بسم اللَّه الذي مِن عنده النصرُ وهو العزيز الحكيم، الرحمنُ الذي لم يعاجلْ بالعقوبة للقائلين: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، الرحيمُ الذي وعد الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللَّه والذين آووا ونصروا بالمغفرة والرزق الكريم.
وسورة الأنفال مدنية، وقيل: إلا آيةً، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠].
وقيل: غيرَ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] فإنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.
وهي خمسٌ وسبعون آية، وقيل: ستٌّ وسبعون آية، وقيل: سبع وسبعون آية، والاختلاف في ثلاثة مواضع: ﴿ثُمَّ يُغْلَبَوُنَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
وكلماتُها ألفٌ ومئتان وأربعٌ وثلاثون، وحروفُها خمسةُ آلاف ومئتان وأحدٌ وتسعون (^١).
وروَى أبي بن كعب ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة
_________________
(١) في (ف): "وسبعون".
[ ٧ / ١١٧ ]
الأنفال وبراءةَ فأنا شفيعُه يوم القيامة، شاهدٌ أنه بريء من النفاق، وأعطي عشرَ حسنات بعددِ كلِّ منا فقٍ ومنافقةٍ، وكان العرش وحملةُ العرش يستغفرون له أيامَ حياته" (^١).
وذُكر في "تفسير عبد بن حميد" مسندًا عن أبي أمامةَ الباهليِّ ﵁ قال: سألتُ عبادة بنَ الصامت ﵁ عن سورة الأنفال، قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدرٍ حين اختلفنا في الأنفال وساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعها اللَّه من أيدينا فجعلها إلى رسول اللَّه -ﷺ- بما أَنزل من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فقسَمها على السَّواء (^٢).
ثم انتظامُ أولِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أن اللَّه تعالى ختم تلك السورةَ بذكر عظماءِ السماء، وهم الملائكةُ الذين وصفَهم اللَّه تعالى بأنهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وافتَتح هذه السورة بذكر عظماءِ الأرض، وهم المؤمنون ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
ووجهٌ آخر: أنه ذكر في ختمِ تلك السورة الخيفةَ وفي افتتاحِ هذه السورة الوجلةَ، وهما واحد (^٣).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا.
(٢) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٤/ ٥)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٢٧٤٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٥٩) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٣) من قوله: "ووجه آخر. . . " إلى هنا ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١١٨ ]
ووجهٌ آخر: ذكر هناك الاستماعَ للقرآن والإنصاتَ، وذكر هنا ما زاد في يقين المؤمنين إذا تُليت عليهم تلك الآياتُ.
ووجهٌ آخَرُ: أنه ذكر هناك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وذكر هاهنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وانتظام هذه السورة بتلك السورة: أن سورة الأعراف في بيان نصر المؤمنين ونجاتهم، وإهلاكِ الكافرين وعقوباتهم في أزمنةِ سائرِ المرسَلين، وهذه السورة في نصر (^١) المؤمنين ونجاتهم (^٢) وإهلاكِ الكافرين في زمنِ خاتم النبيين، وما وقع ببدرٍ بصناديد المشركين.
* * *
_________________
(١) في (ف): "نصرة".
(٢) "ونجاتهم": ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١١٩ ]