.
إذا غشيه وأصابه، فقال نبي الله عند ذلك: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ﴾ [هود: ٥٤] الآية، يعني: إن كان عندكم أنها عاقبتي ليطغى عليها، فإني على بصيرة في البراءة منها والعيب لها، وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعًا أي: احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي وغيظي ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] لا تمهلوني، قال الزجاج: وهذا من أعظم آيات الأنبياء، أي: يقبل النبي على قومه مع كثرة عددهم فيقول لهم هذا القول، وذلك للثقة بنصر الله تعالى.
ثم ذكر ذلك فقال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أي: إلا هي في قبضته وتنالها قدرته كيف شاء، والعرب إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: «ما ناصيته إلا بيد فلان»، أي: إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء، لأن من أخذته بناصيته وهو شعر مقدم الرأس فقد قهرته، قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قال الزجاج، وابن الأنباري: أي: أنه وإن كان قادرا عليهم فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم إلا ما يوجب الحق وقوعه بهم.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أن الذي بعثني الله به دين مستقيم.
والمعنى على هذا: إن دين ربي على صراط مستقيم فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: تتولوا بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧] قال الزجاج، وابن الأنباري: معناه: فقد ثبتت الحجة عليكم، وظهر فساد مذهبكم.
﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧] قال ابن عباس: ويخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم.
﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧] قال: يريد هلاككم لا ينقص من ملك ربي شيئا.
وقال غيره: لا تضرونه شيئا بإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم لأن ضرر كفركم عائد عليكم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [هود: ٥٧] من أعمال العباد حَفِيظٌ حتى يجازيهم عليها.
قوله ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٥٨] بهلاك عاد ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٥٨] قال ابن عباس: يريد حيث هديتهم للإيمان وعصمتهم من أن يكفروا بي.
فمعنى الرحمة ههنا ما أراهم من الهدى والبيان ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] يعني: ما عذب به الذين كفروا، ثم ذكر عادا فقال: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٥٩﴾ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴿٦٠﴾ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴿٦١﴾ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٦٢﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةً مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴿٦٣﴾ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا
[ ٢ / ٥٧٨ ]
تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿٦٤﴾ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴿٦٥﴾ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴿٦٦﴾ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٦٧﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴿٦٨﴾﴾ [هود: ٥٩-٦٨] وَتِلْكَ عَادٌ يعني القبيلة ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٥٩] قال ابن عباس: كذبوا أنبياء الله.
وَعَصَوْا رُسُلَهُ إنما جمع الرسل وكان قد بعث إليهم هودا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] واتبع السفلة والسقاط الرؤساء، والعنيد: الذي لا يقبل الحق، من قولهم: عند الرجل يعند عنودا.
إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه، ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [هود: ٦٠] أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتتصرف معهم وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: وفي يوم القيامة، كما قال: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]، ﴿أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠] أي: بربهم، فحذف الياء، كما تقول: أمرتك الخير.
﴿أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] يريد: بعدوا من رحمة الله.
قوله: وَإِلَى ثَمُودَ ظاهر إلى قوله ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [هود: ٦١] يعني: خلقكم من آدم، وآدم خلق من الأرض وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جعلكم عمارا لها، أي: أورثكم الأرض فصرتم عمرتها بعد من مضوا ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] قال المفسرون: كان صالح يعدل عن دين قومه، ويبغض أصنامهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دين أبيه وعشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله وترك عبادة الأصنام، زعموا أن رجاءهم انقطع منه ويئسوا من دخوله في ملتهم، وأنكروا عليه نهيه إياهم عن عبادة الأصنام.
فقالوا ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦٢] من توحيد الله وعبادته مُرِيبٍ موقع للريبة.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةً مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٦٣] الآية، يقول: يا قوم أعلمتم من ﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣]؟ من يمنعني من عذاب الله إِنْ عَصَيْتُهُ بعد بينة من ربي ونعمة؟ قوله: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم هذا، وإنما المعنى ما تزيدونني بما تقولون، يعني قولهم ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢] إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتخسير مثل التفسيق والتفجير، قال ابن الأعرابي: يريد: غير تخسير لكم لا لي، ومعنى التخسير: التضليل والإبعاد من الخير.
﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] الآية مشروحة في ﴿[الأعراف، وقوله:] تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ [سورة هود: ٦٥] يعني: عيشوا في بلدكم، وعبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعا بالحواس، وقوله ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا رغوة ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل معلوم فاصفر ألوانهم أول يوم، ثم أحمر من الغد، ثم اسود اليوم الثالث، وهو قوله: ذَلِكَ وَعْدٌ أي: العذاب غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي: غير كذب.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
٤٥٣ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجْزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، أنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْأَلُوا نَبِيَّكُمُ الآيَاتِ، هَؤُلاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمُ النَّاقَةَ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ فَتَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمَ وِرْدِهَا، فَيَحْلِبُونَ مِنْ لَبَنِهَا مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ مَاءِهَا يَوْمَ غِبِّهَا، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَقَالَ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَكَانَتْ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ غَيْرِ مَكْذُوبٍ، ثُمَّ جَاءَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو رِغَالٍ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبُو رِغَالٍ؟ قَالَ: أَبُو ثَقِيفٍ "
قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٦٦] تقدم تفسيره في قصة عاد إلى قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] قال ابن الأنباري: هذا عطف على محذوف بتقدير: نجيناهم من العذاب، ومن خزي يومئذ.
