(١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ ختمَ الآيةَ التي قبلها بالأمرِ بالشُّكر، وبدأ هذه الآية بالأمرِ بالصَّبر، وهما جامعا (^١) جميعِ خصال الإيمان.
ووجهٌ آخرُ أنَّه ذكرَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، وهم الأعداء، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ثمَّ أمرَ في هذا بما يَدفعُهم ويردعُهم، وهو الاستعانةُ بالصَّبرِ والصَّلاة على مجاهدة العداة.
وقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد أوفينا الكلامَ فيه في أوَّل قصَّةِ بني إسرائيل، ومعناه: استعينوا بهما على الجهادِ في سبيلِ اللَّه مع أعداءِ اللَّه.
وقيل: استعينوا بهذا النوعِ من الطَّاعة على غيرِه مِن الطَّاعات.
وقال الكلبيُّ ومقاتلٌ والرَّبيعُ بنُ أنس: استعينوا على طلبِ الآخرة وتمحيصِ الذُّنوب بالصبرِ على أداءِ الفرائض والصَّلوات الخمس (^٢).
وقيل: استعينوا بالصبرِ منكم، وبالصَّلاة منِّي وعدًا بقولي: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧] على أداء الفرائض وتحمُّل المكاره؛ أي: انظروا في
_________________
(١) في (ر): "جامعتان".
(٢) قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٥٠)، ورواه عن الربيعِ الطبريُّ في "تفسيره" (٢/ ٦٩٨).
[ ٣ / ٥ ]
حسنِ هذا الاسم لكم، وحسن هذا الجزاءِ منِّي؛ ليسهلَ عليكم الأداءُ والرِّضا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بمعونتهم ونُصرَتهم.
وقيل: أي: يُظهِر دينَهم على سائر الأديان؛ لأنَّ مَن كان اللَّهُ معه فهو الغالبُ، وهو أشرفُ رتبةٍ، وأجلُّ وعدٍ (^١)، قال اللَّه تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، وقال لبني إسرائيل: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ (^٢) الآية [المائدة: ١٢]، وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال نبيُّنا ﵊ في الغار: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
* * *
(١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: هم أموات.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؛ أي: بل هم أحياءٌ، والقتلُ نقضُ البِنيَةِ الحيوانيَّة، وسبيلُ اللَّه: هو الجهاد؛ لأنَّه طريقٌ إلى ثواب اللَّه ورحمتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون حقيقةَ حياتِهِم بعد زُهوق أرواحهم.
وقال القشيريُّ ﵀: لئن فَنِيَت في اللَّه أشباحُهم، لقد بَقيَت باللَّه أرواحُهم،
_________________
(١) في (أ): "وعدة".
(٢) قبلها في (أ): "وقال اللَّه".
[ ٣ / ٦ ]
ومَن كان فناؤه للَّه (^١)، كان بقاؤه باللَّه، هم في ظلال الأنس يبسطهم (^٢) جمالُه مرَّةً، ويَستَغْرِقُهم جلالُه أخرى (^٣).
قال ابنُ عباس ﵄: نزلَت في قتلى بدر، وهم أربعةَ عشر من المسلمين (^٤).
وقال الضَّحَّاك: نزلَت في الذين قُتِلوا عند بئرِ معونة (^٥)، وذلك أنَّ المنافقين قالوا: مات فلانٌ، ومات فلانٌ، فنزلت.
وقيل: إنَّ العربَ كانت تُعرِّف الموتى: مَن (^٦) انقطعَ ذِكْرُه إذا لم يبقَ له أحدٌ يذكرُه، فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّهم مذكورون في ملأ الملائكة.
وقال الحسن: إنَّ أرواحَ المؤمنين تُعرض على الجِنان، وأرواحَ الكفَّار (^٧) تُعرضُ على النِّيران، ويكونُ لأرواحِ (^٨) الشهداء فَضلُ (^٩) لذَّةٍ لا تكونُ لغيرهم،
_________________
(١) في (ر): "في اللَّه" بدل: "للَّه".
(٢) في (ف): "ينشطهم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٣٩).
(٤) ذكره مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٥٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٠ - ٤١) دون نسبته لابن عباس ﵄، وأورد نحوه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٨) وعزاه لابن منده في "المعرفة" من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهي إلى ابن عباس ﵄ سلسلة الكذب.
(٥) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ١٦٩).
(٦) في (ف): "بمن".
(٧) في (أ): "الكفرة".
(٨) بعدها في (ر): "المؤمنين".
(٩) في (ر) و(ف): "أفضل".
[ ٣ / ٧ ]
ولأرواحِ الكفرةِ مِن آلِ فرعون فضلُ ألمٍ لا يكون لغيرهم (^١).
وقال جعفر الصَّادق ﵁: الشُّهداءُ قُتِلوا في ذات (^٢) اللَّه، واستوجَبوا الثوابَ عندَ اللَّه، فهم أحياءٌ مرزوقون، شهداءُ فرحون، والذين قَتلوا أهواءَهم بما قاسَوا مِن قطع هذه العقَبات، صارُوا بالهوى قَتْلى، فاستوجبوا على اللَّه إحياءَ قلوبِهم، وجعلَهم شهداءَ مرزوقينَ فوائدَه ولطائفَه، فرحين مستبشرين، قد يَبِسَت عروقُهم، وسَكنَتْ حركاتُهم، وانقطعَت طلباتُهم، ووقَفوا بين يدي مليكِهم، فهم أحرارٌ خدَّام، فطوبى لهم، هم أولياء اللَّه وأحباؤه.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الشُّهداءُ عند اللَّه على منابرَ مِن ياقوت (^٣) في ظلِّ عرشِ اللَّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، على كثيبٍ مِن مسك، لا يَدرون ما يَصنع الناس، فيقول بعضُهم لبعض: ألا نَذهبُ إلى النَّاس فننظر؟ فيُبعثون، فيقول لهم الربُّ تعالى: ألم أفِ (^٤) لكم؟ فيقولون: بلى، لو صَنعْت بنا واحدةً، قال: وما هي؟ قالوا: لو رَددتنا إلى الدُّنيا حتَّى نُقتلَ فيك ثانيةً". وقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لولا أنْ أشُقَّ على المؤمنين ما خرجَتْ لهم سَرِيَّة إلَّا وأنا فيها، ولودِدتُ أَنِّي أُقتَلُ ثمَّ أُحيا، ثمَّ أستشهَدُ ثمَّ أحيا، ثمَّ أستشهدُ ثمَّ أحيا" ثلاث مرات (^٥).
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥٩٦).
(٢) في (ف): "سبيل".
(٣) في (ر) و(ف): "نور".
(٤) في (ر): "أوف".
(٥) رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (٢٠٩)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ١٠٢) في ترجمة إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة، وهو متروك، كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب". ومن قوله: "وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لولا أن أشق"" إلى آخر الحديث، روى نحوه البخاري في "صحيحه" (٣٦) من حديث أبي هريرة أيضًا.
[ ٣ / ٨ ]
وقيل: معنى قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: لا يَنقطعُ ثوابُ أعمالِهم؛ لأنَّهم قُتِلوا لنُصرةِ دين اللَّه، فما دام الدِّينُ ظاهرًا في الدُّنيا، وأحدٌ يُقاتِلُ في سبيلِ اللَّه، فلهم ثوابُ ذلك؛ لأنَّهم سَنُّوا هذه السُّنَّةَ.
* * *
(١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ أي: ولنَمْتَحِنَنَّكم، وهو لامُ قَسَم، والابتلاءُ مِن اللَّه تعالى لإظهارِ ما علم.
وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوفِ الأعداء. وانتظامُها بما قبلَها أنَّ الصَّبرَ والاستعانةَ به وبالصَّلاة على احتمال هذه المكاره.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: وبشيءٍ مِن الجوع، وهو القَحطُ والسَّنةُ.
ولم يقل: بأشياء، وإن ذكرَ بعده بلايا معدودةً؛ لأنَّه أضمرَهُ ثانيًا وثالثًا؛ اكتفاءً بحرفِ العطف المقتضي لإعادة المذكور أوَّلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: وبشيءٍ من ذلك، بالسَّرقةِ، والإغارة، وأخذ السُّلطان، والهلاك.
وقوله تعالى: ﴿وَاَلأَنْفُسِ﴾ أي: بالقتل والموت.
وقوله تعالى: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: وذهاب ثمراتِ الكروم والأشجار بالبردِ، والسَّمومِ، والرِّيحِ، والجرادِ، وغيرِها من الآفات.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: المتحمِّلينَ هذهِ المكاره.
وقيل: الخوفُ: هو الجهادُ، والجوعُ: هو صومُ رمضان، ونقصُ الأموال: هو
[ ٣ / ٩ ]
إيتاءُ الزَّكاة والحقوقِ الماليَّة، والأنفسُ (^١): بذلُ الأرواح في ذاتِ اللَّه، والثَّمرات: هو دفعُ العشر. وقيل: هو صرفُ ثمرات الأعضاء -وهي الأفعال- إلى عبادة اللَّه ﷻ، والابتلاء بها: هو التعبُّد بهذه الأنواع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ أيمما: الدَّائمين على أدائِها، الثَّابتين على مراعاتِها.
وقيل: الخوفُ: هو خشيةُ القلب مِن اللَّه تعالى، والجوع: غلبةُ شوقِ العبد إلى لقاء اللَّه، ونقص من الأموال: هو التَّجرُّد عن غيرِ اللَّه تعالى في محبة اللَّه، والأنفس: هو تسليمُ الأنفس إلى اللَّه، والثمرات: هو بذلُ الأولاد في رضاء اللَّه تعالى، فالولدُ ثمرةُ الفؤاد، وبه ورد الحديثُ (^٢)، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على هذه الحالات، الصَّادِقين في هذه المقامات.
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ تعالى يقول لملائكتهِ: أقبضتُم قُرَّة عينِ عبدي، وثمرةَ قلبِه؟ فيقولون: نعم يا رب، فيقولُ اللَّه تعالى: فما (^٣) صنع؟ (^٤) قالوا: صبرَ واحتسب، فيقولُ اللَّه تعالى: ابنوا له بيتًا في الجنَّة، وسمُّوه بيت الحمد" (^٥).
وقال بعضُ أهل المعرفة: مطالباتُ الغيبِ؛ إمَّا أن تكونَ بالمال، أو بالنَّفس، أو بالأقارب، أو بالقلب، أو بالروح، فمَن أجابَ إلى المال (^٦) فله النَّجاة، ومَن جاد
_________________
(١) بعدها في (أ): "هو".
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٥٥١) من حديث الأشعث بن قيس. قال محققه: إسناده ضعيف.
(٣) في (ف): "ما".
(٤) بعدها في (ر): "عبدي".
(٥) رواه الترمذي في "سننه" (١٠٢١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ بنحوه. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٦) في (ر): "جاد بالمال" بدل: "أجاب إلى المال".
[ ٣ / ١٠ ]
بالنَّفس فله الدَّرجات، ومَن صبرَ على فقد الأقاربِ فله الخَلَفُ والقُربات، ومن لم يدخر عنه الرُّوح (^١) فله دوامُ المواصلات.
وفي التفسير: إن ما ذُكر في هذه الآية أصابَ أصحابَ رسول اللَّه -ﷺ-، وكان الخطاب لهم:
أمَّا الخوف ففي وقعة الأحزاب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠ - ١١].
وأما الجوعُ فكان القحط بمكَّة سبعَ سنين، حتَّى أكلوا العظامَ، وكان الواحدُ مِن الصَّحابةِ يَخِرُّ على وجهه من الجوع، وكان ﵊ يَشُدُّ الحجرَ على بطنِه (^٢)، ويمرُّ على آل رسول اللَّه -ﷺ- الشَّهر والشهران وما طعامهم إلا الأسودان التمر والماء (^٣).
وأمَّا نقصُ الأموالِ فبالإنفاق في الغزواتِ، وانقطاعِهم عن معايشِهم بسبب الجهاد، وقيل: هو هلاكُ المواشي.
وأمَّا نقصُ الأنفس فبالشَّهادة، وبالجراحِ، وبالموتِ، وذهابِ الإخوان والأقران.
وأما نقصُ الثَّمرات فبالجدب، وتركِ الضِّياع على الضَّياع بالجهاد، وبإنفاقِها على الغُرباءِ الفقراء (^٤).
_________________
(١) في (ر): "جاد بالروح" بدل: "لم يدخر عنه الروح".
(٢) خبر ربط الحجر على بطن رسول اللَّه -ﷺ- من الجوع رواه البخاري في "صحيحه" (٤١٠١) من حديث جابر ﵁.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٥٦٧)، ومسلم (٢٩٧٢) من حديث عائشة ﵂.
(٤) في (ف): "والفقراء".
[ ٣ / ١١ ]
(١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وقيل: هو نعتُ ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وإعرابه النَّصب. وقيل: هو ابتداءٌ، وجوابُه: ﴿أُولَئِكَ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ تامٌّ، وعليه وقفٌ، وهو أكثرُ فائدةً، وأبلغُ في الكرامة، وهو البشارةُ بنفسِ الصَّبر، وهو صفةُ مدحٍ تامَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: نالتهُم بليَّةٌ، والإصابةُ ضِدُّ الإخطاء (^١)، قال النبيُّ -ﷺ-: "واعلم أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطِئَكَ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك" (^٢)، والمصيبةُ اسمٌ لكلِّ حادثةٍ مكروهةٍ من نقصانٍ وفواتٍ (^٣) ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وهي كلمةُ تسليمٍ، ومعنى ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أنفسُنا للَّه، وهو يَتصرَّفُ في ملكه، فلا اعتراضَ عليه؛ إذ لو كانت المصيبةُ بذهاب أنفسِنا، لم يكن لنا أن نجزعَ، فكيف وهي في أموالِنا أو أحبائنا؟ أو نحن (^٤) عبيد اللَّه، والعبدُ وما في يدِه لمولاه (^٥)، فإن شاءَ بقَّاهُ في أيدينا، وإن شاء استردَّهُ منَّا، فلا نجزعُ بأخذِ ما هو ملكُه، بل نصبرُ، فإن عشنا فعليه رزقُنا، وإن متنا فإليه مردُّنا، وعنده ثوابُنا، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وقيل: أي: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيدٌ (^٦) أحياء وأمواتًا، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إنْ رضينا بقضائِه استوجَبنا ثوابَه، وإن لم نرضَ بقضائِه استوجبنا عقابَه.
_________________
(١) في (ف): "الخطأ".
(٢) رواه أبو داود في "سننه" (٤٦٩٩)، وابن ماجه في "سننه" (٧٧) من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٣) في (ر): "نقص وقوام"، وفي (ف): "نقصان" بدل: "نقصان وفوات".
(٤) في (أ): "ونحن".
(٥) في (ف): "للَّه مولاه".
(٦) في (ر): "عبيدا".
[ ٣ / ١٢ ]
وقيل: معناه: نحن عبيدُ اللَّه، وفي قبضةِ اللَّه، يُمضِي فينا قضاءَه؛ أحبَبنا، أو كرهنا.
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرارًا (^١) منَّا له بالملك، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرارًا على أنفسنا بالهُلك (^٢).
وقال محمَّدُ بنُ عليٍّ الترمذيُّ: أي: ما أعطانا ربُّنا كان فضلًا منه، ولا يَليقُ بكرمِه الارتجاعُ في عطاياه، وإنَّما أخذَهُ ليكونَ ذخيرةً لي عنده، وليَظهرَ سِرِّي (^٣) للملائكة؛ ليَعلموا (^٤) كيف ثقتي به، وتفويضي إليه، وحسنُ ظني (^٥) به.
ثمَّ مِن العبادِ مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه؛ لأنَّ في لقائِه عِوضًا مِن الدَّارين؛ ليَتسلَّى عن كلِّ ما فاتهُ بما يَأملُ مِن لقائِه.
ومنهم مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه؛ لأنَّه عَلِم أنَّه انفصلَ مِن عنده يوم الميثاق، والرُّجوعُ يكون إلى من كُتِبَ عنده مرَّة، فإنَّما تَرجِعُ إليه بالعبوديَّة التي أُخِذَ الميثاقُ علينا بها.
ومنهم مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه للوله؛ لأنَّ وجودَ (^٦) العبدِ باللَّه (^٧)، وولهَه إلى اللَّه.
* * *
(١٥٧) - ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "إقرار" في هذا الموضع والذي بعده.
(٢) انظر قوله في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٣).
(٣) في (ف): "لنا. . . سرنا".
(٤) في (ف): "لما يعلموا".
(٥) في (ف): "يقيننا به وتفويضنا. . . ظننا".
(٦) في (ف): "رجوع".
(٧) في (ف): "لأن رجوع العبد للَّه". وفي هامشها: "نسخة: لأن رجوع العبد باللَّه".
[ ٣ / ١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلواتُ جمعُ صلاةٍ، وهي الرَّحمةُ، والتَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: الصَّلواتُ: هي الرَّحمةُ في الدُّنيا، والرَّحمةُ هي تكميلُها لهم في الآخرة.
وقيل: الصلواتُ: البركات. وقيل: الأثْنِيَة. وقيل: المباهاةُ بهم الملائكة.
والرَّحمةُ قيل: هي المغفرة، وقيل: هي الجنَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قيل: معناه: الموفَّقون للاسترجاع.
وقيل: أي: اهتدوا إلى الرِّضا والتَّسليم.
وقيل: أي: الثَّابتون على الإسلام.
وقال عمرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه تعالى عنه: نِعْمَ العِدْلان، ونعمتِ العِلاوةُ؛ العدلان: الصَّلوات والرَّحمة، والعِلاوة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (^١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: الاسترجاع (^٢).
وقال عكرمةُ: طفئ سراجُ النبيَّ -ﷺ-، فقال: "إنَّا للَّه وإنَّا إليه راجعون" قيل: يا رسول اللَّه، أمصيبةٌ هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيءٍ يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ" (^٣).
وقال سعيدُ بنُ جبير: أعطى اللَّه هذه الأمَّة في المصيبةِ ما لم يُعطِه (^٤)
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "مسنده" (٢٣٣ - تفسير)، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٦٨)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (٧١٢٦). والعدل هنا: نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل عدلان، والعلاوة: ما يجعل بينهما. انظر "مطالع الأنوار" لابن قرقول (٤/ ٣٨٨).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٠٧).
(٣) رواه أبو داود في "المراسيل" (٤١٢) عن عمران القصير، والسائل هو السيدة عائشة ﵂.
(٤) في (أ): "يعط".
[ ٣ / ١٤ ]
يعقوبَ النبيَّ -ﷺ-، فإنَّه قال في فقد يوسف: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ولم يكن له استرجاع (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قد وُجِدَ في كلامه ما يُحَقِّقُ هذا المعنى، وهو قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، على أنَّه كان أَخبَرَ أنَّه لم يهلك (^٢).
وقال: وعدَ اللَّهُ الذين خَضَعوا لحكمِه ورضوا بقضائِه ثلاثَ خصال:
أحدها: صلواته (^٣) عليهم، وصلاتُه تَحتملُ مباهاتَه الملائكةَ بعظيم (^٤) ما عندَه لهم، وتَحتملُ ثناءَه وذكرَه بإخبارِه عبادَه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، وما يشبهها من الآي.
ويَحتملُ النِّعمةَ أو الرحمةَ (^٥)، يُلقِيها في قلوبِ عبادِه حتى يُحِبُّوهم، أو خلفٌ (^٦) يُعطيهم في الدنيا.
_________________
(١) في (أ): "الاسترجاع". والأثر رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٠٨)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٦٥) (١٤٢٢) بنحوه.
(٢) انظر "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٠٠).
(٣) في (أ): "صلاته".
(٤) في (ر) و(ف): "تعظيم". ونص العبارة في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٠٢): "تعظيمًا لما بذل عبده له".
(٥) وهي الخصلة الثانية من الخصال الثلاث التي وعد اللَّه بها عباده الخاضعين لحكمه الراضين بقضائه. ولعله وقع للمصنف انتقال بصر، فنص الكلام في "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٠٢): والثانية: الرحمة، قد يرجع إلى ما ذكرنا، وجائز أن تكون رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع، ويحتمل النعمة أو الرحمة يلقيها. . .
(٦) في (أ) و(ر): "خلفا". والمثبت من (ف)، وهو موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
[ ٣ / ١٥ ]
ثمَّ شهدَ لهم بالهداية (^١)، وذلك يَحتملُ أن يكونوا اهتدَوا لدينِه، ولما عليهم في المصيبةِ مِن التَّسليم للَّه تعالى، ويحتملُ الاهتداءَ لطريق الجنَّة (^٢) على ما بيَّنهُ في كتابه مِن الوعدِ للشُّهداء (^٣).
* * *
(١٥٨) - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّ الخوفَ المذكورَ في تلك الآية خوفُ الأعداء والابتلاءِ بالجهاد، وهذه الآيةُ في بيان معالم الحجِّ، فهو جمع بين الغزو والحجِّ، ولأنَّ في تلك الآيةِ نُقصان النَّفس والمالِ في الجهاد، وفي الحجِّ أيضًا شِقُّ الأنفس، وإنفاقُ الأموال.
وقيل: أي كرهتُم المصائبَ، وفيها أجرٌ عظيمٌ للصَّابرين، وكرهتُم السَّعيَ بين الصَّفا والمروة؛ لمكان إساف ونائلة، وفيه أجرٌ عظيمٌ للسَّاعين.
والصفا: الحجرُ الصَّلبُ الأملسُ الذي لا يُخالِطُه طينٌ ولا تراب ولا رملٌ، مأخوذٌ من الصَّفوةِ، وهي الخلوصُ.
والمروةُ: هي الحجرُ الليِّنُ، وقيل: الحجرُ الأبيضُ الذي يَبرُق.
وقيل: سُمِّيَ الصَّفا؛ لأنَّه جلسَ عليه آدمُ صَفِيُّ اللَّه، وسُمِّيت المروة؛ لأنَّها جلسَت عليها أمرأتُه حواء.
_________________
(١) وهي الخصلة الثالثة.
(٢) في هامش (ف): "بيان: الحزم".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦٠٢).
[ ٣ / ١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ جمع شَعيرة، والشعائر أعلام المتَعبَّدات (^١)، من موقفٍ، أو مسعًى، أو منحرٍ والشِّعرُ: العِلمُ، والإشعارُ: الإعلام، والمشاعرُ: المعالم، والمشْعَرُ: المعلَم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أي: قصدَهُ مُحرِمًا بأعمالٍ مخصوصةٍ، وأصلُه القَصدُ وحدَه، فجعل اسمًا للمناسك؛ لأنَّها توابعُ القصدِ (^٢) إلى البيت، كالتيمُّم هو القصدُ، ثم جُعِل اسمًا للتَّطهير بالتُّراب.
وقيل: الحجُّ: الحَلْقُ، يقال: احجُجْ مواضعَ شَجَّتِكَ؛ أي: احلِق، وسُمِّيَ الحجُّ بهذا الاسم؛ لأنَّ تمامَه بالحَلْقِ.
وقيل: أصلُ الحجِّ إطالةُ الاختلافِ إلى الشيء، وحَجُّ البيت كذلك، وقال الشاعر:
ألمْ تَعلمِي يا أمَّ أسعدَ (^٣) أنَّما تخاطأني ريبُ الزَّمانِ لأكبرا
وأشهدَ من عَوفٍ حُلولًا كثيرةً (^٤) يَحُجُّونَ سِبَّ (^٥) الزبرقان المزعفرا (^٦)
_________________
(١) في (ف): "التعبدات".
(٢) في (أ): "للقصد".
(٣) في معظم المصادر: "يا أم عمرة"، وورد برواية المصنف في "طلبة لطلبة" لنجم الدين النسفي (مادة: حجج)، والبيتان فيه دون نسبة.
(٤) صدر هذا البيت والبيت الأول من (أ).
(٥) في (ر): "بيت"، وكذا روايته في "تفسير الطبري" (٢/ ٧١١).
(٦) البيتان للمخبل السعدي، وهما في "شرح أدب الكاتب" للجواليقي (١/ ٢٢٧)، و"خزانة الأدب" (٨/ ٩٨)، والبيت الثاني منهما في "إصلاح المنطق" (ص ٣٧٢)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (١/ ٤٧٨)، و"الصحاح" (مادة: سبب)، وهو دون نسبة في "البيان والتبيين" للجاحظ (٣/ ٩٧)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٧١١)، وغيرها. والسب: العمامة.
[ ٣ / ١٧ ]
وقيل: هو تكرار القصدِ.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أي: زارَ البيتَ مُحرمًا بأعمالٍ مَخصوصةٍ، وأصلُه مِن عمارةِ بيت اللَّه بالعبادة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: لا إثم عليه، وهو من الجُنوح؛ أي: الميل، وحصو له بالميل عن الخير إلى الشرِّ. والطَّوْفُ: الدَّوْر، والتَّطوُّف تكلُّفه (^١).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: كان في المسعى بين الصَّفا والمروة سبعون وثنًا، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، إنَّ هذه الأرجاسَ الأنجاس في مسعانا، ونحن نتأثَّم منها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى (^٢): ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: لا إثمَ عليه أنْ يَسعى بينهما.
و﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصلُه: يتطوَّف، أُدغِمَت التَّاء في الطَّاء، كما في قوله: ﴿يُذْكَرَ﴾ [البقرة: ١١٤]، و﴿يَصَّعَّدُ﴾ (^٣) [الأنعام: ١٢٥]، و﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
قال: ففعلوا ذلك ما شاء اللَّه، حتَّى أمرَ اللَّهُ ﷿ نبيَّه فقال: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، فأمرَ بها، فنُحِّيَت عن المسعى، وكذلك فُعِل بالأوثان التي كانت حولَ البيت.
وقال الشعبي ﵀: كان لأهل الجاهلية صنمان؛ يُقالُ لأحدِهما: إساف، والآخر (^٤): نائلة، وكان إسافٌ على الصَّفا، ونائلة على المروة، وكان المشركون إذا
_________________
(١) في (ر): "التكلف".
(٢) بعدها في (أ): "قوله".
(٣) بعدها في (أ): "في السماء".
(٤) في (أ): "وللآخر".
[ ٣ / ١٨ ]
سعوا بينهما مسحُوهما، فلمَّا جاء الإسلام، قال المسلمون: كان المشركون يطوفون بينَهما من أجل (^١) الصَّنمين، وليسا مِن شعائر اللَّه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وقال محمَّدُ بنُ إسحاق: كان على الصَّفا صنمٌ على صورةِ رجلٍ، يُقال له: إساف، وعلى المروة صنمٌ على صورة امرأةٍ، يُقال لها: نائلة، وحكيَ عن أهلِ الكتاب أنَّهم زعموا أنَّهما زَنيا في الكعبة فمُسِخَا حجرين (^٣).
وقيل: إنَّ المسلمين لمَّا صلَّوا إلى الكعبة قال المشركون: عادوا إلى قبلتِنا، فيعودون إلى (^٤) ملَّتنا، ولمَّا طافوا بين الصَّفا والمروة قالوا: اتَّبعوا دينَنا، فامتنعَ المسلمون عن الطَّواف بهما لذلك، فعرَّفهمُ اللَّهُ تعالى أنَّه ليس باتِّباعِ دينهم، ولكنَّهما مِن شعائرِ اللَّه.
ثمَّ اختلفَ العلماءُ ﵏ في السَّعي بين الصَّفا والمروة:
قال (^٥) مجاهدٌ وعطاء: هو غيرُ فرضٍ ولا واجب، وتركُهُ لا يوجبُ شيئًا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وهذا يستعمل في المباح دون الواجب، ولأنه قال: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، والتطوُّعُ: التَّبرُّع (^٦).
وقال الحسنُ -وهو قول الشافعي ﵀ (^٧) -: هو فرضٌ، لا يَتمُّ الحجُّ ولا
_________________
(١) في (أ) و(ر): "لأجل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧١٤).
(٣) انظر "سيرة ابن هشام" (١/ ٨٢)، وفيها أنهم اتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما. وذكر الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٢) نحوه معلقًا عن ابن عباس ﵄.
(٤) في (أ): "في".
(٥) في (أ): "فقال".
(٦) قولا مجاهد وعطاء رواهما الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٢٢ - ٧٢٣).
(٧) انظر: "نهاية المطلب" للجويني (٤/ ٣٠٢).
[ ٣ / ١٩ ]
العمرة إلَّا به؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ولقول النبيِّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّه تعالى كتب عليكم السعيَ فاسعوا" (^١).
فأمَّا قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فهو لما بيَّنَّا أنَّهم كانوا يتحرَّجون عن ذلك؛ لِمَا فيه من التَّشبُّه بالكفار، فنَفى الجُناح عنهم من ذلك الوجه، وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ليس هو لأصل السَّعي على ما نبيِّن في تفسير هذه الكلمة مِن بعد.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه ﵏وهو قول سفيان الثوري وعامَّة أهلِ العلم-: إنَّه واجبٌ، وتركُه غيرُ مفسدٍ، ويَنجبرُ بالدَّم (^٢)؛ لأنَّه نسكٌ قد يُؤتَى به بعد طوافِ الزِّيارة، فلا يكونُ ركنًا كرمي الجمار وطواف الصدر، وهذا لأنَّه يَحِلُّ بعد طواف الزِّيارةِ كلُّ شيءٍ، وليس بعد التحلُّل ركنٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: تَبرَّع بعد الحجِّ والعمرة بحجَّةٍ أُخرى أو عمرةٍ غيرِ الأولى.
وقيل: أي: تَبرَّعَ بشيءٍ مِن الخيرات والطَّاعات في الدِّين.
وقيل: أي: زادَ في الطَّواف بعد قدرِ الواجب، وهو قولُ الكلبيِّ ومقاتلٍ وجماعة (^٣).
_________________
(١) رواه الشافعي في "مسنده" (١٧٥٧)، وأحمد في "مسنده" (٢٧٣٦٧)، (٢٧٣٦٨)، والدارقطني في "سننه" (٢٥٨٤)، (٢٥٨٥)، والحاكم في "المستدرك" (٦٩٤٣) وغيرهم من حديث حبيبة بنت أبي تجراة ﵂. وهو حديث حسن بطرقه وشواهده كما قال محققو "مسند أحمد". ورواه الطبراني في "الكبير" (١١٤٣٧)، و"الأوسط" (٥٠٣٢) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده المفضل بن صدقة، وهو ضعيف. انظر "مجمع الزوائد" (٣/ ٢٣٩).
(٢) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٥٠).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٥٢)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٩).
[ ٣ / ٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ (^١) أي: قابلٌ يَسيرَ العملِ مِن المتَطوِّع (^٢)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمكافأته. وقيل: عليمٌ بنيَّتِه بهذا الطَّواف أنَّه ليس كطواف أهلِ الشِّرك.
* * *
(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ وانتظامُها بما قبلَها أنَّه قال: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [الآية: ١٥٠] بإكمال شرائعِ الدِّين لتَهتدوا، فاشكُروا لي، واصبِروا على محني (^٣)، وأقيموا شرائعَ ديني (^٤)، ولا تكتموا، فإنَّ مَن كتمَ فعليه لعنتي.
وقال ابنُ عباس ﵄: نَزلت في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الصَّيف (^٥)، وغيرهم، كانوا يتمنَّون أن يكون النبيُّ ﵊ منهم، فلمَّا بُعِثَ النبيُّ ﵊ من غيرهم، خافوا أن تذهبَ مأكلتُهم مِن السَّفِلة، فعمَدوا إلى صفةِ النبيِّ -ﷺ-، فغيَّروها مِن كتابِهم، ثمَّ أخرجوها إليهم، وقالوا (^٦) هذا نعتُ النبيِّ ﵊ الذي يبعث في آخرِ الزَّمان، وهو لا يشبِهُ نعتَ النبيِّ الذي بمكَّة، فلمَّا نظرت السَّفِلة إلى ما غيَّروا مِن
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ف): "عليم".
(٢) في (أ): "التطوع".
(٣) في (ر): "محنتي" وفي (ف): "محبتي".
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "لتهتدوا فاشكروا لي". وسلفت قريبًا.
(٥) في (ر) و(ف): "الضيف".
(٦) في (أ): "فقالوا".
[ ٣ / ٢١ ]
الصِّفة وإلى محمَّدٍ وصفَتِه، جحدوه (^١)؛ لأنَّهم وجدوه مخالفًا، فقال اللَّه ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (^٢)؛ أي: يُغيِّرون التَّوراة والهدى مِن صفةِ محمَّد -ﷺ-، وآيةِ الرَّجم، وتحويلِ القبلة، والحلالِ والحرام.
وقوله تعالى (^٣): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^٤) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ (^٥)؛ أي: أوضحناهُ للنَّاس؛ أي: لبني إسرائيل، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في التَّوراة.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلُ هذه الصِّفة عليهم لعنةُ اللَّه ولعنةُ الخلائق، قال ابنُ عباس ﵄: وذلك إذا وضع الكافر في قبره وسُئِلَ: مَن ربُّكَ؟ ومَن نبيُّك؟ وما دينُك؟ فيقول: لا أدري، فيقول له منكرٌ ونكيرٌ: لا دَرَيْت، فهكذا كنتَ في الدُّنيا، ثم يُضرَبُ ضربةً يسمعُها كلُّ شيءٍ إلَّا الثَّقلين، فلا يَسمعُ شيءٌ صوتَه إلَّا لَعَنَهُ، فذلك قولُه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^٦)، فهم كلُّ مَن على وجهِ الأرضِ غيرُ الثَّقلَين.
وقال عكرمة: اللاعنون (^٧) هم البهائمُ والهوامُّ، تَلعنُ عصاةَ بني آدم، تقول (^٨): حُبِسَ عنَّا المطرُ بخطاياهم (^٩).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "جحدوا".
(٢) لم أقف عليه بهذا السياق، وروى الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٣٠) عن ابن عباس نحوه مختصرًا.
(٣) "وقوله تعالى" من (ر) و(ف).
(٤) قوله: " ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ " من (ف).
(٥) بعدها في (ر): "للناس".
(٦) أورده ابن أبي زمنين في "تفسيره" (١/ ١٩١ - ١٩٢) مطولًا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وهي سلسلة الكذب.
(٧) من قوله: "فهم كل من على" إلى هنا من (أ).
(٨) في (أ): "يقولون".
(٩) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٧٣٤).
[ ٣ / ٢٢ ]
وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: إذا تلاعنَ اثنان رجعَ اللَّعنُ على المستحِقِّ منهما، فإن لم يَستحِقَّه أحدُهما، رجعَ اللَّعنُ (^١) على اليهودِ الذين كَتموا ما أنزلَ اللَّهُ (^٢).
واللعنُ مِن اللَّه: الطَّردُ والإبعادُ عن الرَّحمة على الإطلاق في حقِّ الكفَّار، وعن الرَّحمة والكرامةِ والمنزلةِ التي يستحقُّها المطيعُ، إذا كان في حقِّ العُصاة.
﴿وَالْهُدَى﴾ البيِّناتُ التي من تمسك بها اهتدى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ الهاءُ ترجعُ إلى قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، ويجوزُ أنْ ترجعَ إلى قوله: ﴿وَالْهُدَى﴾، وإنَّما أعاد قولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ مع قوله: ﴿أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ لأنَّ الأول بيِّنات منزلة على الرَّسول، والثَّاني بيانُ أنَّه بيَّن ذلك لهم.
وقال قائلون (^٣): الآيةُ نزلت في كلِّ مَن كان عنده علمٌ فكتمَه، وهو مرويٌّ عن عثمانَ وابن عمرَ وأبي هريرة ﵃:
قال عثمان حين توضَّأ بمشهَدٍ مِن النَّاس: لأحدِّثنكَم حديثًا، ولولا آيةٌ في كتاب اللَّه ما (^٤) حدَّثتُكم، وذكرَ هذه الآية، وقال (^٥): سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "مَن توضَّأ فأحسنَ الوضوء، ثمَّ صلَّى صلاةً، غُفِرَ له ما بينها وبين الصَّلاة الأخرى" (^٦).
_________________
(١) لفظ: "اللعن" من (أ).
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٩٢) من طريق محمد بن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود رضي اللَّه، وإسناده تالف.
(٣) في (ر) و(ف): "القائلون".
(٤) "ما" سقط من (ف).
(٥) في (أ): "ثم قال".
(٦) رواه البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٢٧): (٦)، وبين الآية المقصودة في كلام سيدنا عثمان ﵁ عروةُ أحد رواته.
[ ٣ / ٢٣ ]
وروي أنَّ نجدةَ الحروريَّ كتبَ إلى ابن عمر ﵄ يسألُه: هل قطعَ رسولُ اللَّه -ﷺ- الرِّجلَ بعدَ اليدِ في السَّرقة، فقال: لولا هذه الآية -وتلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ - ما كتبت إليه، ثمَّ كتبَ إليه أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قطعَ الرِّجلَ بعد اليدِ (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: إنَّ الناسَ يقولون: أكثرَ أبو هريرة، واللَّه، لولا آيتانِ من كتاب اللَّه ما حدَّثتُ حديثًا، وتلا هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢).
فهؤلاء جعلوا الآيةَ عامَّةً، ويجوزُ أن يكون نزولها في سبب خاص (^٣)، ثمَّ ثبتَ حكمُه على العموم في كلِّ مَن دخلَ تحتَه.
ثمَّ لَعْنُ اللَّه: طردُه وإبعادُه، ولعنُ اللاعنين: دعاؤهم باللَّعن، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فصلاةُ اللَّه عليه هي رحمتُه، وصلاةُ الملائكة والمؤمنين: دعاؤهم بالرَّحمةِ له (^٤).
وقال القفَّال: يجوزُ أن يكون معنى هذا (^٥): يتبرَّأ (^٦) اللَّهُ تعالى منهم، ويتبرَّأ منهم الملائكة والمؤمنون، فهم اللاعنون.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٨٢٦٨) دون ذكر استشهاد ابن عمر ﵄ بالآية.
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (١١٨).
(٣) في (ر): "لها على الخصوص"، وفي (ف): "لنزولها سبب خاص" بدل: "نزولها في سبب خاص".
(٤) قوله: "وصلاة الملائكة والمؤمنين دعاؤهم بالرحمة له" من (أ).
(٥) في (ر): "معنى اللعن" بدل: "معنى هذا"، وليست في (ف).
(٦) بعدها في (ف): "إلى".
[ ٣ / ٢٤ ]
(١٦٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ مِن الكِتمان، ونَدِموا على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: أصلحوا بالتمسُّك بالحقِّ والعملِ به ما أفسدوه.
ويَحتمِلُ: وأصلحوا أحوالَ أنفسِهم بالتَّقرُّب إلى اللَّه بصالح الأعمال.
ويحتمل: فيما (^١) بينهم وبين اللَّه تعالى بالإخلاص والصِّدق.
وقوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أظهروا ما كَتموهُ مِن الحقِّ للنَّاس.
وقيل: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ حقيقةَ التَّوبة بالإصلاح والدَّوامِ على الحقِّ، والعملِ به، والإخلاصِ للَّه تعالى فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أقبلُ توبتَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: أقبلُ التَّوبةَ، ولا أعاجِلُ بالعقوبة.
* * *
(١٦١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: جَحدوا نبوَّة محمَّدٍ ﵊.
وقوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؛ أي: أصرُّوا عليه حتَّى ماتوا على ذلك، وقوله تعالى ﴿وَهُمْ﴾ واو حالٍ.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؛ أي: طردَهم اللَّهُ، وبعَّدهُم عن رحمته، وتبرَّأ منهم.
_________________
(١) في (أ): "وأصلحوا" بدل: "فيما".
[ ٣ / ٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ودعا عليهم الملائكةُ وكلُّ النَّاسِ باللَّعن (^١) وتبرَّؤوا منهم.
وقيل: النَّاس هم المؤمنون؛ لأنَّهم هم النَّاسُ في الحقيقة؛ لانتفاعِهم بالإنسانيَّة، فأمَّا الكفَّارُ فهم كالأنعامِ أو أضلُّ سبيلًا.
وقيل: معناه: كلُّ النَّاس؛ مؤمنهم وكافرهم، وذلك يومَ القيامة؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.
وقيل: معناه: إنَّ لعنَ جميع الناس يَرجعُ عليهم؛ إذ هم ظالمون، وكلُّ النَّاس يقولون: لعنَ اللَّهُ الظَّالمين.
* * *
(١٦٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في اللعنةِ؛ لأنَّهم إذا خُلِّدوا في النَّار، خُلِّدوا في الإبعاد عن رحمةِ اللَّه.
وقيل معناه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في النَّار؛ لأنَّ اللعنةَ توجبُ تعذيبَهم فيها، فثبتت (^٢) النَّار مذكورةً مقتضى (^٣) ذكر اللَّعنة.
وقيل: إنَّ الخلودَ في النَّار ممَّا كثُر ترديدُه في القرآن، فصلحت الكنايةُ عنها مع انقطاع المَكنيِّ عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا
_________________
(١) لفظ: "باللعن" ليس في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "فتثبت".
(٣) في (ر): "بمقتضى".
[ ٣ / ٢٦ ]
مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، فكنى عن الأرض، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]، فكنى عن القرآن في أوَّل السُّورة.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ لأنَّه لا يَنقطِع ولا ينقصُ منه شيءٌ، بل قيل فيهم: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمهَلون (^١) للاعتذار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ (^٢) [غافر: ٥٢]، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦].
وقيل: أي: لا يجابون إلى قولهم: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].
وقيل: لا يؤجلون ليستريحوا.
وقيل: لا يؤخَّرُ عذابُهم من وقتٍ إلى وقت.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ انتظامُه بما قبلَه: أنَّه أوعدَ الكفَّارَ بالنَّار، ثمَّ ذكرَ التَّوحيد ودلائلَ التوحيد، وبه الأمنُ مِن ذلك الوعيد، قال (^٣): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودُكم وملجؤكم ربٌ واحدٌ في ذاتِه، فلا يجوزُ عليه الانقسام والتجزؤ، وواحدٌ في صفاته؛ فلا نظيرَ له ولا شبيهَ، وواحدٌ في أفعاله؛ فلا
_________________
(١) في (ر): "لا يمهلون".
(٢) من قوله: "قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ " إلى هنا من (ر)، وليس في (أ) و(ف).
(٣) في (ر): "وقال".
[ ٣ / ٢٧ ]
شريكَ له ولا ظهير (^١)، وواحدٌ في استحقاق القِدَم؛ فلا شيءَ قبلَه، ولا شيء معه (^٢) في الأزل، وواحدٌ في استحقاق الإلهيَّة والعبادة؛ فلا معبودَ إلَّا هو.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: بهذا فاعرفوهُ، ودائمًا فاعبدوهُ، ولا تَرجُوا غيرَهُ، ولا تَخافوا سواهُ، ولا تَتوكَّلوا إلَّا عليه (^٣)، ولا تَعتمِدوا إلَّا إيَّاه.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المنعمُ على خَلْقِه؛ بإدرارِ رزقِه، وإسباغِ فضلِه، فهو مفزعُ كلِّ مضطرٍّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ.
* * *
(١٦٤) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ روى أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضَّحى، قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ تَعجَّب المشركون، وقالوا: إلهٌ واحد! كيفَ يَسعُنا ويَكفي مهمَّاتنا؟ فإنْ كان صادقًا، فليأتِنا بآية، فأنزلَ اللَّهُ تعالى (^٤): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: في تخليقهما (^٥).
_________________
(١) في (ر): "نظير".
(٢) في (ر) و(ف): "بعده"، وهو خطأ.
(٣) قوله: "ولا تتوكلوا إلا عليه" من (ر).
(٤) بعدها في (أ): "هذه الآية".
(٥) بعدها في (ف): "عبرة لمن اعتبر وتبصرة لمن استبصر". ووقع في هذا الموضع في (ر) و(ف) تقديم وتأخير.
[ ٣ / ٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: ذهابِ أحدِهما ومجيء الآخر، وزيادتِهما ونقصانِهما، وسوادِ أحدِهما وبياضِ الآخر (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الفلكُ: السَّفينةُ، والفُلكُ: السُّفنُ أيضًا، ويذكَّرُ ويؤنَّثُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (^٢) [يونس: ٢٢] وهذا فعلُ الجمع، وقال ها هنا: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهي تأنيث (^٣).
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ وهو ثقيلٌ كثيفٌ، والماءُ لطيفٌ خفيفٌ، وتُقبِلُ وتُدبِرُ بريحٍ واحدة.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾؛ أي: بمصالحِهم في التِّجارات (^٤) وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: وفيما أنزل، وقولُه: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من (^٥) مطر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: نَضَّر بالماء الأرضَ بعد ذهاب زروعها وتناثرِ أوراقها.
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: فرَّقَ في الأرض مِن كلِّ حيوانٍ يدِبُّ (^٦) على وجه الأرض.
_________________
(١) بعدها في (ر): "وبياض أحدهما وسواد الآخر وقوله تعالى".
(٢) بعدها في (أ): "بريح".
(٣) في (أ): "على التأنيث" بدل: "فِي الْبَحْرِ وهي تأنيث".
(٤) في (ف): "التجارة".
(٥) لفظ: "من" من (ف).
(٦) في (أ): "بدت".
[ ٣ / ٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: في تقليب الرِّياحِ شمالًا وجنوبًا، ودَبورًا وصبًا، ورحمةً وعذابًا، وحارَّةً وباردةً.
وقال وكيعُ بنُ الجرَّاح: لولا الرِّيحُ والذباب لأنتنت الدُّنيا (^١).
وقال أبو بكر بنُ عيَّاش: لا يَخرجُ من السَّحاب قطرةُ حتى تَعمل في السَّحاب هذه الرِّياحُ الأربع؛ فالصَّبا تُهيِّجُه، والجنوبُ تُدِرُّهُ، والدَّبورُ تُلقِّحُه، والشَّمالُ تُفرِّقُه (^٢).
وأصولُ الرِّياح هذه الأربع، فالشَّمال مِن ناحية الشَّام، والجنوبُ تقابلُها، والصَّبا هي القبولُ مِن المشرقِ، والدَّبورُ تقابلُها، وكلُّ ريحٍ جاءت بين مهبَّي ريحَين فهي نَكباء؛ لأنَّها نَكبت عن مهابِّ هذه الأربع.
وقال عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ العاص: الرِّياح ثمان، أربعٌ رحمةٌ، وأربعٌ عذاب؛ فالرحمة: الناشرات، والمبشِّرات، واللَّواقح، والذَّاريات، والعذاب: الصَّرصرُ والعَقيم، وهما في البرِّ، والعاصِف والقاصف، وهما في البحر.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ السَّحابُ: الغيم، سُمِّيَ به لانسحابِه في الهواء؛ أي: انجراره. والمسخَّر: المذلل، وتسخيرُ السَّحاب: هو جعلُهُ مُنقادًا جاريًا على ما أجراهُ اللَّهُ تعالى عليه.
وقوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياءِ علاماتٌ واضحاتٌ (^٣) على ربوبيَّة اللَّه تعالى ووحدانيتِه وكمالِ قدرته للعقلاء. ونصب "آيات" بـ "إن"، واللَّامُ لامُ التَّأكيد.
_________________
(١) في (ر): "الأرض" بدل: "الدنيا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٧).
(٣) في (أ): "واضحة".
[ ٣ / ٣٠ ]
ووجهُ الدِّلالة فيها ما قال الشيخ الإمامُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عليٍّ القفَّال الشَّاشيُّ، فأحسن وأوضحَ، قال:
أخبرَ اللَّه تعالى أن مِن آياتِه: خَلقُ السَّماوات (^١) وما ذكرَ بعدَها وأن من تدبَّرَ وتَفكَّر في هذه الأشياء، فرأى السَّماواتِ على عجيبِ هيئتها سقفًا مرفوعًا فوق النَّاسِ بلا عَمَدٍ، فيها النُّجومُ الطَّوالعُ في مطالعِها، الغواربُ في مغاربِها، تتعاقبُ في الطُّلوع والغروب، منها سيَّاراتٌ تَقطعُ السَّماء (^٢) على مقدارٍ لا يختلف، ومنها ثوابتُ لا تَزول، يُستَدلُّ بها على أوقاتِ الأمطارِ، ويُهتدَى بها في ظُلَم (^٣) البراري والبحار، قد عُلِّقَ بها مِن أمرِ العالَم ما عُلِّقَ، وفيها الشَّمسُ التي بها يَنتشرُ النَّاس لمعاشهم، والقمرُ الذي هو آيةُ اللَّيل، وقد عُلِّق بهما مِن أمورِ العالَم ما عُلِّق؛ مِن نُضج الثِّمار، وظهورِ النَّبات، ونموِّ الحيوانات، وما يَتفرَّدُ بعلمِه الخواصُّ، مِن علمِ المدِّ والجَزْر، والبحرانات (^٤) في الأمراض، وهيجانِ الدِّماء وسكونها، وغير ذلك ممَّا قد امتُحِنَ وجُرِّبَ (^٥)، حتَّى عُلِمت (^٦) صحَّتُه.
ومن آيات وحدانيَّته: خلقُ الأرضِ التي جعلها قرارًا لخلقه، ومِهادًا لعبادِه، حتَّى اتَّخذوا منها الأكنانَ والبيوت، ووَضعَ عليها جبالَها، مع ما أودعَها مِن أنواع
_________________
(١) بعدها في (ف): "والأرض".
(٢) في (ر): "السماوات"، وفي (ف): "الفلك".
(٣) في (أ) و(ر): "ظلمات".
(٤) بحران المريض: هو عند الأطباء: التغير الذي يحدث للعليل دفعة في الأمراض الحادة. انظر: "تاج العروس": (مادة: بحر).
(٥) "وجرب" زيادة من (أ).
(٦) في (ف): "وعلمت" بدل: "حتى علمت".
[ ٣ / ٣١ ]
الجواهرِ، والذَّهب والفضَّة، وغير (^١) ذلك، وأنبعَ منها عيونًا مختلفةً مِن الماء وغيرِه، وأنْبَتَ على الجبال منها والأرضين مِن الأشجارِ، وأنواعِ النَّباتِ والأنوار والأزهار، والثمارِ المختلفة الطعوم والأراييح، والأدوية، وصنوف الأغذية على منافعَ مختلفةٍ، مع اتِّحاد أراضيها ومياهِها ومغارِسها.
ومن آياته: اختلافُ اللَّيل والنَّهار على انتظامٍ (^٢) واحدٍ؛ جعلَ أحدَهما سَكَنًا، والآخرَ معاشًا، ثمَّ جعلَ يأخذُ هذا مِن هذا، وهذا من هذا، وقد يستويان في بعض (^٣) الأحوال على مقدارٍ واحد بها (^٤) تُعرَفُ الأوقاتُ والآجالُ في المعاملات ومواقيت الصلوات.
ومن آياته: السُّفنُ الجاريةُ في البحار بما يَنتفعُ به النَّاس في تجاراتِهم، ترى على وجه الماء سفينةً كالجبل الشامخ، بل كالمدينة المبنيَّة، فيها مِن الأثقال؛ من الأموال وصنوف الأحمال (^٥) والأحوال، مع ما فيها مِن الرُّكبان ما لا يُوقَفُ على قدرِه، تُساقُ بشِراعٍ وتُزجيها (^٦) ريحٌ ليِّنةٌ رُخاء، تَقطعُ المسافةَ الطَّويلةَ التي يُقطَعُ مثلُها في البرِّ في أيَّامٍ في ليلةٍ واحدةٍ.
ومن آياته: ما أنزلَ اللَّهُ مِن السَّماءِ مِن ماءٍ، فأنبتَ به أنواعَ النَّباتِ والأنوار
_________________
(١) في (أ): "ونحو".
(٢) في (أ): "نظام".
(٣) في (ر) و(ف): "حال من" بدل: "بعض".
(٤) في (أ): "بهما".
(٥) في (ر) و(ف): "المال".
(٦) في (ر) و(ف): "وتجريها". ووقع في هامش (ف): "نسخة: "وتزجيها بريح لينة" أي: تسوقها".
[ ٣ / ٣٢ ]
والأشجار (^١)، والرياضِ المؤْنِقة، والجنانِ النَّزِهة بعد أن كانت ميتةً في غاية الوَحْشَة واليُبوسةِ.
ومن آياته: ما بثَّ اللَّهُ تعالى فيها من أنواع الدَّوابِّ، وهي (^٢) كلُّ ذي روحٍ (^٣) يَدِبُّ ويَتحرَّكُ، فمنهم النَّاسُ الذين هداهم اللَّهُ للتدبيرات العجيبة، والصَّنائعِ البديعة، والعلوم الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة، وجعل مِنهم الأنبياء والحكماءَ والملوكَ والسَّاسةَ، وركَّب فيهم العقولَ التي اهتدَوا بها إلى ردِّ الغائبِ إلى الشَّاهد بالاستنباط، وإلى دقائقِ العلوم، كالطِّبِّ، والحسابِ، والنُّجومِ، وعلوم الرِّياضات والدِّيانات، وسُخِّرَت لهم الجبالُ والوحوشُ، وعُمِرَت بهم الدُّنيا، وممَّا بثَّ فيها (^٤) أصنافُ الحيوانات، من البهائمِ والحشرات متفاوتةِ الطِّباع، مختلفةِ المساكن والأقوات، متباينةِ المنافعِ والمضارّ، وجعلَ في كلٍّ منها نوعًا من المرافق والمنافع.
ومِن آياتِه: تصريفُ الرِّياح في الجهات المختلفة، مع اتِّحادِها في الجنس قَبولًا ودَبورًا، وشمالًا وجنوبًا، ونكباء، ومنها عقيمٌ، ومنها لاقحٌ، ومنها عذابٌ، ومنها رحمةٌ، ومنها حارٌّ، ومنها باردٌ، إلى غيرِ ذلك من صنوفِ الرِّياح، بها يسيَّرُ السَّحاب ويُزجَى الفلكُ في البحر، ويصل الرَّوحُ، ونسيمُ الحياة إلى الأبدان، وبها يُنصرُ قومٌ، وبها يُهلك قومٌ، وبها يُغاثُ قومٌ، وبها يُصرَعُ قوم.
ومن آياته: السَّحابُ المسخَّر، وهو المذلَّلُ بين السَّماء والأرض، يَرتفع (^٥)،
_________________
(١) في (ف): "وأنوار الأشجار" بدل: "والأنوار والأشجار".
(٢) في (ر) و(ف): "في"، ووقع فوقها في (ر): "من".
(٣) في (ف): "زوج" بدل: "ذي روح".
(٤) بعدها في (ر): "من".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "وينخفض".
[ ٣ / ٣٣ ]
ويَجتمعُ ويَنبسطُ، كالجبال السَّيارةِ، فيها الرُّعود والبروق والصواعق، موقراتٌ ببحورِ الماء (^١)، سقفًا بغير عمدٍ ولا عِلاقةٍ متوسِّطًا بين السَّماء والأرض (^٢)، تُمطِرُ مرَّةً، وتُثلِجُ أخرى، وتَجيءُ بالبَردِ تارةً، وبالسَّيلِ الذي يستلبُ الأشياء، ويَقلعُ (^٣) الصُّخور، ويَهدِمُ القصورَ، ويُدَهْدِهُ الأحجارَ (^٤) الثِّقال، مع خفَّتِه ولينِه وانمياعِه، تَحْيَى به الأرضُ، ويَخرجُ به النَّباتُ والأقواتُ، ويَطيبُ به الهواءُ، ويَزولُ به الأوباء (^٥)، ويُستغنَى به عن الآبار (^٦) والعيون في كثيرٍ مِن البقاع، ويَغزُرُ به (^٧) ماءُ العيون والآبار.
فمن تدبَّر ذلك بعقلِه، وقفَ منها على عجائب لا تنقضي، يَدلُّه جميعُ ذلك على فاطرٍ قادرٍ قاهرٍ، عالمٍ حكيمٍ خبيرٍ، ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميعُ البَصير؛ لما يَرى في جميعِ ذلك من آثارِ الصَّنعة، ودلائلِ الحدوث، من الاجتماعِ والافتراق، والحركةِ والسُّكون، واختصاصِ كلِّ شيءٍ (^٨) منها بهيئةٍ وصورةٍ، وحدٍّ ونهايةٍ، وجهةٍ مخصوصةٍ، ووقتٍ مخصوصٍ، ويُقدَّمُ بعضُها على بعضٍ، ويؤخَّرُ بعضُها عن بعض، وجوازِ الزِّيادةِ والنُّقصان عليها، والأحوالِ المختلفة التي تَعتوِرُها، كلُّ ذلك دليلٌ على استحالةِ انفكاكِها عن الأوصاف المتضادَّة، والأحوالِ المتعاقبةِ عليها، وتعاقُبُها دليلُ حدوثِها، وما كان محلًّا للحوادثِ استحالَ خلوُّها عنها، وإذا استحالَ
_________________
(١) في (ف) و(أ): "المياه".
(٢) من قوله: "سقفا بغير عمد" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ر): "ويقتلع".
(٤) في (ف): "الحجار" وفي هامشها: "نسخة: الأحجار".
(٥) في (ر): "الوباء".
(٦) في (أ): "الأنهار".
(٧) لفظ: "به" من (أ).
(٨) "شيء" ليس في (أ).
[ ٣ / ٣٤ ]
خلوُّها عنها، استحالَ سبقُها لها؛ لأنَّ في السبق الخلو، وما لم يسبِق الحوادثَ فهو حادثٌ لا محالة.
ودلَّ حدوثُها على محدثٍ أحدثَها ومُنْشِئٍ أنشأها؛ لأنَّ استحالةَ حدوثِها بنفسِها كاستحالة مَن يدَّعِي في بناءٍ مبنيٍّ أنَّ ترابَه صار بنفسِه لَبِنًا مضروبًا، ثمَّ صار بنفسِه جدارًا مبنيًّا، ثمَّ صار عليه سقفًا مرفوعًا، وكاستحالة مَن يدَّعي في ثوبٍ منسوجٍ أنَّ القطنَ صار بنفسِه غزلًا مغزولًا، ثمَّ صارَ بنفسه ثوبًا منسوجًا؛ إذ لا فرقَ بين ما يُرَى مِن السَّماء بما عليها مِن أنواع الزِّينة، وبين ما يُرى مِن ديباجٍ منسوجٍ، فلا يَكادُ يَشُكُّ فيه عاقلٌ أنَّه إنَّما صار كذلك بناسجٍ نسجَهُ، وبصانعٍ صنعَهُ، فالسَّماءُ أعجبُ تأليفًا، وأغربُ (^١) ترتيبًا، وأبدعُ تركيبًا.
وكذلك ما يُشاهَدُ مِن الإنسان وسائر الحيوانات (^٢)؛ مِن تألُّف أجزائِه، وانضمامِ أعضائِه، وقيامِ بعضِه ببعضٍ، وحاجة (^٣) بعضِه في الثَّبات والبقاء إلى بعض، كلُّ ذلك دليلٌ على أنَّه مربوبٌ مصنوعٌ، محتاجٌ إلى ممسِكٍ يُمسكُه، وإذا تأمَّلت ما جُعِلَ في البدن مِن مجاري الفُضول في أعالي البدن وأسافلِه، عَلِمتَ أنَّه مُدَبَّرٌ مصنوعٌ، كالبيت يُبنَى (^٤)، ويُجعَلُ له منافذُ ومخارحُ ومداخل، ثمَّ إذا تأمَّلت أنَّه عرقٌ (^٥) وعَصَبٌ ولحمٌ ودمٌ وعظامٌ، علمتَ أنَّه مرتَّبٌ مؤلَّفٌ أحسنَ ترتيبٍ، وأنه ليس شيئٌ منه ثابتًا باقيًا بنفسِه، بل بمثبتٍ يُثبِتُهُ، ومُبَقٍّ يُبقِّيه، وممسِكٍ يُمسِكُه.
_________________
(١) في (ف): "وأرفع" ووقع في هامشها: "نسخة: وأعرف".
(٢) بعدها في (ف): "أن".
(٣) في (ر): "واحتياج".
(٤) في (ر): "كبيت بني" وفي (ف): "كبيت يبنى".
(٥) في (ر): "عروق".
[ ٣ / ٣٥ ]
ثمَّ إذا صرتَ إلى ما يَصِفهُ الخاصَّةُ مِن تركيب الأعضاء، ومنافعِ كلِّ جزءٍ منها على ما وَصَفَهُ أصحابُ التَّشريحِ في كتبِهم، رأيتَ ما يَحارُ في أعاجيبِه العقول، ووقفتَ على بدائعَ لا يَهتدي لوصفها الألباب، وعلمتَ أنَّ ذلك تفرَّد به ربُّ العالمين.
ثمَّ إنها بوجودِها تدلُّكَ على قدرةِ صانعِها، وأنَّ قدرتَهُ على الكمال؛ لاستحالةِ صحَّة الاختراع ممَّن لا يكونُ قدرتُه على الكمال.
ثمَّ يدلُّك تقدُّمُ بعضِها على بعضٍ مع جواز أنْ يكون متأخِّرًا، وتأخُّرُ بعضها عن بعضٍ في الوجود مع جواز أنْ يكون متقدِّمًا، واختصاصُ كلٍّ مِن الجنس بحالٍ مخصوصٍ، ووقتٍ مخصوصٍ، ومحلٍّ مخصوصٍ، وقدْرٍ مخصوصٍ، مع جواز خلافهِ: على إرادةِ مريدٍ خصَّها بها.
ثمَّ يدلُّكَ إتقانُها، ونظامُها، وإحكامُها، على علم صانعِها؛ لاستحالةِ وجودِ أفعالٍ متقنةٍ محكمةٍ منظومةٍ مِن غير عالمٍ بها، كاستحالة وجودِ كتابةٍ منظومةٍ (^١) من غير عالمٍ بالكتابة.
ثمَّ يَدلُّكَ جملةُ ذلك على حياة صانعِها؛ لاستحالة قيامِ القُدرة والإرادة والعلمِ بمَن لا يوصَفُ بالحياة.
ثمَّ يَدلُّكَ انتظامُ أمورِ العالَم على أنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ إذ لو كان معه غيرُه لاضْطَربتِ الأمورُ، واختلَّ التَّدبيرُ، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
ثمَّ يَدلُّكَ ارتباطُ بعض ما في العالم ببعضٍ، وحاجةُ بعضِها في البقاء إلى بعضٍ، على أنَّ خالقَها واحدٌ، وذلك مثلُ حاجة الإنسانِ وسائر الحيوانات
_________________
(١) في (ف): "منصوصة".
[ ٣ / ٣٦ ]
إلى شيءٍ يتمكَّن فيه وشيءٍ يَعتمدُ عليه، وأنَّه لا بدَّ من ضياءٍ، وظلامٍ، وأزمنةٍ، وحرارة ينشأ بها الأشياء.
والسَّماء وما فيها متعلِّقٌ بعضُها ببعضٍ، ومحتاجٌ بعضُها إلى بعض، ولا قِوام للإنسان إلَّا بها، والكواكبُ لا بدَّ منها للاهتداء بها في البرِّ والبحر، وليُعرف بمجاريها عددُ السِّنين والحساب.
والهواءُ لا بدَّ منه؛ لأنَّ السَّماء إذا كانت طبقًا للأرض، فلا بدَّ مِن هواءٍ يَضْطَرب فيه الأنفاسُ، ولا بُدَّ مِن أن يكون ذلك باردًا يَصِلُ نسيمُه إلى النُّفوس، فتتماسكُ به، ألا ترى أنَّ مَن مُنِعَ منه الهواءُ بالأخذ بفمه وخياشيمه، لم يَلبث أنْ يموتَ؟ والرِّيحُ يحرِّكُ الهواء.
والحيوانُ منها ما يُستطابُ لحومُها، فيحتاج إلى لحومها للاغتذاء بها، وللتَّقوِّي على الأعمالِ التي يَتِم بها أمرُ المعاش، وما كان منها غيرَ مستطابِ اللَّحمِ يُرْكَبُ ويُحْمَلُ عليها الأثقال، وما خرجَ مِن (^١) هذين فقد يُنتَفعُ بشحومِها ومراراتِها ولحومِها في معالجة المرضى.
فهذا يدلُّك (^٢) على تعلُّقِ بعضِها ببعضٍ، وحاجةِ بعضِها إلى بعض، والعالمُ كلُّه كالبَدنِ الواحد، يُمسِكُ بعضُه بعضًا، ويتألَّفُ (^٣) بعضُه ببعضٍ، فيَدلُّ ذلك كلُّه على أنَّ له مؤلِّفًا هو ألَّف الجميع.
ويدلُّك ذلك كلُّه على أنَّه لا يُشبِهُ شيئًا مِن خلقه بوجهٍ، ولا يُشبِهُهُ شيءٌ؛ لأنَّ حقيقةَ المشتبهين شيئان، يَجوزُ على أحدِهما ما يجوزُ على الآخر، فلو أشبهَ خلقَهُ
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) في (ر) و(ف): "يدل".
(٣) في (ف): "يأتلف".
[ ٣ / ٣٧ ]
بوجهٍ، لجازَ عليه ما جازَ على خلقِه، من التَّغيُّرِ والزَّوال، والانفصالِ والاتِّصال، والعَجزِ والموتِ، وسائر الآفات، تعالى اللَّهُ عن ذلك وتقدَّس (^١).
ويَدلُّكَ اختلافُ اللَّيل والنَّهار، وذهابُ كلِّ واحدٍ منهما على فناءِ العالم، وعَوْدُ كلِّ واحدٍ منهما بعد ذهابِه وإحياءُ الأرضِ بعد موتِها على البَعثِ بعد الموت، ويدلُّ ما في الأرض مِن أنواع المطاعِم والملابسِ والثِّمارِ والأنوار على ما وَعدَ في الجنَّة؛ ليرغِّبهُم في نعيمِها، وما فيها من الحيَّات والعقاربِ والحشرات على ما أوعدَ في النَّار؛ ليزجرَهم عنها.
ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ مِن هذه الدَّلائل (^٢) ما تُدرِكُه العامَّةُ على مقادير عقولِها، ومنها ما يُدركُه المتوسِّطون في العلم بتَدبُّرهم (^٣)، ومنها ما لا يَتوصَّل إليه إلَّا المتقدِّمون في العلمِ والنَّظر، بأفكارِهم وأذهانِهم التي فضَّلهُم اللَّهُ تعالى بها (^٤) على غيرِهم، فقامت حجَّةُ اللَّه تعالى على توحيدِه على سائرِ طبقات النَّاس، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].
* * *
(١٦٥) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ونظمُهُ بما قبلَه أنَّه قال: ومع وضوحِ هذه الأدلَّة، مِن النَّاس أقوامٌ كفَّارٌ يتَّخذونَ الأصنامَ أشباهًا للَّه؛ أي: يتَّخذونَها آلهةً يَعبدونها.
_________________
(١) بعدها في (أ): "علوًا كبيرًا".
(٢) بعدها في (ف): "منها".
(٣) في (ر) و(ف): "بتدبيرهم".
(٤) لفظ: "بها" ليس في (أ).
[ ٣ / ٣٨ ]
و"من" للجمع ها هنا، بدليل أنَّه قال في صفتِهم: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير اللَّه، والأنداد: الأمثال (^١).
وقال أبو عبيدة: الأنداد: الأضداد (^٢).
وقال صاحبُ "العين": النِّدُّ (^٣): ما كان مثل الشيء ينادُّه (^٤)؛ أي: ينافرُه ويقابله.
والمراد بالأنداد ها هنا في قول قتادةَ والربيع ومجاهدٍ وعبد الرَّحمن بنِ زيد وأكثر المفسِّرين: هو آلهتُهم مِن الأوثان (^٥).
وقال السُّدِّيُّ: المرادُ: رؤساؤُهم الذين كانوا يُطيعونَهم طاعةَ الأرباب (^٦)، قال (^٧) تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]، ويدلُّ عليه قولُه بعد هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهذا فيهم.
وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: يُحِبُّونَ الأندادَ كحبِّكُم للَّه (^٨).
وقيل: أي: كحبِّهم للَّه (^٩).
وقيل: أي: كما يَجِبُ عليهم مِن محبة اللَّه (^١٠).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الآلهة".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٣٤).
(٣) في (ر): "الأنداد".
(٤) في مطبوع "العين" (٨/ ١٠): "يضاده".
(٥) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٧).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٨).
(٧) في (ر) و(ف): "وقال".
(٨) في (أ): "اللَّه".
(٩) في (أ): "اللَّه".
(١٠) في (ف): "المحبة للَّه" بدل: "محبة اللَّه".
[ ٣ / ٣٩ ]
والأوَّلُ قول عكرمة وقتادة ومقاتل (^١)، ومعناه: يحبُّون عبادةَ الأوثان كما يُحِبُّ المؤمنون عبادةَ اللَّه.
والثاني قولُ الزَّجاج (^٢)، وذلك أنَّ الكفَّار يَدَّعون أنَّهم إنَّما يَدعون -أي (^٣): يعبدون- الأوثانَ (^٤) لِتُقرِّبَهم (^٥) إلى اللَّه زُلفى، فيَدَّعون محبَّةَ اللَّهِ، ويُقِرُّونَ برُبوبيَّتِه ﵎ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أدومُ محبَّةً للَّه مِن الكفرةِ لأصنامِهم؛ لأنَّ عابدَ الوثنِ يَعبدُه في حالة الرَّخاء، فإذا أصابَه البلاءُ ولَّاهُ ظهرَهُ، ودعا وسأل (^٧) غيرَهُ، والمؤمنُ إذا مسَّهُ الضُّرُّ فزعَ إلى ربِّه، وزادَ في دعائِه ولزومِ بابه وطَلَبِ قُربِه، وذاك من كمالِ حبِّه.
وقال جعفرٌ الصادق: محبَّةُ المؤمنِ مع خوفٍ ورجاءٍ، ومحبَّةُ الكافرِ لطبعٍ وهوى؛ فإنَّه إذا رأى حَجرًا واستحسنَهُ (^٨) اعتقدَهُ وعبدَه، وحبُّ المؤمنِ عقليٌّ، وحبُّ الكافرِ نفسيٌّ، وحبُّ المؤمنِ خالصٌ، وحبُّ الكافرِ مشترَكٌ، وحبُّ المؤمنِ غيبيٌّ، وحبُّ الكافرِ عيانيٌّ، وحبُّ الكافرِ بواسطةٍ، قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]،
_________________
(١) قول قتادة رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٨)، وانظر قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٥٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٣٧).
(٣) قوله: "يدعون أي" من (ف).
(٤) بعدها في (ف): "إلا".
(٥) في (أ): "ليقربوهم".
(٦) في (أ): "بربوبية اللَّه".
(٧) لفظ: "وسأل" من (ر).
(٨) في (أ): "فاستحسنه".
[ ٣ / ٤٠ ]
وبعلَّةٍ (^١)، قالوا هنا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومحبَّةُ المؤمن بلا واسطةٍ ولا علَّة، والكافرُ يَرى صنمَه مصنوعَهُ، والمؤمنُ يَرى ربَّه صانعَهُ، والكافرُ يتبرَّأُ عن الصَّنمِ يومَ القيامة، والمؤمنُ لا يتبرَّأ مِن ربِّه، والمؤمنُ يعبدُ اللَّهَ وحدَه، والكافرُ يَعبدُ أصنامًا، فلا (^٢) يخلص لواحدٍ، ومحبَّتُهم (^٣) أشدُّ، وطريقُهم أسدُّ.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: محبَّةُ المؤمنين تَخرجُ على الثَّناء والعبادة، والتَّعظيم والطَّاعة، والرَّغبة والرَّهبة؛ إذ علموا النِّعمَ كلَّها مِن اللَّه، وعلِموا أنَّ السُّلطانَ والعِزَّة للَّه، ولا أحدَ يَنالُ شيئًا مِن ذلك إلَّا باللَّه، فأوجبَ ما عندَه مِن النِّعمةِ الرَّغبةَ، وما له من السُّلطان الهيبةَ.
وحبُّ الكَفَرةِ هو الجسدانيُّ الذي تولِّدُهُ الشَّهوة، أو يستحسنهُ البصرُ، وحبُّ اللَّه تعالى مِن المؤمنين على هذا الوجه فاسدٌ، بل حبُّه في الحقيقة في تعظيم أمورِه، وحُسنِ صحبةِ نِعَمِه، ومعرفةِ حقوقِه، ولذلك قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهو أنَّ مَن أحبَّ آخرَ محبَّةَ الجلالِ والرِّفعةِ، عظَّم رسولَه (^٤)، وانقادَ لما يَدعوهُ إليه، وإن كان في ذلك هلاكُه؛ تعظيمًا لأمرِه، فكيف فيما فيه نجاتُه وفوزُه؟ (^٥)
وقال وهبُ بنُ منبِّه ﵁: قال حكيمٌ مِن الحكماء: إنِّي لأستحيي مِن ربِّي أنْ أعبدَهُ مخافةً مِن النَّار، فأكونَ كعبدِ السُّوء؛ إن رهبَ عَمِلَ، وإنْ لم يَرهَب لم
_________________
(١) في (ف): "ولعلة".
(٢) في (أ): "لا".
(٣) في (أ): "فمحبتهم".
(٤) بعده في (ف): "عنده".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٦١٥).
[ ٣ / ٤١ ]
يَعمَل، وإنِّي لأستحيي مِن ربِّي أنْ أعبدَهُ رجاءَ ثوابِ الجنَّة، فأكونَ كأجيرِ (^١) السُّوء؛ إن أعطيَ أجرًا عَمِلَ، وإلَّا لم يَعمل، ولكن (^٢) أعبدُه لما هو أهلُه (^٣).
وقال أيضًا: ولكن يَستخرِجُ منِّي حبُّ ربِّي ما لا يَستخرِجُ حبُّ غيرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ قرأ عامَّةُ القرَّاء سوى نافعٍ وابنِ عامر بياء المغايبة (^٤)، وتأويلُه: ولو يَعلمُ الآن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: كفروا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ (^٥) والقدرةَ ﴿لِلَّهِ﴾ لا للأصنام، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ لِمَن عبدَها؛ إذ يرون العذابَ يوم القيامة؛ لَما اتَّخذوها آلهةً، ولَما عَبدوها، ولَما قالوا: هم (^٦) شفعاؤنا عند اللَّه، وما نعبدُهم إلَّا ليُقرِّبونا إلى اللَّه زُلفى، فالرُّؤيةُ بمعنى العلم، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (^٧).
والظُّلم هو الشِّرك، و﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ، و﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ مقدَّمةٌ في المعنى، والجوابُ محذوفٌ في آخره؛ لدلالة الحال عليه، وتقدير الآية ما قلنا، وحَذْفُ جوابِ "لو" في القرآن كثيرٌ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ﴿ولو ترى﴾ بتاء المخاطبة، ومعناه: ولو تَرى أنت يا
_________________
(١) في (أ): "كالأجير".
(٢) في (أ): "ولكني".
(٣) في (أ): "بما هو له أهل" وفي (ف): "لما هو أهل".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ١٧٣)، و"التيسير" (ص: ٧٨).
(٥) بعدها في (ر): "للَّه جميعًا أي".
(٦) في (ر): "هؤلاء".
(٧) وقع في هامش (ف) ما نصه: "يقال لهذا العلم علم بالرؤية بعد كونه علمًا بالسماع".
[ ٣ / ٤٢ ]
محمَّدُ الذين ظلموا؛ أي: المشركين (^١)، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ (^٢)، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يومَ القيامة، والجوابُ مضمرٌ ها هنا؛ أي: لرأيتَ أمرًا عظيمًا، وعلمت ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ليس هو بغافلٍ عمَّا يَعملُ الظَّالمون، وهو مَلِيٌّ بإقامةِ جزاء الحسنات والسيِّئات.
* * *
(١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ﴿إِذْ﴾ متَّصلٌ بقوله (^٣): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: كذلك يفعلُ حينئذٍ، وقيل: متَّصلٌ بقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: يرونَهُ حينئذٍ.
وقيل: أضمر فيه: "واذكر" إذ يتبرَّأ (^٤)، و﴿تَبَرَّأَ﴾ ماضٍ معناه المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦]، وقالوا: إنَّ اللَّهَ جعلَ ما يقعُ في القيامة كالواقعِ الحاصلِ؛ لأنَّه واقعٌ لا محالةَ، فذكره بهذه الصِّيغةِ تقريبًا له، وتقريرًا في النُّفوس، و﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم المتبوعون القادةُ، والكبراءُ السَّادة.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: مِن الأتباعِ الأطواع.
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: النار قبلَ أن يَدخلوها كما قال: ﴿وَبُرِّزَتِ
_________________
(١) في (أ): "المشركون".
(٢) أي: مفعول لقوله: "ترى".
(٣) في (ر): "بما قبله وهو قوله" بدل: "بقوله".
(٤) في (ف): "تبرأ".
[ ٣ / ٤٣ ]
الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]، ويَحتملُ أن يكون المرادُ: دَخلوا النَّار فرأَوها، كما يقال: رأيتُ السِّجنَ وكُرَبَه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؛ أي: الوُصَل، والسَّببُ: الوصلة، ومعناه: قطَّعَتهُم، والباءُ للتعدية؛ أي: لمَّا وقعوا في العذاب، صارت الأسبابُ التي كانوا يَتواصلون بها قاطعةً بعضَهم عن بعضٍ، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ونظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أنَّه للتَّعدية قولُه: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ أي: يُفرِّقكم، وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والرَّبيع (^١).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: معناه: انقطعَت العهودُ والأيمانُ التي كانت بينهم (^٢).
وقال أبو صالح: أي: انقطعت الأرحامُ والأنسابُ فيما (^٣) بينهم (^٤)، قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (^٥) [عبس: ٣٤].
وقال الحسن: هي المعارفُ.
وقال مقاتل: هي المودَّات.
_________________
(١) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦ - ٢٧).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ر): "التي كانت" بدل: "فيما".
(٤) لم أقف عليه عن أبي صالح، ورواه الطبري (٣/ ٢٨) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﵄.
(٥) بعدها في (ف): "الآية".
[ ٣ / ٤٤ ]
وقال أبو جعفر الرازي: هي المنازل (^١)؛ أي: تَفرَّقَت بهم المنازل؛ أي: وقعوا متفرِّقين.
والسَّبب: الطَّريق، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
* * *
(١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ، والكَرَّةُ: الرَّجعةُ إلى الدُّنيا؛ أي: ليتنا نرجعُ إلى الدُّنيا (^٢)، ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نُصِبَ بفاء الجواب للتمني (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كما رأوا العذابَ، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك.
وقيل: أي: كما تبرَّأ بعضُهم مِن بعض، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك (^٤).
وقيل (^٥): أي: كما وصفَ اللَّه أحوالَهم، كذلك يجعلُ أعمالَهم.
وقيل: أي: كما تقطَّعت بهم الأسبابُ فلم ينتفعوا بها، فكذلك أعمالُهم تصيرُ حسراتٍ عليهم، فلا يَنتفعون بها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٨) من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قوله.
(٢) بعدها في (ر): "وقوله تعالى".
(٣) في (ر): "جواب" وفي (ف): "الجواب" بدل: "الجواب للتمني".
(٤) من قوله: "وقيل أي كما تبرأ" إلى هنا من (أ).
(٥) في (ر) و(ف): "فقيل".
[ ٣ / ٤٥ ]
والحسرةُ: الكمدُ على الفائت (^١) والتَّلهُّفُ (^٢) عليه.
وقيل: هو أشدُّ النَّدم.
وقيل: هو (^٣) النَّدمُ القاطعُ المُعيي (^٤)، من قوله: ﴿مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقولِه: ﴿خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].
ثمَّ قيل: في هذه الأعمال ثلاثة أقاويل (^٥):
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أراد به الأعمالَ التي عملوها من الحسناتِ بزعمهم، وأرادوا بها غيرَ اللَّه؛ من مواساةِ المحتاجين، وإعانة المساكين (^٦)، وقِرى الضَّيف، والحجِّ، والختان، ممَّا كانوا يعملون مع شركِهم، يرونَها حسراتٍ عليهم، فيَتحسَّرون حيث أبطلوها (^٧) بشركهم.
وقيل: أراد بها أعمالَهم (^٨) السيِّئة التي عملوها في الشرك؛ مِن القتل، ودفنِ البنات، واستحلالِ المحرَّمات، فيرونَها حسراتٍ عليهم؛ حيث كانت مُحصاةً محفوظةً عليهم، فيَتحسَّرون عليها، هلَّا عملوا بدلَها حسنات؟
_________________
(١) في (ر) و(ف): "القلب"، وهو تحريف.
(٢) في (ف): "واللهف" وفي هامشها: "نسخة: والتلهف".
(٣) في (أ): "هي" في هذا الموضع والذي قبله.
(٤) في (ف): "المعنى"، وليست في (ر).
(٥) في (أ): "أقوال".
(٦) في (ر) و(ف): "المشركين".
(٧) في (أ): "حيث كانت أحبطوها" وفي (ف): "فيتحسرون حيث أطلقوها" بدل: "فيتحسرون حيث أبطلوها".
(٨) في (ر): "أرادوا الأعمال" وفي (ف): "أرادوا أعمال" بدل: "أراد بها أعمالهم".
[ ٣ / ٤٦ ]
وقيل: أراد بها الأعمالَ التي كانت تجبُ عليهم فلم يعملوها، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومعنى إضافتِها إليهم وإن لم يعملوها: أنَّها وَجبت عليهم (^١)، كما يُقال: هذا عملُك الذي تحتاجُ أنْ تعملَه اليوم، وهو (^٢) غذاؤك، لما تَحتاجُ إليه، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَارقُوا (^٣) دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ أي: ما يجبُ أن يتديَّنوا به.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أي: هم خالدون فيها، وهذا ردٌّ لِما تمنَّوه: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ولقولهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية.
* * *
(١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وانتظامُه بما قبلَه أنَّ أعمالَ الكفَّار تصيرُ حسراتٍ؛ لأنَّها سيِّئات، والأعمالُ التي لا تَصيرُ حسرات هي الصَّالحات، وقرينُ العملِ الصَّالح أكلُ الحلال الطيِّب، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١].
قال بعضُهم: نزلت الآيةُ في شأن بني خُزاعةَ وبني صَعْصَعة وبني مُدْلِجٍ؛ حرَّموا على أنفسِهم السَّمن والأقِط، فنزلَت الآية (^٤).
_________________
(١) بعدها في (ر): "فلم يعملوها".
(٢) في (أ): "وهذا".
(٣) كذا في (أ) و(ف)، وهي قراءة حمزة والكسائي، وفي (ر): "فرَّقوا"، وهي قراءة باقي السبعة. انظر "السبعة" (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٨).
(٤) في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٣٧) و"أسباب النزول" (ص: ٤٣ - ٤٤) أنهم حرَّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
[ ٣ / ٤٧ ]
وقيل: نزلَتْ في شأنِ عبد اللَّه بن سَلام وأصحابِه، حيث امتَنعوا عن أكلِ لحومِ الإبل.
وقيل: نزلَتْ في شأنِ أهل الكتاب؛ فإنَّهم كانوا يُحرِّمون البحيرةَ والسَّائبةَ والوصيلةَ والحامي، وكانوا يقولون: إنَّ اللَّهَ حرَّمَها علينا، فردَّ اللَّهُ تعالى قولَهم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، وقال هنا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فالحلالُ: ما أحلَّه اللَّهُ، والطَّيب: ما يُستَطابُ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ؛ المسْتَلَذُّ طبعًا، والمباحُ شرعًا، والطَّاهر وضعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ (^١) وقال اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يتوجَّهُ وجهَين:
أحدهما: الإذنُ في أكل ما (^٢) تستطيبُه النَّفسُ وتَستلِذُّه (^٣)؛ ليكونَ أرضى وأشكرَ للَّه فيما أنعم عليه.
والثاني: إرادةُ الحلال، ويكون للإيجاب (^٤).
وقيل: الجمعُ بين اللَّفظَين لإثبات صفتَين، فالحلالُ: ما لا حَظْرَ فيه، والطَّيِّبُ: ما لا حذرَ فيه.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "والطيب ما يستطاب".
(٢) في (ر): "الأخذ في كل ما"، في (ف): "الأخذ من كل ما" بدل: "الإذن في أكل ما". والمثبت من (أ)، وهو الأقرب لعبارة الماتريدي في "تأويلات أهل السنة".
(٣) في (ف): "وتستلذ به".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٦٢٢).
[ ٣ / ٤٨ ]
وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: الحلالُ الطَّيِّبُ: ما لا سؤالَ فيه يومَ القيامة، وهو ما لا بدَّ منه.
قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّه تعالى وَهَب لابن آدم ما لا بدَّ له منه؛ ثوبٌ يواري عورتَه، وخبزٌ يردُّ جوعتَه، وبيتٌ كعشِّ الطَّير"، فقيل: يا رسولَ اللَّه، وكيف الملح؟ فقال: "الملحُ ممَّا يُحاسَبُ بهِ" (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الحلالُ الطيِّبُ: ما لا تبعةَ فيه في الدُّنيا، ولا عقوبةَ عليه في العُقبى.
وقيل: الحلالُ: ما أفتاكَ المفتي أنَّه مباحٌ، والطَّيِّبُ: ما أفتاك قلبُكَ أنَّه ليس فيه جُناح.
وقيل: الحلالُ: ما لا تقولُ العلماء: إنَّهُ لا يَحِلُّ، والطَّيِّبُ: ما لا تقولُ الحكماء: إنَّه لا يَجمُلُ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: آثارَهُ، وهي وساوسُهُ، وأصلُ الخَطْوِ (^٢) نَقْلُ القدمِ قُدْمًا، والخَطوةُ بالفتح مَرَّةٌ منه، وبالضَّمِّ بُعْدُ ما بينَ قدَمَي الماشي، والجمعُ الخطوات؛ أي: لا تمشوا في طريقِ إبليسَ الذي يَدعوكُم إليه في تحريم هذه الأشياء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي (^٣): مُبغِضٌ ظاهرٌ، وهو (^٤) عدوُّ أبوَيكم، وعدوُّكم، وعدوُّ ربِّكم، ويَسعى في إهلاكِكُم، ويَدعوكم إلى تحريمِ ما
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (ف): "الخطوات".
(٣) في (أ): "إنه".
(٤) في (أ): "إنه".
[ ٣ / ٤٩ ]
أحلَّ اللَّهُ مِن البحيرةِ ونحوِها، وإحلالِ ما حرَّم (^١) اللَّهُ مِن الميتة والدَّم ونحوهما (^٢).
ثمَّ في هذا إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يَتَّبِعون الشَّيطان في ذلك، وذَكرَ (^٣) بعد هذه الآياتِ أنَّهم قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، ولا منافاةَ بينهما؛ فإنَّهم كانوا يتَّبعون فعلَ الآباء بتزيينِ الشَّيطان، وقد ذكر اللَّه تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].
