مكية وآياتها ثلاث وثمانون.
٧٧٧ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُرْجَانِيُّ، بِهَا، أنا الإِمَامُ جَدِّي أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الْبَلْخِيُّ، أنا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، أَوْ قَرِيبٍ عِنْدَهُ؛ جَاءَهُ خَازِنُ الْجَنَّةِ بِشَرْبَةٍ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ، فَسَقَاهَا إِيَّاهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَشْرَبُ فَيَمُوتُ رَيَّانَ، وَيُبْعَثُ رَيَّانَ، وَلا يَحْتَاجُ إِلَى حَوْضٍ مِنْ حِيَاضِ الأَنْبِيَاءِ»
﴿يس ﴿١﴾ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٥﴾ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴿٦﴾ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٧﴾﴾ [يس: ١-٧] بسم الله الرحمن الرحيم يس قال ابن عباس، والمفسرون: يريد يا إنسان، يعني محمدا ﷺ.
والقرآن الحكيم أقسم الله بالقرآن المحكم من الباطل.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] وذلك أن كفار مكة قالوا: لست مرسلا، وما أرسل الله إلينا رسولا.
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] يعني دين الإسلام.
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] قال مقاتل: هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه.
ومن قرأ بالنصب فعلى معنى: نزل الله ذلك تنزيلا من العزيز الرحيم، ثم أضيف المصدر فصار معرفة.
لتنذر قوما متصل بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣]، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] قال قتادة: لتنذر قوما لم يأتهم نذير من قبلك لأنهم كانوا في الفترة، وهو معنى قوله: فهم غافلون أي عن حج التوحيد وأدلة البعث.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس: ٧] وجب العذاب، على أكثرهم أكثر أهل مكة كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهذا إشارة إلى الإرادة السابقة بكفرهم، ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] لأن الله منعهم عن الهدى.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٥٠٩ ]
إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ﴿٩﴾ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴿١١﴾ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴿١٢﴾﴾ [يس: ٨-١٢] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ [يس: ٨] قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل.
قال الفراء: معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله.
كقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] معناه: لا تمسكها عن النفقة، وقوله: فهي يعني أيديهم، كنى عنها ولم يذكرها لأن الأغلال والأعناق تدل عليها، وذلك أن الغل إنما هو يجمع اليد إلى العنق، وقوله: فهم مقمحون قال الفراء، والزجاج: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه.
ومعنى الإقماح: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه وقمح إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء.
قال الأزهري: أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذناقهم ورءوسهم صعدا فهم مرفوعو الرءوس برفع الأغلال إياها، يدل على هذا المعنى قول قتادة مقمحون: مغلولون.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] يريد منعناهم عن الإيمان لمواقع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، وهذا معنى قول ابن عباس: منعهم من الهدى لما سبق في علمه عليهم.
وقوله: فأغشيناهم قال الفراء: ألبسنا أبصارهم غشاوة.
أي عمى، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] سبيل الهدى.
ثم ذكر أن الإنذار لا ينفعهم بعد هذا، بقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] قال الزجاج: أي من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، إنما ينفع الإنذر من ذكر في قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] يعني القرآن، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١] خاف الله في الدنيا، فبشره بمغفرة لذنوبه، وأجر كريم حسن وهو الجنة.
قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] يعني البعث، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] من خير أو شر عملوه في حياتهم، وآثارهم خطاهم بأرجلهم.
٧٧٨ - أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّرْقِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، أنا الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: شَكَتْ بَنُو سَلَمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، تَعَالَى ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فَقَالَ
[ ٣ / ٥١٠ ]
النَّبِيُّ، ﷺ: «عَلَيْكُمْ مَنَازِلَكُمْ، فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ»
٧٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاكِرُ، نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى، فَأَبْعَدُهُمْ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ
وكل شيء من الأعمال، أحصيناه بيناه وحفظناه، ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وهو اللوح المحفوظ.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ ﴿١٥﴾ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿١٧﴾﴾ [يس: ١٣-١٧] قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا﴾ [يس: ١٣] قال مقاتل: صف لهم يا محمد شبها.