من الخزي الذي لزمهم ذلك اليوم، وبقى عاره مأثورا عنهم، وفي يومئذ قراءتان: الفتح، والكسر، فمن كسر فإن الاسم معرب فانجر بالإضافة، ومن فتح الميم مع أنه في موضع جر فلأنه مضاف إلى مبني غير متمكن، والمضاف إلى المبني يجوز بناؤه.
كقول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع
قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] قال ابن الأنباري: إنما ذكر أخذ لأن الصيحة محمولة على الصياح.
قال المفسرون: لما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٦٧﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٧-٦٨] هذه الأحرف مفسرة في ﴿[الأعراف،] أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [سورة هود: ٦٨] قرئ بالإجراء، وتركه فمن أجراه فلأنه اسم مذكر سمي به مذكر، وهو الحي فصار كثقيف وقريش، ومن ترك إجراءه جعله اسما للقبيلة فلم يصرفه لاجتماع التعريف والتأنيث، وهو ثمود بن عاتي بن إرم بن سام بن نوح، قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام.
قوله: ﴿
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿٦٩﴾ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٠﴾ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١﴾ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢﴾ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴿٧٣﴾ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٤﴾ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴿٧٥﴾ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴿٧٦﴾﴾ [هود: ٦٩-٧٦] ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] يعني الملائكة الذين أتوه في صورة الأضياف، قال ابن عباس: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل.
وقال الضحاك: كانوا تسعة.
وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء.
قَالُوا سَلامًا أي: سلموا سلاما قَالَ سَلامٌ أي: عليكم سلام، وقرأ حمزة: سِلم بكسر السين، قال الفراء: وهو في معنى سلام كما قالوا: حل وحلال، وحرم حرام لأن التفسير جاء بأنهم سلموا عليه فرد عليهم.
وقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم ﵇ خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك، فلما جاءته الملائكة رأى أضيافا لم ير مثلهم فجاءهم بعجل حنيذ، أي: محنوذ، أي: مشوي، قال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.
وهو قول مجاهد، وقتادة، والحنذ: اشتواء اللحم بالحجارة المحماة في شق من الأرض، يقال: حنذته حنذا.
وهو فعل أهل البادية، فَلَمَّا رَأَى إبراهيم ﴿أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ﴾ [هود: ٧٠] إلى العجل لأنهم كانوا ملائكة لا يأكلون ولا يشربون نَكِرَهُمْ إبراهيم، أي: أنكرهم وخاف امتناعهم من طعامه، وهو قوله: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] قال أبو عبيدة، والزجاج: أضمر منهم خوفا.
لأنه لم يكن يأمن أن يكونوا جاءوا لبلاء أو شر، لما لم يتحرموا بطعامه، ورأوا علامة ذلك في وجهه قَالُوا لا تَخَفْ فإنا ملائكة الله ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] بالعذاب.
وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ من وراء الستور يعني: سارة بنت هاران بن ناحور بنت عم إبراهيم، وكانت تتسمع إلى الرسل، وقوله: فَضَحِكَتْ أي: سرورا بما زال عنها من الخوف لأنها كانت خافت كما خاف إبراهيم ﵇، ويجوز أن يكون هذا على التقديم والتأخير، والتقدير: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ فضحكت سرورا بالتبشير، وذلك أن الملائكة قالوا لها: أيتها الضاحكة ستلدين غلاما.
والقولان في ضحكت ذكرهما الفراء، وقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] قال المفسرون: كان
[ ٢ / ٥٨١ ]
إبراهيم قد ولد له من هاجر إسماعيل وكبر وشب فتمنت سارة أن يكون لها ابن وأيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون نبيا ويلد نبيا.
وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] قال الزجاج: بشروها بأنها تلد إسحاق وأنها ستعيش إلى أن ترى ولد ولده.
ووراء ههنا بمعنى بعد، قال ابن عباس، ومقاتل: ومن بعد إسحاق يعقوب، ويعقوب رفع لأنه ابتداء مؤخر معناه التقديم، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق، ومن نصب يعقوب نصبه بفعل يشاكل معناه معنى التبشير على تقدير: من وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، كما تقول العرب: مررت بأخيك وأباك.