* * *
(١٦٩) - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ أي: يأمرُكُم الشَّيطانُ ويَدعوكم إلى القبائحِ والفَضائح؛ فالسُّوء في الأصل ما يُكرَهُ، والفحشاءُ ما يُستَشنع، والسُّوءُ خلاف الحسن (^٤).
والفحشاء الفَعلاء مِن الفُحْشِ، والفاحشةُ كذلك، وأصلهُ مجاوزةُ القدرِ في كلِّ شيءٍ، والكثيرُ الفاحش، والمباشرةُ الفاحشةُ مِن ذلك، فالزِّنى فاحشةٌ، والبُخْلُ فاحشةٌ، وكلُّ فعلةٍ قبيحةٍ فاحشةٌ، والاسمان في الآية يستوعبان كلَّ ذنبٍ وعيبٍ، وكلُّ واحدٍ منهما متناوِلٌ (^٥) كلَّ إثم.
وقيل: السُّوءُ: ما خَفيَ مِن الآثام، والفحشاءُ: ما ظهرَ منها.
_________________
(١) في (أ): "حرمه".
(٢) في (ف): "ونحوها".
(٣) بعدها في (ر): "بينهما".
(٤) في (ف): "الفحش".
(٥) في (ف): "متأول".
[ ٣ / ٥٠ ]
وقيل: السُّوءُ: ما لا حدَّ فيه، والفحشاءُ: ما فيه حدٌّ.
وقيل: السُّوءُ: الزِّنى، والفحشاءُ: سائرُ القبائح.
وقيل: السُّوءُ: الخطيئة، والفحشاءُ: العَمدُ ومجاوزةُ الحدِّ.
وقيل: السُّوءُ: ما يَسوءُ الفاعل؛ أي: يَضرُّه. وقيل: السُّوءُ: ما يَسوء عاقبَتُه، والفحشاءُ: ما يَستقبحُه العقلُ والشَّرع.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ويأمرُكم بأنْ تَقُولوا؛ أي (^١): تكذبوا على اللَّهِ ما لا تَعلمون؛ مِن تحريم الحلال، وتحليل الحرام، وهذا ما عددنا.
وقيل: بل معناه أنَّه لا يَرضى منكم بالمعاصي، بل يدعوكم إلى الكفرِ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) مِن الصَّاحبةِ والولد، وما لا يَليقُ به.
ثمَّ الاجتهادُ في المشروعاتِ ليس بقَولٍ على اللَّه بغير علم، بل هو طلبُ الحقِّ بدليلِه بطريقه.
فإن قيل: كيف يأمرُنا الشَّيطانُ بذلك، ونحن لا نراهُ، ولا نَسمعُ كلامَه؟
قلنا: نجدُ في أنفسِنا دواعيَ المعصية بنفثِه (^٣)، وأخبرَنا الصَّادِق عن فعله (^٤).
* * *
(١٧٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "بأن لا تقولوا أي لا" بدل: "بأن تقولوا أي".
(٢) من قوله: "من تحريم الحلال وتحليل" إلى هنا من (أ).
(٣) في (أ): "ببعثه".
(٤) في (أ): "بفعله" بدل من "عن فعله".
[ ٣ / ٥١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: نزلَت في اليهود، دعاهم النبيُّ -ﷺ- إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (^١)؛ أي: وجدنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]: أي: وجدا.
وقيل: نَزلَت في مشركي العرب لمَّا قيلَ لهم: لا تتَّبعوا خطواتِ الشَّيطان، واتَّبعوا القرآنَ في التَّحريم والتَّحليل.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من تحريم البحيرةِ وغيرِها.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ (^٢) الواوُ حرفُ عطفٍ، دخلت عليها ألفُ التَّوبيخ، فبَقيت مفتوحةً، وطريقهُ أنَّه يتضمَّن ما إذا أقرَّ به افتضح.
وقال الزَّجَّاجُ: معناه: أو يتبعون آباءَهم وإن كانوا جهَّالًا؟ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ مِن الدِّين، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقِّ، أضمرَ: "يتَّبعون آباءَهم" فيه، بدلالة الحالِ عليه.
* * *
(١٧١) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه مضمَرٌ؛ أي: ومثلُ واعظِ الذين
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٤٢).
(٢) بعدها في (أ): "لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٤٢).
[ ٣ / ٥٢ ]
كفروا، يعني: مثلُ محمَّدٍ مع الكفَّار، كمثلِ النَّاعق مع الغنمِ المنعوقِ بها، يقال: نعقَ الرَّاعي بالغنمِ ينعِقُ نعقًا (^١)، إذا صاحَ بها زجرًا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدُّعاءُ: الذي قد يُسمَعُ وقد لا يُسمَع، والنِّداءُ: ما يُسمَع.
وقيل: الدُّعاء: ما كان لطلبِ الفعل، والنِّداءُ: ما كان لطلبِ الجواب.
ومعنى الآية على جميع الأقاويل فيه مع نظمِها بما قبلَها (^٣): ومثلُ هؤلاء الكفَّار الذين يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ في دعائك إيَّاهم، كمثلِ النَّاعقِ في دعائهِ البهائمَ التي لا تفهمُ، كالإبل والبقر والغنم.
والحذفُ فيها حسنٌ، كقولك: زيدٌ كالحمار؛ أي: في البلادة، وعمرٌو كالأسد؛ أي: في الشَّجاعة؛ لأنَّ المعنى في أحد الشيئين أظهرُ، فيُشَبَّهُ به الآخرُ؛ ليظهر بظهوره، وهذا قولُ ابن عبَّاسٍ والحسن ومجاهدٍ وقتادةَ والرَّبيع (^٤)، وهو اختيارُ الزَّجَّاج والفرَّاء (^٥).
وقيل: معناه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في دعائِهم آلهتَهم، كمثل النَّاعقِ في دعائِه ما (^٦) لا يَسمع، وذلك أنَّ البهائمَ لا تَفهمُ الكلامَ، وأقصى أحوالِ الأصنام أن
_________________
(١) في (أ): "نعيقًا".
(٢) بعدها في (ر): "تعي".
(٣) بعدها في (ر): "أي".
(٤) روى أقوالهم عدا قول الحسن: الطبريُّ في "تفسيره" (٣/ ٤٥ - ٤٦)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٨٢) (١٥١٣) عن ابن عباس ﵄، وعلقه بعده عن مجاهد والحسن وقتادة والربيع وغيرهم.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٤٢)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٩٩).
(٦) في (ر): "بما"، وفي (ف): "من".
[ ٣ / ٥٣ ]
تكون كالبهائمِ في أنَّها (^١) لا تفهمُ الكلامَ، فإذا كان لا يُشكِلُ عليهم أنَّ مَن دعا البهائمَ كان جاهلًا، فمن دعا الحجارةَ كان بصفة الجهلِ والذَّمِّ أولى.
وقيل: أي: مثلُ الكفَّارِ في دعائِهم آلهتَهم كمثلِ النَّاعقِ في دعائِه الصَّدى في الجبل؛ لأنَّه (^٢) لا يسمعُ منه إلَّا دعاءً ونداءً، فإنَّه إذا قال: يا زيد، سمعَ مِن الصَّدى: يا زيد، وليس في وراء القول شيءٌ، إلَّا أنَّه يُخَيَّلُ إليه أنَّ مجيبًا يُجيبهُ، وليس فيه فائدةٌ، فكذلك يُخيَّلُ إلى هؤلاء المشركين أنَّ دعاءَهم للأصنام يُستجابُ، وليس لذلك حقيقةٌ، ولا فيه فائدةٌ.
وفي كلِّ واحدٍ مِن هذه الوجوه حذفٌ واختصارٌ، وظاهرُه مقابلةُ الكفَّار وهم المنعوق بهم، بالنَّاعق، ولم يقابل (^٣) النَّاعقَ بالنَّاعق (^٤)، ولا المنعوقَ به بالمنعوق به، وإنَّما فعلَ كذلك؛ لدلالة تضمينِ الكلامِ على كلِّ المراد بالتَّمام، فإنَّه تشبيهُ اثنين باثنين؛ تشبيه (^٥) الدَّاعي إلى الإسلامِ للمدعوِّ من الكفَّار، بالدَّاعي إلى المراد للمدعوِّ مِن الأنعام، فلمَّا أُريدَ الاختصارُ أبقى مِن الكلام ما دلَّ على المحذوف، فأبقى في الأوَّل ذِكْرَ المدعوِّ، وفي الثاني ذِكْرَ الدَّاعي، ولو رُتِّبَ (^٦) الكلامُ على ذكرِ الكُلِّ لطال الكلام.
وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: هذا من باب القَلْب، وهو كقولهم: أدخلتُ الخفَّ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فإنها".
(٢) في (ر) و(ف): "أنه".
(٣) في (ر) و(ف): "يقل".
(٤) في (ر): "بالمنعوق".
(٥) في (أ): "فتشبيه"، وفي (ر): "يشبه".
(٦) في (ر): "ورد" وفي (ف): "وزنت".
[ ٣ / ٥٤ ]
في رجلي، والقلنسوةَ في رأسي، وهو كقولِه تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: فكيف يكلِّمُنا (^١).
وقد قيل: معناه: مثلُنا ومثلُ الذين كفروا، فاكتفى بذكرِ أحدهما، كما في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]، ولم يَذكر الأمَّةَ الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ أي: هم (^٢) كذلك، وقد مرَّ تفسيرُه (^٣).
﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يَستعملون عقولَهم، كما قال لآبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾.
* * *
(١٧٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ خصَّ المؤمنين بالأمر بأكل الحلال بعد ما عمَّ النَّاسَ به، والطيِّباتُ: الحلالات (^٤)، وهي (^٥) اللذيذاتُ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: على ما رزقَكم من الطَّيِّبات.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٦٤)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٩٩).
(٢) بعدها في (ر): "صم".
(٣) عند تفسير الآية (١٨) من هذه السورة.
(٤) في (ر) و(ف): "الحلال".
(٥) في (ف): "وهو".
[ ٣ / ٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: تُوَحِّدون؛ يعني: إن كنتم مؤمنين باللَّه، فاشكروا له؛ فإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ ذلكَ، وهو مِن شرائِطه، وهو مشهورٌ في كلامهم، يقول الرَّجلُ لصاحبه الذي قد عَرفَ أنَّه يُحبُّه: إنْ كنت لي محِبًّا فافعل كذا، فيُدخِلُ حرفَ الشَّرطِ في كلامِه؛ تحريكًا له على ما يأمرُه به، وإعلامًا له أنَّه مِن شرائطِ المحبَّة.
وقد قيل (^١): إن كنتم عازِمين على الثَّباتِ على الإيمان، فاشكروا له؛ فإنَّ تركَكُم الشُّكرَ يُخرجُكم عنه.
وقيل (^٢): معناه: إذ (^٣) كنتم، كما في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقولِه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].
والصَّحيحُ أنَّه على الشَّرط في كلِّ هذه الآيات، ووجهُه ما بيَّنَّا.
وقيل: هذا خطابٌ لعبدِ اللَّه بن سلام وأصحابه حيث امتنعوا عن أكل لحومِ الإبل، فقيل لهم هذا؛ أي: إن كنتم إيَّاه تَعبدون بتركِ أكل لحوم الإبل، فليست عبادتُه ذلك، بل هي أكلُ ما أحلَّهُ، والشُّكرُ على ما أعطاهُ.
* * *
(١٧٣) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (أ): "وقيل أي" بدل: "وقد قيل".
(٢) بعدها في (أ): "أي".
(٣) في (ف): "إن".
[ ٣ / ٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾؛ أي: ما حرَّمَ اللَّهُ السَّائبة (^١) ونحوَها، وإنَّما حرَّم ما ماتَ مِن غير ذكاة.
قوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾؛ أي: الدَّمَ المسفوحَ، نصَّ على ذلك في موضعٍ آخرَ (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وكلُّ أجزائه حرامٌ، وإنَّما خصَّ اللَّحمَ بالذِّكرِ؛ لأنَّه هو المعظمُ في قصدِ الأكل، ودخلَ فيه ما دونَه، كما في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لمَّا كان هو معظم اشتغال النَّاس فيه؛ خصَّه بالنَّهي عنه، وحرَّم بذكرِه ما دونَه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رُفِعَ فيه الصَّوتُ بذكرِ غيرِ اللَّه، وهو ما ذُبِحَ للأصنام، والإهلالُ: رفعُ الصَّوت بالتَّسميةِ، وكذلك بالتَّلبيةِ، وكذلك بذكرِ اللَّه عند رؤية الهلالِ، وبه سُمِّيَ الهلال، واستهلالُ الصَّبيِّ: رفعُ (^٣) صوتِه عند الولادة.
ثمَّ لم يَذكر في هذه الآية سائرَ المحرَّمات؛ لأنَّها ليست لحصر المحرَّمات، بل هذه الآياتُ سِيقَت لنهيهِم عن تحريم ما أحلَّ اللَّهُ، وهو ما عددناهُ، ولنهيهِم عن استحلالِ ما حرَّمَ اللَّه، وهم كانوا يَستحلُّونَ هذه الأشياءَ، فكانوا يأكلون الميتةَ، ويقولون: تأكلونَ ما أمتُّم، ولا تَأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ، وكذا كانوا يأكلون الدَّم، ولحمَ الخنزير، وذبائح الأصنامِ، فبيَّن أنَّه حرَّمَها.
وقيل: ذكرُ الميتةِ يَتناولُ المتردِّيةَ، والمنخنقةَ، والموقوذةَ، والنَّطيحةَ، وما أكلَ السَّبع، ومتروكَ التَّسميةِ عمدًا، ونحوها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "السائمة".
(٢) في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
(٣) في (أ): "رفعه".
[ ٣ / ٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: أُلجِئ إلى أكلِ شيءٍ منها؛ بأنْ لا يجدَ غيرها، والاضطرارُ فعلٌ متعدٍّ، ولذلك جاء على لفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه ها هنا، وقال: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ [لقمان: ٢٤]، فعدَّاه إلى الكناية.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ البغيُ في اللُّغة: مجاوزةُ الحدِّ، يقال للجرح إذا تورَّم واشتدَّ: بغى، ويقال للبحر (^١) إذا زاد: طغى وبغى، وللفرس إذا مَرِحَ في عدوِه واختال في ذلك: بغى.
والعدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ أيضًا، وقد عدا طورَهُ، فقيل (^٢): هما واحدٌ (^٣)، ومعناه: مجاوزةُ قدرِ الحاجة، والتَّكرارُ للتأكيد، كقوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
وقيل: معناه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ إيَّاهُ؛ أي: طالبٍ وهو (^٤) يَجِدُ غيرَهُ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: مجاوزٍ قدرَ ما يقعُ به دفعُ الهلاكِ عن نفسِه.
وقيل: هما تفسيرُ قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ (^٥)، وهذا كقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غيرَ متلذِّذٍ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ متزوِّدٍ.
وقال قتادة: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: ظالمٍ بأكلِه مِن غير ضرورةٍ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى مِن الحلال إلى الحرام؛ أي: يتركُ حلالًا يَجدُهُ، ويختارُ هذا (^٦).
_________________
(١) في (أ): "للحر".
(٢) في (ر): "كما قال في موضع آخر وقيل واللَّه أعلم" بدل: "فقيل".
(٣) بعدها في (ر): "على ما ذكرناه".
(٤) في (ر): "ولا"، وفي (ف): "وهو لا".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "غير باغٍ".
(٦) في (ر): "حراما" بدل: "هذا". وقول قتادة رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦١)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥) (١٥٣٠).
[ ٣ / ٥٨ ]
وقال الزَّجَّاج: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غير مجاوزٍ قدرَ حاجتِه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ مُقَصِّرٍ عمَّا يُقيمُ به حياتَه (^١)، لا يمتنعُ عن أكلِه فيموت، فيكون قد ظلمَ نفسَه.
وعن مسروق قال: من اضْطُرَّ إلى أكل (^٢) ميتةٍ، فلم يأكل منها فماتَ، دخلَ النَّار (^٣).
وعن بعضِهم: أنَّه لا يُجاوزُ ثلاثَ لُقَمٍ.
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غير آكلٍ فوق الشِّبَع، فيكونُ قد بالغَ في الإفساد، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ متعدٍّ حدَّ الضَّرورةِ، وهو بلوغُ الشِّبَعِ.
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ خارج على إمامه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ على النَّاس بقطع الطَّريق، وهو مذهبُ الشافعيِّ -﵀-، فإنَّ الباغي عندَه لا يترخَّصُ برخصِ المسافرين (^٤).
وقلنا: هو ببغيهِ لم يخرجْ عن الإيمان، فلا يستحقُّ الحرمان عن رُخَصِ أهلِ الإيمان، ولأنَّ الباغي المقيمَ يَمسحُ على خفَّيهِ يومًا وليلةً، كالعادلِ المقيم، فكذا المسافرُ الباغي، يَمسحُ ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليها (^٥)، كالمسافر العادل.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لم (^٦) يأثمْ بتناولِ هذه الأشياء عند الضَّرورة.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٤٤).
(٢) لفظ: "أكل" من (أ).
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٩٥٣٦).
(٤) انظر: "الأم" للشافعي (٣/ ٦٥٣).
(٥) في (ف): "بلياليها".
(٦) في (أ): "لا".
[ ٣ / ٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفورٌ لمن تابَ مِن تحريمِ ما أحلَّ اللَّهُ تعالى واستحلال ما حرَّم اللَّه، رحيمٌ بِشَرْعِ (^١) التَّوبة.
وقيل: ﴿غَفُورٌ﴾ للذُّنوب الكبار، فكيف يُؤاخِذُ بتناولِ الميتةِ عند الاضطرار، ﴿رَحِيمٌ﴾ هو بعبادِه فيما يَتعبَّدُهم به.
وقيل: ﴿غَفُورٌ﴾ بالعفوِ عمَّن أكلَ مِن غير ضرورةٍ، ﴿رَحِيمٌ﴾ برفعِ الإثم عند الضَّرورة.
* * *
(١٧٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وانتظامُه بما قبلَهُ أنَّ المشركين -لعنَهم اللَّه- لمَّا وُبِّخوا بتحريمِ ما حرَّموا، واستحلالِ ما استحلُّوا (^٢)، رَجعوا إلى أحبار اليهود، فسألوهم عن محمَّدٍ وعمَّا يقوله (^٣)، فقالوا: إنَّه ليس بنبيِّ آخرِ الزَّمان، وليس حكمُ اللَّه ما يقولُه، وكَتَموا صدقَ محمَّدٍ في دعوى الرِّسالة، وفيما أتى به من الأحكامِ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم هذه الآيةَ، وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى قبل هذا كتمانَهُم ذلك (^٤)، ولكن لم يُبيِّن هناك غرضَهم في الكتمان، وبيَّن ها هنا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وقد فسَّرناهُ في
_________________
(١) في (ر): "يشرع".
(٢) في (أ) و(ر): "أحلوا".
(٣) في (ر) و(ف): "قاله".
(٤) في (ف): "لذلك".
[ ٣ / ٦٠ ]
مواضع وأوضحناه؛ أي: يُؤثِرون عليه عوضًا قليلًا، وهو ما ينالونه (^١) من المأكلةِ من القادة والسَّفِلة.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾؛ أي: لا يُلقونَ في بطونِهم إلَّا الحرامَ الذي يورِّثُهم أكلَ (^٢) النَّار في الآخرة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وهو كقوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وهو من قولهم: سحتَه وأسحتَهُ؛ أي: استأصلَه، سمَّى المأكول الحرام سحتًا؛ لأنَّه يستأصلُه في العاقبة، فكذا سمَّاه نارًا؛ لأنَّه يُورثُه ذلك في العاقبة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: كلامَ إكرامٍ.
وقيل: أي: لا يُبَشِّرُهم.
وقيل: أي: لا يُحيِّيهم (^٣).
وقيل: أي (^٤): لا يخاطبُهم بما يحبُّون.
وقيل: هو مجازٌ عن غضب اللَّه تعالى عليهم، وهو كلام معهودٌ، يقال: فلانٌ لا يُكلِّمُ فلانًا، فأمَّا الكلامُ الذي هو لعنٌ وإهانةٌ، فقد ثبتَ ذلك في قوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي: لا يُطَهِّرُهم وإن آمنوا حينئذٍ؛ لأنَّه غيرُ مقبولٍ.
_________________
(١) في (أ): "ينالوه" وفي (ر): "يتناوله".
(٢) في (ر): "أكله".
(٣) في (ر) و(ف): "يجيبهم".
(٤) لفظ: "أي" من (أ).
[ ٣ / ٦١ ]
وقيل: لا يُثني عليهم، ولا يُعدِّلُهم، وهو كتزكية الشُّهود؛ فإنَّهم ليسوا بأزكياء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلمٌ وهو (^١) موجعٌ.
* * *
(١٧٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: آثروا اليهوديَّة على الإيمان، والعقوبةَ على الغفران، وقد كشفنا عن حقيقتِه في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال الكسائيُّ وأبو عبيدة؛ أي: أيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار؟ (^٢) وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: ماذا حملَهم على الأعمال التي تُدخِلهم النَّار.
وقيل: هو على التَّعجُّب.
وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير وقتادة وإبراهيمُ النَّخعيُّ: أي: ما أجرأهم على النار (^٣).
وكذا قال الحسن: ما لهم عليها صبرٌ، ولكن معناه: ما أجرأَهم على النَّار (^٤).
_________________
(١) قوله: "مؤلم وهو" من (ف).
(٢) انظر قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٦٤). وظاهر قول الكسائي كما نقله عنه الفراء في "معاني القرآن" (١/ ١٠٣) أنها تعجبية.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٨) عن مجاهد أو سعيد بن جبير، ورواه أيضًا عن قتادة.
(٤) رواه الطبري (٣/ ٦٨).
[ ٣ / ٦٢ ]
وقيل: معناه: فما أعملَهم بأعمالِ أهل النَّار، وهو قولُ عطاء (^١).
وقيل: معناه: فما أدومَهُم في النَّار، وقد يقال لمن طال حبسُه: ما أصبرَك على الحبس! لا على حقيقةِ الصَّبر، ولكن على وجوده فيه.
* * *
(١٧٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ذلك العقابُ لهم بسبب أنَّ اللَّه نَزَّلَ التَّوراةَ بالحقِّ؛ أي: لا عبثًا، وأمر ببيان ما فيه، فكتَمُوه وحرَّفوه.
وقيل: أي: ﴿ذَلِكَ﴾ الاجتراءُ منهم على العمل الذي يُورِدُهم النَّار ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: هو تحقيقُ ما أنزلَ اللَّه في القرآن فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وهم باقون في النَّار.
وقيل: ذلك العقابُ لهم؛ لإنكارهم الكتابَ الذي نزلَ بالحقِّ -وهو القرآن- وكفرِهم به.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ قيل: أي: أهلَ الكتاب الذين اختلفوا في التوراة؛ أي: في تأويلها، هم فيما بينهم في خلافٍ شديدٍ، بعيدٍ عن الاتِّفاق، قد تفرَّقت بهم الآراءُ فيها، مع اتِّفاقهم على التَّديُّن بها، فلا يهولنَّكم كتمانُهم أمرَ محمَّدٍ -ﷺ- مع ذكرهِ فيها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤].
_________________
(١) لم أقف عليه عن عطاء، وروى الطبري (٣/ ٦٩) نحوه عن مجاهد. وروى الطبري عن عطاء أنه قال في تفسيرها: ما يُصبِّرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل.
[ ٣ / ٦٣ ]
وقيل: أي (^١): وإنَّ الذين خالفوا التَّوراةَ، وكَتَموا ما فيه من ذكرِ محمَّدٍ ﵊، لفي خلافٍ للتَّوراة، ومعاداة له؛ أي: شاقُّوا اللَّهَ، وعادوه في الحقيقةِ.
وقيل: أي: وإنَّ أهلَ الكتاب الذين خالفوا القرآنَ فلم يؤمنوا به.
وقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: خلافٍ بعيدٍ؛ أي: عن الوفاق.
وقيل: ﴿بَعِيدٍ﴾؛ أي: لا يُرجى العودُ (^٢) عنه.
ثم قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ قيل: هو ابتداءُ كلامٍ، ومعناه ما بينَّا (^٣).
وقيل: هو بناء على قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وبأن الذين اختلفوا، لكن كُسر "إنَّ" لِمَا دخلَ في جوابه من اللَّام، ولولاها لفُتِحت، وكان ذلك بيانًا أنَّ عقابَهم في النَّار؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى نزَّل الكتابَ بالحقِّ، فكتموهُ، ولأنَّهم خالفوهُ وشاقُّوهُ (^٤).
* * *
(١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
_________________
(١) لفظ: "أي" من (أ).
(٢) في (أ): "العفو".
(٣) في (ف): "بينا".
(٤) "ولأنهم خالفوه وشاقوه" زيادة من (أ) و(ف).
[ ٣ / ٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ النَّصبُ على أنَّه خبرُ ﴿لَيْسَ﴾، و﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، وتقديره: توليةُ وجوهِكم، وهو رفعٌ؛ لأنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص.
والرَّفعُ على أنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، و﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ نصب لأنَّه خبر ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة الباقين (^١).
ولمَّا نزلَ قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وأُضمِرَ فيه: فكفروا به؛ قالوا: إنَّا لا نكفرُ، بل نُصلِّي للَّه ونؤمنُ به، فنزل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾ كفعل النصارى، أو قِبَلَ المغربِ، كفعل اليهود، فذاك منسوخٌ، فهو إثمٌ لا برٌّ.
وإنْ حمل (^٢) على استقبال بيت المقدس حين كان الأمرُ به، وعلى استقبالِ الكعبة بعد النَّسخ، فمعناه: ليس كلُّ البرِّ هذا؛ أي: لا يقعُ التَّقرُّبُ إلى اللَّه باستقبالِ الكعبة (^٣) بالصَّلاة وحدَها، بل بأمورٍ أُخَرَ معها، قد أمرَ اللَّهُ تعالى عبادَه بها؛ لأنَّ أمرَ القِبلة مِن فروع الدِّين (^٤) التي يجوزُ نسخُها، وهذه الأمورُ الأُخر المذكورةُ في الآيةِ من أصول الدِّين التي لا تُنسخ؛ لأنَّها إيمانٌ باللَّه، وبأنبيائه، وكتبه (^٥)، ونحو ذلك، فمَن جحدَها، أو جحدَ شيئًا منها، فليس من الأبرار.
والبِرُّ: اسمٌ جامعٌ للطَّاعات وأعمالِ الخير، ومنه: بِرُّ الوالدَين، وبِرُّ اليمين، وبِرُّ الكلام، وبِرُّ الأيتام، وهو ضدُّ الفجورِ أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ١٧٥)، و"التيسير" (ص: ٧٩).
(٢) بعدها في (ر): "عليه".
(٣) في (أ): "القبلة".
(٤) بعدها في (أ): "والدين".
(٥) في (ف): "وبكتبه".
[ ٣ / ٦٥ ]
لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فالبرُّ فعلُ كلِّ خيرٍ، والتَّقوى تركُ كلِّ شرٍّ.
وقوله تعالى: ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (^١) أي: مقابله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: ولكنَّ البرَّ برُّ مَن آمنَ باللَّه، وهو كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]؛ أي: كإيمانِ مَن آمنَ باللَّه.
وقيل: الإضمارُ في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾؛ أي: ولكنَّ صاحبَ البِرِّ مَن آمن باللَّه (^٢).
وقيل: ﴿الْبِرَّ﴾ في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بمعنى البارِّ، وهو مصدرٌ، ويجوزُ ذكرُ المصدرِ على إرادة الفاعل، كما قيل في العدل (^٣)، والضَّيف، والخصم.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدَّقَ وأقرَّ بوحدانيَّتِه وبجميع صفاتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: أقرَّ بالبعث بعد الموت، وبالدَّارِ الآخرة، وبما فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: وآمنَ بأنَّ للَّه تعالى ملائكةً هم عبادُه ومخلوقوه، ليسوا بذكورٍ ولا إناث، ولا بشركاءَ (^٤) ولا أولادٍ للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ﴾؛ أي: وآمنَ (^٥) بكتب اللَّه التي أنْزَلَها على أنبيائه، والألف واللام لتعريفِ الجنس، فاقتضى الجمع.
_________________
(١) قوله: "والمغرب" من (ف).
(٢) قوله: "من آمن باللَّه" من (أ).
(٣) وقع في هذا الموضع في هامش (ر): "الهدى".
(٤) في (أ): "شركاء".
(٥) في (أ): "ومن آمن".
[ ٣ / ٦٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: ومن آمن (^١) بأنبياءِ اللَّه تعالى ورسلِه أنَّهم مبعوثون إلى خلقِه، والقائمون بحقِّه، والصَّادقون عنه؛ في أمرِه ونهيه، ووعدِه ووعيده، وأخباره، وهذه أصولُ الدِّين وقواعدُ العقائد.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾؛ أي: أعطى مالَهُ مع حبِّ المال (^٢).
وقيل: مع حبِّ الإيتاء.
وقيل: أي: مع حب اللَّه، وهذا من حقوق البشر.
وهذه الأقاويلُ الثَّلاثةُ صحيحةٌ:
أمَّا صرفُ الكنايةِ إلى المال، فقد سبق ذِكرُه، وقد رويَ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "أفضلُ الصَّدقة أن تؤتيَ المالَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ؛ تأمُلُ الغنى (^٣)، وتخشى الفقرَ" (^٤).
وأمَّا صرفُها إلى اللَّه تعالى، فلأنَّه ذُكِر في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، وإيتاءُ المال على حبِّ اللَّه هو طلبُ رضاه وابتغاءُ وجهه.
وأمَّا صرفُها إلى الإيتاء، فلأنَّ الفعل ذكر، وهو قولُه: ﴿وَآتَى﴾ (^٥)، وهو يقتضي المصدرَ، فيجوزُ صرفُ الكنايةِ إليه، وهو كما في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ (^٦)
_________________
(١) في (أ): "ومن آمن".
(٢) في (ر) و(ف): "على حب اللَّه" بدل: "مع حب اللَّه". وبعدها في (ر): "وقيل: مع حب المال".
(٣) في (أ): "العيش".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (١٤١٩)، ومسلم في "صحيحه" (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) بعدها في (أ): "المال".
(٦) كذا في النسخ، وهي قراءة حمزة، وقرأ الباقون: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء. انظر "السبعة" (ص: ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
[ ٣ / ٦٧ ]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: البخل.
وقوله تعالى: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: وآتى المالَ (^١) أقرباءَه، ووصلَ بذلك الرَّحِم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾؛ أي: وآتى اليتامى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾؛ أي: وآتى (^٢) المساكين.
وقد فسَّرنا هذه الثَّلاثة في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: وآتى عابرَ السَّبيل (^٣)؛ أي (^٤): الغريبَ البعيدَ عن مالِه، فسمَّاه: ابنَ السَّبيل (^٥) للزومِهِ إيَّاه، كما يقال لطير الماء: ابنُ الماء، ووحَّد هذا؛ لأنَّه عرفه (^٦) بالألف واللام، فصلحَ للجمع، كاسم الجنس.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾؛ أي: وآتى المحتاجين الذين يسألون.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وآتى المكاتَبين.
ثمَّ ذكرَ الشَّرائعَ، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ هو عطفٌ على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، ومرَّ الكلامُ في هذين الفعلين في آياتٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عطف على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ و﴿مَنْ﴾ لفظهُ واحدٌ، ومعناه الجمع؛ لأنَّه جنسٌ، وكذا قوله: ﴿آمَنَ﴾
_________________
(١) بعدها في (ر): "إلى".
(٢) في (أ): "وأعطى".
(٣) في (ف): "عابر الطريق" بدل "عابر السبيل" ووقع في هامشها: "نسخة: عابر السبيل".
(٤) في (ف): "وهو" بدل: "أي".
(٥) في (أ): "وسماه ابنه" بدل: "فسماه ابن السبيل".
(٦) في (ر): "ووحد في هذه الآية وعرفه" وفي (ف): "ووحدها لأنه عرفه" بدل: "ووحد هذا لأنه عرفه".
[ ٣ / ٦٨ ]
و﴿وَآتَى﴾ هو للجمع، وتقديرُه: ولكنَّ أهلَ البرِّ المؤمنون باللَّه وبكذا، والمؤتون المال، والموفون بعهدِهم. وتفسيرُ العهد قد مرَّ مرَّات.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: في الفقرِ والمرض، وهذا التفسيرُ عن ابنِ مسعودٍ ﵁ (^١).
والبأساءُ في أصل اللُّغة: نقيضُ النَّعماء، والبُؤسى: نقيض النُّعمى، والبؤسُ نقيض النُّعْمِ (^٢)، وبِئسَ نقيض نِعم (^٣)، والبائسُ نقيض النَّاعم، فكانت عبارةً عن عدمِ النِّعمةِ، فدلَّت على الفقرِ والفاقةِ.
والضَّرَّاء: فَعلاءُ من الضَّرر (^٤)؛ فدلَّت على أنَّها عامَّةٌ في أسباب الضرر كلها.
ويُقال: أنا شريكُك في السَّرَّاء والضَّرَّاء؛ أي: فيما يَسرُّ، وفيما يضرُّ، وتقديره: في المَحابِّ والمكارهِ كلِّها.
وقوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾؛ أي: في حالة (^٥) القتال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقال تعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]؛ أي: الذين يَبذُلون أنفسَهم في نُصرة الدِّين، فلا يولون الأدبارَ منهزمين.
ونزلَت الآية في حرب الأحزاب، وكانوا في غاية القحطِ والشِّدَّة والبرد
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٨٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٩١) (١٥٦٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٧٩).
(٢) في (ف): "والبؤسا نقيض النعما" بدل: "والبؤس نقيض النعم".
(٣) بعدها في (ف): "والبئيس نقيض نعم".
(٤) في (ر) و(ف): "الضر".
(٥) في (أ): "حال".
[ ٣ / ٦٩ ]
والجوع، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠].
ثمَّ نصبُ "الصابرين" بطريقين:
أحدهما: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾؛ أي: وأعطى المالَ الفقراءَ السَّائلين، والصَّابرين الممتنعين عن السُّؤال، وعلى هذا يكونُ قولُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾؛ أي: الشِّدَّةِ والضِّيقِ دونَ الحرب؛ أي: وآتى المالَ الذين يَصبرون على الفقرِ والقِلَّةِ والشِّدَّة.
والثاني: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ومن آتى، والموفون، وحقُّه الرَّفعُ، وإنَّما نُصِبَ على المدح (^١)، وللعرب عند طولِ الكلام ذلك في المدح والذمِّ، قال قائلُهم:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ
النَّازِلينَ بكلِّ مُعْتَركٍ والطَّيبين معاقدَ الأُزُرِ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: هم الموفون حقَّ الصِّدقِ قولًا وفعلًا وعَقدًا، وحقَّ التقوى حظرًا وكراهةً وندبًا، والصِّدقُ فيما يُفعَل والتَّقوى فيما يُترَك.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ر): "من آمن"، وهي مقحمة.
(٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان، وهما في "الكتاب" (٢/ ٦٤)، وروايته فيه: "والطيبون" بدل: "والطيبين"، والبيتان في "ديوان الخرنق" (ص: ٢٩)، وروايته فيه: "النازلون. . . والطيبين"، قال شارحه: ويروى: "النازلين. . . والطيبين".
[ ٣ / ٧٠ ]
(١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ في الآية الأولى بيانُ حقِّ اللَّه تعالى وحقِّ العباد، ومِن أعظم حقوقِ العباد الدِّماءُ، ودلَّت الآيةُ على أنَّ الكبيرةَ لا تُزيلُ الإيمانَ، فقد خاطبَهم بالإيمان عند إيجابِ القصاصِ عليهم بقتل العمد الذي هو مِن الكبائرِ الذي (^١) وردَ فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديد.
ونظمٌ آخرُ: أنَّ أهلَ الكتابِ وُصِفوا بالتَّحريف وكتمانِ أمرِ النَّبيِّ -ﷺ-، وأنَّهم لا يُوصَفون بالبرِّ بالخوض في أمر القبلةِ، مع تبديلِهم أحكامَ كتابِهم، ومنها ما قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (^٢) إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو ما نُبيِّن (^٣) في حكمهم بالتَّفاوتِ بين النضيريِّ والقُرَظيّ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؛ أي: فُرِضَ، كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا مؤقتًا (^٥).
وقيل: أي: حكم، كما في قوله ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (^٦).
_________________
(١) في (أ): "التي".
(٢) "الآية" سقط من (أ).
(٣) في (ر): "تبين".
(٤) سيأتي خبرهم قريبًا.
(٥) قوله: "أي: فرضًا مؤقتًا" من (ف).
(٦) من قوله: "وقيل: أي: حكم" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٣ / ٧١ ]
والفرضيَّةُ على القاتل حقٌّ لوليِّ المقتول، ثمَّ له الخيارُ في الاستيفاءِ والعفوِ والصُّلح بالتَّراضي.
وقيل: الفرضيَّةُ في الاقتصارِ على القاتل في القِصاص، دون التَّعدِّي إلى ما كانوا يرونَهُ مِن قتلِ عددٍ كثيرٍ بفردٍ، وقتل أحرارٍ بعبد.
وقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ أي: يُقتَصُّ؛ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول، فلا يُتعدَّى إلى غير القاتل.
والقصاصُ: هو إتباعُ الفعلِ فعلًا مثلَه، من قولك: قَصصتُ أثرَه؛ أي: اتَّبعتُه، قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، وقال (^١): ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، و: قد قَصصتُ الحديثَ قصصًا؛ أي: أتبَعْتُ بعضَهُ بعضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أي: العبدُ القاتلُ بالعبدِ المقتول، والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة، وليس فيه نفيُ جريان القِصاص بين الحرِّ والعبدِ والذَّكرِ والأُنثى، بل فيه منعٌ عن التَّعدِّي إلى غيرِ القاتل.
وسبب (^٢) نزوله أنَّ بني النضير كانوا يقولون لبني قُريظة: إذا قتلتُم منَّا عبدًا، قتلنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً، قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا، قتلنا منكم حُرَّين، وكانوا على ذلك قبل خروج (^٣) النبيِّ -ﷺ-، ولمَّا كان يومُ بدرٍ، وقُتِلَ صناديدُ قريشٍ، وقصدَ النَّبيُّ -ﷺ- بني النَّضير و(^٤) بني قريظة؛ طلبوا الذِّمَّةَ، ورضُوا بحكم الإسلام فيهم في القصاصِ والدِّيَةِ وغيرِ ذلك مدَّةً، ثمَّ قُتِلَ واحدٌ مِن بني النَّضير، فقالوا لبني قريظة:
_________________
(١) لفظ: "وقال" من (أ).
(٢) "سبب" سقط من (أ) و(ف).
(٣) في (ر): "ظهور"، وفي (أ): "مبعث".
(٤) "بني النضير و" ليس في (ف).
[ ٣ / ٧٢ ]
لا نَرضى إلَّا بقتلِ رجلين منكم، فقالوا: نَتحاكَمُ إلى محمَّدٍ، فجاؤوا النبيَّ -ﷺ-، فقال: "دمُ النَّضيريِّ وفاءٌ للقُرَظِيِّ، ودمُ القرظيِّ وفاءٌ للنَّضيريِّ، ولا فضلَ (^١) بينهما"، فقال بنو النَّضير: لا نَرضى بهذا، فنزل قولُه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠]، ونزل قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تقديرُ الآية وتقريرُها على قول ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ البصريِّ والضَّحَّاك ومجاهد ﵃: فمَن أُعطي (^٣) على سهولةٍ، وأريدَ به وليُّ القتيلِ، يقال: خُذ ما أتاكَ عفوًا؛ أي: سهلًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: من جهةِ أخيه المقتول، وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ أي: شيءٌ مِن المال بطريق الصُّلح، ونَكَّرَهُ لأنَّه مجهولُ القَدْرِ، فإنَّه يَتقدَّرُ بما تَراضيا عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فله اتِّباع؛ أي: فلوليِّ القتيل اتِّباعُ المُصالح بمعروف؛ أي: مطالبةٌ ببدلِ الصُّلح على مجاملةٍ وحسن معاملة (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وعلى المُصالح أداءٌ إلى وليِّ القتيل بإحسانٍ في الأداء.
وقال جماعةٌ -وهو مرويٌّ عن عمرَ وابن مسعودٍ وابن عباس ﵃-:
_________________
(١) بعدها في (ف): "لدم".
(٢) روى الطبري نحوه في "تفسيره" (٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠) عن ابن جريج مرسلًا.
(٣) بعدها في (أ): "له".
(٤) روى أقوالهم عدا قول الضحاك الطبريُّ في "تفسيره" (٣/ ١٠٤ - ١٠٦).
(٥) من قوله: "وقوله تعالى: فاتباع" إلى هنا ليس في (أ).
[ ٣ / ٧٣ ]
الآيةُ في عفو بعضِ الأولياء (^١)، ويدلُّ عليه قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ فإنَّه يُرادُ به البعض، وتقديرُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ عنه، وهو القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ في الدِّين، وهو المقتول، ﴿شَيْءٌ﴾ مِن القصاص، بأن كان للقتيل أولياءُ، فعفا بعضُهم، فقد صار نصيبُ الباقين مالًا، وهو الدِّية على حِصصهم مِن الميراث.
وقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليتَّبع الذين لم يُعفوا القاتلَ بطلب حصصِهم بالمعروف؛ أي: بقدرِ حقوقِهم مِن غير زيادة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وليؤدِّ القاتلُ إلى غير العافي حقَّه وافيًا غير ناقص.
وأريد بالمصدر في قوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ (^٢)، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٣): الأمرُ بهذا الفعل، كما في قولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ أي: فليحرِّر رقبةً (^٤)، وقولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فالمنقولُ عن الصَّحابة والتَّابعين وعامَّةِ المفسِّرين -﵃ أجمعين- هذان الوجهان.
_________________
(١) روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٧٥٧٢)، والبيهقي في "الكبرى" (١٦٠٧٤) عن إبراهيم النخعي في رجلٍ قتل رجلًا متعمِّدًا، فعفا بعضُ الأولياء، فرُفِعَ ذلك إلى عمر، فقال لعبد اللَّه: قل فيها، فقال: أنت أحق أن تقول فيها يا أمير المؤمنين، فقال عبد اللَّه: إذا عفا بعض الأولياء، فلا قود يحطُّ عنه بحصَّة الذي عفا، ولهم بقية الدية، فقال عمر: ذلك الرأي، ووافقت ما في نفسي. وانظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٢/ ١١).
(٢) بعدها في (ر): "بالمعروف".
(٣) قوله: "بإحسان" ليس في (أ).
(٤) قوله: "أي فليحرر رقبة" من (أ).
[ ٣ / ٧٤ ]
والشَّافعيُّ -﵀- يَحمِلُهُ على العفو المطلق مِن وليِّ القتيل، ويجعلهُ موجِبًا للدِّيَة، ويقول: الواجب في القتل العمدِ أحدُ شيئين؛ إمَّا القصاصُ وإمَّا الدِّيةُ، ويتخيَّر فيهما (^١) الوليُّ (^٢).
وله قولٌ آخر أنَّ الواجبَ هو القصاصُ عينًا، وللوليِّ أن يعدل عنه إلى الدِّيةِ، ويَحمِلُ هذه الآية على موافقةِ مذهبه، ويقول: معناه: فمن عُفِيَ له، هو القاتل، عُفيَ عنه القصاصُ، فللعافي اتَّباعُ القاتلِ بالدِّية، وعلى القاتلِ أداءُ الدِّيةِ إليه بإحسان.
وهذا لا وجهَ له؛ لأنَّه قد استوفى كلَّ حقِّه، فكيف يكون عافيًا؟ ولو كان عافيًا (^٣) إذا ترك القصاص وأخذَ الدِّيةَ؟! كان كذلك إذا استوفى القصاصَ وتركَ الدِّية، وهذا بعيد.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: شَرعُ العفوِ، وشَرعُ الصُّلح على مالٍ: تخفيفٌ مِن اللَّه ورحمةٌ (^٤)؛ فإنَّه على مرادِ العبد ورضاه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفوُ لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ (^٥)، والعفوُ حسنٌ، والصُّلح جائزٌ، على حسب ما يراه العبدُ أنفعَ له، وأشفى لقلبه (^٦)، وأوفقَ لمراده.
_________________
(١) في (أ): "فيها".
(٢) انظر: "الأم" للشافعي (٧/ ٢٤).
(٣) قوله: "ولو كان عافيًا" من (أ).
(٤) من قوله: "أي شرع العفو" إلى هنا من (أ).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٤٩٨)، (٦٨٨١) عن ابن عباس ﵄ دون ذكر ما في شريعة عيسى ﵇.
(٦) في (ر): "لغليله".
[ ٣ / ٧٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: قتلَ قاتلَ وليِّه بعد العفوِ أو الصلح، وتعدَّى بذلك (^١) حدَّ الشرع.
وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو القصاصُ في الدُّنيا، والعقابُ في العُقْبى.
* * *
(١٧٩) - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: في شرعِه واستيفائه، فإنَّ مَن قصدَ قتلَ إنسانٍ، وعلم أنَّه يُقتَلُ به قصاصًا، امتنعَ عن قتلِه، فيبقى (^٢) المقصودُ بقتله حيًّا، وكذا مَن قتل إنسانًا، وعلِمَ أنَّ أولياءَه يقتلونه تَشفِّيًا، فيقتلُهم لئلَّا يقتلوه، فإذا قُتِلَ قصاصًا بقوا أحياءً، وهي حياةٌ معنويَّة.
وقوله تعالى: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقلاء، وهم المدركون وجوهَ الحكمة بالتَّفكُّر، فحضَّهم بذلك على التدبُّر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ له وجهان:
أحدهما: لتتَّقوا القصاصَ، فتكفُّوا عن القتل.
والثاني: لتتَّقوا القتلَ حذرًا مِن القصاص.
وروى أسباطُ عن السُّدِّيِّ قال في قوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، قال: نهانا أن نقتلَ إلَّا القاتلَ بجنايته (^٤)، معناه أنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يَقتلون
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بعد ذلك" بدل: "بذلك".
(٢) في (ر): "فبقي".
(٣) في (ر) و(ف): "التدين".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٢٣)، ونص قوله ثمة: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته.
[ ٣ / ٧٦ ]
بالواحد جماعةً، فإذا اقتصرَ بالقَوَد على الواحد، وهو القاتلُ؛ قلَّ القتلُ، وبقيَ مَن لم يُقتَل حيًّا.
* * *
(١٨٠) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ واتِّصالُ هذا بما قبلَه أنَّ الأوَّلَ حكمُ موتٍ مخصوص، وهذا حكمُ كلِّ موت.
وقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: قارب، كما يقال: قد بَلَغْنا البلدَ؛ أي: قاربناه.
وقيل: معناه: إذا حضرَ أحدَكم الموتُ؛ سبب الموت، وهو الأمرُ الذي يكون معه الموتُ في الغالبِ، من المرضِ المخوفِ ونحوه.
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: علمَ أنَّه يتركُ؛ فإنَّ حقيقةَ التَّركِ تكونُ بعد الموت، أو لأنَّه إذا مرِضَ مرضَ الموت، تعلَّقَ حقُّ الوَرَثة بماله، فكأنَّه (^١) تركَهُ لهم، وقولُه: ﴿خَيْرًا﴾ أي: مالًا، قال تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]؛ أي: المال.
ثم قيل: إنَّه يقعُ على القليل والكثير منه، وهذا الحكمُ ثابتٌ في أي مالٍ كان، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وقال الزُّهريُ: جعلَ اللَّه تعالى الوصيَّةَ حقًّا ممَّا قلَّ مِنه (^٢) أو كثُر (^٣).
_________________
(١) في (ف): "فكان".
(٢) في (ر): "من المال" بدل: "منه".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٨).
[ ٣ / ٧٧ ]
وقيل: معناه: إن تركَ مالًا كثيرًا، فإنَّه إذا أُطلِقَ أُريدَ به هذا، يقال: فلانٌ ذو مال، لا يُطلَق ذلك لمن له مالٌ قليل، وكذا يقال (^١): فلانٌ في نعمة، وفي خيرٍ، وفي رزقٍ، ولا يُطلق ذلك إلَّا عند الكثرة، وعلى هذا لا تجبُ الوصيَّةُ إلَّا في المال الكثير.
ورويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه دَخلَ على مولًى لهم في الموت، وله سبعُ مئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ فقال: لا، إنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وليس ذلك (^٢) كثيرَ مال (^٣).
وعن عائشةَ ﵂: أنَّ رجلًا قال لها: إنِّي أريدُ أن أوصي، قالت (^٤): كم مالك؟ قال: ثلاثةُ آلاف، قالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وإنَّ (^٥) هذا الشيءَ يسيرٌ، فاتركه لعيالِك فهو أفضل (^٦).
وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كُتِبَ عليكم الوصيَّةُ للوالدين والأقربين.
قيل: الأقربون: هم الأولادُ، وكانت الوصية للوالدين والمولودين قبلَ شرع المواريث، ثمَّ نُسِخَت هذه الوصيَّةُ بآية المواريث، وقال النبيُّ -ﷺ-: "لا وصيةَ لوارث" (^٧).
_________________
(١) "يقال" ليس في (ر) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "كل"، وفي "تفسير الطبري": "لك" بدل: "ذلك".
(٣) رواه عبد الرزأق في "تفسيره" (١٧٠)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٧).
(٤) بعدها في (ر): "له".
(٥) "إن" زيادة من (أ).
(٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٤٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٩٤٦).
(٧) رواه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. =
[ ٣ / ٧٨ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الأقربون أولى بالمعروف (^١) غيرُ الأولاد، فكانت المواريثُ أوَّلًا للأولاد، والوصيَّةُ للوالدينِ ولسائر الأقارب سوى الأولاد (^٢).
وقيل: هذه الآيةُ غيرُ منسوخةٍ، وهذه الوصيَّة للوالدين والأقربين الذين لا يَرثون بسببِ الكُفر، وهم أهلُ ذِمَّة فيوصي لهم، وللأقرباء المسلمين المحجوبين بأقربَ منهم.
وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما هو جميل في عُرفكم، كافٍ في اجتهادِكم.
وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كتبَ ذلك عليكم حقًا، أو يحقُّ ذلك عليكم حقًّا إن كنتم تتَّقون اللَّه؛ أي: مَن كان متَّقيًا للَّه، لم يترك العملَ بهذا.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ أي: بدَّلَ قولَ الموصي، أو الإيصاءَ، أو الوصيَّةَ، لكنَّها مع أنَّها مؤنَّثةٌ، فليست بمؤنثةٍ حقيقةً (^٣)، فيجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (^٤) [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: فمَن غيَّر ما أوصى به الموصي، فلم يَصرِفْهُ مصارفَه، فلا إثمَ على الموصي؛ لأنَّه أدَّى ما وجبَ عليه، وإنَّما يَأثمُ المُغيِّرُ.
_________________
(١) = ورواه أحمد (١٧٦٦٣)، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي في "المجتبى" (٣٦٤١)، (٣٦٤٢)، (٣٦٤٣)، وابن ماجه (٣٧١٢) عن عمرو بن خارجة ﵁.
(٢) قوله: "أولى بالمعروف" ليس في (أ).
(٣) قوله: "سوى الأولاد" من (أ). والأثر رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٠) بنحوه.
(٤) في (ف): "حقيقية".
(٥) بعدها في (ر): "فانتهى فله ما سلف".
(٦) بعدها في (أ): "من ربكم".
[ ٣ / ٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سمعَ كلامَ الموصي، وعلِمَ تبديلَ الوصِيِّ، وهو يُجازي كلَّ واحدٍ منهما بما يَستحقُّه.
* * *
(١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فمَن عَلِمَ، كما في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لأنَّه إذا عَلِمَ بذلك خافَهُ.
وقولُه ﴿جَنَفًا﴾؛ أي: ميلًا، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فعلًا يأثمُ به، فقيل: الجنَفُ: الميلُ مِن غير قصد، والإثمُ ما يقعُ منه على عمدٍ؛ لأنَّه إنَّما يأثمُ بالقصد، فعُلِمَ به أنَّه أرادَ بالجنف ما وقعَ به الميلُ عن الحقِّ مِن غير قصدٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ردَّ ذلك الفسادَ إلى الصَّلاح؛ أي: إذا جهلَ الموصي موضعَ الوصيَّةِ، أو زادَ على (^١) مقدار الوصيَّةِ، أو أوصى بما لا يَجوزُ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ الوارثُ، أو الوصيُّ، أو الإمامُ، أو القاضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الميت والوَرثةِ والموصَى له، فصرفَ المالَ إلى الموضعِ المشروع، ونفَّذ في القدر المشروع، فلا إثمَ عليه في هذا التَّبديل من حيث الصُّورةُ، وهذا إذا تيقَّن بالفساد (^٢)، فإن كان أمرًا (^٣) مظنونًا بغالبِ الرَّأي، فمعنى قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾
_________________
(١) بعدها في (أ): "ذلك".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "قال".
(٣) في (ف): "أمر".
[ ٣ / ٨٠ ]
[البقرة: ١٨٢]؛ أي: أجرى بين الوَرثةِ وأصحاب الوصايا صُلْحًا بتراضيهم.
وقيل: هذا في حال حياةِ الموصي؛ يعني: فمن حضرَ وصيَّتَهُ، فرآهُ يخالِفُ الشَّرعَ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ أي: نهاهُ عن ذلك، وحملَهُ على الصلاح، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا الموصِي بما قالَ أوَّلًا، ثمَّ تركَهُ وعادَ إلى الأمر المشروع.
وكلُّ ذلك صحيح، ويجوزُ أن يكون ذلك كلُّه مرادًا بالآية في مختلَفِ الأحوال (^١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: غفورٌ للموصي إذا رجعَ إلى (^٢) الحقِّ، رحيمٌ بالوَصيِّ إذا أصلحَ الأمرَ.
* * *
(١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ اتِّصالُه بما قبله من وجوه:
أحدها: أنَّه ذكرَ كتابةَ القِصاص، ثمَّ كتابةَ الوصيَّةِ، ثمَّ كتابةَ الصِّيام، والجامعُ بينهما الكتابة.
والثاني: أنَّ الجامعَ بينهما التَّقوى، قال في ذكر أصول الدِّين وفروعِه في آخر الآية: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال في القِصاص بعده: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال في الوصيَّة: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال في الصوم: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
والثالث: أنَّ الوصيَّةَ قربةٌ بالمال، والصِّيامَ عبادةٌ بالبدن.
_________________
(١) بعدها في (أ): "قوله تعالى".
(٢) لفظ: "إلى" من (ر).
[ ٣ / ٨١ ]
والرابع: أنَّ الوصيَّةَ حقُّ الخلقِ، والصَّومَ حقُّ الحقِّ.
وقولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: فُرِضَ عليكم، والصِّيامُ والصَّومُ في اللُّغة: هو الإمساك، يُقال: صامَت الدَّابَّةُ على آريِّها (^١)، إذا قامَت فلم تعتلِف، ومصامُ الفرسِ: موقفه، وقالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتًا، وصام النهارُ: إذا قام قائمُ الظَّهيرة، وذلك إذا صارتِ (^٢) الشَّمسُ في كبد السماء، فكأنَّها تقفُ، وصامَت الرِّيحُ إذا رَكَدَت، فلم تهب، قال الشاعر:
فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا (^٣)
وفي الشَّرع: هو الكفُّ عن المفطرات بشرطِه من أهله في وقته، والمرادُ مِن الصِّيام هاهنا هو صيامُ شهرِ رمضان، فإنَّه قال بعده: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ بعد قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: لم أخُصَّكُم به، فقد فرضتُه على الأوَّلين، وفيه تخفيفٌ (^٤) على الآخرين.
وتكلَّموا في وجه هذا التشبيه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قيل:
_________________
(١) يقال لمعلف الدابة: آري، وجعله الجوهري في "الصحاح" (مادة: أرا) مما يضعه الناس في غير موضعه، قال: وإنما الآريُّ: محبس الدابة.
(٢) في (ر): "قامت".
(٣) البيت لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" (ص: ٦٣). قال شارحه: الجسرة: الناقة النشيطة، وقيل: هي التي تجسر على الهول والسير، والذمول: التي تسير سير الذميل، وهو سير سريع. ومعنى صام النهار: قام واعتدل، وهجر من الهاجرة وشدة الحر.
(٤) في (ف): "تحقيق".
[ ٣ / ٨٢ ]
إنَّه تشبيهٌ في أصل الوجوب، لا في قدر الواجب، فكان (^١) الصَّومُ على آدمَ ﵇ أيَّام البيض، وقصَّته معروفةٌ (^٢)، وصومُ عاشوراء كان على قومِ موسى ﵇، وكان (^٣) على كلِّ أمَّةٍ صومٌ.
والتَّشبيهُ لا يقتضي التَّسويةَ مِن كلِّ وجهٍ، قال النبي -ﷺ-: "إنَّكم سترونَ ربَّكم كما ترون القمرَ ليلةَ البدر" (^٤)، هذا تشبيهُ الرُّؤية بالرُّؤية، لا تشبيهُ المرئيِّ بالمرئيِّ، ويقال في الدُّعاء: "صلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (^٥)، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (^٦) [البقرة: ٢٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^٧) [آل عمران: ٥٩].
وقيل: هذا التشبيهُ في الأصلِ والقَدْرِ والوقتِ جميعًا، وكان على الأوَّلين صومُ رمضان، لكنَّهم زادوا في العَدد، ونَقلوا مِن أيَّام الحرِّ إلى أيَّام الاعتدالِ.
_________________
(١) في (أ): "وكان".
(٢) خبر آدم ﵇ أورده الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٦٢) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁، وهو إسناد تالف؛ عبد الملك بن هارون ضعيف كما قال الدارقطني، وقال عنه يحيى: كذاب، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث. انظر "ميزان الاعتدال" للذهبي (٢/ ٥٨٠).
(٣) في (ف): "فكان".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٥٥٤)، ومسلم في "صحيحه" (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁.
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٣٣٦٩)، ومسلم في "صحيحه" (٤٠٧) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٦) بعدها في (ر): "أو أشد ذكرًا".
(٧) بعدها في (أ): "خلقه من تراب".
[ ٣ / ٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ كلمة "لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ؛ أي: أرجو به أنْ يَصيروا متَّقِين بالشُّروع في الصَّوم، وفيه تجويعُ النَّفسِ عن الطَّعامِ والشَّراب، وفيه كسرُ الشَّهوات، فتَنالوا به درجاتِ المتَّقين، وتَستحقُّوا به ثَنائي الذي أثنيتُ به عليهِم، وجَعلتُ هذا الكتابَ هدًى لهم، فقلتُ في أوَّلِ هذه السُّورة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ٢].
* * *
(١٨٤) - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ نصبُه لوجوهٍ:
أحدُها: كُتب عليكم الصيام أيَّامًا، على الظَّرف.
والثاني: كما كُتِبَ على الذين من قبلِكم أيَّامًا، على الظَّرف أيضًا.
والثالث: لعلَّكم تتَّقون أيَّامًا، على الظَّرف أيضًا.
وقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ نصب؛ لأنَّه نعتٌ للأيَّام، وكُسِرَ لأنَّه تاءٌ غيرُ أصليَّةٍ، وهذا للجمع، بخلاف قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، ووصفها بالمعدودات للتَّقليل، وهو للتَّسهيل.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي (^١): فرضُ الصَّومِ في هذه الأيَّامِ إنَّما يَلزمُ الأصحَّاءَ المقيمين؛ فأمَّا المريضُ والمسافرُ، فلهما تأخيرُ الصَّوم عن هذه الأيَّام إلى أيَّام أُخَر، ثمَّ فيه مضمَرٌ، وتقديره: فأفطرَ، فعليه صومُ عدَّةٍ من أيَّامٍ أُخَر.
_________________
(١) "أي" زيادة من (أ).
[ ٣ / ٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في قراءة نافعٍ وأبي جعفر وابنِ ذكوان عن ابن عامر: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الإضافةِ والجمع، وفي قراءة الباقين: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بالتنوينِ على الواحد، وروى هشامٌ عن ابنِ عامر (^١): ﴿فِدْيَةٌ﴾ بالتنوين ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الجمع (^٢).
فوجهُ الإضافةِ أنَّ الفديةَ مصدر، كالرِّعيةِ والجِرْيَةِ، ومعناهُ إعطاءُ طعامِ مساكين (^٣)، ووجهُ التَّنوين أنَّ الفديةَ اسمٌ، ومعناهُ: فعليه فدية، ثمَّ قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٤) بدلٌ عنها، وبيانٌ لقدرها، أو معناه: فعليه فديةٌ، وهي طعامُ مسكين.
والفديةُ: البدلُ القائمُ مقامَ الشيءِ؛ لغةً وشرعًا، وإفرادُ المسكين لكلِّ يوم، وجمعُ المساكين لكلِّ الأيام، والفديةُ مقدَّرةٌ بنصف صاعٍ مِن الحنطةِ (^٥) عندنا، وبمدٍّ مِن الطَّعامِ عند الشَّافعيِّ ﵀.
ومعنى الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يَقدِرون على الصَّوم؛ أي: (^٦) بأن لا يكونوا مرضى أو مسافرين أن يفدوا عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكين، فلا يصوموا (^٧)، وكان هذا في الابتداء، كان المطيقُ مخيَّرًا بين أن يصومَ وبين أن يفديَ ولا يصوم، ثمَّ نُسِخَ بما بعده من الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
_________________
(١) نص العبارة في (أ): "وفي قراءة نافع: "فدية طعام" على الإضافة، وفي قراءة الباقين: "فدية" بالتنوين، وفي قراءة نافع: "مساكين" بالجمع وفي قراءة الباقين طعام مسكين على الواحد، وعن ابن عامر".
(٢) انظر "السبعة" (ص: ١٧٦)، و"التيسحر" (ص: ٧٩)، و"النشر" (٢/ ٢٢٦).
(٣) في (أ): "مسكين".
(٤) في (ر) و(ف): "مساكين".
(٥) في (أ): "حنطة".
(٦) لفظ: "أي" ليس في (أ).
(٧) في (أ) و(ر): "يصومون".
[ ٣ / ٨٥ ]
وقيل: تقديرُه: وعلى الذين يَقدِرون على الصَّوم فلا يصومون، وهذا مضمرٌ كما في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أضمر قوله: فأفطرَ (^١).
وفي قراءة عبد اللَّه بن عباس ﵄: (وعلى الذين يُطَوَّقونه) (^٢)؛ أي: يكلَّفونه فلا يطيقونه، وفي قراءة حفصة: (وعلى الذين لا يطيقونه) (^٣).
وقيل: هو الشيخُ الفاني، فعلى هذا لا يكون هذا منسوخًا؛ فإنَّه حكمٌ ثابتٌ مجمعٌ (^٤) عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قيل: أي: تبرَّعَ فأطعمَ أكثرَ مِن مسكين، فهو أفضل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الصومُ أفضلُ مِن الفديةِ والإفطار، وكان هذا في الابتداء.
وقيل: وأنْ تَصوموا في السَّفر والمرض خيرٌ لكم؛ لأنَّه أشقُّ عليكم، ولأنَّه أبعدُ مِن خطرِ الفوتِ، ولأنَّه أعجل.
وقيل: الصَّومُ أفضلُ من التَّطوُّع بإعطاءِ فدية أكثر مِن مسكين، فهي (^٥) ثلاثُ درجات؛ خيَّرهم أوَّلًا بين أن يصوموا وبين أن يَفدوا مسكينًا واحدًا، ثمَّ بيَّن أنَّ
_________________
(١) في (ر): "قوله فأفطر"، وفي (ف): "أي إذا أفطر" بدل: "أضمر قوله فأفطر".
(٢) رواها البخاري في "صحيحه" (٤٥٠٥)، وذكرها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ١٩) عن ابن عباس وجماعة، وفصل أسماءهم ابن جني في "المحتسب" (١/ ١١٨).
(٣) ذكرها النسفي في تفسيره "مدارك التنزيل" (١/ ١٥٩).
(٤) في (ر) و(ف): "مجموع".
(٥) بعدها في (ر): "على".
[ ٣ / ٨٦ ]
إطعامَ (^١) أكثر من مسكين أفضلُ من إطعام مسكينٍ واحد، ثمَّ بيَّن أنَّ الصومَ أفضلُ من إطعام أكثر من مسكين.
وقيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ عطف -أي: متَّصِل معناه، والحالُ أنَّ الصَّومَ (^٢) خيرٌ لكم (^٣) - على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: وفي الصَّوم خيرٌ لكم، وليس للتفضيل، بل معناه: وفيه خيراتٌ لكم ومنافعُ دينًا ودنيا.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: الصوم خيرٌ (^٤) من الفداء إن كنتم تعلمون أنَّه (^٥) أشقُّ عليكم، أو الصَّومُ في السَّفر خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون أنَّه أشقُّ عليكم (^٦).
وقيل: إن كنتم تعلمون غاية (^٧) ثوابِ الصَّوم.
وقيل: أي: إن كنتم علماءَ مميِّزينَ، وتدبرتم؛ أي: علمتُم ما في الصَّوم مِن معنى التَّقوى والكرامات في الدُّنيا والعُقبى.
* * *
(١٨٥) - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "طعام".
(٢) في (ف): "تصوموا" وفي هامشها: "نسخة: والحال أن الصوم خير لكم".
(٣) من قوله: "أي متصل معناه" إلى هنا ليس في (أ).
(٤) بعدها في (أ): "لكم".
(٥) في (ر) و(ف): "وأنه".
(٦) من قوله: "أو الصوم في السفر" إلى هنا ليس في (أ).
(٧) في (أ): "نهاية".
[ ٣ / ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أي: الأيَّامُ المعدوداتُ شهرُ رمضان.
وقيل: هو مبتدأ، وجوابه -أي: خبره (^١) -: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وقيل: لمَّا تطاولَ ما بين الأيَّام المعدوداتِ وبينَ الشهر، ارتفعَ الشَّهرُ على إضمار: "تلك"؛ أي: تلك الأيَّامُ شهرُ رمضان.
وقيل: معناه: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضان أنْ تَصوموه، و﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إضافةُ الشيء إلى نفسه، كـ: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩].
وقيل: هو إضافةُ اسم الجنس إلى النوع، كـ: يوم الجمعة.
وقيل: رمضانُ اسمُ اللَّه ﷻ، والشهرُ مضافٌ إليه، ولذلك روي: "لا تقولوا: جاء رمضان، وذهب رمضان، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان، فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماء اللَّه تعالى" (^٢).
_________________
(١) قوله: "أي خبره" ليس في (أ).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣١٠) (١٦٤٨)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٣١٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٠٤)، وفيه أبو معشر، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني، إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث. انتهى. وقال البيهقي بعد أن ذكر شيئًا مما قيل في أبي معشر: وقد قيل: عن أبي معشر عن محمد بن كعب من قوله. وهو أشبه. وقال ابن الجوزي في "الموضوعات": (٢/ ٥٤٥): هذا حديث موضوع لا أصل له. . .، ولم يذكر أحد في أسماء اللَّه تعالى رمضان، ولا يجوز أن يسمى به إجماعًا. وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٧/ ١٨٧): مذهب البخاري والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب. انتهى.
[ ٣ / ٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قيل: معناه: أُنْزِل في بيان فضلِه أو فَرْضِ صومِهِ شيءٌ مِن القرآن.
وقيل: أنزل كلُّ القرآن في رمضان.
ووجهٌ آخر (^١): ما رويَ أنَّ القرآنَ أُنْزِلَ جملةً واحدةً إلى السَّماء الدُّنيا في ليلةِ القدر، وليلةُ القَدر في شهر رمضان، ثمَّ أُنزِل نجومًا على النبيِّ -ﷺ- في ثلاثٍ وعشرين سنة (^٢).
وصحَّت إضافةُ الإنزالِ إلى الشَّهر لما أنَّ الليلةَ في الشَّهر، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، والنَّفخُ كان في عيسى، لكنَّ عيسى كان في بطنِها، فصحَّت إضافةُ نفخ الرُّوح إليها لذلك.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (^٣) نُصِبَ لأنَّه خبرُ ما لم يسمَّ فاعلُه، وهو قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (^٤)، ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ (^٥) عطفٌ عليه، وهو في محلِّ النَّصب،
_________________
(١) في (أ): "ووجهه" بدل: "ووجه آخر".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٩١) عن ابن عباس ﵄، وروي عن غيره أيضًا.
(٣) بعدها في (ف) و(ر): "نصب على الحال؛ أي: أنزل وهو هداية الناس"، وزاد في أولها في (ف): "وبينات".
(٤) من قوله: "خبر ما لم يسم وهو قوله أنزل فيه القرآن" وقع مكانه في (ر): "خير من كل شهر، ثم نسخ ذلك بصوم رمضان على اختيار الإفطار بالفداء، ثم حتم عليهم صوم رمضان بالليل والنهار، فكانوا لا يأكلون ولا يشربون ولا يباشرون إلا عند الإفطار وقبل العشاء وقبل النوم، ثم وقع لبعضهم أكل وشرب ومباشرة بعد العشاء، فندموا وسألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن تدارك ذلك، ثم نزلت هذه الآية، وقوله تعالى" وهي مقحمة هنا، وستأتي قريبًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي. . .﴾.
(٥) في (أ): "قوله تعالى وبينات".
[ ٣ / ٨٩ ]
ومعنى وصفِ القرآن بأنَّه هدًى (^١) وبينات؛ أنَّ الهدى البيانُ والبيِّناتِ الدَّلائلُ.
وقيل: ﴿هُدًى﴾؛ أي: هاديًا إلى أصول الإيمان، ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: شرائعَ بيِّنةً ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؛ أي: مِن الدِّينِ الحقِّ، والفرق بين الحقِّ والباطل، فجاءَ يَهدي الحقَّ، ويُفرِّقُ بين الحقِّ والباطل (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: مَن حضرَ منكم، وأدركَ هذا الشَّهرَ، وهو شهر رمضان، والألفُ واللام لتعريف المعهود.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ هو (^٣) أمر حتمٍ، وانتسخ به التَّخييرُ بين الصَّومِ والفداء (^٤) والإفطار.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وفي إعادةِ هذا بعد ذِكرِه مرَّةً وجهان:
أحدهما: أن الأوَّل كان لتخييرِ الصَّحيح المقيمِ بين الصِّيام وبين الفِداء والإفطار، ولتخيير المريضِ والمسافر بين القضاءِ وبين الفداء؛ إذا صحَّ هذا، وأقام هذا، وهذا حتمٌ للصِّيام في الشَّهر للصَّحيحِ المقيم، وحتمٌ للقضاءِ إذا صحَّ المريضُ وأقامَ المسافر.
وقيل: إنَّ الأوَّلَ اشتمل على حُكمِ الصَّحيحِ المُقيم، وعلى حكم المسافر
_________________
(١) بعدها في (ر): "للناس".
(٢) قوله: "فجاء يهدي الحق ويفرق بين الحق والباطل" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "هذا".
(٤) في (أ): "وبين الفداء".
[ ٣ / ٩٠ ]
والمريض، ثمَّ نُسِخَ حكمُ الصَّحيح المقيم إلى الحتم بعدَ التخيير، فأُعيدَ حكمُ رخصةِ الإفطارِ في المرَض والأسفار؛ ليُعلم أنَّه باقٍ غيرُ منسوخ.
ثمَّ قوله تعالى: ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قديره: مريضًا أو مسافرًا، وهو كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]؛ أي: دعانا مضطجعًا على جنبه، أو قاعدًا، أو قائمًا.
وقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إطلاقهُ يقتضي التخييرَ بين الجمع والتَّفريق، فوجبَ القولُ بإطلاقِه، ولم يَجُز تَقييده بالتَّتابع بخبر الواحد؛ لأنَّ النصَّ لا يُترَكُ به.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: في (^١) التَّرخيص في الإفطار في الأمراض والأسفار (^٢).
وقيل: أي: يريدُ يُسْرَكم في نقلِكم مِن شرعٍ إلى شرع، وإن كان الثَّاني أشقَّ عليكم طبعًا، فإنَّ الحكمَ الأوَّلَ في هذا كان هو التَّخيير، ثمَّ الحتم، وهذا أشقُّ، لكنَّه تيسيرٌ أيضًا معنًى، وهو الوصول إلى النعيم المقيم، ولذلك سمَّى اللَّهُ ﷿ أعمالَ الخير يُسرًا، فقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، وأعمالَ الشَّرِّ عسرًا، فقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]، ولا يُسرَ كدخول الجنَّةِ، ولا عسرَ كدُخول النَّار.
قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قيل: الواوُ زائدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: ٧١].
_________________
(١) قوله: "أي في" من (أ).
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢١٨) عن ابن عباس ﵄ نحوَه، ونصه ثمة: اليسر: الإفطار في السفر، والعسر: الصيام في السفر.
[ ٣ / ٩١ ]
وقيل -وهو الصحيح-: تقديرُه: يريدُ اللَّهُ بكم اليُسر، ولا يريدُ بكم العُسر (^١)، ويريدُ أن تكملوا العدَّةَ، واللامُ و"أن" في المعنى سواءٌ في هذا.
وقيل: أرادَ به إكمالَ عدَّةِ القضاء فيما (^٢) أفطرَ في المرض والسَّفر. وقيل: السَّفرُ (^٣) هو المذكورُ قبلَهُ نكرةً، وأُعيدَ معرفةً.
وقيل: أريدَ به عدَّة الأداء، فقد ذَكرَ قبلَه أيامًا معدودات، والشَّهرُ عِدَّته (^٤)، وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "فإن غمَّ عليكم الهلالُ فأكملوا العدَّة" (^٥)، سَمَّى عددَ الشَّهرِ بهذا.
ويجوزُ أن يكونا جميعًا مرادَين، فقد ذُكِرَا جميعًا قبلَه.
قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لتُعظِّموهُ بطاعتِهِ على ما هداكُم لأحكام شريعته.
وقيل: أي: ولتكبِّروا يومَ العيدِ التَّكبيرات الواردة فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولتشكروا اللَّهَ على ما أنعمَ عليكم من النِّعمِ الدِّينيَّةِ والدنيويَّة؛ باللِّسانِ والقلبِ والبدن والمال.
وقيل: أي: ولتَفعلوا ما أمرَكُم به، فإنَّه شكرٌ للَّه تعالى، وهذا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فجعلَ العملَ شكرًا له، وكلُّ العباداتِ مشروعةٌ بطريقِ الشُّكر.
* * *
_________________
(١) قوله: "ولا يريد بكم العسر" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "ما".
(٣) قوله: "قيل السفر" ليس في (أ).
(٤) في (ر): "عدة".
(٥) رواه البخاري (١٩٠٧)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٣ / ٩٢ ]
(١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ انتظامُ هذه الآية بما قبلَها (^١) أنَّ اللَّه تعالى فرضَ على هذه الأمَّة أوَّلًا صومَ يوم عاشوراء (^٢)، ثمَّ نُسِخَ فرضُه بصيام أيَّام البيض من كلِّ شهرٍ (^٣)، ثمَّ نُسِخَ ذلك بصومِ رمضان على اختيارِ الإفطارِ بالفِداء، ثمَّ تحتَّم عليهم صومُ رمضان باللَّيلِ والنَّهار، فكانوا لا يأكلون ولا يشربون ولا يباشرون، إلَّا عند الإفطارِ وقبل العِشاء وقبل النَّوم، ثمَّ وقعَ لبعضِهم أكلٌ وشربٌ ومباشرةٌ بعد العِشاء، فنَدموا، وسألوا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن تداركِ ذلك، فنزلت هذه الآية (^٤).
قوله (^٥) تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ أي: يا محمد (^٦)، وقوله: ﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نفسِه، وقوله تعالى: ﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومُعاملتي معهم إذا دعوني، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: فقل، كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه
_________________
(١) في (ف): "هذا بما قبله" بدل: "هذه الآية بما قبلها".
(٢) خبر صيام عاشوراء قبل رمضان رواه البخاري (٢٠٠١)، ومسلم (١١٢٥) من حديث عائشة ﵂، وروي عن غيرها أيضًا.
(٣) روى أبو داود في "سننه" (٥٠٦) عن ابن أبي ليلى عن أصحابه (هم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-) أن رسول اللَّه -ﷺ- لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام، ثم أنزل رمضان.
(٤) من قوله: "قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني" إلى هنا ليس في (ر)، وذكر فيها قبل عند تفسير قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وقد نبهت عليه ثمة.
(٥) في (أ): "وهو قوله".
(٦) في (أ): "أي سألك" بدل: "وإذا سألك أي" زيادة من (أ).
[ ٣ / ٩٣ ]
تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، وأرادَ به قربَ الإجابة والرَّحمة؛ فإنَّه تعالى يتعالى (^١) عن قربِ المكان، فإنَّه كان ولا مكان، وهو اليوم على ما كان.
وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ كان سؤالُهم عن معاملةِ اللَّه تعالى إيَّاهم إذ (^٢) ندموا على ما فعلوا، ودعَوا اللَّهَ تعالى بقَبولِ التَّوبةِ ومحوِ الحَوْبة، فعمَّ في الجواب أنَّه يجيبُهم فيما دعَوا، ويجيبُ كلَّ داعٍ فيما دعا.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: أنا أجيبُهم فيما دعَوني، فعليهم أن يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالأمر والنَّهي.
ثمَّ إجابةُ الدُّعاء وعدُ صدقٍ مِن اللَّه تعالى لا خُلْفَ فيه، ومَن دعا بحاجةٍ فلم تقض للحال، فذلك لوجوه:
منها: أنَّ الإجابةَ حاصلةٌ لا محالة، فإنَّ إجابةَ الدَّعوة غيرٌ (^٣)، وقضاءَ الحاجة غيرٌ؛ إجابةُ الدَّعوة: أن يقولَ العبدُ: يا رب، فيقولَ اللَّهُ تعالى له: لبَّيك عبدي، وهذا موعودٌ موجودٌ لكلِّ موحِّدٍ راشدٍ، وقضاء الحاجة: إعطاءُ المُراد، وإيصال المرتاد، وذاك قد يكون للحال، وقد يكونُ بعد مدَّةٍ، وقد يكونُ في الآخرة، وقد تكون الخِيَرةُ له في غيرِه.
ومنها: أن الإجابةَ ليست بجهةٍ واحدةٍ، بل لها جهاتٌ، فقد روى أبو سعيدٍ الخُدريُّ ﵁، عن رسول اللَّه -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ دعوةَ المسلِم لا تُرَدُّ إلَّا
_________________
(١) في (أ): "متعال".
(٢) في (أ) و(ر): "إذا".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "قضاء الحاجة".
[ ٣ / ٩٤ ]
لإحدى ثلاثٍ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحم (^١)؛ إمَّا أن يُعَجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أن يُدَّخَرَ له (^٢) في الآخرة، وإمَّا أنْ يُصرَفَ عنه من السُّوء بقدرِ ما دعا" (^٣).
ومنها: أنَّ الإجابةَ وإن كانت مُطلَقة في هذه الآية، فقد قال تعالى في آية أُخرى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، علَّقها (^٤) بالمشيئة.
ومنها: أنه شَرَطَ لهذه الإجابةِ إجابةَ العبدِ إيَّاه فيما دعاهُ إليه بقوله (^٥) تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ فإذا أخلَّ بهذه الإجابة، فاتتهُ تلك الإجابة.
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ قيل: أي: فليَستجيبوا لي في الظَّاهر، وليؤمنوا بي في الباطن.
وقيل: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ عملًا، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ عقدًا.
وقيل (^٦): أي فليدوموا على إجابتي و(^٧) الإيمان بي، والاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ، كالاستنابة والإنابة، والإيقان والاستيقان، وقد قال الشاعر:
وداعٍ دعا يا من يُجيبُ إلى النَّدى فلم يَستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (^٨)
_________________
(١) بعدها في (أ): "أو يستعجل".
(٢) لفظ: "له" من (ف).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٨٨٢)، والطبراني في "الدعاء" (٣٧). ورواه بألفاظ قريبة ابن أبي شيبة (٢٩١٧٠)، وأحمد في "المسند" (١١٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (١٨١٦).
(٤) في (ر): "علق الإجابة" بدل: "علقها".
(٥) في (ف): "لقوله".
(٦) في (ف): "قوله تعالى ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ " بدل: "وقيل".
(٧) قوله: "إجابتي و" ليس في (ف).
(٨) البيت لكعب بن سعد الغنوي، كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٦٧)، و"الأصمعيات" =
[ ٣ / ٩٥ ]
جمع بين اللُّغتين.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: ليبقوا على الرُّشد، وهو الاهتداء، وقد رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدًا ورَشَادًا، فهو راشدٌ، من باب: دخَل، بضمِّ راء المصدر في الرُّشد، ورَشِدَ يرشَدُ رَشَدًا، فهو رشيدٌ، من حد، عَلِمَ، بفتح الرَّاء والشِّينِ مِن المصدر.
وقيل: معنى الدُّعاء في هذه الآية هو العبادة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
ومعنى الإجابةِ مِن اللَّه تعالى: هو القَبول، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦].
ومعنى الاستجابة من العِباد: هو الانقيادُ لأمرِه، والعملُ بطاعتِه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (^١) [الأنفال: ٢٤].
ومعنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: أنَّهم إذا فعلوا هذا اهتدوا لمصالحِ دينِهم ودُنياهم؛ لأنَّ هذا وصفُ الشرائع (^٢).
* * *
(١٨٧) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا
_________________
(١) = (ص: ٩٦)، وهو دون نسبة في "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٥٣)، و"تفسير الطبري" (١/ ٣٣٥).
(٢) "إذا دعاكم" سقط من (أ).
(٣) في (أ): "للشرائع".
[ ٣ / ٩٦ ]
الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثمَّ أزال عنهم ما به كان يَقعُ الزَّللُ منهم، فقال: حُلِّلَ لكم ما كان حرامًا عليكم.
وقوله: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (^١) نصب على الظَّرف؛ أي: في ليلة الصِّيام، وهي الليلةُ التي يُصبِحُ الرَّجلُ في غداتِها صائمًا.
وقوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاءُ إليهنَّ لقضاءِ بحاجاتهم (^٢) منهنَّ؛ مِن الجماع وغيره.
والرَّفثُ في أصل اللُّغة: هو قولُ الفُحش، وقد رَفَث من باب: دخل، وأَرْفَثَ يُرْفِثُ؛ أي: جاء بالرَّفث، ثمَّ جُعِل ذلك اسمًا لما يُتكلَّمُ به عند النِّساء مِن معاني الإفضاءِ إليهنَّ، ثمَّ جُعِلَ كنايةً عن الجِماع وعن كلِّ ما يَتبعُهُ.
وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄؛ أي: هنَّ سكنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهنَّ (^٣)، وهذا كقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]، وقولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.
وقيل: معناه: هنَّ سِتْرٌ لكم، وأنتم سِتْرٌ لهن؛ أي: عن الحرامِ في الدُّنيا، والنَّار في الآخرة إذا تعفَّفا بذلك.
_________________
(١) بعدها في (أ): "الرفث".
(٢) في (أ): "بحاجاتكم"، وفي (ر): "لقضاء حاجاتهم" بدل: "بحاجاتهم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣١٦) (١٦٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٨٧).
[ ٣ / ٩٧ ]
وقال الإمام أبو بكرٍ القفَّال: عني به خصوصيَّةُ الاختلاطِ، وسكونُ كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه، واجتماعَهما في الثَّوبِ الواحدِ، حتَّى يكونَ كلُّ واحدٍ منهما للآخرِ في التَّضامِّ كاللِّباس، وعلى هذا المعنى يقال لامرأةِ الرَّجل: فراشه وإزاره، وقال النابغةُ الجَعْديُّ:
لبِستُ أناسًا فأفنيتُهم وأفنيتُ بعد أناسٍ أُناسَا
وقال أيضًا (^١) في هذه القصيدة:
إذا ما الضجيعُ ثنى جِيدَها تَداعَتْ فكانت عليه لِباسَا (^٢)
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كان اللَّهُ تعالى عَلِم في الأزل أنَّكم تكونون خائنين أنفسَكم في مباشرة النساءِ في ليالي الصَّوم، والخيانةُ ضدُّ الأمانة، وقد ائتمنَ اللَّهُ تعالى العبادَ على ما أمرَهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوهُ في السِّرِّ، فقد خانوه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧].
وقد رويَ أنَّه وقع ذلك لعمر ﵁، وقال له النبيُّ -ﷺ- غداة إذٍ: "ما كانت جديرًا لهذا يا عمر"، ونزلت الآية في شأنه (^٣)، وصارت زلَّتُه سببًا للرَّحمةِ في حقِّ (^٤) جميع الأمَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قَبِلَ توبتكُم فيما وقعَ لكم مِن ذلك.
_________________
(١) لفظ: "أيضًا" من (ف).
(٢) انظر: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، و"ديوان النابغة الجعدي" (ص: ٩٨ - ١٠٠)، وعجز الأخير فيهما: تثنت عليه فكانت لباسا.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٣٧)، وانظر "تفسير الثعلبي" (٢/ ٧٦).
(٤) لفظ: "حق" من (أ).
[ ٣ / ٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: محا أثرَ ذلك عنكم بالتَّجاوزِ.
وقيل: ليس (^١) هذا بإثباتِ الخيانة منهم على التَّحقيق، وقَبول توبتِهم، وعفوِ ذلك عنهم بعد الوقوع، لكنَّ معناه أنَّ اللَّه تعالى كان عَلِمَ أنَّه يَقعُ ذلك منكم لو بقيَ الحكمُ كذلك، فتابَ عليكم؛ أي: فرجع عليكم برحمته، والتَّوبةُ: هي الرجوع؛ لغةً، فأزالَ ذلك عنكم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: أسقطَ عنكم ذلك، وهو كقوله -ﷺ-: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (^٢)، وليس ذلك تجاوزًا عن ذنب، وقال تعالى في التوبة: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وكان ذلك إسقاطًا من غير تقدُّم (^٣) ذنب.
وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ "آن" أصلُه: فَعَل، بمعنى كان، ثمَّ جُعِل اسمًا للزَّمان الحاضر، وعُرِّفَ بالألف واللام، وبقيَ (^٤) على الفتحة.
وقوله ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهنَّ، وأصلُ المباشرةِ: إلزاقُ البَشَرةِ بالبشَرة، ثمَّ يسمَّى الجماعُ مباشرةً على الكناية، وجميعُ ما يَتبعُه يَدخلُ فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: واطلبوا، يقال: بَغى بُغاء؛ بضم الباءِ والمدِّ (^٥)؛ أي: طلب، وابتغى ابتغاءً كذلك، والبغيةُ (^٦): الطَّلِبةُ.
_________________
(١) لفظ: "ليس" من (أ).
(٢) رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي في "الكبرى" (٢٢٦٨)، وابن ماجه (١٧٩٠)، (١٨١٣) من حديث علي ﵁.