يعني: لأهل مكة، أصحاب القرية يعني أنطاكية، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] رسل عيسى، وذلك أنه بعث رسولين من الحواريين إلى أنطاكية ليدعوا الناس إلى عبادة الله، وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [يس: ١٤] قال ابن عباس: ضربوهما وسجنوهما.
فعززنا بثالث أي: فقوينا وشددنا الرسالة برسول ثالث، وقرئ بالتخفيف، قال الفراء: عززنا وعززنا، كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل.
ونحو ذلك قال الزجاج.
فقالوا يعني: الرسل لأهل أنطاكية: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا﴾ [يس: ١٤-١٥] لهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] ما لكم علينا من فضل في شيء، ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] أي: لم يرسل رسولا، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] ما أنتم إلا كاذبين فيما تزعمون.
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] وإن كذبتمونا.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧] ما علينا إلا أن نبلغ ونبين لكم.
فقال القوم للرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿١٩﴾﴾ [يس: ١٨-١٩] إنا تطيرنا تشاءمنا، بكم وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: أصابنا هذا الشر من قبلكم.
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ [يس: ١٨] لئن لم تسكتوا عنا، لنرجمنكم لنفتنكم كقوله: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] فتوعدوهم بالقتل والتعذيب، وهو قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨-١٩] شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم، يعني أصابكم الشؤم من قبلكم، أئن ذكرتم وعظتم بالله وخوفتم، وهذا استفهام محذوف الجواب، تقديره أئن ذكرتم تطيرتم بنا ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] مشركون.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٥١١ ]
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٢﴾ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ ﴿٢٣﴾ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٤﴾ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴿٢٥﴾﴾ [يس: ٢٠-٢٥] ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] وهو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل عند ورودهم القرية، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم، جاءهم و﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠-٢١] لا يسئلونكم أموالكم على ما جاءكم به من الهدى، وهم مهتدون يعني الرسل، فلما قال هذا أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] وأيّ شيء لي إذا لم أعبد خالقي، وإليه ترجعون تردون عند البعث فيجزيكم.
ثم أنكر اتخاذ الأصنام وعبادتها، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ﴾ [يس: ٢٣] بسوء ومكروه، ﴿لا تُغْنِ عَنِّي﴾ [يس: ٢٣] لا ترفع ولا تمنع، شفاعتهم شيئا يعني لا شفاعة لها فتغني، ولا ينقذون ولا يخلصوني من ذلك المكروه.
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٤] إن أنا فعلت ذلك.
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [يس: ٢٥] الذي كفرتم به، فاسمعون فاسمعوا قولي، فلما قال هذا وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزقه، وذلك قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٧﴾ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ﴿٢٨﴾ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴿٢٩﴾﴾ [يس: ٢٦-٢٩] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس: ٢٦] فلما دخلها، ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٦-٢٧] يعني أن يعلموا أن الله غفر له ليرغبوا في دين الرسل، والمعنى: بغفران ربي لي، وما مع الفعل بمنزلة المصدر، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] من المدخلين الجنة.
فلما قتلوه غضب الله لقتلهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئا وعجل لهم العذاب، وهو قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ [يس: ٢٨] يعني قوم حبيب، من بعده من بعد قتله، ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: ٢٨] يعني الملائكة، أي: لم تستنصر منهم بجند من السماء، ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: ٢٨] أي: وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم كالطوفان، والصاعقة، والريح.
ثم بين بما كانت عقوبتهم، فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون، لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت.
وهو قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] أي: ساكتون قد ماتوا.
قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٣٠﴾ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ
[ ٣ / ٥١٢ ]
الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ﴿٣١﴾ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿٣٢﴾﴾ [يس: ٣٠-٣٢] ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] قال مجاهد، ومقاتل: يا ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا.
ثم بين سبب الحسرة، فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ [يس: ٣٠] أي: في الدنيا، ﴿إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [يس: ٣٠] .
ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١] أي: ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم، لا يرجعون إليهم أي: لا يعودون إلى الدنيا، أفلا تعتبرون بهم.
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] يعني أن الأمم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا.
ثم وعظ كفار مكة ليعتبروا، فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿٣٣﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿٣٤﴾ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ﴿٣٥﴾ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [يس: ٣٣-٣٦] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] أي: يدلهم على قدرتنا على البعث إحياء الأرض بالنبات بعد أن كانت ميتة لا تنبت شيئا، وهو قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] يعني: ما يقتات من الحبوب.
وجعلنا فيها في الأرض، ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ [يس: ٣٤] في الأرض، من العيون يعني: عيون الماء.
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥] يعني: من ثمرة النخيل، وهو في اللفظ مذكر، ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] أي: ومن ثمرة ما عملت أيديهم، يعني الغروس والحروث التي قاسوا حراثتها، ومن قرأ عملته بالهاء جعلها عائدة إلى ما التي هي بمعنى الذي، ومن قرأ بحذف الهاء فلأن هذه الهاء الراجعة إلى الموصول تجيء محذوفة في أكثر القرآن، كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] وتكون هذه القراءة كقراءة عملته لأن الهاء مرادة، وإن حذفت في اللفظ، ويجوز أن يكون ما في، وما عملته نفيا، وهو معنى قول الضحاك ومقاتل، قال الضحاك: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها.
وقال مقاتل: يقول: لم يكن ذلك من صنيع أيديهم، ولكن من فعلنا.
وقوله: أفلا يشكرون أي: رب هذه النعم فيوحدونه.
ثم نزه نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] يعني: أجناس الفواكه والحبوب وأصنافها، ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [يس: ٣٦] يعني: الذكران والإناث، ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] مما خلق الله من جميع الأنواع والأشياء، مما لا تقف عليه من دواب البر والبحر.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ
[ ٣ / ٥١٣ ]
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿٣٩﴾ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿٤٠﴾﴾ [يس: ٣٧-٤٠] وآية لهم تدل على قدرتنا، ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] قال الفراء: نرمي بالنهار على الليل فنأتي بالظلمة.
وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي: كشط وأزيل، أي: نزع فتظهر الظلمة، وهو قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] داخلون في ظلام الليل.
قوله: والشمس تجري وآية لهم الشَّمْسُ تَجْرِي، ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] يعني: انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا، وقال ابن قتيبة: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه، وعلى هذا القول يكون التقدير لمستقر لسيرها.
٧٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَكِيعٌ، نا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الأَشَجِّ، عَنْ إِسْحَاق
وقوله: ذلك أي: ذلك الذي ذكر من أمر الليل والنهار، والشمس والقمر، تقدير العزيز في ملكه، العليم بما قدر من أمرها.
قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وهي ثمانية وعشرون منزلا من أول الشهر، فإذا صار إلى آخر منازله دق، وذلك قوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ومن قرأ والقمر نصبا فلأن المعنى: وقدرنا القمر قدرناه، كما تقول: زيدا ضربته، والعرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ، وإذا جف وقدم يشبه الهلال.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] أي: لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، وهو وقوله: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أي: هما يتعاقبان بحساب معلوم ولا يجيء أحدهما قبل وقته، وكل من الشمس والقمر والنجوم، ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] يسيرون فيه.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٤١﴾ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴿٤٢﴾ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ﴿٤٣﴾ إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٤٤﴾﴾ [يس: ٤١-٤٤] وآية لهم وعلامة لأهل مكة على قدرتنا، ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] يعني: آباءهم وأجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] يعني: سفينة نوح، لأن من حمل مع نوح كان هؤلاء من نسلهم، والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد، والمشحون المملوء.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] يعني: السفن التي عملت بعد سفينة نوح
[ ٣ / ٥١٤ ]
مثلها على هيئها وصورتها، والمراد بهذا أن الله تعالى ذكر منته بأن خلق لهم الخشب حتى عملوا مثل سفينة نوح وركبوه للتجارات.
ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم ولو شاء أغرقهم فلم يغثهم أحد ولم ينقذهم من الغرق، وهو قوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ [يس: ٤٣] ولا مغيث لهم، والصريخ ههنا بمعنى المصرخ ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلصه من مكروه.
قال ابن عباس: ولا ينقذهم من عذابي.
﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤] أي: إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وذلك أن الكافر متعه الله في الدنيا ورزقه فيها، فإذا ركب السفينة سلمه حتى يموت بأجله.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٤٥﴾ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤٦﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٤٧﴾﴾ [يس: ٤٥-٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ [يس: ٤٥] لهؤلاء الكفار: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس: ٤٥] من أمر الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدنيا، فأحذروها ولا تغتروا بها وما فيها من زهرتها، لعلكم ترحمون لتكونوا على رجاء الرحمة من الله، وجواب إذا محذوف على تقدير وإذا قيل لهم هذا أعرضوا، يدل على المحذوف.
قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ [يس: ٤٦] أي: عبرة ودلالة تدل على صدق محمد ﷺ، ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤٦﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٦-٤٧] قال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا على المساكين ما زعمتم من أموالكم أنه لله، وهو ما جعلوه من حروثهم وأنعامهم لله.
قالت الكفار: أنطعم أنرزق، ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] رزقه، أي: نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا خطأ منهم، لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضها ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في ماله من الزكاة، والمؤمن لا يعترض على المشيئة، وإنما يوافق الأمر.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] هذا من قول الكفار للمؤمنين، يقولون لهم: إن أنتم في اتباعكم محمدا وترك ديننا إلا في خطأ بين.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٨﴾ مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [يس: ٤٨-٥٠] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس: ٤٨] الذي تعدنا به يا محمد من القيامة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨] في ذلك أنت وأصحابك.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى.
يعني أن القيامة تأتيهم بغتة.
تأخذهم الصيحة، وهم يخصمون أي: يختصمون في البيع والشراء، ويتكلمون في الأسواق والمجالس، أعز ما كانوا متشاغلين في متصرفاتهم، وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد، لأن الأصل يختصمون، فألقيت حركة الحرف المدغم وهو التاء على الساكن الذي قبله وهو الخاء، ومن قرأ بكسر الخاء حركه بالكسر لالتقاء الساكنين، وقرأ أهل المدينة بالجمع بين ساكنين، قال الزجاج: وهو أفسد الوجوه وأردأها.
وقرأ حمزة: ساكنة الخاء مخففة الصاد، وهو يفعلون من الخصومة، كأنه قال: وهم يتكلمون.
والمعنى: تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا، وأراد
[ ٣ / ٥١٥ ]
أن الكفار الذين تقوم عليهم الساعة تأخذهم الصيحة وهم يختصمون، والقوم إذا كانوا على أمر واحد كان الخبر عن بعضهم كالخبر عن جميعهم.
ثم ذكر أن الساعة إذا أخذتهم بغتة لم يقدروا على الارتقاء بشيء، فقال: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] قال مقاتل: عجلوا عن الوصية فماتوا.
﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] وإلى منازلهم يرجعون من الأسواق، وهذا إخبار عما يلقون في النفخة الأولى.
ثم أخبر عما يلقونه في النفخة الثانية إذا بعثوا بعد الموت، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿٥١﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴿٥٢﴾ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿٥٣﴾ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٥٤﴾﴾ [يس: ٥١-٥٤] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [يس: ٥١] يعني القبور، ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يخرجون من قبورهم أحياء، يقال: نسل في العد وينسل نسلانا.
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قال المفسرون: إنما يقولون هذا لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين، فيرقدون، فلما بعثوا في النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل، فقالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] على ألسنة الرسل أنه يبعثكم بعد الموت، وصدق المرسلون في وعد البعث، وقال قتادة: أول الآية للكافرين وآخرها للمسلمين، قال الكافرون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] .
وقال المسلم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] .
ثم ذكر النفخة الثانية، فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] .
يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] .
ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴿٥٥﴾ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴿٥٦﴾ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴿٥٨﴾﴾ [يس: ٥٥-٥٨] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٥] يعني في الآخرة، في شغل وقرئ شغل وهما لغتان، قال مقاتل: شغلوا بافتضاض العذارى من أهل النار، فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم.
وهذا قول جماعة المفسرون.
وقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب.
فاكهون ناعمون معجبون بما هم فيه، قال أبو زيد: الفكه الطيب النفس الضحوك، يقال: رجل فكه وفاكه ولم يسمع لهذا أفعل في الثلاثي.
هم وأزواجهم يعني حلائلهم، في ظلال قال مقاتل: في أكنان القصور.
وقرئ في ظلل وهي جمع ظلة.
على الأرائك وهي السرر عليها الحجال، قال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرا في قبة عليه سواره ومتاعه.
لهم فيها في الجنة، ﴿فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] يتمنون ويشتهون، قال الزجاج: وهو مأخوذ من الدعاء.
والمعنى: كل ما يدعوه أهل الجنة يأتيهم.
ثم بين ما يشتهون، فقال: سلام قولا وهو بدل من ما، المعنى لهم ما يتمنون سلام، ومن أهل الجنة أن يسلم الله عليهم، وقولا منصوب على معنى لهم سلام، يقوله
[ ٣ / ٥١٦ ]
الله قولا.
٧٨١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى اللَّخْمِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، نا أَبُو عَاصِمٍ، نا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ، ﷿، قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ، تَعَالَى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرْسِلُ الرَّحِيمُ إِلَيْهِمْ بِالسَّلامِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، مِنْ رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٩﴾ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٠﴾ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴿٦٢﴾﴾ [يس: ٥٩-٦٢] قوله: وامتازوا اليوم يقال: مزت الشيء من شيء إذا عزلته وتحيته فامتاز.
قال: مقاتل: اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين.
وقال السدي: كونوا على حدة.
قال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠] ألم آمركم وأوص إليكم، وقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم.
قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] لا تطيعوا إبليس في الشرك، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنة.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦١] أطيعوني ووحدوني، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] يعني دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ.
ثم ذكر عداوته لبني آدم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] يعني: خلقا كثيرا، وفيه لغات: جبلا، وجبلا، وجبلا، وهذه الأوجه قرئ بها ومعناها: الخلق والجماعة.
﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢] ما رأيتم من الأمم قبلكم إذ أطاعوا إبليس وعصوا الرسول فأهلكوا، ويقال لهم لما دنوا من النار: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٦٣﴾ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٦٤﴾ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٦٥﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ﴿٦٦﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ﴿٦٧﴾﴾ [يس: ٦٣-٦٧] ﴿
[ ٣ / ٥١٧ ]
هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] بها في الدنيا.
اصلوها قاسوا حرها، اليوم يعني يوم القيامة، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] بكفركم بها في الدنيا.
اليوم نختم الآية، قال المفسرون: إنهم ينكرون الشرك وتكذيب الرسل.
وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم بإذن الله لها في الكلام فشهدت عليهم بما عملوا.
قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن، يهددهم الله بهذا كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة.
فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق، فأنى يبصرون فكيف يبصرون وقد أعمينا أبصارهم.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] على مكانهم الذي هم فيه قعود، يقول: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] لا يقدرون على ذهاب ولا مجيء.
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ﴿٦٨﴾ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ ﴿٦٩﴾ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧٠﴾﴾ [يس: ٦٨-٧٠] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] بالتشديد والتخفيف، يقال: نكسته وأنكسته، وأنكسته وأنكسته.
وذكرنا معنى النكس في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] قال الزجاج: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم.
أفلا يعقلون أليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء فهو مخاطبة للكفار.
قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدا شاعر.
فقال الله تكذيبا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] الشعر أي: ما يستهل له ذلك، وما يتزن له بيت شعر حتى إذا مثل له بيت شعر جرى على لسانه منكسرا.