يريدون بمررت: جزت كأنه قيل: جزت أخاك وأباك كما قال رؤبة:
يهوين في نجد وغورا غائرا
أراد يدخلن نجدا، قوله: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا﴾ [هود: ٧٢] الأصل: يا ويلتي، فأبدل من الياء الألف لأنه أخف من الياء والكسرة، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر العظيم الفظيع، وقوله: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] استفهام تعجب، قال محمد بن إسحاق: كانت ابنة تسعين سنة وكان زوجها ابن عشرين ومائة سنة.
وهو قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا﴾ [هود: ٧٢] الذي تذكرونه من أمر الولد بيننا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ معجب، قَالُوا لها ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] من قضاء الله وقدرته؟ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٧٣] يحتمل أن يكون هذا من دعاء الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون ذلك إخبارا عن ثبوت ذلك لهم، وقوله: أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: بيت إبراهيم ﵇، ومن تلك البركات أن الأسباط وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة، إِنَّهُ حَمِيدٌ تحمد فعاله، وهو بمعنى المحمود مَجِيدٌ المجيد الماجد، وهو ذو الشرف والمجد والكرم.
قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤] يعني: الفزع الذي أصابه لما لم يأكلوا العجل وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى بإسحاق ويعقوب ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] أي: أقبل وأخذ يجادل رسلنا من الملائكة، قال المفسرون: إن الرسل لما قالوا لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا.
قال: فأربعون؟ قالوا: لا.
فما زال ينقص، ويقولون: لا.
حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا.
فاحتج عليهم بلوط فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] فهذا معنى جدال إبراهيم في قوم لوط، وما بعد هذا مفسر في ﴿[التوبة، قالت الرسل عند ذلك.
] يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [سورة هود: ٧٦] الجدال ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] بعذابهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] أي: لا يرد عنهم ما يأتيهم من العذاب لأن الله تعالى قد قضى بذلك.
قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴿٧٧﴾ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي
[ ٢ / ٥٨٢ ]
أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴿٧٨﴾ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿٧٩﴾ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴿٨٠﴾ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴿٨١﴾ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴿٨٢﴾ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴿٨٣﴾﴾ [هود: ٧٧-٨٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [هود: ٧٧] يعني الملائكة، ﴿لُوطًا﴾ [هود: ٧٧] في قريته ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧] حزن بمجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان جرد، فلما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] ضاق صدره وعظم المكروه عليه، قال الزجاج: يقال: ضاق زيد بأمره ذرعا.
إذا لم يجد من المكروه فيه مخلصا.
﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] شديد، قال أبو عبيدة: إنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر أي يشدهم.
قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨] قال المفسرون: لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: لقد استضاف لوطا قوم لم أر أحسن وجوها منهم.
فجاءه قومه يهرعون إليه.
قال الكسائي، وأبو زيد: أهرع الرجل إهراعا.
إذا أسرع.
قال عامة المفسرين: يهرعون: يسرعون وَمِنْ قَبْلُ أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] يعني: فعلهم المنكر قَالَ لوط ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] يعني: أنا أزوجكموهن، فهن أطهر لكم من نكاح الرجال، أراد أن يقي أضيافه ببناته فعرضهن عليهم، وقال سعيد بن جبير: دعاهم إلى نسائهم.
يعني أن قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أي: نساؤكم أطهر لكم فجعلهن بناته لأنه نبيهم، وكل نبي أبو أمته، وقوله: فَاتَّقُوا الله أي: اتقوا عقابه ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] لا تسوءوني فيهم، ولا تفعلوا بهم فعلا يلزمني الاستحياء منهم، والضيف يراد به الجمع، قال ابن عباس: لا تفضحوني في أضيافي.
يريد: أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ وهذا معنى قول ابن عباس: رجل رشيد يقول الحق ويرد هؤلاء عن أضيافي.
ورشيد ههنا بمعنى مرشد.
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩] لسن لنا بأزواج فنستحقهن ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] قال عطاء: إنك لتعلم أنا نريد الرجال لا النساء يعنون عملهم الخبيث.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠] جماعة أقوى بها عليكم ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أو أنضم إلى عشيرة تنصرني، وشيعة تمنعني، وجواب لو
[ ٢ / ٥٨٣ ]
محذوف على تقدير: لحلت بينكم وبين المعصية.
قال قتادة: ذكر لنا أن الله لم يبعث نبيا بعد لوط إلا في عز من قومه، ومنعة من عشيرته.
ولما رأت الملائكة ما لقي لوط من قومه.
﴿قَالُوا يَا لُوطُ﴾ [هود: ٨١] إن ركنك لشديد و﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] بسوء، فافتح الباب ودعنا وإياهم.
ففتح الباب فدخلوا، فضرب جبريل بجناحه وجوههم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] وقوله: فأسر بأهلك، وقرئ بقطع الألف وهما لغتان، يقال: سريت بليل وأسريت.
ومنه قوله: أسرى بعبده قال السدي، عن ابن مالك: لم يؤمن بلوط إلا ابنتاه: الكبرى اسمها رية، والصغرى اسمها عروبة، والمراد بالأهل ههنا: ابنتاه، وقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] قال ابن عباس: يريد: في ظلمة الليل.
وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.
﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [هود: ٨١] نهى من معه من الالتفات إذا خرجوا من قريتهم، وقوله: إِلا امْرَأَتكَ من نصبها جعلها مستثناة من الأهل على معنى: فأسر بأهلك إلا امرأتَك، ومن رفع فكأن المعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك، قال قتادة: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب التفتت فقالت: واقوماه!! فأصابها حجر فأهلكها.
وهو قوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ [هود: ٨١] للعذاب الصُّبْحُ فقال لوط: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة يا جبريل، قال له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴿٨١﴾ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨١-٨٢] الملائكة بالعذاب ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢] الكناية تعود إلى المؤتفكات وهي مذكورة قبل هذه ال ﴿[، قال المفسرون: أدخل جبريل جناحه تحت مدائن قوم لوط حتى قلعها، وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار ونباح الكلاب وصياح الديوك، لم تسقط لهم جرة ولم ينكسر لهم إناء، وكان الطير يخرج في الهواء لا يدري أين يذهب ثم قلبها عليهم مكانها، وأنزلت عليهم الحجارة، فذلك قوله:] وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [سورة هود: ٨٢] وهو معرب عن سَنْك وكِلْ، وهذا قول ابن عباس، ووهب، وقتادة، وسعيد بن جبير، والعرب لا تعرف هذا، قال الزجاج: ومن كلام الفرس ما لا يحصى مما عربته العرب نحو جاموس وديباج.
وقد أعاد الله ذكر هذه الحجارة فقال: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] فبين للعرب ما عنى بالسجيل، وهذا القول اختيار الفراء، وابن قتيبة، قالا: من طين قد طبخ حتى صار كالآجر فهو سنك كل بالفارسية.
قوله: مَنْضُودٍ هو مفعول من النضد وهو وضع الشيء بعضه على بعض، ومعناه في قول أكثر المفسرين: الذي يتلو بعضه بعضا.
مُسَوَّمَةً من نعت قوله:
[ ٢ / ٥٨٤ ]
حجارة قال الزجاج: معلمة بعلامة تعرف بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا.
وهذا قول ابن جريج، قال: كانت عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.
وقال الحسن، والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم.
وقال قتادة، وعكرمة: كان بها نضخ من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجذع.
وقوله: عِنْدَ رَبِّكَ أي: في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه، وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] قال قتادة: والله ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا على حذر.
وأكثر المفسرين على أن المراد بالظالمين ههنا كفار قريش يرهبهم الله بها.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴿٨٤﴾ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٨٥﴾ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴿٨٦﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴿٨٧﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿٨٨﴾ وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿٨٩﴾ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿٩٠﴾ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴿٩١﴾ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٩٢﴾ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩٤﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥﴾﴾ قوله تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ مفسر إلى قوله: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] أي: لا تطففوا ولا تبخسوا حق الناس
[ ٢ / ٥٨٥ ]
بالمكيال، وهو ما يكال به، ونقص المكيال أن يجعل على حد أنقص مما هو عليه المعهود، ونقص الميزان أن تجعل الصنجات أخف، وما يوزن به فهو ميزان والصنجات يوزن بها، وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤] يعني: الخصب والنعمة، والمعنى: أنه حذرهم غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا، وقال الفراء: لا تنقصوا المكيال وأموالكم كثيرة وأسعاركم رخيصة يعني: أيّ حاجة بكم إلى سوء الكيل والوزن بعد أن أنعم الله تعالى عليكم برخص السعر وكثرة المال، وقوله: ﴿وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] يوعدهم بعذاب محيط بهم فلا يفلت منهم أحد.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥] أي: أتموهما بالعدل والإيفاء الإتمام ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥] ولا تنقصوا الناس ما يستحقون عليكم، قال ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين هلك بهما من كان قبلكم من الأمم: المكيال والميزان.
وكان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله أوف الكيل أوف الوزن.
وقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] قال ابن عباس: يعني: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إتمام الكيل والوزن خير لكم من البخس والتطفيف.
يعني: من تعجل النفع بالبخس في المكيال والميزان، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦] شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة ما يقول، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] أي: لم أؤمر بقتالكم وإكراهكم على الإيمان.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧] قال عطاء: يريد: دينك يأمرك فكنى عن الدين بالصلاة لأنها من أمر الدين.
وكان شعيب كثير الصلاة لذلك قالوا هذا كأنهم قالوا: في دينك أن تأمرنا بترك ما يعبد آباؤنا ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] من البخس والظلم ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: السفيه الجاهل، وإنما قالوا هذا على طريق الاستهزاء، وجميع الآية إخبار عن استهزائهم بنبيهم حيث أنكروا عليه أمرهم بالمعروف، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾ [هود: ٨٨] تقدم تفسيره في هذه ال ﴿[، وقوله:] وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [سورة هود: ٨٨] يعني: حلالا، كان شعيب كثير المال، قال الزجاج: جواب إن محذوف، والمعنى: إن كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال أأتبع الضلال فأبخس وأطفف.