(٣) في (ر): "عن غير تقدم"، وفي (ف): "عن تقدم".
(٤) في (ر): "وبني".
(٥) في (أ): "وبالمد".
(٦) بضم الباء وكسرها. انظر: "الصحاح": (بغى).
[ ٣ / ٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقال: أصل ﴿كَتَبَ﴾ هو ما كتبَ اللَّه تعالى في اللَّوح المحفوظ ممَّا هو كائن، ثمَّ يتفرَّعُ منه معانٍ تَرجعُ إلى هذا الأصل:
فمنها: القَضاءُ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ الآية [التوبة: ٥١]؛ لأنَّه ممَّا فُرِغَ منه حين كتب.
ومنها: الفَرْضُ، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ لأنَّ ما فُرِضَ (^١) فقد أُبرِم وفُرخَ منه، ولا سبيلَ إلى ردِّه.
ومنها: الجَعْلُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ لأنَّ ما جُعِلَ على وجهٍ، فقد أُبرِم وفرغ منه.
ومنها: الإحلالُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلَّ لكم؛ لأنَّ ما أُحِلَّ فقد أُبْرِم على ما فيه الصَّلاحُ للعباد، وفُرغ منه.
ويجوزُ حمْلُ ما في هذه الآية على هذا الوجه (^٢)، واطلبوا بالمباشرة (^٣) ما أحلَّ اللَّهُ لكم، ولا تتعدَّوا إلى غيره من الإتيان في الدُّبر، وفي حالة الحيض.
وقيل: أي: واقتصروا على أزواجِكم وما ملكتْ إيمانُكم، ولا تَبتغوا (^٤) غيرَهنَّ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧].
وقيل: وابتغوا بذلك الولد، قال النبيُّ -ﷺ-: "تناكحوا تكثُروا؛ فإنِّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (^٥).
_________________
(١) في (ر): "كتب".
(٢) في (أ): "هذه الوجوه"، وفي (ف): "هذا الوجوه".
(٣) في (ر): "المباشرة" وفي (ف): "مباشرة".
(٤) في (ر) و(ف): "تبغوا".
(٥) أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" من حديث ابن عمر ﵄ كما في "المغني عن حمل =
[ ٣ / ١٠٠ ]
وعلى هذا يكونُ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلَّ لكم مِن طلبِ الولدِ، وجعلَ لكم ذلك، وقَضى به لكم، وفرضَ عليكم مِن الاقتصارِ على الحلال.
ورأى الحسنُ بنُ أبي الحسن (^١) البصريُّ قاصًّا يَقُصُّ ويقول: قال النبيُّ -ﷺ-: "ولدُ الرَّجلِ عدوُّه، لو عاشَ كدَّهُ، ولو ماتَ هدَّه" فقال: تعلو منابرَ المسلمين، وتَكذبُ على رسول ربِّ العالمين؟! (^٢) سمعتُ فلانًا يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول -ﷺ-: "ولدُ الرَّجل كنزُهُ، إنْ عاشَ دعا له، وإن ماتَ شَفَعَ له" (^٣).
وقيل: هو طلبُ ثوابِ قيامِ بعض الليل؛ ندبَهُم إلى قيام بعضِ (^٤) اللَّيل بعدَ طلب حظِّ النفس.
وقيل: هو طلبُ ليلة القدر؛ فإنَّها في شهر رمضان، وهو ندبٌ إلى إحياءِ بعض اللَّيل لرجاء ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هو إباحةُ الأكل والشُّرب، وكذا قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أمرُ إباحةٍ أيضًا بعد ما كان حرامًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ هو بيان الغايةِ، ومعناه: حتَّى يَظهرَ
_________________
(١) = الأسفار" للعراقي (٢/ ٢٢)، قال العراقي: إسناده ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٣٩١) من حديث سعيد بن أبي هلال مرسلًا. وأخرج أبو داود في "سننه" (٢٠٥٠) نحوه من حديث معقل بن يسار بلفظ: "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم".
(٢) "ابن أبي الحسن" ليس في (أ).
(٣) بعدها في (ف): "قال".
(٤) لم أقف عليه.
(٥) بعدها في (أ): "طول".
[ ٣ / ١٠١ ]
لكم بياضُ النَّهار مِن سوادِ اللَّيل، وسُمِّي خيطًا؛ لأنَّه أوَّل ما يَظهرُ يكون دقيقًا كالخيط، ثمَّ ينتشر، وأنشدوا لأبي دؤاد:
فلما (^١) أضاءَتْ لنا سُدْفَةٌ ولاحَ مِن الصُّبْحِ خيطٌ أنَارَا (^٢)
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ هو مقابلةُ الخيطِ الأبيض، وذاك دقيقٌ، وهذا ليس في دقَّتِه (^٣)، لكن يجوزُ إطلاقُه عند المقابلة.
وقيل: الخيطُ الأبيضُ: ابتداءُ ظهورِ النَّهار، والخيطُ الأسودُ: بقيَّةُ سوادِ اللَّيل، وكان (^٤) كلُّ واحدٍ منهما يرجع إلى القِلَّةِ؛ ذاك قَلَّ ما بقيَ مِن مُدَّتِه، وهذا قَلَّ ما ظهرَ مِن أثرِه، وقال الشاعر:
الخيطُ الأبْيَضُ وقمت الصُّبحِ مُنْصَدِعٌ والخَيْطُ الأسْوَدُ جونُ اللَّيل مركومُ (^٥)
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هو للتبعيض، وهو دلالةٌ إلى أنَّه إذا ظهرَ شيءٌ مِنه، دخلَ وقتُ الصَّوم.
وقيل: هو للبيان، قال سهل بن سعد الساعدي: نزلت هذه الآية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
_________________
(١) في (ف): "ولما".
(٢) البيت في "الأصمعيات" (ص: ١٩٠)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ١٧٥)، و"تفسير الطبري" (٣/ ٢٦٠)، و"ديوان أبي دؤاد الإيادي" (ص: ١١٠). والسدفة: الظلمة في لغة نجد، وفي لغة غيرهم الضوء. انظر: "الصحاح" (مادة: سدف)، وهي هنا بمعنى الظلمة كما فسرها ابن قتيبة.
(٣) بعدها في (أ): "مثل ذلك".
(٤) لفظ: "كان" من (أ).
(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في "لسان العرب" (مادة: خيط)، "وديوان أمية" (ص: ٤٨٣)، وروايته فيهما: الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود لون الليل مركوم وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٨٠) دون نسبة.
[ ٣ / ١٠٢ ]
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّومَ رَبَطَ أحدُهم في رِجليهِ الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، فلا يزالُ يأكلُ ويَشربُ حتَّى يتبيَّن له منهما، فأنزلَ اللَّهُ تعالى بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنَّه إنَّما يعني بذلك اللَّيل والنَّهار (^١).
وعن عديِّ بنِ حاتمٍ أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، وضعتُ تحت رأسي خيطًا، فلم يتبين لي شيء! قال: "إنك إذًا لعريض الوسادة، إنما ذلك الليل من النهار أو النهار من الليل" (^٢).
ونزلت إباحةُ الأكل والشُّرب بسبب أبي قيس صرمةَ بن أنس (^٣) بن صرمة (^٤) الغنوي (^٥) من مالك بن عدي (^٦)، كان عملَ في النَّخل طولَ النَّهار، فلمَّا أمسى ودخلَ بيتَه وهو صائم، وأهلُه في اتِّخاذ الطعام، قعدَ (^٧) يَنتظرُ الطَّعامَ، فغلبَهُ النَّوم، فانتبه وقد مضى وقتُ الأكل، فلم يأكلْ شيئًا، وأصبحَ وهو مجهود، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "مالك؟ " فقصَّ عليه القصَّةَ، فنزلَت الآيةُ (^٨).
_________________
(١) رواه البخاري (١٩١٧)، (٤٥١١)، ومسلم (١٠٩١).
(٢) رواه بنحوه البخاري (١٩١٦)، (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠).
(٣) في (ر) و(ف): "أبي قبيس صرمة بن أنيس".
(٤) قوله: "بن صرمة" من (أ). وفي "تفسير الثعلبي" (٢/ ٧٩): "بن أبي صرمة".
(٥) لم أقف على من نسبه هذه النسبة.
(٦) قوله: "من مالك بن عدي" ليس في (أ)، وفي (ر): "بن مالك بن عدي". ووقع في "تفسير مقاتل" (١/ ١٦٣): "من بني عدي بن النجار".
(٧) في (ر) و(ف): "فقعد".
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٧٩)، وأخرج البخاري نحو هذا الخبر في "صحيحه" (١٩١٥) عن البراء واسم صاحب القصة عنده: قيس بن صرمة الأنصاري.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ أي: أديموا الإمساكَ عن المباشرةِ والأكلِ والشُّرب في جميع أجزاء النَّهار، ومدَّهُ (^١) إلى غايةٍ، وهي دخولُ الليل، وذلك بغروب الشمس، والإتمامُ أداؤه على التَّمام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الواو للحال؛ أي: في حال اعتكافِكم، بيَّن أنَّ المباشرةَ تَحِلُّ في ليالي شهر رمضان، لكن لغير المعتكِف، والعاكفُ في اللُّغة هو المقيم، وقد مرَّ شرحه في قوله تعالى: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقوله تعالى ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دلَّ على أنَّ الاعتكافَ لا يَصِحُّ إلَّا فيها.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى أوامرَ ونواهٍ سبقَ ذكرُها، يقول: تلك تقاديرُ (^٢) قدَّرها اللَّهُ تعالى، وأعلامٌ بيَّنها اللَّهُ تعالى، فلا تخالفوها.
وقوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أبلغ (^٣) في المنع من قوله: فلا تخالفوها؛ لأنَّه إذا لم يَقربْها، لم يُباشِرها، وسميت حدودًا لأنَّها موانع، وأصلُ الحدِّ المنعُ، وحدودُ الشَّرع موانِعُ عن الجنايات، وحدودُ الدَّار موانعُ عن الاختلاط، والحدَّادُ: السَّجان، والحدَّادُ: البوَّاب، وهما مانعان، والمحدود: المحرومُ الممنوعُ الحظِّ، قال الشاعر:
لا تَعبدُنَّ إلهًا دونَ خالقِكم وإن دُعِيْتم فقولوا دونه حَدَدُ (^٤)
_________________
(١) في (ر): "وهي مدة".
(٢) في (أ): "مقادير".
(٣) في (ر): "أقرب".
(٤) البيت لورقة بن نوفل، كما في "نسب قريش" (ص ٢٠٨)، و"جمهرة نسب قريش" (ص ٤١٣)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٨٣)، و"الأغاني" (١/ ١٢١)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (٣/ ٣٨٩)، =
[ ٣ / ١٠٤ ]
أي: مَنْعٌ.
وقال تعالى أيضًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ قيل: النَّهيان جميعًا في كلِّ الحدود، فلا ينبغي أنْ يَقربَ حدًّا؛ أي: ما مُنِع عن إتيانه، ولا (^١) أن يتعدَّى حدًّا، وهو ما مُنِعَ عن مجاوزته، والحاصلُ أنَّ عليه الوقوفَ عندما وُقِّف؛ فلا يتخلَّفُ عنه ولا يَتجاوزُه.
وقيل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ في النواهي، و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ في الأوامر.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أمرَهُ ونهيَهُ، ووعدَهُ وعيدَه، وأحكامَه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ليتَّقوا.
وقيل: أي: ليتهيَّأ لهم التَّقوى عند ورود البيان صريحًا أو دلالةً أو إشارة.
وقيل: أي: الحكمة في البيان هي التَّقوى، وهي الائتمارُ والانزجارُ، دون مجرَّدِ السَّماع.
* * *
(١٨٨) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: ومن تلك الحدودِ والآيات ألَّا يأكلَ بعضُكم مالَ بعضٍ بوجهٍ هو غير الوجوه التي أحلَّ اللَّه تعالى بها ذلك.
_________________
(١) = ونسبه ابن الأنباري (١/ ٢٨٩)، والجوهري في "الصحاح" (مادة: حدد) لزيد بن عمرو بن نفيل.
(٢) في (أ): "ولا عن".
[ ٣ / ١٠٥ ]
وقال ابنُ عيينة: هو كلُّ قمارٍ، وكلُّ أمرٍ لا يَصلُح؛ أي: الغَصب، والسَّرقةُ، والرِّشوةُ، والأكسابُ الخبيثة، والعقودُ الفاسدةُ ووجوهُ الخيانة.
وقوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾؛ أي: وتُلقوا، وهو من إدلاءِ الدَّلو في البئر؛ أي: إلقائِها فيها، وللكلمة وجهان:
أحدهما: أَنَّه على النَّهي، وهو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، و"لا" مقدَّرةٌ فيه، وكذا هو في قراءة أبيِّ بنِ كعب (^١)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].
والثاني: أنَّه على الصَّرف (^٢)، وإعرابُه على النَّصب، ومعناه: لا تَجمع بين أخذِ مال الغير بالباطل، وبين مخاصمته إلى القاضي لتحلفَ عنده ظالمًا، وهو كقول الشَّاعر:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليكَ إذا فَعلتَ عظيمُ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾؛ أي: طائفةً وبعضًا منها.
وقوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بالبيِّنةِ الكاذبة، أو اليمينِ الفاجرة.
_________________
(١) انظر "معاني القرآن" للفراء (١/ ١١٥)، و"تفسير الطبري" (٣/ ٢٧٩)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩٠).
(٢) في (ر) و(ف): "الظرف".
(٣) اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٤١ - ٤٢) للأخطل، ونسبه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الأمثال" (١/ ٧٤)، والآمدي في "المؤتلف والمختلف" (ص: ٢٣٦)، والأصفهاني في "الأغاني" (١٢/ ١٦٠)، والزمخشري في "المستقصى" (٢/ ٢٦٠) للمتوكل الليثي، ونُسب أيضًا لسابق البربري وللطرماح، قال البغدادي في "خزانة الأدب" (٨/ ٥٦٧): والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي. انظر "ديوانه" (ص: ٤٠٤).
[ ٣ / ١٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: تَعلمون أنَّكم مُبطِلون وآكلونَ بالباطل.
وقيل: وأنتم تعلمون وبالَ ذلك (^١).
وقيل: وأنتم تَعلمون ما نزلَ (^٢) بمن كان قبلَكم بمخالفةِ الأمرِ والنَّهي، وأكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطل.
ونزلت الآية في عَيدان (^٣) بن الأشوع الحضرمي وامرئِ القيس بن عباس (^٤) الكنديّ؛ ادعى عيدان على امرئ القيس أرضًا غصبًا في يده، واختصما إلى النبيِّ -ﷺ-، فقال لعيدان: "ألك بيِّنة؟ " قال: لا، قال: "لك يمينُه"، فقال: إذن يذهب بأرضي، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ليس لك إلا ذلك"، فحلفَ كاذِبًا باللَّه تعالى ما له قِبلهُ حقٌّ، فنزلت الآيةُ، فأقرَّ لعيدان، وردَّ أرضه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذَ من غلَّتِها (^٥).
_________________
(١) "وقيل: وأنتم تعلمون وبال ذلك" ليس في (ف).
(٢) في (ر): "أنزل اللَّه" بدل: "نزل".
(٣) كذا في (أ)، وكذا قيده الحافظ ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (١/ ٤٥٢) بفتح العين المهملة بعدها تحتانية مثناة، وفي (ر) و(ف): "عبدان" في هذا الموضع وما يليه. واسم الصحابي في كتب الصحابة: "ربيعة بن عبدان أو عيدان" وهي ثلاثة أقوال ذكرها ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (٦/ ٩٥ - ٩٦) في اسم أبيه؛ عِبْدان، وعَيْدان، (وهما روايتان في "صحيح مسلم" (١٤٠): (٢٢٤)، وذكر أنه رآه بخط أبي نعيم في "معرفة الصحابة" [(٢/ ١٠٩٩)]: "ربيعة بن عِبِدَّان"، وذكر أن أبا القاسم ابن عساكر ضبطه كذلك. واسمه عند الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٣/ ٢٦٨): "ربيعة بن عَيْدان".
(٤) تحرف في (أ) و(ف) و"تفسير أبي الليث" (١/ ١٨٧) إلى "بن عباس"، وفي (ر) إلى: "بن عياش"، والمثبت من "تفسير مقاتل" (١/ ١٦٥)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (١٧٠٢)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٨٣)، و"الإصابة" (١/ ١٠٠) وغيرها.
(٥) أخرج نحوه مسلم في "صحيحه" (١٣٩): (٢٢٤) من حديث وائل بن حُجر ﵁، =
[ ٣ / ١٠٧ ]
(١٨٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ انتظامُها بما قبلها أنَّ الأولى في منعِ أموالِ النَّاس عن أربابها، والثَّانية في تأخير أداءِ حقوق النَّاس عن آجالها، فإنَّ الأهلَّة مِن مواقيت آجالِ الدُّيون مِن الأموال.
والآيةُ نَزلت في عديِّ بن حاتم الطائيِّ (^١) ومعاذِ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنهما سألا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن الهلال، فنزلَت الآيةُ (^٢)؛ أي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، ما لها تبدو صغيرةً، ثم تصيرُ بدورًا، ثمَّ تعودُ كالعرجون؟ وما معنى تغيُّر أحوالها؟ (^٣)
والأهلَّة (^٤): جمع هلال، وهو إذا كان لليلةٍ أو ليلتين. وقيل: هو هلالٌ إلى
_________________
(١) = وأخرجه مختصرًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٢١) (١٧٠٢) عن سعيد بن جبير، وليس فيهما ولا في المصادر المذكورة في التعليق السالف أن امرئ القيس حلف، بل أراد أن يحلف، وليس فيها أنه وهبه أرضًا أخرى. فاللَّه أعلم.
(٢) "الطائي" ليس في (أ).
(٣) أورده مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٦٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٨٥) دون نسبة، ونسبه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٧) للكلبي، ووقع فيها أنها نزلت في معاذ وثعلبة بن عنمة. قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" (١/ ٤٥٥): أما أثر الكلبي فلعله في "تفسيره" الذي يرويه عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد وجدت مثله في "تفسير مقاتل بن سليمان" بلفظه، فلعله تلقاه عنه، وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل يكاد يكون مقطوعًا به، لكثرة من ينقله من المفسرين ونحوهم!!
(٤) من قوله: "أي: يسألونك عن الأهلة" إلى هنا وقع في النسخة (أ) في آخر هذه الفقرة بعد قوله: أهل به لغير اللَّه تعالى.
(٥) في (أ): "وهي".
[ ٣ / ١٠٨ ]
ثلاث. وقيل: إلى ستٍّ، سُمِّيَ به لأنَّ الناس يرفعون أصواتَهم عند رؤيتِه، ومنه استهلالُ الصَّبيِّ، والإهلالُ بالحجِّ، ومنه ما أُهِلَّ به لغير اللَّه تعالى.
يقول: يسألونك يا محمد عن الأهلة (^١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ هي جمع ميقات، وهو الوقت (^٢)، وهي كالمواعيد جمعُ ميعاد، والموازين جمعُ ميزان؛ أي: هي آجالُ الناسِ في ديونِهم، وعقودِ سَلَمِهم، وأثمانِ بياعاتِهم، ومددٌ (^٣) لإجاراتِهم، وعِددٌ لنسائهم، ومقاديرُ لما قدَّروا لأيمانِهم، وغير ذلك من حقوق الخلق، وكذا حقوقُ اللَّه تعالى؛ من الصِّيام والفطرِ والأضحى، والزَّكاة، والحجِّ وأمورِهِ المتعلِّقةِ بأوقاتٍ مخصوصةٍ.
وخصَّ مِن بين العبادات الحجَّ لأنَّه أهمُّ وأشقّ، ودلَّ ذلك (^٤) على غيرِه مِن هذه الأمور، ثمَّ بيَّن وقتَ الحجِّ مِن الشُّهور، فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
ثمَّ الشَّمسُ على حالةٍ واحدةٍ؛ لأنَّها ضياءٌ للعالَم، وقَوامٌ لمصالح النَّاس، والقمرُ يتغيَّر؛ لأنَّ اللَّه تعالى علَّق به ما قُلنا من المواقيت، وذلك يُعرَفُ بهذه الاختلافات، ودبَّر (^٥) اللَّهُ ﷿ هذا التدبيرَ العجيبَ لحاجةِ النَّاس إلى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ظاهرُ هذا لا يُلائمُ ما
_________________
(١) "يقول يسألونك يا محمد عن الأهلة" زيادة من (أ).
(٢) في (أ): "وهي كالوقت" بدل "وهو الوقت".
(٣) في (ف): "وأمد".
(٤) في (ر): "وذلك دليل" بدل: "ودل ذلك".
(٥) في (ر): "ودبره".
[ ٣ / ١٠٩ ]
ذُكِرَ في أوَّل هذه الآية. وقيل: هما حادثتان، لكن اتَّفقَ وقوعُهما في وقتٍ واحدٍ، فنزلَت الآيةُ فيهما معًا في وقتٍ واحدٍ.
وقال الإمام القفَّال ﵀: أتبعَ اللَّهُ تعالى ما ذكرَ مِن الأهلَّة التي هي مِن مواقيت الحج ما كان بعضُ النَّاس غيَّروهُ مِن أمورِ الحجِّ؛ بدخول (^١) البيوتِ مِن ظُهورها، ووصلَ بذلكَ ذكرَ القِتال؛ إشارةً إلى ما كان عرضَ للنَّبيِّ -ﷺ- في عمرة (^٢) الحديبية التي كان فيها الإحصار، فذكرَ بعدهُ حكمَ الإحصارِ، ووصلَ به أحكامَ الحجِّ وما يتَّصلُ به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال البراءُ بن عازب: نزلَت هذه الآيةُ فينا؛ كانت الأنصارُ إذا حجُّوا فجاؤوا لم يَدخلوا مِن أبوابهم، ولكن مِن ظهورها، فجاءَ رجلٌ مِن قِبَل بابِه، فنزلَت هذه الآيةُ (^٣).
وقيل: كانت الحُمْسُ (^٤) -وهم المشدِّدون على أنفسهم من بني خُزاعة وبني كنانة في الجاهليَّة وبدءِ الإسلام- إذا أحرَموا واعتكفوا (^٥)، لم يدخلوا بيوتَهم من أبوابها، فإن كانت بيوتُهم مِن الخيام رَفعوا ذيولَها، وإنْ كانت بيوتُهم مِن المَدَرِ، نَقبُوا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يدخلون".
(٢) في (ر): "عام".
(٣) أخرجه البخاري (١٨٠٣)، ومسلم (٣٠٢٦).
(٤) الحُمْس: جمع الأحْمسَ، وهم قريش ومَنْ ولدت قريش وكنانة وجَديلة قيس، سُمُّوا حُمْسًا لأنهم تحمسوا في دينهم؛ أي: تشددوا، والحماسة: الشجاعة، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل اللَّه، فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. "النهاية" (مادة: حمس).
(٥) في (ر): "أو اعتكفوا".
[ ٣ / ١١٠ ]
في ظهور بيوتِهم، فدخلوا منها، أو من قبل السَّطح، وقالوا: لا ندخلُ بيوتًا (^١) مِن الباب حتَّى ندخلَ بيتَ اللَّه تعالى، وكان منهم من لا يَستظِلُّ بسقفٍ بعدَ إحرامهِ، ولا يَدخلُ بيتًا، لا من بابه ولا من خلفِه، ولكن يَصعدُ السَّطحَ فيأمرُ بحاجتِه مِن السَّطح، وهذه أشياءُ وَضعوها مِن عند أنفسِهم مِن غيرِ شرعٍ، فعرَّفَهمُ اللَّهُ تعالى أنَّ هذا التَّشديدَ ليس ببِرٍّ ولا قُربةٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: البرَّ برُّ مَن اتَّقى، وهذا الإضمارُ كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والتَّقوى: هو (^٣) الائتمارُ بأمرِه، والانتهاءُ بنهيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ولو قال: فأتوا البيوت من أبوابها، استقام (^٤)، وكان الفاء للتعقيب، ووجهُ الواو أنَّه أضمرَ: فاتركوا ذلك، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لا تتكلَّفوا (^٥) ذلك، تُظهِرونَ التَّقوى مِن أنفُسِكم، واتقوا اللَّه بالقلوبِ؛ لتكونوا أبرارًا مفلحين.
وللآية تأويلٌ آخر قالَهُ الحسن، قال: كان أهلُ الجاهليَّة مَن همَّ بِسفَرٍ أو أمرٍ
_________________
(١) في (ر): "بيوتنا".
(٢) كذا نسب المصنف هذا الصنيع إلى الحمس، والذي في المصادر أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك بل هو صنيع غيرهم. انظر "تفسير مقاتل" (١/ ١٦٧)، و"تفسير الطبري" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٤٩).
(٣) في (أ): "هي".
(٤) في (ر) و(ف): "استفهام"، وهو تحريف.
(٥) بعدها في (أ): "لي".
[ ٣ / ١١١ ]
يَصنعُهُ، فمُنِعَ عن ذلك، لم يدخل دارَه مِن الباب حتَّى يحصلَ له ذلك (^١)، وكان قريشٌ وقبائلُ مِن العرب مَن خرجَ (^٢) لسفر أو حاجةٍ، ثمَّ رجعَ ولم يَظفَر بذلكَ، لم يَدخُل داره حولًا، وكان ذلك طِيَرةً، فنهاهُم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأخبرَ أنَّ التَّطيُّر ليس ببِرٍّ، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: برُّ مَن اتَّقى اللَّهَ، ولم يَخَفْ غيرَهُ، وتَوكَّلَ عليه، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وحدَه لا غيرَهُ؛ لتُفلِحوا وتفوزوا وتظفروا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقيل، وهو قولٌ متكلَّفٌ أشارَ إليه القفَّال، وهو أوفقُ لما قبلَه ولما بعده، لكنَّه خلافُ الرِّواياتِ الظَّاهرة فيه، وهو أنَّه تعالى ذكرَ أنَّ الأهلَّةَ مِن مواقيت الحجِّ، والحجُّ أشهرٌ معلومات، وكان العربُ بالنَّسيء الذي يفعلونهُ يُغيِّرونَ وقتَ الحجِّ، فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هو استعارةٌ عن (^٣) أداء (^٤) الحجِّ في غير وقته. وقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: أدُّوا الحجَّ في وقته، وهو متعارَفٌ في اللِّسان، يُقال: فلانٌ أتى الشيءَ مِن غيرِ وجهه ومن خلفِه، وقال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢].
* * *
(١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
_________________
(١) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) (١٧١٢).
(٢) في (ف): "يخرج".
(٣) في (ر) و(ف): "على".
(٤) بعدها في (ر): "بر".
[ ٣ / ١١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولمَّا خرجَ النبيُّ -ﷺ- مِن المدينة يريدُ مكَّة، وكان بالحديبيةِ، وصدَّهُ المشركون عن ذلك، ثمَّ وقعَ الصُّلحُ على أن يرجعَ رسولُ اللَّه -ﷺ- مع أصحابِه، ثمَّ يجيءَ في العام المقبل (^١)، فيُخلوا له مكَّةَ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيطوفَ بالبيتِ، وينحرَ الهديَ، ويفعلَ ما يَشاءُ، رَجعوا، ثمَّ خرجوا في العام القابلِ للعمرة، وخافوا ألَّا يفيَ لهم قريشٌ بذلك، وأن يَصدُّوهم عن المسجد الحرام، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (^٢).
قال الكلبيُّ: سبيلُ اللَّه تعالى هاهنا هو الحرم.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: قريشًا إن صدُّوكم فقاتلوكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ أي: لا تَبدؤوهم بالقتال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: البادئين بالقتالِ في هذا (^٣) الحال.
قال الرَّبيعُ: هذه أوَّلُ آيةٍ نزلَتْ في القتال بالمدينة، وكان النبيُّ -ﷺ- يُقاتِلُ مَن قاتلَهُ، ويَكفُّ عمَّن يكفُّ عنه، وبذلك أمرَهُ اللَّهُ تعالى، ثمَّ نُسِخَ هذا بقوله تعالى:
_________________
(١) في (أ): "القابل".
(٢) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٩) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. قال الحافظ ابن حجر في "العجاب": الكلبي ضعيف لو انفرد فكيف لو خالف، وقد خالفه الربيع بن أنس، وهو أولى بالقبول منه، فقال: إن هذه أول الآية أول آية في الإذن للمسلمين في قتال المشركين". وسياق الآيات يشهد لصحة قوله. . . انتهى. وقول الربيع سيأتي قريبًا.
(٣) في (أ): "هذه".
[ ٣ / ١١٣ ]
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١)، وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية.
* * *
(١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أين وجدتموهم (^٢)، في الحلِّ والحرم، وفي الأشهُرِ الحُرُم وفي غيرِ الأشهر الحرم؛ أي: هم (^٣) الذين هتكوا حرمةَ الحرمِ والشَّهر الحرام بالبداية، فجازوهم بمثلِه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكَّةَ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ أي: كفرُهم با للَّه، وتعذيبُهم المسلمين؛ أعظمُ إثمًا مِن قتلِكم إيَّاهم في الحَرَم. والفتنةُ تَقعُ على الكفر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، ويقع على تعذيب المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لا تَبدؤوهم به في الحَرَمِ كلِّه، والمسجدُ الحرامُ يقعُ على كلِّ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فإنْ بَدؤوكم به فيه.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، وفيه أن الناسخ سورة براءة.
(٢) في (أ): "أخذتموهم".
(٣) في (ر) و(ف): "وهم" بدل: "أي هم".
[ ٣ / ١١٤ ]
ومن قرأ: ﴿حتى يقتلوكم﴾ (^١) فمعناه: حتى يقصدوكم؛ أي: (^٢) حتى يقصدوا قتلكم، أو (^٣) حتَّى يَقتلوا بعضَكم، وهذا سائغٌ (^٤) في اللُّغة.
* * *
(١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فإنْ لم يَبدؤوكم، فكُفُّوا أنتم؛ فإنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ لكم بتركِكم قتالَهم، وإن كانوا كفَّارًا.
وقيل: أي: فإن امتنعوا عن القتالِ والكُفرِ وإيذاءِ الرَّسول وأصحابِه، وآمنوا، فإنَّ اللَّهَ يَغفرُ لهم ما سلفَ مِن ذنوبهم (^٥) ويرحمُهم في المؤتنف.
* * *
(١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إذا نقضوا العهدَ، فقاتلوهُم بعد ذلك إلى أن يُسلِموا، ولا يَبقى كفرٌ، ويكونَ الدِّينُ الظَّاهرُ هو الإسلام، ولا تَعقِدوا بعدَه عهدًا لترك القتال (^٦) بعد نقضِهم هذا العهد.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فإن امتنَعوا عن الكفرِ والقتال، لم يَبقَوا ظالمين، فلا تُقاتِلوهم؛ فإنَّه لا عدوانَ إلَّا على الظَّالمين؛ أي: لا
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر "السبعة" (ص: ١٧٩)، و"التيسير" (ص: ٨٠).
(٢) قوله: "حتى يقصدوكم أي" من (ف).
(٣) في (أ): "و".
(٤) في (ر) و(ف): "شائع".
(٥) "من ذنوبهم" ليس في (أ).
(٦) في (ر): "عهدًا لشرك للقتال"، و(ف): "عهدة الشرك للقتال"، بدل: "عهدًا لترك القتال".
[ ٣ / ١١٥ ]
جزاءَ على العدوان إلَّا لمن كان مِن أهلِ الظُّلم والعدوان، وجزاءُ العُدوان ليس بعُدوانٍ على الحقيقة، لكنَّه جزاء الحق (^١)، وجزاءُ الشَّيء يُسمَّى باسمِه كما مرَّ في ذكرِ الخداع والاستهزاء في أوَّل هذه السُّورة.
وقيل: معنى قوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: إلَّا على الذين ارتدُّوا فصاروا ظالمين، فيجازَون بذلك، فعلَّمَهم اللَّهُ ما يفعلون بالمشركين إن هُم صدُّوهم عن المسجد الحرام، فلم يصدُّوهُ، ووفَّوا له، فلم يتعرَّض لهم.
* * *
(١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وكانوا شرطوا له -أي: المشركون (^٢) - بعد قضاء العمرة الإقامةَ بمكَّة ثلاثًا، وكان النبيُّ -ﷺ- تزوَّج ميمونةَ بنت الحارث، فأحبَّ المُقام بمكَّة ليُولِم عليها، فطالبوهُ بالخروج عنها، والوفاءِ بما عاهد، ففعل، وأولمَ على ميمونة وبَنى بها بسَرِف (^٣)، وكان دخولهُ مكَّة للعمرة في ذي القَعدة، وكانوا صدُّوهُ في العام الماضي عن المسجدِ الحرام في ذي القَعدة، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذو القَعدة من هذه السَّنة قصاصٌ بذي القَعدة من العام الماضي.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الحَرَم، وحُرمةُ الإحرامِ، وحرمة الشهر الحرام في السنة الأولى صارت مهتوكةً، بمنعهم عن إتمام عمرتهم، وصارت مؤداةً مراعاة في هذه السَّنة قصاصًا.
_________________
(١) في (أ): "لحق".
(٢) "أي المشركون" ليس في (أ).
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٣٧٢).
[ ٣ / ١١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ولمَّا كان يتوهَّمُ منهم البدايةَ بالقتال بعد هذا العام، وإن امتَنعوا في هذا العام؛ قال: فمَن بدأكُم به في الحَرَم أو الشَّهرِ الحرام، فافعلوا به كذلك. وسُمِّيَ جزاءُ الاعتداءِ اعتداءً لما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ائتمِروا بأوامره (^١) وانزجِروا بزواجِره.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: ناصر الذين يَقفون عند حدودِ أمره ونَهيه.
* * *
(١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا في قصَّة الحديبية أيضًا، وسبيلُ اللَّه تعالى: هو طريقُ الغَزوِ، وكذا كلُّ طريقٍ يُبتغَى فيه رضى اللَّهِ تعالى فهو سبيلُ اللَّه، ووجهُ ذلك أنَّ مَن قصدَ مقصدًا طلبَ إليه سبيلًا، فمعناه: هذا وجهٌ يُلتمَسُ به رضى اللَّه تعالى، والوصولُ إلى ثوابِ اللَّه تعالى.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: خرجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- في ذي القَعدة سنة سبعٍ مرجعَه من خيبر بأربعة أشهر، وهو الشَّهرُ الذي صدَّه فيه المشركون، فاعتمروا، فقال رجلٌ مِن أهل المدينة: واللَّهِ يا رسول اللَّه، ما لنا زادٌ وما مِن أحدٍ يُطعِمُنا، فأمرَ النبيُّ -ﷺ- أن يُنفقوا في سبيلِ اللَّه، وأنْ يَتصدَّقوا، وألَّا يُلقوا بأيديهم فيهلكوا (^٢)، فقيل:
_________________
(١) في (ف): "بأوامر اللَّه".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٩١) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وهو إسناد تالف، وأورده أبو الليث في "تفسيره" (١/ ١٩٠).
[ ٣ / ١١٧ ]
يا رسولَ اللَّه بما نتصدَّق، وأحدُنا لا يجد شيئًا؟ فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "بما (^١) كان، ولو بشقِّ تمرة، ولو بمِشقص (^٢) يحمل في سبيل اللَّه تعالى"، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣) (^٤).
وقال الواقديُّ ﵀: لمَّا دخلَ هلالُ ذي القَعدة سنةَ سبعٍ، أمرَ النبيُّ -ﷺ- أصحابَهُ أنْ يَعتمِروا، وألَّا يَتخلَّفَ أحدٌ ممَّن شهدَ الحديبية، فلم يَتخلَّف أحدٌ شهدَها، وكان المسلمون في عُمرة هذه القَضيَّة ألفين (^٥).
وحملَ رسولُ اللَّه -ﷺ- البِيضَ (^٦) والدُّروع والرِّماحَ، وقادَ مئة فرسٍ، عليها محمَّدُ بنُ مَسْلَمَة، فقيل: يا رسول اللَّه، حملتَ السِّلاح، وقد شرطوا علينا ألَّا ندخلَ عليهم بسلاحٍ إلَّا بسلاحِ المسافر؛ السيوف في القرب؟! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّا لن (^٧) نُدْخِلَها عليهم الحرمَ، ولكن تكون قريبًا منَّا، فإن هاجنا (^٨) هَيْجٌ مِن القوم كان السِّلاحُ قريبًا منَّا"، فقيل: يا رسول اللَّه تخاف قريشًا على ذلك؟ فسكت رسولُ اللَّه -ﷺ-، وقدَّمَ البُدنَ (^٩).
_________________
(١) في هامش الأصل: "بيان: بمهما".
(٢) في (أ): "بشقص". والمشقص من النصال: ما طال وعرض. انظر "الصحاح" للجوهري (مادة: شقص).
(٣) في (أ): "الآية" بدل: "وأحسنوا إن اللَّه يحب المحسنين".
(٤) انظر: "مغازي الواقدي" (٢/ ٧٣٢).
(٥) انظر: "مغازي الواقدي" (٢/ ٧٣١).
(٦) البيض جمع أبيض، وهو السيف. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: بيض).
(٧) في (أ): "لا".
(٨) في (ر): "كان هناك" وفي (ف): "كان" بدل: "هاجنا"، والمثبت من (أ)، وهو موافق لما في "المغازي" للواقدي.
(٩) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٧٣٣).
[ ٣ / ١١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: أي: لا تُلقوا أنفسَكُم بأيديكم إلى التَّهلُكة، فالأنفسُ مضمرة، والباءُ أداة.
وقيل: الباء زائدة، ومعناه: لا تُلقوا أيديَكم إلى التَّهلكةِ، والأيدي عبارةٌ عن كلِّ البدنِ، كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ أي: تبَّ هو.
وقيل: معناه: لا تستسلموا للهلاك؛ أي: لا تَمتنِعوا عن القتال لأجل الشَّهر الحرام إذا بَدؤكم، فتكونوا قد استَسلمتُم للهلاك، والعربُ تقول لمن استسلم للهلاك ولم يَدفَع عن نفسِه: ألقى بيديه، وأعطى بيديه، قال أبو تمام:
أعْطَى بكِلْتا يَدَيْهِ حينَ قيل لَهُ هذا أبُو دُلفَ العِجْلِيُّ قد دَلَفَا (^١)
وقيل: معناهُ: لا تخرجوا إلى الحرب بغير سلاحٍ.
وقيل: بغير زادٍ.
وقيل: لا تُهلِكوا أنفسَكم بترك الإنفاقِ في سبيل اللَّه تعالى على المحتاجين مِن أصحابِكم، وهو هلاكُ النَّفس بعقوبةِ الآخرة.
وقيل: أي: يظفرُ بكم (^٢) عدوُّكم، فيهلِكُكم إذا تركتُم الإنفاقَ في سبيل اللَّه تعالى.
وقيل: أي: لا تَمنعوا ما فرضَ اللَّه تعالى عليكم من النَّفقة والصَّدقة (^٣)، فتَهلِكوا عندَ اللَّه، قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
وقيل: أي: أنفِقوا ولا تَقولوا: إنَّا نخافُ الفقرَ إن أنفقنا فنهلك.
_________________
(١) انظر: "ديوان أبي تمام" (بشرح التبريزي) (٢/ ٣٧٤)، والقصيدة في مدح أبي دلف العجلي.
(٢) في (أ): "عليكم".
(٣) في (ر): "الصدقة والصدق" بدل: "النفقة والصدقة".
[ ٣ / ١١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾؛ أي: (^١) إلى الفقراء بإعطاء المال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إليهم.
وقيل: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: استَعِدُّوا، وأعِدُّوا لغيركم (^٢)، وتَعاونوا، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ أي (^٣): لا تُخاطِروا بأنفسِكم فتبارزوا حيث تتيقَّنونَ أنَّكم تقتلون، ولا تَقدِرون أن تَنالوا منهم شيئًا (^٤)، ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أي: أحسِنوا القتالَ إذا قَدَرتُم عليه، وأحسِنوا إلى أنفسِكم بحفْظِها عن الإلقاء في التَّهلُكَة من غير نفعٍ.
وقيل [و] هو مرويٌّ عن البراء بن عازب ﵁: هو الرَّجلُ يُذنِبُ الذَّنْبَ فيُلقي بيديه، فيقول: لا يَغفرُ اللَّهُ لي أبدًا (^٥). فمعناه على هذا: أنْفِقوا في طاعةِ اللَّه، ولا تُهلِكوا أنفسَكم بالقُنوط. وقيل: أي: بتركِ العملِ بعد ذلك، على اعتقادِه أنَّه لا تُقبَلُ توبتُه، ولا تَنفعُه طاعتُه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: أحسنوا الظَّنَّ باللَّه تعالى.
وقيل: أي: أحسنوا العملَ للَّه تعالى، ولا تُهلِكوا أنفسَكم بمعصيةِ اللَّه تعالى.
وقيل: أي: افعلوا (^٦) في العقل والشرع حُسنَه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: الفاعلين ذلك.
وقال بعضُ أهل الحقيقة، وهو حسنٌ جدًا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أرواحَكم،
_________________
(١) نص العبارة في (ف): " ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وأحسنوا" زيادة من (ف).
(٢) في (ر): "وأعدوا لعددكم" وفي (ف): "واستعدوا لغيركم" بدل: "أي استعدوا وأعدوا لغيركم".
(٣) لفظ: "أي" ليس في (أ).
(٤) بعدها في (أ): "وقوله"، وفي (ف): "قوله".
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٣١٩).
(٦) بعدها في (أ): "ما".
[ ٣ / ١٢٠ ]
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بمنعِكم أنفسكم عن الشَّهادة في سبيل اللَّه التي هي الحياةُ الأبديَّة، فتَهلِكوا معنًى بفوتِ هذه الحياة، ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ تسليمَ أنفسِكم إلى اللَّه تعالى، فقد اشتراها مِنكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذلك (^١).
* * *
(١٩٦) - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أدُّوهما تامَّين، ولا تُنقِصوا منهما شيئًا، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل: الإتمامُ يكونُ بعد الشُّروع، فيدلُّ على أنَّ مَن شَرَع فيهما لَزِمَهُ إتمامُهما، وبه نقول: إنَّ العمرةَ تَلزمُ بالشُّروع، فأمَّا الحجُّ فقد ثبتَ (^٢) فرضيته بالنُّصوص، واستدلَّ الشَّافعيُّ ﵀ بالآيةِ على لزوم العمرة (^٣)، فإنَّ اللَّه تعالى أمرَ بإتمامهما، والأمرُ للإيجاب، وقلنا: هذا في حقِّ مَن شرَعَ فيها.
وقد قرئ: (والعمرةُ للَّه) بالرفع على الابتداء (^٤).
_________________
(١) "ذلك" زيادة من (أ).
(٢) في (أ): "بينت"، والظاهر أنها محرفة عن: "ثبتت"، وفي (ر) و(ف): "ثبت".
(٣) انظر: "الأم" للشافعي (٣/ ٣٢٦).
(٤) هي قراءة علي وعبد اللَّه -﵄- والشعبي. انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ١٩).
[ ٣ / ١٢١ ]
وقيل: معناه: وأتمُّوهما إذا شرعتُم فيها (^١)، ولا تَتحلَلوا قبل التَّمام، إلَّا حالةَ الإحصار، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
وانتظامُها بما قبلَها من هذا الوجه أنَّ سياقَ هذه الآيات في إحصار النبيِّ -ﷺ- وأصحابِه بالحديبية.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: مُنِعتُم بمرضٍ أو عدوٍّ.
وقال الكسائيُّ: يقال: حصرَهُ العَدوُ يَحصُى حصرًا؛ أي: حَبسَهُ (^٢)، وأحْصَرَهُ المرضُ إحصارًا (^٣). وكذا قال أبو عبيد (^٤).
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: فإنْ أحصرتم؛ أي قام بعيرٌ، أو مرضتم (^٥)، أو ذهبَتْ نفقتُكم، أو فاتَكمُ الحجُّ، والمحصور: الذي جُعِلَ في بيتٍ أو سجنٍ (^٦).
وقال الخليلُ بن أحمد: الحصر: الحبس، والإحصارُ أنْ يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره (^٧).
وعن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃: مَن كُسِر أو عرجَ فقد أُحصِر، وهو مذهبُ أصحابِنا رحمة اللَّه عليهم (^٨).
_________________
(١) في (ف): "فيهما".
(٢) "أي حبسه" زيادة من (أ) و(ف).
(٣) ذكره عن الكسائيِّ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٢/ ٩٩).
(٤) في (ف) و(ر): "عبيدة".
(٥) في (ر): "أي منعتم بمرض"، وفي (ف): "بمرض" بدل: "أي قام بعير أو مرضتم".
(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٦٩).
(٧) في (أ): "بغيره". وانظر "العين" للخليل" (٣/ ١١٣).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٣٥) (١٧٦٧) عن الحجاج بن عمرو الأنصاري مرفوعًا، وفي آخره تصديق ابن عباس وأبي هريرة له، وعلقه ابن أبي حاتم بعده عن ابن مسعود وابن الزبير =
[ ٣ / ١٢٢ ]
وقال الشافعيُّ ﵀: لا يكونُ الإحصارُ إلا مِن عدوٍّ؛ فإنَّ إحصارَ النبيِّ -ﷺ- وأصحابَهُ كان بالعدوّ (^١)؛ ولأنَّه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، وذاك زوالُ خوفِ العدوِّ.
وقلنا: العبرةُ لعموم اللَّفظ لا لخصوص السَّبب، واللفظُ لما قلنا لعلَّة (^٢)، والأمنُ يكون عن العللِ أيضًا، قال (^٣) النبيُّ -ﷺ-: "الزُّكامُ أمانٌ مِن الجُذام" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ أي: فعليكم ما تيسَّرَ مِن الهديِ، تبعثونَهُ، فيُذبَحُ في محلِّهِ، فتَتحلَّلون. و"ما" رفعٌ على هذا الوجهِ. وقيل: هو نصبٌ على الإغراء، ومعناه: المتيسِّر من الهدي (^٥)، فابعثوهُ.
و﴿اسْتَيْسَرَ﴾ بمعنى: تيسَّرَ، كقولك: تيقَّنَ واستيقنَ، وتعجَّلَ واستعجَل، وتكبَّرَ واستكبَر (^٦). وهو شاةٌ؛ لأنَّ الهديَ مِن الثلاث، من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: لا تتحلَّلوا بحلقِ الرَّأس إلى أن يَصِلَ هذا الهديُ المبعوثُ إلى محِلِّه؛ أي: موضعِه الذي يَحِلُّ ذبحُه فيه، وهو
_________________
(١) = وعلقمة وابن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان.
(٢) في (ر): "من عدو".
(٣) في (أ): "لغة".
(٤) في (ر) و(ف): "وقال".
(٥) ذكره بهذا اللفظ السرخسي في "المبسوط" (٤/ ١٠٨)، والكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/ ١٧٥)، وأخرج ابن عدي في "الكامل" (٩/ ١٠٢)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٧٧٧)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٠٤) من حديث أنس ﵁ مرفوعًا، ولفظه: ". . . ولا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عروق الجذام". قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع.
(٦) من قوله: "أي فعليكم ما تيسر" إلى هنا من (أ).
(٧) في (ر): "وتكثر واستكثر" بدل: "وتكبر وأستكبر".
[ ٣ / ١٢٣ ]
الحرمُ عندنا، قال (^١) تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمرادُ هو الحَرَمُ كلُّه؛ لأنَّه يتبعُه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهو ما يُؤذِيه؛ أي: يُتْعِبُه ويَشُقّ عليه؛ من صُدَاعٍ، أو شقيقةٍ أو قَمْل.
وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فحلَق، فعليه فديةٌ، هذا مضمَرٌ، كما في قوله تعالى: فأفطر (^٢) ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ نزلت الآيةُ في حق كعبِ بنِ عُجْرَة ﵁: مرَّ عليه رسولُ اللَّه -ﷺ- والقَمْل تتهافتُ في وجهِه، فقال له: "يا كعب، أيؤذيكَ هوامُّ رأسِك؟ " قال: نعم، فنزلت الآية، فأمرهُ النَّبيُّ -ﷺ- أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو يَتصدَّقَ بثلاثةِ أصوعٍ (^٣) مِن حنطةٍ على ستَّة مساكين، على كلِّ مسكينٍ بنصف صاعٍ، أو يذبحَ شاةً (^٤).
و"أو" للتخيير، والنسك: ما يُنسَكُ؛ أي: يُذبَح، وأصله: ما يُتقرَّبُ به إلى اللَّه تعالى، وهذا واحدٌ مِن ذلك.
والمريضُ المذكور في أوَّله هو المريضُ الذي يكون له في حَلْقِ الرَّأسِ خِفَّةٌ، أو تكونُ مداواتُه مِن هذا الوجه.
_________________
(١) في (ف): "وقال".
(٢) لفظ: "فأفطر" من (أ).
(٣) في (ر): "آصع".
(٤) أخرجه البخاري (٤١٩٠)، (٤١٩١)، ومسلم في "صحيحه" (١٢٠١)، ووقع عند البخاري: "ثلاثة آصع" دون تعيين، وفي بعض روايات مسلم: "ثلاثة أصع من تمر". وورد تعيينه بالحنطة في "تفسير أبي الليث" (١/ ١٩٢).
[ ٣ / ١٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: مِن المرضِ، أو العدو، وهو الذي وقعَ به الإحصارُ.
ثم قيل: هاهنا إضمارٌ؛ أي: فاقضوا ما تحلَّلتُم عنه بسبب الإحصار، وهو الحجُّ أو العمرة (^١) أو كلاهما (^٢)، ثم ابتدأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾.
وقيل: لا إضمارَ فيه، وفيه بيانُ أنَّه إذا أُحْصِرَ ثمَّ زالَ الإحصارُ وهو متمتِّعٌ، ووقتُ الحجِّ باقٍ، فحكمُه ما ذكر، وحكمُ المتمتِّع الذي لم يُحصر (^٣) كذلك بالاستدلال؛ لأنَّه إذا زالَ الإحصارُ والوقتُ (^٤) باقٍ؛ فكأنَّه لم يكن.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: أتى بالمتعةِ، وهو أنْ يُحرِمَ بالعمرة في أيَّام الحجِّ، فيأتي بأفعالِ العُمرة، ويتحلَّلُ منها، ثمَّ يُحرِمُ بالحجَّة مِن عامه ذلك، فيحُجُّ، سمِّيَت بها؛ لأنَّه انتفاعٌ بنُسكَينِ في وقتٍ واحدٍ، في سفرٍ واحدٍ، من عامٍ واحدٍ (^٥)، ووجبَ عليه الشكر على ذلك بالهديِ، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهو شاةٌ على ما بيَّنَّا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ دليلٌ على أنَّه يَفرُغُ أوَّلًا مِن العمرةِ، ثمَّ يصيرُ إلى الحجِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهديَ.
وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في أيَّام
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والعمرة".
(٢) القضاء واجب عند أبي حنيفة، أما عند مالك والشافعي، فليس بواجب. انظر "تفسير القرطبي" (٣/ ٢٧٩).
(٣) بعدها في (أ): "يكون".
(٤) في (ر) و(ف): "فالوقت".
(٥) قوله: "من عام واحد" من (ر).
[ ٣ / ١٢٥ ]
الحجِّ، وهي في تسع ذي الحجَّة، إن شاءَ تابعَ (^١)، وإن شاء فرَّقَ؛ لأنَّه مطلَقٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: وعليكم صيامُ سبعةِ أيَّامٍ إذا رجعتُم من الحجِّ؛ أي: فرغتُم منه، وعند الشافعيّ -﵀- المرادُ به الرُّجوع إلى بلدِه، فلا يجوزُ صيام السَّبعةِ عنده قبل الرُّجوع إلى بلده (^٢).
ثمَّ قولُه تعالى: ﴿تَمَتَّعَ﴾ على المغايبة؛ لأنَّه فعلُ "مَن" وقولُه تعالى: ﴿فَصِيَامُ﴾ أضمرنا فيه: فعليه؛ لأنَّه يرجعُ إلى من لم يجد، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ خطابٌ للجمع؛ لأنَّ ابتداءَ الآيةِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، وتقديره: وأنتم متمتِّعون فعليكم ذلك، فالتوحيدُ والمغايبةُ يرجعان إلى المعترِض بينهما من كلمة "مَن"، والخطابُ والجمعُ يرجعان إلى المذكورينَ في أولها.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ أي: تامَّةٌ في البدلِ عن الهديِ لا نقصان فيها.
وقيل: أي: تامَّة في الثَّواب كثواب الهَدي، لا تَنقصُ عنه.
وقيل: أي: تامَّةٌ في حصول ثوابِ القِران بينهما، من غير تَحلُّلٍ بينهما.
وقيل: أي: تامَّةٌ في المعنى الذي جُعِلْتَ له، فتمتَّع (^٣) فلا حاجةَ إلى شيءٍ آخرَ، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ بعدَها؛ لأنَّه لمَّا قال: ﴿ثَلَاثَةِ﴾، ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ كان يُتوهَّمُ أنَّه يُضَمُّ إليهما شيءٌ آخر، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ إعلامًا أنَّ هذا العدد قد تمَّ، ولأنَّه تعالى لو قال: فعليه صيامُ عشرةِ أيَّامٍ كاملةٍ؛ ثلاثةٌ في الحجِّ، وسبعةٍ إذا رجع، استقام، فكذا إذا قدَّم الثلاثةَ والسبعةَ وأخَّر الجملةَ.
_________________
(١) بعدها في (ر): "ذلك".
(٢) انظر: "المجموع" للنووي (٧/ ١٨٥).
(٣) لفظ: "فتمتع" ليس في (أ).
[ ٣ / ١٢٦ ]
وقيل: الواو قد تكون بمعنى "أو"، كما في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فلو اقتصرَ على ذكرِ الثَّلاث (^١) والسَّبعة، فربَّما يُتوهَّمُ أنَّه إنْ شاءَ صامَ ثلاثةً (^٢) في الحجِّ، وإن شاء صامَ سبعةً بعد الرُّجوع، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ ليُعلَمَ أنَّ الواجبَ كلُّها.
وقيل: كان في العرب قلَّةُ معرفةٍ بمبالغ الحساب، فكان الرجلُ إذا خاطبَ صاحبَهُ بأعدادٍ متفرِّقةٍ جمعَها له، ليُسرعَ فهمُه إليها، قال الفرزدق:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ وواحدةٌ تَميلُ إلى شِمامِ (^٣)
وقال آخر:
يَجمعنَ شتَّى مِن ثلاثٍ وأربع وواحدةٍ حتَّى كَمَلنَ ثَمانيَا (^٤)
وأنشد نفطويه:
وسرت إليهمُ عشرين شهرًا.. وأربعةً فذلك حِجّتانِ (^٥)
وقال النابغة:
تَوهَّمتُ آياتٍ بها فعَرَفْتُها لستَّة أعوامٍ وذا العامُ سابعُ (^٦)
_________________
(١) في (أ): "الثلاثة".
(٢) بعدها في (أ): "أيام".
(٣) انظر البيت في "طبقات فحول الشعراء" (١/ ٤٥)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (١/ ٤٦٩)، "شرح ديوان الفرزدق" (طبعة الصاوي) (٢/ ٨٣٥)، وفيها: "وسادسة" بدل: "وواحدة". قال ابن سلَّام: الشِّمام: المشامَّة. وقال الشيخ محمود شاكر: وهو التقبيل والرشف.
(٤) البيت لسحيم عبد بني الحسحاس، كما في "الشعر والشعراء" (١/ ٤٠٨)، و"الأغاني" (٢٢/ ٣١٠).
(٥) البيت لدثار بن سنان النمري، كما في "الأغاني" (٢/ ١٩٠)، و"مختارات شعراء العرب" لابن الشجري (ص: ٤١٤).
(٦) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ٣٠).
[ ٣ / ١٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذلك التمتُّعُ للذي لا يَسكنُ مكَّةَ، وإنَّما ذكرَ الأهلَ؛ لأنَّ الغالبَ (^١) أنَّ الإنسانَ يَسكنُ حيث يَسكنُ أهلُه، فعبَّرَ بسكونِ الأهلِ عن سكون نفسه.
و﴿حَاضِرِي﴾ جمع، ومحلُّه نصبٌ؛ لأنَّه خبرُ كان، وحذف (^٢) النون من آخره للإضافة.
و﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هو الحرمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنَّما صدُّوهم عن الحرمِ كلِّه، وحاضرو المسجدِ الحرام عندنا هم أهلُ مكَّةَ، ومَن كان منزلُه داخلَ المواقيت، فلا متعةَ لهم، وهي لأهلِ الآفاق، ورُخِّصَ لهم تحصيلُ النُّسُكين (^٣) في أشهر الحجِّ ضرورةً، وحاضرو المسجدِ الحرام يَنبغي لهم أنْ يَعتمِروا في غيرِ أشهرِ الحجِّ، ويُفردوا أشهرَ الحجِّ للحجّ.
وقال الشافعيُّ ﵀: حاضرو المسجد الحرام: أهلُ مكَّةَ ومَن كان دون أدنى المواقيت إلى مكَّة، وهو ما دونَ يومٍ وليلةٍ؛ أدنى مدَّة السفرِ عندَه (^٤).
وقال مالكٌ ﵀: هم أهل مكَّة وأهل ذي طوى، فأمَّا أهلُ مِنى فلهم المتعةُ (^٥) عنده (^٦).
_________________
(١) بعدها في (أ): "الظاهر".
(٢) في (أ): "وحذفت".
(٣) في (ف) و(أ): "النسكين".
(٤) انظر: "مختصر المزني" (ص: ٩٤).
(٥) في (ر): "التمتع".
(٦) انظر: "الكافي" لابن عبد البر (١/ ٣٨٢).
[ ٣ / ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: اتَّقوهُ، فلا تخالفوا ما (^١) أمرَكم به وما نهاكم عنه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن لم يتَّقِه؛ أي: فهو أهلٌ أن يُتَّقى فإنَّ عقابَه شديدٌ.
* * *
(١٩٧) - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: وقتُ أوان (^٢) الحجِّ؛ لأنَّ الحجَّ فعلٌ، والفعلُ لا يكونُ أشهرًا، فعُلِم ضرورةً أنَّه أريدَ به وقتُه، وهو متعارَفٌ، يقال: آتيك صلاةَ الظهر؛ أي: وقتَها، وقال -ﷺ-: "أينما أدركتني الصَّلاةُ تيمَّمتُ وصلَّيتُ" (^٣)؛ أي: أدركنى (^٤) وقتها.
وقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ هي شوَّالُ، وذو القَعدة، وعشرٌ من (^٥) ذي الحجَّة، وإنَّما لم يُسَمِّها بأعيانها في الآية؛ لأنَّها كانت معروفةً (^٦) عندهم على ما توارثوه، إلَّا أنَّهم كانوا يُدخِلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنَّها هي أوقاتُه دونَ
_________________
(١) في (ر): "تخالفوه فيما" بدل: "تخالفوا ما".
(٢) لفظ: "أوان" من (ر).
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٧٠٦٨) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، ولفظه عنده: "تمسحت" بدل: "تيممت".
(٤) في (ر) و(ف): "أدركتني".
(٥) "من" ليس في (أ).
(٦) في (ر): "معلومة".
[ ٣ / ١٢٩ ]
غيرِها، وأطلقَ اسمَ الأشهر على شهرينِ وبعض الثَّالث؛ لأنَّ ذلك أكثرُها، ويجوزُ إطلاقُ اسم الشَّيء على أكثرِه، كقول (^١) الرَّجل: لم أرَ فلانًا منذ ثلاثة أيَّام، وهو بَعدُ في الثالث.
ومنهم مَن يقول: هي شوَّال، وذو القَعدة، وتسعُ (^٢) ذي الحجَّة؛ لأنَّ الحجَ يفوتُ بطلوع الفجرِ الثَّاني من يوم النَّحر، وهو اليومُ العاشرُ، ومَن أطلقَ العشرَ فإنَّما أرادَ به عشرَ ليالٍ؛ لأنَّ ليلةَ النَّحرِ يَصِحُّ فيها الوقوفُ بعرفةَ، فيُدرِكُ به الحجَّ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أي: في هذه الأشهرِ، ومعنى ﴿فَرَضَ﴾؛ أي: أحرمَ بذلك، وأوجبَهُ على نفسِه، وأصلُ الفَرضِ: إيجابُ الشَّيءِ مقدَّرًا (^٣)، يقول: إنَّ الحجَّ يكون في السَّنةِ مرَّةً في وقتٍ معلوم، فمَن عقدهُ على نفسِه فيه (^٤)، فليُحصِّنهُ عن الرَّفث والفُسوقِ والجِدال.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: فلا يَرفث، نفيٌ بمعنى النَّهي، كقول النبيِّ -ﷺ-: "لا إغْلالَ ولا إسْلال" (^٥)، والرَّفثُ: الجماع، قال الشاعر:
فبَاتوا يَرفُثونَ وباتَ منَّا رجالٌ في سلاحِهِمُ رُكُوبَا (^٦)
_________________
(١) في (أ): "يقول".
(٢) بعدها في (ف): "من".
(٣) في (أ): "شيء مقدر" بدل: "الشيء مقدرًا".
(٤) لفظ: "فيه" ليس في (ف).
(٥) رواه أبو داود في "سننه" (٢٧٦٦) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. قال الخطابي في "معالم السنن" (٢/ ٣٣٦): الإسلال من السَّلَّة، وهي السرقة، والإغلال الخيانة.
(٦) أورده نشوان الحميري في "شمس العلوم" (٤/ ٢٥٧٨)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/ ٣٢١) دون نسبة.
[ ٣ / ١٣٠ ]
وهو الفحشُ مِن الكلام أيضًا، قال الشاعر:
ورَبِّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّم (^١) عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكلُّم (^٢)
وقال النبيُّ -ﷺ-: "إذا كان يومُ صوم أحدِكم، فلا يَرفُث، ولا يَجهل، فإن امرؤ شاتَمهُ فليَقل: إنِّي صائم" (^٣).
وجملتُه أنَّه هو الجماعُ وما دونَهُ مِن شأنِ النساءِ ممَّا يُفضِي إلى ذلك، وقد رُوي أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ قال وهو مُحرمٌ:
فهنَّ يمشينَ بنا هَمِيسا إنْ تَصدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فقال أبو العالية: أترفُثُ وأنت محرِمٌ؟! قال: ذلك بحضرةِ النِّساء (^٤).
والحاصلُ أنَّ الجِماعَ محظورُ الإحرام، وهو قبلَ الوقوفِ بعرفةَ مفسدٌ، وبعدَه موجبٌ البَدنةَ، وحُرِّمَت دواعيه؛ لئلَّا يقعَ فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ أي: فلا (^٥) يفسق، وأصلُه: الخروجُ عن الطَّاعة، وتكلَّموا في المراد به هاهنا.
قيل: هو السِّباب، قال النبيُّ -ﷺ-: "سِبابُ المسلمِ فسوقٌ" (^٦)، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، فجعلَ التَّنابزَ بالألقابِ فسوقًا.
_________________
(١) البيت الأول من الرجز لم يرد في (أ).
(٢) الرجز للعجَّاج، وهو في "ديوانه": (١/ ٤٥٦).
(٣) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٤٥٩).
(٥) في (ر) و(ف): "لا".
(٦) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٣ / ١٣١ ]
وقال مالك ﵀: هو الذَّبحُ للأصنام، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (^١).
وقال بعضُهم -وهو مرويٌ عن ابنِ عبَّاس ﵄ وابن عمر-: إنَّه المعاصي كلُّها (^٢). وهو الصحيح؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ خروجٌ عن الطَّاعة، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعل ضِرار الكاتبِ والشَّهيدِ فسوقًا، فدلَّ أنَّه يقعُ على كلِّ معصيةٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾؛ أي: لا يُجادِلُ غيرهُ جِدالًا يُفضِي إلى التَّضاغُنِ وزوالِ التَّآلفِ، فأمَّا الجدالُ على وجهِ النَّظرِ في أمرٍ مِن أمور الدِّين بالدَّليل، فلا بأسَ به.
وقيل: كانوا يَتجادلون، فيقولُ أحدُهم: أنا أتمُّ حجًّا، ويقولُ الآخرُ: بل أنا أتمُّ حجًّا، وكانوا يَختلفون في الموقفِ، وفي الإفاضة، وفي فسخِ الحجِّ إلى العمرة، وفي أشياء كانوا عليها في الجاهليَّة، فعرَّفَهم أنَّ ما كان في الجاهليَّة فقد ارتفعَ، واستقرَّ على سُنَّةِ إبراهيم ﵇، على ما أمرَ النَّبيُّ -ﷺ- أنْ يُنادى: "اثبتوا على مشاعرِكم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث إبراهيمَ ﵇" (^٣)، وقال -ﷺ-: "خذوا عنِّي مناسكَكُم، لعلِّي لا ألقاكُم بعد عامي هذا" (^٤).
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٤٧) عقب الأثر: (١٨٢٩).
(٢) رواه عن ابن عباسٍ الطبريُّ في "تفسيره" (٤/ ٤٧٠)، وعن ابن عمر ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٤٧) (١٨٢٦).
(٣) رواه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، وابن ماجه (٣٠١١) من حديث يزيد بن شيبان ﵁.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في "الكبرى" (٤٠٠٢) من حديث جابر ﵁، ورواه مسلم =
[ ٣ / ١٣٢ ]
وقال مالكٌ ﵀ في "الموطأ": الجدالُ: أنَّ قريشًا كانت تَقِفُ عندَ المشعَرِ الحرامِ بالمُزدلفةِ بقُزَح، وكانت العربُ وغيرُهم يَقفون بعرفات، وكانوا يتجادلون؛ يقول هؤلاء: نحن أصوبُ، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال اللَّهُ تعالى: و﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال: فهذا هو الجدالُ فيما نُرى. واللَّه أعلم (^١).
وقيل: هو أمر النَّسيء (^٢)، ومعناه: لا جدالَ في أنَّ الزَّمانَ قد عادَ إلى ما كان، كما قال -ﷺ-: "ألا إنَّ الزَّمانَ قد استدارَ كهيئتِه يومَ خلق اللَّهُ السَّماوات والأرض" الحديث (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ نَهى عن ثلاثةِ أشياءَ مِن المعاصي، ورغَّب في كلِّ الطَّاعات، و"ما" كلمةُ شرطٍ، و﴿تَفْعَلُوا﴾ مجزومٌ بالشَّرط، ولذلك حذفَ من آخره النون، و﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جُزمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط؛ أي (^٤): ما عملتموهُ مِن أعمال الحجِّ وغيرِه مِن فرضٍ أو نفلٍ، فإنَّ اللَّه (^٥) عالمٌ به، حافظٌ له، يجزيكم عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قيل: ادَّخروا لأنفسِكم
_________________
(١) = (١٢٩٧) بلفظ: "لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
(٢) "موطأ مالك" (١/ ٣٨٨).
(٣) في (ر) و(ف): "الشيء".
(٤) رواه البخاري (٤٤٠٦)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٥) في (ف): "الذي".
(٦) في (أ): "فاللَّه" بدل: "فإن اللَّه".
[ ٣ / ١٣٣ ]
الخيرَ بتقوى اللَّه تعالى؛ في الائتمار بأوامره، والانتهاءِ بنواهيه؛ فإنَّ تقوى اللَّهِ خيرُ ما يُتَزوَّدُ (^١) ويُدَّخر؛ فإنَّه باقٍ، وغيرُه فانٍ.
والزَّادُ المعروفُ: هو ما أُخِذَ من الطَّعام وغيرِه عِدَّةً لوقتِ الحاجة إليه، فجُعِلَ مثلًا للأعمال الصالحة (^٢)؛ لحصولِ هذا المعنى بها.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: واخشَوني، واحذَروا عقابي أيُّها الذين مَنَنتُ عليهم بالعقول التي هي أفضلُ ما جُعِلَ في الخَلْقِ؛ فإنَّ لُبَّ الشَّيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جَعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التَّمييزِ ومعاوِن التَّدبير، فيَسهُلُ معها التَّقوى والتَّفكير (^٣).
ودليلُ صحَّةِ هذا التَّأويل أنَّه وإنْ أُطلِقَ التَّزوُّد، ولكن عُطِفَ عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، والفاءُ واصلةٌ للثَّاني بالأوَّل، ومخبِرةٌ بتشاكُلِهما، ويبعد أن يقال: تَزوَّدوا الطَّعام؛ فإن خير الزاد شيءٌ غيرُه.
وقال الحسنُ في تفسير هذه الآية: إنَّما هذه الدنيا بُلْغَةٌ؛ فمتزوِّدٌ خيرًا، ومتزوِّدٌ شرًّا، وكلٌّ (^٤) خارجٌ منها بما (^٥) تزوَّدَ منها.
وعامَّةُ المفسِّرين على أنَّه أمرَ بأخذِ الزَّادِ إذا خرجوا للحجِّ وألَّا يتَّكِلوا على مسألةِ النَّاس، وكان أهلُ اليمن يَخرجونَ بغيرِ زاد، ويقولون: نتوكَّل على اللَّه تعالى (^٦)،
_________________
(١) بعدها في (ر): "به".
(٢) "الصالحة" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "والتفكر".
(٤) بعدها في (ر): "ذلك".
(٥) في (ر) و(ف): "إنما".
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٤٩٨) عن الحسن وقتادة والربيع.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وكان قلوبُ رُفقائِهم تَشتغلُ بذلك، فأمرَهم اللَّهُ تعالى بالتزوُّد، وأخبرَ أنَّه مِن التَّقوى؛ فإنَّه ائتمارٌ بأمرِ اللَّه تعالى، وتخفيفٌ عن عبادِ اللَّه تعالى، وخيرُ الزَّادِ التَّقوى.
وقال مقاتلٌ ﵀: كان ناسٌ من أهلِ اليَمن وغيرِهم يَحجُّونَ بغير زادٍ، ويُصيبون مِن أهل الطَّريق ظُلمًا، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أي: فتزودوا (^١) مِن الطعام؛ كيلا تَظلِموا مَن تمرُّون به؛ ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ أي (^٢): أن تتَّقوا اللَّهَ تعالى باتِّقائكُم ظلمَ النَّاس (^٣).
﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قد فسَّرناه.
* * *
(١٩٨) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لا إثمَ عليكم في أن تتَّجِروا في طريق الحجِّ، وكانوا يَمتنعون عن ذلك، ويقولون للتُّجَّار في هذا الطريق: هؤلاء الداجّ، وليسوا بالحاجِّ.
والداجُّ: المكتَسِبُ الملتقِطُ، مشتَقٌّ مِن الدَّجاجة، قاله القفَّال.
وقال غيره: الدَّاجُّ عندهم اسمٌ معروفٌ لِمَن يَخرجُ مع الحاجِّ تبعًا
_________________
(١) قوله: "أي فتزودوا" ليس في (أ)، و"فتزودوا" ليس في (ر).
(٢) "التقوى أي" ليس في (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٧٤).
[ ٣ / ١٣٥ ]
للحاجِّ (^١) مِن الخَدَمِ والأتباع، مأخوذٌ (^٢) من قولهم: دجَّ؛ أي (^٣): دبَّ.
فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّ ما كان مباحًا مِن أمورِ الدُّنيا، ولا بدَّ منه لإقامةِ المعاش، فلا مَنْعَ عنه.
وفضلُ اللَّه تعالى هو المالُ والسَّعةُ بالتِّجارةِ وغيرِها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: كانت عُكاظٌ ومَجَنَّةٌ وذو المَجازِ أسواقًا في الجاهليَّة، فلمَّا كان الإسلامُ كأنَّهم كرِهوا أنْ يتَّجِروا في الحجِّ، فسألوا النبيَّ -ﷺ-، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٤).
وقال قتادة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كان أهلُ الجاهليَّة يُسمُّون ليلةَ النَّفْرِ ليلةَ الصَّدرِ، وكانوا لا يَمكثون على كسيرٍ، ولا على ضالَّة ولا لحاجة (^٥)، ولا يَبتغون فيها تجارةً، فأحلَّ اللَّهُ تعالى ذلك للمؤمنين أنْ يَمكثوا على حاجاتهم، ويبتغوا مِن فضلِ اللَّه تعالى (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي: رجعتُم منها بعد الوقوفِ بها،
_________________
(١) في (ف): "للحجاج".
(٢) لفظ: "مأخوذ" من (أ).
(٣) في (ف): "إذا".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (١٧٧٠)، (٢٠٥٠).
(٥) في (أ): "حاجة".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٠٦).
[ ٣ / ١٣٦ ]
وحقيقةُ الإفاضةِ هاهنا هو اجتماعُ الكثيرِ في الذَّهاب والمسير، ومنه قولُهم: أفاضَ البعيرُ بجِرَّتِه (^١)؛ أي: أجراها كثيرًا متفرِّفًا، وإفاضةُ قِداحَ الميسر: جمعُها، ثمَّ إلقاؤُها متفرِّقةً، وإفاضةُ الماءِ على البدن، وإفاضةُ الدُّموع، والإفاضةُ مِن القومِ في الحديث؛ كلُّها تَرجِعُ إلى هذا، وكذا قولُهم: النَّاس فوضى، ونيَّاتهم فوضى، على هذا.
وعرفات: موضِعٌ مخصوصٌ، بها الوقوفُ الذي هو ركنُ الحجِّ، وسُمِّيَت بها؛ لأن آدمَ -صلوات اللَّه عليه- وجد بها حواء، فعرَفها بعدما كانا تَفارقا مدَّةً.
وقيل: لأنَّ جبريلَ ﵇ عرَّف بها آدمَ ﵇ (^٢) مناسكَ الحج (^٣).
وهي جمعُ عَرَفة، وهي ما ارتفعَ مِن الأرض، وكذلك الأعراف، وإن كان (^٤) الاسمُ شاملًا لأجزاء ذلك المكان، واليوم الذي يُوقَف (^٥) بها يومُ عرفة، ووقوفُ النَّاس بها فيه (^٦) تعريفٌ.
وكان (^٧) قريشٌ ومَن دخل في جملتهم من الحُمْس لا يجاوزون الحرمَ؛ تعظيمًا له، وكراهيةَ أن يحطُّوا قدره، فيكون فيه حطُّ أقدار (^٨) أنفسهم؛ إذ عظَّموا غيرَ الحرم، وكانوا لا يَقفون بعرفةَ؛ لأنَّها مِن الحلِّ، وكان غيرُهم يَقفون بعرفة،
_________________
(١) الجِرَّة: ما يخرجُه البعير للاجترار. "الصحاح" (مادة: جرر).
(٢) في (ف): "عرف بها أي آدم ﵇ وعرفه" بدل: "عرف بها آدم ﵇".
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥١٤) نحوه من قول ابن عباس وعطاء.
(٤) في (أ): "وكان" بدل: "وإن كان".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "فيه".
(٦) لفظ: "فيه" من (أ).
(٧) في (ر) و(ف): "وكانت".
(٨) في هامش (ر): "مقدار"، وعليها علامة الصحة.
[ ٣ / ١٣٧ ]
وكان الواقفون بعرفةَ يُفيضون قبلَ غروبِ الشَّمس، وكان الواقفون بالمزدلفة يَدفعون إذا طَلَعت الشَّمس، فردَّهم اللَّهُ ﷻ بنبيِّه -ﷺ- إلى ملَّة إبراهيم ﵇ (^١)، فوقفَ بعرفات، وأفاض منها بعد غروب الشَّمس، ودفعَ من المزدلفة قبلَ طلوعِ الشَّمس، ونزل القرآن بالإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وقولِه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، وفيه دليلُ تَقدُّم (^٢) الوقوف عليه، وهو ركنٌ، قال -ﷺ-: "الحجُّ عرفة" (^٣)، فمن وقفَ بعرفة فقد تمَّ حجُّه؛ أي: أمِنَ الفوتَ؛ فإنَّه لم يبق ركنٌ إلَّا الطَّوافُ بالبيت، وذلك لا يَفوتُ؛ فإنَّه يُقْضَى بعد أيَّامِ النَّحر، فأمَّا الوقوفُ بعرفة، فإنه إذا فاتَ يومُ عرفةَ وليلةُ النَّحر، فقد فات الحجُّ.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أي: صلُّوا للَّه تعالى، وهي المغربُ والعشاءُ جمعًا في وقتِ العشاء، وقولُه: ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أي: المزدلفة، وا لمشعر: المعْلَم؛ أي: للعبادة، والشَّعائرُ: العلامات، والحرام: المحترمُ والمحرَّم، وكذا المسجدُ الحرام، والبيتُ الحرام، والشَّهرُ الحرام، وكذا الحرمُ؛ يَحِلُّ حرمتُها ولا يحلُّ هتكها.
ومنهم من حملَ قولَه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ على مطلقِ الذِّكر باللِّسان،
_________________
(١) "إلى ملة إبراهيم ﵇" سقط من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "تقديم".
(٣) رواه الترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁.
[ ٣ / ١٣٨ ]
والحملُ هاهنا على الصَّلاةِ أولى (^١)؛ لأنَّ الذِّكرَ باللِّسانِ دَخلَ (^٢) فيما ذُكرَ بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، فيُحمَلُ هذا على الصَّلاة؛ لزيادةِ الإفادة، والذِّكرُ يَجيءُ بمعنى الصَّلاة، قال تعالى خبرًا عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: آثرْتُ حبَّ الخيلِ (^٣) على صلاة ربِّي، وقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: صلاة الجمعة.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: اذكروه بألسنتِكم على الوجوه (^٤) الذي علَّمكم، وإنْ كنتُم لا تَهتدون إليه قبل ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وهو وصفُه بما يَليقُ به (^٥)، ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وهو تنزيهُه عما لا يليقُ به.
وقيل: واذكروه بالشُّكرِ على ما هداكُم للدِّين الحقِّ، وقد كنتم قبل ذلك من الضَّالِّين عن الهُدى.
و"إن" كلمةُ تأكيدٍ بمعنى "قد"، واللامُ للتَّأكيد أيضًا.
وقيل: (إن) نفيٌ، واللام استثناء؛ أي: وما كنتم قبلَ ذلك إلَّا مِن الضَّالين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبلِ الهُدى، وهو ثابتٌ دِلالةَ قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأولى".
(٢) في (أ): "داخل".
(٣) في (ر) و(ف): "الخير".
(٤) في (أ): "الوجه".
(٥) بعدها في (ر): "كثيرًا".
[ ٣ / ١٣٩ ]
ومن حملَ الذِّكرَ الأوَّلَ على اللِّسان، فإنَّه يَقول: التَّكرار للتَّأكيد، ولأنَّ الأوَّل أمرُ بالذِّكر، والثَّاني أمرٌ بالذِّكرِ وبيان السَّببِ الذي يُوجبُه، أو بيان صفتِه التي يُبتغى عليها، ولأنَّه أمرٌ بوصل الذِّكر بالذِّكر وبمداومة الشُّكر لتوالي الإنعام والبِرِّ.
* * *
(١٩٩) - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: ارجعوا يا قريش والحمس مِن عرفات كما يرجع سائرُ النَّاس منها، وهو أمرٌ بالوقوفِ بعرفات.
و﴿ثُمَّ﴾ ليس (^١) للترتيب هنا (^٢)، فإنَّه ليس بعد (^٣) الوقوف بالمزدلفة، لكنَّه بمعنى "مع"، وأريد به العطف المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٧]؛ أي: مع ذلك كان مؤمنًا.
وقيل: أراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: إبراهيمُ ﵇، وأولادُه، وأمَّتُه، ومتَّبِعوه؛ فإنَّهم كانوا غيَّروا ذلك، فرُدُّوا إلى الأصل.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أفيضوا الآن كما أُمِرتُم (^٤)، واستغفرُوا (^٥) لِما سلفَ منكم، يَغفر لكم اللَّه ويَرحمكم.
_________________
(١) لفظ: "ليس" من (ر).
(٢) "هنا" ليس في (أ) و(ف).
(٣) بعدها في (ر): "هذا".
(٤) "أي أفيضوا الآن كما أمرتم" من (أ).
(٥) فى (ف): "واستغفروا اللَّه"، وليست في (ر).
[ ٣ / ١٤٠ ]
وقيل: إذا ذكرتُم اللَّهَ تعالى، ووصفتموه (^١) بالطَّهارة، فاسألوا (^٢) اللَّهَ تعالى لأنفسِكم الطَّهارةَ.
* * *
(٢٠٠) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: فإذا أتممتُم أمورَ حجِّكم.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (^٣) أي: احمدوهُ وأثنوا عليه بما أنعمَ (^٤) عليكم، كما تذكرون آباءَكم بإنعامٍ منهم يكون عليكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أي: بل أشدَّ ذكرًا، فإنَّ نِعمَ اللَّه تعالى غيرُ محصورةٍ، وقد ذكرنا لكلمة "أو" وجوهًا أخر عند قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وهذا على ذلك.
وقال القفَّال: ومجازُ اللُّغة في مثلِ هذا معروفٌ، يقول الرجلُ لآخر: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه (^٥)، لا يريد به التَّشكيك، وإنَّما يريدُ به النَّقلَ عن الأوَّل إلى ما هو أقربُ منه وقتًا.
_________________
(١) في (ر): "وصفتم اللَّه".
(٢) في (ف): "فسلوا".
(٣) بعدها في (أ): "أو أشد ذكرًا".
(٤) بعدها في (أ): لفظ الجلالة "اللَّه".
(٥) في (ر): "به".
[ ٣ / ١٤١ ]
وقالوا: كانوا في الجاهليَّة في المواسم عند اجتماعِ النَّاس وتوافرِ القبائل، يتفاخرون بآبائهم، ويُعددون إيَّامَهم، ويَذكرونَ محاسنَهم، يريدُ كلُّ واحدٍ منهم الشُّهرةَ لنفسِه، والتَّرفُّعَ بمآثرِ سلفِه بعرفات ومنى وغير ذلك، قال جريرٌ يخاطِبُ الفرزدق:
ألم تر أنَّ اللَّهَ أخزى مُجاشِعًا إذا ضمَّ أحياءَ الحجيجِ المُعَرَّفُ (^١)
وقال الفرزدقُ يخاطبُ جريرًا:
وإنَّك لاقٍ بالمشاعرِ من مِنى فخارًا فخبِّرني بمَنْ أنْتَ فاخِرُ (^٢)
فلمَّا جاء الإسلامُ نهاهُم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأمَرهم أنْ (^٣) يَجعلوا بدلَ ذكرِهم آباءَهم ذكرَ اللَّهِ تعالى وتمجيدَهُ والثَّناءَ عليه بنعمِه؛ إذ الخيرُ كلُّه مِن عندِه، وآباؤهم عبيدُه، ونالُوا ما نالوا بإفضالِه.
وقال الحسن البصري ﵀: معناه: اذكروني كما يَذكُرُ الصَّغيرُ أباهُ، فإنَّه أول ما يَتكلَّمُ يقول: يا أب، يا أب، فعلى كلِّ مسلمٍ أن يقولَ على الدَّوام: يا رب، يا رب.
وقيل: اذكروني بالوحدانيَّة كما يَذكرُ الولدُ أباه، فإنَّه لا يَرضى بأنْ يُذكَر له أبوان، فلا يَنبغي للعبدِ أنْ يَسكُتَ إذا قيل: ربَّان.
وقيل لابن عباس ﵄ في هذه الآية: إنَّ الرجلَ ليأتي عليه زمانٌ ما يَذكُرُ أباهُ، قال: إنَّه ليس بذلك، ولكنَّه يقول: تغضبُ للَّه تعالى إذا عُصِيَ أشدَّ مِن غضبِك لوالدِك إذا ذُكِرَ بسوءٍ (^٤).
_________________
(١) انظر: "ديوان جرير" (ص: ٩٢٩)، وفيه: "أفواج" بدل: "أحياء".
(٢) انظر "شرح ديوان الفرزدق" (٢/ ٤٣٨)، وفيه: "بالمحصب" بدل: "بالمشاعر".
(٣) في (ف): "بأن".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٥٥) (١٨٦٩).
[ ٣ / ١٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ أي: مِن الذين يَشهدون الحجَّ مَن يَسألُ اللَّهَ حظوظَ الدُّنيا، فيقول: يا ربَّنا أعطِنا في الدُّنيا؛ أي: الجاهَ والغِنى والنُّصرةَ على الأعداء، وما هو مِن الحظوظِ العاجلة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، واختُلف فيهم أنَّهم مَن هم؟
قيل: هم الكفَّار؛ لأنَّهم كانوا يُعظِّمون البيتَ، فيَحجُّونَهُ (^١)، ويَدعونَ بحوائجِ الدُّنيا دون (^٢) الآخرة، فإنَّهم كانوا يَجحدون البعثَ بعد الموت، فذكرَ (^٣) اللَّهُ تعالى أنَّه (^٤) لا حظَّ لهم في الآخرة ممَّا ينالُه المؤمنون مِن الجنَّة وأنواعِ الكرامة.
وقيل: هم المؤمنون الذين يَسألون الدُّنيا دون الآخرة، وهو ذنبٌ منهم؛ إذ سألوا اللَّهَ تعالى في أشرفِ المشاهدِ حُطَام الدُّنيا، وغَفَلوا عن نعيمِ (^٥) العقبى، وقولُه تعالى في حقِّهم: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: إلا أن يتوب.
وقيل: أي (^٦): إلَّا أن يعفوَ اللَّهُ تعالى عنه.
وقيل: أي (^٧): ليس له خَلاق كخلاقِ مَن سأل اللَّهَ تعالى لآخرتِه.
_________________
(١) في (أ): "فيحجون".
(٢) في (ر) و(ف): "قبل".
(٣) في (أ): "فأخبر".
(٤) في (ف): "أنهم".
(٥) في (أ): "نعم".
(٦) لفظ: "أي" من (أ).
(٧) "أي" ليس في (ف).
[ ٣ / ١٤٣ ]
(٢٠١) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ أي: ومِن الذين يَشهدون الحجَّ مَن يَسألُ اللَّهَ تعالى خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، والحفظَ مِن نار جهنَّم.
والحسنةُ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ الخيراتِ في الدَّارين، قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] هي الخِصبُ وسَعَةُ الرِّزق، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ١٥٢]، وهما الظَّفرُ والشَّهادة.
وقال ثابت: قالوا لأنس: ادعُ لنا، فقال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، قالوا: زدنا، قال: سألتُ خيرَي (^١) الدُّنيا والآخرة (^٢).
وقال عكرمة: الحسنةُ في الدُّنيا: المرأةُ الصَّالحة.
وقال الحسنُ ﵀: الحسنةُ في الدُّنيا: الفقهُ والعبادة (^٣).
وقال في روايةٍ: الحسنةُ في الدُّنيا: الرِّزقُ الطَّيِّبُ والعملُ الصَّالح، وفي الآخرة: الجنَّة (^٤).