٧٨٢ - أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ، إِجَازَةً، نا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ، نا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ: كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ: «كَفَى الإِسْلامُ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ: كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، مَا عَلَّمَكَ الشِّعْرَ، وَمَا يَنْبَغِي لَكَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسٍ:
[ ٣ / ٥١٨ ]
سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلا وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالأَخْبَارِ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلا يَنْبَغِي لِي
وقوله: إن هو قال مقاتل: ما القرآن، إلا ذكر موعظة، وقرآن مبين فيه الفرائض والحدود والأحكام.
لينذر أي القرآن، ومن قرأ بالتاء لتنذر يا محمد بما في القرآن، ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] يعني: مؤمنا حي القلب، لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر، ويحق القول وتجب الحجة بالقرآن، على الكافرين.
ثم ذكرهم قدرته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴿٧١﴾ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿٧٢﴾ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾﴾ [يس: ٧١-٧٣] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] مما تولينا خلقه بإبداعنا وإنشائنا لم نشارك في خلقه ولم نخلقه بإعانة معين، وذكر الأيدي ههنا يدل على إنفراده بما خلق، والواحد منا إذا قال عملت هذا بيدي دل ذلك على إنفراده بعمله، وإنما تخاطب العرب بما يستعملون من مخاطباتهم، وقوله: أنعاما يريد: الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابطون قاهرون، أي: لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم.
وهو قوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢] ما يركبون، يعني الإبل، وقال مقاتل: يعني حمولتهم الإبل والبقر.
ومنها يأكلون يعني الغنم.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس: ٧٣] من الأصواف والأوبار والأشعار والنسل، ومشارب من ألبانها، أفلا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه.
ثم ذكر جهلهم وغرتهم، فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٧٤﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴿٧٥﴾ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٦﴾﴾ [يس: ٧٤-٧٦] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] يمنعون من العذاب.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: ٧٥] قال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على نصرتهم.
وقال مقاتل: لا تقدر آلهة أن تمنعهم من العذاب.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] يعني: الكفار جند الأصنام، يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا.
قال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا.
وقال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم.
ثم عزى نبيه، فقال: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] يعني: قول كفار مكة في تكذيبك، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [يس: ٧٦] في ضمائرهم من تكذيبك، وما يعلنون بألسنتهم، والمعنى: إنا نثيبك ونجازيهم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧] يعني: أبي بن خلف، خاصم النبي ﷺ في إنكار البعث، وأتاه بعظم قد بلي، فتته بيده، وقال: أيحيي الله هذا بعدما رم؟ فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ
[ ٣ / ٥١٩ ]
يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴿٨٠﴾﴾ [يس: ٧٧-٨٠] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة، ثم هو يخاصم! وهذا تعجيب من جهله، وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته.
ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا﴾ [يس: ٧٨] يعني أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي، يفته بيده، ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه.
ونسي خلقه قال مقاتل: وترك النظر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة.
ثم بين ذلك المثل بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] قاس قدرة الله بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي لما لم يكن ذلك في مقدور الخلق، يقال: رم العظم يرم رما إذا بلي، وهو رميم، والعظام رميم، ولا يقال بالهاء لأنه مصروف إلى فعيل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ [يس: ٧٩] ابتدأها وخلقها، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ [يس: ٧٩] من الابتداء والإعادة، عليم.
ثم زاد في البيان، وأخبر عن عجيب صنعه، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] يعني: ما جعل من النار في المرخ والقفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب زنودها منها، وهو قوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] تقدحون النار، وتوقدونها من ذلك الشجر.
ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من الإنسان، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾﴾ [يس: ٨١-٨٣] ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [يس: ٨١] في عظمها وكثرة أجزائها، يقدر على إعادة خلق البشر، ثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: بلى أي: هو قادر على ذلك، وهو الخلاق يخلق خلقا بعد خلقا، العليم بجميع ما خلق.
ثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقد تقدم تفسيرها.
ثم نزه نفسه من أن يوصف بغير القدرة، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] أي: ملك كل شيء، والقدرة على كل شيء.
وإليه ترجعون تردون بعد الموت.
[ ٣ / ٥٢٠ ]