يريد: أن الله قد أغناه بالمال الحلال ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] قال ابن عباس: وما أريد أن أفعل ما أنهاكم عنه.
وقال قتادة: لم أكن أنهاكم عن أمر أرتكبه.
وقال الزجاج: لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ﴾ [هود: ٨٨] ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده، وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، وقوله: مَا اسْتَطَعْتُ أي: بقدر طاقتي، وطاقته البلاغ والإنذار، ثم أعلم أنه لا يقدر أحد على الطاعة إلا بتوفيق الله فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] أرجع في المعاد.
قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [هود: ٨٩] لا يكسبنكم شِقَاقِي خلافي ومعاداتي أَنْ
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يُصِيبَكُمْ عذاب العاجلة ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ﴾ [هود: ٨٩] من قبلكم، والمعنى: لا تخالفوني فتستحقوا العذاب والهلاك كما استحق غيركم من الأمم بمخالفتهم أنبياءهم، وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] قال قتادة: أي: في الزمان الذي بينكم وبينهم.
قال الزجاج: وكان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها فكأنه قال لهم: العظة في قوم لوط قريبة منكم.
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ اطلبوا منه المغفرة وتوسلوا إليه بالتوبة، وهو قوله: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ [هود: ٩٠] بمن تاب إليه وَدُودٌ قال ابن الأنباري: الودود في أسماء الله تعالى المحب لعباده من قولهم: وددت أود ودا وودودا وودادة.
وقال الأزهري حاكيا عن بعض أهل اللغة: إن الودود يجوز أن يكون بمعنى المودود، ومعناه: أن عبادة المؤمنين يودونه ويحبونه لما عرفوا من فضله وإحسانه إليهم.
قوله: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ [هود: ٩١] ما نفهم ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] قال ابن الأنباري: معناه: ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون من التوحيد والبعث وما يأمرهم به من الزكاة وترك البخس ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] قال سعيد بن جبير، وقتادة: أعمى.
وهو قول ابن عباس، قال الزجاج: لغة حمير تسمى الضرير ضعيفا، لأنه ضعف بذهاب بصره.
قوله: وَلَوْلا رَهْطُكَ عشيرتك وقومك لَرَجَمْنَاكَ قتلناك، قال الزجاج: والرجم من شر القتلات، وكان رهط شعيب من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا إليهم.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] أي: لست بممتنع علينا من أن نقتلك لولا ما نراعي من حق عشيرتك، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] يقول: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله ﷿ أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.
قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] الظهري: الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس: يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي والله أعز وأكبر من جميع خلقه.
وقال الفراء: يعني: تعظمون أمر رهطي وتتركون أن تعظموا الله وتخافوه.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] عالم بأعمالكم وهو يجازيكم بها، وما بعد هذا تقدم تفسيره إلى قوله: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] قال ابن عباس: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب.
قوله: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم، ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود: ٩٥] أي: بعدوا من رحمة الله ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] قال ابن الأنباري: العرب تقول: بعد الطريق يبعد، وبعد الميت يبعد.
إذا هلك والمصدر فيها البعد.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٩٦﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿٩٧﴾ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴿٩٨﴾ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴿٩٩﴾﴾ [هود: ٩٦-٩٩] قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [هود: ٩٦] قال الزجاج: أي: بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته.
وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ حجة بينة يتسلط بها على من خالفه، قال ابن عباس: يعني: عصاه.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: ٩٧] ما أمرهم به من عبادته واتخاذه إلها ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] بمرشد إلى خير، ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨] يقال: قدمه قدما.
إذا تقدمه، والمعنى: أنه يقدمهم إلى النار، يدل على هذا قوله: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ قال قتادة: يمضي بين أيديهم حتى يهجم على النار.
٤٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا الْفَضْلُ بْنُ الْخَصِيبِ، نا سَلَمَةُ بْنُ شُهَيْبٍ، نا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، نا أَبُو الدَّهْمَاءِ الْبَصْرِيُّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ رَفَعَ لِكُلِّ قَوْمٍ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فَيُورِدُونَهُمُ النَّارَ وَيَبْقَى الْمُوَحِّدُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنَا كُنَّا نَعْبُدُهُ بِالْغَيْبِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَوَتَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنْ شَاءَ عَرَّفَنَا نَفْسَهُ فَيَتَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَكُمُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا "
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] الموضع أو الشيء الذي يرده، قال المفسرون: الورد المورود المدخل المدخول، قال ابن الأنباري: وتلخيص المعنى: بئس الشيء الذي يدخل النار.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾ [هود: ٩٩] يعني: في
[ ٢ / ٥٨٨ ]
الدنيا لَعْنَةً ألحقوا في الدنيا لعنة وهي الغرق وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يعني: ولعنة يوم القيامة وهي عذاب الآخرة، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] قال قتادة: ترافدت عليهم لعنتان من الله لعنة الدنيا ولعنة الآخرة.