وقيل: حسنةُ الدُّنيا: التَّوفيقُ والعِصمةُ، وحسنةُ الآخرة: العفوُ والمعفرة.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "لكم خير".
(٢) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٥٩) (١٨٨٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٤٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٨، ٣٥٩) (١٨٧٩)، (١٨٨٤).
(٤) رواه ابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٨) (١٨٨٠) دون قوله: "وفي الآخرة الجنة"، ووردت هذه العبارة في الرواية التي قبل هذه.
[ ٣ / ١٤٤ ]
وقال الشيخ الإمام أبو القاسم الحكيم (^١): حسنةُ الدُّنيا: عيشٌ على سعادة (^٢)، وموتٌ على شهادة، وحسنةُ الآخرة: بعثٌ مِن القبرِ على بشارة، وجوازٌ على الصِّراطِ على سلامة.
وقيل: الحسنةُ في الدُّنيا: العافية، وفي الآخرة: العفو.
وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: احفظْنا مِن عذابِ جهنَّم، والوقايةُ تتعدَّى إلى مفعولَين، و﴿عَذَابَ﴾ مفعولٌ ثان.
* * *
(٢٠٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: هؤلاء الذين سألوا (^٣) الحسنتين، لهم حظٌّ صالحٌّ بما حجُّوا على الوجهِ، وسألوا على العلم.
وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ يرجعُ إلى الفريقين، ومعناه: لكلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ على وفقِ عمله، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
_________________
(١) هو القاضي إسحاق بن محمد بن إسماعيل، الحكيم السمرقندي، تولى قضاء سمرقند أيامًا طويلة، وحمدت سيرته، لقب بالحكيم لكثرة حكمته ومواعظه، كان شريك الشيخ أبي منصور الماتريدي، وصحبه إلى أن فرق الموت بينهما، وعنه أخذ الفقه والكلام، من مؤلفاته "الصحائف الإلهية"، و"السواد الأعظم" (طبع عدة مرات)، توفي سنة (٣٤٢ هـ). انظر: "الأنساب" للسمعاني (٤/ ١٨٦)، و"الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (١/ ٣٧١، ٣٧٤)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (١/ ٢٩٤)، و"الأعلام" للزركلي (١/ ٢٩٦).
(٢) في (ر): "بشارة".
(٣) في (أ): "سألوا هؤلاء" بدل: "هؤلاء الذين سألوا".
[ ٣ / ١٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيه إشارةٌ إلى (^١) الجزاء على الخير والشرِّ جميعًا، فيوافقُ القولَ الذي مرَّ أنه في الفريقين.
ثمَّ معناه عند بعضِهم: سريعُ الجزاء على الأعمال، و﴿الْحِسَابِ﴾ يرادُ به نفسُ الجزاء على الأعمال (^٢)، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨]، وهذا في الدُّنيا فكان جزاءً، ووجهُه أنَّ الحسناتِ (^٣) تكون مكافأةً من جهة الأخذِ والإعطاء، فإذا قال القائلُ: حاسبْتُ فلانًا؛ أي: أخذتُ منه ما كان لي عليه، وأعطيتُه ما كان له عليَّ.
وقيل: معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أنَّ (^٤) محاسبةَ اللَّه تعالى عبادهُ آتيةٌ لا محالة، وما هو آتٍ فكأن قد.
وقيل: إنَّه سريعُ الحسابِ؛ لأنَّه (^٥) لا يَشغلُه شأنٌ عن شأن، فيحاسِبُ الكلَّ جملةً.
وقيل: هو سريعُ الحساب؛ لأنَّه لا جحودَ يومئذٍ، فيؤتى كلُّ واحدٍ بكتابِه وفيه أعمالُه، وقد ظهرَ جزاؤه، فيُقضى عليه للحالِ بما يَستحقُّه.
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "على".
(٢) قوله: "على الأعمال" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "الحساب".
(٤) في (ر) و(ف): "أي".
(٥) في (ف): "فإنه".
[ ٣ / ١٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيَّامُ التَّشريقِ، وهي أيَّامُ رميِ الجِمار، وهي ثلاثةٌ بعدَ اليوم العاشر من ذي الحجَّة (^١)، وهو أمرٌ بالتَّكبير وغيرِه عند رميِ الجِمار فيها.
وقيل (^٢): هو أمر بالتَّكبير في أدبار الصَّلوات.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: تعجَّلَ بالرُّجوع، واكتفى برميِ الجِمارِ في يومين من (^٣) هذه الأيَّام الثَّلاثة، فلم يمكثْ حتى يَرمي في اليوم الثَّالث.
قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لا يأثمُ بهذا التَّعجيل، وهو مرخَّصٌ له.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾؛ أي: رمى في الثَّلاثة الأيام، ثم رجع.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ يقال: إنَّه قال في المتعجل: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقيِّدهُ بشرطِ التقوى، وقال في المتأخِّر: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، والأوَّل (^٤) أخذَ بالرُّخصة، والثَّاني (^٥) بالعزيمة، فكان اشتراطُ التَّقوى زيادةً على عمله هناك أولى، فلمَ جاء النص بخلافه؟
قلنا: معنى الأول: فلا إثمَ عليه بالتَّعجُّل (^٦)، ومعنى الثاني: فلا يبقى عليه إثمٌ مِن آثام عمره إذا اتَّقى اللَّهَ تعالى في هذا الحجِّ، فإنَّه يُتقبَّلُ منه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ كلَّ ذنبٍ.
_________________
(١) في (أ): "من حجة الوداع" بدل: "ذي الحجة".
(٢) من قوله: "وهو أمر بالتكبير وغيره" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ر): "أي: في" بدل: "من".
(٤) في (ف): "فالأول".
(٥) بعدها في (ر): "أخذ".
(٦) في (ر) و(ف): "بالتعجيل".
[ ٣ / ١٤٧ ]
وقيل في نزوله: إنَّه كان يتعجَّل بعضُهم، ويتأخَّرُ بعضُهم، فيَعيبُ هذا على هذا، وهذا على هذا، فنزلَت الآيةُ أنَّه لا عيب على متعجِّل ولا على متأخِّر.
ثم قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ فيه ثلاثةُ أقاويل:
قال أبو العالية: أي: يَجيءُ يومَ القيامة ولا إثمَ عليه، إذا اتَّقى (^١) فيما بقيَ مِن عمره، فلم يَرتكب ذَنبًا (^٢) بعد ما غُفِرَ له في الحجِّ (^٣).
وقيل: لمن اتَّقى قبل الحجِّ، فحجَّ وهو مُتَّقٍ؛ فأمَّا المذنبُ المصِرُّ إذا حجَّ فلا يُقبَلُ منه.
وقيل: لمن اتَّقى محظوراتِ إحرامِه، فلم يُذنِب ذنبًا في حجَّتِه (^٤)، قال -ﷺ-: "من حجَّ ولم يرفث ولم يفسق، رجعَ كما ولدته أمه" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في أوامرِه ونواهيه.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تُبعثونَ وتُجمَعون وتُجزَون بما كنتم تعمَلون.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ر): لفظ الجلالة "اللَّه".
(٢) في (ف): "دنسًا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٦٣) (١٩٠٨).
(٤) في (أ): "حجه".
(٥) رواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ١٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّه ذكرَ فريقين يَشهدون الحجَّ؛ كفَّارٌ يَسألون الدُّنيا، ومؤمنون يَسألون الآخرة، ثمَّ ذكر فريقًا ثالثًا، وهم المنافقون الذين ظاهرُهم مع هؤلاء، وباطنُهم مع هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾؛ أي: يَروقُكَ كلامُه وفصاحتُه.
وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلَت في الأخنسِ بن شَرِيقٍ الثَّقفيِّ؛ أقبلَ (^١) إلى النبيِّ -ﷺ-، فأظهرَ له الإسلامَ، وكان له منظرُ ولسانٌ، فأَعجَبَ النبيَّ -ﷺ- ذلك، وقال: جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يَعلمُ إنِّي لصادقٌ (^٢)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (^٣)؛ أي: يَستشهِدُ باللَّه أنَّ ما يُضمِرُه موافقٌ لِما يُظهِرُه (^٤)، فيقول: أشهدُ باللَّه إنِّي لمخلص.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: شديدُ المخاصمة؛ يقال: لَدَّ يَلُدُّ لَدَدًا فهو ألدُّ، من باب عَلِم، واللُّدُّ جمع الألدِّ، قال تعالى: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].
و﴿الْخِصَامِ﴾ مصدرُ قولِك (^٥): خاصمَهُ يُخاصِمُه مخاصمةً (^٦) وخصامًا.
_________________
(١) في (ف): "جاء".
(٢) بعدها في (ر): "فأعجب النبي -ﷺ-".
(٣) رواه الطبري (٣/ ٥٧٢)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥) (١٩١٣)، (١٩١٧)، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٨).
(٤) في (أ): "يظهره موافق لما يضمره" بدل: "يضمره موافق لما يظهره".
(٥) في (ر): "قوله".
(٦) في (ف): "يخاصم".
[ ٣ / ١٤٩ ]
والزَّجَّاجُ جعل الألف في الألد (^١) للتَّفضيل، وجعل الخِصامَ جمعَ خصم (^٢)؛ أي: هو ألجُّ الخصوم؛ أي: أشدُّهم لجاجًا.
وقيل: الألندد واليلندد كا لألد، واشتقاقُه مِن لَديدي العُنُق، وهما صفحتاه، ولديدا (^٣) الوادي جانباه، ومعناه أنَّه هو الذي إذا أخذَ خصمُهُ في وجهٍ، قابلَهُ بوجهٍ (^٤) آخر، فغلبَهُ وقهرَه.
* * *
(٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾؛ أي: إذا رجعَ وأعرضَ عنك هذا المنافقُ، سعى في الأرض بالإفساد، وهو ما ذكرَ بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال السُّدِّيُّ ﵀: مرَّ على زرعِ مسلمٍ فأحرقَه، وعلى أتانٍ له فعقرَها (^٥).
والحرثُ هو الزَّرعُ، وأصله الشَّقُّ، وقد حرثَ الحرَّاث؛ أي: (^٦) شَقَّ الأرضَ وبذرَ فيها.
_________________
(١) في (ف): "ألد".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٧٧).
(٣) في (ف) و(أ): "ولديد".
(٤) في (ر): "في وجه" بدل: "بوجه".
(٥) الذي فعل ذلك هو الأخنس بن شريق، رواه الطبري (٣/ ٥٧٢). وسلف بعضه قريبًا.
(٦) في (ر) و(ف): "وقد" بدل: "أي".
[ ٣ / ١٥٠ ]
والنَّسلُ: ما خرجَ مِن كلِّ أُنثى (^١) من أجناس الحيوان، ومنه سُمِّيَ ما يخرجُ من الوَبَر والشَّعر نَسِيلًا (^٢)، قال امرئ القيس:
وإنْ تكُ قد ساءَتك منِّي خليقةٌ فسُلِّي ثيابي مِنْ ثيابِك تَنْسُلِ (^٣)
أي: تَخرج (^٤).
وقيل في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ﴾: إنَّ (^٥) الأخنسَ كان حليفًا لبني زُهرة (^٦)، وقال لهم يوم بدر: إنَّ محمَّدًا ابنُ أختكم (^٧)، فإن يكُ كاذبًا كفاكُم ذؤبان العرب، وإن يك صادقًا كنتم أسعدَ الناس به، فارجعوا. فقالوا: نعم الرأي (^٨) رأيت! قال: فإذا نُودِي في الناس بالرحيل، فإنِّي أنخنسُ بكم فاتبعوني، ففعلوا، فسُمِّيَ الأخنس (^٩)، وكان اسمه أُبيَّ بنَ شَرِيق، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ-، فأعجبَه.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: في أمور الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧].
وقيل في قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: هو إفسادُ قلوبِ النَّاس بالتَّلبيس وإدخالِ
_________________
(١) في (أ): "شيء".
(٢) في (ف): "نسلًا"، وليس في (ر).
(٣) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١٣).
(٤) في (أ): "تخرج".
(٥) في (ر): "أي".
(٦) وقع في هامش (ف) ما نصه: "زهرة حي من قريش أي قبيلة".
(٧) في (أ) و(ر): "أخيكم"، والمثبت هو الصواب الموافق للمصادر.
(٨) في (ر) و(ف): "الذي" بدل: "الرأي".
(٩) روى الطبري نحوه في "تفسيره" (٩/ ٢٢٢)، وانظر أيضًا: "تفسير مقاتل" (١/ ١٧٨).
[ ٣ / ١٥١ ]
الشُّبَهِ، والمنافقون موصوفون بذلك في قوله تعالى (^١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قيل: هو نهايةُ وصفٍ له بالفساد، وهو في غاية الفصاحة، فإنَّ قيامَ الدُّنيا بما يَخرجُ مِن الأرض ومن الأنثى، فإذا انْقَطعا، خربت الدُّنيا، وهذا كما قال تعالى في وصف الجنَّة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، وهو نهايةُ ما في الجنَّة مِن النِّعمة، وقال تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وهو نهايةُ ما في الأرض من العطيَّةِ.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أي: يُهْلِكَ الأمَّهاتِ والأولاد، فإنَّ النساءَ حرثٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يَستحْسنُه ولا يَرضاهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا خُوِّفَ هذا المنافقُ باللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتهُ حميَّتُه وعزَّتُه في نفسِه على ردِّ (^٢) النُّصح، وإظهارِ الغضبِ، والإصرارِ على الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ أي: حميَّةٍ وعداوة.
والباء على هذا صلةُ: ﴿أَخَذَتْهُ﴾، ولا فرقَ بين قولك: أخذتهُ بِكذا، وحملتُه على كذا.
وقيل: معناه: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾؛ أي: لَزمتهُ الحميَّةُ وعزَّةُ النَّفسِ، وتمَّ الكلام، كما
_________________
(١) بعدها في (ف): "ليفسد فيها".
(٢) في (ر) و(ف): "أداء"، وهو تحريف.
[ ٣ / ١٥٢ ]
يُقال: أخَذَتْهُ الحُمَّى، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بسببِ الإثم الذي في قلبِه، وهو النِّفاقُ وحبُّ الفساد.
وقوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيهِ دخولُ النَّار والخلودُ فيها؛ جزاءً على عملِه (^١)، وهو وعيدٌ شديدٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: ولبئسَ ما مهدَ لنفسِه في الآخرة؛ أي: وطَّأ وهيَّأ. قبَّح بهذا فعلَه، وعجَّب عبادَه منه. والمِهاد في الأصل يُستعمَلُ في الخير، قال تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، لكن ذكر هذا للكافر بمقابلة ما ذَكرَ للمؤمن، وهو كالبِشارة، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقال تعالى في مقابلته: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨].
* * *
(٢٠٧) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لمَّا ذكر في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ واحدًا مَذمومًا من أعدائِه، ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ واحدًا محمودًا من أوليائه، ترغيبًا للنَّاس، وترهيبًا، وتعريفًا للنَّاس أنَّه لا يَجعلُ المسيءَ كالمحسن.
وقوله تعالى: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾؛ أي: يبيعُها مِن اللَّه تعالى يبتغي بذلك أنْ يكونَ ثمنُها رضى اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ف): "ما عمله".
[ ٣ / ١٥٣ ]
وبيعُه نفسَه للَّه تعالى: بذلُها في الطَّاعة والجهادِ للَّه عزَّ وعلا، وهذه استعارةٌ عن بذلِ النَّفسِ للَّه تعالى؛ رجاءَ ثوابِ اللَّه تعالى عوضًا عنها، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: هو في غايةِ الرَّحمةِ بهم، ولهذا عوَّضَهُم النَّعيمَ المقيمَ على عملٍ (^١) منقطع.
والآيةُ نزلَت في شأن صهيبٍ الروميِّ خرجَ من مكَّة يريدُ الهجرةَ إلى المدينة (^٢)، وهو يومئذٍ ابنُ مئة سنةٍ (^٣)، وكان معه كنانته وسهامُه (^٤)، فتبعَهُ أهلُ مكة ليأخذوهُ ويردُّوه، فقال لهم: إنَّكم لن تَصِلوا إليَّ ما بقيَ معي سهم -وكان راميًا مصيبًا-، ولن ينفعَكم كوني فيكم، ولي مالٌ في داري، فارجعوا وخذُوه وخلُّوا عنِّي، ففعلُوا، وسارَ هو إلى المدينة، فقبلَ أن يصل إليها نزلَت هذه الآية، وأخبرَهُم رسولُ اللَّه -ﷺ- بقدومِه، فاستقبلوهُ، وسبقهم عمر، وقال: يا صهيبُ، ربح البيع! وتلا عليه هذه الآية (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نعيم" بدل: "عمل".
(٢) في (ف): "النبي بالمدينة".
(٣) في المصادر أنه كان شيخًا كبيرًا، ولم أقف على من عين عمره، لكن ذكر الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٥/ ١٦٣) عن الواقدي أن صهيبًا مات سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين.
(٤) في (ف): "وفيها سهامه".
(٥) أخرج نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩) (١٩٣٩) عن سعيد بن المسيب، وأورده الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٥٨)، وفيهما أن قائل: "ربح البيع" رسولُ اللَّه -ﷺ-. وذكر مقاتل نحو هذا الخبر في "تفسيره" (١/ ١٧٩)، والقائل عنده أبو بكر ﵁.
[ ٣ / ١٥٤ ]
وقال قتادةُ: هم أصحابُ نبيِّ اللَّه ﵊ مِن المهاجرين والأنصار (^١)، لمَّا رأوا المشركين يَدعون مع اللَّه إلهًا آخر، قاتَلوا على دينِ اللَّه تعالى، وشَروهُ بأنفسِهم (^٢) غضبًا له، وجاهدوا في سبيلِ اللَّه حتَّى أظهرَ اللَّه ﷻ دينَه.
* * *
(٢٠٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قيل: هو (^٣) خطابُ المنافقين؛ أي: يا أيُّها الذين آمنوا ظاهرًا، ادخلوا في الإسلام (^٤) جميعًا باطنًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: وساوسَه في الإقامةِ على النِّفاق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: يريدُ تخليدَكُم في النَّارِ بعداوته.
* * *
(٢٠٩) - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٢)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٦٩) (١٩٤٢).
(٢) في (أ): "أنفسهم" بدل: "بأنفسهم".
(٣) في (ف): "هذا" بدل: "قيل: هو".
(٤) في (ف): "السلم".
[ ٣ / ١٥٥ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: مِلتُم عن الإخلاصِ، وثبتُّم على النِّفاق بعد ظهورِ الحجج.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: يَنتقمُ منكم في الدُّنيا والآخرة، وهو حكمة منه، وتنتظمُ هذه الآية قصَّة (^١) الأخنس.
وقيل: هو خطابٌ لأهل الكتاب؛ أي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ببعض الرُّسُل والكتب، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أي: آمِنوا بمحمَّدٍ وكتابِه، وادخلوا في الاستسلام (^٢) للَّه تعالى جميعًا على التمام، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ في تحسينِه عندكم (^٣) الاقتصارَ على اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يريدُ أنْ تَبقوا (^٤) في جهنَّم خالدين، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: عدلتُم عن الإسلامِ وبقيتُم على اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، مِن بعد ما قامت البيِّناتُ على حقيقة الإسلام، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يَمتنعُ عليه أخذُكم وتعذيبُكم، وهو ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَدعُ مجازاةَ المسيئينَ على إساءتهم.
وقيل: هو خطابٌ لِمَن آمنَ مِن أهل الكتابِ، مثل عبدِ اللَّه بن سَلام وأصحابِه، وكانوا يَتمسَّكون ببعضِ شرائع التَّوراةِ؛ مِن السَّبتِ، وتحريمِ لحم (^٥) الإبل، وأشياءَ كانوا يَرون أنَّ الكفَّ عن ذلك (^٦) مباحٌ في الإسلام، وإنْ كان واجبًا في شريعتِهم،
_________________
(١) في (ر): "بقصة".
(٢) في: "الإسلام".
(٣) في: "لكم"، وفي (ف): "عليكم".
(٤) في: "تقعوا"، وفي (ف): "تكونوا".
(٥) في (أ): "لحوم".
(٦) في (ر): "عنها".
[ ٣ / ١٥٦ ]
فثبتوا على ذلك، مع اعتقادهم حلَّها؛ استيحاشًا مِن مفارقةِ العادة، فقال اللَّهُ تعالى لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واعتقدوا الإسلامَ، ﴿ادْخُلُوا﴾ في شرائعِ الإسلام كلِّها، ولا تتمسَّكوا بشيءٍ ممَّا نُسِخَ، ودَعوا ما ألِفتموهُ، ولا تستوحشوا مِن النُّزوعِ عنه، فإنَّه لا وحشةَ مع الحقِّ، وإنَّما هو مِن تَزيينِ الشَّيطان، فلا تتَّبعوه، فإنه يريد أن يُفسِدَ عليكم بهذه الوساوسِ إسلامَكم، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾؛ أي: زُلتُم عمَّا دخلتُم فيه، فاعلموا أنَّ اللَّهَ يَنتقمُ منكم، وهو حكمةٌ منه.
وقال الحسنُ وقتادةُ وجماعةٌ: هو خطابٌ للمسلمين المخلِصين (^١)؛ أي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ظاهرًا وباطنًا بكلِّ الأنبياءِ والكتب، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أي: اثبتُوا على الدِّين الحقِّ أبدًا جميعًا، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ وساوسَ الشيطان فلا ترجعوا، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ (^٢) بعد وضوحِ الحُجَج لبلاءٍ ينالُكم في أبدانكم وأموالِكم في جهاد أعدائكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يَدع (^٣) نصرةَ دينِه، بل يأتي بغيرِكم ممَّن يَنصرُه وَيتحمَّلُ الشَّدائدَ.
ويتَّصلُ هذا بما بعده إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، ويتَّصل به أيضًا قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: أعداؤكم معاندون (^٤) قد لزمَتهُمُ الحُجَّة.
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٥)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٩٥) عن قتادة في تفسيرها: ادخلوا في الإسلام جميعًا. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٧٠) (١٩٤٩) عنه قال: ﴿فِي السِّلْمِ﴾ يعني: في الموادعة.
(٢) في (أ) و(ف): "وإن".
(٣) في (ر): "لا يضره" بدل: "لا يدع".
(٤) في (ف): "المعاندون".
[ ٣ / ١٥٧ ]
والسلم بالفتح والكسر لغتان في الصُّلح والاستسلامِ والإسلام، كالحَجِّ والحِجِّ، والرَّطْلِ والرِّطل.
وقيل: بالفتح: الإسلام، وبالكسرِ: الصُّلح.
وقال الفرَّاء على عكسِه (^١).
و﴿كَافَّةً﴾ معناه: جميعًا، قال الزَّجاجُ ﵀: هو من الكف؛ أي: المنع (^٢)، ومعنى ﴿كَافَّةً﴾ (^٣) أي: مجتمعين عليه، مانعًا بعضُكم بعضًا أن يخرجَ منه.
ثمَّ (^٤) على القول الذي هو خطابٌ للمنافقين، يكون حالًا للمخاطبين؛ أي: جميعًا كلُّكم.
وعلى القول الثاني الذي هو خطابٌ لأهل الكتاب، يمكن أن (^٥) يكون حالًا للسِّلم؛ أي: في كلِّ الاستسلام.
وكذا على القولِ الثالث أنَّه لِمَن أسلمَ مِن أهل الكتاب؛ أي: في كلِّ شرائعِ الإسلام.
وعلى القولِ الرَّابعِ يصحُّ على الوجهين.
* * *
_________________
(١) ذكر الفراء في "كتاب في لغات القرآن" (ص: ١٣١) أن أهل الحجاز يقولون في الصُّلح: السَّلم؛ بالفتح، وأن بني قيس يقولون: السِّلم؛ بالكسر.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٧٩).
(٣) في (ف): "الكافة".
(٤) "ثم" من (ر).
(٥) قوله: "يمكن أن" من (ف).
[ ٣ / ١٥٨ ]
(٢١٠) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرون؟ ﴿هَلْ﴾ استفهامٌ بمعنى الجحد، وكذا كلُّ "هل" بعدَه "إلا"، ونظر بمعنى انتظر، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]؛ أي: ما ينتظرُ أهلُ مكَّة إذا (^١) لم يدخلوا في السِّلمِ كافَّةً، ولم يُؤمِنوا بمحمَّدٍ خاتَم النبيِّين، وبكتابِه آخر الكتب، وقد وَضَحَت الآياتُ، وقامتِ البيِّناتُ، إلَّا ما لا يكون، وهو إتيانُ اللَّه تعالى؛ فإنَّه مستحيلٌ على ما يُعرَفُ مِن إتيان الأجسام.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٢) أي: هم يتوقَّعون المحال، وهو كسلطانٍ يَدعو أحدًا برسولٍ يَبعثُه إليه، فلا يجيء، فيقول هو: ما يَنتظرُ إلَّا إتياني بنفسِي لدعوتِه! أي: هو يتوقَّعُ ما لا يكون (^٣)، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].
وقيل: معناه: ما يَنتظرون إلَّا أنْ يأتيَهُم اللَّهُ تعالى بظُلَل مِن الغَمام فيها العذاب، فيهلكَهُم بها، كما فعلَ بقومِ يونسَ، وقوم عادٍ، وقوم شعيبٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]؛ أي: قد قامت الحُجَجُ، فلم يَبق إلَّا نزولُ العذاب، و﴿فِي﴾ بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]؛ أي: به، ولا يجوزُ حملُه على الإتيان الذي هو الانتقالُ المكانيُّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى خالقُ كلِّ مكان، ومنزَّهٌ عن الانتقال مِن مكانٍ إلى مكان؛ لأنَّه كان ولا مكان، وهو اليومَ على
_________________
(١) في (ر): "إذ".
(٢) "وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ " ليس في (أ).
(٣) في (أ): "يتوقع".
[ ٣ / ١٥٩ ]
ما (^١) كان، كذا رويَ عن عليٍّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنَّه (^٢) سئل: أين كان اللَّهُ تعالى قبل خلق السَّموات والأرض؟ قال: "أين" سؤالٌ عن المكان، وكان اللَّهُ تعالى ولا مكان، وهو اليومَ على ما كان (^٣).
وقال الكلبيُّ ﵀: هذا من المكتوم الذي لا يفسَّر (^٤).
وقال الحسن ﵁: أي: يأتيهم أمر اللَّه تعالى، وهو القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: هو بأمرِه، ودلَّ على هذا التَّقديرِ قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
ثمَّ ليس إطلاقُ لفظ المجيء والإتيان في كل موضعٍ يَقتضي الانتقالَ المكانيَّ، فإنَّه يُقال: أتانا خبرُ فلانٍ، أو أتانا (^٥) أمر فظيعٌ، وكذا أجمعت (^٦) الأمة في قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] في حقِّ حصن بني النضير، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] في قصةٍ مخصوصةٍ = أنَّه لم يكن إتيانَ انتقالٍ، فكذا في كلِّ آية، وهذا لأنَّ اللَّهَ تعالى قال في الآية المحكمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلم يجز تشبيهه بشيءٍ من خلقه.
_________________
(١) بعدها في (ف): "عليه".
(٢) لفظ: "أنه" من (أ).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (ر) و(ف): "لا تفسير له" بدل: "لا يفسر". والأثر ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٢٩) من قول يحيى! والظاهر أنه محرف عن الكلبي، وأورده أبو الليث في "تفسيره" (١/ ١٩٧) من رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وهذا إسناد تالف.
(٥) في (أ): "وأتى" بدل: "أو أتانا".
(٦) في (ف): "اجتمعت".
[ ٣ / ١٦٠ ]
والانتقالُ مِن صفات الأجسام، ومِن أمارات العجزِ والحدوث، واللَّه تعالى منزَّه عن ذلك، ولأنَّ انتقالَ المنتقلِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ لأحد شيئين؛ إمَا لحاجةٍ (^١) إلى ما يَنتقلُ إليه، أو لملالةٍ عمَّا يَنتقلُ عنه، واللَّه تعالى منزَّهٌ عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ جمع ظُلَّة، وهي السُّترةُ، ومعناها القطعةُ منه، والغَمَامُ: السَّحاب.
وقيل: هو شيءٌ كالسَّحاب، وليس بسحابٍ، تأتي فيه الملائكةُ يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وتأتي الملائكةُ، ويَجوزُ وصفُهم (^٢) بالإتيان، والمراد به حضورُهم يومَ القيامة للحساب مع الخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فُرِغَ مِن حساب الخلقِ، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، وفي القرآنِ مِن ذلك كثيرٌ مِن (^٣) أمور الآخرة.
وقال عطاءٌ ﵀: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: انقضَت الدُّنيا.
ثم هو فعلُ ما لم يسمَّ فاعلُه، وفاعلُه هو اللَّهُ في الحقيقة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: مرجِعُ الأمور في الخَلْقِ وأعمالِهم إلى اللَّه تعالى، هو القاضي بينهم يومَ القيامة، والمثيبُ، والمعاقِبُ.
* * *
_________________
(١) في (أ): "لحاجته".
(٢) في (ر): "وصف الملائكة" بدل: "وصفهم".
(٣) في (أ): "في".
[ ٣ / ١٦١ ]
(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: سل يا محمَّدُ هؤلاءِ الموجودين؛ من (^١) في عصرِك مِن رؤساء بني إسرائيل، وهم اليهودُ الذين (^٢) خاطبَهم بقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ ﴿كَمْ﴾ كلمةُ تكثيرٍ، وقولُه تعالى: ﴿آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ أي: كم (^٣) جئناهم بآيةٍ واضحةٍ، لا يَخفى على (^٤) المفكر أنَّها مِن عند اللَّه؛ كفلق البحر لهم، وتغريق آل فرعون، وإنزال المنِّ والسَّلوى، وغيرِ ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ أي: ائتنا به.
وأضمر هاهنا: فبدَّلوها، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ وتبديلُهم إيَّاها: كفرُهم بها، وتركُهم الشُّكر عليها.
وقولُه تعالى: ﴿جَاءَتْهُ﴾ دلَّ على أنَّ المرادَ بقوله: ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: آتيناهم بها، وهذا التبديلُ كالذي ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وقيل: معناه: كم أعطيناهم في كتابِهم مِن آيةٍ دالَّةٍ على صدق نبوَّتك، فكتَموها، وكفروا هذه النِّعمة؟! وهذه الآياتُ والدَّلائلُ نعمةٌ مِن اللَّه تعالى؛ لأنَّه يُهتَدى بها.
_________________
(١) لفظ: "من" من (ف).
(٢) في (أ): "والذين".
(٣) لفظ: "كم" من (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "عن".
[ ٣ / ١٦٢ ]
ويجوزُ أن يكونَ أرادَ بالنِّعمةِ دينَ الإسلام، وتبديلُهم إيَّاها: كفرُهم.
ويجوزُ أن يكونَ المرادُ بالنِّعمة محمَّدًا -ﷺ-، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣].
وإنَّما خصَّ بني إسرائيلَ بالسُّؤال عنهم لوجهين:
أحدُهما: لزيادة اليقين (^١) للصحابة إذا سمِعوا مِن علماءِ بني إسرائيلَ ما يُوافِقُ خبرَ نبيِّهم.
والثاني (^٢): لزيادة الحجَّة على مَن لم يُؤمِن مِن بني إسرائيل، وهذا على قولِ مَن يقول: إنَّ الأمرَ بالسُّؤال كان من عبدِ اللَّه بنِ سَلام وأصحابِه الذين أسلموا.
وقيل: لم يرد به حقيقةَ السؤال، ومن المعتاد إذا أراد الواحدُ منَّا توبيخَ أحدٍ (^٣)، وأن يُلزِمَهُ الحجَّةَ، ويُبَيِّنَ كفرانَه النِّعمةَ، ويُوقِعَ به النِّقمة، يقول (^٤) لمن حضره: سَلْهُ كم أنعمتُ عليه، وكم حذَّرتُه، لا يريدُ به حقيقةَ السُّؤال، لكن يريد به ما قلنا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لِمن بدَّلَ النِّعمةَ في الدُّنيا والآخرة، وقد عاقَبهم في الدُّنيا بالقتل، وذلك في بني قريظة، وبالإجلاء، وذلك في بني النَّضير، ويوم القيامة يُعذَّبون في السَّعير.
* * *
_________________
(١) في (أ): "يقين".
(٢) من هنا خرم في النسخة (ف)، ينتهي عند قوله: "أوصله إليه بسهولة" ضمن تفسير الآية (٢١٩) من هذه السورة.
(٣) في (ر): "آخر".
(٤) في (ر): "بقوله".
[ ٣ / ١٦٣ ]
(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: إنَّما بدَّلوا نعمةَ اللَّه تعالى لمَّا زُيِّن لهم هذه الحياة الدُّنيا الفانية، وهو فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وتكلَّموا في فاعله:
قيل: اللَّهُ تعالى زَّينها لهم؛ إذ خلقها شهيَّةً لذيذةً؛ ابتلاءً لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧]، وقد جعل اللَّهُ تعالى الدُّنيا دارَ ابتلاءٍ وامتحان، فركَّبَ في الطبائع الميلَ إلى اللَّذات (^١)، وحبَّ الشهوات، لا على معنى التَّسخيرِ الذي لا يُمكِنُ الامتناعُ عنه (^٢)، لكن على معنى التَّحبيبِ الذي تَميلُ إليه النَّفسُ مع إمكان ردِّها عنه؛ ليَتِمَّ بذلك الامتحانُ، وليُجاهِدَ العبدُ نفسَهُ، ويطيعَ ربَّه، ويَرفعَ قَدْرهُ.
وقيل: المزيِّنُ هو الشيطان لعنه اللَّه، قال تعالى خبرًا عنه: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجر: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهو بالوسوسَة.
وقيل: التزيينُ مِن غُواتِهم ورؤسائِهم، هم زيَّنوها لهم، وحثُّوهم على طلب الدُّنيا، والحرصِ عليها، وطلبِ لذَّاتِها، وأوهموهم أنَّه لا صحَّة لما يَدعو إليه النبيُّ ﵊ مِن أمرِ الآخرة، وذلك أنَّهم كانوا لا يُؤمنون بالمعاد، ويقولون: إنْ هيَ إلَّا حياتُنا الدُّنيا، وكانوا يَسخرون بذلك مِن المؤمنين.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهزؤون، ويقولون: ترَكوا
_________________
(١) في (أ): "اللدنيا" بدل: "اللذات".
(٢) بعدها في (ر): "ليتم ذلك".
[ ٣ / ١٦٤ ]
لذَّات الدُّنيا، وعذَّبوا أنفسَهم بالعبادات، وفوَّتوا الرَّاحاتِ مِن غير نفعٍ يكون لهم اليوم أو غدًا، فأخبر اللَّهُ أنَّهم قد حصَّلوا بذلك لأنفسِهم نِعمَ الآخرة وكراماتِها.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يكونُ المؤمنون في علِّيِّين، والكفَّار في سجِّين، وكانوا في الدُّنيا منهم يضحكون، وغدًا المؤمنون منهم يضحكون، على الأرائك ينظرون.
وقيل: السَّاخرون هم علماء اليهود لِضَعفةِ المسلمين.
وقيل: المنافقون للمُخلِصين.
وقيل: هم المشركون من المسلِمين، وهم أبو جهل وأمثالُه من كفَّار مكَّة لعنَهم اللَّه.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: في الحجَّة؛ لزوال الشُّكوكِ عن الكفَّار في حياتهم في الدُّنيا على الباطل، وفي حياةِ المؤمنين على الحقِّ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قيل: في الدُّنيا؛ مَن يشاء مِن مؤمنٍ وكافرٍ بغيرِ تقدير.
وقيل: المؤمنين (^١) في الآخرة رزقًا واسعًا كافيًا، لا فناءَ له ولا انقطاعَ ولا مضايقةَ، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، ومَن أعطى شيئًا جُزافًا لا تقديرَ فيه، فهو بغير حساب، وكذا ما لا انقطاعَ له أبدًا، فلا حساب له.
وقيل: أي: يُعطِيهم في الجنَّة، مِن غيرِ محاسبةٍ لهم على طاعاتِهم؛ ليعطيهم بقدرها، بل تفضُّلًا منه بالكثير، قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾
_________________
(١) في (أ): "المؤمنون".
[ ٣ / ١٦٥ ]
[فاطر: ٣٠]، ولا يناقضه قولُه تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]؛ لأنَّ ما كان جزاءً للعمل، فهو حسابٌ له، وما كان فضلًا على ذلك مِن اللَّه تعالى، فلا حساب له.
وقال الحسنُ: أي: يُعطي ولا يُنْقِصُ ممَّا عندَه ما أعطى منه، فلذلك ليس فيه حساب، إنَّما الحسابُ فيما إذا (^١) أعطيَ منه نقص، كإعطاء الإنسانِ ألفًا من ألفين، أو عشرة من مئة.
وقيل: أي: يعطي الكثيرَ، ولا يُطالِبُ عليه بجزاءٍ ولا مكافأة، فلا يكونُ المعطِي محاسِبًا للمعطَى له بشيءٍ.
وقال الضَّحَّاك: أي: لا يُحاسِبُ نفسَهُ بما يُعطِي (^٢) العباد (^٣)، معناهُ أنَّ الواحدَ منَّا قد يُثِيبُ مقدارَ ما يُعطِي فتقفُ عليه، فإذا انتهى حيث يُنقِصُهُ العطاءُ، ويَتضرَّرُ به، أو لا يأمنُ معه الإعدامَ، أمسَكَ، واللَّه تعالى لا تفنى خزائنه.
وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا يحاسبُه أحد فيقول له: لم أعطيت؟ (^٤)
وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: بغير حسابِ العبد، يقولُ الرَّجلُ إذا جاءَه ما لم يكن في ظنِّه: لم يكن هذا في حسابي، فيجوزُ أن يكون معناهُ أنَّ الكفَّار يَسخرون مِن فقراءِ المسلمين، وعسى اللَّهُ أنْ يَرزقَ هؤلاءِ ما يُغنيهم، وقد فعلَ ذلك بهم بما أفاءَ عليهم مِن أموالِ بني قريظة وبني النَّضير، وبما فتحَ على رسولِه وبعد (^٥) وفاتَه على أصحابِه، حتى ملكوا كنوزَ الملوك.
_________________
(١) لفظ: "إذا" من (أ).
(٢) في (أ): "أعطى".
(٣) بعدها في (ر): "منه".
(٤) هذا القول ليس في (ر).
(٥) في (ر): "بعد" دون واو.
[ ٣ / ١٦٦ ]
(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ذكرَ الكفَّارَ وسُخريتَهم مِن المؤمنين، فصاروا قسمين، ثمَّ أخبرَ أنَّهم كانوا في الأصل قِسمًا واحدًا.
وفي الآية ثلاثةُ أوجه:
قيل: كان النَّاس مجتمعين على الدِّين الحقِّ في عهد آدم ﵇، وهو قول قتادة (^١).
وقيل: في عهدِ نوحٍ بعد هلاك الكفَّار إلى وقت صالحٍ وهود (^٢)، وهو قولُ ابن عباس ﵄، ثمَّ اختلفوا، فبعثَ اللَّهُ تعالى الرُّسل.
وقيل: كانوا مجتمعين على الكفرِ في زمن إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ (^٣)، وهو قولُ الحسن رضي اللَّه تعالى عنه، ويُرادُ به الغالب، فإن الصَّحيحَ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُخلِي الدُّنيا عن داعٍ إلى الحقِّ.
وقيل: كانوا مجتمعين على غير دينٍ مشروع، وهو روايةُ عطاء عن ابن عباس
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٢١)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٦) (١٩٨٥).
(٢) "وهود" ليس في (أ).
(٣) انظر "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٣٣).
[ ٣ / ١٦٧ ]
﵄، وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (^١): فبعثَ اللَّهُ تعالى الرُّسلَ بالدِّين الحقِّ (^٢).
ثمَّ في قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] هذا في الكفر، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] هذا على الإسلام.
وأصل الأمَّةِ في اللُّغةِ: القومُ المجتمعون على الشيءِ، يَقتدي بعضُهم ببعض، وهو مأخوذٌ من الائتمام، وقد (^٣) يجتمعون على الحقِّ، وقد يجتمعون على الباطل، وأمَّةُ محمَّدٍ -ﷺ- هم المقتدونَ به، المجتمعون على الحقِّ.
ويقال أيضًا للذين بُعِثَ فيهم محمَّدٌ -ﷺ-: أمَّتُه، وهم أمَّةُ دعوتِه، لجمعِ الدَّعوةِ إيَّاهم إلى أن تفرَّقَ بهم الإجابة.
وفي مصحف عبد اللَّه بنِ مسعودٍ ﵁: (كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً فاختلفوا فبعث اللَّه النبيين) (^٤)، وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا على الحقِّ، ويدلُّ عليه ما بعده: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وتقديرُه: كان النَّاسُ في أوَّلِ أمرِهم مجتمعين على الحقِّ، فاختلفوا بعد ذلك، فأَوجتِ الحكمةُ بعثَ النَّبيِّين لتعريف الدِّين الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: ليبشِّروا مَن أطاع بالجِنان، وليُنذروا مَن عصى بالنِّيران.
_________________
(١) "وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ " من (ر).
(٢) لفظ: "الحق" من (أ).
(٣) في (ر): "وقيل".
(٤) ذكرها الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٢١)، والكرماني في "شواذ القراءات" (ص: ٨٩).
[ ٣ / ١٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكُتُب، واسمُ الجنسِ يَصلُحُ للجمع.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لبيانِ الحق.
وقيل: أي: بالعدل.
وقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: ليحكمَ الكتابُ بينهم؛ أي: يكونَ مرجعًا لهم، محفوظًا بينهم، يتلونَهُ وَيقفون على أحكام الشَّرعِ بما فيه، مع بعدِهم عن النَّبيِّ المبعوث فيهم، وبعد فقدِهم ذلك النبيَّ ﵊، فيما اختلفوا فيه مِن أمرِ الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وما اختلفَ في الحقِّ المختلفون فيه قبل مجيءِ النَّبيين إلَّا الذين كانوا أوتوا الحقَّ وجاءَتهُمُ البيِّناتُ، إلَّا أنَّهم تَباغَوا وتَحاسدوا؛ طلبًا للرئاسةِ وميلًا إلى الدُّنيا، كما فعل قابيلُ بهابيل، وما قتلَه لإشكالِ الحقِّ عليه، وقصورِ البيانِ عنه، بل حسَدًا منه على أخيه (^١) وبغيًا، وهكذا في كلِّ عصرٍ، وهذا (^٢) فعلُ الرُّؤساءِ، ثمَّ العامَّةُ أتباعٌ لهم، وفعلُهم مضافٌ إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فتبيَّن أنَّ الاختلافَ في الحقّ أمرٌ متقادِم في الأسلاف (^٣)، ويجري عليه الأخلاف (^٤).
و﴿بَغْيًا﴾ مفعولٌ له متَّصِلٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ وهو مقدَّمٌ على قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
_________________
(١) في (ر): "لأخيه".
(٢) في (ر): "وهكذا".
(٣) في (ر): "الإسلام".
(٤) في (ر): "الاختلاف".
[ ٣ / ١٦٩ ]
وقال الفرَّاء: للاختلاف معنيان؛ أحدهما: التَّبديل، والثاني: كفرُ بعضِهم بكتاب بعض (^١).
وقوله تعالى: ﴿أُوتُوهُ﴾ أي: الحقَّ، وقيل: أي: الكتابَ، وقد سبقَ ذكرُ كلِّ واحدٍ منهما.
وقوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: فهدَى اللَّهُ تعالى المؤمنينَ لما اختلفَ فيه المختلفون؛ أي: لمعرفةِ الحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، أو لتَصحيحِ ما اختلفُوا فيه (^٢)، فحذِفَ لدلالةِ الكلام عليه.
ودخول ﴿مِنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ لبيان الجنس؛ لأنَّهم مختلفون في أمورٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيل: بأمرِه؛ أي: أمرَهم بما هو الحقُّ، فكان ذلك هدايةً وإرشادًا إلى الحقِّ.
وقيل: هداهم؛ أي: خلقَ فيهم فعلَ الاهتداء، وذلك بإذنِه؛ أي: بعلمِه، قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ أي: اعلموا. ومعناه: هداهُم وقد علمَ استحقاقَهم لذلك بقصدِهم واختيارِهم الحقَّ، أو يكون صلةً للاختلاف؛ أي: اختلفوا في الحقِّ وهو يعلمُه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بيَّنَ أنَّ مشيئتَة خاصَّة في الهداية، وليست كما تقوُل المعتزلةُ: إنها عامَّةٌ للخلق.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٣١).
(٢) قوله: "أو لتصحيح ما اختلفوا فيه" ليس في (أ).
[ ٣ / ١٧٠ ]
وعندنا الهدايةُ التي هي خَلْقُ الاهتداءِ خاصَّةٌ، والتي هي البيان (^١) عامَّةٌ، وللآيةِ وجوهٌ أُخَرُ مروَّيةٌ عن السَّلف:
قال مجاهد: كان الناس أمَّةً واحدةً؛ يعني: آدمَ وحدَه، ثمَّ خلق حوَّاء، ونَشرَ منهما النَّاس (^٢).
وقال محمَّدُ بنُ إسحاق ﵀: كان أولادُ آدمَ لصُلبِه مجتمعينَ على الإسلام؛ فاختلفوا حين قتلَ قابيلُ هابيلَ، وما اختلفَ فيه إلا الذين أوتوا العلمَ، وهو قابيل؛ أمرَهُ أبوهُ أنْ يُنْكِحَ أختَه (^٣) هابيل، فأبى ذلك.
وقال مقاتل: ﴿كَانَ النَّاسُ﴾ وهم أهلُ سفينةِ نوحٍ ﵇ على ملَّةِ الإسلام، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿النَّبِيِّينَ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ولوطًا ﵈، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ صحفَ إبراهيم؛ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ فدعا بها إبراهيمُ وإسحاقُ قومَهما، ودعا بها إسماعيلُ جُرهمًا، فىمنُوا به، ودعا بها يعقوبُ أهلَ مصر، ودعا بها لوط أهلَ سدوم وعامورا وصبوابرهم ودادوما (^٤)، فلم يُسلِم منهم غيرُ ابنتَيه زعورا وريثا (^٥)، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الدِّين إلَّا الذين أعطوا الكتابَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: تَفرَّقوا حسدًا منهم، فهَدى اللَّهُ الذين آمنوا للتَّوحيد (^٦).
_________________
(١) في (ر): "للبيان".
(٢) "تفسير مجاهد" (ص: ٢٣١)، وأخرجه عنه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٢٢).
(٣) في (ر): "أخت".
(٤) في (ر) "وصنوائيم. . . "، وفي "تفسير مقاتل": "وصابورا ودمامورا".
(٥) في (ر): "وزيتا". واسمهما في "تفسير مقاتل" "ريتا وزعوتا".
(٦) "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٢).
[ ٣ / ١٧١ ]
وروى عطاءٌ عن ابن عباسِ ﵄ أنَّه قال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لم (^١) يكن لهم دين، مثل البهائم، فبعثَ اللَّهُ تعالى النَّبيين (^٢) وأنزل الكتب، وأعطى محمَّدًا -ﷺ- القرآنَ فيه مجامِعُ الكلام، وفيه بيانُ كلِّ شيء.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المهاجرينَ والأنصار.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "كتبَ اللَّهُ تعالى الجمعةَ على مَن كان (^٣) قبلنا، فاختلفوا فيها، فهدانا اللَّه ﷿ لها، فالناس لنا تَبَعٌ (^٤)؛ اليهود والنَّصارى" (^٥).
وقال الحسنُ ﵀: كان النَّاسُ ضُلَّالًا؛ أي: العامَّه، إلَّا خواصَّ (^٦) من أهل الحجَّة، وذلك من وفاةِ آدمَ إلى مبعث نوحٍ ﵉، وبعثَ اللَّهُ تعالى النَّبيِّين (^٧)، فاختلفوا، فآمنَ بعضٌ، وكفرَ بعض، فهدى اللَّهُ الذين آمنوا، فمَضى حكمُ اللَّه تعالى أنَّ مَن أرادَ الهُدى وتمسَّك به، لم يمنعْهُ اللَّهُ تعالى إيَّاه، وأعانَهُ عليه، وإنَّما يهتدون بإذن اللَّهِ تعالى.
وقال ابنُ كيسان: كان قومُك يا محمَّدُ أمَّةً واحدةً على الكفر، كما كان قومُ هودٍ
_________________
(١) في (ر): "ولم".
(٢) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٣٢ - ١٣٣) نحوه من قول الحسن وعطاء، ولم أقف عليه من رواية عطاء عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (أ): "كان".
(٤) بعدها في (ر): "إلا"، وهي مقحمة.
(٥) رواه أحمد في "مسنده" (٧٢١٤)، وهو بنحوه في "صحيح مسلم" (٨٥٦) من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄.
(٦) في (ر): "لا الخواص".
(٧) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٣٣) نحوه عن الحسن وعطاء.
[ ٣ / ١٧٢ ]
وصالحٍ ولوط (^١)؛ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ في الأممِ المجتمعة على الكفر، وأنزلَ عليهم وعليك الكتابَ الذي فيه تفصيلُ الحقِّ مِن الباطل؛ ليفصلَ بين النَّاس بالحُجج، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ الآية، يعني: محمدًا -ﷺ- وأهلَ دينِه خاصَّةً.
وقيل: كان النَّاسُ قبل موسى ﵇ أمَّةً واحدةً، أكثرُهم في الضَّلال، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (^٢) مِن بني إسرائيل مُبَشِّرين ومُنذِرين، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وابتدعوا (^٣) من المذاهبِ والعبادات، ﴿فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أي: فلم يَزل بمجيء موسى ﵇ أمرُ بني إسرائيل على الاستقامة، حتَّى اختلفَ في الدِّين مَن أوتي الكتاب؛ أي: العلماء المَرجوعُ إليهم في تأويلِ الكتاب، فحرَّفوه تنافسًا في الرئاسة، ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ (^٤) أمَّة محمَّدٍ -ﷺ-، لِما اختلفَ فيه أهلُ الكتاب من الحقِّ، وعرَّفهم ما بدَّلوه؛ تفضيلًا لهم، ومنًّا عليهم، واللَّه يَتفضَّل على مَن يشاءُ بالهداية إلى صراطٍ مستقيم.
* * *
(٢١٤) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: أظننتم؟ وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار، ﴿أَمْ﴾ إذا لم يَتقدَّمهُ ألفُ الاستفهامِ كانت كألف الاستفهام، أو يُقدَّرُ استفهامٌ أوَّلًا، ثمَّ يُبنى هذا عليه، يعني: يا أصحابَ محمَّدٍ، أتظنُّون
_________________
(١) في (ر): "وشعيب".
(٢) في (أ): "الأنبياء".
(٣) في (أ): "ابتدعوه" بدل: "اختلفوا فيه وابتدعوا".
(٤) بعدها في (ر): "الذين آمنوا".
[ ٣ / ١٧٣ ]
أنَّكم تَنالون الجنَّة مع أنَّه لم يُصِبكم مثلُ ما أصابَ مَن قبلَكم مِنَ الشَّدائد.
وانتظامُها بما قبلَها أنَّه ذكرَ المختلِفِين الأوَّلين، ثمَّ اختلافَ الآخِرين، وأمرَ المهتدين بمقابلةِ المخالِفين، فأصابتهمُ الشِّدَّة فيها، فشقَّ عليهم ذلك، فنزلَت الآيةُ.
وقيل: نزلَتْ يومَ الأحزاب حيثُ أصابَهم الجوعُ والبردُ والخوف (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ الواو للحال، و"لمَّا" بمعنى "لم"، ومعه "ما"، و"ما" زائدةٌ مؤكِّدةٌ وُصِلَتْ بها.
وقال الفرَّاءُ وسيبويه: "لما" و"لم" واحد (^٢).
وقال ثعلب: "لم" لنفي المذكورِ فقط، و"لمَّا" لنفيه مع انتظارِ وجودِه، فيُقال لرجلٍ: أتاك فلانٌ؟ فيقول: لم يأتني، فهذا نفيُ الإتيان لا غير، فإذا (^٣) قال: لما يأتني، فمعناه: لم يأتني بعدُ ولكن أتوقَّعُ إتيانَه مِن بعد.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المَثَلُ والمِثْلُ كالشَّبَهِ والشِّبْه؛ أي: لم يأتِكم مَثَلُ ما كان أتى الذين مضَوا من قبلِكم.
وقوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾؛ أي: أصابَتهُمُ الشِّدَّةُ مِن الخوفِ والجوعِ والفاقة، وهي البأساءُ، وأصابتهُمُ الآلامُ والأمراض، وهي الضرَّاء.
وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: حُرِّكوا أشدَّ التَّحريك، والزَّلزلةُ تضعيفُ الزَّلَّة، وهو كقولك: كفَّ وكفكف، وصرَّ وصرصر (^٤)، ومنه زلزلةُ الأرض.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٣٧) عن السدي وقتادة.
(٢) انظر "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٣٢). وذكر سيبويه في "الكتاب" (٤/ ٢٢٣) أن "ما" في "لما" مغيرة لها عن حال "لم".
(٣) في (ر): "فإن".
(٤) في (أ): "فكفكف. . . فصرصر".
[ ٣ / ١٧٤ ]
وهذا التَّحريكُ كان بالجوع (^١). وقيل: بالخوف. وقيل: باضْطِراب الأقدامِ في القتال. وقيل: هي اضطرابُ القلوب من الهيبة. وقيل: مِن وقوع الشُّبهات للضُّعفاء.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قُرِئ بالنَّصب، وهو للغايةِ، وهو على تقديرِ صيغة الاستقبال؛ أي: إلى أن يقولَ الرَّسولُ كذا.
وقُرِئ بالرَّفع (^٢)، ومعناه: حتى كان يقولُ، أو هو للماضي، ومعناه: حتى قال الرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ لهذا ثلاثةُ أوجه:
أحدها: قال الرَّسولُ والمؤمنون جميعًا: أيُّ وقت فرجُنا الموعود (^٣)؟ وهذا ليس بشكٍّ فيما وُعِدوا مِن النَّصر، لكن التماسٌ للتعجيل، وهو كلامٌ معهودٌ، فقال اللَّهُ تعالى في جوابِهم فيما أوحى إلى نبيِّهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
والثاني: أنَّه ذكرَ أوَّلًا قائلَين، وهما الرَّسول والمؤمنون، ثمَّ ذكر قولَين، وهما: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وأحدُ القولَينِ لأحد القائلَين، والآخَرُ للآخَرِ؛ أي: قال المؤمنون: متى نصر اللَّه؟ فقال الرسول: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وهو كقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، ذكر وقتَين وأمرَين، فانصرفَ السُّكون إلى اللَّيل، وابتغاءُ الفضلِ إلى النَّهار.
والثالث: أنَّهم جميعًا قالوا: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، وهذه (^٤) كلمةُ انتظار؛ أي: انتَظَروا
_________________
(١) بعدها في (ر): "من الهيبة".
(٢) هي قراءة نافع وحده. انظر "السبعة" (ص: ١٨١)، و"التيسير" (ص: ٨٠).
(٣) في (ر): "بالموعود".
(٤) في (أ): "وهذا".
[ ٣ / ١٧٥ ]
ذلك فلم يتغيروا، وتمَّ الكلامُ، ثمَّ قال اللَّهُ تعالى لهذه الأمَّة: ألا إنَّ نصرَ اللَّه قريبٌ لكم ممَّا أنتم فيه، كما كان قريبًا لهم. ومعنى القريب أنَّه آتٍ لا محالة، وكلُّ آتٍ قريب.
وقيل: الكلامان جميعًا (^١) منهم جميعًا، قالوا: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ عند ظهورِ هاجس النفس، ثمَّ قالوا: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ عند قوَّة اعتقادِ القلب.
وعن خبابِ بن الأرتِّ رضي اللَّه تعالى عنه قاك (^٢): شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- ما نَلقى من المشركين فقال: "إنَّ من كان قبلَكم مِن الأُمم، كانوا يعذَّبون بأنواعِ البلاء، فلا يَصرفُهم ذلك عن دينِهم، حتَّى إنَّ الرَّجلَ يُوضَع على رأسهِ المنشارُ، فيُشَقُّ فِلقين، ويُمشَطُ الرَّجلُ بأمشاطِ الحديد بما دونَ العظمِ مِن لحمٍ وعصبٍ، ما يصرفُه ذلك عن دينِه، وايمُ اللَّه، ليُتِمَّنَّ اللَّهُ تعالى هذا الأمرَ حتَّى يسيرَ الرَّاكبُ منكم مِن صنعاءَ إلى حضرمَوتَ، لا يخشى إلَّا اللَّهَ، أو الذِّئبَ على غنمه، ولكنَّكم تَعجلون" (^٣).
وقال اللَّه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيات [العنكبوت: ١ - ٢].
* * *
(٢١٥) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ اتِّصالُه بما قبلَه أنَّ الأوَّل في القتال بالنَّفس، وهذا في التقرُّب بالمال، واللَّهُ تعالى أمرَ بالمجاهدةِ بالنَّفسِ والمال.
_________________
(١) في (ر): "الكلام" بدل: "الكلامان جميعًا".
(٢) بعدها في (ر): "لما".
(٣) رواه البخاري (٣٦١٢).
[ ٣ / ١٧٦ ]
و﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قال الزَّجَّاج: له وجهان:
أحدهما: أنَّ "ذا" في معنى الذي؛ أي: ما الذي ينفقون؟ و"ما" مبتدأ، و"ذا" خبرُه، وهما مرفوعان.
والثاني: أنهما شيءٌ واحد، وتقديره: أيَّ شيءٍ؟ وهو منصوبٌ بـ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (^١).
وقيل: إن "ذا" صلةٌ زائدةٌ، و"ما" اسمٌ منصوبٌ بالفعلِ المذكور بعدَه.
وقيل: "ما" بمعنى "مَن"، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، و"ذا" بمعنى الذين؛ أي: مَن الذين يُنفِقون عليهم؟ فإنَّ السُّؤالَ لم يكن عن نفسِ الإنفاق، بل محلِّ الإنفاق، بدلالة أنَّ الجواب وردَ عن ذلك، وصار كقولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، كان هذا سؤالًا عن صفاتِ البقرة، حيث وردَ الجوابُ عن ذلك، وإن كان ﴿مَا هِيَ﴾ في الظاهرِ سؤالًا عن ماهية البقرة.
ولو حُمِلَ "ما" على ظاهره، وجُعِلَ سؤالًا عن الإنفاق، ووردَ الجوابُ بما وردَ، فهو صحيحٌ في نظمِ الكلام، فإنَّ السُّؤالَ المختصرَ إذا عُرِفَ المرادُ منه صحَّ الجوابُ على (^٢) المراد.
والآيةُ نزلَت في شأن عمرو بن الجموح الأنصاريِّ؛ فإنَّه لمَّا نزل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ جاء وسألَ النَّبيَّ -ﷺ-، فقال: كم نُنفِق؟ وعلى من نُنفِق؟ فنزل جواب السُّؤالين في آيتين من هذه السورة، جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وجواب قوله: على من ننفق؟ في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٢٨٨).
(٢) في (ر): "عن".
[ ٣ / ١٧٧ ]
أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ (^١)؛ أي: قل يا محمَّد: أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يُسمَّى خيرًا، كما هو في قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وإنَّما سمَّاه اللَّهُ تعالى هاهنا خيرًا؛ لأنَّه مذكورٌ في موضع الصَّرف إلى الخير.
وقوله تعالى: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات.
وقيل: كان هذا للإيجابِ، ونسخَها الأمرُ بالزَّكاة.
وقيل: كان هذا (^٢) للاستحبابِ، وهو باقٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ "ما" كلمةُ شرطٍ، ولذلك جزمَ به، وعلامةُ الجزمِ حذفُ النُّون، وجزاؤه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ أي: ما عملتُم مِن طاعةٍ فاللَّهُ عليمٌ بثوابه، وإذا ذُكِر هذا في عملِ الشَّرِّ، فمعناه: فاللَّه (^٣) عليمٌ بعقابِه، وذكرُ العلم بعد العمل (^٤) أبلغُ وعدٍ ووعيد، وأعلى بشارةٍ وتهديد.
* * *
(٢١٦) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي: فُرِضَ عليكم الجهادُ المذكورُ قبل هذا بآيةٍ.
_________________
(١) انظر "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٣).
(٢) لفظ: "هذا" من (أ).
(٣) في (ر): "اللَّه".
(٤) في (ر): "العلم".
[ ٣ / ١٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الكُره والكَرهُ لغتان.
وقيل: بالضَّمِّ: الكراهة، وبالنَّصبِ الإكراه، وهذا مصدرٌ أريدَ به المفعول، أو أضمرَ فيه: ذو؛ أي: ذو كُرهٍ لكم؛ أي: أمرتُم به وأُلزِمتمُوه لا باختياركم، وأنتم تَكرهونَه بطبائِعكم، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذَّمَّ، بل تُحقِّقُ معنى العبوديَّة إذا فعل ذلك اتِّباعًا للشَّرع مع نُفرةِ الطَّبع، قال تعالى في صفة (^١) الصَّحابة: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "عسى" كلمةٌ تَجري مجرى "لعلَّ"، وهي من العباد للترجِّي، ومن اللَّه تعالى للتَّرجية.
وقال المفسِّرون، وذكره الخليل بن أحمد في "العين" أيضًا: عسى من اللَّه تعالى واجب (^٢).
وقيل: هي كلمةُ مقاربةٍ، ككلمة "كاد"، و"كاد" (^٣) يوصَلُ به المستقبلُ بغير "أن"، يُقال: كاد يفعلُ كذا، وعسى موصولة بـ "أن"، قال تعالى (^٤): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾.
وقيل: هذا وإن كان من اللَّه تعالى، ولا يخفى عليه شيءٌ، ولكن لمَّا كان خطابًا لِمن لا يَعلمُ العواقبَ، استقامَ خطابُهم بهذه الكلمة، وكذلك طريق "لعلَّ" في كل آيةٍ، وتقديرُه: وما يدريكم لعلَّ ما تكرهونَه فهو خير لكم، فإنَّه إعزازٌ للدِّين،
_________________
(١) في (ر): "نفرة".
(٢) انظر: "العين" للخليل (٢/ ٢٠٠).
(٣) في (أ): "ككاد لكن كاد" بدل: "ككلمة كاد، وكاد".
(٤) في (أ): "يقال" بدل: "قال تعالى".
[ ٣ / ١٧٩ ]
وقهرٌ للأعداء، ووصولٌ إلى الغَنيمةِ، وإنْ قَتلوكُم فأنتم شهداءُ أحياءٌ عند اللَّه تعالى، ووصلتُم إلى الدَّرجاتِ العُلى، والنِّعمِ التي تبقى، وليس لها (^١) منتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: إنَّكم تحبُّون تركَ القتال، وفيه تحمُّل الذُّلِّ، وغَلبةُ الأعداء، وتخريبُ الدِّيار، وحِرْمانُ الثَّواب.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: اللَّه (^٢) يعلمُ أنَّ القتالَ خيرٌ لكم، وأنتم لا تَعلمون ذلك.
والآية نزلت في سعدِ بن أبي وقَّاص والمقدادِ بنِ الأسود وأصحابهما، وذلك أنَّ الكفَّارَ -لعنهم اللَّه- كانوا يؤذونَهم، فكانوا يقولون: لو أُذِنَ لنا في القتال، لشفينا بهم صدورَنا، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ وفُرِضَ عليهمُ القتالُ، وكرهوهُ طبعًا، ونزلَ في شأنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧] (^٣)، ونزلَ قولُه تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].
* * *
(٢١٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "والنعيم الذي يبقى وليس له" بدل: "والنعم التي تبقى وليس لها".
(٢) لفظ الجلالة "اللَّه" ليس في (أ).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٥)، و"الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٥٩) عن الكلبي.
[ ٣ / ١٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نزلَت الآيةُ في شأن عبدِ اللَّه بن جحش، ابنِ عمَّةِ النَّبيِّ -ﷺ- أميمةَ بنتِ عبد المطَّلب، بعثَهُ رسولُ اللَّه -ﷺ- في جمادى الآخرة، قبل قتالِ بدرٍ بشهرين، على رأسِ سبعة عشر شهرًا (^١) مِن مقدمهِ المدينة، ومعه ثمانيةٌ مِن المهاجرين، ليس فيهم أنصاريٌّ، وهو تاسعُهم، وأمَّرهُ عليهم؛ وهم سعدُ بنُ أبي وقَّاص الزُّهريُّ، وعكاشةُ بنُ مِحْصَن الأسديُّ (^٢)، وعتبةُ بنُ غزوان السلمي، وأبو حذيفة بنُ عتبة، وسهيلُ (^٣) بنُ البيضاء القرشيُّ (^٤)، من بني الحارث، وعامرُ بنُ ربيعة القرشيّ، من بني عَدِيّ، وواقدُ بنُ عبد اللَّه الحنظليُّ، وخالد بن بكير (^٥)، وكتب له كتابًا، وقال له (^٦): أمسك كتابي في يدك، فإذا سرت يومين فانْشُرهُ، وانظر ما فيه، ثم امضِ لأمرِك، فسار عبدُ اللَّه ليلتَيْنِ، ثمَّ نَشَر وقرأَ ما فيه، فإذا فيه:
"بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم، أمَّا بعد، فسِر على بركةِ اللَّه بمَن معك مِن أصحابِك، حتى تنزل بطن نخلة، ولا تُكره أحدًا من أصحابِك على المسيرِ معك، وامضِ لأمري في من معك منهم، حتَّى تقدُمَ بطنَ نخلة، فترصَّد بها عِيرَ قُريش، لعلَّك تأتينا منهم بخبر".
_________________
(١) في "تفسير مقاتل"، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٣٨): "ستة عشر شهرًا".
(٢) في "تفسير مقاتل" أن مجموعهم ثمانية، ولم يذكر عكاشة بن محصن. وما ذكره المصنف موافق لما في "سيرة ابن هشام"، و"تفسير الطبري"، و"تفسير الثعلبي".
(٣) في (ر): "وسهل".
(٤) في (أ): "القدسي".
(٥) في (ر): "بكر"، والمثبت موافق لما في "سيرة ابن هشام" و"تفسير الطبري" و"تفسير الثعلبي".
(٦) لفظ: "له" من (أ).
[ ٣ / ١٨١ ]
فلمَّا قرأ الكتابَ قال: سمعٌ (^١) وطاعة لأمرِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ثمَّ قال لأصحابِه (^٢): مَن أحبَّ منكم الجهادَ وأرادَ الشَّهادةَ، فلينطلق معي؛ فإنِّي ماضٍ لأمرِ رسول اللَّه، ومَن أحبَّ مِنكم أنْ يتخلَّفَ فليتخلَّف؛ فإنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ-، قد أمرَني (^٣) أن لا أُكْرِهَ منكم أحدًا.
فمضى، وانطلقَ القومُ معه، حتَّى أتى المكانَ الذي أمرَهُ به رسولُ اللَّه -ﷺ-، فنزلَ ببطن نخلة بين مكَّة والطَّائف، فبينما هم كذلك إذ مرَّ بِهم عِيْرُ قريش، فيها عمرو بنُ (^٤) الحضرميِّ، والحكمُ بنُ كيسان مولى هشام بن المغيرة، وعثمانُ بنُ عبد اللَّه بنِ المغيرة، ونوفلُ بنُ عبد اللَّه بن المغيرةِ المخزوميَّان، فلمَّا رأوا أصحابَ رسولِ اللَّه -ﷺ- هابوهم، فقال عبد اللَّه بن جحش: إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلِقوا رأسَ رجلٍ منكم، فليتعرَّض لهم، فإذا رأوهُ محلوقًا، أمِنوا وقالوا (^٥): قومٌ عمَّار.
فحلقوا رأسَ عُكاشةَ بنِ مِحْصَن الأسديِّ، ثمَّ أشرفَ عليهم، فقالوا (^٦): عُمَّار، لا بأسَ عليكم منهم.
فأَمِنوا مِن (^٧) أصحابِ رسول اللَّه -ﷺ-، وكان ذلك آخرَ يومٍ مِن جُمادى الآخرة، فقال قائلهم: إنْ لم نقاتلهم (^٨) هذا اليوم دخلَ الشَّهرُ الحرامُ، فأمِنوا، ولم يحلَّ لكم
_________________
(١) في (ر): "سمعًا".
(٢) في (ر): "لجماعته".
(٣) بعدها في (ر): "بأمر في".
(٤) بعدها في (ر): "أمية".
(٥) في (أ): "وقال".
(٦) في (أ): "فقال".
(٧) لفظ: "من" من (أ).
(٨) في (أ): "تقتلوهم".
[ ٣ / ١٨٢ ]
قتالُهم فيه، وإن أصبتموهم في الشَّهر الحرام، ولم يأمرْكُم رسولُ اللَّه -ﷺ- بالقتالِ فيه، أثِمتم.
ثمَّ إنَّ القومَ تشجَّعوا (^١)، وأجمعوا أمرَهم في مواقعة القوم، فرمى واقدُ بنُ عبدِ اللَّه الحنظليُّ عمرَو بنَ الحضرميِّ بسهمٍ فقتلَهُ، واستأسرُوا الحكمَ بنَ كَيْسان، وعثمانَ بنَ عبد اللَّه، وهرب نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرة على فرسٍ له، واستاقوا العِيرَ وفيها أُدْمٌ وزبيبٌ وأشياء (^٢) مِن تجارةِ أهلِ الطَّائف، وذلك في أوَّلِ يومٍ مِن رجب، وهم يحسبون أنَّه آخرُ يومٍ مِن جُمادى الآخرة، حتَّى قدِموا على رسولِ اللَّه -ﷺ- به.
وأخبرَ نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرةِ قريشًا بالأمرِ الذي وقعَ، فقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمَّدٌ الشَّهرَ الحرامَ! شهرٌ يأمنُ فيه الخائفُ، فسفكَ (^٣) فيه الدِّماءَ، وأخذَ الأموال! وأقبل القومُ على مَن عندَهم مِن المؤمنين يُعيِّرونهم (^٤) بذلك.
فوقفَ رسولُ اللَّه -ﷺ- العِيْرَ والأُدم، ولم يأخذْ منها شيئًا، وحبسَ الأسيرين، وقال لأصحابِه: "إنِّي لم آمركُم بالقتال في الشَّهرِ الحرام".
فعظُم ذلك على أصحاب تلك السَّرِيَّة، وسُقِطَ في أيديهِم، وظنُّوا (^٥) أنَّهم هلكوا، وعيَّرهُم المسلمون بما صَنعوا، وقالوا لهم: قاتلتُم في الشَّهرِ الحرام!
وكتب مَن بمكَّة مِن المسلمين إلى عبد اللَّه بن جَحش بالذي تعيِّرُهم به
_________________
(١) في (ر) و"تفسير الطبري": "شجعوا"، وفي "سيرة ابن هشام": "شجعوا أنفسهم".
(٢) في (ر): "وزيت وتجارة" بدل: "وزبيب وأشياء".
(٣) في (ر): "فسفك".
(٤) في (ر): "يعيروهم".
(٥) في (أ): "فظنوا".
[ ٣ / ١٨٣ ]
المشركون (^١) مِن أخذِهم الأموالَ، وسفكِهمُ الدِّماءَ في الشَّهرِ الحرام، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ في ذلك، سألوا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك، وقال عبد اللَّه بن جحش: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قتلنا ابنَ الحضرميِّ، ثمَّ أمسينا، ثمَّ نظرنا إلى هلالِ رجب، فلا ندري أفي رجبٍ أصبنا، أم في جمادى الآخرة؟ وقد عيَّرَنا بذلك المشركون، فحلالٌ ما صنعنا، أَم حرام؟ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية، ولمَّا نزلت الرُّخصةُ قَبضَ رسولُ اللَّه -ﷺ- العِيرَ والغنيمة (^٢).
وقال عطاء: ردَّ الأسارى والغنيمة.
وقال مقاتل: كان ذلك أوَّلَ أسيرٍ، وقتيلٍ (^٣)، واستغنامٍ في سبيل اللَّه تعالى (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ خفض ﴿قِتَالٌ﴾؛ لأنَّه بدلٌ مِن (^٥) الشهر؛ أي: يسألونك عن قتالٍ فيه، وهو كقولك: أردتُ زيدًا مجيئَه (^٦)؛ أي: أردتُ مجيئه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ أي: كبيرُ الإثمِ، أو كبيرُ العقوبة، وحُذِفَ المضافُ إليه منه كما في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصفِ الرِّيح.
_________________
(١) في (أ): "من المشركين به" بدل: "به المشركون".
(٢) انظر الخبر في "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ١٣٨ - ١٤٠). وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٥٠ - ٦٥٣) من طريق ابن إسحاق، وذكره عنه ابنُ هشام في "سيرته" (٣/ ٦٥٣)، وبعضهم يزيد على بعض.
(٣) في (أ): "وقتل".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٧).
(٥) في (أ): "عن".
(٦) في (ر): "تحية" في هذا الموضع والذي يليه.
[ ٣ / ١٨٤ ]
أو هو نعتُ منعوتٍ محذوفٍ، وتقديرُه: قل قتالٌ فيه ذنبٌ كبير، أخبرَ أنَّه حرامٌ، وليس بحلال، ولكن بيَّن أنَّ فعلَ الكفَّار أكبرُ إثمًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا (^١) ابتداءٌ؛ أي: وصدُّ الكفَّارِ (^٢) المسلمينَ، وهو منعُهم إيَّاهم عن دينِ اللَّه، وهو الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ أي: باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ خفضه بثلاثةِ طُرُق:
أحدها: بعطفه على ﴿بِهِ﴾؛ أي: وكفرُهم بالكعبة، وجحودِهم حقيَّتها (^٣)، ومنع النَّاس عنها، على اعتقاد أنَّه واجبٌ أو جائزٌ.
والثاني: بعطفِه على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومنعُهم المسلمينَ عن دخول المسجد الحرام.
والثالث: قتال فيه وفي المسجدِ الحرام.
وقال الفرَّاء: ﴿وَصَدٌّ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿كَبِيرٌ﴾؛ أي: القتالُ فيه ذنبٌ كبيرٌ، وهو أيضًا صدٌّ عن سبيل اللَّه (^٤)، ثمَّ قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ابتداء، ﴿وَإِخْرَاجُ﴾ عطفٌ عليه، وخبرُهما ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾؛ أي: وإخراجُهم أهلَ المسجد من المسجد
_________________
(١) في (ر): "وهو".
(٢) بعدها في (ر): "أكبر إثمًا منه".
(٣) في (ر): "حقيقتها".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤١).
[ ٣ / ١٨٥ ]
الحرام (^١)، وأهلُ المسجدِ هم المسلمون، وإخراجُهم مِن (^٢) المسجدِ (^٣) إخراجُهم مِن مكَّة باضْطِرارِهم إلى الهجرة، وسمَّاهم: أهلَ المسجدِ، وإن كانوا خارجين عن مكَّة؛ لأنَّهم قائمون بما يجبُ عليهم مِن حقِّه، ولانهم يصيرون أهلًا له في العاقبةِ، فسمَّاهم باسم العاقبة، ولم يسمِّ الكفَّارَ أهلَ المسجدِ الحرام، وإن كانوا بمكَّة؛ لأنَّ مُقامَهم بمكَّة عارضٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (^٤) [الأنفال: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذه الأشياءُ الأربعةُ من الكفَّارِ أكبرُ إثمًا وعقوبةً مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في الشَّهر الحرام؛ لأنَّ القتالَ في الشَّهر الحرامِ يَحِلُّ بحالٍ، والكفرَ لا يَحِلُّ بحالٍ، ولانهم كانوا متأوِّلينَ في القتال؛ لأنَّهم شكُّوا في اليوم، ولا تأويلَ للكفَّارِ في الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا ابتداءٌ آخر؛ أي: كُفْرُ الكفَّارِ أشدُّ خطرًا مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في رجب، والفتنةُ اسمٌ للكفر، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقيل: أي: تعذيبُ الكفَّارِ المسلمين أشدُّ قُبحًا مِن قتلِ هؤلاء المسلمين ذلك الكافرَ، والفتنةُ اسمٌ لذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠].
وقال مقاتلُ بن حيان: كان القتالُ في الشَّهرِ الحرام حرامًا، ثمَّ نُسِخَ بقوله
_________________
(١) لفظ: "الحرام" زيادة من (أ).
(٢) في (أ): "عن".
(٣) بعدها في (ر): "الحرام".
(٤) في (أ): "الآية" بدل: "إن أولياؤه إلا المتقون".
[ ٣ / ١٨٦ ]
تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، يعني: في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرها، وهو قولُ عامَّةِ العلماء.
وقال عطاء: هو باقٍ، ولا يجوزُ قتالُهم في الشَّهر الحرام إلَّا إذا بدؤونا (^١).
ثمَّ أخبرَ أنَّ هؤلاءِ الكفَّار كيف قصدُهم في حقِّ المسلمين؟ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: هم يدومون على محاربتِكم على قصدِ صرفِكم عن الإسلام؟ ليصرفوكم عنه إن قدَروا عليه، وهو بيانُ أنَّهم لا يَقدرون عليه، وهو تطييبٌ (^٢) لقلوب المؤمنين.
ثمَّ ذكرَ وعيدَ مَن انصرفَ عن الدِّين، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]، بقَّى التَّضعيف هناك، وأظهر التَّضعيفَ هاهنا، وكلاهما مستعملان على الصحَّة والفصاحة.
وقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ﴾ معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِد﴾، وكلاهما مجزومان بالشَّرط.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الواو للحال؛ أي: ومَن يَمُت على كفرِه؛ لم يَتُب (^٣)، ولم يَعُد إلى الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (^٤) "أولئك" جمعٌ، ويَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ﴾؛ لأنَّه للجمع معنى، و﴿حَبِطَتْ﴾ أي: بَطَلت وتلاشَت، وهو مِن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٦٣).
(٢) في (أ): "تطبيب".
(٣) قوله: "لم يتب" زيادة من (أ).
(٤) بعدها في (ر): "في الدُّنيا والآخرة".
[ ٣ / ١٨٧ ]
حدِّ: علم، والمصدرُ الحُبوط والحَبْطة (^١)، ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: حسناتهم؛ لأنَّها تنفي (^٢) الأعمالَ في (^٣) الحقيقة؛ إذ السيِّئات مما ينبغي أن لا يكون، ويُقال لِمَن عملَ ما لا يُنتفَع به: لم يعمل شيئًا، وليس هذا بعملٍ، وبطلانُ العملِ هو بطلانُ أثرِه، وهو ما يبتغى (^٤) به مِن نفعِ (^٥) الدَّارَين.
وقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الدُّنيا فقطعُ حياتِه بقتلِه على ردَّته، وفواتِ موالاة المسلمين، ونصرِهم، والثناءِ الحسن، وزوالِ النِّكاح، وحرمانِه مِن مواريثِ المسلمين، ونحوِ ذلك ممَّا يَجري على نفسِ المرتدِّ وأهلِه ومالِه، وأمَّا في الآخرة ففوتُ الثواب (^٦) وحسنِ المآب.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّار﴾ (^٧)؛ أي: الباقون فيها، وهو كما يقال: فلانٌ صاحبُ شراب، يُرَادُ به ملازمتُه ذلك، لا ما يُفهَم مِن قولهم: هو صاحبُ الدَّار؛ أي: مالكُها.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون.
ثمَّ الطَّاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدَّة عندنا، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ
_________________
(١) كذا في (أ) و(ر)، ولعل الصواب: "والحبط". انظر: "الصحاح"، و"القاموس المحيط"، و"لسان العرب" (مادة: حبط).
(٢) في (أ): "هي في".
(٣) لفظ: "في" ليس في (أ).
(٤) في (ر): "ينبغس".
(٥) في (أ): "نعم".
(٦) في (أ): "فالثواب" بدل: "ففوتُ الثواب".
(٧) بعدها في (ر): "هم فيها خالدون".
[ ٣ / ١٨٨ ]
عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، والموتُ عليها ليس بشرطٍ عندنا، وقال الشافعي ﵀: هو شرطٌ بهذه الآية، وقلنا: إنما جعل الموت على الكفر شرطَ جميعِ ما ذُكِرَ في بقيَّةِ الآية؛ مِن حبوطِ العمل، والخلودِ في النَّار، وبه نقول.
* * *
(٢١٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ثَبَتوا على إيمانِهم، فلم يرتدُّوا.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: من مكَّة إلى المدينة.
وقيل: أي: فارقوا أعمالَ السُّوء وأصحابَ السُّوء.
والأوَّل كان فرضًا، ونُسِخَت (^١) فرضيته، والثاني فرضيته باقية.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: قاتَلوا الكفَّار.
وقيل: استَفْرَغوا المجهودَ في العملِ للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: هؤلاء لا تَحبَطُ أعمالُهم، بل يأتون راجِينَ رحمةَ اللَّه، مؤمِّلينَ (^٢) ثوابَه، وليس هذا على التَّشكيك، ولكن مدحٌ لهم باستقصارِهم (^٣) أعمالَهم، واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قَبوله، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
_________________
(١) في (أ): "و".
(٢) في (ر): "مؤمنين".
(٣) في (أ): "باستقصائهم".
[ ٣ / ١٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ ذنوبَهم وتقصيرَهم، ويرحمُهم فلا يعذِّبهم.
وقال المفسِّرون: نزلت الآيةُ في عبد اللَّه بن جحش وأصحابه، خافوا من القتالِ في الشَّهر الحرام، ولَمَّا نزل قولُه (^١) تعالى: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال بعضُ النَّاس: إنْ لم يكن عليهم وِزْرٌ، فليس لهم أجرٌ، فنزل قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (^٢).
وقيل: بل سألوا رسولَ اللَّه -ﷺ-: هل يُطمعُ لنا في غزوةٍ نجاهدُ فيها، فنصيبُ أجرًا؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، يخبِرُهم أنَّهم على رجاءٍ ممَّا طَلبوا (^٣).
* * *
(٢١٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّه قدَّمَ ذِكرَ الجِهاد، ولا يقومُ ذلك إلَّا بالمال وتظاهرِ القوم، وفي الخمرِ والميسر ذهابُ المالِ،
_________________
(١) في (ر): "فأنزل اللَّه" بدل: "ولما نزل قوله".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٨٨) (٢٠٤٠) من حديث جندب بن عبد اللَّه.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٨٨) (٢٠٤٢) من حديث عروة بن الزبير.
[ ٣ / ١٩٠ ]
ووقوعُ التَّنافرِ، وزوالُ التَّظاهرِ، فبيَّنَ حُرمتَهما؛ ليمتنعوا عنهما (^١)، فتَحصُل آلةُ (^٢) القوَّة على الجهاد.
ونظمٌ آخر: أنَّه جمعَ بين سؤالاتٍ سألَها الصَّحابة رسولَ اللَّه -ﷺ-، فأخبرَ اللَّهُ تعالى عن ذلك بقوله عزَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾، قال ابنُ عباس ﵄: ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ما سألوهُ إلَّا عن ثلاثَ عشرةَ مسألة، قص (^٣) كلها في القرآن، ما كانوا يسألونَه إلَّا عمَّا ينفعُهم (^٤) وينفعُ المسلمين.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ أي: يا محمَّد ﴿عَنِ الْخَمْرِ﴾ وهو النِّيءُ مِن ماء العنب إذا غلا واشتدَّ وقذفَ بالزَّبد، سُمِّيَت بها؛ لأنَّها تُخامِرُ العقل؛ أي: تغطِّيهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: القمار.
وقال القتبيُّ: الميسر: الجزور، سمِّيَ ميسرًا؛ لأنَّه يُجَزَّأ أجزاء، وكلُّ شيءٍ جزَّأتَه فقد يَسَرْتَه، والياسِرُ: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئُ لحمَ الجَزور (^٥)، وكان المتقامرون يَشترون جزورًا يَضمنونَ ثمنَه، ولا يُؤدُّونه؛ ليظهرَ بالقمار أنَّه على مَن يجب، فيضربون
_________________
(١) في (ر): "حرمتها. . . عنها".
(٢) في (ر): "فيحصل لهم" بدل: "فتحصل آلة".
(٣) في المصادر: "حتى قبض" بدل: "قص".
(٤) أخرجه الدارمي في "سننه" (١٢٧)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٥٣)، والطبراني في "الكبير" (١٢٢٨٨). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٥٩): فيه عطاء بن السائب، وهو ثقة لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.
(٥) انظر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة (ص ٢٨).
[ ٣ / ١٩١ ]
بالقِداح، وهم ياسرون في اللُّغة أيضًا؛ لأنَّهم جازرون على التسبيب، فسُمُّوا به لمعنى التَّجزئة في العاقِبة.
والقِداحُ عشرةٌ: ذاتُ الحظوظ سبعةٌ؛ الفَذُّ، وعليه فرضٌ؛ أي: جزء، والتَّوأمُ، وعليه فرضان، والرَّقيب، وعليه ثلاثةُ فروض، والحِلْسُ، وعليه أربعةُ فروض، والنافِسُ، وعليه خمسة فُروض، والمُسْبَلُ، وعليه ستَّةُ فروض، والمُعلَّى، وعليه سبعةُ فروض. والأغفالُ التي لا حظوظَ (^١) لها ثلاثةٌ؛ المَنِيحُ والسَّفِيح والوَغْدُ، وكان للفذِّ نصيبٌ، وللتَّوأم نصيبان، على هذا إلى آخره (^٢)، ثمَّ يجتمع الأيسار (^٣)، وهم سبعةٌ في الأغلب، وينحرون الجزورَ، فيجعلونَه عشرةَ أجزاء، ويأخذون قِداحَ الميسرِ، فيجمعونَها ويجعلونها (^٤) في يدِ واحدٍ (^٥)، فيجعلُها في شيءٍ، ويُجيلُها (^٦)، ويُخرِجُ سهمًا سهمًا باسم كلِّ واحد، فمن خرجَ سهمُه بنصيبٍ، أخذَ قدرَهُ مِن الجَزور، ومَن بقيَ في آخرِه غرِمَ ثمنَهُ، ولم يأكلْ مِن لحمِه شيئًا.
وفي "تفسير أبي القاسم بن حبيب (^٧) ": إذا خرج في المرَّة الأولى الفَذُّ، فله
_________________
(١) في (ر): "فروض".
(٢) انظر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة (ص: ٤٦، ٦٠).
(٣) يعني: المتقامرين.
(٤) لفظ: "ويجعلونها" من (أ).
(٥) في (ر): "واحدة".
(٦) الإجالة: الإدارة، يقال في الميسر: أَجِل السِّهامَ، وأجال السهام بين القوم: حَرَّكها وأفضى بها في القسمة. "اللسان" (مادة: جول).
(٧) هو العلامة المفسر الواعظ، الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري، صنَّف في القراءات والتفسير والآداب، وله "عقلاء المجانين"، توفي سنة (٤٠٦ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (١/ ٤٥ - ٤٨).
[ ٣ / ١٩٢ ]
نصيبٌ واحدٌ، وهو عُشْر الجَزور، فيأخذُه الذي أخرج على اسمه، ويقال: قُم، واعتزل، وسَلِمَ مِن الغُرم، وإن كان الخارجُ التَّوأم، أخذَ صاحبه عُشرَين، وسَلِمَ مِن الغُرم، واعتزلَ القوم، ولم (^١) يبق من أعشار الجزورِ بعد الفذِّ والتَّوأمِ والمعلَّى شيءٌ، فتَنقطعُ الإجالةُ والإخراج، ويَصيرُ ثمنُ الجَزور على الأربعة الذين لم تخرج قِداحُهم، وهم صاحبُ الرَّقيب، وصاحبُ الحِلْسِ، وصاحبُ النَّافس، وصاحبُ المُسْبَل، وعلى هذا كانوا يعملون (^٢).
وعن الضَّحَّاك أنَّ هذا السَّائلَ كان حمزة بن عبد المطَّلب، قال: يا رسول اللَّه أفتنا في الخمر، فإنَّها مسلبةٌ للعقل، مَتْلَفَةٌ للمال، فنَزَل التَّحريم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا﴾؛ أي: في استعمالِهما وبسببهما (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: عظيمٌ، ﴿كَبِيرٌ﴾؛ أي: متعدِّدٌ، وما كَبِرَ كثُر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ هي المغالاةُ بثمنِ الخمر إذا جَلبوها مِن الأطراف، وفيها: تقويةُ الضَّعيف، وهضمُ الطَّعام، والإعانةُ على الباءة، وتسليةُ المحزون، وتشجيعُ الجبان، وتَسخِية البخيل، وتصفيةُ اللَّون، وإنطاقُ العَييّ
_________________
(١) كذا في (ر)، ولعله وقع سقط في هذا الموضع، وتقدير الكلام: "فإن خرج في الأولى الفذ، وفي الثانية التوأم، وفي الثالثة المعلَّى، فتذهب سائر الأنصباء". وانظر: "نظم الدرر" للبقاعي (٣/ ٢٥٥).
(٢) من قوله: "وفي تفسير أبي القاسم" إلى هنا ليس في (أ)، ووقع في (ر) بهامشها، وعليه علامة الصحة.
(٣) لم أقف عليه، والمشهور أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. وسيأتي ذكره قريبًا.
(٤) في (ر): "وشربهما".
[ ٣ / ١٩٣ ]
والحَييّ، وتهييجُ الهِمَّةِ، ومنافعُ الميسِر: التَّوسعةُ على ذوي الحاجة، فإنَّ الياسرِين كانوا يفرِّقونها على المحتاجين.
وقال الواقديُّ: كان الواحدُ منهم ربَّما قمر في مجلسٍ (^١) مئةَ بعيرٍ، فيصيبُ مالًا عظيمًا بلا نَصَبٍ ولا ثمن، ثمَّ يُعطيه المحتاجين، فيكتسبُ به الثناءَ والمدح.
وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وفي الخمرِ: إيقاعُ العداوةِ والبغضاءِ، والصَّدُّ عن ذكرِ اللَّه وعن الصَّلاة، وهي تُسفِّهُ الحليمَ، وتُصيِّرُ شاربَها بحيثُ يَلعبُ ببولِه وعذِرَتِه وقيئِه.
وعن العباسِ بن مرداس أنَّه قيل له في الجاهلية: لمَ لا تَشربُ الخمرَ، فإنَّه يزيدُ في جُرأتِك؟ قال: ما أنا بآخذٍ جهلي بيدي، فأدخلَه في جوفي، وأصبح سيد قومي وأمسي سفيههم (^٢).
وروي أنَّ جبريلَ صلوات اللَّه عليه قال للنَّبيِّ -ﷺ-: إنَّ اللَّه تعالى شكرَ لجعفر الطَّيَّار أربعَ خصالٍ، كان عليها في الجاهليَّة، وهو عليها في الإسلام، فسألَ النبيُّ -ﷺ- جعفرًا عن ذلك، فقال: لولا أنَّ اللَّهَ تعالى أطلعَك عليها لما أخبرتُك بها؛ ما شربتُ خمرًا قَطُّ، لأنِّي رأيتُها تُزيلُ العقلَ، وأنا إلى أن أزيدَ فيه أحوجُ منِّي إلى أن أزيلَهُ، وما عبدتُ الصنم (^٣) قَطُّ؛ لأنِّي رأيتُه لا يَضرُّ ولا يَنفع، وما زنيتُ قَطُّ؛ لغَيرتي على أهلي، وما كذبتُ قَطُّ؛ لأنِّي رأيتُه دناءةً.
ومن مضارِّ الميسر: ما يَجري بينهم مِن الجُحود والسِّباب، والمُنازعةِ والسَّفه،
_________________
(١) في (ر): "مجلسه".
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم المسكر" (٥٢).
(٣) في (ر): "صنمًا".
[ ٣ / ١٩٤ ]
وأنَّه أكلُ المالِ بالباطل، وهو مانعٌ عن الصَّلاة، وعن ذِكر اللَّه تعالى، وسببٌ للعداوة أيضًا.
وقيل: معناه: ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ بعد التَّحريم ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ قبلَ التحريم.
وقيل: في الخمر إثمٌ كبيرٌ ما دامت خمرًا، وفيها منافعُ للنَّاس إذا صارت خلًّا، وفي الميسر الإثمُ في الأخذِ، والنَّفعُ في البذل.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لا نفعَ فيها بعد التَّحريم، وما حرَّمَ اللَّهُ تعالى شيئًا حتَّى نزعَ منه جميعَ منافعِه (^١).
وقيل: أي: لا نفعَ فيهما بعد التَّحريم في الدِّين، فأمَّا النَّفعُ مِن حيث الدُّنيا فقد يكون.
وقولُ ابن مسعودٍ ﵁: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يَجعلْ شفاءَكُم فيما حَرَّمَ عليكم (^٢)؛ فمنهم مَن حملَهُ على ظاهِره؛ أنَّه لا يقعُ به شفاءٌ بوجهٍ، وقيل: معناه: لم يُجوِّز استشفاءَكم (^٣) به، مع أنَّه قد يكون.
والميسرُ يَقع على كلِّ قمارٍ؛ مِن النَّردِ، والشَّطرنج، والكعابِ، ولعبِ الصِّبيان
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٧٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٢) (٢٠٦٥) بنحوه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٣٤٩٢)، وأحمد في "الأشربة" (١١٧)، (١٣٠)، والطبراني في "الكبير" (٩٧١٤) والحاكم في "المستدرك" (٧٥٠٩)، وعلقه البخاري قبل الحديث (٥٦١٤). وروي مرفوعًا من حديث أم سلمة، رواه أحمد في "الأشربة" (١٥٩)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣٩١).
(٣) في (ر): "لا يجوز استشفاؤكم" بدل: "لم يجوز استشفاءكم".
[ ٣ / ١٩٥ ]
بالجوز، وعلى كل مخاطرة (^١)، رويَ أنَّ رجلًا (^٢) خاطرَ رجلًا على أن يأكلَ كذا كذا (^٣) بيضةً على كذا من المال، فقال عليٌّ ﵁: هذا قِمار.
فأمَّا مخاطرةُ أبي بكر الصديق رضيَ اللَّه تعالى عنه المشركين التي ذكرت في حديث غلبةِ الرُّوم، وقول النبي -ﷺ- له: "زد في الخطر، وأبعِد في الأجل" (^٤)، فإنَّها كانت قبل تحريم القمار، ثمَّ نُسخت به، فهذه الآيةُ (^٥) أوَّلُ آيةٍ نزلَتْ في الخمر والميسر (^٦)، فنبَّههم بها أنَّ اجتنابَهما (^٧) أولى من اقترابِهما؛ إذ الحكمُ في الأمور للأغلب، ألا تَرى أنَّ مَن غَلبت عليه أفعالُ (^٨) الخيرِ حَمِدوهُ، وإن كان فيه بعضُ ما يُذَمُّ، ومَن غلبَتْ عليه أفعالُ الشَّرِّ ذمُّوه، وإن كان فيه بعضُ ما يُحمَد.
ولما تقرر هذا عندَهم وردَ النهيُ بعد ذلك عن الشُّرب وقتَ الصَّلاة لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فامتنعوا عن ذلك للصَّلوات، فخلا أكثرُ أوقاتِهم عن الشُّرب، فسَهُلَ نقلُهم عنها إلى التَّحريم المطلق، ثمَّ نزلَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠].
_________________
(١) الخطر: السبق الذي يُتراهن عليه. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: خطر).
(٢) في (أ): "واحدًا".
(٣) في (ر): "وكذا".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٢)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٥٦٤)، وقال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١٢٨) قصة أبي بكر في المراهنة رواها الترمذي [(٣١٩٤)] وغيره من حديث نيار بن مكرم الأسلمي، وسياقها مخالف لسياق هذه القصة. اهـ.
(٥) لفظ: "الآية" من (أ).
(٦) لفظ: "والميسر" من (ر).
(٧) في (ر): "اجتنابهم لها" بدل: "اجتنابهما".
(٨) "أفعال" سقط من (أ).
[ ٣ / ١٩٦ ]
وروي أنَّ عمر ﵁ قال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلت الآيةُ التي في "البقرة": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فدُعيَ عمرُ ﵁، فقرِئَت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلَت الآيةُ التي في "النساء": ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي النبيِّ ﵊ ينادي إذا أقيمت: لا تَقربوا الصلاة وأنتم سكارى (^١)، فقال عمر ﵁: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلَت الآيةُ التي في "المائدة": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فقال عمر ﵁: انتهينا يا ربّ (^٢).
وقال الشَّعبيُّ (^٣) ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ (^٤) ومقاتل بن حيان (^٥): أوَّلُ ما نزلَ في الخمر قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ وهو خمرُ
_________________
(١) من قوله: "فكان منادي" إلى هنا من (أ).
(٢) رواه أبو د اود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠).
(٣) أخرج الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٨٣) عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فتركوها، ثم نزلت: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فشربوها، ثم نزلت الآيتان في "المائدة": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
(٤) أخرج ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨) عن محمد بن كعب القرظي قال نزلت أربع آيات في تحريم الخمر؛ أولهن التي في "البقرة"، ثمَّ نزلت الثانية: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، ثم أنزلت التي في "النساء"، بينَا رسولُ اللَّه -ﷺ- يصلي بعض الصلوات إذ غنى سكرانُ خلفه، فأنزل اللَّه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية، فشربها طائفةٌ من الناس، وتركها طائفة، ثم نزلت الرابعة التي في "المائدة"، فقال عمر بن الخطاب: انتهينا ياربنا.
(٥) في (ر): "سليمان".
[ ٣ / ١٩٧ ]
التَّمر (^١)، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وهو ما يتَّخذ منه سواها، فعقلَ كبراءُ الصَّحابة -رضوان اللَّه عليهم- أنَّه لو كان فيها خيرٌ لم تُميَّز (^٢) عن الرِّزق الحسن، فتركوها، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بمسألةِ حمزةَ ومعاذٍ ﵄ (^٣)، فذمَّهما ولم يُحرِّمهُما، فامتنعَ كثيرٌ منهم عن ذلك، وبعضُهم كانوا يشربونها (^٤)، فصنعَ عبدُ الرَّحمن بن عوف طعامًا لجماعةٍ مِن المهاجرين والأنصار، فسقاهُمُ الخمرَ، وصلَّوا في منزلِه وهو إمام، فقرأ في صلاة المغرب: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^٥).
وهذه الآية أشدُّ مِن الأولى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم السُّكْرَ عند مواقيتِ الصَّلوات، فقال عمر ﵁: إنَّ اللَّهَ يُقارِبُ في النَّهيِ عن شُربِ الخمر، وما أُراهُ إلَّا سيُحرِّمُها (^٦)، فكانوا يشربونَها في غير مواقيت الصلوات (^٧).
فصنعَ عتبانُ بنُ مالك طعامًا، ودعا رجالًا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص ﵁، وكان شوى لهم رأسَ بعير، فأكلوا منه، وشربوا الخمرَ حتى أخذت فيهم، ثمَّ إنَّهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعارَ، فأنشدَ سعدٌ
_________________
(١) "وهو خمر التمر" من (أ).
(٢) في (أ): "يتميز".
(٣) قال الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٤١): نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار؛ أتوا رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: يا رسول اللَّه أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبةٌ للعقل، مَسلبةٌ للمال، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية. وانظر "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٤ - ٦٥).
(٤) في (ر): "كان يشربها" بدل "كانوا يشربونها".
(٥) خبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٤٥ - ٤٦).
(٦) في (ر): "يحرمه".
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٤٢).
[ ٣ / ١٩٨ ]
قصيدةً فيها هجاءُ (^١) الأنصارِ، وفَخَر بقومه، فقام رجل مِن الأنصار، فأخذَ لَحْيَ البعيرِ، فضربَ به رأسَ سعدٍ فشجَّه (^٢) موضِحةً (^٣)، فانطلقَ سعدٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فشكا إليه الأنصاريَّ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] بعد غزوة الأحزاب بأيَّام، فقال المسلمون: قد انتهينا يا ربّ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قد ذكرنا أنَّ عمرَو بنَ جموح الأنصاري سألَ رسول اللَّه -ﷺ- سؤالين: على مَن يُنفِق؟ وكم يُنفِق؟ فنزلَ جوابُ الأوَّل في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، وجوابُ الثاني في هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، والسؤالان بصيغةٍ (^٥) واحدةٍ، لكن عرف اختلافُهما باختلاف جوابيهما (^٦)، وقد بيَّنَّا وجهَه.
والعفوُ: ما سَهُل وفَضَل، يُقال: خُذ ما أتاكَ عفوًا؛ أي: سَهلًا (^٧)، وأعْفَى فلانٌ فلانًا بحقِّه؛ أي: أوصلَهُ (^٨) إليه بسهولةٍ مِن غير إلحاح، والعفوُ عن الجاني تسهيلٌ عليه، قال ﵇ (^٩):. . . . . . .
_________________
(١) في (ر): "هجا فيها" بدل: "فيها هجاء".
(٢) بعدها في (ر): "شجة".
(٣) هي الشجة التي توضح وضح العظم. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: وضح).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٤٣).
(٥) في (أ): "بصيغة".
(٦) في (ر): "بجوابيهما" بدل: "باختلاف جوابيهما".
(٧) في (أ): "فضلًا".
(٨) هنا نهاية الخرم في نسخة فيض اللَّه (ف)، وكانت بدايته عند قوله: "والثاني لزيادة الحجة عند تفسير قوله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾.
(٩) قوله: "قال ﵇" من (ر).
[ ٣ / ١٩٩ ]
"وعفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (^١) هو تسهيلٌ بالإسقاط، وقولُه تعالى للنَّبيِّ -ﷺ-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ أي: ما سَهُلَ مِن أخلاقِ (^٢) النَّاس.
ويقرأ بالنَّصب؛ لوقوع فعل الإنفاق عليه، ويقرأ بالرفع، على إضمار: هو (^٣).
والعفوُ اسمٌ للفَضل أيضًا، قال النبيُّ -ﷺ-: "أوَّلُ الوقتِ رضوانُ اللَّه (^٤)، وآخره عفوُ اللَّه" (^٥) أي: فضلُ اللَّه.
أو جعل هاهنا عبارةً عن الفضل على الحاجة؛ لما أنَّه سهل (^٦) عليه ذلك، فلا يشقُّ عليه بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّه يسَّر على النَّاسِ ولم يعسر عليهم (^٧).
وشرعُ النَّفقةِ والصَّدقةِ على وجهٍ لا إسرافَ فيه ولا تقتير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال عز وعلا: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "خيرُ الصَّدقة ما أبقت غنى، ولا تلام على كفاف" (^٨).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذي في "سننه" (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٧٧)، (٢٤٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٠) من حديث علي ﵁.
(٢) في (ر): "اختلاف"، وفي (ف): "اختلاق"، وكلاهما تحريف.
(٣) هي بالرفع قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون بالنصب. انظر "السبعة" (ص: ١٨٢)، و"التيسير" (ص: ٨٠).
(٤) لفظ الجلالة "اللَّه" ليس من (ف).
(٥) رواه الترمذي (١٧٢) من حديث ابن عمر بلفظ: "الوقت الأول من الصلاة رضوان اللَّه، والوقت الآخر عفو اللَّه"، ورواه باللفظ الذي ذكره المصنف الدارقطني في "سننه" (٩٨٤) من حديث جرير بن عبد اللَّه.
(٦) في (أ): "يسهل".
(٧) لفظ: "عليهم" من (أ).
(٨) هما حديثان جمعهما المصنف في سياق واحد، فقوله: "خير الصدقة ما أبقت غنى" رواه بهذا =
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وقال جابرُ: بينما نحن عند رسولِ اللَّه -ﷺ- إذ جاءَه رجل بمثلِ البيضةِ مِن ذهب (^١)، فقال: يا رسولَ اللَّه، خُذها صدقةً، فواللَّه لقد أصبحتُ ما أملكُ غيرَها، فأعرضَ عنه رسولُ اللَّه -ﷺ-، ثم أتاهُ مِن الجانب الآخر، فقال (^٢) مثلَ ذلك، فأعرضَ عنه رسولُ اللَّه -ﷺ-، ثمَّ أتاهُ مِن بين يديه، فقال له مثلَ ذلك، فقال (^٣): "هاتها" مغضبًا، فأخذَها منه، ثمَّ رماهُ بها، فلو أصابَهُ لأوجَعهُ، ثمَّ قال: "يأتيني أحدُكم بماله، لا يَملِكُ غيرَه، ثمَّ يجلسُ يَتكفَّفُ النَّاس! إنَّما الصَّدقةُ عن ظهر غنى، خُذها فلا حاجة لنا فيها" (^٤).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: كان التَّصدُّق بالفضل في أول الإسلام إذا كان الرجلُ صاحبَ زرعٍ، أمسكَ لنفسِه قوتَ سنةٍ، وتصدَّقَ بالفضل، وإذا كان صانعًا، أمسكَ قوتَ يومِه، وتصدَّقَ بالفضل، فنُسِخت بآيةِ الزكاة.
وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: هكذا يبيِّن اللَّهُ لكم مواضعَ
_________________
(١) = اللفظ ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٤٣٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وهو عند البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة، وعنده (١٤٢٧)، وعند مسلم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". والقطعة الثانية منه، وهي قوله: "ولا تلام على كفاف" رواها مسلم في "صحيحه" (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة ﵁.
(٢) في (ف): "ذهبًا" بدل: "من ذهب".
(٣) بعدها في (أ): "له".
(٤) بعدها في (ر): "له".
(٥) رواه أبو داود في "سننه" (١٦٧٣).
[ ٣ / ٢٠١ ]
الصَّدقات، لتتفكروا (^١) في الدُّنيا فتعلموا أنَّها دارُ بلاءٍ (^٢)، ثمَّ هي دارُ فناءٍ، فيزهدوا فيها، ويتفكَّروا في الآخرةِ، فيعلموا أنَّها دارُ بقاءٍ فيرغَبوا فيها (^٣).
وقيل: أي: كما بيَّنَ اللَّهُ تعالى لكم حكمَ الخمرِ والميسر، والإنفاقَ وقدرَه ومصارفَه، كذلك يبيِّنُ اللَّه لكم في المستقبلِ جميعَ ما تَحتاجون إلى معرفتِه مِن أمرِ (^٤) دُنياكم وآخرَتِكم، لتتفكَّروا في الدُّنيا، أنَّي خلقتُها لأمتحنكم فيها بالأمرِ والنَّهي والمِحَن، وفي الآخرة؛ أنِّي خلقتُها لأجازيَ (^٥) المحسن والمسيء.
وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا، فتَحبِسوا مِن أموالِكم ما تتعيَّشون به، وتتفكَّروا في الآخرة، فتُنفِقوا الباقيَ فيما ينفعُكم فيها.
وقيل: أي: لتَتفكَّروا فيما أعطاكُمُ اللَّهُ تعالى في الدُّنيا مِن الأموالِ الكثيرة، وأمرَكُم أنْ تُخرِجوا منها اليسيرَ، ثمَّ وعدَكُم عليه في الآخرةِ أضعافًا كثيرةً، فتَعلَموا فضلَهُ، وتؤدُّوا شُكرَه.
وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا وفنائِها، وفي الآخرةِ وبقائِها، فتعمَلوا في هذه لتلك.
وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا، فتُمسِكوا القوتَ لأهاليكم، وتَتفكَّروا في الآخرة، فتُقدِّموا الفضلَ لأنفُسكم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لتنظروا".
(٢) في (ر): "ابتلاء".
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٤) (٢٠٧٥) نحوه مختصرًا.
(٤) في (ر): "أمور".
(٥) بعدها في (أ): "فيها".
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا أنَّ اللَّهَ تعالى وَعَدَ فيها الرِّزقَ بغير عملٍ منكم، وتَتفكَّروا في الآخرة أنَّ اللَّهَ تعالى وعدَ فيها الثَّوابَ على عملِكم، ثمَّ تجتهدون في هذا، ولا حاجة إليه! فما لكم لا تَجتهدون في ذلك، ولا يُنالُ ذلك إلَّا به؟!
* * *
(٢٢٠) - ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ وانتظامُها بما قبلَها (^١) أنَّهم لمَّا أُمِروا بالإنفاق مِن أموالِهم، استقصوا (^٢) على أنفسِهم، فظَنُّوا أنَّهم أُمِروا بإنفاقٍ يُجحِفُ بهم، فسأَلوا عن ذلك، فأجيبوا بما عادَ عليهم (^٣) بالنَّفع لهم في آخرَتِهم، والرِّفقِ بهم في دُنياهم، وأُمِروا بإنفاقٍ يَخِفُّ عليهم، ولَمَّا أُمِروا بمراعاةِ حقِّ اليتامى بالإنفاقِ عليهم، وألَّا يقربوا أموالَهم إلَّا بالأحسن، وألَّا يأكلوا أموالَهم ظُلمًا، استقصَوا في ذلك، فعزلوا أموالَهم عن أموالِهم، ولم يُخالِطوهم فيتضرَّر به اليتامى، فرخَّصَ اللَّهُ تعالى لهم في المخالطةِ والمؤاكلةِ على وجهٍ يَجمعُ الرِّفقَ للفريقين.
وعن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: لمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، انطلقَ مَن كان عنده يتيمٌ، فعزلَ طعامَه عن طعامِه، وشرابَه عن شرابِه، فجعلَ يُمسِكُه عليه، حتَّى يأكلَه أو يفسُدَ، فاشتدَّ ذلك
_________________
(١) قوله: "بما قبلها" من (ر).
(٢) في (ف): "واستقصوا".
(٣) في (ر): "إليهم".
[ ٣ / ٢٠٣ ]
عليهم، فذكروا ذلكَ لرسول (^١) اللَّه -ﷺ-، فنزلَتِ الآيةُ (^٢).
وروي أنَّ السَّائلَ كان عبدَ اللَّه بنَ رواحة، قال: يا رسولَ اللَّه، هل تحلُّ لنا مخالطَتُهم؟ فنزلت الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (^٣)، قال الكلبيُّ: أي: عن مخالطةِ اليتامى، ودلَّ على هذا الإضمارِ الجوابُ، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال مقاتل ﵀: أشفقَ المسلمون من مخالطةِ اليتامى، فعزَلوا بيتَ اليتيمِ وطعامَهُ وخادمَهُ (^٤)، فشقَّ عليهم ذلك، فقال ثابتُ بنُ رِفاعةَ للنبيِّ -ﷺ-: قد أنزلَ اللَّهُ تعالى في اليتيمِ ما أنزلَ، فعزلناهُم والذي لهم، واعتَزلنا والذي لنا، فشقَّ علينا (^٥) وعليهم، وليس كلُّنا يجدُ سَعةً، فهل تَصلحُ لنا مخالطتهم، فيكونُ البيتُ والطَّعام واحدًا لا نرزأُهم شيئًا، إلا أنْ نعودَ عليهم بأفضل منه، فنزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (^٦)، قيل (^٧): إصلاحُ أموالِهم خيرٌ لكم؛ أي: ما فعلتُم وفيه صلاحُهم (^٨) فهو خيرٌ لكم.
وقيل: بل معناه: خيرٌ لهم مِن عزلِهم وتركِ مخالطتهم.
_________________
(١) في (ف): "فسألوا رسول" بدل: "فذكروا ذلك لرسول".
(٢) رواه أبو داود في "سننه" (٢٨٧١)، والنسائي في "المجتبى" (٣٦٦٩)، (٣٦٧٠)، والطبري في "تفسيره" (٣/ ٦٩٩).
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢٠٤).
(٤) في (ر): "وشرابه".
(٥) بعدها في (ر): "ذلك".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٩).
(٧) بعدها في (أ): "أي".
(٨) في (ف): "صلاحكم".
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وقال ابنُ عباس ﵄: المخالطةُ أن تأكلَ من ثمره ولبنه وقصعتِه، وهو يأكلُ من (^١) ثمرِك ولبنك وقصعتك (^٢). وهذا إذا أصابَ مِن مالِ اليتيم بقدرِ عملِه له أو دونَه، فلا يَزيدُ على أجر مثلِه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وقد تكون المخالطةُ بخلط المالَين، وتناولِ الكلِّ منه، ثمَّ وإن وقعَ التفاوتُ بقلَّةِ الأكل وكثرتِه لكن (^٣) اعتباره يوقِعُ في الحرج (^٤)، وهو منفيٌّ شرعًا، وعلى هذا اجتماعُ الرِّفقةِ في السَّفر على خلطِ المال، ثمَّ اتِّخاذُ (^٥) الأطعمة به، وتناولُ الكلِّ منها مع وهم التَّفاوتِ: مرخَّصٌ لهم؛ استدلالًا بهذه الآية.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ هو إصلاحُ أنفسِهم (^٦) وقلوبِهم بتعويدِهم الأكلَ مع النَّاس، فإنَّ شرَّ النَّاسِ مَن أكلَ وحده.
قال: وفيه دليلٌ على أنَّ مالَ الصَّغير (^٧) يحتمل قليل التبرع (^٨).
قال: وفيه دليلٌ على أنَّ علَّة الرِّبا ليست هي الطُّعم، بل الكيلُ والوزن، فإنَّ اللَّهَ تعالى أباحَ المخالطةَ مع تفاوتِ الأكلِ في المطعوم، لعدم الكيلِ والوزن (^٩).
_________________
(١) لفظ: "من" ليس في (ف).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٥) (٢٠٨٢).
(٣) في (ر): "بذلك" بدل: "لكن".
(٤) من قوله: "ثم وإن وقع التفاوت" إلى هنا ليس في (ف).
(٥) في (ر): "خلط" بدل: "اتخاذ".
(٦) في (ر): "نفوسهم".
(٧) في (ر): "اليتيم".
(٨) قوله: "قال وفيه دليل على أن مال الصغير يحتمل قليل التبرع" ليس في (ف).
(٩) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٢/ ١٢١).
[ ٣ / ٢٠٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ في الدِّين (^١)؛ أي: هم إخوانكم، ومِن حقِّ الأخِ أنْ يُعان ولا يخان.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ بيَّن أنَّه تعالى لا يَخفى عليه قصدُ المخالطةِ بما فعلَ، وأنَّه يجزيهِ على وفقِ عمله، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قيل: لشقَّ عليكم، فلم يُرخِّص المخالطةَ.
وقال ابنُ عباس ﵄: لضيَّق (^٢) عليكم (^٣).
وقال مقاتل ﵀: لأثَّمكم بتحريمِ ذلك (^٤).
وقيل: لأهلكَكُم.
وأصلُ العنت: المشقَّة؛ يقال: أكمةٌ (^٥) عنوتٌ أي: طويلةٌ (^٦) يَشُقُّ صعودُها، وعَنَتَ العظمُ عنتًا، إذا أصابَه وهنٌ أو كسرٌ، والإعناتُ: الحملُ على مكروهٍ لا يُطيقُه، والتَّعنُّت في السُّؤالِ: التَّشديدُ فيه والتَّغليظ. والعنتُ: الإثم. وقيل: المشقَّة والهلاك.
وقيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]: إنَّه الإثم. وقيل: الهلاكُ بالوقوع في الزِّنى.
وقوله تعالى: ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]؛ أي هلكتم.
_________________
(١) قوله: "في الدين" من (أ).
(٢) في (ر): "لشق"، والمثبت موافق للمصادر.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٧٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٦) (٢٠٩٠).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٨٩).
(٥) في (ف): "يقال لأن كلمة"، وفي (ر): "لأن كلمة" بدل: "يقال أكمة".
(٦) بعدها في (أ): "أي".
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: ما يَشُقُّ عليكم.
وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ أي: شديدٌ عليه ما يَشُقُّ عليكم. وقيل: ما أثمتم. وقيل: أي: هلاكُكم بالذُّنوب.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: منيعٌ (^١)، لا يَمتنعُ عليه ما يشاء، و﴿حَكِيمٌ﴾ فلا يَحكمُ إلَّا بما فيه حكمة.
وقيل: المرادُ بالمخالطة المذكورة في هذه الآيةِ هي المخالطةُ بالأنْفُسِ بالمناكحات، وهو أن يكون ابنًا، فيزوِّجَهُ ابنتَه، أو يكون بنتًا، فيزوِّجَها ابنه، فتوكَّدَ (^٢) الألفة، ويخلطه بنفسه وبعشيرته؛ إيناسًا لوَحشتِه، وإزالةً لوحدته، وهو مرويٌّ عنِ الحسن.
وقريبٌ مِنه ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، ويدلُّ على هذا في هذه الآية ذِكر النِّكاحِ فيما بعدَهُ.
* * *
(٢٢١) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هو قيل: كانوا يلونَ (^٣) يتامى أهل
_________________
(١) في (ر): "ممتنع".
(٢) في (ر): "فتتأكد".
(٣) في (ر) و(ف): "يكونون"، وهو تحريف.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
الشِّرك مِن قراباتهم، ويَرغَبون في المناكحة؛ تحقيقًا للمخالطةِ التي رُخِّصَ لهم فيها، فبيَّنَ أنَّ نكاحَ المشركةِ الحربية ليس من ذلك، ثم معناه: لا تتزوَّجوا الكافرات، ويقع الاسمُ على أهل الكتاب أيضًا في الأصل، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١]، وكان ذلك جائزًا في ابتداءِ الإسلام، وقد زوَّجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ابنتَه زينبَ من أبي العاص، وهو مشركٌ، فلما وردَ هذا النهيُ، وهاجرت زينبُ، بانَت منه، فلمَّا أسلمَ أبو العاص زوَّجَها منه ثانيًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: إلى أن يُسلِمن، مدَّ النهيَ إلى غايةٍ، ثمَّ خُصَّ مِن هذا العمومِ الكتابيِّاتُ الذمِّياتُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] حرائرهم وإماؤهم (^١)، وبقيَت الحربيَّات في عمومِ هذه الآية.
ونزولُه فيما ذكرَ الكلبيُّ قال: بعث رسولُ اللَّه -ﷺ- رجلًا من غَنِيّ (^٢)، يُقالُ له: مرثد بن أبي مرثد -وقال عطاء: هو أبو مَرْثَد كنَّازُ بنُ الحُصين الغنوي (^٣) - إلى مكَّة ليخرج أناسًا من المسلمين بها سرًّا (^٤)، فلمَّا قدِمَها سَمِعَت به امرأةٌ يقال لها: عَناق (^٥)، وكانت خليلةً له في الجاهليَّة، فأتتهُ فقالت له: يا مرثد، ألا تخلو؟ فقال: إنَّ الإسلامَ قد حالَ بيننا وبين ذلك، وحرَّمَهُ علينا، ولكن إن شئتِ تزوَّجتُكِ، إذا رجعتُ إلى
_________________
(١) في (ف): "لا إماؤهم".
(٢) وقع في هامش (أ) ما نصه: "قبيلة من غطفان".
(٣) ذكر قول عطاء الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٥٤).
(٤) كذا في النسخ، ووقع في "أسباب النزول" للواحدي: "أسراء" بدل: "سرا".
(٥) في (ر) و(ف): "عنقا" وبهامش (ف) ما نصه: "نسخة: يقال لها: عناق".
[ ٣ / ٢٠٨ ]
رسول اللَّه -ﷺ- استأمرتُه، ثمَّ تزوَّجتُكِ، فاستغاثَت عليه، فضربوه ضربًا شديدًا، ثمَّ خلَّوه، فانصرفَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وأعلمَه الذي كان من أمرِه وأمر عناق (^١)، وقال: أيحلُّ لي أنْ أتزوَّجها؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية ينهاه (^٢) عن ذلك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ اللَّام للتأكيد. والأمةُ: الرَّقيقة، وجمعها الإماء، والمصدرُ الأمُوَّة، وقد أميتُها وتَأمَّيتُها؛ أي: استرققتُها.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؛ أي: أفضلُ وأحقُّ مِن حرَّةٍ مشركة، وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: وإنْ راقتْكُم، وإن بلغَ بكم النهايةَ في الإعجاب؛ أي: وسَّعَ اللَّه تعالى الأمرَ، وكثَّر المنكوحات، فلا حاجةَ إلى المشركات.
وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ قال مقاتلُ بنُ حيَّان: نزلَت في خنساء، وكانت وليدةً سوداءَ لحُذيفة بنِ اليمان، قال: يا خنساء، قد ذُكِرتِ في الملأ الأعلى مع سوادِك ودمامَتِك، وأنزلَ اللَّهُ تعالى ذكرَك في كتابِه، فأعتقَها وتزوَّجها (^٤).
_________________
(١) في (ر): "عنقا".
(٢) في (أ): "فنهاه".
(٣) علقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٦٧) من طريق الكلبي عن. أبي صالح عن ابن عباس. وهو إسناد واهٍ. قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ١٨): ونزولها في هذه القصة ليس بصحيح، فقد رواه أبو داود [(٢٠٥١)] والترمذي [(٣١٧٧)] والنسائي [(٣٢٢٨)] من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مربد الغنوي، وكان رجلًا شديدًا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة. الحديث بطوله، وفيه: حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: فدعاني رسول اللَّه -ﷺ- وقرأها عليَّ، وقال: "لا تنكحها".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٥٥) دون نسبته لمقاتل، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٩) (٢١٠٣) عنه قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء، فأعتقها وتزوجها حذيفة.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
وقال السُّدِّيُّ: نَزلَت في عبدِ اللَّه بنِ رواحة، كانت له أمةٌ سوداءُ، فغَضِبَ عليها، فلطَمَها، ثمَّ فزعَ، فأتى النبيَّ -ﷺ- فأخبرَه، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "وما هي يا عبدَ اللَّه؟ " قال: هي تشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّه، وأنك رسوله (^١)، وتصومُ رمضان، وتُصلِّي، وتُحسِنُ الوضوء، قال: "يا عبد اللَّه، هذه مؤمنة"، قال: فوالذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا، لأُعتقنَّها، ولأتزوَّجنَّها، ففعلَ، فعَظُمَ ذلك على أناسٍ من المسلمين، وقالوا: أتنكح أمةً؟! فنزلت الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾؛ أي: لا تزوِّجوهم بناتكم، وهذا في حقِّ الصغيرات، فأمَّا الكبيرةُ، فلها أن تتزوَّجَ بنفسِها، ولا يُزوِّجُها أبوها إلَّا برضاها، وسكوت البكرِ رضى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾؛ أي: مِن حرٍّ مشركٍ، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ بمالِه وجمالِه وخِصالِه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ وبيَّن علَّة المنعِ، فقال: أولئك (^٣) يَدعون إلى الكفر والمعاصي التي تُوجِبُ النَّار.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: يدعوكُم إلى مخالطةِ المؤمنين؛ لأنَّ ذلك أوصلُ لكم إلى الجنَّة والمغفرة.
وقيل: أي: يدعوكم إلى الأمرِ الذي أَذِن به، وبه تدخلون الجنَّة، وهو نكاحُ المسمَّاة (^٤) هاهنا، وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ يتَّصلُ به من الوجهِ الذي قلنا.
_________________
(١) في (ف): "رسول اللَّه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٧١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٩٨) (٢١٠٢).
(٣) في (ف): "إنهم"، وليست في (ر).
(٤) في (أ): "المسلمات".
[ ٣ / ٢١٠ ]
وقيل: يَدعو إليها بالأمرِ بسلوك الطَّريقِ الذي يؤدِّي إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أوامرَهُ ونواهيه، ووعدَهُ ووعيدَه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ليتَّعِظوا، وقد ذكَّرتُه فتذكَّر؛ أي: وعظتُه فاتَّعظَ، والذِّكرى: الموعظة.
* * *
(٢٢٢) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَ﴾ انتظامُ الآيتين: أنَّ الأولى فيها نهيٌ عن نكاح المشركةِ التي بها نجاسةُ الشِّرك، والثانيةَ فيها نهيٌ عن قربانِ المسلمةِ التي بها نجاسَةُ الحيض.
وفيه (^١) شرفُ المؤمن؛ حيث نزَّههُ عن مخالطةِ الأنجاسِ إلى وقت زوالِ الأدناس، فقال تعالى ثمَّةَ: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وقال تعالى هاهنا: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
وقوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أي: الحيض، وهو اللَّوثُ الخارجُ من الرَّحمِ في وقتٍ معتاد، يقال: حاضت الأرنبُ إذا خرجَ من قُبُلِها دمٌ، وحاضَتِ السَّمُرةُ (^٢) إذا خرجَ من شقِّها حمرةٌ، ويقال: حاضَتِ المرأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحِيْضًا (^٣)، كما يقال: حادَ
_________________
(١) في (ف): "وفيها".
(٢) في (ر): "الشجرة"، والسَّمُرة: من شجر الطلح. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: سمر).
(٣) لفظ: "ومحيضًا" من (أ).
[ ٣ / ٢١١ ]
يَحِيدُ حَيْدًا ومَحِيْدًا فهو حائدٌ، وحاصَ يَحِيصُ حَيْصًا ومَحِيصًا (^١) فهو حائص.
والسُّؤالُ مطلقٌ وفيه إبهامٌ فتبيَّن بالجوابِ أنَّ سؤالَهم كان عن مخالطةِ النِّساء في المحيض.
ونزولُه فيما روى أنس قال: كانت اليهودُ إذا حاضتِ المرأةُ منهم، لم يُؤاكِلُوها، ولم يُشَارِبوها، ولم يَجتمعوا معها في البيوت، فسُئِل النَّبيُّ -ﷺ- عن ذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية، فأمرَهُمُ النبيُّ -ﷺ- أنْ يُؤاكلوهنَّ، ويُشارِبوهنَّ، وأن يكونوا معهنَّ، وأن يفعلوا كلَّ شيءٍ ما خلا النكاح؛ أي: الوطء، فقالت اليهودُ: ما يريد (^٢) هذا الرجلُ منَّا؟ لم يدع شيئًا مِن أمرِنا إلَّا خالَفنا فيه! قال: فجاء عبَّادُ بنُ بِشْر (^٣) وأُسَيدُ بنُ حضير إلى النبيِّ -ﷺ-، فأخبراه بذلك، وقالا: يا رسول اللَّه، أفلا ننكحُهنَّ في المحيض؟ -أي: أفلا نطَؤهُنَّ- فتغيَّر وجهُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، حتَّى ظننَّا أن قد غضبَ عليهما، فقاما، فاستقبلَتهما (^٤) هديةٌ مِن لبنٍ، فأرسل النبيُّ -ﷺ- إليهما فسقاهُما، فعلِما أنَّه لم يغضب عليهما (^٥).
وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عمرو بنِ الدَّحداحِ البلويّ، وبلي حي من قضاعة (^٦)، قال: ولمَّا نزلت هذه الآيةُ لم يؤاكلوهنَّ في إناءٍ واحد، وأخرجوهنَّ مِن بيوتهنَّ ومِن الفرش، كفعلِ العجَم، فقال أناسٌ مِن الأعراب: قد شقَّ علينا اعتزالُ
_________________
(١) "ومحيضًا" زيادة من (ف).
(٢) في (ف): "يرد".
(٣) في النسخ الخطية: "بشير"، وهو تحريف.
(٤) في (ر): "فاستقبلهما".
(٥) رواه مسلم في "صحيحه" (٣٠٢).
(٦) انظر: "الأنساب" للسمعاني (٢/ ٣٠٠).
[ ٣ / ٢١٢ ]
الحُيَّض، والبردُ شديدٌ، فإن آثرناهنَّ بالثِّيابِ هَلكَ سائرُ أهلِ البيت، وإن آثرنا أهلَ البيت هَلكَت النِّساءُ بردًا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّكم لم تؤمروا باعتزالهنَّ مِن البيوت، وإنَّما أُمرتُم باعتزالِ الفُروجِ إذا حِضْنَ، ويؤتينَ إذا طَهُرن"، وقرأ عليهم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: نزلَت في أبي الدَّحداحِ صاحبِ الحديقة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾؛ أي: قَذَر.
وقيل: أي (^٢) شيءٌ تتأذَّى به المرأةُ، ويتأذَّى به مَن يَجِد ريحَها منها، وهذا بيانُ العلَّة، وبعده بيانُ الحكم، وهو قولُه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: اجتنبوهُنَّ، وتَنحَّوا عنهن، يقال: عزلتُه فانعزلَ؛ أي: نحَّيتُه فتنحَّى، ومنه: عزلُ الوالي، وعزلُ الماء عن المرأة، وعزلُ بعضِ الأقرباء عن الميراث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ يجوزُ أن يكون مصدرًا كالأوَّل؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، ومعناه: تنحَّوا عنهنَّ حالةَ حيضِهنَّ.
ويجوزُ أن يكون مَوضِعًا، كالمرجِع والموضع، ويكونُ عبارةً عن الفرج، ويدلُّ عليه ما روينا: "إنما أمرتم باعتزال الفروج" (^٣).
واستدلَّ به محمَّدُ بنُ الحسن ﵀ في قوله: إنَّ الزَّوجَ يَجتنبُ شِعارَ الدَّم، وله ما سوى ذلك، وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه احتاطا، فألحقا به ما
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٩١ - ١٩٢).
(٢) لفظ: "أي" من (أ).
(٣) في قول مقاتل بن سليمان الذي سلف قريبًا.
[ ٣ / ٢١٣ ]
تحتَ الإزار؛ لأنَّ الدَّم قد يَصِلُ إلى ذلك، وقد قال النبيُّ -ﷺ- لعائشة ﵂: "اتَّزِري، وعودي إلى مضجعِك" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تَطَؤوهنَّ، وفسَّر ذلك (^٢) قولُه: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾، ولولاه لتُوهِّم بالاعتزالِ المفارقةُ بكلِّ البدنِ في كلِّ شيءٍ.
وقيل: أكَّدهُ بصيغتين: نهيٍ وأمرٍ؛ مبالغةً في المنع؛ لما أنَّ الزَّوجين مجتمعان (^٣) غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهرًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتَّشديد في قراءة حمزةَ والكسائيِّ وعاصمٍ في رواية أبي بكر؛ أي: يغتسلنَ، و﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف في قراءة الباقين (^٤)؛ أي: يَخرجنَ مِن الحيضِ بانقطاعِ الدَّم.
وإذا كانت أيامُها عشرةً فكما انقطعَ، حلَّ وطؤها للزَّوج والمولى، وإذا كانتْ دون ذلك فانقطعَ واغتسلت، فكذلك، وإذا لم تَغتسِل، ومضى عليها وقتُ صلاةٍ، فكذلك، وعند زُفر والشافعيِّ ﵀: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، ويحتجَّان (^٥) بقراءة التَّشديد، ونحن نعملُ بالقراءتين في حالتين (^٦).
_________________
(١) ذكره السرخسي في "المبسوط" (١٠/ ١٦٠)، وأخرج أحمد في "مسنده " (٢٦٧٤٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩٣٦)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤٩٣) نحوه لكن من حديث أم سلمة ﵂.
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "في".
(٣) في (أ): "يجتمعان".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٨٠)، و"التيسير" (ص: ٨٠).
(٥) في (أ): "ونحتج".
(٦) في (ر) و(ف): "الحالتين". وانظر "المبسوط" للسرخسي (٢/ ١٦)، و"المجموع" للنووي (٢/ ٣٦٢).
[ ٣ / ٢١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ أي: اغتسلنَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال مجاهد: سألتُ ابنَ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن هذا، فقال: هذا أمرُ إباحةٍ ورخصة (^١)، ويَنصرفُ إلى ما وقعَ النَّهيُ عنه، وهو القُربانُ في موضعِ الحيض لأجلِ الحيض، فإذا زالَ الحيضُ أُبيحَ الإتيانُ في ذلك الموضعِ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم إتيانَ القُبل في أيَّام الحيض للأذى، فيحرمُ إتيانُ الدُّبُر في الأحوال كلِّها لِما فيه مِن الأذى، وهو القذر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (^٢)؛ أي: عن إتيانِهم النِّساءَ في حالةِ الحَيض وفي الدُّبُر، وقوله تعالى ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ أي: المتَنزِّهينَ عنهما، فلا يأتونَهُما قَطّ.
وقد قبَّح اللَّهُ تعالى ذلك الفعلَ، حيث قال في صفةِ أهلِه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ووصفَ المتباعِدَ عنه بالتَّطهُّر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقيل: أي: يحبُّ التَّوابين مِن كلِّ الجنايات، والمتَطهِّرين مِن كلِّ النَّجاسات.
وقال أبو القاسم الحكيم: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من الذُّنوب، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
_________________
(١) لم أقف عليه من قول ابن عباس ﵄، وهو بعيد عن لغة عصره، فلعله معنى قوله صاغه المصنف بلغته، واللَّه أعلم.
(٢) بعدها في (ر) و(ف): ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
[ ٣ / ٢١٥ ]
مِن العُيوب، فالذُّنوبُ ظاهرةٌ، كالسَّرقة والزِّنى وشُربِ الخمر، والعيوبُ باطنةٌ، كالحقدِ والغِلِّ والحسدِ وسوءِ الخُلُق، وقدَّم التوَّابين، تسكينًا للعُصاةِ حتَّى لا يَقنطوا، كما قيل في تقديم الظَّالِم على المقتصدِ والسَّابق (^١).
وقيل: لأنَّ التوَّابين أكثرُ مِن المتطهِّرين الذين يَبقونَ على الطَّهارة، فلا يتلوَّثون بذنبٍ، والأكثر يُبدَأُ به، كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢].
* * *
(٢٢٣) - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (^٢) أي: مَحْرَثٌ ومَزْرَعٌ للأولاد، سُمِّيَ موضعُ الفعل بالفعل، كالبيت سُمِّي به؛ لأنَّه موضعٌ يُباتُ فيه، وقال الشاعرُ يصفُ امرأتَهُ بأكل الجراد:
إذا أكلَ الجرادُ حروثَ قومٍ فحَرثي همُّه أكلُ الجرادِ (^٣)
ووحَّدَ الحرثَ مع ذكرِ جماعةِ النِّساء؛ لأنَّه في الأصل مصدرٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي: موضعَ حرثِكُم، وهو الفرجُ؛ لأنَّه موضعُ الولد دونَ الدُّبر.
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
(٢) بعدها في (ر) و(ف): ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
(٣) البيت دون نسبة في "تهذيب اللغة" (٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨)، و"إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه (ص: ٢٢٤)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ١٦٢)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٤/ ١٨٢).
[ ٣ / ٢١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ أي: كيف شئتم، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، والمرادُ مِن التخيير في الكيفية؛ أي: قيامًا وقعودًا، ومقابلةً ومدابرة، وعلى الجنب، ومجبِّيةً؛ أي: على هيئةِ الرَّاكعة (^١)، وعزلًا للماء، وغيرَ عزلٍ برضاها، وفي الأمةِ المملوكةِ لا يُشترَطُ رضاها، وفي الأمةِ المنكوحة يُشترَطُ رِضى مولاها عند أبي حنيفةَ ﵀ (^٢).
وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه ﵁: كانت اليهودُ تقول: إذا أتى الرجل امرأته (^٣) من خلفها في قبلها، كان ولده أحول، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٤).
ورَوَت حفصةُ رضي اللَّه تعالى عنها أنَّ امرأةً قالت للنبيِّ -ﷺ-: إنَّ زوجَها يأتيها وهي مدبرةٌ، فقال ﵊: "لا بأسَ إذا (^٥) كان في صمامٍ واحد" (^٦).
وعن أمِّ سلمةَ رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كانت اليهودُ يقولون للأنصار: إنَّه من جبَّى أهلَه ولدَ له أحول، فكان (^٧) نساءُ الأنصار لا يُتابِعنَ بُعولتهُنَّ على ذلك، فلمَّا
_________________
(١) في (ف): "الركوع".
(٢) انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٣) في (ف): "المرأة".
(٤) رواه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥).
(٥) في (ف): "إن".
(٦) أخرجه أبو حنيفة في "مسنده" (ص: ١٧٨)، ومن طريقه أبو يوسف في "الآثار" (٦١٤)، قال الدارقطني: فوهم (يعني أبا حنيفة ﵀) في إسنادِه في موضعين، فقال: عن يوسف بن ماهك، مكان ابن سابط، وقال عن حفصة زوج النبي -ﷺ-، ولم يقل: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وأسقط أم سلمة. اهـ. ورواية حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة سيذكرها هو الحديث التالي عند المصنف.
(٧) في (ر): "فكانت".
[ ٣ / ٢١٧ ]
قدمَ المهاجرون المدينةَ نَكحوا في الأنصار، فأرادَ رجلٌ امرأتَه على ذلك، فأبت (^١)، وقالت: حتَّى أسألَ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فدخلَت على أمِّ سلمةَ رضي اللَّه تعالى عنها، فذكرَتْ ذلك لها، فقالت لها: كوني مكانَك حتَّى يَدخُلَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فدخلَ، فكأنَّ الأنصاريَّة استحيَت، فذكرَت أمُّ سلمةَ ذلك لرسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال: "ادْعِيها"، فدعَتها، فقعَدت بين يدَي رسولِ اللَّه -ﷺ- (^٢)، فقرأ عليها رسولُ اللَّه -ﷺ-: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا (^٣) " (^٤).
وقال سعيدُ بن جُبَير رضي اللَّه تعالى عنه: كنتُ أنا ومجاهد عند ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، فسأل (^٥) رجلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فقال: أُمِرتَ أن تأتيَ مِن حيثُ جاء الدَّمُ، فقال الرَّجلُ: كيف بالآيةِ التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟ فقال: ويحك (^٦)! هل في الدُّبُرِ مِن حَرْث؟! (^٧)
وقال عطاء: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: متى شئتم من ليلٍ أو نهار (^٨).
وقالوا: هذا لا يَصلحُ في اللُّغة؛ لأنَّ له ثلاثةَ معانٍ فقط: معنى: كيف، ومعنى:
_________________
(١) من قوله: "لما قدم المهاجرون المدينة" إلى هنا مكانه في (ف): "فأتت امرأة منهن".
(٢) في (أ): "يديه" بدل: "يدي رسول اللَّه -ﷺ-".
(٣) تكرر قوله: "صمامًا واحدًا" في (أ).
(٤) رواه أحمد في "مسنده" (٢٦٦٠١)، وهو مختصرًا عند الترمذي (٢٩٧٩).
(٥) في (أ): "فسألهم".
(٦) في (أ): "ويحكم".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٧٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٠٢، ٤٠٥) (٢١٢٠)، (٢١٣٥).
(٨) لم أقف عليه من قول عطاء، وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٧٥٠) عن الضحاك.
[ ٣ / ٢١٨ ]
أين، ومعنى من (^١) أيِّ وجه، قال تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فأمَّا معنى (^٢) متى، فليس ذلك في اللُّغة.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قيل: التَّسمية، قال ﵊: "إذا وطِئتَ امرأتَك أو ما مَلكَتْ يمينُك، فقل: بسم اللَّه، يُكتَب لك حسناتٌ ما لم تَفرُغ، فإنْ قُدِّرَ لك ولدٌ، كُتِبَ لك بكلِّ نفسٍ مِنه ومِن عَقِبه عشرُ حسناتٍ إلى يوم القيامة" (^٣).
وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم النِّيَّة الخالصة؛ أي: لا تَقتصِروا على قضاءِ الشَّهوة (^٤)، ولكن اقصِدوا التَّعفُّفَ والولدَ.
وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم قصدَ الائتمارِ للَّه تعالى (^٥)، وقد تقدَّمَ الأمرُ بالإنفاقِ والقتالِ وتركِ الاختلاف وكثيرٍ مِن الأشياء، إلى أنْ أمرَ باجتنابِ الحائض، ثمَّ قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخرَ بطاعةِ اللَّه تعالى فيما أمَرَ ونَهى في هذه الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تَعصوهُ في شيءٍ مِن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: آتوهُ يومَ القيامةِ للجزاء.
_________________
(١) لفظ: "من" من (أ).
(٢) في (أ): "بمعنى".
(٣) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٨٦) من حديث أبي هريرة مطولًا، وقال: هذا حديثٌ ليس له أصل، وفي إسناده جماعة مجاهيل لا يعرفون أصلا، ولا نَشكُّ أنَّه من وضع بعض القُصَّاص أو الجُهَّال، وقد خلط الذي وضعه في الإسناد، ومن المعروفين في إسناده حماد بن عمرو، قال يحيى: كان يكذب ويضعُ الحديث، وقال ابن حبان: كان يضعُ الحديث وضعًا على الثقات، لا يحلُّ كتبُ حديثِه إلَّا على وجه التعجُّب.
(٤) في (ف): "الشهوات".
(٥) في (أ): "بأمر اللَّه" بدل: "للَّه تعالى".
[ ٣ / ٢١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يُقدِّمون هذا، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وهو هذا، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠].
* * *
(٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ انتظامُ هذه الآية بما قبلَها أنَّه قال في تلك الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ونَهى في هذه الآية أنْ تُجعَلَ اليمينُ باللَّه تعالى مانعةً عن تقوى اللَّه.
ونظمٌ آخر: أنَّ نزولَها في قول الكلبيِّ في عبد اللَّه بن رواحة، وأنَّه حلفَ ألَّا يدخلَ على خَتَنِه، ولا يُكلِّمَهُ، ولا يُصلِحَ بينَه وبين زوجتِه -وهي أختُه- وكان طلَّقها وأرادَ أن يتزوَّجَها بعد ذلك، فجعلَ يقول: حلفتُ باللَّه ألَّا أفعلَ، ولا يحلُّ لي، إلَّا أن أبرَّ في (^١) يميني، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (^٢)، فمنعَه عن منعِ الحرث عن الحارثِ المذكور في تلك الآيةِ.
وقال القفَّالُ: لمَّا أمرَ اللَّهُ تعالى في الآيات المتقدِّمةِ بفعلِ الخَيرات، ونَهى عن الاختلافِ والبَغيِ، ودعا إلى الإصلاح (^٣)، وإيتاءِ اليَتامى والمساكين وابنِ السَّبيل، وحسنِ معاشرةِ النِّساء؛ نَهى أنْ يَمتنعوا عن شيءٍ مِن ذلك بسببِ اليَمين.
_________________
(١) لفظ: "في" من (ر).
(٢) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٢٠٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٦٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٧٢).
(٣) في (ر) و(ف): "الصلاح".
[ ٣ / ٢٢٠ ]
وقال مقاتلُ بن حيَّان: نزلَتِ الآيةُ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ حين حلفَ ألَّا يَصِلَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ حتَّى يُسلِم (^١).
وقيل: نزلَت (^٢) فيه حين حلفَ ألَّا يُنفِق على مِسْطح بنِ أُثاثةَ، حين خاضَ في حديث الإفك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (^٤) قيل: أي: علَّةً مانعةً لكم مِن البِرِّ والتَّقوى والإصلاح، بأن تَحلفوا ألَّا تفعلوا ذلك، فتَعتلُّوا بها، أو تقولوا: حلفنا، ولم تَحلِفوا به، رُويَ هذا عن الحسن وطاوس وقتادة (^٥).
وهي فُعلةٌ من (^٦) الاعتراض، والمعترِضُ بين الشَّيئين مانعٌ، يقول: أردتُ أن أفعل كذا، فعرَضَ لي أمرٌ، أو اعترضَ لي أمرٌ، وأصلُه أنْ يوضعَ الشَّيءُ في الطَّريق عَرْضًا، فيُسدَّ به الطَّريق.
وما رُوي عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ ﵃: ﴿عُرْضَةً﴾ أي: حُجَّةً (^٧)، فذاك قريبٌ ممَّا قُلنا: علَّةٌ مانعة.
وقيل: أي: مبتذَلًا في كلِّ شيءٍ، ورويَ ذلك عن عائشة ﵂، وقالت:
_________________
(١) ذكره عن مقاتل الثعلبيُّ في "تفسيره" (٢/ ١٦٣).
(٢) في (ر) و(ف): "ونزلت الآية" بدل: "وقيل: نزلت".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٦٣) من قول ابن جريج، وأخرجه عنه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٠).
(٤) قبلها في (ف): "ولا تجعلوا اللَّه".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥ - ٦) عن طاوس وقتادة.
(٦) في (ف): "عن".
(٧) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٤/ ٨، ٩).
[ ٣ / ٢٢١ ]
لا تحلفوا بهِ وإن بررتم (^١)، كأنَّه قال: وإنْ كنتُ جعلتُ لكم مخرجًا مِن الأيمان بالكفارات، فلا يَحملَنَّكُم ذلك على الإكثارِ منها، وعلى هذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هو حفظُ اليمين أن (^٢) يُحلَفَ بها، والعربُ تَمدحُ بقلَّةِ اليمينِ، والامتناع عنها، قال الشَّاعرُ:
قليلُ الأَلايا حافظٌ ليَمينِهِ وإنْ بدرت (^٣) منهُ الأليَّةُ برَّت (^٤)
واللَّهُ تعالى ذمَّ المُكثِرَ (^٥) منها بقوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ [القلم: ١٠]، و﴿عُرْضَةً﴾ على هذا القول مِن قولِهم: فلانٌ عُرْضةٌ للنَّاس؛ أي: لا يَزالون يَقعون فيه، قال الشَّاعرُ:
ولا تَجعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ (^٦)
أي: معرَّضًا لكثرةِ ملامهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ قيل (^٧): هو صلةُ قوله: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: لأيمانِكم على ألَّا تَبرُّوا، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٠).
(٢) في (ف): "أن لا".
(٣) في (ر) و(ف): "برزت".
(٤) البيت لكثير عزَّة، وهو في "نقائض جرير والأخطل" (ص: ٤٩)، و"ديوان كثير" (ص: ٣٢٥)، وفيهما: "سبقت" بدل: "برزت".
(٥) في (أ): "الكثير".
(٦) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٦٧) دون نسبة. وقال صاحب "شرح شواهد الكشاف": قيل: البيت لأبي تمام. اهـ. ولم أقف عليه في "ديوانه".
(٧) قوله: "وتتقوا وتصلحوا قيل" ليس في (أ).
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ عطفٌ على الأوَّل.
وقيل: هو صلةُ ﴿عُرْضَةً﴾؛ أي: لا تجعلوا اليمينَ باللَّه تعالى مانعةً عن أنْ تَبرُّوا وتتَّقوا وتُصلِحوا، وعلى هذا لا يُضمَرُ فيه "لا".
وهذا خطابٌ لمن حَلف لا (^١) يُكلِّمُ أبوَيهِ، أو على شيءٍ في فعلِه تقوى اللَّه، أو على إصلاحٍ بين المتهاجرين، أو حُكمٍ بين اثنين حكَّماهُ، وحلفَ ألَّا يَحكُمَ بينهما، فلا ينبغي له أنْ يَدومَ على ذلك، بل يُحنِّثُ نفسَه، ويُكَفِّر، قال النبيُّ -ﷺ-: "من حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، ثم ليُكفِّر عن (^٢) يمينِه" (^٣).
وقيل على القولِ (^٤) الذي هو منعٌ عن اليمين باللَّه في كلِّ شيء: أي: لا تَحلفوا باللَّه في كلِّ حقٍّ وباطل؛ لأن تبرُّوا وتَتَّقوا وتُصلِحوا بين النَّاس؛ أي: لتكونوا بتركِ النَّهيِ عن اليمينِ مِن الأبرار المتَّقين المُصْلِحين.
وقيل: تمَّ الكلامُ بقوله: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ ابتداءٌ، ومعناه: البرُّ والتَّقوى والإصلاحُ بين النَّاسِ أولى.
وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: معناهُ: لا تحلفوا باللَّه كاذبين لتُروا النَّاسَ أنَّكم صادقون، والناسُ لا يَعلمون الغيبَ، واللَّهُ يَعلمُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ (^٥)؛ أي: لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بنِيَّاتِكم (^٦)، وهذا وعيدٌ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أن لا".
(٢) لفظ: "عن" ليس في (أ).
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (١٦٥٠): (١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (أ): "الأول".
(٥) بعدها في (ف): "عليم سميع".
(٦) في (ف): "لنياتكم".
[ ٣ / ٢٢٣ ]
(٢٢٥) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ (^١) المؤاخذةُ مفاعلةٌ مِن الأخذ، وهي المعاقبة هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ أي: السَّاقِطِ الباطل، يُقال: لغا الشيءُ يلغو؛ أي: سقطَ وبطلَ، وألغيتُه؛ أي: أسقطتُه وأبطلتُه، واللَّغوُ مِن الكلام، واللَّغوُ في الحساب مِن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هي جمعُ يمين، وهي الحَلِف، وسُمِّيَت بها لمعنيين:
أحدهما: أنَّه من اليمين التي هي اليدُ اليمنى، وكانوا إذا تحالَفوا في العهودِ، تصافحوا بالأيمان، فسُمِّيَت بذلك.
والثاني: أنَّ اليمينَ هي القوَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، وسُمِّيَت به؛ لأنَّ الحالِفَ يَتقوَّى بيمينِه على حفظِ ما حَلَفَ عليه من فعلٍ أو ترك.
ومعنى قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي؛ لا يُعاقِبُكم بما سقطَ وبَطَلَ اعتبارُه مِن أيمانكم، ولذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: يتَّصلُ بما قبلَه؛ أي: باليمينِ التي حلفتُم على تركِ برٍّ أو تقوى أو إصلاح، ثمَّ حَنَّثتُم أنفسَكم، وكفَّرتُم، فقد أبْطلتُم وأسقطتم حكمَها، فلا تَبقى بها مؤاخذةٌ.
والثاني -وهو قولنا- وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه (^٢)
_________________
(١) بعدها في (ر): ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وفي (ف): "باللغو".
(٢) بعدها في (ف): "قال".
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الخطأ (^١)، وهو أنْ يَرى شخصًا، فيَظُنَّ أنَّه زيدٌ، فيَحلِفُ أنَّه زيدٌ، فيَظهرُ أنَّه عمرو، أو على ظنٍّ أنَّه كذا، فإذا هو غيرُه.
والثالث -وهو قول الشافعي ﵀-: هو ما يجري على لسانِه مِن غيرِ قصده: لا واللَّه، وبلى واللَّه (^٢)، وهو قولُ عائشةَ ﵂ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ على القول الأول: هو الثَّباتُ على يمينِ ترك البرِّ والتَّقوى والإصلاح.
وعلى القول الثاني: هو قَصدُ الكذبِ مع العلمِ به، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو أنْ يَحلِفَ على شخصٍ أنَّه زيدٌ، وهو يَعلمُ أنَّه عمرو، أو يحلفَ أنَّه فعلَ كذا، وهو يعلمُ أنَّه لم يَفعل، أو على العكس، وهي اليمينُ الغموسُ، وفيها المؤاخذةُ بالعقوبةِ في الآخرة، ولا كفارةَ فيها عندنا.
وهذه الآيةُ في مؤاخذةِ الآخرة، فأمَّا المؤاخذةُ المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فهي المؤاخذةُ بالكفَّارة، لكنَّها في اليمينِ المعقودةِ، فالآيتان في مؤاخذَتَين مختلفتَين.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أي: للذُّنوب بالتَّوبة، ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أي: بالإمهالِ إلى وقتِ التَّوبة.
* * *
_________________
(١) روى الطبري عنه نحوه في "تفسيره" (٤/ ٢٠).
(٢) انظر: "الأم" للشافعي (٨/ ١٥٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٣ - ١٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٠٨، ٤٠٩) (٢١٥٢)، (٢١٥٥).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
(٢٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: يَحلِفون، والأَلِيَّةُ: الحَلِفُ، وجمعُها الأَلايا، وقد آلى يُؤلِي إيلاءً؛ أي: للأزواجِ الذين يحلفونَ مِن زوجاتهمِ على تَركِ وطئهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ أي: انتظارُ هذه المدَّة، وقد تربَّص تربصًا (^١)، وربصَ ربصًا كذلك، والرُّبصَةُ: اللُّبثُ؛ أي: مَن حلفَ لا يَقربُ امرأتَهُ، فهذا قسمٌ له حكمان؛ حكمُ الحِنث وحكمُ البِرّ:
فحكمُ الحِنْث: وجوبُ الكفَّارة بالوطءِ في هذه المدَّة، إن كانت اليمينُ باللَّه، ونزولُ الطَّلاق، أو العِتاق، أو النَّذرِ المسمَّى، إن كان القَسمُ (^٢) بذلك.
وحكمُ البِرِّ: وقوعُ طلقةٍ بائنةٍ عند مُضيِّ هذه المدَّةِ؛ إن كانت المنكوحةُ حُرَّةً، فإن كانت منكوحتُه (^٣) أمةَ الغيرِ فمدَّتُها شهران، وتتنصَّفُ كما في العِدَّة، ولو آلى من أمتِه لم يكن له هذا الحكمُ في البِرِّ، وفي حكم الحِنْثِ هو يمينٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فاختصَّ بالمنكوحات.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾؛ أي: رَجَعوا عن هذا الإضرارِ بتركِ القُرْبان، فقَرُبوا في المدَّة، والفَيءُ: الرُّجوع، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ [الحجرات: ٩].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ ذنبَ الزَّوجِ -وهو إضرارُه بها- بالفيءِ، ويَغفرُ ذَنْبَ الفيء الذي هو حِنْثٌ بالتَّكفير، ﴿رَحِيمٌ﴾ حيثُ أجازَ له الحِنْثَ، وقَبِلَ منه الكفَّارةَ، ورفعَ عنه (^٤) الذَّنْبَ.
_________________
(١) بعدها في (ر): "أيضًا".
(٢) في (ف): "اليمين".
(٣) في (ف): "المنكوحة".
(٤) في (أ): "منه".
[ ٣ / ٢٢٦ ]
(٢٢٧) - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ أي: حقَّقوا الطلاقَ وأكَّدوهُ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: وإنْ ثَبتوا في المدَّةِ على تركِ القُربان حتَّى مضتِ المدَّةُ، وقعَت طلقةً بائنةً.
وكان الإيلاءُ طلاقَ أهلِ الجاهليَّة، فجعلَ اللَّهُ تعالى حكمَهُ في الإسلامِ ما قُلنا.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: سمع كلامَ الزَّوجِ، وعَلِمَ قصدَه.
* * *
(٢٢٨) - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: المنكوحاتُ الحرائرُ اللَّاتي طلَّقهنَّ أزواجهنَّ صريحَ الطَّلاقِ بغيرِ مالٍ وقد دَخلوا بهنَّ، ينتظرنَ بأنفسهنَّ؛ أي: يعتددن.
والتَّطليقُ رفعُ القيد، وقد طلَّقَها يُطَلِّقُها تطليقًا وطلاقًا، كما يقال: سَلَّمَ يُسَلِّمُ تسلِيمًا وسلامًا، وكلَّمَ يُكَلِّمُ (^١) كلامًا وتكليمًا، وطَلَقت هي بفتحِ اللام تَطلُقُ طلاقًا، كما يقال: كَمَلَ يَكمُلُ كمالًا، وطَلُقت بضمِّ اللامِ لغةٌ، والأوَّلُ أصحّ (^٢)، وهي طالقٌ بغير الهاء؛ لأنَّه صفةٌ خاصَّةٌ لها.
وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نصب على الظَّرف، والقُروءُ جمع قُرء، وهو
_________________
(١) "يكلم" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "أفصح".
[ ٣ / ٢٢٧ ]
الحيضُ عندنا، وعند الشافعيِّ -﵀- هو الطُّهر، وأجمعَ أهلُ اللُّغةِ أنَّ اللفظَ صالح لهما، وقد وردَ في الشَّرع في كلِّ واحدٍ منهما، قال النبيُّ -ﷺ- لامرأةٍ: "دعي الصَّلاةَ (^١) أيَّام أقرائكِ" (^٢)؛ أي: حيضِك، وقال لعبدِ اللَّه بن عمر ﵁: "إنَّ مِن السُّنَّة أنْ يُطلِّقَها في كلِّ قُرءٍ تطليقة" (^٣)؛ أي: في كلِّ طهرٍ، ووَرَدَ في اللُّغة لهما أيضًا، قال الشَّاعرُ:
يا ربَّ ذي ضِغْنٍ وضبٍّ فارضِ (^٤) له قروءٌ كقروءِ الحائِضِ (^٥)
_________________
(١) في (ف): "صلاتك".
(٢) في (أ) و(ف): "يوم قرئك" بدل: "أيام أقرائك". وأورده بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٠١)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٦٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٧٠)، والزمخشري في "الكشاف" (١/ ٢٧١)، ورواه أحمد (٢٧٣٦٠)، (٢٧٦٣٠)، وأبو داود (٢٨٠)، والنسائي في "المجتبى" (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠) مِن حديث فاطمة بنت أبي حبيش، ولفظه عندهم: "فانظري إذا أتى قرؤك، فلا تصلِّي، فإذا مرَّ القرء، فتطهري، ثم صلِّي ما بين القرء إلى القُرء". قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": فهذا لو صح لكان صريحًا في أن المَرء هو الحيض، ولكن المنذر (يعني المنذر بن المغيرة أحد رجال الإسناد) هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات". انتهى.
(٣) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٤٥٥)، والدارقطني في "سننه" (٣٩٧٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤٩٣٩) من طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر، قال البيهقي: هذه الزيادات التي أتى بها عطاء الخراساني ليست في رواية غيره، وقد تكلموا فيه، ويشبه أن يكون قوله. . .
(٤) وقع في هامش (أ) ما نصه: "الضب: الحقد الكامن في الصدر، فارض؛ أي: قديم، والفارض: الضخم من كل شيء".
(٥) الرجز دون نسبة في "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٣). وذكره ابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٢٠٦)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٨٣)، والثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢١٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (١/ ١٣٩)، وروايته عندهم: =
[ ٣ / ٢٢٨ ]
وأراد بها الحيضَ، وقال آخر:
أفي كلِّ عامٍ أنت جاشمُ غزوةٍ تَشدُّ بها أقصى عزيمِ عزائِكَا
مُوَرِّثةٍ مالًا وفي الحيِّ رِفعةً لما ضاعَ فيها مِن قُرُوءِ نسائكا (^١)
وأرادَ بها الأطهارَ، وإنَّما صلحَ (^٢) لهما؛ لأنَّه في الأصل اسمٌ للوقتِ المعتاد (^٣)، قال الشاعر:
كَرِهْتُ العقرَ عَقْرَ بني شُلَيلٍ إذا هبَّت لقارِئها الرِّياحُ (^٤)
أي: لوقتٍ معتاد (^٥). والحيضُ والطُّهرُ كلُّ واحدٍ منهما له وقتٌ معتادٌ، فصَلَحَ
_________________
(١) = يا رب ذي ضغن عليَّ فارض وهو أيضًا في كتاب "الحيوان" للجاحظ: (٦/ ٦٦)، و"مجالس ثعلب": (١/ ٣٠١)، وروايته فيهما: يا ربَّ مولى حاسد مباغض علي ذي ضغنْ وضبٍّ فارضِ له قروءٌ كقروء الحائضِ غير أنه وقع عند ثعلب: شانئ. بدل: حاسد. وهو أيضًا في "الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٢٨)، وروايته ثمة: وصاحب مكاشحٍ مباغض
(٢) البيت للأعشى، وهو في "ديوانه" (١/ ٢٦٦) (طبعة الرضواني)، (ص ٩١) (طبعة الذهبي). وفيه: الحمد، بدل: الحي.
(٣) في (أ): "يصلح".
(٤) لفظ: "المعتاد" من (أ).
(٥) البيت لمالك بن الحارث الهذلي، وهو في "شرح أشعار الهذليين" (٢/ ٢٣٩). قال شارح الديوان: العقر: القصر أو اسم مكان، وإنَّما كرهه لأنه قوتل فيه، وشُليل: جدَّ جرير بن عبد اللَّه البَجَلي.
(٦) بعدها في (ر): "فصلح الاسم لكل واحد". وهي مقحمة هنا، وستأتي في موضعها.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
الاسمُ لكلِّ واحدٍ منهما، فوجبَ التَّرجيح (^١)، فرجَّحه أصحابُنا ﵏ بدلائل:
أحدهما: أنَّ اللَّهَ تعالى حصرَها بثلاثةٍ، والحَصرُ بعددٍ (^٢) لا يَحتملُ النُّقصانَ عنه، ولو (^٣) حملناها على الأطهار، والطَّلاقُ يُوقَعُ في الطُّهر، فإذا مضى منه شيءٌ وإن قلَّ لم يكن الأطهارُ ثلاثةً حقيقة.
والثاني: أنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ الاعتدادَ بالأشهُر بدلًا عن الاعتداد بالقُروء، وقال في تلك الآية ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، فلمَّا شرَّعَ ذلك عند ارتفاع الحيضِ، دلَّ أنَّ الأصلَ كان هو الحيضُ.
والثالث: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "عدَّةُ الأمةِ حيضتان" (^٤)، فدلَّ على أنَّ عِدَّةَ الحرَّةِ ثلاثُ حِيَض؛ لأنَّه تنصيفُ ما على الحرَّة كما في الأشهر، لكنَّ الحيضَ لا يَتجزَّأ، فكمِّلَ حيضتين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾؛ أي: يُخفينَ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ هي جمعُ رَحِم، وقال أهلُ التَّفسير: إنَّه الحيضُ والحَبَلُ.
_________________
(١) في (ف): "الترخيم".
(٢) في (ر): "إذا تعدد" بدل: "بعدد".
(٣) في (ف): "فإذا".
(٤) رواه أبو دواد (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا، وفي إسناده مظاهر بن أسلم المخزومي، وهو ضعيف. ورواه ابن ماجه (٢٠٧٩)، والدارقطني (٣٩٩٤)، (٣٩٩٥) من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا، قال الدارقطني: تفرد به عمر بن شبيب مرفوعًا، وكان ضعيفًا، والصحيح عن ابن عمر، رواه سالم ونافع عنه من قوله. اهـ. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٥٧٤)، والدارقطني (٣٩٩٦ - ٤٠٠٠)، عن ابن عمر موقوفًا عليه.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: الإيمانُ باللَّهِ وبالقيامة حامل على الطَّاعةِ فيما وردَ به الأمرُ، فقد حَرُم عليهنَّ الكتمانُ، فكان إيجابًا للإظهار، وإذا وجبَ عليهنَّ الإظهارُ، وجبَ على الأزواج (^١) القَبول، فكانت المرأةُ أمينةً في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: أزواجُهنَّ، والبعلُ: الزَّوجُ، وهو كالفحل والفُحولة، والعَمِّ والعمومة، والبَعلةُ: المرأة، والمباعلةُ: المباشرة، والبِعالُ كذلك، قال النبيُّ -ﷺ-: "أيَّام العيد والتَّشريق أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال" (^٢)، وقال ﵊: "جهادُ المرأة حسنُ التَّبعُّل" (^٣)؛ أي: حسنُ القيامِ بما عليها في بيت الزَّوج، وسُمِّيَ الزَّوجُ بعلًا؛ لأنَّه كأنَّه مالكٌ للمرأة وربٌّ لها، قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: ربًا، ودلَّت تسميةُ الزَّوجِ بَعلًا بعدَ طلاقِها (^٤) الصريح أنَّ النِّكاحَ قائمٌ، والحِلَّ ثابت، وقوله: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: أوْلَى بمراجعَتِهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في (^٥) التَّربُّص؛ أي: حالةَ الاعتدادِ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ أي: إنْ قصدَ الأزواجُ إقامةَ الحدودِ وتداركَ الفسادِ، فلهم الرَّجعة، وليس هذا على الشَّرط حكمًا، وهو كقولِه تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وتجوزُ الكتابةُ حُكمًا وإن لم يعلم فيهم خيرًا، وكذا
_________________
(١) في (أ): "الزوج".
(٢) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (١٥٦٠ - المنتخب) من حديث خلدة الأنصارية ﵂. ورواه مسلم في "صحيحه" (١١٤١) من حديث نبيشة الهذلي، دون قوله: "وبعال".
(٣) رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٤٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ مطولًا، وبين أنه موضوع، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١١٥٢) بإسناد آخر عن عليّ، قال البيهقي: وهذا الحديث لا أحفظه على هذا الوجه إلا بهذا الإسناد، وهو ضعيف بمرة.
(٤) في (ف): "إطلاقها".
(٥) بعدها في (ر): "ذلك".
[ ٣ / ٢٣١ ]
تصحُّ رجعَتُهُ حُكمًا، وإنْ لم يَقصِد بها الإصلاح، لكن هذا تنبيهٌ أنَّ الإطلاقَ في حقِّ مَن قصدَ ذلك، فأمَّا مَن قصدَ الإضرارَ (^١) بمراجعتِها بأنْ يُطلِّقَها بعد ذلك، ثمَّ يُراجعَها (^٢)؛ تطويلًا للعدَّة عليها، فإنَّه آثمٌ بذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: وللنِّساء على الأزواج حقوقٌ كما لهم عليهنَّ حقوق، بما هو مستحسَنٌ شرعًا وعرفًا، ويجوزُ أن يكون هذا تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ أي: إقامةً للحُقوق من الطَّرفين، فله أنْ يُرَاجِعها مِن غيرِ رضاها، وعليها أنْ تُطيعَهُ، وعليه أن يُحسِنَ إليها ولا يضارَّها.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ أي: منزلةٌ؛ فإنَّ الطَّلاق بأيديهِم، والنَّفقةَ عليهم، والولايةَ عليهن لهم، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان" (^٤)، ولمَّا كان لهم عليهنَّ درجةٌ نُدِبوا إلى توفية حقوقهنَّ.
وقيل: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في كمالِ العقل؛ فهم أَولى بأداءِ الحقِّ منهنَّ، وإثمُهم في المراجعة لا على إرادة الإصلاح والإضرارِ بهنَّ أكثرُ مِن إثمهنَّ بكتمانِ ما خلقَ اللَّهُ في أرحامهنَّ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الأمر".
(٢) "ثم يراجعها" ليس في (ف) وبعدها في (أ): "ثم يطلقها".
(٣) وقع في هامش (أ) ما نصه: "فيه دلالةٌ على أنَّ الحكمَ المعلَّق بالشَّرط لا ينعدمُ عند عدمه، فإنَّه لا خلافَ بين أهل العلم أَنَّه إذا راجعها مضارًّا في الرَّجعة، مريدًا لتطويل العدة عليها؛ أنَّ رجعتها صحيحة".
(٤) رواه الترمذي (١١٦٣)، (٣٠٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (٩١٢٤)، وابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن الأحوص ﵁.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
ويجوزُ أن يكون تنبيهًا للنِّساء على تعظيمِ الأزواج؛ فإنَّ الزَّوجين يَشتركان في التَّلذُّذ، ويَختصُّ الزَّوجُ بالقيام والإنفاقِ، فهو أعظمُ حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: منيعُ السُّلطان، لا يُعتَرضُ عليه فيما شرعَ لعبادِه، حكيمٌ فيما حكمَ.
* * *
(٢٢٨) - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؛ أي: الطَّلاقُ الرَّجعيُّ دُفعتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: تمسُّكٌ وتعلُّقٌ وحِفْظٌ؛ أي: فللزَّوج مراجعةٌ على موافقةِ الشَّرع؛ بألَّا يَقصدَ الإضرارَ بها (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ و﴿أَوْ﴾ للتَّخيير، والتَّسريحُ: التَّخلية، والإحسانُ: أنْ يُمَتِّعَها ويُلاطفَها (^٢) ولا يجفوها.
وقيل: هو تفريقُ (^٣) الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وقوله ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾؛ أي: مراجعةٌ، وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: تطليقٌ آخرُ في طُهْرٍ آخر.
وروى هشامٌ عن أبيه قال: كان النَّاس والرَّجلُ (^٤) يُطلِّقُ امرأتَهُ، ثمَّ يُراجعُها في
_________________
(١) في (أ): "بها إضرارها" بدل: "الإضرار بها".
(٢) بعدها في (ر): "ولا يجيعها".
(٣) لفظ: "تفريق" ليس في (أ).
(٤) في (ف): "كان الرجل".
[ ٣ / ٢٣٣ ]
العِدَّة، فهي امرأتُه وإن طلَّقها ألفًا وراجعها، فقال رجلٌ من الأنصارِ لامرأتِه: واللَّه لا أقربُكِ، ولا تَحِلِّين منِّي، فقالت: وكيف ذاك؛ قال: أطلِّقُك فإذا دنا أجلُك راجعتُك، فجَزِعَت، فأتَت رسولَ اللَّه -ﷺ-، فذكرَت ذلك له، فنزلَ قولُه ﷻ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^١)، فصار الطَّلاقُ محصورًا (^٢) بثلاث.
وعن أبي رَزين الأسديِّ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ قولَ اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثَّالثة؟ فقال: "التَّسريح بإحسان (^٣) ".
وقيل: هو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (^٤) خطاب للأزواج بأنَّه يَحرمُ (^٥) عليهم أنْ يَسترِدُّوا ما أعطَوهنَّ مِن المهر.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾؛ أي: إلَّا أنْ يَعلمَ الزَّوجُ والمرأة، يُسمَّى (^٦) العلمُ خوفًا؛ لأنَّه إذا علمَ ما يُخافُ خاف.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: علمَ الزَّوجُ أنَّها لا تُحبُّه، ولا تَقومُ بحقِّه، فيَحملُه ذلك على أنْ يُجازِيها بمثلِه، فقد تركا إقامةَ حدودِ اللَّه، فيَحلُّ في هذه الحالة أن تَختلعَ منه، وهو في حلٍّ أن يأخذَ بدلَ الخُلعِ منها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٢٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤١٨) (٢٢٠٦).
(٢) في (ر) و(ف): "محصور" بدل: "فصار الطلاق محصورًا".
(٣) في (أ): "بالإحسان". والخبر أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ١٣٠ - ١٣١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤١٩) (٢٢١٠).
(٤) بعدها في (ر): "هذا".
(٥) في (ف): "فإنه محرم".
(٦) في (أ): "سمى".
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وقوله (^١) تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ أي: أيُّها القضاةُ والمتوسِّطون ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: ألَّا يُقيم الزَّوجُ والمرأةُ حدودَ اللَّه؛ أي: الحقوقَ التي أثبتَها في النِّكاح.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: لا إثمَ على الزَّوجين.
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: فيما أعطَتهُ المرأةُ مِن بدلِ الخُلع، وإذا لم يكن عليها جُناحٌ في الدَّفع، لم يكن على الزَّوجِ جُناحٌ في الأخذِ.
وسببُ نزولِه فيما رواهُ الكلبيُّ عن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما قال: نزلَت الآيةُ في جميلة بنتِ عبدِ اللَّه بن أبي أوفى، زوجُها ثابتُ بنُ قيس بن شمَّاس، كانت تبغضُه بغضًا شديدًا، وكان يحبُّها ثابتٌ، فأتت رسولَ اللَّه -ﷺ-، فشكَت إليه زوجَها، وقالت: لا أنا ولا ثابت (^٢)، فأرسلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى ثابتٍ، فقال: "يا ثابت، مالكَ ولأهلِك؟ " قال: والذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا (^٣) ما على الأرض أحبُّ إليَّ منها غيرك، فقال لها: "ما تقولين؟ " فكرِهَت أن تكذبَ عند رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: صدقَ يا رسولَ اللَّه، ولكن خشيتُ أن يُهلِكَني، فأخرجني منه، فقال ثابت: لقد (^٤) أعطيتُها حديقةً لي، فقل لها (^٥) فلتردَّها عليَّ، وأنا أُخلِّي سبيلَها، فقال لها رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أتردِّين (^٦) حديقتَه، وتملكين أمرك؟ " قالت: نعم، قال: "يا ثابتُ،
_________________
(١) في (أ): "وهو قوله".
(٢) في (أ): "هو" بدل: "ثابت".
(٣) لفظ: "نبيًا" من (ف).
(٤) في (أ): "قد".
(٥) قوله: "فقل لها" ليس في (ف).
(٦) بعدها في (ر): "عليه".
[ ٣ / ٢٣٥ ]
خذ منها ما أعطيتَها، وخلِّ سبيلَها"، ففعل، فكان أوَّل خُلْعٍ (^١) في الإسلام (^٢).
ثمَّ الاختلاعُ على قدْرِ المقبوضِ من الزَّوج جائزٌ بهذا الخبر، وأمَّا الاختلاعُ بالزِّيادة على ذلك، فعن أصحابنا -﵏- فيه روايتان:
في رواية الأصل يُكرهُ؛ لما روي في هذا الخبر في روايةٍ أنَّها قالت: نعم وزِيادَة، فقال ﵊: "أمَّا الزيادة فلا" (^٣).
وفي رواية "الجامع الصغير": فلا يُكرَه لظاهر هذه الآية، وهو قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ أي: هذه أحكامُ اللَّهِ وفرائضُه، فلا تَجاوزُوها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: ومن يتعدَّ أمرَ اللَّه إلى ما نهاهُ عنه فأولئك هم (^٥) الضارُّون أنفسَهم، والواضعونَ الشَّيءَ غيرَ موضعه. و"مَن" للجمع، فلذلك قال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ر): "وقع".
(٢) أورده الثعلبىِ في "تفسيره" (٢/ ١٧٤) دون نسبته إلى الكلبي عن ابن عباس. وروى البخاريُّ في "صحيحه" (٥٢٧٣) عن ابن عباس أنَّ امرأةَ ثابت بن قيس بن شَمَّاس أتتِ النبيَّ -ﷺ-، فقالت: يا رسول اللَّه، ثابتُ بن قيس ما أَعْتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دين، ولكني أكرهُ الكفرَ في الإسلام، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أتردِّين عليه حديقتَه؟ " قالت: نعم. قال: "اقْبَلِ الحديقةَ، وطلِّقها تطليقةً".