وقال مجاهد: رفدوا يوم القيامة بلعنة أخرى زيدوها، فتانك لعنتان.
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] قال: هو اللعنة بعد اللعنة.
قال الزجاج: وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته.
قال الضحاك: اللعنتان اللتان أصابتهم رفدت إحداهما الأخرى.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴿١٠٠﴾ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾﴾ [هود: ١٠٠-١٠٢] ذَلِكَ يعني ما تقدم من الخبر ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٠] من أخبار القرى الهالكة نَقُصُّهُ عَلَيْكَ نخبرك بها مِنْهَا قَائِمٌ بقيت حيطانه وَحَصِيدٌ أي: ومنها حصيد مخسوف به قد انمحى أثره، وقال ابن عباس: قائم ينظرون إليه وإلى ما بقى من أثره، وحصيد قد خرب ولم يبق له أثر، شبهه بالزرع إذا حصد.
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ بالعذاب والإهلاك ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] بالكفر والمعصية ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١] أي: ما نفعتهم وما دفعت عنهم شيئا ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١] بالهلاك والعذاب ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] غير خسار وهلاك، قال ابن الأنباري: إنهم ادعوا أن عبادتها تنفعهم عند الله، فلما جرى الأمر بخلاف ما قدروا وصفها الله تعالى بأنها زادتهم بلاء وهلاكا.
قوله: وَكَذَلِكَ أي: وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢] ومعنى أخذ القرى أخذ أهلها، وهو أن ينقلهم إلى العقوبة والهلاك، وقوله: وَهِيَ ظَالِمَةٌ من صفة القرى وهو في الحقيقة لأهلها وسكانها، ونحو هذا قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] .
٤٥٥ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ يُمْهِلُ الظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ".
رَوَاه مُسْلِم، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْفَضْلِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤﴾ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴿١٠٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴿١٠٨﴾﴾ [هود: ١٠٣-١٠٨] قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [هود: ١٠٣] يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم لآيَةً لعبرة وموعظة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣] ذلك يوم القيامة وقد سبق ذكره ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] لأن الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] شهده البر والفاجر، وأهل السماء وأهل الأرض، وَمَا نُؤَخِّرُهُ أي: ذلك اليوم ﴿إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] لوقت معلوم لا يعلمه غير الله، يَوْمَ يَأْتِي، وقرئ بحذف الياء التي هي لام الفعل، قال الفراء: كل ياء ساكنة ما قبلها مكسور فإن العرب تجيز حذفها وتكتفي بالكسرة من الياء.
وقد حكى سيبويه، والخليل أن العرب تقول: لا أدر.
فتحذف الياء وتكتفي بالكسرة.
وقوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] وذلك أن الخلق في ذلك اليوم كلهم ساكتون إلا من أذن الله له في الكلام كقوله: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وقوله: فَمِنْهُمْ أي: من الأنفس أي: في ذلك اليوم شَقِيٌّ قال ابن عباس: كتبت عليه الشقاوة.
وَسَعِيدٌ كتبت عليه السعادة.
٤٥٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْنِيُّ، نا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، نا عُرْوَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ أُفَاقَ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ فَقَالا: انْطَلِقْ بِنَا نُحَاكِمُكَ إِلَى الْعَزِيزِ الأَمِينِ، فَقَالَ: خَلِّيَا عَنْهُ فَإِنَّهُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
[ ٢ / ٥٩٠ ]
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] قال الزجاج: هما من أصوات المحزونين.
وحكي عن أهل اللغة جميعا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته.
ونحو هذا قال المفسرون، قال الضحاك، ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا رده في جوفه.
والمعنى ما رواه ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد ندامة، ونفسا عاليا، وبكاء لا ينقطع.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما وكل ما علاك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض.
والأكثرون على أن المراد بهذا التأبيد، كأنه قال: خالدين فيها أبدا.
قال ابن قتيبة، وابن الأنباري: للعرب في معنى الأبد ألفاظ، تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السموات والأرض، وما اختلفت الجرة والدرة، وما أطت الإبل، وفي أشباه كثيرة لهذا ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم، قوله: ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قال الفراء: هذا استثناء استثناه الله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك.
وعزيمتك على ضربه.
كذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] ولا يشاؤه، وقال ابن الأنباري: وقع الاستثناء على معنى: لو شاء ألا يخلدهم لقدر.
وقال الزجاج، وابن كيسان، وابن قتيبة: الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب كأنه قال: خالدين فيها إلا هذه المدة ثم يصيرون إلى النار أبدا.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] قال ابن عباس: يعني: من إخراج أهل التوحيد من النار.