(٣) رواها البيهقي في "السنن الكبرى" (١٤٨٤٧).
(٤) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٦/ ١٨٣).
(٥) بعدها في (ر): "الظالمون".
[ ٣ / ٢٣٦ ]
وقيل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يرجعُ إلى جميع ما ذُكرَ مِن الأحكام؛ قيل (^١): هذا من الخمرِ والميسر إلى هاهنا، ويجوزُ أن ينصرفَ إلى ما قبل ذلك أيضًا.
* * *
(٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الطَّلقةَ الثَّالثة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ أي: حَرُمت على زوجِها المطلِّق ثلاثًا، فلا يحلُّ له نكاحُها إلى غايةٍ، وهي أنْ تَنكِحَ هي (^٢) زوجًا غيرَه.
قيل: هذا النِّكاحُ هو التزوُّج. وقوله: ﴿زَوْجًا﴾؛ أي: رجلًا أجنبيًّا، سمَّاه زوجًا؛ لأنَّه بالعقدِ يَصيرُ زوجًا، فسمَّاه باسم العاقبة، كما في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦].
وقوله: ﴿تَنْكِحَ﴾ دلَّ أنَّ لها أنْ تُزوِّجَ نفسَها، والنكاح يَنعقدُ بعبارتها، وبه قال أصحابُنا ﵏، خلافًا للشافعيِّ.
ثمَّ ظاهرُ النَّصِّ يدلُّ على إنهاءِ (^٣) الحرمةِ بالعقد، ورويَ أنَّ سعيدَ بنَ المسيَّب كان يقولُ بذلك.
وقولُ (^٤) عامَّة الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم مِن عُلماء الدِّين على أنَّ الحِلَّ لا يَثبُتُ بدون دخولِ الزَّوج الثَّاني بها.
_________________
(١) في (ر): "قبل".
(٢) لفظ: "هي" من (أ).
(٣) في (ر): "انتهاء".
(٤) في (أ): "به لكن قول" بدل من "بذلك وقول".
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وقالوا (^١): ثبتَ اشتراطُ ذلك زيادةً على النَّصِّ بالحديث المشهورِ، وهو ما رويَ أنَّ تميمةَ بنْتَ أبي عبيدٍ القُرظيَّة (^٢) -وقيل: عائشة بنت عبد الرَّحمن بنِ عَتيك النَّضريَّة (^٣) - كانت تحت رِفاعة بن رافع -وقيل: رفاعة بن وهب بنِ عتيك ابنِ عمِّها (^٤) - فطلَّقها ثلاثًا، فتزوَّجَت (^٥) عبدَ الرَّحمن بنَ زَبير (^٦) القُرَظيَّ، ثمَّ طلَّقها، فأتَت رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالت: إنَّ زوجي عبدَ الرَّحمن بن زَبيرٍ القُرظيّ طلَّقني قبلَ أن يَمسَّني، فأرجعُ إلى زوجي الأوَّل؟ فقال ﵊: "لا، حتَّى يكون مسٌّ".
وفي روايةٍ قالت: ما كان ما عنَده بأغنى عنه من هُدبةِ ثوبه.
وفي روايةٍ قالت: ما كان معه إلَّا مثلُ هدبةِ ثوبي هذا، فقال: "لا، حتَّى تذوقي مِن عُسيلتِه، ويَذوقَ مِن عُسَيلتِك" (^٧).
ثمَّ جاءت بعد ذلك وقالت: كان مسَّني. وفي روايةٍ قالت: كان غشيني، فقال لها: "كذبتِ في قولك الأوَّل، فلن أُصدِّقَكِ في الآخر". فلبِثَت حتَّى قُبضَ رسولُ اللَّه
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "إن".
(٢) هو قوله عروة وقتادة، ذكره عنهما ابن الأثير في "أسد الغابة" (٧/ ٤٣). وقول عروة أخرجه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٢٨١) (٧٥٤٧).
(٣) في (أ): "النضيرية".
(٤) هو قول مقاتل بن حيان.
(٥) في (ف): "فتزوجها".
(٦) في (ف): "الزبير".
(٧) أخرج الطبراني في "الأوسط" (٧٤٦٩) نحو هذه الرواية من طريق ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٣٤١): وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
-ﷺ-، ثمَّ أتت أبا بكرٍ ﵁، فقالت: أرجع (^١) إلى زوجي الأوَّل؛ فإنَّ زوجي الأخيرَ قد مسَّني، فقال لها أبو بكرٍ ﵁: قد عَهِدتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- حين قالَ لك ما قال، فلا تَرجعي إليه، فلمَّا قُبضَ أبو بكرٍ ﵁ أتت عمرَ ﵁، فقال لها: لئن أتيتِني بعدَ مرَّتك هذه لأرجمنَّك، فمنعَها (^٢).
وبعضُ المحقِّقين مِن علمائنا ﵏ قال: هذا ثابتٌ بنصِّ القرآن، فإنَّ قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ معناه: حتى تُمَكِّنَ من وطئِها زوجَها؛ لأنَّ (^٣) النِّكاحَ في هذا ليس بعقدٍ، لأنَّه ذكرَ بعدَه زوجًا، والمرأةُ لا تُزوِّجُ نفسَها زوجَها، فكان ذِكْرُ الزَّوج اشتراطًا للنِّكاح، وذكرُ النِّكاحِ اشتراطًا للوطءِ وهو اسمٌ له حقيقةً.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزَّوجُ الثَّاني بعدَ الدُّخولِ بها.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: لا إثمَ على الزَّوجِ الأوَّلِ والمرأة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يَرجعا إلى الحالةِ الأولى بنكاحٍ جديدٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: عَلِما بغالبِ الظَّنِّ أنَّهما يقيمان حقوقَ النِّكاح، فلا يَرجِعان إلى التَّنافرِ الأوَّل، ولا يَقصِدُ أحدُهما إضرارَه بالآخر،
_________________
(١) في (أ): "أأرجع".
(٢) ذكر هذه الرواية بطولها ابن الأثير في "أسد الغابة" (٢/ ٢٨٩) عن مقاتل بن حيان. وأصل القصة في "صحيح البخاري" (٢٦٣٩)، و"صحيح مسلم" (١٤٣٣) عن عائشة ﵂، ونصها عندهما: جاءت امرأة رِفاعةَ القرظيِّ النَّبيَّ -ﷺ-، فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبدَ الرحمن بنَ الزَّبير، إنَّما معه مثلُ هُدبة الثَّوب، فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلتَه، ويَذوق عُسيلتَكِ".
(٣) في (ر) و(ف): "فإن".
(٤) لفظ: "والمرأة" من (أ).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وهذا ليس بشرطِ صحَّة النِّكاحِ حُكمًا، لكن بيانٌ أنَّ إطلاقَ الشَّرعِ لهما، ورفعَ الإثم عنهما؛ في هذه الحالة، فأمَّا إذا قصدا غيرَ ذلك فهما آثمان.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكامُ اللَّه تعالى، ومعالمُ شرعِه.
وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يَنتفِعُ بها مَن يَعلم؛ أي: يَتدبَّرُ ليَعلمَ أنَّ اللَّهَ تعالى أراد ببيانِه صلاحَهم في الدُّنيا والآخرة. ويَرجعُ قوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى جميعِ أحكامِ النِّكاحِ التي مرَّت في هذه الآيات.
* * *
(٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: نساءَكم، فالألفُ واللامُ بدلُ الإضافة.
وقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: فقارَبْنَ مضيَّ العِدَّة. والأجلُ: الوقتُ المضروبُ مدَّةً للشَّيء، والبلوغُ: المقاربةُ هاهنا، كما يَقول (^١) من قارب البلد: قد بلغناهُ، ويقولُ الرَّجلُ لآخر: إذا بلغتَ مكَّةَ فاغتَسِل بذي طُوى.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: راجعوهنَّ بالجميل، والمعروفُ: ما ألِفتهُ العقولُ، واستحْسَنتهُ (^٢) النُّفوس، وضدُّه المنكر، وهو: ما نَفرَت منه العقولُ، واستقبحَتهُ النُّفوس عرفًا وعادةً، والمرادُ به هاهنا حسنُ المعاشرة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يقال".
(٢) في (أ): "وعرفته".
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وقيل: هو الهديَّة.
وقيل: هو الزيادةُ في المهر.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: خَلُّوهنَّ حتَّى تَنقضي عدَّتُهن، والمعروفُ: ما قُلنا مِن حُسنِ العشرةِ، وإعطاءِ ما بقيَ مِن المهرِ، والبِرِّ بالمتعةِ، وحسنِ القَول.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾؛ أي: لا تُراجعوهنَّ على قصدِ المضارَّةِ، وقد ضارَرتُهُ مُضارَّةً (^١) وضِرارًا، كما يقال: ساررتُه مسارَّةً (^٢) وسِرارًا، وهو أنْ يُراجِعَها ليظلمَها ويؤذيَها ويسيءَ معاشرَتَها.
وقيل: هو أنْ يقصدَ تطويلَ العِدَّةِ عليها، بأن (^٣) يراجعَها في الحيضةِ الثَّالثة، ثمَّ يُطلِّقَها، ثمَّ يراجعها في الحيضةِ الثَّالثة كذلك، يَفعلُ ذلك ثلاثًا، فيكونُ قد أضرَّ بها.
وقوله تعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ أي: لتجاوزوا الحدَّ، وله وجهان:
أحدُهما: لا تُمسِكوهنَّ ضرارًا لقصدِ ظُلمِهن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
والثاني: لا تُمسِكوهنَّ ضِرارًا؛ لأنَّكم تَصيرون بذلك مُتَعدِّينَ حدَّ الشَّرعِ.
فالأوَّلُ تعليلُ فعلِهم، والثَّاني بيانُ عاقبةِ فعلهم.
ثمَّ النَّهيُ عن الإمساكِ ضرارًا كان دخلَ في الأمر بالإمساكِ بالمعروف، وإنَّما أُعيدَ تأكيدًا، كما يقال: أطعِ اللَّهَ ولا تَعصِه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مضرة".
(٢) في (ر): "مسرة".
(٣) في (ر): "مثل أن" بدل: "بأن".
[ ٣ / ٢٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: مَن أمسكَها ضِرارًا فقد أضرَّ بنفسِه، حيث جعلَها مستحقَّةً للوعيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فيه أقاويل:
قيل: أي: لا تَستخِفُّوا بآياتِ القرآن التي فيها أمرُه ونهيُه، ووعدُه ووعيدُه، وأحكامُه، ولا تخالِفوها؛ فإنَّ مَن فعلَ ذلك فقد اتَّخذَها هزوًا؛ أي: سخريةً؛ فإنَّها كانت للقَبول والعملِ بها.
وقيل: هذه الآياتُ التي في أحكامِ الأزواجِ فيها بيانُ (^١) مصالحِ دينِكُم ودُنياكم، فلا تَتهاونوا بها، ولا تُعرِضوا عن العملِ بها، فتفوتَكم المصالحُ المتعلِّقةُ بها.
وقيل: أي: الطَّلاقُ والرَّجعةُ والنِّكاحُ وسائرُ التَّصرُّفات شُرِعَت لمصالحَ تعلَّقَت بها؛ فالنِّكاحُ للسَّكَن وغيرِه، والطَّلاقُ للتَّخلُّصِ، والرَّجعةُ للتَّداركِ، فإذا نَكحتُم لا للسَّكن، ورَاجعتُم لا للتَّداركِ، وطلَّقتُم لا للتَّخلُّص، بل راجعتُم مرارًا تعنتًا وضِرارًا، فقد اتَّخذتُم آياتِ اللَّه هُزُوًا؛ باستعمالِ التَّصرُّفات لا لأغراضها، ويوضحهُ روايةُ أبي موسى الأشعريِّ ﵁، عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال (^٢): "ما بالُ قومٍ يَلعبونَ بِحدود اللَّه؟ يقولُ أحدُهم لامرأتِه: طلَّقتُك، راجعتُك" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ أن تكونَ النِّعمةُ للعموم، فيَتناولُ الكُلَّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
وقيل: المرادُ هاهنا: واذكروا إنعامَ اللَّه عليكم بتعليمِ ما جهِلتُم.
_________________
(١) لفظ: "بيان" من (أ).
(٢) "أنه قال" من (ر).
(٣) رواه ابن ماجه في "سننه" (٢٠١٧).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وقيل: بأنْ خلقَكُم رجالًا، وجعلَ لكم أزواجًا تَسكنون إليها، وجعلَ النِّكاحَ والطَّلاقَ والرَّجعةَ بأيديكُم، ولم يُضيِّق عليكم كما ضيَّق على الأوَّلين، حين أحلَّ لهم امرأةً واحدةً، ولم يُجوِّز (^١) لهم بعدَ موتِ المرأةِ نكاحَ أُخرى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على الأوَّل: واذكُروا ما أنزل على نبيَكم، وهو كالمنزَلِ عليكم، فإنَّ نفعَه حاصلٌ لكم.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قد فسَّرناهُما في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ الوعظُ: التَّخويفُ بسوءِ العاقبةِ، يُقالُ للمكروهِ يَنزِلُ بقومٍ: إنَّه عظةٌ لغيرِهم، وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ يرجعُ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾؛ أي: لا تُخالِفوا أمرَهُ ونهيَه.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: مِن الاتِّقاء، والاتِّعاظِ، والذِّكر، وغيرِ ذلك، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ.
* * *
(٢٣٢) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: استوفينَ عدَّتهنَّ، والبلوغُ هاهنا عبارةٌ عن حقيقةِ الانتهاء؛ لأنَّ المذكورَ بعدَه النِّكاح، ولا يكونُ ذلك إلَّا بعد
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يجز".
[ ٣ / ٢٤٣ ]
انقضاءِ العِدَّة، وفي الآية الأُولى ذِكرُ الرَّجعة، وذاك يكونُ في العِدَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تَمنعوهنَّ أيُّها الأولياءُ. وقد عَضلَها يَعضُلُها عضلًا، من بابِ: دخلَ؛ أي: منعَها عن التَّزوُّجِ، وأعضلَ الدَّاءُ الأطبَّاءَ؛ أي: أعياهُم أنْ يُعالِجوهُ، وامتنعَ عليهم لشدَّتِه، وهو داءٌ عضالٌ، والأمرُ المُعضِلُ؛ أي: الشَّاقُّ الممتنعُ، وعَضَّلتُ عليه تعضيلًا؛ أي: ضَيَّقتَ (^١) فمنعتَه عن الخروج، وعَضلَتِ المرأةُ بولدِها إذا عَسُرَ وِلادُها وامتنعَ، وأعضَلَت كذلك، وعَضَّلت الدَّجاجة إذا نَشِبَ البيضُ فيها، والعُضَلُ: الدَّواهي، جمع عُضلة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾؛ أي: يتزوَّجنَ الأزواج الذي كانوا لهن.
قال الشافعيُّ ﵀: هذه الآيةُ أدلُّ دليلٍ على أنَّ النِّكاح لا يَنعقدُ بعبارةِ النِّساء، فإنَّ اللَّهَ تعالى نَهى الأولياءَ عن منعهنَّ، فدلَّ (^٢) أن الولاية لهم.
قلنا: بل هي أدلُّ دليلٍ على أنَّه يَنعقدُ بعبارتها (^٣)، فإنَّه قال: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ (^٤)، فأضافَ النِّكاحَ إليهنَّ، وهذا صريحٌ واضحٌ بحمدِ اللَّه تعالى.
وعن الحسن ﵀ أنه قال: حدَّثني معقلُ بن يسار قال: كانت لي أخت تُخطَبُ إليَّ، وأمنعُها من النَّاس، فأتاني ابنُ عمٍّ لي -وفي رواية مقاتل اسم الزوج أبو الدَّحداح بن عاصم بن عديّ بن عجلان (^٥) البلويّ القضاعي (^٦)، واسمُ أختِ معقل
_________________
(١) في (أ): "ضيقته" وفي (ر): "ضيقت عليه".
(٢) بعدها في (ر): "على".
(٣) في (ر): "بعبارتهن".
(٤) بعدها في (ر): "أزواجهن".
(٥) في (ف): "العجلان".
(٦) كذا، واسم الزوج في "تفسير مقاتل" (١/ ١٩٧): أبو البداح بن عاصم بن عدي الأنصاري من بني =
[ ٣ / ٢٤٤ ]
جمل بنت يسار المزنيّ- قال: فأنكحتُها إيَّاه، فاصطحبا زمانًا، ثمَّ طلَّقها طلاقًا له رَجعة، ثمَّ تركَها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها، فلمَّا خُطِبَت إليَّ أتاني يخطبها في الخُطَّاب، فقلت: خُطِبت إليَّ، فمنعتُها النَّاس، وآثرتُك بها، ثمَّ إنَّك طلَّقتَها وتَركتَها، حتَّى انقضَت عدَّتُها، فلمَّا خُطِبَت إليَّ جئتَ تَخطُبُها مع الخطَّاب! واللَّهِ لا أزوِّجُكَها أبدًا، ففيَّ نزلَت هذه (^١) الآيةُ، قال: فكفَّرتُ عن يميني، وأنكحتُها إيَّاه (^٢).
وفي روايةٍ أخرى: فلمَّا انقضَت العِدَّة هويها وهويته، فَخَطَبَها، فقال معقل: يا لُكع! أكرمتُك بها، زوَّجتُكَها فطلَّقتَها، واللَّهِ لا تَرجعُ إليك أبدًا، فعلمَ اللَّهُ حاجتَه إليها، وحاجتَها إليه، فأنزلَ هذه الآية، فقال معقل: سمع لربِّي، ثمَّ دعاهُ فزوَّجهُ إليها (^٣).
وفي روايةٍ: أرادت هي أنْ تتزوَّجهُ، فقال مَعقِل: لئن فعلتِ لا أُكلِّمُكِ أبدًا إنْ عُدتِ إليه. الحديث (^٤).
قال القفَّال: عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ الرَّجلَ قد يُضارُّ امرأتَهُ، ثمَّ إذا بانَتْ منه نَدِمَ على طلاقِها، وتبعَتها نفسُه، وقد يكونُ ذلك إذا رأى كثرةَ خُطَّابِها، فتَحدُثُ له رغبةٌ فيها، ويَمتنعُ وليُّها عن تزويجِها منه؛ حميَّةً للطَّلاق المتقدِّم، أو إشفاقًا عليها مِن أن يعودَ إلى المضارَّةِ، فأمرَ الوليَّ ألَّا يمنعَها؛ لما عسى أن يكونَ صَلَحَ كلُّ واحدٍ منهما، وزالَ ما كان؛ لأنَّ القلوبَ تتقلَّب.
_________________
(١) = العجلان الأنصاري، وهو حي من قضاعة.
(٢) "هذه" سقط من (أ).
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٥٢٩)، (٥١٣٠)، وأبو داود في "سننه" (٢٠٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٩٧٤)، والدارقطني في "سننه" (٣٥٢٦).
(٤) رواها الترمذي في "سننه" (٢٩٨١).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ١٩٧)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ١٧٩).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وقيل: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطابٌ للأزواجِ المطلِّقين ألَّا يَمنعوهنَّ أنْ يتزوَّجنَ بمَن شِئن؛ فإنَّ الرَّجلَ قد يُطَلِّقُ امرأتَهُ، ويندمُ إذا انقَضَت عدَّتُها، ويَغارُ إذا خطبَها غيرُه، فيضارُّها بجحودِ طلاقِها، أو دعوى رجعتِها أو نكاحِها، أو يَدسُّ إليها أو إلى من يَخطُبُها بتهديدٍ، أو يُسيءُ القولَ فيها بما تنبو (^١) القلوب عنها، فنُهوا عن ذلك.
وهذا وإن كان يَحتمِلُه ظاهرُ النَّصِّ، ويوافِقُ أوَّلَ الآيةِ، فإنَّ الخطابَ الأوَّلَ للأزواج، لكن الرِّواياتِ على ما قلنا.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الأزواجُ والزَّوجات، وغُلِّبَ التَّذكيرُ عند الاجتماع؛ فإنَّ اللغةَ كذلك. والمعروف: هو اجتماعُ شرائطِ الجواز (^٢) والاستحباب.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ خطابُ النبيِّ -ﷺ-، وفي سورةٍ أُخرى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وهو خطابٌ للمذكورين (^٣) قبلَه، ويجوزُ أن يكون التَّوحيدُ لِما أنَّ الكلمةَ تُفهِمُ إشارةً مفردة، فلا يُراعَى حقُّ الخطابِ في آخره توحيدًا وجمعًا، كأنَّها إشارةٌ لا غير، و﴿بِهِ﴾ ترجع الكنايةُ إلى ﴿ذَلِكَ﴾ وهو واحدٌ وإنْ دلَّ على كلِّ مذكورٍ قبلَه.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إنَّما يَنتفعُ بالوعظِ مَن صدَّقَ اللَّهَ، وأقرَّ بالقيامة والجزاءِ فيها على الخير والشَّرِّ.
_________________
(١) في (ر): "ينفر".
(٢) في (ر) و(ف): "الجواب".
(٣) في (أ): "المذكورين".
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾؛ أي: اتِّعاظُكم بهذا الوعظِ، وتركُ الضِّرارِ والعَضل (^١)، خيرٌ لكم من الفُرقة، وأطهرُ لكم مِن الرِّيبة.
وقيل: الكلمتان بمعنًى واحد، وهو الطَّهارة.
وقيل: الزَّكاةُ (^٢): النَّماءُ، والطُّهرُ: النظافة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: واللَّهُ يَعلمُ (^٣) المصالحَ، وأنتُم لا تَعلمونها.
* * *
(٢٣٣) - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ رَضِعَ اللَّبنَ يَرْضَعُ رَضاعًا ورَضاعةً ورَضْعًا، من باب: صَنَع وعَلِمَ وضَرَب، فهو راضع، وارتضعَ كذلك، وأرضعتهُ أمُّه إرضاعًا، والاستِرْضاعُ: سؤالُ الإرضاعِ وطلبُه، والرَّضيعُ: الصَّبيُّ الذي هو في حدِّ الرَّضاع، وهما رَضيعا لِبانٍ، والمُرضِعةُ التي تُرضِعُ، والمُرضِعُ التي لها ولدٌ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والفضل".
(٢) في (أ): "الزكاء".
(٣) "واللَّه يعلم" ليس في (أ).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
رضيع، ولئيمٌ راضِع هو الذي يَرضعُ لبنَ ناقتِه (^١) مِن لؤمِه؛ لئلَّا يَسمعَ الضَّيفُ صوتَ الشَّخبِ، والرَّاضِعتان: الثنيَّتانِ متقدِّمتا (^٢) الأسنان؛ لأنَّه يشربُ (^٣) عليهما اللبن، وأصلُه: مصُّ الثدي.
وقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فعلٌ مستقبِلٌ، أريدَ به الأمرُ؛ أي: ليُرضِعنَ، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ويجوزُ أن يكون مستقبلًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْلَادَهُنَّ﴾ جمعُ ولد، وهو المولودُ؛ ذكرًا كان أو أُنثى.
وقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ﴾ ثنيةُ حَوْل، وهو السَّنة، وهو من الحَوَلان والتَّحوُّل.
وقوله تعالى: ﴿كَامِلَيْنِ﴾؛ أي: تامَّين، وهو صفةُ الحولِ، ونصبُهما على الظَّرف، وجمعُ الحَوْلِ أحوال.
ومعنى الآية -واللَّه أعلم-: والأمَّهاتُ المطلَّقاتُ يُرضِعنَ أولادهنَّ؛ أي: هنَّ أحقُّ بإرضاعِ الأولاد من أجنبيَّاتٍ يَسْتَرضِعُهنَّ الآباءُ؛ لأنَّهنَّ أرقُّ عليهم، وألطفُ بهم، وهم آلفُ بهنَّ وآنس، فإنْ حُمِل ﴿يُرْضِعْنَ﴾ على حقيقة الاستقبال، فهو إخبارٌ أنَّه هو المشروع، وإن (^٤) حملَ على الأمرِ، فهو أمرُ ندبٍ واستحباب، دون فرضٍ وإيجاب، فإنَّه حقُّهنَّ، لا المستحَقُّ عليهنَّ، وهذا الحقُّ لهنَّ إلى أنْ يَتزوجنَ بغيرِ آباءِ الأولاد، قال النبيُّ -ﷺ- لتلك المرأة: "أنتِ أحقُّ به ما لم تتزوَّجي" (^٥)، والمعنى فيه أنَّهنَّ يَشتغِلنَ بخدمةِ الأزواجِ، فلا يتفرَّغنَ لحضانتهم على الوجه، ولأنَّ الرَّبيب
_________________
(١) في (ر): "الناقة" وفي (ف): "ناقة".
(٢) في (ر): "مقدمتا".
(٣) في (ف) و(أ): "شرب".
(٤) في (ر) و(ف): "فإن".
(٥) رواه أبو داود في "سننه" (٢٢٧٦) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
يتضرَّر بالرَّابِّ؛ فإنَّه يَنظرُ إليه شَزرًا، وينفقُ عليه نَزْرًا، كما ورد في الحديث (^١).
وقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إنَّما وصفَهما؛ لأنَّه قد يُقال: حولان لحولٍ وبعضِ الآخر، وإذا (^٢) قيِّدَ بالكاملين، لم يَقع على ما دونَ الحولين الكاملين.
ثمَّ قولُه تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ التي هي (^٣) المدَّةُ التَّامَّهُ التي ليس للأبِ وحدَه أنْ يُنقِصَ عنها، ويَمنعَ أجرَ الإرضاع إليها، ولا للأم أنْ تزيدَ عليها، فتطلبَ أجرَ الإرضاع على ذلك بغير رضا الأب، ودلَّ هذا على أنَّ النُّقصانَ عن ذلك والزيادةَ عليه بالتَّراضي عند وقوع الكفايةِ بما دونَها ووقوع الحاجة إلى الزيادة: جائزان، حيثُ علَّق ذلك بالإرادةِ.
ثمَّ اختُلِفَ في مدَّة الإرضاعِ التي يَثبتُ فيها حكمُه، قال أبو يوسف ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ ﵏: يَثبتُ إلى حولينِ، ولا يَثبتُ بعد ذلك.
وقال أبو حنيفة ﵀: يثبتُ إلى سنتين ونصفِ سنة (^٤).
وقال زفرُ ﵀: يَثبُتُ إلى ثلاث سنين، ودلائلُها تُعرفُ في (^٥) كتبِ الفقه.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: على الأب، وأريدَ به الجمعُ، ﴿رِزْقُهُنَّ﴾: طعامهنَّ، ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾: لباسهن، وهذا على طريقِ الأجر؛ لأنَّهنَّ يَحتجنَ إلى ما يُقِمنَ به أبدانهنَّ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَغتذي باللَّبن، وإنَّما يحصلُ
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (ر): "فلما".
(٣) في (أ): "أي هذه" بدل: "التي هي".
(٤) لفظ: "سنة" من (أ).
(٥) في (ف): "من".
[ ٣ / ٢٤٩ ]
لها ذلك بالاغتذاءِ، وتَحتاجُ هي إلى التَّستُّر (^١)، فكان هذا من الحوائجِ الضَّروريَّة، وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: مِن غيرِ إسرافٍ ولا تقتير؛ نظرًا للجانبين.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: لا يَحملُ أحدٌ إلَّا طاقتَه، فلا يُكلَّفُ الزَّوجُ ما لا يُطيقُ مِن الأجر، ولا المرأةُ ما لا تَستطيعُ مِن العمل، ولا الرَّضاعَ (^٢) بما لا يَكفيها من الأجر، وهذه الآيةُ كالآية التي في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قرأ أبو عمرو وابنُ كثير بالرَّفع على الاستقبال، وهو إخبارٌ أنَّه هو المشروع.
وقرأ نافعٌ وأهل الكوفة بالنَّصب على النَّهي (^٣)؛ لأنَّ أصلَه الجزمُ، وحُرِّكَ لاجتماع (^٤) السَّاكنين، واختير الفتحُ؛ لأنَّهُ أخفُّ الحركات، ومعناه: لا تضارَّ الأمُّ بسببِ ولدِها، ولا الأبُ بسبب ولده.
ولقوله: ﴿تضارّ﴾ (^٥) وجهان صحيحان:
أحدهما: أنَّ أصلَه: لا تُضارِر؛ بكسر الرَّاء الأُولى، وسُكِّنَت للإدغام، وهو نهيٌ لها عن الإضرارِ بالأب.
_________________
(١) في (ر): "الستر".
(٢) في (أ): "الرضا".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٣)، و"التيسير" (ص: ٨١)، وهي أيضًا قراءة ابن عامر، وأهل الكوفة من السبعة: عاصم وحمزة والكسائي.
(٤) في (ر): "لالتقاء".
(٥) في (ف): "لا تضار".
[ ٣ / ٢٥٠ ]
والثاني: أنَّ أصلَهُ: لا تُضارَر، بفتح الرَّاء الأولى، وسُكِّنَت للإدغام، وهو نهيٌ على صيغة (^١) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ويكونُ نهيًا للأبِ عن الإضرار بها.
ثم قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ عطفٌ على الأوَّل، فيكونُ الأوَّل على الوجهِ الأوَّل نهيًا للأمِّ عن الإضرار بالأب، ثمَّ نهيًا للأب عن الإضرارِ بالأمِّ، وعلى الوجه الثاني يكونُ نهيًا مضافًا إلى الأمِّ ظاهرًا على صيغةِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وحقيقتُه نهيُ الأب عن الإضرار بها، ثمَّ يكون عطفًا لنهي الأب على هذا الوجه، وحقيقتُه نهيُ الأمِّ عن الإضرارِ به.
ومعنى الإضرارِ مِن كلِّ واحدٍ منهما بالآخر، سواءٌ بُدِئ به أو بها: أنَّه لا يجوزُ لواحدٍ من الوالدين أنْ يُضارَّ الآخرَ بالولد، فتَمتنعَ الأمُّ من الإرضاع (^٢) إلا بأن تُعطى أكثر (^٣) من وسع الوالد، أو يمتنعَ الوالدُ مِن إعطاءِ الأمِّ قدرَ الوِسْعِ بالمعروف.
وكذلك لا يجوزُ للوالدِ أنْ يَنزِعَ الولدَ عنها وهي تُرضِعُ بأجرِ المثل، ولا للأمِّ أنْ تُلقيَ الولدَ عليه مع قُدرتِها عليه، وهو يُعطيها أجرَ المِثل، وهذا كلُّه نظرٌ للصَّغير.
ومنهم مَن حملَ الآيةَ على الوالداتِ المنكوحات، وجعلَ الرِّزقَ والكسوةَ مِن النَّفقة دون الأجر، وظاهرُ الآيةِ أنَّها في المطلَّقة؛ لأنَّ ما قبلَها وما بعدَها في ذِكْرِ المطلَّقات، وحكمُ المنكوحةِ في استحقاقِ الإرضاعِ لها ووجوبِ النَّفقةِ عليه كذلك بالإجماع، ولو امتَنعَتْ مِن الإرضاعِ لم تُجبَر عليه بالإجماع.
ولو استأجرَ زوجٌ منكوحتَهُ لإرضاعِ ولدِه منها، فأَرضعَتْهُ، لم تَستحقَّ الأجرَ
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "الأولى".
(٢) في (أ): "الأم من الإرضاع" وفي (ف): "الأمر من الإرضاع" بدل من "الأمر بالإرضاع".
(٣) في (أ): "بأكثر"، وفي (ر) و(ف): "أكثره"، ولعل المثبت هو الصواب.
[ ٣ / ٢٥١ ]
عندنا، والمبانةُ التي انقضَت عدَّتُها (^١) لو استُؤجِرت لذلك استحقَّتِ الأجرَ بالإجماع.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي: وعلى وارثِ الصَّغير عند عدمِ الأب مثلُ ما كان على الأب مِن أجرِ إرضاع الولد للمُرضعة.
وفي قراءة عبدِ اللَّه بن مسعود ﵁: (وعلى الوارثِ ذي الرَّحم المحرم مثلُ ذلك) (^٢)، وبه أخذَ أصحابُنا ﵏، فأوجبوا أجرَ الإرضاعِ على الوارثِ الذي هو ذو رحمٍ محرَم (^٣)، ولا يجبُ على كلِّ وارث، وكذا نفقةُ المحارم تجبُ عندنا بهذه الآية (^٤).
والشافعيُّ ﵀ لا يَرى ذلك، ويُحمَلُ قولُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على وجهين:
أحدهما: وعلى وارث الصغيرِ مثلُ ما على الأب من أن [لا] (^٥) يُضارَّها، لا النَّفقة (^٦).
والثاني: أنَّ الوارثَ هو الولدُ نفسُه؛ أي: إذا ورثَ مالًا مِن أبيه، فأجرُ إرضاعه فيه.
وهذا قولٌ متكلَّفٌ، والمرويُّ عن الصَّحابة عمرَ وابنِ مسعود وزيد ما ذَكرنا، وعليه المفسِّرون.
_________________
(١) قوله: "التي انقضت عدتها" ليس في (أ).
(٢) لم أقف عليها، وأوردها النسفي في "مدارك التنزيل" (١/ ١٩٥)، وذكرت أيضًا في كتب الفقه الحنفي، انظر "المبسوط" للسرخسي (٥/ ٢٠٩).
(٣) "محرم" سقط من (ف).
(٤) انظر "المبسوط" للسرخسي (٥/ ٢٠٩، ٢٢٣).
(٥) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٦) انظر "مختصر المزني" (ص: ٣٠٨).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فإن شاءَ الوالدُ والوالدةُ فطامَ الولدِ بتراضِيهما، أو نظرِهما في حالة أنَّه وقعَت الكفايةُ ولا ضررَ عليه، فلا إثمَ عليهما.
والفِصالُ: الفِطام، والفُصولُ: خروجُ العِير والجُند، والفَصل: التَّفريقُ والحُكمُ، وصرفُ الكُلِّ على تفاوتِ المصادر من بابِ: ضرب يضرب، وبعضُها في المعنى قريبٌ مِن بعض، وأصلُه التَّفريقُ، والفصيل: الحُوَارُ (^١) المفصولُ عن الناقة.
والتَّراضي: اجتماعُهما على الرِّضا، وهو الدَّليلُ على كمالِ نظرِهما في حالِه، وأنَّ الفِطامَ لا يَضرُّ بجسمِه.
والتَّشاورُ اجتماعُهما في المَشُورَة، وهي استخراجُ صوابِ الرَّأي بإشارةِ المستشار، وأصلُه مِن شَوْرِ العسل، وهو اجتناؤُه وهو اشتراط لكمال تأمُّلِهما في حاله؛ لأن لا يُضِرَّا به بقطع غذائِه قبل وقتِ فصالِه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؛ أي: وإن شئتُم أيُّها الآباءُ، ويجوزُ أن يكون خطابًا للآباءِ والأمَّهات، ولكلِّ مَن احتاجَ إلى الاسترضاعِ وأرادَ ذلك.
والاسترضاع (^٢): طلبُ الإرضاع من الظِئْر، وسؤالُهُ منها؛ فإنَّ سينَ الاستفعال للطَّلب والسُّؤال، وذاك يكون عند عجزِ الأمِّ، أو إبائِها، وقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ أي: لأولادِكم، وحذف اللام تخفيفًا، وهو في غير موضعِ الاشتباه؛ لأنَّهُ يُعلمُ أَنَّه لا يُرادُ به وجودُ الإرضاعِ من الأولاد، وصار كما في قوله:
_________________
(١) الحوار: ولد الناقة. انظر: "الصحاح" (مادة: حور).
(٢) بعدها في (ف): "وهو".
[ ٣ / ٢٥٣ ]
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (^١) [المطففين: ٣]؛ أي: كالوا لهم ووَزنوا لهم، ولا يشتبه هاهنا الحال، ويُعلَم (^٢) أنَّه لم يُرِد كيلَ أعيانِهم، ولا وزنَهم، ولا يجوزُ في موضع الاشتباه، لا يقال: دعوت زيدًا، في موضع: دعوتُ لزيدٍ؛ لأنَّ دعاه متحقِّق.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: سلَّمتم إلى الظِّئر ما سمَّيتم لها مِن الأجرِ، والإيتاءُ لا يُحمَل هاهنا على الإعطاءِ الذي هو المناولَة؛ لأنَّ تسليمَ ذلك تسليمُ المُسْلَم، وهو ممتنعٌ، لكن يُحمَلُ على الإيتاءِ الذي هو التَّمليك، وهو كإيتاءِ الزَّكاة، أُريدَ به التمليك، والتمليكُ في العقدِ يَقعُ بالتَّسمية.
وقيل: معنى قوله: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾؛ أي: التزمتُم، كما في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: يلتزموها، فإنَّ ذلك يَقعُ بالالتزام، لا بحقيقةِ الأداء.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالأداءِ الجميل، ثمَّ ظاهرُه أنَّه لا إثمَ على مَن استرضعَ لولدِه امرأةً إذا أعطاها ما شرَطَ لها.
ويحتملُ: وإن أردتم أيُّها الآباءُ أنْ تَسترضِعوا أجنبيَّةً لإرضاعِ الولدِ بعدما أرضعتهُ الأمُّ زمانًا، ثمَّ تركَتهُ لعجزٍ، أو إرادة التزوُّج بزوجٍ، فلا إثمَ عليكم أن تَنتزِعوا الولدَ منها، وتَدفعوه إلى الأجنبيَّةِ إذا سلَّمتُم لأمِّ الولد ما شرطتُم لها على إرضاعِها.
ويحتمل: لا جُناحَ عليكم أنْ تَسترضعوا؛ أي: في الابتداء للولدِ أجنبيَّة إذا امتنعَت الأمُّ عن إرضاعِه، إذا سلَّمتُم للأمِّ بقيَّةَ مهرِها، وسائرَ حقوقِها التي كانت.
وقرأ ابن كثير: ﴿ما أتيتم﴾ بغيرِ مدَّةٍ (^٣)، من الإتيان، وعلى هذا يكون معنى
_________________
(١) لفظ: "يخسرون" من (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "ولا يعلم".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٣)، و"التيسير" (ص: ٨١).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ (^١)؛ أي: إذا اتَّفقتُم، يعني الآباءَ والأمهات، من تسليمِ الخصمِ لخصمِه، وهو موافقتُه وتركُ الخلافِ عليه؛ أي: إذا توافقتُم وتراضيتُم على ما أتيتم؛ أي: عملتُم مِن الاسترضاع.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: [لا] (^٢) تخالفوا أوامرَهُ ونواهيه، واعلموا أنَّ اللَّه (^٣) يَرى أعمالَكم، فيُوفِّي جزاءكم.
* * *
(٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ التوفِّي: الإماتةُ، وقد توفَّاهُ اللَّهُ تعالى؛ أي: أماتَهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وأصلُ التَّوفِّي والاستيفاء هو استِتمامُ القبض، يُقال: وفَّيتُه حقَّهُ توفيةً، فتوفَّاهُ واستوفاه، ومعنى ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾؛ أي: تُقبَضُ أرواحُهم بالموت.
وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قرأ: (يَتوفَّون) بفتحِ الياء (^٤)، ومعناهُ: يَستوفونَ أعمارَهم، وهو كنايةٌ عن الموتِ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يَتركون زوجاتٍ، ويَذَرُ مستقبل أُميتَ ماضيه ومصدرُه، وكذلك: يدع، والأزواجُ جمعُ زوجٍ، والمنكوحةُ تُسمَّى زوجًا
_________________
(١) بعدها في (ف): "ما أتيتم".
(٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) من قوله: "تخالفوا أوامره" إلى هنا من (أ).
(٤) ذكرها عنه ابن خالويه في "مختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢)، وزاد نسبتها للمفضل عن عاصم.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
وزوجةً، والتَّذكيرُ أغلب، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويُجمَع: أزواجًا، على لغةِ التَّذكير.
وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: زوجاتُهم يَنتظِرنَ بأنفسِهنَّ، ومعناه: يَعتَدِدنَ.
ثمَّ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، ولا بدَّ له مِن خبرٍ، واختلف في خبره هاهنا.
قال الزَّجَّاجُ: خبرُه محذوفٌ، وتقديره: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فأزواجهم ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (^١).
و(^٢) قال الأخفش: خبرُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ولكن لا بدَّ مِن إضمار عائدٍ على المبتدأ، فيُضمر: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بعدهم (^٣).
وقال قطرب: تقديره ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ينبغي لهن أنْ يتربَّصن.
وقال الكسائيُّ والفرَّاء: "الذين" أُقيم مقام: أزواجهم، وتقديره: وزوجاتُ الذين يُتوفون منكم. إلى آخره (^٤)، ونظيرُ هذا ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]؛ أي: ومثلُ واعظِ الذين كفروا.
وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ تعديةُ الانتظار بالباء؛ أي: يُلبِثنَ أنفسَهنَّ عن التزوُّج إلى انقضاء العِدَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ﴿أَرْبَعَةَ﴾ نُصبَ على الظرف للتربُّص
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣١٤).
(٢) في (أ) و(ف): "قال" دون واو.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٨٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٥٠).
[ ٣ / ٢٥٦ ]
﴿وَعَشْرًا﴾؛ أي: عشرَ ليالٍ، وذِكْرُها ذكرٌ لأَيَّامها لغةً، وكذا ذكرُ الأيام ذِكْر للياليها، قال تعالى (^١) في قصَّةِ زكريَّا ﵇: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، والقصَّة واحدةٌ، فدلَّ أنَّ ذِكرَ أحدِهما يتضمَّنُ الآخر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: استوفينَ مدَّتهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يا معاشرَ أولياءِ الأزواج الذين ماتوا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: فيما فعلَ النِّساءُ المعتدَّاتُ مِن التَّشوُّفِ، والتزيُّنِ للخُطَّاب، والتَّزوجِ بزوجٍ آخر؛ أي: بعدما (^٣) زالت عُلقةُ الزوج، فلا بأسَ لوليِّ الزَّوجِ أن يَتركَها تتعرَّضُ (^٤) لزوجٍ آخر، فقد آنَ أوانُه، وكان قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ إذا تَركتِ الإحدادَ، وتَشوَّفَت للخُطَّابِ، فللقُضاة وأولياءِ الأزواج منعهنَّ عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: على موافقةِ الشَّرع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ أي: عليمٌ، ويجوزُ أن يكونَ خِطابًا للرِّجالِ والنِّساء جميعًا، وهو وعدٌ ووعيدٌ على الخيرِ والشَّرِّ.
* * *
(٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ
_________________
(١) في (أ): "كما" بدل: "قال تعالى".
(٢) بعدها في (ر): "أزواجهن".
(٣) في (أ): "قد" بدل من "بعد ما".
(٤) في (ر) و(ف): "لتتعرض".
[ ٣ / ٢٥٧ ]
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ وعلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ المرأةَ إذا ماتَ زوجُها قد يكونُ لها مالٌ، أو جَمالٌ، أو معنًى يَرغبُ النَّاسُ فيها، فأطلقَ للرَّاغبِ أنْ يُعَرِّضَ بالخطبةِ في العِدَّة، أو يُخفيَه في قلبِه، وهو قاصدٌ له حالَ قيامِ العِدَّة، ثمَّ يُظهِرَه بعد انقضاءِ العِدَّة، وهو نهى عن التَّصريحِ به في العِدَّةِ، وكما لا يجوزُ له أن يَنكِحَها في عِدَّتِها، لا يجوزُ له أن يخطُبَها صريحًا فيها (^١)، فأمَّا التَّعريضُ فلا بأسَ به.
والتَّعريضُ: هو إفهامُ المعنى بالشَّيء المحتمِلِ له ولغيرِه.
وقيل: هو تَضمينُ الكلامِ دِلالةً على شيءٍ (^٢) ليس فيه ذِكْرٌ له، كقولك لرجلٍ (^٣): ما أقبحَ البُخلَ، تُعرِّضُ بأنَّه بخيلٌ، وقولُك: لعنَ اللَّه الظَّالمين، تُعرِّضُ أنَّه ظالمٌ.
وفي الخبرِ: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (^٤)، وهو أنْ يُقال: إنَّه
_________________
(١) وقع بعدها في (أ): "فأمَّا إذا قصدَ بقلبِه أنْ يَخطُبها بعد انقضاءِ العِدَّة، أو عرَّضَ لها بما يَقعُ عندها أَنَّه يَرغبُ فيها، وأَنَّه يَخطُبُها بعد انقضاء عدَّتِها، فقد نفى اللَّهُ تعالى الجُناح في ذلك".
(٢) في (ر): "معنى".
(٣) قوله: "لرجل" من (ر).
(٤) رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٥٦٧)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠١١)، والبيهقي في "الكبرى" (٢٠٨٤٣)، (٢٠٨٤٤) من حديث عمران بن حصين مرفوعًا، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٠٩٦)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٥٧)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ١٠٦) (٢٠١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠٨٤٢) عن عمران بن حصين ﵁ موقوفًا. والصحيح موقوف كما رجحه البيهقي وغيره. =
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وضعَ رأسه، أو: ليس هاهنا، أو: عليَّ المشيُ إلى بيت اللَّه، أو: لا أشتري جاريةً، ولا أتزوَّجُ عليك، يَتحرَّزُ بهذا كلِّه عن الكذب، على إرادةِ شيءٍ آخرَ سوى الظَّاهرِ على ما عُرف (^١).
والخطبةُ: الاستنكاحُ، وهي مأخوذةٌ (^٢) من الخِطاب، والخُطبةُ بالضمِّ مِن الخِطاب أيضًا، وهي خِطابُ النَّاس بالحمدِ، والصَّلاةِ، والوَعظِ والدُّعاء.
ومن التَّعريض في الخطبة أن يقولَ: إنِّي أشتهي أنْ تكونَ لي امرأةٌ مثلُك، ولعلَّ اللَّهَ يَقضي به بيني وبينك، أو يقول: أنا أحتاج (^٣) إلى امرأةٍ صفتُها (^٤) كذا، فتَعلمَ أنَّه يرغبُ فيها، أو يَصِفُها بالجمالِ والعقلِ والعفَّة والبصارة (^٥) والكفاية، فتَعلمُ أنَّه يَرغبُ فيها، أو يقول: إنِّي حسنُ الخُلُقِ، كثيرُ الإنفاقِ، جميلُ العِشرةِ، مُحسنٌ إلى النِّساء، فيصفُ نفسَه لترغبَ فيه، أو يقول: ربَّ راغبٍ فيكِ، وحريصٍ عليك، وأنتِ بحيث تُحبِّين، وما عليك لائمة، وما يَجري مجرى هذا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: سترتُم وأسررتُم وأضمرتم (^٦)، قال تعالى: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤]، والمكنون: المصون، وهو بالسِّترِ يكون.
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٠٩٥)، والبيهقي في (٢٠٨٤١) من قول عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) من قوله: "وفي الخبر أن في المعاريض" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "وهو مأخوذ".
(٤) في (ف): "محتاج".
(٥) بعدها في (أ): "توافق صفتها".
(٦) في (ر) و(ف): "والنضارة".
(٧) بعدها في (ر) و(ف): "ثم".
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قيل: أي: ستَخطُبونهنَّ، وفي الحديث: كان النبيُّ -ﷺ- إذا أرادَ أن يُزوِّجَ بعضَ بناتِه، دَنى مِن خِدرها ويقول: "إنَّ فلانًا يَذكرُ فلانة" (^١)، يعني: يخطُبُها، يعني أَنَّكم تَحتاجون بعد انقضاءِ العِدَّةِ إلى الخِطبة، فأباحَ لكم تمهيدَ ذلك بالتَّعريضِ في العِدَّة؛ لئلَّا يَسبقكُم غيرُكم بالخِطبة فتفوتَكم.
وقيل: معناه: ستَذكرونهنَّ بقلوبِكم، وتتفكَّرون في أنَّكم تَطلبون ذلك بعد انقضاءِ العِدَّة، فأزالَ الجُناحَ عنكم بإضمارِكُم ذلك في القلب؛ إذ ليس فيه وَهْمُ فسادٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾؛ أي: جِماعًا، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يُفعَل سِرًّا (^٢)، قال امرؤ القيس:
ألَا زعمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أنَّني كبِرْتُ وأنْ لا يُحسِنُ السِّرَّ أمثالي (^٣)
أي: لا يَقُلْ أحدكُم لها في العدَّةِ: إنِّي قادرٌ على هذا العملِ، ومحسِنٌ لهذا العمل؛ فإنَّه قبيحٌ في المعاملة، وبعيدٌ عن (^٤) المجاملة، ولأنَّه مُهَيِّجٌ لشَهوتها، وقد يوقِعُها في الفتنة بذلك في عدتها (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ليس هذا حقيقةَ (^٦) استثناءٍ عن مواعدةِ السِّرِّ التي هي ذِكْرُ الجِماع؛ فإنَّه لا يَنبغي أنْ يُقال ذلك بوجهٍ مِن
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" (٢٤٤٩٤) من حديث عائشة ﵂، قال محققوه: إسناده ضعيف.
(٢) في (أ): "في السر و" وفي (ف): "في السر".
(٣) "ديوان امرئ القيس" (ص ٢٨)، وفيه: "اللهو" بدل: "السر".
(٤) في (أ): "في".
(٥) قوله: "في عدتها" من (أ).
(٦) في (أ): "لحقيقة".
[ ٣ / ٢٦٠ ]
الوجوه (^١)، لكن معناه: أي: لكن قولوا قولًا جميلًا ممَّا قُلناه (^٢) في التَّعريضات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: لا تحقِّقوا العقدَ في العِدَّة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: تحقَّق.
وقيل: أي: لا تُلزِموهنَّ (^٣) عقدَ النِّكاحِ في العِدَّة، من قولك: عزمتُ عليك أنْ تفعلَ كذا، ولم يرد به القصدَ، ولو أرادَ ذلك لقال: ولا تَعزِموا على عُقدةِ النِّكاح، وذاك هو الإكنان الذي رفعَ اللَّهُ الجُناحَ فيه.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: حتَّى نتهي ما كَتبَ اللَّهُ عليهنَّ مِن التَّربُّصِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، وقوله تعالى: ﴿أَجَلَهُ﴾؛ أي: بلغ ذلك غايتَه، وهو انقضاءُ العِدَّةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: مِن الطَّاعةِ والتَّعظيمِ والخوفِ وخلاف ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: اخشَوا أنْ يَطَّلِعَ على خلافٍ (^٤) منكم، واحذروا أنْ يُعَاقِبَكم عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ أي: لا تَغترُّوا بأنَّه غفورٌ يَسترُ الذُّنوب، وحليمٌ لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ، ثمَّ قد يأخذُ. أو هو (^٥) غفورٌ، فتوبوا مِن الخلاف؛ ليغفرَ لكم، وحليمٌ لا يَرُدُّ التَّوبةَ لما سلفَ مِن الإفراط.
_________________
(١) "من الوجوه" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "قلنا".
(٣) في (ر) و(ف): "تكرهوهن".
(٤) في (أ): "خوف".
(٥) في (ر): "وهو".
[ ٣ / ٢٦١ ]
والحليمُ هو الذي لا يَستخفُّهُ عصيانُ العصاة، ولا يَستفِزُّهُ (^١) الغضبُ عليهم.
ثمَّ لا يَصِحُّ عند المعتزلة على أصولهم وصفُ اللَّه جلَّ وعلا بأنَّه حليمٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الحِلم تركُ عقوبةِ مَن يَستحِقُّها، ولا يَجوزُ عندَهم للَّه تعالى تركُ عقوبةِ العصاةِ، واللَّهُ تعالى وصفَ نفسَهُ بالحِلمِ تَرغيمًا (^٢) لهم، وتكذيبًا لقولهم.
* * *
(٢٣٦) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الجُناحُ: الوِزرُ، من قولهم: جَنحَتِ السَّفينةُ؛ أي: مالَت لثِقلها، والوِزْرُ: الثِّقَلُ، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثَقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
قيل: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لكثرةِ ما أوصى أصحابَه بالنِّساءِ ظنُّوا أَنَّه سَيُحرِّمُ طلاقَهنَّ، فنزلَتِ الآيةُ لبيان أنَّه مباحٌ، وليس على المطلِّقِ إذا وافقَ الشَّرعَ جُناحٌ.
وقيل: هذه الآيةُ (^٣) في غيرِ المدخولِ بها، فقد قال تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وإنَّما خصَّها بالذِّكرِ؛ لأنَّ طلاقَها في كلِّ وقتٍ مشروعٌ مباحٌ، وفي المدخولِ بها يَختلفُ الحال.
وقيل: الآيةُ في رفعِ الجُناحِ عمَّن لا يُعطيها المهرَ إذا طلَّقها قبلَ الدُّخولِ بها، ولم يُسَمِّ لها مهرًا؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا شدَّدَ في منعِ المهرِ، واستردادِ المهرِ، والمضارَّةِ
_________________
(١) في (ف) و(أ): "يستفزه".
(٢) في (أ): "ترغيبًا".
(٣) بعدها في (ر): "نزلت".
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ليَختلعَ بالمهر، بالآياتِ التي مرَّت؛ توهَّموا أنَّ في غير المدخولِ بها التي لم يُسَمَّ لها المهرُ (^١) يأثمون بأن لا يعطوا المهرَ، فبيَّنَ أنَّه لا جُناحَ فيه، وأنَّ المهرَ غيرُ واجبٍ، بل الواجبُ المتعةُ، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ﴾.
وقيل: معناهُ: لا إثمَ عليكم في الطَّلاقِ ومنعِ المهر، إلَّا إذا مسَستموهنَّ، أو فرضتُم لهنَّ مهرًا، فإنَّه يَجِبُ مهرُ المثلِ في المسِّ وإنْ لم يفرضْ لها شيئًا، ويَجِبُ نصفُ المهرِ المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها، ولذلك أدخلَ ﴿أَوْ﴾ بين قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وفي كلِّ واحدةٍ مِن هاتين الحالتين يأثمُ بمنعِ المهر.
وقيل: بل معناه: ما لم تَمسُّوهنَّ، ولم تفرضوا لهنَّ فريضةً، أو: ما لم تمسوهن ولا فرضتم لهن فريضة؛ لأنَّ الأوَّلَ نفيٌ، و﴿أَوْ﴾ في عطف النفي كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ليس هذا للشكِّ ولا للتَّخييرِ، بل النَّهيُ عن طاعتِهما جميعًا، وتقديرُه: وكفورًا. ووجهٌ آخر: ولا كفورًا.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿ما لم تُماسوهن﴾ (^٢). والمماسَّة: الملامسةُ، وهي الوطءُ؛ لأنَّ المفاعلةَ بين اثنين، وقرأ الباقون: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ والمسُّ: هو اللَّمسُ، ويَقعُ على اللمسِ باليدِ وعلى الوطءِ، فكلُّ واحدٍ منهما يؤكِّدُ كلَّ المهرِ عندنا، والفرض: تقديرُ المهر، والفريضة: المقدَّر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ أي: أعطوهنَّ في حالِ عدمِ التَّسميةِ والطَّلاق قبلَ الدُّخولِ المتعةَ، وأصلُ المتعةِ والمتاع: ما يُنتفَعُ به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ، بل ينقضي
_________________
(١) في (ف): "مهرًا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٤)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٣) في (ر): "المقدرة".
[ ٣ / ٢٦٣ ]
عن قريبٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ الآية [غافر: ٣٩]، ويُسمَّى التَّلذُّذُ تمتُّعًا لذلك، ونظيرُ المتعةِ والمَتاع: البُلغةُ والبَلاغ.
واختُلِفَ في تقديرِها، وعندنا هي ثلاثةُ أثوابٍ؛ دِرْعٌ، وخِمارٌ، وملحفة، والأخبارُ والآثارُ فيها مختلفة.
قال الكلبيُّ ﵀: نزلَت في رجلٍ من الأنصار تَزوَّجَ امرأةً مِن بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثمَّ طلَّقها قبلَ أنْ يمسَّها، فقال النبيُّ -ﷺ-: "متِّعها ولو بقَلنسوتِكَ، أما إنَّها لا تُساوي شيئًا، ولكنِّي أحببتُ أن أحييَ السُّنَّة" (^١).
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: أفضلُها خادمٌ، وأوضعُها ثوب (^٢).
وقال الشَّعبيُّ: أوسطُها أربعةُ أثواب؛ دِرعٌ، وخِمارٌ، ومِلْحفةٌ، وجِلباب (^٣).
وقال ابن عمر: ﵄ أدناها ثلاثون درهمًا (^٤).
ومتَّع عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ رضي اللَّه تعالى عنه امرأتَه (^٥) بجاريةٍ سوداءَ، والحسنُ (^٦) بن عليٍّ ﵄ امرأتَهُ (^٧) بعشرةِ آلاف درهم.
_________________
(١) لم أقف عليه عن الكلبي، وذكره مقاتل في "تفسيره" (١/ ٢٠٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٢/ ١٨٨) دون نسبة.
(٢) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" له (٢/ ١٤٤)، وفيه: خمار بدل: خادم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١).
(٤) انظر: "الإشراف" لابن المنذر (٥/ ٣٧٥)، و"أحكام القرآن" للجصاص (٢/ ١٤٤).
(٥) في (ف): "امرأة"، وليس في (ر).
(٦) في (ر) و(ف): "والحسين"، والمثبت موافق لما في "تفسير الطبري" (٤/ ٢٩٢)، وخبره وخبر عبد الرحمن بن عوف مخرج فيه.
(٧) في (ر) و(ف): "امرأة".
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وروى جابرٌ ﵁ أنَّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلَّقَ امرأتَه فاطمةَ بنت قيس أختَ الضَّحاكِ بنِ قيس، فذَكرَ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "متِّعها"، فقال: ما أجد، قال: "متِّعها ولو بصاعٍ من تمر" (^١).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الموسِعُ: الغنيُّ، وقد أوسعَ؛ أي: صار في السَّعة، وهي الغنى، كما يقال: أصبح وأمسى؛ أي: صار في الصَّباح والمساء.
والمُقترُ: المُقِلُّ، والتَّقتير في الإنفاقِ هو التَّقليل، وقتارُ المرَقةِ: ريحُها، وهي قليلهُ منها، والقَترَةُ: الغبار، وهو قليلٌ مِن التُّراب.
وقوله: ﴿قَدَرُهُ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿قدْره﴾ بتسكين الدَّال (^٢)، والباقون بفتحِها، وهما المقدارُ؛ أي: المتعةُ على الزَّوج على قدرِ يسارِه وإعسارِه.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ نصبَ على المصدر، فقد سبق الفعلُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
وقيل: على القطع، فقد قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ (^٣) بالرفع، وذاك معرفةٌ وهذا نكرة، فنُصِبَ على القطع من ذلك.
وقيل: بل هو مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل: "هن" في ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
_________________
(١) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ١٢٢) والبيهقي في "الكبرى" (١٤٤٩٣)، واسم المطلِّق عندهما: حفص بن المغيرة. ووقع عند البيهقي: "ولو نصف صاع".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٤)، و"التيسير" (ص: ٨١) وقرأ بتسكين الدال أيضًا ابن عامر في رواية هشام.
(٣) "وعلى المقتر قدره" سقط من (أ) و(ف).
[ ٣ / ٢٦٥ ]
والمعروفُ: ما لا تقتيرَ فيه ولا إسراف.
وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: واجبًا على الذين يُحسِنون الائتمارَ بأمر اللَّه تعالى.
وقيل: ﴿حَقًّا﴾ مصدرُ فعلٍ مضمرٍ؛ أي: حقَّ ذلك حقًا.
وليس هذا الإحسانُ هو التَّبرُّع بما ليس عليه؛ فإنَّ المتعةَ في هذه -أي: في هذه (^١) الصُّورة (^٢) - واجبةٌ.
* * *
(٢٣٧) - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ثمَّ بيَّنَ حُكمَ التي سُمِّيَ لها المهرُ في الطَّلاق قبل المسِّ وقوله: ﴿وَقَدْ﴾ الواو للحال، وقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فعليكم نصفُ ما سمَّيتُم، أو فلهنَّ نصفُ ما سمَّيتُم، والنِّصفُ أحدُ جزأي الكمال.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: إلَّا أنْ يُسقِطنَ (^٣) هذا النِّصفَ، فلا يأخذْنَ شيئًا، والواو هاهنا واوُ أصلِ الكلمة، وليس بواو الجمع، وتقديرُه: يَفْعُلْنَ، والنُّون نونُ جمعِ النِّساء، وليست بنونِ الرَّفع، ولذلك لم تَسقط بالنَّاصِب، وهو "أن".
_________________
(١) قوله: "أي في هذه" من (ر).
(٢) في (أ): "الآية"
(٣) بعدها في (أ): "هن من".
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ نُصِبَ لأنَّهُ عطف على قوله: ﴿يَعْفُونَ﴾، وقد دخل فيه ناصبٌ، لكن لم يظهر فيه النَّصبُ للتَّسكينِ اللَّازمِ، ومعناه: أو يَتفضَّلَ؛ فإنَّ العفوَ هو الفضلُ على ما مرَّ.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أي: الزَّوجُ يَتفضَّلُ فيُعطِي الكلَّ صلةً لها وإحسانًا إليها؛ أي: الواجبُ شرعًا هو النِّصفُ، إلَّا أنْ تُسقِطَ هي الكلَّ، أو يعطي هو الكلَّ. وإنَّما كان الزَّوجُ هو الذي بيدِه عقدةُ النِّكاح؛ لأنَّ الطَّلاقَ بيدِه، فكان إبقاءُ العقدة بيده، فسُمِّيَ به. وكذا فسَّره سعيدُ بن جبير وشُريح ومجاهدٌ (^١) وجماعةٌ ﵃، وأصلُه عن علي ﵁ وروي عنه أنَّه سألَ شُريحًا عن الذي بيده عقدةُ النِّكاح، فقال: هو الوليُّ، فقال عليٌّ: لا، ولكنَّه (^٢) الزوج (^٣). وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ (^٤)، وأحدُ قولَي الشَّافعيِّ ﵀ (^٥).
وقال مالكٌ والشافعيُّ في قولٍ (^٦): هو الوليُّ للصَّغيرةِ والبِكر، وله حطُّ هذا النِّصف (^٧).
وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّبرُّعَ بحقِّ الصَّغيرةِ، ولا بحقِّ الكبيرةِ بغير رضاها.
_________________
(١) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٢٥ - ٣٢٩).
(٢) في (أ): "ولكن هو".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٢٤).
(٤) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٦/ ٦٣).
(٥) انظر: "الأم" للشافعي (٦/ ١٩١ - ١٩٢).
(٦) هو القول القديم عنه. انظر "روضة الطالبين" (٧/ ٣١٤).
(٧) انظر: "المدونة الكبرى" (٢/ ١٠٤).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: والعفوُ منكم أقربُ إلى التَّقوى.
وقيل: هو خطابُ الأزواج، وكذا قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ندبَ الزَّوجَ إلى إكمال المهرِ؛ إظهارًا للمروءة، وعملًا بالفتوة.
وقيل -وهو الأظهر الأشهر-: إنَّه خطابٌ للأزواج والزَّوجاتِ جميعًا؛ أي: عفوُ الزَّوجِ بإعطائِه كلَّ المهرِ خيرٌ له، وعفوُ المرأةِ بإسقاطِ كلِّه خيرٌ لها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ تقريرٌ للأوَّل (^١)، فلا يَنبغي للزَّوجِ أنْ يَنسى الإفضال، فيقول: إنَّها كانت محبوسةً بعقدي، ولم تَنل منِّي نصيبًا، فلا أحرِمُها مِن المسمَّى شيئًا، ولا يَنبغي للمرأةِ أن تتركَ الإحسانَ، وتقول: إنَّ زوجي لم يَصِل إليَّ، ولم يكن له منِّي شيءٌ، فأنا لا آخذُ منه شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: لا يَخفى عليه ما عمِلتُم مِن الفضلِ والجودِ والانتصاف (^٢).
والجملةُ أنَّ المنكوحاتِ المطلَّقاتِ أربعةُ أصناف؛ مسمَّى لها مدخول بها، وغيرِ مسمَّى لها غيرِ مدخول بها، ومسمًّى لها غيرِ مدخول بها، وقد ذكرنا أحكامَ هذه الثَّلاث في هذه الآيات، وغيرِ مسمًّى لها مدخول بها، وقد ذُكرَ حكمُها في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٣) لمَّا ذكرَ أحكامَ النِّكاح، وفيه الشَّهوات،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تقدير الآية" بدل: "تقرير للأول".
(٢) في (ر): "والإنصاف".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وفي اتِّباعِها إضاعةُ الصلوات؛ عقَّبها الأمرَ بمحافظتِها؛ ليتحرَّزوا عنها، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ولأنَّ ذلك مِن حقوقِ الخَلْقِ، وهذا مِن حقوقِ الحقِّ، والقرآنُ يَشتمِلُ على بيان الحقَّين، وهو مثانٍ؛ لإتيانِه على هذين الاثنين.
* * *
(٢٣٨) - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
ومعنى ﴿حَافِظُوا﴾؛ أي: داوِموا ولازِموا، وأصلُ الحِفظِ: الضَّبطُ، وحفظُ الشَّيء عن النِّسيان هو ضبطُه في القلبِ، وحفظُ الشَّيء عن الضَّياع هو ضبطُه بالنَّفْس.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ هي المكتوباتُ الخمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ثبتَ عددُها بغيرها من الآيات، وبالأحاديث المتواترة، وبإشارةٍ في هذه الآية، وهو ذكرُ ﴿الْوُسْطَى﴾، والأوسط (^١): ما اكتنفَهُ -أي: أحاطه (^٢) - عددان متساويان، وأقلُّ ذلك خمسةٌ، ولا يقال بأنَّ الثَّلاث بهذه الصِّفة؛ لأَنَّا نقول: الثَّلاثُ لا يَكتنفُها عددان، فإنَّ الذي قبلَها واحدٌ، والذي بعدَها واحدٌ، والواحدُ ليس بعددٍ؛ فإنَّ العددَ ما إذا جُمِعَ بين طرفَيه صارَ ضعفَه، والواحدُ ليس له طرفان؛ فإنَّه ليس قبلَهُ شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾؛ أي: وحافظوا على الصَّلاة الوُسطى منها، ومحافظتُها: حِفْظُ أوقاتِها، وأركانِها وشرائِطها وواجباتِها، وسُننِها وآدابِها وفضائلها. ثمَّ اختُلِفَ في الوسطى:
_________________
(١) في (أ) و(ر): "والوسطى".
(٢) قوله: "أي أحاطه" من (أ).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
قال قوم: هي غير مُعيَّنةٍ، وإذا حافظ على كلِّها، فقد حافظَ عليها.
قال أبو بكر الورَّاق ﵀: لو شاء اللَّهُ لعَيَّنها، ولكنه أرادَ تنبيهَ الخلقِ على أداءِ الصَّلواتِ؛ ليُحافِظوا عليها (^١)، كما نبَّه الناسَ على ليلة القدر، ولم يُعيِّنها، وكما قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ في الجُمُعة لساعةً (^٢) لا يُوافقُها عبدٌ مسلمٌ يَسألُ اللَّه فيها خيرًا، إلَّا أعطاهُ إيَّاه" (^٣)، ولم يُعيِّنها.
وسُئِلَ الرَّبيع بن خثيم عنها، فقال للسَّائل: أرأيتَ إنْ عرفتَها، أكنتَ محافظًا عليها ومضيِّعًا سائرها؛ قال: لا، قال: فإنَّك إذا حافظتَ عليهنَّ فقد حافظتَ عليها (^٤).
وقال ابنُ سيرين: سألتُ شُرَيحًا ﵀ عن ذلك، فقال: حافظْ عليهنَّ تُصِبها (^٥).
وقيل: هي صلاةُ الفجر، رويَ ذلك عن عليٍّ وابنِ عباس وابنِ عمرَ وأبي موسى وجابرٍ وجماعةٍ من التَّابعين (^٦) رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وهو اختيارُ الشافعيِّ ﵀، وقالوا: يَدلُّ عليه أنَّه وردَ فيه في القرآن (^٧) زيادةُ ترغيبٍ، وهو
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ١٩٨).
(٢) في (ر) و(ف): "ساعة".
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢).
(٥) رواه ابن أبي شيبة (٨٦١٣).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٦٧ - ٣٧١) عن ابن عباس وجابر بن عبد اللَّه وجماعة من التابعين. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٤٨) (٢٣٧٦)، ثم قال: وهو أحد قولي ابن عباس، وأحد قولي ابن عمر، وأنس بن مالك وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس.
(٧) بعدها في (أ): "من".
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قولُه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: تَشهدُه ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار، وليست هذه الخصوصيةُ لغيرِها، وتحقيقُ اسمِ الوُسْطى لها أنَّها بين صلاتَي ليلٍ وصلاتي (^١) نهار، ولأنَّها بين صلاتَي جهرٍ وصلاتَي مخافتةٍ، ولأنَّها بين سوادِ اللَّيلِ وبياضِ النَّهار.
وقال ابنُ عمر ﵄ في روايةٍ وزيدُ بنُ ثابت: هي صلاةُ الظُّهر (^٢). قال زيدٌ ﵁ كان النبيُّ -ﷺ- يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرة، ولم تكن صلاةُ أشدَّ على الصَّحابةِ ﵃ منها، فنزل قولُه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٣).
وخُصت بالذِّكرِ؛ لأنَّها أوَّلُ صلاةٍ فُرِضت، وسُمِّيَت وسطى؛ لأنَّها في وسط النَّهار، ولأنَّها بين صلاة نهارٍ وصلاة ليلٍ تتقدَّمان، وبين صلاة نهارٍ وصلاةِ ليل تتأخَّران، وهي صلاةٌ تَقعُ في وقتِ اشتغالِ النَّاسِ في الأسواق، ولأنَّها وقتُ القيلولةِ، وفيها خطرُ الفَوت.
وقال عليٌّ في روايةٍ، وابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو أيوبَ الأنصاريُّ، وأبو هريرة، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ سلمةَ، والحسنُ البصريُّ (^٤)، وهو قولُ الأكثرِ رضوانُ اللَّه عليهم: هي صلاةُ العصرِ، وفيه خبرٌ عن النبيِّ -ﷺ- فإنَّه (^٥)
_________________
(١) في (أ): "وبين صلاتي".
(٢) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٥٩ - ٣٦١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
(٤) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٤٢ - ٣٥١).
(٥) في (ر) و(ف): "بأنه".
[ ٣ / ٢٧١ ]
فاتتهُ العصر يوم الأحزاب فقال: "شغلونا عن الصَّلاة الوسطى عن صلاة العصر، ملأَ اللَّهُ قلوبَهم وقبورَهم نارًا" (^١).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "مَن فاتتهُ العصرُ، فكأنَّما وترَ أهلَهُ ومالَه" (^٢).
وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ قُربِ فراغ النَّاسِ عن أعمالِهم، والغالبُ هو حِرصُهم عليها، وإقبالُهم على إتمامها.
وسُمِّيَت وُسْطى؛ لأنَّها بين صلاتَي نهارٍ وصلاتَي ليل.
وقال قبيصةُ بن ذؤيب وعمرو ومكحولٌ وضمرةُ بنُ حبيب: هي صلاةُ المغرب (^٣)؛ لأنَّها ثلاثُ ركعاتٍ، فهي بين الأربعِ والمثنى، ولأنَّها بين صلاتَي مخافتةٍ وبين صلاتَي جهر، ولأنَّها بين بياضِ النَّهار وسوادِ اللَّيل.
وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ الرَّغبةِ في الطَّعام، وقد ورد التَّشديدُ والتَّهديدُ في تأخيرها (^٤).
وقيل: هي صلاةُ العشاء؛ لأنَّها بين صلاةِ جهرٍ وصلاةِ مخافتة يتقدَّمان، وبين
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) من حديث علي ﵁، ورواه مسلم (٦٢٨) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) رواه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٦٧) عن قبيصة بن ذؤيب.
(٤) روى أبو داود في "سننه" (٤١٨) عن مرثد بن عبد اللَّه قال: قدم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبةُ بن عامر يومئذ على مصر، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عُقبة؟ قال: شُغلنا، قال: أما سمعتَ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تزال أمتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخِّروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النُّجوم". وروى ابن ماجه (٦٨٩) نحوه من حديث العباس ﵁.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
صلاة جهرٍ وصلاةِ مخافتةٍ (^١) يتأخران، ولأنَّها بين صلاةِ ليلٍ وصلاةِ نهارٍ يُجهَرُ بها، فهي صلاةُ جهرٍ بين صلاتَي جهرٍ.
وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ غَلَبةِ النَّوم.
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال الضَّحَّاكُ ﵀: أي: مُطيعين؛ فإنَّ سائرَ أهل الأديان يقومون في الصَّلاة عاصين (^٢).
وقال زيدُ بنُ أرقم: كنَّا على عهدِ النبيِّ -ﷺ- يُكلِّمُ أحدُنا صاحبَه في الصَّلاة بحاجتِه، حتَّى نزلَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ أي: ساكتين (^٣).
وعن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّه صلَّى بهمُ الصُّبحَ فقنَتَ فيه، وقال: هذه الصَّلاةُ التي قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٤).
وقيل: معناه: خاشعين.
وقيل: مُطيلين للقِيام.
وقيل: مُخلِصين.
وقيل: قارئين للقرآن.
وقال مجاهد: من القنوت: الرُّكودُ والخشوع (^٥)، وغضُّ البصرِ، وخفضُ الجناحِ مِن رهبة اللَّه تعالى (^٦).
_________________
(١) من قوله: "ولأنها بين بياض النهار" إلى هنا من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٧٦)، وروى (٤/ ٣٧٨) عن ابن عباس نحوه.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (٥٣٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٦٨).
(٥) في (ر) و(أ): "الركوع والسجود" بدل: "الركود والخشوع".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٨٢)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٩) (٢٣٨١).
[ ٣ / ٢٧٣ ]
(٢٣٩) - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾؛ أي: وحافظوا عليها في حالِ خوف العدوِّ أيضًا، فلا تؤخِّروها، وصلُّوا رجالًا، وهو جمعُ راجل، وهو القائمُ على الرِّجلِ، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ هو جمعُ راكب، ولهم أن يصلُّوا وُحدانًا، ولا يجوزُ أن يصلوا (^١) بجماعةٍ عندنا؛ لأنَّه سقطَ فرضُ الاستقرارِ عنهم، فلم يَجمعْهُم مكانٌ واحدٌ، فبطلَ الاقتداءُ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: فإذا أمنتُم العدوَّ، فصلُّوا للَّه، والذِّكْرُ اسمٌ للصلاة، وقد دللنا عليه فيما مرَّ.
﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ اللَّه، ولم تكونوا علمتُم ذلك؛ أي: صلُّوا (^٢) طائفةً واحدةً، مِن غير انصرافٍ، وفي الخوف يُصلُّون طائفتين، وتَنصرفُ كلُّ طائفةٍ إلى العدوِّ عند تمامِ ركعةٍ (^٣)، على ما نبيِّنُ في سورة النِّساء إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
* * *
(٢٤٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
_________________
(١) قوله: "أن يصلوا" من (أ).
(٢) في (ف): "صلاة".
(٣) في (ر) و(ف): "الركعة".
[ ٣ / ٢٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
وقوله تعالى (^١): ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ (^٢) قرأ حمزة وأبو عمرو وحفص بالنَّصب (^٣)، ووجهُه: فليُوصوا وصيَّةً، وقرأ عاصمٌ (^٤) والكسائيُّ بالرَّفع، وتقديره: فعليهم وصيَّةٌ لزوجاتهم، أو فيه تقديمٌ وتأخير، وتقديره: فلزوجاتِهم وصيَّةٌ، وهي بالنَّفقةِ والسُّكنى.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ونصْبُهُ بإضمارِ الفعل، أو على القطع، أو على الحال، أو على إيقاع فِعلِ الوصيَّةِ عليه.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قيل: هو على الحال، وتقديرُه: غيرَ مخرجين لهنَّ.
وقيل: هو صفةُ ﴿مَتَاعًا﴾.
وقيل: هو مصدر، وتقديره: لا (^٥) إخراجًا.
وقيل: هو نصبٌ بنزعِ الخافض، وتقديرُه: مِن غير إخراج.
وقال الأخفش: تقديرُه: متِّعوهنَّ متاعًا، لا تخرجوهنَّ إخراجًا (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾؛ أي: بعد السَّنةِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ
_________________
(١) "وقوله تعالى: " سقط من (أ) و"و" سقط من (ف).
(٢) في (أ): "لأزواجكم".
(٣) وهي قراءة ابن عامر أيضًا.
(٤) في رواية أبي بكر، وهي بالرفع قراءة نافع وابن كثير أيضًا. انظر "السبعة" (ص: ١٨٤)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٥) "لا" زيادة من (أ) و(ف).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١٩٢).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أي: لا إثمَ عليكم يا أولياءَ الزَّوجِ فيما فعلنَ في أنفسِهنَّ (^١) مِن التَّزيُّنِ لطلبِ الزَّوجِ على وفق الشرع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: منتقمٌ ممَّن عصاهُ، ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: مصيبٌ فيما حكمَ.
وكان هذا حُكمًا مَشروعًا في الابتداء، ثمَّ نُسِخَ، وكانت العربُ إذا مات رجلٌ وله امرأةٌ، منعَ أهلُهُ المرأةَ عن التزوُّجِ أبدًا، وكانوا يرثون مالَ الميِّتِ وامرأته (^٢)، فلا يعطونَها إرثًا، وكانوا يأخذونَها إرثًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، وكانوا ألِفوا ذلك، واللَّهُ تعالى نقلهم (^٣) عن ذلك بالتَّدريج، فأمرَ أوَّلًا بأنْ يُوصوا للمرأةِ بالنَّفقةِ والسُّكنى مكانَ الميراث، وجعلَ العِدَّةَ المانعةَ عن التَّزوُّجِ سنةً واحدةً بهذه الآيةِ، ثمَّ نَسخَ الوصيَّةَ بالميراث، وهو الرُّبع أو الثُّمن، ثمَّ نسخَ الاعتدادَ بالسَّنةِ بالأربعةِ الأشهُرِ والعَشر، على مابيَّنَّا، فهذه الآيةُ متأخِّرةٌ في نظمِ السُّورة، وهي منسوخةٌ، وتلك الآيةُ متقدِّمةٌ، وهي ناسخة.
وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: نزلت الآيةُ في حكيمِ بن الأشرف الطائيِّ (^٤)، قدِمَ المدينةَ، فماتَ بها، وتركَ أبوين وأولادًا وزوجةً، فجعلَ النَّبيُّ -ﷺ- الميراثَ للأبوين
_________________
(١) قوله: "في أنفسهن" ليس في (أ).
(٢) بعدها في (ر): "موجودة".
(٣) في (ر): "منعهم".
(٤) كذا، ولعل الصواب: "الطائفي"، فقد جاء في "أسباب النزول" (ص: ٧٦) - والخبر فيه مخرج عن مقاتل بن حيان-: أن رجلًا من أهل الطائف، ولم يذكر اسمه، ووقع اسمه في "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢٠٢): حكيم بن الأشرف، وذكر أنه قدم من الطائف، ولم ينسبه.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
والأولاد، وجعلَ للمرأةِ نفقةَ العِدَّةِ والكسوةَ والسُّكنى حولًا، فنُسِخَ (^١) هذا.
ورويَ أنَّ المعتدَّة في الوفاة حولًا، كانت تَسكنُ في بيتٍ مظلمٍ، لا تَتطيَّبُ، ولا تَغتسلُ، ولا تُجدِّدُ الثِّيابَ، ثمَّ تَخرجُ بعد (^٢) تمامِ الحول، وتَرمي ببَعرةٍ وراءَ ظهرِها؛ تُظهِر أن حدادها في مراعاةِ حقِّ زوجِها في هذه المدَّة كان أهونَ عليها مِن هذه؛ أي من هذه (^٣) البعرة، ولذلك قال ﵊ حين سُئِل عن البُروز في المدَّة: "كانت إحداكنَّ في الجاهليَّة الجهلاء، تَجلسُ حولًا في شرِّ بيتٍ، أفلا أربعةَ أشهرٍ وعشرًا؟ " (^٤).
* * *
(٢٤١) - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي (^٥): وللمطلَّقاتِ اللَّاتي سُمِّيَ لهنَّ المهرُ متعةٌ أيضًا بطريق الاستحباب، وقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ أي: يحق هذا حقًّا على مَن كان متَّقيًا، فليس بواجبٍ هذا، لكن مِن شرطِ (^٦) التَّقوى التَّبرُّع بهذا تَطييبًا لقلبها.
* * *
_________________
(١) في (أ): "ثم نسخ".
(٢) "بعد" ليس في (ف).
(٣) قوله: "أي من هذه" من (ف).
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٥٣٣٨) ومسلم (١٤٨٨) من حديث أم سلمة ﵂، والسؤال فيه عن الكحل لا عن البروز.
(٥) لفظ: "أي" من (أ).
(٦) في (ف): "شروط".
[ ٣ / ٢٧٧ ]
(٢٤٢) - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: كما يُبيِّنُ هذه الأحكامَ يُبَيِّنُ بعد هذا لكم كلَّ ما تحتاجون إليه؛ لتعقلوا؛ أي: لتَستعمِلوا عقولَكم في قَبولها، والتَفكُّر فيها والعملِ لها (^١).
* * *
(٢٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقيل: الآياتُ هي جميعُ ما تقدَّم مِن أمرِ الحجِّ والقتال وكلِّ الأحكام إلى هاهنا.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هذه الآيةُ في ذِكر القتال (^٢) الذي به تَحصينُ الدِّين، وقبله ذكرَ الطَّلاقَ بعد النِّكاح الذي فيه تحصينُ الدِّين، فلذلك انتظما.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الألف ألفُ الاستفهام (^٣) بمعنى التَّقرير، والرُّؤيةُ بمعنى العِلم، وقائمةٌ مقامَ النَّظر، ولذلك وصلَ بـ ﴿إِلَى﴾، وتقديرُه: ألم تنظر إلى الذين؛ أي: ألم تسمع ذلك؟ ألم تعلم ذلك؟ وتحقيقه: اعلمْ ذلك، اسمعْ ذلك.
وقيل: معناه: ألم تُخبَر فيَقعَ لك العلمُ به، كما يقعُ بالنَّظر، وهي كلمةُ تنبيهٍ؛
_________________
(١) في (أ): "بها".
(٢) من قوله: "وكل الأحكام إلى هاهنا" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ف): "استفهام".
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ليتأمَّل فيما يُلقى اليه ممَّا اُريدَ الإنباءُ عنه؛ اذ كان قد سبقَ الإنباءُ به (^١)، فأريدَ منه تجديدُ العهدِ بالتأمُّل فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ﴾؛ أي (^٢): منازلهم، جمع دار.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ قيل: هو جمعُ آلِف، كما يُقال: قاعِدٌ وقُعود، وساجِدٌ وسُجود؛ أي: متألِّفون.
وقيل: هذا جمع أَلْف، وهو العددُ المعروف.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كانوا أربعةَ آلاف (^٣).
وقال مقاتلُ بنُ حيان: كانوا ثمانية آلاف.
وقال أبو روق: كانوا عشرةَ آلاف.
وقال أبو مالك: كانوا ثلاثين ألفًا.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية أربعين ألفًا (^٤).
وقال عطاء: سبعين ألفًا (^٥).
وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: لخوف الموتِ مفعول له.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قيل: يجوزُ أن يكونَ اللَّهُ تعالى أسمعَهم كلامَ بعضِ ملائكته: موتوا، فماتوا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عنه".
(٢) بعدها في (ر): "من".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤١٤).
(٤) رواها الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤١٨) من رواية ابن جُريج عن ابن عباس، وفيها: كانوا أربعين ألفًا أو ثمانية آلاف.
(٥) انظر الأقوال السابقة في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
ويجوز أن يكون معناه: فأماتَهم اللَّه، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]؛ أي: يكونه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: أماتَهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيه، لا موتَ انقضاءِ آجال، ثمَّ أعادَهم أحياءً؛ ليَستوفوا بقيَّة أعمارِهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: تَفضَّل على أولئك فأحياهُم بعد أن أماتَهم، فأمهلَهُم (^١) في الدُّنيا حتَّى تابوا وقبِلَ توبتَهم؛ إذ خرجوا مِن ديارهم فرارًا من الموت، وكان ذلك عصيانًا منهم، وإنَّه لذو فضلٍ على النَّاس؛ أي: على (^٢) غيرِهم، بأنْ بيَّن هذا ليَعتبروا بحالِهم، ويوقِنوا (^٣) بالبعث بعد الموت، وفيه فضلٌ مِن اللَّه تعالى على عبادِه؛ بذكرِ هذه الآيات المحرِّكة لهم على طاعتِه، وقتالِ عدوِّه، وتفويضِ الأمور إليه، وإخلاصِ الخوفِ والرَّجاء له.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يُؤدُّونَ حقَّ نعمِه بالشُّكرِ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩].
واختلف في سبب (^٤) نزوله وقصَّته.
قيل: هو جوابُ قول بعض المنافقين لمَّا قُتِل بعضهم، قالوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فأخبرَهم اللَّهُ تعالى بأنَّ جهلَهم بقضاء اللَّه تعالى وقدَرِه، وأنَّه لا عاصمَ لأحدٍ مِن أمرِه؛ حملَهم على هذا القول، كما أنَّ جهلَ بني
_________________
(١) في (أ): "وأمهلهم".
(٢) قوله: "الناس أي على" ليس في (أ).
(٣) في (ر): "ويؤمنوا".
(٤) لفظ: "سبب" من (ر).
[ ٣ / ٢٨٠ ]
إسرائيلَ حملَهم على الخروجِ فرارًا من الموت، ثمَّ لم يُنجِهم فرارُهم حتَّى أماتَهمُ اللَّهُ جميعًا، ثمَّ أحياهم، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]، وقولِه: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (^١)، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
وقال ابنُ عباس ﵄: هم سِبْطٌ من بني إسرائيل خرجوا من ديارهم فرارًا من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فابتلوا بالطَّاعون، فأماتَهُمُ اللَّه ﷻ قبل انقضاءِ آجالِهم؛ عقوبةً لهم، ثمَّ أحياهُم ليستكمِلوا بقيَّة آجالِهم (^٢).
وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ملِكًا مِن ملوك بني إسرائيلَ أمرَ بني إسرائيلَ أنْ يَخرجُوا إلى قتالِ عدوِّهم فخَرجوا فعسكروا ليغزوا عدوَّهم، فجَبُنوا، وكرهوا الموتَ، وقالوا لملكهم: إنَّ الأرضَ التي تأتي فيها الوباء، فلا نأتيها حتَّى ينقطعَ الوباءُ منها، فذلك حذَرُ الموت، ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فماتوا، وهم ثمانيةُ آلافٍ، فمكثوا ثمانيةَ أيَّام حتى انتفخوا، وبلغ بني إسرائيلَ خبرُ (^٣) موتِ أصحابِهم، فخرجوا إليهم ليدفنُوهم، فعَجَزوا عنهم مِن كثرتِهم، فحظروا عليهم الحظائرَ، ثمَّ أحياهم اللَّهُ تعالى بعد ثمانيةِ أيَّام، فبقيت فيهم بقايا من ريحِ النَّتنِ، حتَّى إنَّه بقيَ في أولادِهم إلى اليوم (^٤).
وقال مقاتل: إنَّ نبيَّهم حزقيا، والأشهرُ الأظهر: حزقيل (^٥)، وهو ذو الكفل،
_________________
(١) قوله: "إن فررتم من الموت" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤١٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٦) (٢٤١٧) بنحوه.
(٣) لفظ: "خبر" من (ر).
(٤) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢١٥)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٣).
(٥) اسم النبي ﵇ في "تفسير مقاتل": "حزقيل" في هذا الموضع وما بعده.
[ ٣ / ٢٨١ ]
نَدبَهم إلى قتالِ عدوِّهم، فأبَوا عليه؛ جُبنًا مِن عدوِّهم، واعتلُّوا بأنَّ (^١) الأرضَ فيها الطَّاعون، فأرسلَ اللَّهُ تعالى عليهم الموتَ، فلمَّا رأَوا أنَّ الموتَ كثُرَ فيهم، خَرجوا مِن ديارِهم فِرارًا مِن الموت، فلمَّا رأى ذلك حزقيا قال: اللهمَّ ربَّ يعقوبَ وإلهَ موسى، قد تَرى معصيةَ عبادِك، فأرِهم آيةً في أنفُسهم حتَّى يَعلموا أنَّهم لا يَستطيعون فِرارًا منك، فلمَّا خرجوا قال اللَّه تعالى: موتوا؛ عقوبةً لهم، فماتوا جميعًا، ومات دوابُّهم، كموتِ رجلٍ واحدٍ ثمانيةَ أيَّام، فخرجَ إليهم النَّاسُ، فعجَزوا عن دفنِهم، وأَرْوَحَتْ أجسادُهم، ثمَّ إنَّ حزقيا بكى إلى ربِّه، فقال: يا ربَّ يعقوب وإلهَ موسى -﵉- لا تكن على عبادِك الظلمة كأنفسهم، واذكُر فيهم ميثاقَ الأوَّلين -وفي رواية: قال يارب، أرِهم رحمتَك كما أريتَهُم قدرتَك- فأمرَهُ اللَّهُ تعالى أنْ يَدعوَهم بكلمةٍ واحدةٍ، فقاموا كقيامِ رجلٍ واحدٍ، كأنَّهم كانوا نيامًا، فاستيقظوا، ثمَّ أمرَهم أنْ يَرجِعوا إلى عدوِّهم فيجاهدوهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢).
وقال الحسنُ ﵀: إنَّما سُمِّيَ حزقيلُ ذا الكِفل؛ لأنَّه كَفَل سبعين نبيًّا، وأنجاهُم مِن القتل، وقال لهم: اذهبوا، فإنِّي إنْ قُتِلتُ كان خيرًا لكم مِن أن تُقتَلوا جميعًا، فلمَّا جاء اليهودُ، وسألوا ذا الكفلِ عن الأنبياء السبعين، قال: إنَّهم ذَهبوا، ولا أدري أين هم؟ ومنعَ اللَّهُ تعالى ذا الكفل عن (^٣) اليهود (^٤).
وقال السُّدِّيُّ: هم فرقةٌ مِن بني إسرائيلَ خرجوا مِن ديارِهم فِرارًا مِن الطَّاعون،
_________________
(١) في (أ): "أن".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٠٣).
(٣) في (ر): "من".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
فأماتَهمُ اللَّه تعالى، ومرَّت عليهم السُّنون حتَّى عَرِيَت عظامُهم، وتفرَّقَت أوصالهم، فمرَّ بهم نبيٌّ يُقالُ له: حزقيل، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أنْ نادِ فيهم: قُوموا بإذن اللَّه تعالى، فنادى، فنظرَ إليهم قيامًا يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدِك، لا إلهَ إلا أنت (^١).
وقال هلال بن يساف: هم قومٌ مِن بني إسرائيلَ وقعَ فيهم الطَّاعون، فذهبَ أشرافُهم وأغنياؤهم، وأقامَ سَفِلَتُهم وفقراؤهم، فكثُر فيهم الموتُ، ونجا الذين خرجوا، لم يُصِبهُم مِن ذلك شيءٌ فقال الذين نجوا: لو أقمنا بالبلدةِ كما أقامَ هؤلاء هَلَكنا كما هَلكوا، وقال هؤلاء: لو ظعنَّا كما ظعنوا لنجونا، فأجمعوا أنْ يَظعنوا جميعًا، فأرسلَ اللَّهُ عليهم الموتَ، فماتوا حتَّى صاروا عظامًا تَبْرُقُ، فمرَّ بهم نبيٌّ -أحسبه حزقيل- فقال: يارب، لو شئتَ أحْيَيْتَهم فعبدوك، وعَمَروا بلادَك، فقيل له: تكلَّم بكذا وكذا، فإنَّهم سيَحيون، فتكلَّم بالكلامِ، فجعلَ يَرى العظامَ تخرج إلى العِظام، حتَّى اجتمعَ بعضُها إلى بعضٍ، وكُسِيَت لحمًا، ثمَّ أُمِرَ بأمرٍ، فتكلَّم به، فإذا هم قعودٌ يَذكرونَ اللَّهَ تعالى، ويُسَبِّحونَه (^٢).
ورَوى (^٣) السُّدِّيُّ عن أبي مالكٍ رحمهما اللَّهُ قال: كانوا في قريةٍ يقال لها: داوَرْدان، قريبًا من واسِطْ، فوقعَ فيهم الطَّاعون، فأقامت طائفةٌ، وهربَتْ طائفةٌ، فوقعَ الموتُ في مَن أقامَ، وسَلِمَ الذين رحلوا (^٤)، فلمَّا ارتفعَ الطَّاعونُ رَجعوا إليهم، فقال
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤١٦ - ٤١٧)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٨) (٢٤٢٢)، دون قوله: "يقولون سبحانك اللهم. . . . "، ووقعت هذه العبارة في "تفسير الطبري" (٤/ ٤١٧) و"تفسير ابن أبي حاتم" (٢/ ٤٥٨) (٢٤٢١) في قول مجاهد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٧) (٢٤١٨).
(٣) في (أ): "ويروي".
(٤) في (أ): "جلوا".
[ ٣ / ٢٨٣ ]
الذين بقوا: إخوانُنا كانوا أحزمَ منَّا، لو صنعنا مثلما صنعوا، سلمنا وقال الراجعون: لو بقينا إلى أنْ يقعَ الطَّاعونُ أصابَنا ما أصابَهم، فوقعَ الطَّاعونُ مِن قابل، فخَرجوا جميعًا حتَّى أتوا واديًا أفيح (^١)، فنزلوا فيه بين جبلين، فبعث اللَّه ملكين إليهم؛ مَلَكًا بأعلى الوادي، وملكًا بأسفله، فنادَياهم أنْ موتوا، فماتوا، فمكثوا ما شاءَ اللَّهُ، فمرَّ بهم حزقيل، فرأى تلك العظامَ، فوقف متعجِّبًا لكثرةِ ما يرى، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أن (^٢) نادِ: أيَّتُها العظام، إنَّ اللَّهَ تعالى يأمرُك أن تَجتمعي، فاجتمعَت مِن أعلى الوادي وأدناه، حتَّى التزقَ بعضها ببعض فصارت أجسادًا مِن عظامٍ، لا لحمَ ولا دمَ، ثمَّ أوحى اللَّه تعالى إليه: ناد: أيَّتُها العظام، إنَّ اللَّهَ ﵎ يأمرُك أن تَقومي، فقاموا، وبُعِثوا أحياءً (^٣)، فرجعوا إلى بلادهم.
* * *
(٢٤٤) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قد روينا أنَّ هذا كان خطابًا للذين ماتوا ثمَّ أحياهُمُ اللَّه تعالى.
وقيل: هو خطاب لأهل عصرِ النَّبيِّ -ﷺ- ومَن بعدهم.
فعلى القول الأوَّل أضمرَ في أوَّل هذه الآية: وقال لهم، عطفًا على قولِه: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾.
وقوله ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: قاتلوا (^٤) لإعلاء كلمةِ اللَّه.
_________________
(١) أي: واسع. اننظر: "الصحاح" (مادة: فيح).
(٢) لفظ: "أن" ليس في (أ).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨) (٢٤٢٠).
(٤) بعدها في (أ): "الأعداء".
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وروي أنَّ النبيَّ -ﷺ- قيل له: إنَّ الرجلَ يُقاتِلُ ليغنمَ، ويُقاتِلُ ليُذكرَ، ويُقاتِلُ ليُرى مكانُه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "مَن قاتلَ لتكون كلمةُ اللَّه هي العُليا فهو الذي يقاتل في سبيل اللَّه" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: لا تَقولوا كما قال هؤلاء الملأ: نَخرجُ مِن ديارنا لنَسلمَ مِن الموت، ولا تُضمِروا ما أضْمَروه مِن اعتقادِ الخَلاص بالفِرار؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سميعٌ عليم (^٢)؛ يَسمعُ ما يُقال، ويَعلمُ ما يُضمَر.
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ ﵀: يعني: إنْ مسَّكُم ألمٌ، فتصاعدَ منكم أنينٌ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لأنينِكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالِكم، والآيةُ توجبُ عليهم تسهيلَ ما يقاسونَهُ مِن الألم، قال قائلُهم:
إذا ما تمنَّى النَّاسُ روحًا وراحةً تمنَّيتُ أنْ أشكو إليكَ وتَسمعُ (^٣)
* * *
(٢٤٥) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أمرَ بالقتال في سبيلِ اللَّه تعالى، ويُحتاجُ فيه إلى المال، فحثَّ على الصَّدقة ليتهيَّأ أسبابُ الغزاة.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا﴾ استفهامٌ بمعنى الأمرِ، و﴿ذَا﴾ إشارةٌ إلى المقرِضِ، وهو
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٨١٠)، (٣١٢٦)، ومسلم في "صحيحه" (١٩٠٤): (١٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) قوله: "سميع عليم" ليس في (أ).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٨٩).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
رفع بـ ﴿مَنْ﴾؛ أي: مَن هذا الذي يُقرض؟ و﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿ذَا﴾، و﴿يُقْرِضُ﴾ صلةٌ له.
والقرضُ في موضع الحقيقة: مالٌ يُقبَضُ (^١) ببدلِ مثله من بعدُ، سُمِّيَ به؛ لأنَّ المعطي يُقرِضُهُ؛ أي: يُقطِعه مِن ماله، فيَدفعُه إليه، ومنه: المقراض، ومنه: قرضُ الفأرةِ الثَّوب، ومنه الانقراضُ، وهو الانقضاءُ والانقطاع، وقرضُ (^٢) الشعر منه أيضًا، وهو قطعُ الشَّاعرِ الكلامَ مِن المنثور بالقافيةِ والوزنِ، والشِّعرُ: قريضٌ، وقُراضاتُ الثَّوبِ والذَّهبِ والفضَّة: ما يُقرَضُ بالمِقراض؛ أي: يُقطَع.
وقوله: ﴿قَرْضًا﴾ ظاهرُه اسمٌ للمُعطى، ويجوز أن يكونَ مصدرًا لقوله: ﴿يُقْرِضُ﴾، وإن كان ذلك من المتشعِّبِ، وهذا من الثُّلاثيِّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]؛ لأنَّ الأصلَ هو الثُّلاثي، فيجوزُ ردُّ المصدرِ إليه عند وضوحِ المرادِ بذكرِ الفعل.
وقوله ﴿حُسْنًا﴾؛ أي: جميلًا، وهو نعتُ القرضِ، والمرادُ مِن القَرضِ في هذه الآية هو أنْ يَقطعَ بعضَ مالِه، فيُعطيَهُ الفقيرَ؛ طلبًا لرضى اللَّه تعالى، وأملًا لثوابِ اللَّه.
والحَسَنُ عند ابن عباس ﵄: أن يُعجِّلَه ويَسترَه ويَستصغرَهُ.
وقيل: هو ألَّا يَمُنَّ على الفقير ولا يؤذيه، كما قال: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقيل: هو أن يَقطعَ قلبَهُ عنه.
_________________
(١) في (ر): "يقرض".
(٢) في (ر) و(ف): "وقريض".
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وقال ابنُ المبارك: القرضُ الحسن: أن يكون المالُ مِن الحلال (^١).
وقال سهل بن عبد اللَّه التستري (^٢): هو ألَّا يطلبَ (^٣) عليه عوضًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: هو ألَّا يُعطَى على الغفلة.
قال: وقيل: القرضُ الحسن على لسان الفقهاء: أنْ يُعطَى عن ظهرِ غنى، وعلى لسان أهل المعرفة: أن يعطى بحكمِ الإيثار، فيُعطَى ما لا بدَّ له منه من له منه بدٌّ.
قال: وقيل: هو على لسان العلماء: إعطاءُ خمسةٍ من مئتين، وعلى لسانِ أهل المعرفة: إعطاءُ الكلِّ، وزيادةُ الرُّوحِ على ما يَبذل (^٤).
وقيل: سمَّاه حسنًا؛ لأنَّه جودٌ، والبُخل قبيحٌ، فكان الجودُ حسنًا.
وقالوا: هذا فضل مِن اللَّه تعالى؛ أعطانا المالَ تفضُّلًا منه، ثمَّ سألَنا بعضَهُ باسم القرضِ؛ تسهيلًا للأداء، وإطماعًا في الجزاء.
وقيل: فعل ذلك تشريفًا للفقراء، وصيانةً لهم، فاستقرضَ بنفسِه لأجلِهم، وجعلَ رسولَه محمَّدًا -ﷺ- قابضًا بحقِّ النيابةِ عليهم (^٥)، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، فكان النبيُّ -ﷺ- هو القابض، واللَّهُ تعالى هو القابلُ، والفقير هو الآكل.
ثمَّ ذكرَ أنَّه ليس كقرضِ العباد، أنَّه يعوَّضُ بمثلٍ واحدٍ، بل وعدَ الأضعافَ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢٠٦).
(٢) لفظ: "التستري" من (ر).
(٣) في (أ): "يطالع"، وفي "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٦): "يعتقد".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٨٩).
(٥) في (أ): "عنهم".
[ ٣ / ٢٨٧ ]
الكثيرةَ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، فيه أربعُ قراءات:
قرأ أبو عمرو ونافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ بالألف والرَّفع.
وقرأ عاصم غير المفضل (^١) بالألف والنصب.
وقرأ ابن كثير: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالتشديد والرفع (^٢).
وقرأ ابنُ عامر بالتَّشديدِ والنَّصب (^٣).
فالرَّفعُ عطفٌ (^٤) على قوله: ﴿يُقْرِضُ﴾، أو معناه: فهو يضاعفُه، أو فإنَّه يضاعفُه، أو سيضاعفه (^٥)، والنَّصبُ على أنَّه جوابُ الاستفهامِ بالفاء.
والتَّضعيفُ والمضاعفةُ: هو الزِّيادةُ على أصلِ الشَّيءِ (^٦) يصير مثلَه أو مثلَيه أو أكثر.
والضِّعفُ: هو المثلُ الزَّائدُ على أصلِه، وجمعُه الأضعاف، وأضعَفَ الرَّجلُ، إذا وجد الضَّعفَ أو الأضعاف (^٧)، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
وقال الأزهريُّ: الضِّعفُ في كلامِ العرب: المثلُ إلى ما زاد، وليس بمقصورٍ على مثلين، بل جائزٌ في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفُه؛ أي: مثلاه وثلاثةُ أمثالِه؛ لأنَّ الضعفَ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورةٍ، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ
_________________
(١) "غير المفضل" من (ر).
(٢) "والرفع" سقط من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٥)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٤) في (أ): "للعطف".
(٥) في (ر): "فيضاعفه"، وفي (ف): "يتضاعفه".
(٦) بعدها في (أ): "حتى".
(٧) في (ر) و(ف): "والأضعاف".
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧]، لم يُرِد به مِثلًا ولا مِثلين، ولكنَّه أرادَ به الأمثال، وأولى الأشياءِ به أنْ يُجعَل عشرةَ أمثالِه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأقلُّه محصورٌ بالمِثل، وأكثرُه غير محصور (^١)، قال تعالى هاهنا: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (^٢).
وقوله: ﴿كَثِيرَةً﴾ هذا قطع الأوهامِ عن مبلغِ الحساب، وقد قال في هذه السورة أيضًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ورَوى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى ليضاعفُ بالحسنة ألفي ألف ضعف من الحسناتِ، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ سهَّل بهذا عليهم الإقراض، قال: واللَّهُ هو الذي يُضيِّقُ على عبادِه (^٤) الرِّزقَ، وهو الذي يُوسِّع، وإذا علمَ العبدُ ذلك هانَ عليه الإعطاءُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى هو الرزَّاق، وهو الذي وسَّع عليه، فهو يسألُ منه ما هو أعطاهُ، ولأنَّه مخلِفُه (^٥) عليه في الدُّنيا، ويُثيبُه عليه في العُقبى.
وقيل: أي لا تخافوا الإقلالَ بالإعطاء، ولا تَظنُّوا بقاءَ السَّعةِ بالإمساك؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّقُ، لا الإمساك والبذل.
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١/ ٤٨٠ - ٤٨١).
(٢) قوله: "قال تعالى هاهنا أضعافًا كثيرة" من (أ).
(٣) رواه أحمد: (٧٩٤٥)، (١٠٧٦٠)، والطبري (٧/ ٣٥ - ٣٦)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٦١) (٢٤٣٤)، وهو ضعيف، انظر "تفسير ابن كثير".
(٤) بعدها في (ر): "في".
(٥) في (أ) و(ر): "يخلفه".
[ ٣ / ٢٨٩ ]
وقيل: معناه أنَّ اللَّهَ تعالى هو الذي فاوتَ بين الخلقِ، فوسَّعَ على بعضٍ، وضيَّقَ على بعضٍ، فليُنفق كلُّ إنسانٍ ممَّا أعطاهُ اللَّه، قلَّ أو كثُرَ، ولا يَمتنعنَّ المقلُّ استقلالًا لما يُعطي، أو اتَّكالًا على أنَّه غيرُ (^١) موسَّعٍ عليه، أو قولًا: إنَّ الموسَّعَ عليه أولى به منه، فكم من موسَّعٍ عليه يَتخلَّفُ عن المضيَّقِ عليه في الصَّدقةِ والنَّفقةِ، ولكلٍّ عندي (^٢) ثوابه.
وقيل: اللَّهُ يوسِّعُ على الغنيِّ، ويُضيِّقُ على الفقير؛ فلا يَنظرنَّ المعطي إلى فضلِ نفسِه بما يُعطي، ولا يَحقرنَّ الفقيرَ بما يأخذُه منه وحاجتِه إليه؛ فإنِّي أنا الموسِّعُ على الغنيِّ، والمضيِّقُ على الفقير، فليكن النَّظرُ إلى حكمي وفضلي.
وقيل: واللَّهُ تعالى يبسطُ؛ أي: يُوفِّقُ له مَن يشاءُ، ويَقبضُ؛ أي: لا يُوفِّقُ من يشاء.
وقيل: يقبض إذا قبضَ حتى لا طاقةَ، ويَبسُطُ إذا بسطَ حتَّى لا فاقةَ.
وقال الإمام القشيري ﵀: يَقبِضُ (^٣) الصَّدقةَ مِن الأغنياء قبضَ قَبولٍ، ويَبسطُ عليهم بسطَ خلف.
وقيل: يَقبضُ على الفقراء؛ ليَمتحنَهُم بالصَّبر، ويَبسطُ على الأغنياء؛ ليُطالبَهم بالشُّكر.
وقيل: يقبضُ تسليةً للفقراء؛ لئلَّا يَروا التَّقتيرَ مِن الأغنياء، ويَبسطُ (^٤) لئلَّا يَتقلَّدوا المنَّة مِن الأغنياء.
_________________
(١) في (ف): "أن غيره" بدل: "أنه غير".
(٢) في (ر): "عبد".
(٣) في (ف): "اللَّه يقبض".
(٤) في (أ): "ويبسطه".
[ ٣ / ٢٩٠ ]
قال: والقبضُ لِما يَغلِبُ على القلوبِ مِن الخوف، والبَسطُ لِما يَغلبُ عليها مِن الرَّجاء، والقبضُ لقهرِهِ، والبَسطُ لبرِّه، والقبضُ لسِرِّه، والبَسطُ لكشفه (^١)، والقبضُ للمريدين، والبَسطُ للمرادين، والقبضُ للمشتاقين (^٢)، والبَسطُ للعارفين.
وقيل: يقبضُك عنك، ثمَّ يبسُطُك به.
وقيل: القبضُ لمن تَولَّى عن الحقِّ، والبَسطُ لمن تجلَّى له الحقُّ.
وقيل: القبضُ إذا أشهدَك فعلَك، والبَسطُ إذا أشهدَك فضلَه.
وقيل: القبضُ بذكر العذاب، والبَسطُ بذكرِ الإيجاب (^٣).
واجتمعَ جماعةٌ مِن الأغنياء والفقراء، فقال غنيٌّ: إنَّ اللَّهَ رفعَ درجَتنا حيث (^٤) استقرضَ منَّا، فقال فقيرٌ: بل رفعَ درجتَنا حيث استقرضَ لنا، والواحدُ قد يَستقرضُ مِن غير الحبيب، ولكن لا يستقرض إلَّا لأجل الحبيب، قُبضَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ودِرْعُه عند يهوديٍّ بشعيرٍ أخذَهُ لقوتِ عياله (^٥)، انظر ممَّن استدان ولمن استدان.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: رجوعُكم إلى جزائِه في الآخرة (^٦)، فيَجزيكم على جودِكمُ الجنّةَ، وعلى بُخلِكُم النَّار، وهو وعدٌ ووعيد.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لشكره".
(٢) في (ف): "للمستأنفين".
(٣) في (أ): "الإيجاد" وفي (ر): "الثواب". والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٤) في (ف): "درجاتنا حتى" بدل: "درجتنا حيث" في هذا الموضع والذي يليه.
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٩١٦) من حديث عائشة ﵂.
(٦) في (أ): "القيامة".
[ ٣ / ٢٩١ ]
وقيل: هو تنبيهٌ أنَّ الغنيَّ يُفارِقُ مالَه (^١) بالموتِ، فليبادرِ الفوتَ.
ولَمَّا نزلَت هذه الآيةُ قال أبو الدحداح عمرُ بن الدَّحداح الأنصاريِّ: يا رسول اللَّه، إنَّ اللَّهَ تعالى يَستقرِضُنا وهو غنيٌّ عن القرض؟ قال: "نعم، يريدُ أنْ يُدخِلَكم بذلك الجنَّة"، قال: فإنْ أقرضتُ اللَّهَ قرضًا، تضمنُ لي به الجنة؟ قال: "نعم"، قال: وزوجتي؟ قال: "نعم، وزوجتك"، قال: وصبياني؟ (^٢) قال: "اللَّه واسعٌ كريمٌ، نعم يا أبا الدحداح"، قال: فإنِّي أشهِدُكَ أنِّي جعلتُ حائطَيَّ للَّه قرضًا، قال -ﷺ-: "إنَّا لم نسألكَ كليهِما، فاجعل أحدَهما للَّه تعالى، والآخرَ معيشةً لك ولعيالك"، قال: فإنِّي قد جعلتُ خيرَهما للَّه، قال: "إذًا يَجزيكَ اللَّهُ به الجنَّة"، فانطلقَ أبو الدَّحداحِ حتَّى أتى أمَّ الدَّحداح وهيَ مع صبيانِها في الحديقة تدورُ تحت النَّخلة، فأنشأ يقول:
هداكِ ربِّي لسُبُلَ الرَّشادِ إلى سبيلِ (^٣) الخيرِ والسَّدادِ
بيني مِن الحائطِ لي بالواد فقد مضى قرضًا إلى التَّنادِ
أقرضتهُ اللَّهَ على اعتمادِ بالطَّوع لا مَنٍّ ولا ارتدادِ
إلى رَجا التَّضعيفِ (^٤) في الميعادِ فارتحلي بالنَّفسِ والأولادِ
والبِرُّ لا شكَّ فخيرُ زادِ قدَّمهُ المرءُ إلى المعادِ
قالت أم الدَّحداح: أمَّا إذا بعتَ مِن اللَّه ورسوله، فبَيعٌ مربحٌ لا يُقَال ولا يُستقال، وايم اللَّه لولا ذلك لم تملك إلا حصتك فأنشأ أبو الدحداح يقول:
_________________
(١) في (ر): "لمفارق لماله"، وفي (ف): "لمفارق ماله" بدل: "يفارق ماله".
(٢) بعدها في (ر): "قال: وصبيانك".
(٣) في (ر): "طريق".
(٤) في (ر): "رجاء الضعف".
[ ٣ / ٢٩٢ ]
مثلُك أجدى ما لديهِ ونَصَحْ إنَّ لكِ الحظَّ إذا الحقُّ وضَحْ
قد متَّعَ اللَّهُ عيالي ومَنَحْ بالعَجوةِ السَّوداءِ والزَّهوِ البَلَحْ
والعبدُ يَسعى ولَهُ ما قدْ كَدَحْ طولَ اللَّيالي وعليهِ ما اجترحْ
ثمَّ أقبلَتْ أمُّ الدَّحداحِ على صبيانِها تُخرِجُ ما في أفواهِهم، وتَنفضُ ما في أكمامِهم حتَّى أفضت إلى الحائطِ الآخر، فقال النبيُّ -ﷺ-: "كم مِن عِذْقٍ رَدَاح، ودارٍ فياح، في الجنَّة لأبي الدَّحداح" (^١).
* * *
(٢٤٦) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تُخبَر خبرًا يَصيرُ (^٢) لك كرؤيةِ العين في وقوعِ العلم، والملأ: الجماعةُ الأشراف، اسمُ فردٍ وُضِعَ للجماعة.
قيل: هو من امتلاء الإناء، وهو الاجتماعُ فيما لا يَحتمِلُ المزيد.
_________________
(١) انظر القصة بطولها في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨). وأخرج نحوه مختصرًا دون ذكر الأبيات سعيد بن منصور (٤١٧) (تفسير)، والطبري: (٤/ ٤٣٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٦٠) (٢٤٣٠)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٠١) (٧٦٤) عن ابن مسعود ﵁. وأخرج نحوه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٧)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠) عن زيد بن أسلم.
(٢) في (ر) و(ف): "يصل".
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وقيل: هو مِن المَلاءة التي هي القُدرة، فالملأ جماعةٌ لا حاجةَ إلى الزِّيادةِ عليهم فيما اجتمعوا له، وهم قادرون على ما اجتمعوا له.
وقوله: ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هم أولادُ يعقوب، وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾؛ أي: من بعدِ موت موسى.
وانتظام هذه الآية بما قبلها أنَّه قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقصَّ عليهم قصَّة بني إسرائيل في القِتال الذي سَألوهُ ثمَّ خالفوه؛ لئلَّا يفعلَ هؤلاء فِعلَهُم.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ بني إسرائيلَ مَكثوا زمانًا ليس لهم ملكٌ يُقاتِلُ في سبيل اللَّه، وكانت النبوَّةُ في سِبْطِ لاوي بن يعقوب، والملكُ في سِبْطِ يهوذا بن يعقوب، فكان يكونُ الجندُ والقتالُ في يدِ الملِك، وكان الملِكُ يَعملُ بأمرِ النبيِّ ﵇، وكان لهم تابوتٌ إذا خرجوا للقتالِ حملوهُ وقدَّموهُ، فنُصِروا به، وانهزمَ عدوُّهم.
ومضى على ذلك زمانٌ وكَثُرت المعاصي في بني إسرائيل، وصارَ الملِكُ لا يُطيعُ النَّبيَّ (^١)، فسلَّط اللَّه تعالى عليهم جالوتَ وقومَه، وكان يُقالُ لهم: البلشاثا، وكانوا يَسْكنون بحرَ الرُّوم بين مصر وفلسطين (^٢)، وكان بنو إسرائيل لبثوا أربعين سنة بأحسن حال، وكان اللَّهُ تعالى وضعَ عنهم القتالَ، وكفاهم مؤنةَ العدوِّ، وعهد إلى الأنبياء من بني إسرائيل مِن بعد موسى ألَّا يقاتِلوا إلَّا مَن قاتلَهم (^٣).
وكان جالوتُ عظيمَ الجثَّة، شديدَ الشَّوكةِ، وكانت بيضةُ رأسِه ثلاثَ مئة رطلٍ مِن حديد، وكان بنفسه يساوي مئةَ ألفِ فارس، وكان جندُه ثماني مئة ألف فارسٍ
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٠٩).
(٣) في (ف): "يقاتلهم".
[ ٣ / ٢٩٤ ]
مبارزٍ، فقصدَهم في ديارِهم، فقابلوه وقاتلوه، وقدَّموا التابوتَ، فلم يُنصَروا لكثرةِ معاصيهم، وقتلَ جالوتُ منهم مقتلةً عظيمةً، وسبا نساءَهم وذريَّتِهم، وأسرَ مِن أبناء ملوكهم أربعَ مئةٍ وأربعين غلامًا، وغَنِمَ أموالَهم، وحملَ تابوتَهم، وأخرجَهم مِن ديارِهم، ومضى على ذلك زمانٌ، فجاؤوا إلى نبيِّهم. وقيل: هو شمعون، وقيل: هو يوشح بن نون وقيل هو أشمويل بن هلقاثا (^١) وهو الأشهرُ الأظهر، واسمُ أمِّه حنة، وهو من نسلِ هارونَ أخي موسى، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أي: أَقِمْ لنا وانصب سلطانًا.
وقوله تعالى: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جزم لأنَّه جوابُ الأمرِ، وهو في الحقيقةِ جزاءُ الشَّرطِ؛ لأنَّ تقديرَهُ: إنْ يَبعث لنا مَلِكًا نقاتلْ نحن معَهُ عدوَّنا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ "عسى" كلمةُ شكٍّ، وظنٍّ، ومعناه: لعلَّكم، وتُستعمَلُ في الماضي دون المستقبل.
وقرأ نافع: ﴿عسِيتم﴾ بكسر السِّين (^٢).
وقال أبو حاتم: لا وجهَ له في العربيَّة، وهو مردودٌ في القياس (^٣).
يقول: قال لهم نبيُّهم: لعلَّكم أنْ تَمتنعوا عن القتالِ إذا فُرِض عليكم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ له ثلاثةُ أوجه:
أحدها أن تكون استفهامًا بمعنى الاستنكار، ومعناه: لأيِّ شيءٍ لا نقاتلُ في سبيل اللَّه، ويجوزُ في هذا حذف "أن" وإثباتُه، وقد وردَ كلُّ واحدٍ منهما في القرآن،
_________________
(١) في (ر): "ملفاثا"، وفي "تفسير مقاتل" (١/ ٢٠٦): "هلقابا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٦)، و"التيسير" (ص: ٨١).
(٣) انظر "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٢٥).
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قال تعالى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] و﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحديد: ٨]، و﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾ [يس: ٢٢]، وقال (^١): ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] و﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [براهيم: ١٢]، لكن إذا حُذِفَ (^٢) فمعناه: لأيِّ شيءٍ؟ وإذا أُثبتَ فمعناه: ما يمنعُني أنْ أفعلَ.
والثاني: أنَّه استفهامٌ، لكن معنى قولهم: ﴿وَمَا لَنَا﴾: أيُّ نفعٍ لنا ألَّا نقاتل.
والثالث: أنَّه نفيٌ معناه: ليس لنا ألَّا نقاتل.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ الواو للحال، ومعناه: كيف لا نقاتلُهم والحالُ هذا أنَّا قد أُخرِجنا من ديارِنا، وفُرِّقنا مِن أولادِنا، فالتَّفريقُ مضمَرٌ، لأنَّه لا يَليقُ عطفُه على الدِّيار في صفة الإخراج، إلَّا أنْ يُجعَلَ الإخراجُ مجازًا عن التَّفريق، فيَصيرُ صالحًا للوقوع على الدِّيارِ والأولاد؛ أي: فُرِّقنا من (^٣) الدِّيار والأولاد جميعًا.
قال أهلُ الحقيقة: علَّلوا القتالَ بما يَرجعُ إلى حظوظهم، فخُذِلوا، ولو قالوا: كيف لا نُقاتِل وقد عصَوا اللَّهَ، وخرَّبوا بلادَ اللَّه، وقهَروا عبادَ اللَّه، وأطْفَؤوا نورَ اللَّه؛ لنُصِروا، فلما قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللَّهَ تعالى، وسأل لهم مَلِكًا، فأجابَهُ اللَّه تعالى إلى ذلك، ونَصبَ لهم طالوتَ ملكًا، وفرضَ عليهمُ القتالَ، وكان فيهم طاغيةٌ هو الذي دعاهم إلى ذلك فبايعوه، وكانوا يرجون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللَّهُ تعالى غيرَه، نكصوا على أعقابِهم، وكرهوا القتالَ.
_________________
(١) في (أ): "وقالوا" والمثبت هو الصواب.
(٢) من قوله: "وإثباته وقد ورد" إلى هنا من (أ).
(٣) في (ر): "عن".
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وقوله (^١) تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الثلاث مئة والثلاثة عشر الذين لم يَشربوا من النَّهر كرعًا، وخواصُّ اللَّهِ تعالى فيهم قلَّة، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وقال: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: بالذين خالفوا نبيَّهم، عليم (^٢) بفعلهم، ويَقدِرُ على جزائِهم، وهو أبلغُ وعيد.
* * *
(٢٤٧) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوت: اسمٌ أعجميٌّ لا يَنصرف، بخلاف الجاموس؛ لأنَّه وإن كان أعجميًّا، فقد صارَ اسمًا متمكِّنًا بالألف واللام الداخلتين فيه، فصار كالاسم العربيِّ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: كيف، كما في قوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥].
وقيل: من أين، كما في قوله: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].
_________________
(١) في (أ): "فذلك قوله"، وفي (ف): "قوله".
(٢) في (ف): "فعلم".
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وقصَّتُه أنَّ اللَّه تعالى بعث عصًا إلى نبيِّهم، وقال: من كان على طولِ هذه العصا فهو ملكُهم، فجعلَ يُقدِّرُ بها النَّاس، فلا يَبلغُ أحدٌ ذلك، حتى جاء يومًا رجلٌ اسمُه طالوت، وسُمِّيَ به لطوله، وهو طالوتُ بنُ قيسِ بن ضِرارِ بنِ أنس (^١) بنِ يخرف (^٢) بنِ بنيامينَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيم، ولم يكن مِن سبطِ الملوك، وكان يحترفُ بحرفةٍ دنيَّة، قيل: كان سقاءً، وقيل: كان دبَّاغًا، وقيل: كان مُكاريًا.
وكان (^٣) أضلَّ حمارًا له، فكان يطوفُ الأمكنة يَطلبُه، فانتهى مع غلامٍ له إلى باب دارِ نبيِّهم، فقال له غلامُه: نَدخلُ على النَّبيِّ ونزورُه ونسألُه (^٤) يَدعو لنا بحاجتنا، فدخَلا، فنظرَ إليه النَّبيُّ ﵇، فوقعَ في قلبِه أنَّه هو المراد، فقدَّر به العصا، فكانت على قَدرِ طولِه، وكان أطولَ أهلِ زمانِه، يعلو كلَّ طويلٍ بمنكبَيه ورأسِه، ويبلغُ أطولُ النَّاس صدرَه، فلا يجاوزه. فقال لهم: هذا ملِكُكم الذي أقامَهُ اللَّه لكم، فأطيعوهُ، وقاتِلوا عدوَّكم معه، فقالوا متعجِّبين من ذلك: كيف يكونُ له الملكُ علينا وليس (^٥) من سبط الملوك.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾؛ أي: أولى بالرئاسةِ عليه منه بالرئاسةِ علينا؛ إذ نحنُ من أهل بيتِ المُلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؛ أي: لم يُعطَ ثروةً وكثرةً مِن المال، فيَشرُفَ بالمال إذا فاتَه الحسب.
_________________
(١) في (ر): "أفس".
(٢) في (ر): "يحرف" وفي (ف): "يحراف". واسمه في "تفسير الطبري" (٤/ ٤٤٩): "شاول بن قيس بن أبيال بن صرار بن يحرب بن أفيح بن آيس. . . ".
(٣) في (ر) و(ف): "وقيل" بدل: "وكان".
(٤) بعدها في (ر): "أن".
(٥) في (ر) و(ف): "ونحن".
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قال لهم نبيُّهم: إنَّ اللَّهَ اختارَهُ عليكم، وأصلُ الاصطفاءِ: أخذُ صفوةِ الشَّيء، وإلغاءُ ما سواه؛ أي: إن لم يكنْ نسَبٌ ونشَب (^١)، فله فضيلةٌ تَفوقُ كلَّ فضيلةٍ، وهي اختيارُ اللَّهِ تعالى إيَّاه عليكم، وله فضيلةٌ أخرى، وهي قولُه تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾؛ (^٢) أي: سعةً وفضلًا في علم الحروب، وأخرى وهي قولُه تعالى: ﴿وَالْجِسْمِ﴾ وهي طولُ القامةِ، وعظمُ التَّركيبِ، وكمالُ القوَّةِ، وروعةُ المنظرِ، وجمالُ الوجهِ.
وقيل: كان ذلك استجماعَ الخِصالِ المحمودة النفسانيَّة، دُونَ عِظم (^٣) البِنية، أشارَ بذلك إلى أنَّ الرئاسةَ لا تُستَحقُّ (^٤) بالوِراثةِ ولا بالثَّروةِ، بل بفضائلِ النَّفسِ، فإن اجتمعَ إليها النَّسبُ فهو مؤكِّدٌ لها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: المُلْكُ للَّه، فهو يَضعُه حيث يَشاء مِن غير عِلَّةٍ؛ أي: المُلكُ للَّه (^٥)، وقد شاءَ وضعَهُ في طالوت، فلا اعتراضَ عليه ولا إعراضَ عنه.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسعُ الأفضالِ، كاملُ الاقتدارِ، عالمٌ بمواضعِ الاختيار.
وقيل: إنَّهم كفروا بتكذيبِهم نبيَّهم.
_________________
(١) النشب: المال والعقار. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: نشب).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "والجسم".
(٣) في (ف): "عظيم".
(٤) في (ف): " تسمى".
(٥) قوله: "أي: الملك للَّه" ليس في (أ).
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وقيل: كانوا مؤمنين، لكن تعجَّبوا وتعرفوا وجهَ (^١) الحكمةِ في تمليكِه، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠].
* * *
(٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ﴾؛ أي: علامةُ سلطَنتِه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وكان قومُ جالوتَ أخذوا التَّابوتَ وذهبوا به، ودفنوهُ في مخرأة لهم، فابتلاهم اللَّهُ بالباسور، وفشا ذلك فيهم، فهلكَ أكثرُهم، وهلك خمسُ مدائن، فقالوا: ما ابتُلينا إلَّا بفعلِنا في التَّابوت، فاستخرَجوهُ، فوجَّهوه إلى بني إسرائيلَ على بقرةٍ.
وفي روايةٍ: كانوا وضعوهُ في بِيعةٍ لهم، فكانوا إذا أصبَحوا ودخلوا بِيعتَهم، رأوا أصنامَهم منكوسةً.
وقيل: وضعوهُ تحت صنمٍ لهم، فأصبحوا وهو فوق الصَّنم، فأخذوهُ وشدُّوه إلى رجلِ الصَّنمِ، فأصبحوا وقد قطعَ يدُ (^٢) الصَّنم ورجلاه (^٣).
وكان من بات فيها ونام، أتاهُ الفأرُ وقرض بطنَه، وأكلَ أمعاءَه، فماتَ، فلما
_________________
(١) في (ف): "أوجه".
(٢) في (أ) و(ف): "يد".
(٣) في (ر): "يدي الصنم ورجليه". وهي رواية وهب بن منبه، رواها عنه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٥٩ - ٤٦١)، وما بعدها من رواية أخرى عن وهب، سأبينها.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
كثُر ذلك أخذوهُ، وجَعلوهُ على عَجلةٍ، ووجَّهوا الثَّورَ إلى بني إسرائيل، فبعثَ اللَّهُ تعالى ملائكةً فساقوه، فإذا التَّابوتُ بين أظهرِهم، فذلك قولهُ تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: ما تَسكنُ به قلوبُكم، ويَقوى (^٢) رجاؤكم بالنُّصرةِ (^٣) والغَلَبة.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: السَّكينةُ دابَّةٌ قدر الهِرَّة، لها عينان لهما شعاع، إذا نظرَت إلى شيءٍ ذُعِرَ، وكانوا إذا حضروا بها العدوَّ أطلعَت رأسَها من التَّابوت، وحركت يديها، وصاحَتْ، فيولُّون هُرَّابًا من الرُّعب (^٤).
وكان التابوتُ من عود اليلنجوج (^٥).
وقيل: من الصَّندلِ مموَّهٌ بالذَّهب.
وقيل: من الشمشاد (^٦) الذي يتخذ منه الأمشاط، قال اللَّه تعالى له: كن، فكان، كما قال لألواح موسى: كوني، فكانت من زُمرُّد (^٧).
وقدرُ التَّابوتِ ما يحمِلُهُ رجلان.
_________________
(١) رواها الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٦٢ - ٤٦٣).
(٢) بعدها في (ف): "به".
(٣) في (أ): "في النصرة".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٦٨) (٢٤٧٥).
(٥) "اليلنجوج": عود طيب الريح. انظر: "لسان العرب" (مادة: لجج).
(٦) في (ر) و(ف): "الشمشار". والشمشاد: شجر السرو، وتعريبه: شمشاذ. انظر "تاج العروس" (مادة: شمشذ).
(٧) في (ر) و(ف): "الزمرد".
[ ٣ / ٣٠١ ]
وقال وهبٌ: كان التَّابوتُ نحوًا من ثلاثةِ أذرع في ذراعين (^١).
وقال علي ﵁: كان للسَّكينةِ وجهٌ كوجهِ الإنسان، وهي ريح هفَّافةٌ (^٢).
وقال مجاهدٌ: كان لها وجهٌ كوجه الهرِّ وجناحان (^٣)، فكانت تهُبُّ على الأعداء فتفرِّقُهم.
وقال الكلبيُّ: كانت من زَبَرجَدٍ أو يا قوت، كأنَّها رأسُ هرَّةٍ، فإذا أنَّ ذلك الرَّأس دفَّ (^٤) التابوت نحو العدوِّ، فمضَوا معه، فإذا استقر ثبتوا خلفه (^٥).
وقال السُّدِّيُّ: السَّكِينة طَسْتٌ مِن ذهبٍ يُغسَلُ فيه قلوبُ الأنبياء (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾؛ أي: أشياء تركَها موسى وهارون، وآلُ الإنسان: نفسُه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]؛ أي: إبراهيم، وأضيفَ إليه كما يُضَافُ إليه نفسُه.
وهذه البقيَّةُ هي عصا موسى من آسِ الجنَّة، وعمامةُ هارون، ورُضاضُ الألواح، وقَفيزٌ مِن المَنِّ في طَسْت (^٧) مِن ذهبٍ، وخاتَم سليمان.
وقال عطاء: هو علم التَّوراة (^٨).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٢)، ومن طريقه الطبري (٤/ ٤٦٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٣)، والطبري (٤/ ٤٦٩).
(٣) رواه الطبري (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨).
(٤) (أ): "زف". والدفيف: الدبيب. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: دفف).
(٥) من قوله: "فإذا أن ذلك" إلى هنا ليس في (ف).
(٦) رواه الطبري (٤/ ٤٧٠).
(٧) (ف): "طشت".
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٧٦).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تنقُلُه.
وقيل: كان حملُهم سوقَ (^١) البقرةِ.
وقيل: بل حملوه في الهواء حتى وضعوه في بيت طالوت.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾؛ أي: في إتيانِ التَّابوتِ علامةٌ واضِحةٌ على صِدقِ قول نبيِّكم في أنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ طالوتَ ملكًا (^٢)؛ فإنَّه أمرٌ ناقِضٌ للعادة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مُصَدِّقين باللَّه، فصَدِّقوا، فلمَّا رأَوا الآيةَ انْقَادوا لطالوت، وهيَّأ طالوتُ الأسبابَ، وعبَّأ الجيشَ، وأخذوا الأُهْبةَ، وتَهيَّؤوا للخروجِ، وأوحى اللَّهُ تعالى إلى أشمويل أن ادعُ إيشى والد داود النبيِّ ﵇، وسَلْه أن يَعرض عليك بنيهِ، فدعاه، فقال له: اعرض عليَّ بنيكَ، فدعا إيشى أكبرَ ولدِه، فلمَّا نظرَ إليه أعجبَهُ حسنُه، فنودي ليس هذا، فعرضَ عليه ستَّةً، في كلٍّ يُنادَى: ليس هذا، فقال: هل لك ولدٌ غيرُهم، فقال: نعم، بنيٌّ لي غلام؛ وهو يَرعى الأغنامَ، فقال: أرسل إليه، فلمَّا جاء داودُ، وكان يُحاذِي رأسَ كلِّ واحدٍ مِن إخوتِه بقرنٍ، فلا يَخرجُ منه شيءٌ، فحاذى (^٣) رأسَ داودَ بالقَرنِ، فخرجَ من رأسهِ دُهْنٌ له رائحةٌ مثلُ (^٤) المسكِ، فملأ القرنَ، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أنَّ هذا الذي يَقتلُ جالوت.
قال كعب: فلمَّا (^٥) خرجوا ومعهم داودُ ناداهُ في طريقِه حجَرٌ: احملني يا داود؛
_________________
(١) في (أ): "بسوق".
(٢) بعدها في (ر): "لكم".
(٣) في (ف): "فلما حاذى".
(٤) في (ر): "كرائحة".
(٥) في (أ): "ولما".
[ ٣ / ٣٠٣ ]
فإنَّك تُدعَى لقتال جالوت، وإنَّما تقتلُه بي، فحملَه ووضعَهُ في مِخلاتِه، ثمَّ ناداهُ حجز آخرُ فحملَهُ، ثمَّ ناداهُ ثالثٌ فحملَهُ فصِرنَ في مخلاتِه واحدًا.
قال وهبٌ: قال داودُ لطالوت: أنا (^١) أقتلُ جالوتَ، وأخبرَهُ بشأنِ الحجارة، قال له طالوت: وهل أحسستَ من نفسِك قوَّة؟ قال: نعم، وقعَ الذِّئبُ في أغنامي، فرضختُ رأسَه فقتلتُه، قال: وهل غيرُ ذلك؟ قال: نعم، عدى (^٢) الأسدُ عليَّ، فأخذتُ لَحييهِ ففككتُهما.
وقال مقاتل: قال النبيُّ -ﷺ- لطالوت: إنَّ اللَّهَ تعالى سيَبعثُ رجلًا مِن أصحابِكَ يقتُلُ جالوتَ وأعطى النبي لطالوتَ درعًا، فقال: من صَلَحتْ (^٣) عليه هذه الدِّرع فلم تَقصُر عنه ولم تَطُل، فهو (^٤) يَلي قتلَ جالوت، فاجعلْ له نصفَ ملكِك، ونصفَ مالِكَ، فبلغَ ذلك داود وهو يَرعى الغنمَ، فاستودعَ الغنمَ ربَّه، وخرجَ إليهم، فمرَّ بحجرٍ، وذكرَ (^٥) قصَّةَ الأحجارِ الثَّلاثة كما مرَّ. فأتى طالوتَ وقال: أنا أقتلُ جالوتَ بإذن اللَّه، أتجعلُ لي نصفَ مُلكِكَ ونصفَ مالِك إنْ قَتلتُ جالوتَ، قال: نعم، وأزوِّجُكَ ابنتي، فالبسْ هذا الدِّرعَ، فلبسَها، فطالَت عليه، فانتفض بها، فقَلَصَ منها، فجعلَ داودُ يَدعو اللَّهَ، ثمَّ ينتفض، فيَقلُص، فلمَّا فعلَ ذلك (^٦) ثلاثًا، استوَت عليه، فعلمَ طالوتُ أنَّه يَقتلُ جالوتَ (^٧).
_________________
(١) بعدها في (ر): "الذي".
(٢) في (أ): "أغار".
(٣) في (ر): "أسبلت".
(٤) بعدها في (ر): "الذي".
(٥) في (ف): "وقد".
(٦) لفظ: "ذلك" من (ف).
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
قال (^١) مقاتل: كان داودُ ضعيف المنظر، أعمصَ (^٢) العين (^٣)، قصيرَ القامةِ، ضخمَ البطن (^٤).
وقال عكرمةُ: لمَّا رأوا الآيةَ تَسارعَ النَّاس (^٥) إلى الخروج، فقال طالوتُ: لا حاجةَ لي في كلِّ ما أرى، لايَخرجُ معي رجلٌ بَنى بناءً لم يَفرُغ منه، ولا صاحبُ تجارهٍ مشتغَلٍ بها، ولا رجلٌ عليه دينٌ، ولا رجلٌ تزوَّج بامرأة (^٦) لم يبنِ بها، ولا أبْتغي إلَّا الشَّابَّ الفارغ النشيط، فاجتمعَ ثمانونَ ألفًا مِن شرطِه، وخلَّف سائر القوم (^٧).
فلمَّا انتهى بجنودِه إلى بطن الأردن، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾؛ أي: فارقَ البلدَ، والباءُ للتعدية، وهو كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]، ومصدره: الفصول.
وقوله: ﴿بِالْجُنُودِ﴾ جمع جُند، وهو جمعُ الكثرةِ، والأجنادُ جمعُ القِلَّة، والجندُ: الجيشُ الأشدَّاء، مأخوذٌ مِن الجَنَد، وهي الأرضُ الغليظةُ الشَّديدة.
* * *
_________________
(١) في (ر): "وقال".
(٢) في (ف): "أعمش".
(٣) بعدها في (ر): "حم سحم".
(٤) وقع في "تفسير مقاتل" (١/ ٢٠٧): وكان داود ﵇ رث المنظر هبير دوير. اهـ. وهبير يعني كثير اللحم. انظر "الصحاح" (مادة: هبر)، ولم أعرف معنى دوير!
(٥) في (ف): "القوم".
(٦) في (أ): "امرأة".
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢١٦) دون نسبة.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ أي: ممتحِنُكُم ومختبرِكُم، والنَّهَرُ بفتح الهاء وتسكينِها: مجرى الماءِ الواسع، وكلُّ ثلاثيٍّ حشوُهُ حرفُ حلقٍ (^١) فتسكينُه وفتحُه لغةٌ، كالشَّعْر والشَّعَر والنَّحْرِ والنَّحَر (^٢)، والدَّأْبِ والدَّأَب.
وكان في جُندِ طالوتَ المخلصُ والمنافق، فميَّزَ بينهما بالماءِ، كالذَّهبِ والفضَّة فيهما الخبثُ، فيُميَّز الخالصُ مِن غيرِه بالنَّار.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي: إنَّكم ستَعطشون في المفازةِ، وتَنتهون إلى نهرِ ماءٍ، فمَن لم يَصبِر على العطشِ، ووقع فيه، فشربَ (^٣) كَرْعًا للرِّيِّ، فليس على ديني، أو (^٤) على مذهبي، أو ليس لي بوليٍّ، أو لا يَصحَبْني، وهو كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقول النبيِّ -ﷺ-: "ليس منَّا مَن لم يَرحمْ صغيرَنا، ولم (^٥) يوقر كبيرنا" (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الحلق".
(٢) في (ر): "والبحْر والبحَر".
(٣) بعدها في (ف): "منه".
(٤) بعدها في (ف): "ليس".
(٥) في (ف): "ومن لم".
(٦) رواه الترمذي في "سننه" (١٩٢١) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: مَن لم يَشربهُ على هذا الوجهِ.
والطَّعمُ: الذَّوق، ويقع على الأكل والشُّرب، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ أي: شربوا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ (^١) قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وأبو عمرو بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمِّها (^٢).
والغرفُ: أخذُ الماءِ بآلةٍ، كالكفِّ والمغرفةِ، والغَرفةُ بالفَتح: المَرَّةُ مِن هذا الفعل، والغُرفةُ بالضَّم: قدرُ ما يُغرفُ بالكفِّ مِن الماء، وأصلُ الغَرفِ: القَطعُ، والغُرفة التي هي العُلِّيَّةُ: قطعةٌ مِن البناء. استثنى من الشُّربِ الممنوعِ هذا النَّوعَ، وهو الأخذُ بالكفِّ والتَّناولُ مِنه.
وقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مرَّ بهم في مَفازَةٍ مُعطِشةٍ، فلمَّا انتهَوا إلى النَّهر، وقد غلبَ عليهم العَطَش، وقَعوا في النَّهرِ، فشربوا كَرْعًا إلَّا قليلًا منهم، وهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا، على عدد أهل بدر، فإنَّهم اغترَفوا فشَرِبوا بالأكفِّ ورَووا، والذين خالفوا ازدَادوا عطشًا.
وقيل: انتفخَت بطونُهم، وماتَ منهم في ذلك سبعون ألفًا.
وقيل: بقُوا جميعًا، لكن لَمَّا عرفَ طالوتُ الموافقَ مِن المخالفِ، خَلَّفَ المُخالِفين، واستتبعَ الموافقين، وقال: إذ لم يوافقوني في صفةِ شربِ الماء، فكيفَ يوافقونني في محاربةِ الأعداءِ الأشدَّاء؟
ولما رُدُّوا بالخلافِ في صفةِ شربِ ماءٍ أصلُهُ حلال، لكن على صفةٍ مخصوصةٍ،
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "بيده".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٧)، و"التيسير" (ص: ٨١).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وهَلَكوا بعد الرَّدِّ، فما حالُ مَن تناولَ الحرامَ المحضَ من الطَّعام والشَّراب، كيف يُقبلُ ويَسلم؟
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: فلمَّا مَضى طالوتُ وقطعَ النَّهرَ، ومضى المؤمنونَ معه، وهاهنا مضمرٌ؛ أي: وعَلِموا بالأخبارِ المتواترة، أو بالمشاهدة (^١) والملاقاة والمقاربة (^٢)، كثرةَ عددِ أصحاب جالوتَ، وعِظَمَ أجسامِهم، ووفورَ عدَّتهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ جالوت سُمِّيَ به لجولانه؛ أي: قال ضعفاءُ اليقينِ: لا قوَّة لنا ولا قدرةَ على مقابلتِهم ومقاتَلتِهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾؛ أي: قال الذين يَعلمون ويَستيقنونَ أنَّهم راجعونَ إلى اللَّه في القيامة، ومَجزيُّون بأعمالِهم يومئذٍ.
وقد كشفنا حقيقةَ الظَّنِّ واللقاءِ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦].
وقيل: هو استعارةٌ؛ أي: يَكفي الظَّنُّ في هذا للعمل، فكيف باليقين؟
وقيل: معناه: أي: يُحدِّثون أنفسَهم بلقاء اللَّه، وهو الموت.
وقيل: ظنُّوا أنَّهم لا يَنجونَ مِن القتل (^٣)، لكثرة عَددِهم وعُددهم.
وقيل: معناه: يرجون لقاءَ اللَّه؛ أي: رؤيتَه.
وقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿كَمْ﴾
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وبالمشاهدة".
(٢) في (ر): "والمقارنة".
(٣) في (ر): "الموت والقتل" بدل: "القتل".
[ ٣ / ٣٠٨ ]
كلمةُ تكثيرٍ، و﴿مِنْ﴾ كلمةُ تأكيدٍ، والفئةُ: الطَّائفة، وأصلُها من: فَأوْتُ رأسَه فأوًا؛ أي: قطعتُه، والطَّائفةُ من الناسِ قطعةٌ منهم.
وقيل: هي من الفَيءِ، وهو الرُّجوعُ، وهم قومٌ يَرجعونَ إلى أمرٍ واحدٍ، ويُرجَعُ إليهم في الانتصار بهم.
وعلى الأوَّل حُذِفَ المُعتَلُّ مِن آخِره، وعلى الثَّاني حُذِفَ مِن حشوِه.
وقولُه تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتغليبِ اللَّه تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: بإماتةِ اللَّه.
وقيل: معناه هاهنا: بنصرة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: فاصبروا؛ فإنَّ اللَّهَ معين الصَّابرين وحافظُهم.
وقال مقاتل: قالت العُصَاةُ الذين وقعوا في النهر: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، وقال أصحاب الغُرفة في الردِّ عليهم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١).
وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: كان فَصلَ طالوتُ بالجنود، وهم سبعون ألفًا، فأطاعَهُ في النَّهرِ أربعةُ آلاف، ونافقَ ستَّةٌ وستُّون ألفًا، فلمَّا ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ نافقَ أربعة آلاف إلَّا ثلاث مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢٠٨).
(٢) لفظ: "رجلًا" من (ر).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
(٢٥٠) - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾؛ أي: ظهروا للقتالِ، والبَرَازُ: الأرضُ الفضاء، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي: ظاهرةً لا مُستَظلَّ فيها، وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩١]؛ أي: أظهرت.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: صُبَّ علينا، وهو استعارةٌ عن الإكمالِ والإكثار.
وقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: في مواضعِ القتال، كي لا تزلَّ ولا تزول.
وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أعِنَّا عليهم، وامنعْهم منَّا (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: طلبوا الصَّبرَ والثَّباتَ أوَّلًا، وهو حقُّ الحقِّ، ثمَّ النَّصرَ (^٢) وهو حظُّ (^٣) النَّفسِ، ثمَّ أشاروا (^٤) إلى أنَّهم يَطلبون النَّصر، لا للانتقام منهم بفعلِهم بهم، بل لأنَّهم كفَّارٌ وأعداءٌ لربِّهم، فقاموا من كلِّ وجهٍ للَّه باللَّه، فلذلك نُصِروا وظَفِروا (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ر): "وامنعنا منهم" بدل: "وامنعهم منا".
(٢) في (ف): "النصرة".
(٣) في (ر) و(ف): "حفظ".
(٤) في (ف): "أشار".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ١٩٤).
[ ٣ / ٣١٠ ]
(٢٥١) - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقبله مضمرٌ؛ أي: استجابَ (^١) اللَّهُ تعالى هذا الدُّعاءَ ونصرَهُم.
وأصلُ الهَزْمِ: الكَسرُ، وجَعْلُ بعضِ الشيء على بعض، يقال: سِقاءٌ مُتَهزِّم، إذا ثُنِيَ بعضُه على بعضٍ مع جفافٍ. وقال الأصمعيُّ: هزمة الرَّعدِ: صوتٌ فيه تَشقُّقٌ (^٢).
وقيل: الهزيمةُ: دفعُ الشَّيء بقوَّةٍ حتَّى تُدخِلَ بعضَه في بعضٍ، والمهزام (^٣): خشبةٌ يُحرَّكُ بها الجمر، فيُدفَع بها بعضُه عن بعض.
وقيل: هي التَّفريق والتَّشقيق، وقد تَهزَّم السِّقاءُ، إذا يَبِسَ فتصدَّع، واهتزامُ الشَّاة: ذبحُها.
وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعونِه ومشيئتِه، وتسبيبِهِ أسبابَها، وتيسيرِه على ما أراد.
وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: برزَ داودُ لجالوت، وظِلُّ جالوتَ ميلٌ، فلمَّا نظرَ إلى داود استضحكَ ازدراءً به، فأخذَ
_________________
(١) في (أ): "فاستجاب".
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٦/ ١٦١).
(٣) في (أ): "والهزام".
[ ٣ / ٣١١ ]
داودُ الحَجرَ، فوضعَه في مِقلاعِه، ثمَّ أرسلَهُ، فلمَّا انتهى إلى جالوت صار ثلاثةً، فضربَ جبهتَه بحَجرٍ، وفؤادَهُ بحَجرٍ، وخاصرتَهُ بحَجرٍ، فوقع قتيلًا.
وقال أبو العالية: قال جالوت لداود: خرجتَ إليَّ بقُلاعةٍ (^١) لتقتلَني بها كما تَقتُلُ الكلبَ، فقال داود: فهل أنت إلَّا مثلُ الكلب؟ فرماه بالأحجار الثَّلاثة، فوقَعت في صدرِه فنفذَتهُ (^٢)، وقتلت بعده ناسًا كثيرًا (^٣).
وقال مقاتل: رَمى داودُ بالأحجارِ، وأَلقَتِ الرِّيحُ البيضةَ مِن رأسِه، فوقعَت في دماغِه، حتَّى خرجت مِن أسفله وانهزم الكفَّار (^٤).
وفي رواية: رمى بواحدٍ، فأصابَ بطنَ جالوت، وخرجَ مِن أسفلِه، ورَمى بالثَّاني، فقتل ثلاثين ألفًا (^٥) منهم، ورمى بالثَّالث، فجعلَ يَدورُ في عسكرِه حتَّى هزمَهم.
ورويَ أنَّ تلك الأرضَ كانت فيها حجارةُ (^٦) المغناطيس، فجعَلت تَجْذِبُ كلَّ واحدٍ مِن عسكر جالوت كان معه قليلُ (^٧) حديدٍ، فأثبتَهم حتَّى جاءَ طالوتُ وجنودُه، فأخذوهم وقتلوهم، وغَنِموا أموالَهم.
_________________
(١) القلاعة: الحجر والمدر يقتلع من الأرض فيرمى به. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: قلع).
(٢) بعدها في (ر): "وخرجت من ظهره".
(٣) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٢٢٠) من قول الكلبي.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢١٠)
(٥) في (ر): "رجلًا" بدل: "ألفًا".
(٦) في (أ): "أحجار".
(٧) بعدها في (ر): "من".
[ ٣ / ٣١٢ ]
وطلب داودُ من طالوتَ الوفاءَ بالشَّرط، فقال: إنَّ بناتَ الملوكِ لا بُدَّ لهنَّ مِن الصَّداق، وأنت رجلٌ شجاعٌ، فاجعل صداقَها من أعدائِنا، وكان يَرجو بذلك أنْ يُقتَل داود، فقد كان ندِمَ على ما شرط، فغزا داودُ، فأسرَ ثلاثَ مئةٍ، وجاء بهم، فلم يجدْ طالوتُ بدًّا، فزوَّجَهُ ثمَّ ندم (^١)، وقصدَ قتلَهُ (^٢).
وقال عكرمة: لَمَّا ملكَ طالوتُ الأرضَ المقدَّسةَ جاءَ داودُ يَطلُبُ ما شَرط له، فأعطاه السَّيفَ وزوَّجهُ ابنتَهُ، ثمَّ مضى زمانٌ يَسألُهُ (^٣) شطرَ الملكِ (^٤)، فقالت جبابرةُ بني إسرائيلَ لطالوت: أتُقاسِمُه الملكَ، وفيه فسادُ بني إسرائيل، لم يَكن مَلِكان في قومٍ إلَّا فَسدَ أمرُهم، فوافقَ طالوتُ كلامَهم.
ولمَّا رأى أَهْلُ العدلِ والوفاءِ مَنْعَ طالوت داودَ، دخلوا على داود، وخَلَوا به، فأتى طالوتَ ذو العينين، فأخبرَهُ بمَن يَدخُل على داود، فقال له أصحابُه: لا ينتهي هذا دون أن يثورَ بك، وما ينتظرُ إلَّا أنْ يجتمعَ له الذي يُريد، فاقتلِ الرَّجلَ.
_________________
(١) في (ف): "فلم يرد أن يزوجه ابنته" بدل "فلم يجد طالوت. . . ثم ندم".
(٢) قال الشيخ محمد أبو شهبة ﵀ في كتابه "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ١٧٧) بعد أن ذكر شيئًا من هذه المرويات: وفي هذا الذي ذكروه الحق والباطل، والصدق والكذب، ونحن في غنية عنه بما في أيدينا من القرآن والسنة، وليس في كتاب اللَّه ما يدل على ما ذكروه، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره، فلا تلقِ إليه بالًا، وارم به دبرَ أذنيك، فإن فيه تجنِّيًا على من اصطفاه اللَّه ملكًا عليهم، وكذبًا على نبي اللَّه داود.
(٣) في (أ): "فسأله".
(٤) بعدها في (ر): "فقال حبًّا وكرامةً"، وفي (ف): "فقال: حبًّا".
[ ٣ / ٣١٣ ]
فجاءَ ذو العينينِ إلى بنت طالوتَ (^١)، فأخبرَها أنَّ زوجَها مقتولٌ، فأتاها داودُ عند المساء، فقالت له: إنَّك مقتولٌ الليلةَ، قال: ومن يقتلني؟ قالت: أبي، قال: وهل أجرمتُ له جُرمًا، قالت: حدَّثني مَن لا يَكذِبُ، ولا عليكَ أنْ تغيبَ اللَّيلةَ حتَّى تَنظرَ مِصداقَ ذلك، فقال: لئن كان أرادَ ذلك، ما أستطيعُ خروجًا، ولكن ائتِني بزِدقٍّ مِن الشَّراب، فضعيهِ على السَّريرِ، وجَلِّليه بالثياب، وأنا أدخلُ تحتَ السَّرير، فإن كان أرادَ مِن ذلك شيئًا، فسوف تعلمينه (^٢)، ففعَلت.
ودخلَ أبوها العشاء، قال: أين بعلُك؟ قالت: نائمٌ على السَّرير، فضربَهُ بالسَّيف، فلمَّا وجدَ ريحَ الشَّراب، قال: يا داود، لقد طبتَ حيًّا وميتًا، وخرجَ داودُ حتى لَحِقَ مأمنَهُ (^٣)، ودخلَ طالوتُ مِن الغدِ ليُجهِّزَهُ ويُخبِرَ النَّاس أنَّ داودَ اغتيل، فلمَّا رأى أنَّه لم يَصنعْ شيئًا، قال: إنَّ رجلًا طلبتُ منه ما طلبت لخليقٌ ألَّا يدعَني حتَّى يُدرِكَ منِّي ثأرَهُ، فاشتدَّ حجَّابُه وحرَّاسُه، وأغلقَ دونَه الأبوابَ.
فأتاهُ داودُ ليلةً، وقد هدأتِ العيونُ، وأعمى اللَّهُ تعالى عنه الحَجَبةَ، فدخلَ عليه وهو نائمٌ على فراشِه، فوضعَ سهمًا عند رأسِه وسهمًا عند رجليهِ، فلمَّا أصبحَ استبدلَ بالحُجَّابِ والبوابين، وقال: لو أرادَ هذا أنْ يضعَ السَّهمَ في حلقي لفعل، ما أنا بالذي تَطيبُ نفسي أنْ أعطيَه الذي يسألُني، وما أنا بالذي آمنُهُ.
فلمَّا كانت الليلةُ القابلةُ، دخلَ داودُ ثانيًا، وأعمى اللَّهُ تعالى عنه الحُجَّابَ،
_________________
(١) في (ر): "بيت داود" بدل: "بنت طالوت".
(٢) في (ر): "أعلمه".
(٣) في (أ): "بمأمنه".
[ ٣ / ٣١٤ ]
ووضع بجنبِهِ سيفًا (^١) فلمَّا أصبحَ ورأى ذلكَ سَلَّطَ على داودَ العيونَ، وطلبَهُ أشدَّ الطَّلب، فأتى ذو العينين فأخبرَهُ أنَّه مع المتعبِّدينَ في جبلٍ.
فانطلق طالوتُ يَطلبُهُ، وتَوارى داودُ، وقال طالوتُ للمتعبِّدين: أخرِجوا إليَّ داود، وإلَّا أهلكتكُم بالسَّيف، فقالوا: لا نَدري أين هو، فاقتلْ أو دعْ، فقتَلهُم حتَّى بقيَ شابٌّ، فلم يقتلهُ، وأَنِسَ به، واتَّخذَهُ لنفسِه، فأقبلَ حتَّى إذا كان في بعضِ اللَّيلِ قال للفتى: هل صاحَ الدِّيكُ؟ قال: وما تُريدُ مِن صياحِ الدِّيك؟ قال: أريدُ أنْ أعلمَ ما ذهبَ مِن اللَّيل، قال: وهل تركتَ ديكًا إلَّا قتلتَهُ، إنَّما كان يَعرِفُ معالمَ اللَّيلِ قومٌ قتلتَهُم (^٢)، فلم يَبقَ مَنْ يَعرِفُ معالمَ اللَّيل، فبكى طالوتُ، ثمَّ قال: هل عندك لي توبةٌ؟ قال الشَّابُّ: إنْ أعطيتَني عهدًا، فعسى أنْ أُطلِعَك على مَن يدلُّكَ على ما تريد، فقال: وإنَّ لك ذلك، فانطلقَ به إلى عجوزٍ مذكورةٍ في بني إسرائيل أَنَّها (^٣) تدعو بالاسم (^٤) الذي يُستجاب.
فطرقَها ليلًا، فقالت: من ذا؟ قال: أنا فلانٌ، قالت: كيف نجوتَ مِن طالوت، أمعَك آخرُ؟ قال: نعم، قالت: ومَن معك؟ قال: طالوت، قالت: إنَّه قتلَ أخواتي (^٥) وإخواني، وجئتَ به ليَقتُلَني، إنَّا للَّه، قال: يا أمَّاه، إنَّه جاءَ ليَطلبَ التَّوبةَ والمخرجَ، قالت: ما عندي ذلك، ولكن أنظرُ إلى بعضِ مَن في القبورِ حتَّى أدعوَهُ لك.
_________________
(١) في (ر): "سقاء".
(٢) في (ر) و(ف): "فقتلتهم".
(٣) في (ر) و(ف): "إنما".
(٤) بعدها في (أ): "الأعظم".
(٥) في (أ): "أخوالي".
[ ٣ / ٣١٥ ]
فانطلقَ إلى قبرِ أشمويل، فقال: ادعي لي صاحبَ هذا القبر، فصلَّت ودَعَت، ثمَّ نادَت: يا صاحبَ هذا القبر، فقامَ يَنفضُ رأسه مِن التُّرابَ (^١)، ثمَّ قال: أنت طالوت؟ قال: نعم، قال: ما فعلتَ بعدي؟ قال: لم أدعْ مِن الشَّرِّ شيئًا، وجئتُ أطلبُ التَّوبةَ، قال: كم لك مِن الولَدِ؟ قال: عشرةُ رجالٍ، قال: أما إنَّه (^٢) لا توبةَ لك إلَّا أن تُجهِّزَ بكلِّ مالِكَ في سبيلِ اللَّه، وتُقدِّم ولدَك حتَّى يُقتلوا بين يديكَ، ثمَّ تكونُ أنت آخرَهم، ثمَّ رجعَ أشمويل إلى القبر.
ورجع (^٣) طالوتُ إلى بنيِه، فجمعَهم وقال لهم: أرأيتُم لو رَأيتُموني أدفعُ إلى النَّار، هل كنتُم تَفدُونَني، قالوا: نعم، قال: فإنَّها النارُ إلَّا أن تفعلوا ما أقولُ لكم، قالوا: فاعرِضْ علينا، قال: إنِّي قد (^٤) عَمِلتُ الذي عَمِلت، وإنِّي سألتُ التَّوبةَ مِن ذلك، فقيل لي: إنَّ توبتَكَ أن تُجهِّز بكلِّ مالِك في سبيلِ اللَّه تعالى، وتُقَدِّمَ بنيكَ حتَّى يُقتَلوا بين يديك، فتَحتَسِبَهُم، ثمَّ تكون أنت آخرَهم، قالوا: وإنَّك لمقتولٌ؟ قال: نعم، قالوا: فلا خيرَ لنا في الحياةِ بعدَك، قد طابَت أنفُسُنا بالذي سألت.
فتجهَّزَ بمالِهِ وقدَّم ولدَهُ الأكابرَ رجلًا رجلًا، حتَّى قُتِلوا، ثمَّ قُتِلَ آخرُهُم، فجاءَ قاتلُه إلى داودَ ليُبشِّرَهُ، فقال: قتلتُ عدوَّكَ، فقال داود: ما أنت بالذي تَحيى بعدَهُ، فضربَ عنقَهُ (^٥).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التراب من على رأسه" بدل: "رأسه من التراب".
(٢) في (أ): "فإنه" بدل: "أما إنه".
(٣) في (ف) و(أ): "فرجع".
(٤) لفظ: "قد" من (أ).
(٥) يقال في هذا الخبر الطويل ما قيل في الذي قبله، فهو من الإسرائيليات المنكرة، وفيه ما لا يليق بمن وصفه اللَّه بالعلم، واختاره لملك بني إسرائيل، وما هو إلا إسباغ صفات الخيانة واللؤم التي اتصفت بها هذه الطائفة على أنبيائها وصالحيها، وذكره مع تفسير القرآن تقوية له ورفع لشأنه، فتنبه لذلك =
[ ٣ / ٣١٦ ]
ومكَّن اللَّهُ تعالى لداود في الأرضِ وأعطاهُ مملكةَ بني إسرائيل، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: الملكَ الذي كان لطالوتَ على بني إسرائيل، والحكمة: النبوَّة، وبها وَضْعُ الأمورِ مواضعَها، وآتاهُ (^١) ملكَ طالوتَ، ونبوَّةَ نبيِّهم، وجُمِعَ له كلاهما، وكان قبلَهُ المُلكُ في سبطٍ، والنبوَّةُ في سِبْطٍ. وقيل: الحكمةُ: الزَّبور.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أنْ يُعَلِّمَ أنبياءَهُ،
وقال الحسن: هو العلمُ في الدِّين.
وقيل: هو عِلمُ صَنعةِ الدُّروع، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال القفَّال: أي: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ بالرُّسلِ عن عبادِه، وما أجرى على ألسنتِهم مِن بيان الشَّرائعِ التي بها يتكافُّون عن التظالم والتَّعادي، ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ لما يكون فيها مِن تَسافُكِ الدِّماء، وتَناهُب الأموال، وارتكابِ المحارِم، وإخافةِ السُّبل.
ثمَّ مِن المعلومِ أنَّ كثيرًا مِن النَّاس قد لا يَنقادون للرُّسُل تحتَ الرئاسةِ، مع ظهور الحُجَجِ، فاحتيجَ إلى المجاهدة باللِّسانِ والسَّيف، وذلك يكونُ مِن الأنبياء ومَن يُتابِعُهم، ثمَّ لهم آجالٌ مضروبةٌ يَمضون (^٢) عندها، فوجبَ أن يكونَ لهم (^٣)
_________________
(١) = عصمنا اللَّه واياك من الزلل.
(٢) في (أ): "فآتاه اللَّه".
(٣) لفظ: "يمضون" من (أ).
(٤) لفظ: "لهم" من (ر).
[ ٣ / ٣١٧ ]
خلفاءُ بعدَهم في كلِّ عصرٍ، في إقامةِ الدِّين والجهاد، فهذا دفعُ اللَّه الناسَ بعضَهم ببعض، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: لهلكَ مَن في الأرض.
وقيل: لخرِبَت.
وقيل: معناه: دفعَ اللَّهُ بثلاث مئةٍ وثلاثةَ عشرَ مِن قوم طالوت عن بني إسرائيلَ، ولولاهم (^١) لهلكوا.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "إن اللَّهَ تعالى يَدفعُ بمَن يُصلِّي عمَّن لا يُصلِّي، ويَدفعُ بمَن يَصومُ عمَّن لا يَصوم، ولو اجتمعوا على تركِ الصَّلاةِ والصِّيام ما أنظرَهُمُ اللَّهُ طرفةَ عين، وكذا (^٢) في الزَّكاةِ والحجّ والجهاد والجمعة، ثمَّ تلا هذه الآيةَ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: يتفضَّلُ عليهم بإبقائِهم وإزالة الفسادِ عنهم.
* * *
(٢٥٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "ولولاه".
(٢) بعدها في (أ): "ذكر".
(٣) أورده الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢٢٤) دون إسناد، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٨٠) (٢٥٣٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧١٩١) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا.
[ ٣ / ٣١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (^١)؛ أي: في (^٢) هذه القَصص التي فيها نقضُ العادات مِن الدِّلالات الواضحات.
وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يقرؤها عليك جبريلُ بأمرِنا بالصِّدقِ، وهذا كما قال: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] ثم قال ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ﴾ [يونس: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ودلالةُ رسالتِك أنَّك تُخبِرهُم بهذه القَصص، ولا تُعلَم إلَّا بإعلامنا إيَّاك، فليُصَدِّقوكَ بأنَّك (^٣) رسولُ اللَّه، والرَّسولُ صادقٌ.
* * *
(٢٥٣) - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: هؤلاء الرسلُ المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، أو الرسلُ المذكورون في هذه السورة من آدمَ إلى داود، أو الرسلُ المذكورون في جميع القرآن، سَوَّى بينهم في اسم الرسالة تم بيَّن فضلَ بعضهم على بعضٍ في معاني وراء الرسالة (^٤)، وهذا كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعة بعد الإيمان.
وقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: في مقاماتهم ودرجاتهم بعد الرسالة.
_________________
(١) بعدها في (أ): "نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ".
(٢) لفظ: "في" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "فإنك".
(٤) "ثم بين فضل بعضهم على بعض في معاني وراء الرسالة": من (أ).
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: أي: من الرسلِ مَن كلَّم اللَّهُ وهو موسى ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]؛ أي: خاطبه اللَّه بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: أي: مراتبَ.
﴿بَعْضَهُمْ﴾ مفعولٌ لـ ﴿وَرَفَعَ﴾، و﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوب على التفسير، وقيل: منصوبٌ بنزعِ (إلى)، يعني: إلى درجاتٍ، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني (^١): إلى مكانٍ عليٍّ.
وقيل: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعولٌ و﴿بَعْضَهُمْ﴾ منصوبٌ بنزعِ الخافض وهو (^٢) اللام؛ أي: لبعضهم درجات.
وقيل: هذا موصولٌ بقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ورفعنا بعضهم درجات، وفسَّر ذلك بذكر بعضهم فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهذا مقدَّمٌ في النَّظْم مؤخَّرٌ في المعنى.
وقيل: بل كلُّ كلامٍ مقرَّرٌ (^٣) في موضعه، وقوله (^٤): ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ليس في أصل الرسالة، فقد قال النبيُّ ﵊: "لا تفضِّلوني على أخي يونس" (^٥)، وأراد به: في مقام الرسالة، ثم قال: "أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ" (^٦)
_________________
(١) في (ف) و(أ): "أي".
(٢) "الخافض وهو": من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "مقدر".
(٤) في (أ): "قوله".
(٥) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، ورواه البخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧)، من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى"، وروى البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣)، من حديث أبي هريرة ﵁: "لا تفضلوا بين أنبياء اللَّه".
(٦) رواه الترمذي (٣٦١٥) وصححه من حديث أبي سعيد ﵁، وهو في "صحيح البخاري" =
[ ٣ / ٣٢٠ ]
بيَّن أنه أفضلُ الأنبياء كلِّهم في المقامات التي بعدَ مقام الرسالة.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ بدأ بموسى في تفصيل هذا التفضيل، وقولُه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ إشارةٌ إلى النبيِّ -ﷺ-، فإن اللَّه تعالى رفع درجاته على درجات الأنبياء كلِّهم.
وقيل: بل هو يَنتظِم بيانَ فضل جماعة منهم، فقد قال الكلبيُّ في قوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: أي: اتخذ إبراهيمَ خليلًا، وأعطى داود زبورًا، وألانَ له الحديدَ، وسخَّر له الطيرَ والجبال يسبِّحْنَ معه، وسخَّر لسليمان الريح والجنَّ والشياطين، وخصَّ كلَّ رسول بشيء، وهو أعلم بوجه (^١) الحكمة، وليس علينا أن نتعرَّفه، بل للَّه الحكمُ يفعل مايشاء ويفضِّل مَن يشاء بما يشاء، لا لاستحقاقٍ من العبد بل هو فضلٌ منه، وفضل (^٢) بعضَهم على بعضٍ أيضًا في قَدْر المعجزات، وذلك على حسَب ما كان يدعو حاجةُ أهل الزمان إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ عطفٌ على قوله ﴿فَضَّلْنَا﴾، وقبله ﴿وَرَفَعَ﴾ على المغايَبة صرفًا إلى قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾.
وبيِّنات عيسى: إحياءُ الموتى، وشفاءُ المرضى، وإبراءُ الأكمه والأبرص، وخلقُ الطير من الطين.
وقيل: الإنجيل والمعجزات.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أي: قوَّيناه بجبريل، وقيل: بالإنجيل، وقيل: باسم اللَّه تعالى الأعظم، وقيل: بروحه الطاهر. وقد شرَحْناه بأتمَّ من هذا قبلَ هذا.
_________________
(١) = (٤٧١٢)، و"صحيح مسلم" (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: "ولا فخر".
(٢) في (ر) و(ف): "بوجوه".
(٣) في (أ): "ففضل".
[ ٣ / ٣٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾:
واتِّصالُ هذا بما قبله: أن الآية لتسلية النبيِّ (^١) -ﷺ-، يقول: أجريتُ أمور (^٢) رسُلي على هذا ونصبتُ لهم المعجزات، ثم لم يجتمع لأحدٍ منهم طاعةُ جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته، بل اختلفوا عليه فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كفَر، وتنافسوا في الدنيا، وتباغوا فيها واقتتلوا (^٣). وبسطُ وجوه اختلافهم في أول هذه السورة: مِن اتخاذ (^٤) العجلِ، وسؤالِ رؤيةِ اللَّه تعالى جهرةً، وتبديلِ قولِ الحطَّة، وخلافِ أصحابِ السبت، وسائرِ معاملاتهم، ومخالفةِ قومِ عيسى إياه، وقصدِهم قتلَه، وسائرُ قصصِ الأنبياء (^٥) على هذا، ثم هم صبروا ولم يَهِنوا فكنْ أنت كذلك.
ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: بعدِ هؤلاء الأنبياء ﴿بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: المعجزاتُ الظاهرات، يقول: لو شئتُ أن لا يَقتتلوا لم يَقتتلوا؛ إذ لا يَجري في مُلكي إلا ما يوافق مشيئتي، وهذا يدمِّر على المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه لو شاء أنْ لا يقتتلوا لم يقتتلوا، وهم يقولون: شاء أن لا يقتتِلوا فاقتتَلوا.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾: أي: بمشيئتي (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾: أي: بمشيئتي.
وقوله تعالى (^٧): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾: التكريرُ للتقرير.
_________________
(١) في (ر): "تسلية للنبي".
(٢) "أمور": من (ف).
(٣) في (ر): "وتنازعوا فيها واختلفوا". وفي (ف): "وتنازعوا فيها واقتتلوا".
(٤) في (ر): "اتخاذهم".
(٥) في (ف): "القصص للأنبياء"، وفي هامشها كالمثبت.
(٦) "قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ أي بمشيئتي": من (أ).
(٧) "وقوله تعالى" ليس في (أ)، والواو ليست في (ف).
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وقوله تعالى (^١): ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أَثبت الفعل والإرادة لنفسه فثبَت أن أفعال العباد كلَّها حَسَنَها وسيِّئَها بإرادته وإيجاده.
* * *
(٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: أي: في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] بعد قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذَكَر بعده قتالَ طالوتَ وجالوتَ واقتتالَ الأوَّلينَ، وحثَّ على الجهاد والنفقة فيه المؤمنين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: أي: قبل أن يجيء يومُ القيامة فينزعَ منكم الأملاك، فلا يكون لأحدٍ مالٌ ولا تجارةٌ ولا كسبٌ لينفِقَ ذلك فيما يؤجَر عليه؛ لأنَّه يومُ جزاء لا يومُ عمل، ولا ينفع خليلٌ خليلًا يومئذ إذا كانت الخلةُ -أي: الصداقةُ (^٣) - على خلافِ الحق؛ قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ولا شفاعة لكافر؛ قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (^٤) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] فأما المسلمون فلهم شفاعة؛ قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
_________________
(١) "وقوله تعالى" ليس في (أ)، والواو ليست في (ف).
(٢) في (أ): "للمؤمنين فيه".
(٣) في (ر): "الخلة والصداقة".
(٤) " ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ " ليس في (ف).
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وقيل: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾؛ أي: لا بيعٌ فيه ولا شراءٌ، ومعناه: لا فداءَ فيه ولا افتداءَ.
وقيل: هذا يومُ الموت؛ كما قال ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]، فيكون هذا في حقِّ المؤمن والكافر، ولا يَدفع الموتَ خليلٌ ولا شفيعٌ، وعلى القول الأول يكون في حقِّ الكفار (^١): أن الخليل لا يَنفع والشفيعَ لا يَشفع، والمؤمنون بخلاف ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: هم الضارُّون أنفسَهم حيث أَوردوها هذا المورد، فلا تنفعُهم خلةُ خليلٍ ولا شفاعةُ شفيعٍ.
وقيل: هم الظالمون أنفسَهم بتركهم التقديمَ ليومِ حاجتهم.
وقيل: هم الواضعون الأمرَ في غير موضعه، الرَّاجُون الشفاعة ممن لا يملكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهي (^٢) آلهتُهم التي يعبدونها ويقولون: هؤلاء (^٣) شفعاؤنا عند اللَّه.
وقيل: هم الظالمون المانعون الحقَّ مَن يستحقُّه، الممتنعون عن الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى ونصرةِ دين اللَّه.
وقال نفطويه (^٤): هم الظالمون؛ أي: هم أظلمُ الظَّلَمة، كما يقال: الشجاع هو الذي يقاتل عن غيره؛ أي: ذلك نهايةُ الشجاعة.
* * *
(٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
_________________
(١) في (ر): "الكافر في" وفي (ف): "الكافر" بدل: "الكفار".
(٢) في (أ) و(ف): "وهم".
(٣) في (ف): "هم".
(٤) هو إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بـ: نِفطويه، توفي سنة (٣٢٣ هـ).
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ انتظامُها بما قبلها: أنه قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ثم ذكر حال الكفار يومَ القيامة، ثم ذكر لأهل الإيمان أساسَ التوحيد الذي يقع به الأمنُ من ذلك الوعيد (^١) فقال: ﴿اللَّهُ﴾ وهو مبتدأ، وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بكلمة ﴿هُوَ﴾ العائدةِ إليه، كقولك: زيدٌ لا مُضيفَ لنا إلا هو.
وقيل: خبره ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما، وهو كلامٌ تامٌّ.
ثم قوله: ﴿اللَّهُ﴾ إثباتٌ لذاته و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نفيُ الألوهيَّة عن (^٢) غيره.
وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: هذا إثباتُ صفات (^٣) الحقِّ له، فهو الحيُّ الذي لا يموت، وله حياة أزلية (^٤).
و﴿الْقَيُّومُ﴾: فيعولٌ من القيام، ومعناه: الدائم الباقي.
وقيل: هو القائم بذاته لا بغيره.