وأما الذين سَعِدُوا وقرأ أهل الكوفة سُعدوا بضم السين، قال الفراء: كلام العرب: سَعدوا، يقال: سَعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلة فإنهم يقولون: سُعد الرجل بالضم، وبذلك قرأ أصحاب عبد الله، وقال الكسائي: سعد وأسعد لغتان، قوله: عَطَاءً نصب بما دل عليه الكلام كأنه قال: أعطاهم النعيم عطاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ غير مقطوع، والجذ القطع.
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ
[ ٢ / ٥٩١ ]
مَنْقُوصٍ ﴿١٠٩﴾ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿١١٠﴾ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١١﴾﴾ [هود: ١٠٩-١١١] فَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ في شك مِمَّا يَعْبُدُ أي: من حال ما يعبد هؤلاء في أنها لا تضر ولا تنفع ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ [هود: ١٠٩] إلا كعبادة آبائهم مِنْ قَبْلُ يريد: أنهم على طريق التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [هود: ١٠٩] من العذاب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] لا ينقصهم من عذاب آبائهم، قال ابن عباس: يريد: ما وعدوا من خير وشر.
وقال أبو العالية: يعني من الرزق.
ثم عزى نبيه فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] أي: إن كذبوا بالكتاب الذي آتيناك فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي آتينا موسى، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [هود: ١١٠] قال ابن عباس: يريد إني أي أخرت أمتك إلى يوم القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [هود: ١١٠] أي: من القرآن مُرِيبٍ موقع للريبة.
قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] قرأ أبو عمر، والكسائي، إن وشددت النون، لمَا خفيفة، واللام في لما: لام التأكيد دخلت في خبر إن، واللام في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] اللام التي يتلقى بها القسم كما تقول: والله لأفعلن.
والتقدير: والله ليوفينهم، دخلت ما للفصل بين اللامين، وقرأ ابن كثير: وإن بالتخفيف وكذلك لما، قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إنْ عمرا لمنطلق.
فيخففون إنّ ويعملونها، وأنشد:
ووجه حسن النحر كأنْ ثدييه حقان
ومن قرأ: لما مشددة كانت بمعنى: إلا، كما تقول: سألتك لما فعلت، وإلا فعلت.
ومثله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] معناه: إلا، معنى ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] أي: جزاء أعمالهم، أخبر الله تعالى أنه يوفى العباد جزاء أعمالهم ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١] قال ابن عباس: خبير بطاعة أوليائه، وبمعصية أعدائه.
قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢﴾ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴿١١٣﴾ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾﴾ [هود: ١١٢-١١٥] ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] قال قتادة: أمر الله نبيه أن يستقيم على أمره.
والمعنى: استقم على العمل بأمر ربك والدعاء إليه كما أمرت في القرآن، ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] قال ابن عباس: يريد: الصحابة الذين تابوا من الشرك.
والمعنى: فليستقيموا هم أيضا.
٤٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ، نا حَاتِمٌ الأَصَمُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالأَوْتَادِ ثُمَّ كَانَ الاثْنَانِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الْوَاحِدِ لَمْ تَبْلُغُوا حَدَّ الاسْتِقَامَةِ» وَهَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ قَدِ اجْتَمَعَ فِي إِسْنَادِهِ زُهَّادُ هَذِهِ الأُمَّةِ، حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ
وقوله: وَلا تَطْغَوْا معناه: ولا تجاوزوا بأمري ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] الركون: السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، قال ابن عباس: لا تميلوا، يريد: في المحبة ولبس الكلام والمودة.
قال السدي، وابن زيد: لا تداهنوا الظلمة.
وقال عكرمة: هو أن تطيعهم أو تودهم.
وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم فتمسكم النار فيصيبكم لفحها ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ١١٣] قال
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ابن عباس: من مانع يمنعكم من عذاب الله، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] تمنعون من عذابه، قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]
٤٥٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُنِيبٍ، أنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ مِنَ امْرَأَةٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ آتِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ
٤٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ لا تَحِلُّ لَهُ فَلا يَدَعُ شَيْئًا يُصِيبُ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ إِلَّا قَدْ أَصَابَهُ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا، فَقَالَ: تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: أَهِيَ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً
قال ابن عباس في قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] يريد: الصبح والظهر والعصر.
وهو قول مجاهد، ومحمد بن كعب، قال الزجاج: وصلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر.
وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] أول ساعات الليل، واحدها زلفة، قال ابن عباس: يريد: المغرب والعشاء قرب أول الليل.
وهذا قول عامة المفسرين، والمراد بهذا: إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها، وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] قال ابن عباس، وعامة المفسرين: يريد أن الصلوات الخمس يكفرن ما بينها من الذنوب.
٤٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا مُسْلِمٌ، نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا شَدَّادٌ، نا أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: «هَلْ شَهِدْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟» قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ أَوْ قَالَ: ذَنْبَكَ "
٤٦١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، نا حَيْوَةُ، نا أَبُو عُقَيْلٍ الْمُقْرِئُ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَقُولُ: جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ أَظُنُّهُ سَيَكُونُ فِيهِ مُدٌّ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى صَلاةَ الْعَصْرِ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»
٤٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نُعَيْمٍ الإِشْكِيبِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا قُتَيْبَةُ، نا اللَّيْثُ، وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: كَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا "
٤٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّارُ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ اللَّخْمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ نَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ قَامَ الرَّجُلُ فَأَعَادَ الْقَوْلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَلَيْسَ قَدْ أَصَبْتَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ وَأَحْسَنْتَ لَهَا الطُّهُورَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهَا كَفَّارَةُ ذَنْبِكَ "
٤٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا
[ ٢ / ٥٩٥ ]
يَابِسًا فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُهُ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي يَا أَبَا عُثْمَانَ لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ قُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا يَابِسًا فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَلَا تَسْأَلُنِي يَا سَلْمَانُ لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ فَقُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَحَاتَتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ هَذَا الْوَرَقُ " ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
٤٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُؤَدِّبُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، نا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، قَالَ: قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، قَالَ: قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ "
قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] يعني: القرآن عظة لمن ذكره، قوله: وَاصْبِرْ أي: على الصلاة كما قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] قال ابن عباس: يعني المصلين.
قوله: ﴿
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١١٩﴾﴾ [هود: ١١٦-١١٩] ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [هود: ١١٦] قال ابن عباس: يريد: ما كان.
ومعنى لولا ههنا نفي عند المفسرين، قال الفراء: لم يكن منهم أحد.
يعني من القرون المهلكة أُولُو بَقِيَّةٍ قال ابن عباس: أولو دين.
وقال ابن قتيبة: أي: أولو بقية من دين، يقال: قوم لهم بقية، وفيهم بقية.
إذا كانت فيهم مسكة خير.
وقوله: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] عن الشرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية ﴿إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] يعني: اتباع الأنبياء وأهل الحق ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦] المترف: الذي أبطرته النعمة وسعة العيش، قال الفراء: اتبعوا في دنياهم ما عودوا من النعيم، وإيثار اللذات على أمر الآخرة، وركنوا إلى الدنيا والأموال واللذات، وما أعطوا من نعيمها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] الآية: يريد وما كان ربك ليهلك أهل القرى بشركهم وظلمهم لأنفسهم وهم مُصْلِحُونَ يتعاطون الحق فيما بينهم، أي: ليس من سبيل الكفار إذا قصدوا الحق في المعاملة، وتركوا الظلم، أن ينزل الله بهم عذابا يهلكهم.
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [هود: ١١٧] يريد الرجال، بظلم بشرك، وأهلها مصلحون يريد: فيما بينهم، كقوم لوط عذبهم الله باللواط، وقوم شعيب عذبوا ببخس المكيال.
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] قال ابن عباس: يريد: على دينك الذي بعثت به.
وقال قتادة: يجعل الناس أمة واحدة بأن يجعلهم مسلمين.
﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] في الدين من بين يهودي ونصراني ومجوسي وغيرها من الملل، ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] يعني: أهل الحق وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال الضحاك، ومجاهد، وقتادة: وللرحمة خلقهم، يعني: الذين رحمهم.
وقال الحسن، ومقاتل: للاختلاف خلقهم، يعني المختلفين، وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.
وهذا اختيار الفراء، والزجاج، قال أبو عبيد: الذي أختاره في تفسير هذه الآية قول من قال خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه لأنه موافق للسنة.
قال الزجاج: ويدل على صحة هذا قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] .
قال الكلبي: يريد من كفار الجن وكفار الإنس.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٢٢﴾ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾﴾ [هود: ١٢٠-١٢٣] قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٢٠] أي: كل الذي يُحتاج إليه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠] من أخبارهم وأخبار أممهم نقص عليك ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] قال ابن عباس: ليزيدك يقينا ويقوي قلبك.
وذلك أن النبي ﷺ إذا سمعها كان تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: في هذه ال ﴿[، يعني ما فيها من أقاصيص الأنبياء والمواعظ وذكر الجنة والنار.
وخصت هذه السورة بمجيء الحق فيها تشريفا للسورة ورفعا لمنزلتها، وقوله:] وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة هود: ١٢٠] يريد: أنهم يتعظون إذا سمعوا هذه ال ﴿[وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم ويتذكرون الخير والشر، قوله:] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [سورة هود: ١٢١] تهديد ووعيد، يقول: اعملوا ما أنتم عاملون، فستعلمون عاقبة أمركم وَانْتَظِرُوا ما يعدكم الشيطان إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما يعدنا ربنا من النصر والعلو، ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] أي: علم ما غاب عن العباد فيهما ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] في المعاد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] أي: إنه يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقرئ بالتاء على معنى: قل لهم ذلك، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٩٨ ]