وقيل: هو القائم بتدبير كلِّ خلقه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].
وقيل: هو العالم بالأمور.
وقال سعيد بن جبير ﵀: هو الدائم الوجود.
وقال الحسن هو القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيثُ هو عالمٌ به لا يخفى عليه منه شيء (^٥).
_________________
(١) في (أ): "يوم القيامة ثم ذكر لأهل الإيمان ذلك الوعد"، بدل: "من ذلك الوعيد".
(٢) في (ر): "نفي ألوهية".
(٣) في (أ): "لصفات"، وفي (ف): "الصفات".
(٤) في (أ): "الأبدية الأزلية".
(٥) ذكر القولين الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٣٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الأخذ: الإصابة، والسِّنَة: النُّعاس، وأصلها: وَسْنةٌ، وصرفُه: وَسِنَ يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنَة (^١)، فهو وَسْنانُ ووَسِنٌ، من بابِ عَلِم، والنومُ تمامه وانتهاؤه.
أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقينَ من السَّهو والغَفْلةِ والملالِ والفترة في حفظ ما هو قائمٌ بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارِضُ التعبِ المحوِجةُ إلى الاستراحة فيستريحَ بالنومِ والسِّنَة.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كلُّ مَن فيهما وما فيهما ملكُه، ليس لأحدٍ معه فيه شركة ولا لأحدٍ عليه سلطان، فليس (^٢) يجوز أن يُعبد غيره كما ليس لعبدِ أحدكم أن يخدم غيرَه إلا بإذنه.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليس لأحد أن يَشفع عنده لأحدٍ إلا بإذنه، وقد أَخبر أنه لا يأذَنُ في الشفاعة (^٣) للكفار، وهو ردٌّ على المعتزلة في أنهم لا يرون الشفاعة أصلًا، واللَّه تعالى أثبتَها للبعض بقوله عز وعلا: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أي: يعلمُ اللَّه تعالى ما بين أيدي هؤلاء الذين يرجو الكفارُ شفاعتَهم يوم القيامة، وهم الملائكةُ أو غيرُهم، ويعلم ما خلْفَهم.
يحتمِل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بعد انقضاء آجالهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما كان قبل
_________________
(١) في (أ): "سنة ووسنا" بدل: "وسنا وسنة".
(٢) في (أ): "فلن".
(٣) في (أ): "بالشفاعة".
[ ٣ / ٣٢٦ ]
أن يخلقهم، وهذا على (^١) مجازِ قول القائل: شعبانُ بين أيدينا، والأيامُ بين أيدينا، إذا لم تأت بعدُ.
ويحتمِل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يكون عبارةً عما لم يأتِ بعدُ، وهو الذي يسارع (^٢) إليه الفهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: أي: وهؤلاء الذين يزعمون أنهم شفعاؤهم لا يعلمون شيئًا من معلوماته التي كانت قبل خلقه إياهم وبعد موتهم والتي تكون فيما (^٣) بين ذلك إلا بما شاء، وهو القَدْر الذي علَّمهم منه بأنْ نصَب الدلائل عليه (^٤) لهم، وخلَق لهم مواضع المعرفة فيهم (^٥) من العقل والحواسِّ.
وإذا (^٦) كانت حالة الشفعاء هذه، وكان اللَّه تعالى هو العالمَ بأفعال الخلق لا يخفَى عليه منها شيءٌ (^٧)، فهو يجزيهم بأفعالهم التي عَلِمها منهم، وهؤلاء الشفعاءُ لا يعلمون ذلك فيَعرفوا (^٨) به استحقاقَهم للشفاعة، فكيف يشفعون لهم بغير إذنٍ من اللَّه لهم في الشفاعة، وقد قال اللَّه تعالى في شأن الملائكة وقولِ الكفار فيهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ
_________________
(١) "على": من (أ).
(٢) في (أ): "يتسارع".
(٣) في (ف): "فيها".
(٤) "عليه": من (أ).
(٥) "فيهم": من (أ).
(٦) في (ف): "وإن".
(٧) في (ر): "شيء منهم".
(٨) في (ر): "فيعلموا"، وفي هامشها: "في نسخة: فيعرفوا".
[ ٣ / ٣٢٧ ]
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. وقد مر تفسيرُ الإحاطة على الاستقصاء.
وقال ابن كيسان: أي: لا يعلمون الغيب الذي يعلمه اللَّه تعالى إلا بقَدْر ما أَطْلعَ عليه بعضَ رسله ليكون حجةً له على أمته، فيعلمون أن علم الغيب لم يأته إلا من اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
ثم قوله: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، واسم المصدر يقع على المفعول؛ يقال في الدعاء: اللهمَّ اغفِرْ علمك فينا؛ أي: معلومَك، فأما الإحاطةُ بعلم اللَّه تعالى الذي هو صفتُه القائمةُ بذاته فغيرُ متصوَّرة، تعالى اللَّهُ تعالى عن الإحاطة والإدراك بذاته و(^١) صفاته، فإن اللَّه تعالى يُعلم ولا يحاط به، ويُرى ولا يُدرك.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قيل: العرشُ والكرسي واحد، والمفهومُ منهما: السريرُ، وأصل الكرسي في اللغة هو المتراكِبُ، وقد تكارَسَ تكارُسًا؛ أي: تراكَبَ، والكُرَّاسة (^٢) سمِّيت بها لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ. قال العجَّاج:
يا صاحِ هل تعرفُ رسمًا مُكْرَسًا قال نعم أَعرفُه وأَبْلَسا (^٣)
أي: تكارَسَ عليه التراب؛ أي: تراكَبَ فغطَّاه، والكَرْس: البَعرُ والبولُ، إذا تلبَّدَ
_________________
(١) في (أ): "أو".
(٢) في (أ): "والمتراكس".
(٣) انظر: "ديوان العجاج" (ص: ١٥٦)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٣٥)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ١٩٢)، و"تفسير الطبري" (١/ ٥٤٣).
[ ٣ / ٣٢٨ ]
بعضُه على بعضٍ، والكِرْياس: كَنيفٌ يكون (^١) في أعلى السطح بقناةٍ إلى الأرض لتراكُبِ بعضِ أبنيته على بعضٍ، والأَكارسُ: الجموعُ الكثيرة لا واحدَ لها سماعًا؛ لأنها لكثرتها بمنزلةِ الأشياء المتراكِبة.
وقيل: العرشُ غيرُ الكرسيِّ (^٢)، والكرسيُّ دونه، ووصَفَه اللَّه تعالى بأنه أوسع من السماوات والأرض، والعرشُ أعظم منه، وروى أبو ذرٍّ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "ما السماوات السبعُ في الكرسيِّ إلا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاةِ على تلك الحلقة" (^٣)، وهو بيانُ كمالِ قدرته في خلق الأشياء العظيمة من غير حاجةٍ إلى شيءٍ من ذلك (^٤)، وسريرُ الخَلْق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، تعالى (^٥) اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أن بيتَ الخلق للسُّكنى فيه، واللَّه تعالى جعل الكعبةَ بيته والمساجدَ بيوتَه، ويتعالى (^٦) عن أن يسكنها علوًّا كبيرًا.
وقيل: الكرسيُّ هاهنا هو العلم؛ أي: وسح علمُه كلَّ ما (^٧) أحاطَتْ به السماوات والأرض، وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
_________________
(١) "يكون": ليس في (ف).
(٢) "الكرسي" ليست في (أ) و(ف).
(٣) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٦١).
(٤) "من ذلك" ليست في (ف).
(٥) في (أ): "ويتعالى".
(٦) في (ف): "وتعالى".
(٧) في (أ) و(ر): "بكل ما".
[ ٣ / ٣٢٩ ]
والكُرَّاسة سمِّيت بها لتضمُّنها العلم (^١)، وورد عن العرب الكرسيُّ بمعنى العالم، قال الشاعر:
تَحُفُّ بهم بِيضُ الوجوهِ وعُصبةٌ كراسيُّ بالأحداثِ حينَ تَنُوبُ (^٢)
أي: علماءُ بحوادث الأمور.
وقيل: الكرسيُّ بمعنى المُلك هاهنا، وأصله وإن كان هو السريرَ لكنْ يعبَّر به عن المُلْك، يقال للقوم إذا زالت دولتهم: ثُلَّ (^٣) عرشهم.
وقيل: الكرسيُّ هو السرُّ، قال الشاعر:
ما لي بأمركَ كرسيٌّ أُكاتمه ولا بكُرْسيِّ (^٤) علم اللَّه مخلوقُ (^٥)
فهذه وجوهٌ صحيحةٌ ذكرها علماءُ السلف، ولا وجه لصرفه إلى موضعِ جلوسٍ أو نحوه، فإن اللَّه تعالى هو الفردُ الذي لا تضمُّه بقعة، والوترُ الذي لا تَحدُّه جهة، والقديمُ الذي لا تلحقُه آفَةٌ، والعظيم الذي لا تجوز عليه مسافةٌ، جلَّ قَدْرُه عن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٣٧) عن ابن عباس، وذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٣٢٥).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٥٤٠)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٢٥)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٣٤٢).
(٣) في (ر): "تكسر"، وفي (ف): "تل".
(٤) في (ر): "يكرس"، والمثبت من (أ) و(ف). ولعل الصواب: (يكرسئ) بالهمز، انظر التعليق الآتي.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٣٢)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٢٥)، لكنه عند الماوردي شاهد على معنى العلم، وكذا أورده ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: ١١٩)، والنحاس في "معاني القرآن" (١/ ٢٦٣)، نقلًا عمن أورده شاهدًا على معنى العلم، لكن بلفظ: (ولا يكرسئ. .) مهموزًا. قال ابن قتيبة: وجاؤوا على ذلك بشاهدٍ لا يُعْرفُ. .، فذكره ثم قال: كأنه عندهم: ولا يعلم علم اللَّه مخلوق، والكرسي غير مهموز و(يكرسئ) مهموزٌ. وقال عنه النحاس أيضًا: لا يعرف.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الحاجة إلى عرش أو كرسيٍّ، وتعالى جدُّه (^١) عن أن يتجمَّل (^٢) بجنيٍّ أو إنسيٍّ، سبحانه هو العظيمُ شأنُه، الجليُّ برهانُه، الشاملُ سلطانُه، ولكنْ خاطَبَ الناسَ في كثيرٍ مما وَصَف به نفَسه على حسَب تفاهُمهم وتعامُلهم مع ملوكهم وعظمائهم، كما جعل الكعبة بيتًا له وأَمر الناس بتعظيمها والطَّوافِ بها كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارتها كما يزور الناس (^٣) ملوكَهم، وحتى ورد أن الحجر الأسودَ يمينُ اللَّه تعالى في أرضِه (^٤)؛ إذ جعلَه موضعًا للتقبيل كما تقبِّل الناسُ أيدي ملوكهم، فكذا يجوز أن يكون للَّهِ تعالى عرشٌ هو سريرٌ وكرسيٌّ هو دونه، يُحضَر ذلك يوم القيامة ويوضَع لفصل القضاء بين العباد (^٥)، من غير أن يُوصف اللَّه تعالى بالتمكين أو (^٦) الاستقرار عليه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: أي: لا يُثْقله حفظُهما (^٧) ولا يُجهده، وقد آدَه يَؤودُه أَوْدًا، والأَوَد بفتح الواو: العَوَج، ويَعْرِض ذلك بالثِّقل (^٨).
_________________
(١) في (أ): "وصفه".
(٢) في (ر): "يتحمل".
(٣) في (ر): "يزورون".
(٤) ورد فيه روايات مرفوعة عن عدد من الصحابة، ولا يثبت منها شيء، وقد بيناها في تحقيقنا لكتاب "فضائل بيت اللَّه الحرام" للملا علي القاري، وهو مطبوع ضمن "مجموع رسائله" كما طبع مفردًا أيضًا.
(٥) في (أ): "الناس".
(٦) في (أ): "بالتمكن و".
(٧) "حفظهما" ليست في (أ).
(٨) أي: الأَود: الاعوجاج الذي يَعْرِض من الاعتمادِ عليه بالثقل. كذا عبارة ابن كمال باشا في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية.
[ ٣ / ٣٣١ ]
وقوله: ﴿حِفْظُهُمَا﴾؛ أي: حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثُنِّي -مع أن السماواتِ جمعٌ- ردًّا إلى الجنس، وهو كقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] مع سَبْق قولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآيةَ [البقرة: ٦٢]؛ لأن الجنس اثنانِ: المؤمنون والمشركون.
يقول: لا يَشُقُّ عليه حفظُ السماوات والأرض ولا يَثْقُل عليه، إذ القريبُ منها (^١) والبعيدُ عنده سواءٌ، وكذلك القليلُ والكثير سواءٌ (^٢)، والكبيرُ والصغيرُ سواءٌ، وكيف يتعب مَن خلَق الذرَّةَ وكلُّ الكون عنده سواءٌ، فلا مِن القليل له تَيسُّرٌ، ولا من الكثير عليه تَعسُّرٌ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: أي: هو المتعالي عن شَبَه المخلوقين وعن افتراءِ المفترِين، والعليُّ في ملكه وسلطانه وقهره الأشياءَ وجريانِ حُكمه عليها، وهو العظيمُ في جلاله وعزِّه وعلوِّه ومجده.
وقيل: الاسمان جامعان لكمالِ التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن كلِّ الصفات التي لا تَليق به، والعظيمُ هو الموصوفُ بكلِّ الصفات التي تليق به.
ثم هذه الآيةُ ورد في فضلها (^٣) أحاديثُ كثيرة:
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إن أعظم آيةٍ في كتاب اللَّه تعالى (^٤): ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٥).
_________________
(١) "منها": من (أ).
(٢) "سواء" ليست في (أ).
(٣) في (ر): "فضائلها".
(٤) في (أ) و(ف): "في القرآن".
(٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٦٠٠٢)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٢٤٧). وروي في الصحيح مرفوعًا؛ رواه مسلم (٨١٠) من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وقال أبو ذر: يا رسول اللَّه! أيُّ آيةٍ في القرآن أشرفُ؟ قال: "آية الكرسي، ما السماوات والأرض مع آية الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في الأرض، ولو أن السماوات والأرضَ وما فيهن جُعلت في كفَّةِ ميزانٍ وجُعلت آيةُ الكرسي في كفةٍ لرجَحتْ بهنَّ" (^١).
وقال أبو هريرة ﵁: قال جبريل ﵇ لرسول اللَّه -ﷺ-: إن عفريتًا من الجنِّ يَكيدُك فاطْرُدْه عنك بآية الكرسيِّ (^٢).
وفي خبرٍ: مَن قرأ آية الكرسي عند منامه بعثَ اللَّه إليه ملَكًا (^٣) يحرسُه حتى يُصبحَ (^٤).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ هاتين الآيتينِ حين يُمسي حُفظ بهما حتى يُصبح، وإنْ قرأهما حين يُصبح حُفظ بهما حتى يمسي: آيةَ الكرسيِّ وأول (^٥) ﴿حم﴾ المؤمن إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "العرش" (٥٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٦١) عن أبي ذر بلفظ: قلت: يا رسول اللَّه! أيما آية أنزلت عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة".
(٢) رواه ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: ٢٦٤)، وابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" (٦٧)، والدينوري في "المجالسة" (٢٨٧٠)، من طريق الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلا. ولغني عنه ما رواه البخارىِ (٣٢٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁: "إِذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكُرْسِيِّ لن يزالَ من اللَّه حافظ ولا يقربُك شيطان حتَّى تصبح".
(٣) في (أ): "بُعث إليه ملك".
(٤) لم أجده مسندًا.
(٥) في (أ): "وأول آية".
(٦) رواه الترمذي (٢٨٧٩) وقال: حديث غريب.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وقال الحسن: قال النبيُّ -ﷺ- لأصحابه: "هل تدرون أيُّ القرآنِ أعظمُ؟ " قال: "سورة البقرة" قال: "ثم أكُلها أعظم؟ " (^١) قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال: "آية الكرسي" (^٢).
وفي حديثِ مَعْقِلِ بنِ يسارٍ: "البقرةُ سنامُ القرآن، وذروةُ سنامه آيةُ الكرسيِّ، نزل مع كلِّ آيةٍ منها ثمانون ألفَ ملكٍ، واستُخْرِجَتْ آية الكرسيِّ من كنزٍ (^٣) تحت العرش فوُصلت بسورةِ البقرة، ويس قلبُ القرآن، فمَن قرأَها يريدُ بها اللَّهَ تعالى والدارَ الآخرة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، فاقرؤُوها عند موتاكم" (^٤).
وفي حديثِ ابن مسعود ﵁: مَن قرأ عشرَ آيات من سورةِ البقرة: أربعًا من أوَّلها، وآيةَ الكرسيِّ، وآيتين (^٥) بعدها، وثلاثَ آياتٍ من آخِرها في بيته، لم يَقْرَبْه شيطانٌ ولا شيءٌ يكرهُه في أهله وأولاده (^٦)، ولا تُقرأُ على مجنونٍ إلا أَفاق من جُنونه ذلك (^٧).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "من قرأ آية الكرسيِّ دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يكن بينَه وبينَ الجنة إلا الموت" (^٨).
_________________
(١) "قال سورة البقرة قال ثم أيها أعظم": من (أ).
(٢) الحديث في "جزء أبي الطاهر" (٨٤) من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا. وانظر حديث أبي بن كعب عند مسلم (٨١٠).
(٣) "كنز" ليست في (أ).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٠٣٠٠)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٨٤٧)، من طريق مُعْتمِرٍ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن أبيه، عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ، عن رسول اللَّهِ -ﷺ-. وإسناده ضعيف لجهالة الرجل وأبيه، ومعتمر: هو ابن سليمان بن طَرْخان التيمي.
(٥) في (ف): "واثنين".
(٦) في (أ): "ولا ماله".
(٧) رواه الدارمي في "سننه" (٣٣٨٣) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا.
(٨) رواه النسائي في "الكبرى" (٩٨٤٨) من حديث أبي أمامة ﵁.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وقال محمد بن الحنفيَّة: لمَّا نزلت آية الكرسيِّ خرَّ كلُّ صنمٍ، وخرَّ كلُّ ملَكٍ على وجهه، وحدث النيران (^١)، وهربت الشياطينُ، فضُرب بعضُهم على بعضٍ، فاجتمعوا إلى إبليس فأخبروه به، فأمَرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة فوجدوا قد نزلت آيةُ الكرسي (^٢).
وقيل: يحتاجُ قائل: (لا إلهَ إلا اللَّهُ) إلى أربعِ خصالٍ: تصديقٌ وتعظيمٌ وحلاوةٌ وحرمةٌ، فمَن لم يكن له تصديقٌ فهو منافقٌ، ومَن لم يكن له تعظيمٌ فهو مبتدِعٌ، ومَن لم يكن له حلاوةٌ فهو مُراءٍ، ومَن لم يكن له حرمةٌ فهو فاسقٌ.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: أي: لا إجبارَ على الدِّين الحقِّ وهو الإسلام.
وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه وابنُ زيد ومسروقٌ وجماعةٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: كان هذا في الابتداء ثم نسخ بآية الأمر بالقتال (^٣).
قال السدي: نزلت في رجلٍ من الأنصار يُكنى أبا الحُصَين، كان له ابنان فقدم تجارُ الشام إلى المدينة يحملون الزيتَ، فلما أرادوا الرجوع إلى الشام (^٤) أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصَّرا وخرجا إلى الشام، فأَخبر أبو الحصين رسولَ اللَّه -ﷺ- بذلك وقال: اطلبهما، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا
_________________
(١) قوله: "وحدث النيران" كذا في (أ)، وسقط هذا الخبر من (ر) و(ف). ولعل الصواب: (وخبت النيران)، وفي المصادر: (وسقطت التيجان عن رؤوسهم).
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ١٩٥)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٢٦٣).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٣٤) عن ابن مسعود وابن زيد، ورواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٥١) عن ابن زيد.
(٤) في (أ) و(ف): "من المدينة" بدل: "إلى الشام".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ولم يكن أُمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، ثم نُسخ فأُمر بقتال أهلِ الكتاب (^١) في سورة براءة (^٢).
وقال مسروقٌ: إن رجلًا من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان، فتنصرا قبل أن يُبعث النبيُّ -ﷺ- ثم قَدِما المدينة في نفرٍ من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فالْتَزمهما وقال: واللَّه لا أدعُكما حتى تُسْلِما، فاسبيَا أن يُسْلما، فاختصموا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه أيدخل بعضي النارَ وأنا أنظرُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فخلَّى سبيلَهما (^٣)
وقيل: هي خاصةٌ في حقِّ أهلِ الذِّمة، إذا قبِلوا الجزيةَ لم يُكرهوا على الإسلام.
قال الضحاك: العرب لم يُقبَلْ منهم إلا الإسلامُ أو السيف، فلما أسلموا نزل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا تقتلوا أحدًا على الدِّين، وأُمر أن يقاتل أهلَ الكتاب والمجوسَ والصابئين على أن يُسلموا، فإنْ أسلوا الإسلامَ فالجزيةُ، فإنْ (^٤) أَقَرُّوا بالجزية خلِّي سبيلُهم، فإنْ لم يُسْلِموا ولم يُقرُّوا بالجزية قتلوا وسُبيَتْ ذرِّيَّاتهم وأُخذت أموالُهم (^٥). وبه قال قتادةُ ومجاهد ومقاتل والحسن (^٦).
* * *
_________________
(١) "ثم نسخ فأمر بقتال أهل الكتاب": من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣١٤).
(٤) في (أ) و(ف): "وإن".
(٥) في (أ) و(ف): "وسبيت الذراري وأخذت الأموال".
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٣٥) عن الضحاك وقتادة وعطاء وأبي روق والواقدي، وانظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢١٣)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٥١) عن الضحاك وقتادة.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
(٢٥٦) - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تُكرِهوا، وهو كما قلنا في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقيل: معناه: مَن دخل في الإسلام بالسيفِ فلا تقولوا: إنه مُكْرهٌ، يعني: كان في الابتداء كارهًا، وقد قَبِله (^١) طائعًا بعد كراهته فلم يَبْقَ مكرَهًا.
وقيل: هذا نفيٌ، ومعناه: أن الإيمان لا يكون عن الإكراه (^٢)، بل الإيمانُ الحقيقيُّ هو الفعل الاختياريُّ.
وقيل: معناه مع الانتظام بما قبله: أنَّ الحُجج قد ظهرت، والمعاذيرَ في الشرك باللَّه تعالى قد بَطلت، والدلائلَ أنه لا يَنفعُ المشركين يومَ القيامة خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ ولا شيءٌ قد وضَحت (^٣)، فلم يبق للمقيم على كفره إلا أن يلجأ إلى الإيمان مضطرًّا إليه، و﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وهو كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]؛ أي: تَضْطَرُّهم إليه، وليس لك ذلك وأنا أقدر عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ طائعين أو مكرهين، لكن الإيمان الحقيقي لا يكون إلا عن اختيار.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: أي: ظهر الهدى من الضلال.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: أي: يَجحدْه ويَتبرأْ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ
_________________
(١) في (ف): "صار".
(٢) في (أ): "إكراه".
(٣) بعدها في (ر): "دلائله".
[ ٣ / ٣٣٧ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يتبرأُ بعضُكم من بعضٍ، والكفرُ المطلقُ هو جحود الحق والتبرُّؤ منه.
والطاغوت: كلُّ ما عُبد من دون اللَّه مما (^١) هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى ﵇؛ لأنَّا قيَّدناه (^٢) بالذَّم، وذلك لدلالة الاسم عليه فإنه من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشر.
وأصله: طَوَغُوت، وذلك مقلوبُ (^٣) طَغَوُوت على وزنِ فَعَلوت، كالملَكوت والجبَروت، قُلب ثم جُعلت الواوُ ألفًا لفتحةِ ما قبلَها.
قال ابن عباس ﵄: الطاغوت هو الشيطانُ والكاهنُ والصنمُ، فإن كلَّ كاهنٍ معه شيطان.
وقيل في قوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]: الجبتُ حييُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بن الأشرف.
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ذكَرَ التبرُّؤَ (^٤) عن غير اللَّه أولًا، ثم التصديقَ باللَّه تعالى (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: الاستمساك: التمسُّك، وهو الاعتصام باللَّه تعالى (^٦)، والعُروة: العُلقة، والوُثقى: تأنيثُ الأَوْثَقِ، وعروةُ الدلو
_________________
(١) في (أ) و(ر): "بما".
(٢) في (ر) و(ف): "قيدنا عليه".
(٣) في (ف): "مقلوب من".
(٤) في (أ): "التبري".
(٥) في (أ) و(ف): "ثم التولي إلى اللَّه تعالى".
(٦) "باللَّه تعالى" من (ر).
[ ٣ / ٣٣٨ ]
ونحوُها: متعلَّقُه بها، وعَرَوْتُ الرَّجلَ أَعْرُوه واعْتريْتُه أَعْتَرِيهِ: إذا أتيتَه متعلِّقًا بسببِ حرمةٍ، وعَرَتْه الحمَّى تَعْرُوه: إذا تَعلَّقتْ به، وهو استعارةٌ عن التوثُّقِ التامِّ الذي لا زلَلَ معه ولا زوالَ عنه (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: أي: لا انقطاع لها؛ أي: للعروة، والفَصْم بالفاء: القطع بلا إبَانةٍ، والقصم بالقاف: القطع مع الإبانة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: يسمع الأقوالَ ويعلم العقائد غَيَّها ورُشْدَها، وباطلَها وحقَّها، ويجزي كلًّا على وَفق عمله وقوله وعقده، وهو أبلغ وعدٍ ووعيدٍ.
والعروةُ الوُثقى نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهو أصل الدِّين، وعُراه: شرائعُه، و(^٣) قال ﵇: "ينتقِضُ الإسلام (^٤) عروةً عروةً" (^٥)، وسُئل رسول اللَّه -ﷺ-: أيُّ عُرَى الإسلام أوثقُ؟ قال: "الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ" (^٦).
* * *
_________________
(١) "عنه" من (ر).
(٢) في (ف): "القطع بإبانة".
(٣) الواو من (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "الإيمان"، وانظر التعليق الآتي.
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٠٣٩) من حديث فيروز الديلمي بلفظ: "لينقضن الإسلام عروة عروة. . . "، و(٢٢١٦٠) من حديث أبي أمامة بلفظ: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة. . . ".
(٦) رواه الطيالسي في "مسنده" (٣٧٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩٥٠٩)، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
(٢٥٧) - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: حبيبُهم، وقيل: أي: ناصرُهم، وقيل: أي: هو الذي يتولَّى أمورهم.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي: يَقِيهِم من الضَّلالات، ويُبقيهِم في الهدى، سمَّى الضلالة ظُلمةً لأن الظُّلمةَ لا يُبصر فيها، وكذا الضلالةُ لا يُرى فيها الرشدُ (^١).
و﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ ليس على محضِ الاستقبال فإنه موجودٌ لكنْ للماضي أو الحالِ الدائم، فإنْ حُمِل هذا على مَن أَسلم بعد الكفرِ فهو حقيقةُ الإخراج، وإنْ حُمل على مَن نشأ مؤمِنًا فمعناه المنعُ، وهذا متعارَفٌ فيه مَجازًا (^٢)، يقال: أَخرج فلانٌ ابنَه من الميراث؛ أي: فعَل معه (^٣) ما لا يَرِثُ معه، وهو منعٌ.
وجُمع الظلماتُ لأن الكفرَ مِلَلٌ، ووحِّد النورُ لأن الإسلام دينٌ واحد.
وقيل: معناه: يخرجهم من الجهالات إلى العلم.
وقيل: من الشكوك إلى اليقين.
وقيل: من التفاريق إلى الجمع.
_________________
(١) في (ر): "رشد".
(٢) في (ف): "مجاز".
(٣) "معه" ليست في (أ).
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وقيل: من ظلماتِ ظنونهم أنهم (^١) يَصِلون إليه بأنفسهم أو بشيء من حركاتهم وسكناتهم، إلى نورِ اليقين أنهم لا يَصِلون إليه إلا به.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ هذه كلمةٌ تُذكَّر وتؤنَّث، وتوحَّدُ وتُجمع:
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] وهذا واحدٌ مذكَّر.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] وهذه مؤنَّثةٌ واحدةٌ.
وقال هاهنا: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ (^٢) وفي قراءة أبي بن كعب والحسن ﵄: (والذين كفروا أولياؤهم الطواغيت) (^٣).
وأصلُه واحدٌ، وتأنيثه لأنَّ حقيقته فَعَلوت، وتذكيرُه لشَبهه (^٤) بالفاعول، وجمعُه لأنه جنس، وهو كقول الشاعر:
فقلنا أَسْلِموا إنَّا أخوكم فقد بَرِئتْ من الإحَنِ الصُّدورُ (^٥)
والطاغوت هاهنا: الشياطينُ (^٦) والكهنةُ وقادةُ الشرِّ، وإنْ حُمل على الأصنام
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "لا" والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "لطائف الإشارات" (١/ ١٩٩).
(٢) في (أ): "أولياؤهم الطاغوت يخرجهم".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣).
(٤) في (أ): "لتشبيهه".
(٥) البيت للعباس بن مرداس كما في "مجاز القرآن" (١/ ٧٩)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٥٢)، و"المقتضب" (٢/ ١٧٤)، و"تفسير الطبري" (٤/ ٥٦٧).
(٦) في (ر): "هنا الشيطان".
[ ٣ / ٣٤١ ]
التي هي جماداتٌ، فمعنى قوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ لا يكون للمُوالاة الحقيقة (^١) التي هي المصادَقةُ أو تولِّي الأمر، لكن يكون على معنى أن الكفار يتولونهم، على معنى أنهم (^٢) يعتقدونهم ويتوجَّهون إليهم.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ إنْ حُمل على حقيقة الإخراج فعلى الذين كفروا بعد إيمانهم، وإخراجُ الطغاة يكون بدعوتهم وحملِهم على الخروج بالأسباب، وإخراجُ الأصنام إياهم يكون بطريقِ التَّسبيبِ كما قال تعالى ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]، وإنْ حُمل على الذين نشؤوا كفارًا فإخراجُهم منعُهم، وطريقُه ما قلنا.
وقيل في الفريقين جميعًا: قوله (^٣): ﴿النُّورِ﴾: نورُ يوم القيامة، و﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمةُ القبر والمحشر والجحيم، ويكون ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ على الاستقبال، وفي حقِّ الطغاة والشياطين والأصنام يكون تسبيبًا، وتقديم دعوة في الدنيا.
ودل (^٤) قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ على أن أفعال الخلق بمشيئة اللَّه تعالى (^٥) وإيجاده، وهو حجةٌ على المعتزلة، وليس لهم أن يعارضونا في المعاصي بقوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ أنه أُضيف إلى الطاغوت لا إلى اللَّه؛ لأنَّا بينَّا أنه إخبارٌ عن الدعوة والتسبيب دون الإيجاد والتحصيل.
_________________
(١) في (ف): "الحقيقية".
(٢) في (ف): "أي" بدل: "على معنى أنهم".
(٣) "قوله" سقط من (أ).
(٤) في (ر): "ودل عليه"، وفي (ف): "دل عليه".
(٥) في (ف): "بمشيئته جل وعلا".
[ ٣ / ٣٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: قد مرَّ تفسيره مراتٍ.
* * *
(٢٥٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: انتظامُ هذه الآيات والآياتِ التي بعدها بما قبلها: أن اللَّه تعالى قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يتولَّاهم في الدنيا بحُججه وبراهينه على أعدائهم كما فعل بإبراهيم حين حاجَّه الكافر حتى بُهت، ويتولَّاهم بالتبصير عِيانًا حتى يزيل عنهم وساوسَ الطاغوت -هو الشيطان (^١) - كما فَعل بالذي مرَّ على قرية وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وكما فعل بإبراهيم لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فبصَّره حتى اطمأنَّ قلبه.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي﴾؛ أي: ألمْ تَنتهِ رؤيتُك إلى الذي؛ أي: علمُك الذي يُضاهي العِيان في الإيقان، وحقيقتُه: اعْلَمْ بإخبارنا فإنه مفيدٌ لليقين (^٢).
وقوله ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: جادَلَ وقابَل بالحجَّة.
وقوله: ﴿فِي رَبِّهِ﴾؛ أي: في معارضة (^٣) ربوبيةِ ربِّه، والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ يجوز أن تَرجع إلى إبراهيم، ويجوز أن ترجع إلى الذي حاجَّ، واللَّهُ ربُّهما وربُّ الخلائق أجمعين.
_________________
(١) "هو الشيطان": من (أ).
(٢) في (ف): "مقيد للتعيين".
(٣) في (أ): "معارضته".
[ ٣ / ٣٤٣ ]
والذي حاجَّ: هو نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش (^١) بن سام بن نوح.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أي: لأنْ أعطاه اللَّه الملكَ، أو: بأنْ أعطاه اللَّه، والهاء ترجع إلى ﴿الَّذِي حَاجَّ﴾؛ أي: أعطاه كثرةَ المال، واتساعَ الحال، وملكَ جميع الدنيا على الكمال.
قال مجاهد: لم يملك الدنيا بأسرها إلا أربعةٌ: مسلمان وكافران، فالمسلمان سليمان وذو القرنين، والكافران نمروذ وشداد بن عاد (^٢).
وقال حذيفةُ: الهاء ترجع إلى إبراهيم (^٣)؛ لأن المُلك هو نفاذُ الأمر والنهي، وكان ذلك لإبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ومعناه على هذا: جادل نمروذُ (^٤) لعنه اللَّه إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه حين دعاه إلى الانقياد للَّه والتصديقِ لرسوله، وقال: مَن ألزَمني ذلك؟ فقال إبراهيم: ربِّي الذي يُحيي ويميتُ، فهو المالكُ لك ولجميعِ خلقِه.
وعلى الأول: أي: حاجَّه بأنْ آتاه اللَّه الملكَ، فطغى لذلك، وأُعجب بنفسه، وأَنِف مِن أنْ ينقادَ إلى إبراهيم، وتعدَّى إلى ذلك إلى أن ادَّعى الربوبيةَ لنفسه.
_________________
(١) في (ر): "نمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن كوش بن سام".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٩١٦)، والطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٧١)، وفيهما: أن الكافرين هما بخت نصر ونمروذ.
(٣) انظر: "النكت والعيون" (١/ ٣٢٩) لكنه عزاه لأبي حذيفة. وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي، من رجال "التهذيب".
(٤) في (أ) و(ف): "نمرود". وكذا في جمجع المواضع الآتية في تفسير هذه الآية، والمثبت من (ر)، وكلاهما صواب.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وقصتُه: ما قال زيد بن أسلم: إن أول جبَّار كان (^١) في الأرض كان نمروذ (^٢)، وكان الناس يمتارون من عندِه الطعام، فخرج إبراهيم يمتار مع مَن يمتار، فإذا مرَّ به ناس قال: مَن ربُّكم؟ قالوا: أنت، حتى مر به إبراهيم، قال: مَن ربُّك؟ قال: الذي يُحيي ويميت (^٣).
فذلك قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: يحيي الأموات ويميت الأحياء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: أي: قال نمروذ لَعَائنُ اللَّه عليه: وأنا أفعل أيضًا كذلك، ودعا برجلين قد حبَسهما فقتل أحدهما وأطلق الآخر، وقال: قد أحييتُ هذا وأَمَتُّ هذا، وكان هذا تلبيسًا منه، وكان يتيسَّر على إبراهيم ﵇ أن يقول له: ليس هذا بإحياءٍ ولا إماتةٍ، لكن كان هذا بين (^٤) ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم أن يفضحَه فضيحةً ظاهرةً لا تخفَى على أحد، فجاء بما لا (^٥) يمكِّنُه المعارضةَ بالتلبيس.
وذلك (^٦) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فانقطع حتى لا يمكِنُه أن يقول شيئًا، فذلك (^٧) قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر﴾.
_________________
(١) "كان": من (أ).
(٢) في (أ) و(ف): "نمرود".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٧٣).
(٤) في (أ) و(ف): "عند".
(٥) في (أ): "لم".
(٦) "ذلك": من (أ).
(٧) في (ر) و(ف): "وذلك".
[ ٣ / ٣٤٥ ]
يقال: بَهَته؛ أي: حيَّره، والبُهتان على إنسان: هو الكذب الذي يحيِّره؛ أي: انقطع في هذا الإلزام الظاهر.
وقيل: كان انقطاعه في الإلزامَين جميعًا: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل.
ثم هذا ليس بانتقالٍ (^١) من حجةٍ إلى حجةٍ أخرى في المناظرة؛ لأن إبراهيم ﵇ ادَّعى انفرادَ اللَّه تعالى بالربوبية، واحتجَّ لذلك بكمالِ القدرة، ودلَّ عليه بالإحياء والإماتة، فلما أراد نمروذ التلبيس أظهر كمالَ القدرة بحديث الشمس، والدليلُ واحدٌ والصورتان مختلفتان؛ و(^٢) لأن الحجة الأولى كانت تامةً (^٣) فإن نمروذ لعنه اللَّه لم يعارضها بما يُوهم شبهةً ألبتة، والانتقالُ إنما يكون عند العجز عن إثبات الحجة الأولى، ولم يكن كذلك.
فإن قالوا: هلَّا قال نمروذ لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب؟
قلنا: لأنه علم أنه لو سأل ذلك فَعَل اللَّه تعالى ذلك -فهو قادر عليه- وافتَضحَ نمروذ.
قال الحسن: قال اللَّه تعالى: وعزَّتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقًا لقول خليلي (^٤).
_________________
(١) في (ف): "ليس بإشكال في نقله".
(٢) الواو ليست في (ف).
(٣) في (ف): "عامة"، وفي (ر): "قاتمة".
(٤) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٩) فقال: ورُوِيَ في الخبر أنَّ اللَّه تعالى قال: وعزَّتي وجلالي لا تقومُ الساعةُ حتى آتِي بالشَّمس من المغربِ ليُعلَمَ أَنِّي أنا القادرُ على ذلك.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا يُرشد إلى الحجةِ المبطِلين في الدعاوَى.
قال زيد بن أسلم: لمَّا بُهت نمروذ رَدَّ إبراهيمَ بغيرِ طعامٍ، فمر إبراهيم على كثيبٍ فملأ منه (^١) الغرائر وقال: آتي به أهلي فتطيبُ أنفسهم حين أَدخل عليهم، فلمَّا أتاهم وحطَّ الأحمال ونام قامت المرأة إليها ففتحتها فإذا هي كأجودِ (^٢) طعام، فصنعت منه طعامًا وقرَّبته إليه حين انتبه، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئتَ به، فعرف أن اللَّه تعالى رزَقَه فحَمِد اللَّه تعالى (^٣).
وقال قتادةُ: فلمَّا بُهت الذي كفَر جمعَ جموعَه، فأمر اللَّهُ تعالى ملكًا ففتح بابًا من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرةِ البعوض، فسلَّطها اللَّه تعالى عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلمْ يبق إلا العظام، ونمروذ كما هو لم يصبه شيءٌ، فبعث اللَّه تعالى بعوضةً فدخلت في منخره، فمكث أربعَ مئة سنةٍ يُضرَبُ رأسه بالمطارق، فعذَّبه اللَّه تعالى أربعَ مئة سنة كما ملك أربعَ مئة سنة، وهو الذي بنى صرحًا إلى السماء ببابل قال تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٢٦] (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "به".
(٢) في (أ): "هو كأجود" وفي (ر): "هي أجود".
(٣) قطعة من خبر زيد بن أسلم رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٨)، والطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٧٢). وورد بنحوه ضمن خبر ابن زيد الذي رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، وقد تقدمت قطعة منه قريبًا.
(٤) قطعة من خبر زيد بن أسلم عند عبد الرزاق والطبري. انظر التعليق السابق. ولم أجده عن قتادة.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
قال (^١) الشيخ الإمام الزاهد نجمُ الدين قال: أخبرنا الشيخ الفقيهُ الوالدُ أبو بكرٍ محمد بن أحمدَ بنِ إسماعيل قال: حدثنا الفقيه الحافظ أبو نصرٍ أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن إسحاق التَّرِكاتيُّ (^٢) البخاريُّ في شوال سنة أربعٍ وأربعِ مئة، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن هارون، قال: حدثنا أبو عبد اللَّه محمدُ بن موسى بن داود، قال: حدثنا عبدُ اللَّه بن عبد الوهاب الأحنفيُّ، قال: حدثنا عثمان بن سعيد البغداديُّ أبو عمرو، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبي مخنَفٍ (^٣)، عن باذان (^٤) مولى أمِّ هانئ، عن أبي نصير هو (^٥) دهقان القُلزم -وكان أسلم مع عمر بن الخطاب، أو على عهدِ عمرَ ﵁- قال:
_________________
(١) من هنا وقع سقط في (ر) و(ف)، وسنبين نهايته في موضعه.
(٢) في (أ): "البركاتي"، والصواب المثبت، والتركاتي: بفتح التاء وكسر الراء المهملة والتاء، ونسب أبو القاسم المذكور إليها لأنه كان على التركات من جهة ديوان السلطان على ما قيل. انظر: "الأنساب" للسمعاني (١/ ٤٥٨).
(٣) في (أ): "هشام بن محمد بن أبي مخنف"، والصواب المثبت، وهشام بن محمد هو ابن السائب الكلبي، وهو متروك، يروي عن أبي مخنف واسمه لوط بن يحيى الأخباري وهو أيضًا سَاقِط، تَركه أبو حَاتِم وقال الدَّارَقُطْني: ضعيف، وقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به. انظر: "الميزان" (١/ ٤٥٨).
(٤) في (أ): "زادان"، والصواب المثبت، ويقال له أيضًا: باذام، بالميم، قال في "التقريب": ضعيف يرسل.
(٥) الاسم غير واضح في (أ)، وقد يقرأ كالمثبت، والخبر رواه النقاش في "فنون العجائب" (ص: ١٣٢) من طريق هشام بن محمد، عن حفص بن عمر بن النعمان المحاربي، حدثنا أبي، عن جدي: سمعت جبل بن دهقان. . .، ومن هذا الطريق رواه ابن الجوزي في "المنتظم" (١/ ١٦٧) لكن فيه: سمعت حميدًا دهقان الفلوجة السفلى. وعلى كل حال فمحمد بن السائب متروك، والدهقان المذكور ليس قوله بحجة، والخبر لا يعدو عن كونه من قصص الخرافات، واللَّه سبحانه أعلم.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
أعطى اللَّه ملك بابل يعني نمرود ما لم يُعْطَ أحد من الملوك، فكان فيما أعطاه اللَّه أن كان له سَبْعُ مدائن وكان له في كل مدينةٍ أعجوبة:
فكان على بابِ المدينة الأولى وزَّةٌ من نحاس، فكان إذا دخل من بابِ المدينة غريبٌ صاحت تلك الوزة صيحةً سمع جميعُ مَن في المدينة، فيُعلم أنه دخل من باب المدينة غريبٌ، فيقال له: مِن أين جئتَ، وإلى أين تذهبُ؟
وكان له في المدينة الثانية طبل، فكان لا يَضلُّ لأحد ضالةٌ أو سُرق له سرقةٌ إلا جاء إلى ذلك الطبل فنقره، فيقال له من جوف الطبل: مكان سرقتِك ضالَّتِك موضعَ كذا وكذا فاذهب فخذها.
وكان له في المدينة الثالثة مرآةٌ كان لا يغيب خَلْق من أهل بابل إلى شيء من البلاد فينقطعُ خبره عن أهله فيشتاقون إليه إلا جاؤوا تلك المرآةَ يومًا معلومًا من أيام السنة وأيامِ الشهر، فينظرون في تلك المرآة في ذلك اليوم فيرون غائبَهم على الحال التي هو فيها في ذلك اليوم وفي تلك البلاد.
وكان له في المدينة الرابعة حوضٌ، فكان يجلس في كلِّ سنة يومًا لأهل مملكته فيهيِّئ لهم الطعام والغوالي، فيأمرهم أن يحملوا بالأشربة من منازلهم، فيُجاء بالأشربة فتُصبُّ جمعًا في ذلك الحوض، ثم يجلس الملك فيأمر بالطعام فيَطعمون، ثم يأمر بالوضوء فيوضؤون، ثم يأمر بالغوالي فيعلون، ثم يأمر السُّقاة فيغترفون في ذلك الحوض، فيَسقون كلَّ واحدٍ منهم شرابَه الذي جاء به، فمَن جاء بخمر شرب خمرًا، ومَن جاء بماء شرب ماءً، ومن جاء بحلوٍ شرب حلوًا، ومن جاء بحامضٍ شرب حامضًا، ومن جاء بغيرِ ذلك شربَ الشراب الذي جاء به.
وكان له في المدينة الخامسة بحيرةٌ فيها قاضيان، فكان يجيءُ المحِقُّ والمبطِلُ
[ ٣ / ٣٤٩ ]
الماءَ حتى يقوما بين يدي القاضي، فيومئُ أحدهما إلى المبطِل أنْ أخرج إلى صاحبك من حقِّك، ويومئُ الآخر إلى المحقِّ أن استقصرِ حكمَك، فلا يزال المبطِلُ ينغمس في الماء والمحقُّ يرتفع حتى يتساويا في الحقِّ، ويُخرج المبطِلُ إلى المحِقِّ من حقِّه، فيمشيان على الماء.
وكان له في المدينة السادسة غديرٌ من ماء، وكان له صورةُ جميع البلاد التي في مملكته، فكان إذا تغيَّظ على بعضهم، أو امتَنع عليه من أهل الكورة أو البلدان التي في مملكته أحدٌ، فتح من ذلك الغدير إلى تلك الصورة فغرقت تلك البلادُ في تلك السَّنة حيث كانت.
وكان في المدينة السابعة شجرةٌ تُظلُّ بساقها، وكانت على بابِ دار ملكه، فكان إن قعد تحتها فارسٌ أظلَّته، وإن كان قعد تحتها فارسٌ إلى ألفِ فارس أظلَّتهم، وإن قعد تحتها ألفُ فارسٍ وفارسٍ قعدوا كلهم في الشمس.
وكان بيته الذي يجلس فيه أهلُ مملكته ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا في سُمك ثمانين ذراعًا، فكان مفروشًا بلَبِن الذهب، وكان سقفُه بالفضة، وكان له ثماني مئة قنديل، فكانت وظيفة ثماني مئة أوقيَّة من زيتون تُسرَج به تلك القناديل، فكان سريره أربعين ذراعًا في طول ثمانين ذراعًا، وكان من ذهب، وكانت قوائمه من جوهر، وكان محلًّى بالديباج والحرير، وكان له أربعون مغلاقًا، وكان لا يدخل مدينتَه التي فيها بيت الملك شيءٌ من الهوامِّ ولا البقِّ ولا ما يؤذي.
فكان هذا فيما أعطاه اللَّه، فحمله الأشَرُ والبطَر إلى الكفر باللَّه، وأراد أن يَصعد إلى السماء فينظرَ إلى إلهِ إبراهيم ﵇، فأخذ النُّسور والتابوت وجلس فيه، وعلَّق اللحم على أربعِ جوانب التابوت، وأجاع النسور وشدَّ أرجلَهم بقوائم
[ ٣ / ٣٥٠ ]
التابوت، ورام صعودًا إلى السماء، فلمَّا أن صار في الهواء ولم يَصل إلى السماء وطال عليه الأمرُ وعلم أنه لا يقدِر على ذلك رجع بالتابوت إلى الأرض.
ثم دعاه كفره إلى أن قال: أذهبُ وأطلبُ إلهَ إبراهيم في البحر فإنَّ ملكه في البحر، فلما أن ركب السفينة ومَن معه وتوسَّط البحرَ، فاضطربت به الأمواج وعصفت عليه الريح، الْتَفتَ إلى أصحابه فقال: أمَا تَرَون إلى إله إبراهيم يأخُذ ما في سلطانه، ولو برز لنا في سلطاننا لعَلِم أنه لا يَنتصِف منا، قال: فركَدتِ الريح وسكَنت الأمواج وهاله ما رأى منها، فانصرف يريد مملكته، فلما جاءوا إلى الجد وقرِّبت دابته ليركبها، أرسل اللَّه بعوضًا فطنَّ (^١) على أذنه فآذاه، فأجهد نفسَه بيديه وكُميه فلم يقدر على دفعه عنها، فرأى ذلك مَن كان معه، فأقبلوا بأيديهم وثيابهم لدفع ذلك البعوض عن أذنيه فلم يقدروا على ذلك من أذنيه، فأقبلت تطير وتؤذيه ويَجهدون بأنفسهم في دفعها فلا يقدرون على ذلك، حتى دخلت في أذنه واستقرت في دماغه، فلما أن صار إلى دار ملكه وسلَّطها اللَّه على دماغه، وأقبلت تأكله وتمصُّه، فكان أعظمُ أهله عليه منّةً وآثَرُه منزلةً إذا دخل عليه أخذ مِرْزبَةً فضرب بها رأسه، وكان قد أَعدَّ لذلك عدَّة مِرزبَات، فلم يَزَل كذلك حتى حان أجلُه، فدنا إلى عتبة باب بيته فلم يَزل يضربُ رأسه على العتبة حتى مات، فشُق رأسه فأُخرجت من صماخه وقد صارت كالناهض (^٢)، فطارت بين أيديهم فلم يملكوا لها نقصًا.
قال نجم الدين: وحدثني هذا الحديث جماعةٌ؛ منهم: الشيخُ القاضي الإمامُ أبو المظفَّر طاهرُ بن الحسين المتربفغني، والشيخ الإمام محمد بن نصر الوتار، والصالحي، والشيخ الإمام أبو الفريع مسعود بن محمد المكفولي، والدِّهقان العالم
_________________
(١) في هامش (أ): "أي: صاح".
(٢) الناهض: فرخ الطائر الذي وفر جناحه وتهيأ للطيران. انظر: "القاموس" (مادة: نهض).
[ ٣ / ٣٥١ ]
عمر بن محمد التناوري، والشيخ الحَجَاج الحسين بن عطاء الفامي، قالوا: حدثنا الشيخ الحافظ أبو نصر أحمد بن جعفر. . إلى آخره (^١).
* * *
(٢٥٩) - ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قد بينَّا عند قوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ إلى أن قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ عطف عليه وإنْ بَعُدَ؛ لأن القرآن كلَّه كتابٌ واحد متصلٌ (^٢) بعضُه ببعضٍ معنًى (^٣).
وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هذا عطف على الذي قبله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من حيث المعنى، وتقديره: أرأيت كالذي حاج إبر اهيم أو كالذي مر على قرية، فإنَّ قولك: ألم تر إلى فلان وصنيعِه، و: هل رأيت كفُلانٍ وصنيعِه، سواءٌ (^٤). واتصالُ هذه القصة بما قبلها لِمَا قلنا (^٥).
_________________
(١) من قوله "الآية قال الشيخ الإمام الزاهد نجم الدين"، إلى هنا من (أ).
(٢) في (أ) و(ف): "فيتصل".
(٣) "معنى": من (ف).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٧٠).
(٥) في (ف): "بما قلنا"، وسقطت العبارة من (أ).
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وقوله: ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ اختلفتِ الرواياتُ في هذا (^١) المارِّ وهذه القرية:
قال مجاهدٌ: هو رجلٌ من بني إسرائيل (^٢).
وقال وهبٌ: هو إرْمِيَاءُ بن حَلقيا النبيُّ ﵇ (^٣).
وقيل: هو الخضرُ ﵇ (^٤).
وأكثرُهم على أن المارَّ عُزيرُ (^٥) بن شَرْخِيا، والقريةَ (^٦) إيلياءُ التي فيها بيتُ المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خربها، وقتل أكثر أهلها، وسبَى بقيَّتهم، وجاء بهم إلى بابل وفيهم عزيرٌ ﵇.
وابن عباس ومقاتل يقولان: كان عزيرٌ من علماء بني إسرائيل (^٧).
وقال الأكثر: كان نبيًّا، وإنَّ عزيرًا ارتحل يومًا من قريةٍ تدعى سابراباذ (^٨)
_________________
(١) في (أ): "في ظاهر".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٠٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٨٠).
(٤) نسبه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٧٩) لابن إسحاق، وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٣٤٧): وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسمًا وافق اسمًا؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه.
(٥) في (ف): "العزيز".
(٦) في (ف): "فالقرية".
(٧) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢١٦). ورواه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٧٨١).
(٨) في (أ): "من قرية تدعى شايراباذ"، وفي (ر): "من قرية سايرا" وفي (ف): "من قرية شابرا". وفي "تفسير مقاتل" (١/ ٢١٦): (فمر على قرية تدعى سابور عَلَى شاطئ دجلة بين واسط والمدائن)، =
[ ٣ / ٣٥٣ ]
على حمارٍ فنزل ديرَ هِرقلَ على شاطئ (^١) دجلة، وذلك بعد عيسى ابنِ مريم ﵇، هذا قول مقاتل (^٢)، وقال ابنُ عباس وجماعةٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: هي بيتُ المقدس (^٣)، فربط حماره في ظلِّ شجرةٍ ثم طاف في القرية فلم يَرَ فيها ساكنًا، وعامةُ شجرها حاملٌ، فأصاب من الفاكهة والتينِ والعنب ثم رجع إلى حماره فجلس وأكل من الفاكهة والتين والعنب، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلةٍ وفضلَ العصير في زقٍّ، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهو قوله تعالى:
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: لم يشكَّ في البعث ولكنه أحبَّ أن يَرى كيف يحيي اللَّه الموتى (^٤) ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ وأمات حماره ضحًى والفاكهةُ والعصيرُ عنده ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ اللَّه آخِرَ (^٥) النهار بعد مئة عام، فسمع الصوت من السماء:
_________________
(١) = وفي "تفسير الثعلبي" (٧/ ١٥١) (طبعة دار التفسير) عن الكلبي: (هي دير سايرأباذ)، وفي "تفسير البغوي" عن الكلبي أيضًا: (هي دير سابرأباذ)، ومنه أثبتنا لفظها، وهو موافق لما في "مختصر تاريخ دمشق" (١٧/ ٣٩) لابن منظور، ومتفق مع ما جاء عند مقاتل، فقد قال في "معجم البلدان" (٣/ ١٦٧): سابُراباذ، كأنه مخفف من سابور مضاف إلى أباذ على عادتهم. قلت: فما عداها تصحيف نساخ واللَّه أعلم. لكن ثمة ملاحظة: أن المؤلف ذكر أنها القرية التي خرج منها، بينما عند الآخرين جميعا أنها التي مر عليها وجرت فيها القصة.
(٢) في (أ): "شط".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢١٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٣) عن وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة والربيع.
(٥) بعدها في (ر): "قوله تعالى".
(٦) في (أ): "من آخر" بدل: "اللَّه آخر".
[ ٣ / ٣٥٤ ]
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: فوجد التين والعنب والعصير كهيئتها لم تتغيَّر، ونظر إلى الحمار فإذا هو عظام بالية، بيضٌ بادية، هذا قولُ ابن عباس ومقاتل (^١)، فسمع صوتًا من السماء: أيَّتُها العظام البالية، إن اللَّه تعالى ألقى عليكِ روحًا فتَحْيَينَ بإذن اللَّه، فرأى العظامَ تحرَّكت ومشى بعضها إلى بعضٍ، الوركان إلى مكانهما، والساقان إلى مكانهما، وكذلك سائرُ الأعضاء، ثم جاء الرأس فلزم مكانه من العُنق، ثم رأى العصب والعروقَ أُلقيت عليه (^٢)، ثم وُضع عليه اللحم، ثم بُسط عليه الجلد، ثم نبت عليه الشعرُ، ثم نُفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزيرٌ ساجدًا وقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقال الحسن: أراه ذلك في عظامِ نَفْسه، أول ما خلَق منه العينين، ثم رأى انضمامَ عظام نفسه. . (^٣) إلى آخر ما قلنا، وكان حمارُه على حاله صافيًا مئة عام (^٤) لم يَعتلِف ولم يشرب ولم يتغير كطعامه وشرابه (^٥).
وقوله: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعته، وكانت القريةُ إيلياءَ بلدةَ بيتِ المقدس على ما قلنا، أو ديرَ هِرَقلَ.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢١٧)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٠٤) عن ابن عباس بلفظ. (لم يتغير).
(٢) في (ر): "التفت إليه".
(٣) "أول ما خلق منه العينين ثم رأى انضمام عظام نفسه" من (أ)، ووقع بدلًا منه في (ر) و(ف): "أماته اللَّه مائة عام".
(٤) "مئة عام": من (أ)، و"صافيا": من (أ) و(ر).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٣) عن وهب بن منبه وقتادة والضحاك والربيع. ووقع بعدها في (ر) و(ف): "وأول ما خلق منه العينين ثم رأى انضمام عظام نفسه".
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وقوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: ساقطةٌ على سقوفها، خوَى؛ أي: سقط،
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ والعَرْش: السَّقف، من قولك: عَرَشه؛ أي: رفَعه، يَعرُشه ويَعرِشه بالضم والكسر في المستقبل، ومعنى سقوطِها على سقوفها: أن السقف وقع أولًا ثم انهدمت الحيطان (^١) عليه.
وقيل: ﴿خَاوِيَةٌ﴾؛ أي: خاليةٌ، قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] وخواءُ البطن: خلاؤه عن الطعام، ثم قولُه: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ليس بتمامٍ لقوله: ﴿خَاوِيَةٌ﴾، بل هي صفةٌ أخرى، والأول تامٌّ بنفسه (^٢)، ومعنى الخاوية: الخالية عن الأهل، ومعنى قوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: على أبنيتها، والعَرش: البناء، والعروش: الأبنية، وقد عَرَش يَعرُش؛ أي: بنى؛ أي (^٣): حالَ قيامِ أبنيتها، يعني: كانت محكمةَ البنيان لم تسقط بعد هلاك السكان ومرورِ الزمان.
وقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: كيف يُحيي (^٤)؟
وقوله: ﴿هَذِهِ﴾ إن كانت إشارةً إلى القرية فالمراد أهلها، وإن كان نظرًا (^٥) إلى العظام فالإشارةُ إليها، وقد بينَّا أنه لم يكن شكًّا بل كان طلبًا للعِيان لتقويةِ الإيقان.
_________________
(١) في (أ): "الحوائط".
(٢) فيكون تقدير الكلام على هذا: وهي خاليةٌ من أهلها مستقرةٌ على عروشها، والمقدر خبر بعد خبر، وهو مراد المؤلف بقوله: "صفة أخرى". انظر: "البحر المحيط" (٤/ ٥٠٤)، و"روح المعاني" (٣/ ٤٢٠). لكن اعترض السمين الحلبي على هذا بقوله: وهو حذف من غير دليل، ولا يتبادر إليه الذهن. انظر: "الدر المصون" (٢/ ٥٥٩).
(٣) "أي": سقطت من (أ)، ووقع قبلها في (ر) و(ف) كلمة: "على"، والصواب المثبت.
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "هذه اللَّه".
(٥) في (ر) و(ف): "نظرًا".
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ أي: توفَّاه وأبقاه كذلك مئة سنة ثم أحياه، وبعضهم حملَه على الإنامة ثم الإيقاظِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] تحرُّزًا عن القول بالزيادة على حياتين وموتين، لكن الظاهر هو الأول، فكان هذا إماتةَ (^١) عبرةٍ لا انقضاءَ مدةٍ، كإماتة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ونحوِ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ قيل: قال ذلك نبيٌّ كان حينئذ، وقيل: كان ملك (^٢)، وقد روِّينا أنه ناداه مناد من السماء.
وقيل: حدَّثته نفسُه بذلك، وأجاب بخاطره في نفسه (^٣): كم لبثتَ؛ أي (^٤): كم مكثت هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾؛ لأنه نام (^٥) ضحًى وأُحْيِيَ وقد أمسى، ثم تفكَّر أنه لم يُتمَّ (^٦) النهار فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، ودلَّ ذلك على أن القول بغلبةِ الظنِّ عند فَوْتِ اليقين جائزٌ، وكذا قال أصحاب الكهف: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لِمَا قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ﴾ وإثباتٌ لِمَا بعده وهو ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾.
_________________
(١) في (ف): "وكان هذا الإماتة" وفي (ر): "وكانت هذه الإماتة".
(٢) في (ر) و(ف): "وقيل قال مالك"، والمثبت من (أ)، ولعل الصواب: (ملكًا).
(٣) بعدها في (ر): "أي".
(٤) "أي" ليست في (أ).
(٥) في (أ) و(ف): "جاء".
(٦) في (ر): "ينم".
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ الطعامُ هو التين، وقيل: التين والعنب، وقيل: الفاكهةُ التي حملها أيَّ شيءٍ كان. والشرابُ هو العصير.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ أهل المدينة وعاصمٌ وابن كثير بإثبات الهاء في الوصل والقطع، وقرأ أبو عمرو: ﴿لم يَتَسنَّ﴾ بغير هاء، والكسائيُّ يحذفها في الوصل ويُثبتها في الوقف (^١).
ولإثبات الهاء وجهان:
أحدهما: أنها أصلية (^٢)، ومعناه: لم يتغير، من قولك: تَسَنَّهَ يَتسَنَّهُ تَسَنُّهًا؛ أي: تغيَّر بمرِّ السنين، وأصلُ السَّنةِ: سَنهة، ولذلك يقالط في التصغير: سُنَيهة.
والثاني: أن أصله: لم يَتَسنَّ، والهاء للاستراحة كما في قوله: ﴿اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] و﴿مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، وأما الحذف فلهذا، ثم قولُه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يفسَّر على وجهين:
أحدهما: أنه بمعنى: لم يتغيَّر بمضيِّ السنين، والسَّنةُ لا هاء فيها، وأصلها: سَنوةٌ، وكذا الهاء في الجمع، فيقال: سِنونَ، في الرفع، و: سِنينَ، في النصب والخفض، وأصله: لم يَتَسَنَّى (^٣)، وصَرْفُه: تَسَنَّى يَتسنَّى، وسقطت الياء للجزم بـ (لم).
والثاني: أن قولهم: تَسنَّى يَتَسنَّى أصله: تَسنَّنَ يَتَسنَّنُ، قُلبت إحدى النونات
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٨٨ - ١٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، وفيهما: حمزة والكسائيّ بحذف الهاء في الوصل خاصَّة، وباقي السبعة بإثباتها في الحالين. وهو يخالف ما ذكره المؤلف في أمرين: الأول: ما نسبه لأبي عمرو من القراءة بغير هاء، والثاني: عدم ذكر حمزة مع الكسائي في حذف الهاء في الوصل.
(٢) في (ف): "أنها للوصلته"، وفي (ر): "أنه لوصلته".
(٣) قوله: "يتسنى" كذا في النسخ، والصواب: (يتسن) بحذف الألف للجزم.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
الثلاثِ ياءً للتخفيف، كما في قولهم: تَظَنَّى، وأصله: تَظَنَّنَ، وتَمَطَّى وأصله: تمطَّطَ، ومعناه: تغيَّر، أيضًا، وقد سَنَّنه؛ أي: غيَّره، فتَسنَّنَ؛ أي: تغيَّر، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]؛ أي: متغيِّر (^١).
ثم ذكر الطعامَ والشراب وهما اثنان، وقال: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وهو (^٢) فعلُ الواحد؛ لأنَّه صرَفه إلى ما يليه، وإذا ثبتتِ الأعجوبة فيه، ثبتَتْ في الأول الذي هو ثانيه؛ لأنَّه أيضًا (^٣) يُضاهيه.
وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ أي: ميتًا، وذلك في روايةِ ابن عباس ﵄، فإنَّا نُحْييه لترى كيف نُحيي الموتى، وقد روِّينا عن الحسن أنه قال: كان قائمًا على حاله (^٤)، وذاك عجيبٌ (^٥) أيضًا ناقض للعادة، وهو بقاؤه مئةَ سنة من غيرِ عَلَفٍ وماءٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ الواو للعطف، فيجوز أن يكون معطوفًا على فعلٍ آخرَ مضمَرٍ، وهو ما قلنا: لترى كيف نحيي الموتى ولنجعلك (^٦) علامةً للناس، وذلك ما تبيَّن بعد تمام الآية من تمام القصة، وهو شبابُه وشَيبُ أولاده في حياته، وقراءةُ التوراة ونشرُها فيهم بعد خفائها وذهابِ أهلها.
وقيل: الإضمارُ بعده، وتقديره: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك.
_________________
(١) في (أ): "مغير"، وفي (ف): "تغير".
(٢) في (ف): "وهذا".
(٣) "أيضًا": من (أ).
(٤) تقدم قريبًا.
(٥) في (ر): "عجب".
(٦) في (ر): "ولنجعلك آية للناس أي".
[ ٣ / ٣٥٩ ]
وقيل: الواو زائدة.
وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ وهي عظامُ نفسِه، أو عظام حماره، على حسَب ما اختُلف فيه.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ ننشرها﴾ (^١) قرأ الحسن بفتح النون وضمِّ الشين وبالراء من النَّشْر بعد الطَّيِّ (^٢)، وهو بمعنى الإحياء أيضًا، يقال: نَشَر اللَّهُ الميتَ وأنشره. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو (^٣) بضم النون وكسر الشين من الإنشار وهو الإحياء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقرأ الباقون: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي من الإنشاز (^٤)، وله معنيان:
أحدهما: نرفعُها، ونشوزُ المرأة: الترفُّع، والنَّشْزُ (^٥): المكان المرتفع، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] قيل فيه: ارتفِعوا.
والثاني: نحرِّكها، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قيل: تحركوا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: أي: نُلبِس العظامَ لحمًا، وهو مجاز عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام؛ لأن العظام متفرِّقةٌ متعدِّدةٌ صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحد مشاهدةً (^٦).
_________________
(١) في (أ): " ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ " وهما قراءتان سبعيتان كما سيأتي.
(٢) ونسبت أيضًا لابن عباس وأبي حيوة وأبان عن عاصم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٣٥٠)، و"البحر" (٤/ ٥١٠).
(٣) وكذا نافع. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢).
(٥) في (ف): "الترفع والنشاز"، وفي (ر): "رفعها والنشاز".
(٦) في (ر) و(ف): "مشاهد".
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: أي: فلما ظهر له إحياء الميت عيانًا ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿اعْلَمُ﴾ على الأمر؛ أي: قيل له: اعلَمْ، وقرأ الباقون: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الإخبار (^١)؛ أي: قال هو: أعلمُ أن اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ من إحياء الموتى وغيرِه.
وفي القصة تنبيهٌ على أن الداعي إذا راعَى آداب الدعاء أُجيب سريعًا من غير مشقَّةٍ تَلْحَقُه، وإذا تَرك الأدب لحقَتْه المشقَّةُ وأبطأتِ الإجابةُ، فإن إبراهيم ﵇ لمَّا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وبدأ (^٢) بالثناء ثم سأَل إحياء الموتى، أَراه اللَّه ذلك في غيره، فإنه أَراه في طيره، وعجَّل له ذلك على فَوْره، وعُزيرٌ قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأُري ذلك في نفسه بعد مئة عام مضت على موته (^٣).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢).
(٢) في (ر) و(ف): "بدأ".
(٣) كذا قال المؤلف ما قال في شأن الدعاء، وفيه نظر، فكم من دعاء قد استكمل الشروط وراعى الآداب ومع ذلك تأخرت عنه الإجابة، لأن ذلك راجع لحكمة اللَّه وعلمه بمصالح عباده، قال ابن الجوزي كما في "الفتح" (١١/ ١٤١): إن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا. والشارع نفسه قد بين في الحديث الصحيح أن الإجابة قد تكون في الدنيا، وقد يصرف بها عن الداعي من السوء مثلها، وقد تدخر ليوم القيامة، فقال: إما على الأرض مُسْلِمٌ يدعو اللَّه بدعوةٍ إلَّا آتاه اللَّهُ إيَّاها، أو صَرَفَ عنه مِن السُّوءِ مِثْلَها، ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أو قَطِيعةِ رَحِمٍ"، رواه الترمذي (٣٥٧٣) من حديث عبادة بن الصامت وصححه. وفي "مسند أحمد" (١١١٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري رفعه: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، واما أن يصرف عنه من السوء مثلها" وإسناده جيد.
[ ٣ / ٣٦١ ]
وقال الضحَّاك: وعاد عزير إلى قريته شابًّا وإذا أولادُ أولادِه شيوخ وعجائز، فقال: أنا عزيرٌ، فلم يصدِّقوه، فقال: هاتوا التوراة، فلم يجدوها في القرية لأن بُختنصَّر أحرقها، فقال عزيرٌ: إن جدي وضعَ التوراة في جبِّ وخبَّاه في كرمٍ تحت جدارٍ (^١)، فأخرَجوها منه وجعلوا ينظرون فيها وهو يقرؤها ظاهرًا (^٢) لا يُسقط حرفًا، فمِن ثَمَّ (^٣) قالوا: عزيرٌ ابن اللَّه، ولم يقرأ التوراةَ أحدٌ منذ أُنزلت إلى هذا الوقت عن ظهر قلبه إلا عُزير.
وفي رواية الكلبي: أنه لمَّا أتاهم طلبوا منه أن يُمليَ عليهم التوراة، فتلاها (^٤) عليهم، ثم ذكر رجلٌ آخرُ أن جدَّه خبَّأ التوراة في كَرْمه، فطلبَها واستخرجها (^٥)، فعارضوها بما أَمْلى فما اختلفا (^٦) في حرف (^٧).
وقال وهبٌ: إن اللَّه تعالى قيَّضَ مَلِكًا من الملوك في تلك المئةِ سنةٍ حتى عمَّر تلك القريةَ الخربة وهي بيتُ المقدس، فبُعِث عزير من نومه (^٨) وهي عامرة.
* * *
_________________
(١) في (ر): "في كوم جدار"، وفي (ف): "في كرم جدار".
(٢) في (ف): "وجعلوا ينظرون إليها ظاهرًا وهو يقرؤها"، وفي هامشها كالمثبت.
(٣) في (أ): "ثمة".
(٤) في (أ) و(ف): "فأملاها".
(٥) في (ف): "واستخرجوها".
(٦) في (ف): "اختلف".
(٧) انظر ما روي عن الضحاك والكلبي وغيرهما في هذه القصة في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٤٩ - ٢٥١) و(٥/ ٣٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢١) و(٤/ ٣٧).
(٨) في (أ) و(ف): "موته".
[ ٣ / ٣٦٢ ]
(٢٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ذكرْنا انتظامَها بما قَبْلَها، و(إذ) ظرفٌ، ومعناه: واذكُرْ يا محمدُ حين قال إبراهيم الخليل: ربِّ؛ أي: ياربِّ، وقد يُحذف حرفُ النداء كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، وتُحذف ياءُ الإضافة في النداء أيضًا تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلى هذا قولهم: يا نَفْسِ، يا قومِ.
وقولُه تعالى: ﴿أَرِنِي﴾ سؤالٌ على صيغة الأمر من الإراءة وهي التبصُّر، وسببُ سؤاله ذلك فيه أقاويل:
قال محمد بن إسحاق: السبب الداعي إلى ذلك أنَّه لمَّا جرى بينه وبين نمروذ (^١) من المناظرة وقال نمروذ: أنا أُحيي الموتَى وأُميتُ، سأل ربَّه أن يُرِيَه ذلك ليَعلم نمروذ أن إحياء الموتى من اللَّه هو ردُّ الأرواح إلى الأجساد لا إطلاقُ المحبوس (^٢).
وقال السدِّيُّ ﵀: لمَّا جاءته البشرى (^٣) بالخُلَّةِ سأل ربَّه جلَّ وعلا دليلًا يستيقن به أنه اتَّخذه خليلًا (^٤).
ورُوي أن جبريل ﵊ قال لإبراهيم صلوات اللَّه عليه: إن اللَّه
_________________
(١) في (أ) و(ف): "نمرود"، وكذا في المواضع الآتية، والمثبت من (ر)، وكلاهما صواب.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٢٦)، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨٦).
(٣) في (أ): "البشارة".
(٤) رواه الطبري مطولًا في "تفسيره" (٤/ ٦٢٧).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
تعالى يتخذك خليلًا، قال: وما أمَارةُ ذلك؟ قال: أن يُحييَ الموتى بدعائك، فقال عند ذلك (^١): ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ على الخلة.
وقال ابن عباس ﵄: مرَّ إبراهيم ﵇ على دابةٍ ميتةٍ قد بَلِيَتْ واقتسَمها (^٢) السباعُ والرياح (^٣).
وفي حديث عطاءٍ الخُراسانيِّ: مرَّ ببحيرةِ طَبَرِيَّةَ وعلى شاطئها دابَّةٌ من دوابِّ البحر يأكلن من ناحيتها فيَثلطنَ في البحر (^٤) فيصير ماءً، وسباعُ البر يأكلنها فيَثلطن في البر فيصير ترابًا، وطير الهواء يأكلنها فيثلطن في الهواء فيقطعه الريح (^٥).
وفي حديث الحسن: مرَّ على جيفةٍ بساحل البحر، فإذا مَدَّ البحرُ جاءت الحيتانُ فملأت بطونها منها، وإذا (^٦) جزر البحرُ جاءت السباع فأكلت فملأت بطونها منها، فإذا ذهبت جاءت الطير فملأت حواصلَها (^٧)، فوقف متعجِّبًا.
قال ابن عباس ﵄: فسبَّح اللَّه وتفكَّر وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وهو مؤمنٌ بقدرةِ اللَّه تعالى، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ -وهو
_________________
(١) "عند ذلك" من (ر).
(٢) في (ر) و(ف): "وقسمتها".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٢٤ - ٦٢٥) عن قتادة والضحاك وابن جريج، وزاد عليهم الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢٥١) الحسن.
(٤) في (ف): "في الماء"، وفي (ر): "في الماء في البحر".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٥١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢٢).
(٦) في (أ): "منه فإذا"، وفي (ف): "منها فإذا".
(٧) في (أ): "حواصلهن".
[ ٣ / ٣٦٤ ]
اسمُ جنسٍ (^١) - فشقِّقْهنَّ بريشهنَّ ولحومِهن ومزِّقهنّ تمزيقًا ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾: بدِّدْهنَّ على كلِّ جبلٍ وخالِفْ بين قوائمِهنَّ وأرجلهنَّ (^٢) وأجنحتهنَّ ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قُل: تعالَيْنَ بإذنِ اللَّه تعالى ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (^٣).
وقال قتادةُ: أُمر أن يَخلط بين دمائهنَّ ولحومهنَّ وريشهنَّ، ويجزِّئَهنَّ على أربعةِ أَجْبُلٍ، ففعَل ذلك وأمسكَ رؤوسهنَّ بيده، فجعل العَظْمُ يذهب إلى العظم واللَّحمُ إلى اللَّحمِ والرِّيشُ إلى الرِّيش بعين إبراهيم، ثم دعاهنَّ فأتَيْنه سعيًا على أرجلهنَّ، فتلقَّى كلُّ طائرٍ رأسَه (^٤).
وقال السدِّيُّ: نُودي من السماء: أيَّتها العظامُ المتفرِّقة يَردُّ اللَّه تعالى فيكِ روحَك، فجرى الدَّمُ إلى الدَّمِ، وطار (^٥) الريشُ إلى الريشِ، وذهب العظمُ إلى العظم، وعلَّق عليها رؤوسَها، وأدخل فيها أرواحها (^٦).
وفي حديث الحسن ﵀: نُودي: أيتها العظامُ المتفرِّقة، واللحوم المتمزِّقة، والعروق المتقطِّعة، اجتمِعْنَ يردُّ اللَّه تعالى فيك أرواحَك (^٧)، فوثب العظمُ إلى العظم، وطار الريشُ إلى الريش، وجرى الدمُ إلى الدمِ، ثم أوحى اللَّه تعالى إليه: إنكَ سألْتَني كيف أُحيي (^٨) الموتى، وإني خلقتُ الأرض وجعلتُ فيها
_________________
(١) "وهو اسم جنس" من (ر).
(٢) "وأرجلهن" سقط من (ف).
(٣) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٣٩ و٦٤٣).
(٤) رواه بنحوه الطبري في، "تفسيره" (٤/ ٦٤١ و٦٤٤).
(٥) في (ف): "وطار فتلقى به"، وفي (ر): "وطار به".
(٦) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٤٦).
(٧) في (أ): "فيكن أرواحكن"، وفي (ف): "فيكن روحكن".
(٨) في (أ): "تحيي".
[ ٣ / ٣٦٥ ]
أربعةَ أرياح: الشَّمالَ والصَّبا والجَنوب والدَّبور، حتى إذا كان يومُ القيامة نُفخ في الصُّور فيجتمعُ مَن في الأرض من القتلى والهَلْكى والموتَى كما اجتمعت هذه الأربعةُ الأطيارُ من أربعة أجبال، ثم قرأ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وقال القشيريُّ ﵀: ولما (^١) قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال اللَّه تعالى له: وأرني كيف تذبحُ الحيَّ، يعني: الولدَ، مطالبةٌ بمطالبةٍ، فلمَّا وفَى بما طُولِبَ وفَى اللَّه له بما طَلب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؛ أي: قال اللَّه له (^٣): أوَلمْ تصدِّقْ بإحياءِ (^٤) الموتى، ﴿قَالَ بَلَى﴾؛ أي (^٥): صدقت به ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: ليَسكُن، والطُّمأنينةُ: السُّكون، والمطمئِنُّ من الأرض: ما انْخَفَض، وكان موقِنًا به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أنْ يوقِنَ به إيقانَ عيانٍ.
وقيل: كان أُعطي آياتٍ عقليةً، فأحبَّ أن يعطَى (^٦) آيةً حسِّيَّةً.
وحكمةُ خطاب اللَّه تعالى إياه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وجوابِه: ﴿بَلَى﴾ قطعُ أوهام الجهَّال لئلا (^٧) يظنُّوا بإبراهيم شكًا فيه.
_________________
(١) في (أ): "فلما"، والمثبت موافق للمصدر.
(٢) في (ف): "طالب". وانظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٢).
(٣) "له" من (ر).
(٤) في (أ): "بأني أحيي".
(٥) "أي" من (ر).
(٦) في (أ): "كان أوتي. . . فأحب أن يؤتى".
(٧) في (أ): "كيلا".
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وقال القُشيري: استَجلَب خطابَ اللَّه تعالى بهذه المقالة (^١) حتى قال له الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ كنتُ أؤمن، ولكنِ اشتقتُ إلى قولك: أولم تؤمن، وبقولك: أولم تؤمن، يطمئنُّ قلبي، والمحبُّ أبدًا يجتهد في وجودِ خطاب حبيبه على أيِّ وجهٍ أَمْكنه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الطير: اسمُ جنسٍ يجوز أن يكون اسمًا للواحد والجمع، وواحده: طائر؛ كالراكب والرَّكْب.
واختُلف في أجناسها:
فقال محمد بن إسحاق: إن أهل الكتاب الأول يقولون: أخذ طاووسًا وديكًا وغرابًا وحمامًا، وهو قول مجاهدٍ والحسن (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: أخذ طاووسًا ونسرًا وغرابًا وديكًا (^٤).
وقال أبو صالح: أخذ حمَامًا وديكًا وغرابًا وبطة.
وقال عطاءٌ (^٥): أخذ حمَامًا وطاووسًا وديكًا وغرنوقًا وهو طير الماء.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الآية".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٣٤) عن ابن إسحاق ومجاهد وابن جريج وابن زيد.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٥٣). وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥١٠) من طريق الضحاك عن ابن عباس: وَزٌّ ورَألٌ وديكٌ وطاووسٌ. وفسِّر الرَّألُ في الخبر بـ: فَرْخ النَّعام. وروى ابن أبي حاتم أيضًا (٢/ ٥١١) من طريق حنش عن ابن عباس: الغُرْنوقُ والطَّاووسُ، والدِّيكُ، والحمامةُ. قال ابن أبي حاتم: والغُرْنوقُ: الكُرْكِي.
(٥) في (ر) و(ف): "عطاء الخراساني"، وهذا الخبر مروي عن ابن عباس كما في التعليق السابق.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
وقال عطاء الخراساني (^١): أخذ وزة خضراء، وغرابًا أسودَ، وحمامةً بيضاء، وديكًا أحمر (^٢).
وقال أبو القاسم بنُ حبيبٍ ﵀: إنما خصَّ الطيرَ من بين سائرِ الحيوانات لأن للطائر (^٣) ما لسائر الحيوانات، وله زيادةُ الطيران، ولأن الطير هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في إحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وخصَّ الخفَّاش (^٤) لاختصاصه بالسن (^٥) دون سائر الطيور.
وقوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها (^٦)، قال الأزهري من قرأ بالضم أراد: أَمِلْهنَّ واجمَعْهنَّ إليك، ومَن قرأ بالكسر ففيه قولان (^٧):
أحدهما: بمعنى صُرهنَّ، يقال: صارَه يَصُورُه ويَصِيرُه: إذا أمالَهُ.
_________________
(١) في (ف): "وقال آخر". وانظر التعليق الآتي.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٤) عن عطاء الخراساني، وفيه: بطة، بدل: وزة.
(٣) في (ر): "لأن الطائر له".
(٤) في (ف): "وخصها بخفاش". ويشير بهذا لما روي أن عيسى ﵇ قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٠) عن ابن جريج، وفي "زاد المسير" (١/ ٣٩٢) عن ابن عباس قال: أخذ طينًا، وصنع منه خفاشًا، ونفخ فيه، فإذا هو يطير. قال ابن الجوزي: ويقال: لم يصنع غير الخفاش، ويقال: إن بني إسرائيل نعتوه بذلك لأنّ الخفّاش عجيبة الخلق.
(٥) في (أ): "بالسر". وجاء في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٧١): وإنمّا خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقا؛ ليكون أبلغ في القدرة؛ لأن لها ثديًا وأسنانًا وهي تحيض وتطير.
(٦) في (أ) و(ف): "بالضم". وانظر: "السبعة" (ص: ١٩٠)، و"التيسير" (ص: ٨٢).
(٧) في (أ): "فله وجهان".
[ ٣ / ٣٦٨ ]
والثاني: قطِّعهن، والأصل فيه: صَرَيْتُ أَصْري؛ أي: قطَعت، فقُلب وقيل: صِرْتُ أَصيرُ، كما يقال: عَثَيْتُ أَعْثي، وعِثْتُ أَعِيثُ (^١).
وقال القُشيري ﵀: طلبَ إبراهيم ﵇ بهذا حياة قلبه فأُشير إليه بذبح الطيور، وفي الطيور الأربعة أربعةُ معانٍ هي في النفس: في الطاووس زينةٌ، وفي الغراب أملٌ، وفي الديك شهوةٌ، وفي البطِّ حرصٌ (^٢)، فأشار إلى أنه ما (^٣) لم يَذبح نفسَه بالمجاهدة لم يَحْيَ قلبُه بالمشاهَدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾: أي: بعضًا، بالهمزِ والتليين.
قيل: هذا عمومٌ أُريد به الخصوصُ؛ أي: على بعضِ الجبال كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقيل: معناه: على كلِّ جبلٍ قدرْتَ عليه، أو (^٤): على كل جبل بقُربك.
وقيل: جعلهنَّ على سبعة أجبُلٍ.
وقيل: على أربعة، وهو الأصحُّ، ففي رواية الحسن ذلك مع زيادةِ ذكرٍ يدل عليه، من تقسيم الرياحِ الأربع والآفاقِ الأربعة للدنيا (^٥).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾: أي: قل: تعالين، أو قل (^٦): يا طاووس ويا كذا ويا كذا.
_________________
(١) انظر: "معاني القراءات" للأزهري (١/ ٢٢٤).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٢)، وفيه: أن ذبح الطاووس لكونه زينة الدنيا وزهرتها، والغراب لحرصه، والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه.
(٣) في (أ): "إلى أن من".
(٤) في (ر): "أي".
(٥) تقدم قريبا.
(٦) "أو قل" ليس في (ف).
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: أي: يَجِئْنَكَ عَدْوًا على أرجلهنَّ، والنونُ لجمع الإناث، ويرجع إلى الطيور الأربعة، والسعي: العَدْو، وقد سعَى سَعْيًا، وإنما سعَيْن ولم يَطِرْنَ لأنهنَّ لو طِرْنَ لالْتَبسَ الأمرُ: هل عدنَ إلى ما كان أصلُهن عليه، فخَصَّ السعيَ ليتقرَّر عنده وعندهم الحال.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: عزيز: لا يمتنِع عليه شيء، حكيمٌ: مُصيب فيما يفعل.
وقال القشيري ﵀: قال له: قطِّعْ بيدك هذه الطيورَ وفرِّقْ أجزاءها ثم ادعُهنَّ يأتينكَ سعيًا، فما كان مذبوحًا مقطَّعًا مفرَّقًا بيدِ صاحب الخُلَّةِ فإذا ناداه استجاب له كلُّ جزءٍ مفرَّقٍ، فكذلك الذي فرَّقه الحقُّ وشتَّتهُ إذا ناداه لبَّاه، قال القائل:
وَلَو أنَّ فَوْقي تربةً ودَعَوْتَني لأجبتُ صوتكَ والعظامُ رُفاتُ (^١)
* * *
(٢٦١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر سبحانه الإقراض في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٢) -وهو الإنفاق- بعد ذكر القتال في سبيل اللَّه، وذكر هنا (^٣) الإنفاق في سبيل اللَّه، وذَكر المضاعفةَ في تلك الآية وفسَّرها
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٣)، ووقع في (ر): "أجبتك حقًا"، بدل: "لأجبت صوتك".
(٢) قوله: "ذكر سبحانه الإقراض. . " إلى هنا وقع بدلا منه في (أ) و(ف): "اتصال هذه بقوله وقاتلوا في سبيل اللَّه واعلموا أن اللَّه سميع عليم" ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ذكر الإقراض".
(٣) في (أ): "وهاهنا ذكر" وفي (ف) "وذكر هاهنا".
[ ٣ / ٣٧٠ ]
هنا (^١) في هذه الآية، وتخلَّل بينهما بيانُ ما وعَد اللَّه من النصر لمن يقاتلُ في سبيل اللَّه، وهو (^٢) في قصةِ طالوت ونصرته -مع قلَّة عدد جنده- على جالوت، وقصةِ إبراهيم ونصرتهِ على نمروذ (^٣) في المحاجَّة، وأوضحَ حُجَّته وكذا أوضحَ حُججَ دِينه في قصة عزيرٍ وقصةِ إبراهيم في إحياء الطيور، فكأنه قال: فثقوا بنصرة اللَّه (^٤)، وقاتلوا في سبيل اللَّه، وأنفقوا في رضا اللَّه.
وقوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾؛ أي: مَثَلُ نَفَقةِ الذين، وهذا مضمَرٌ فيه، أو تقديره: مَثَلُ الذين ينفقون أموالَهم في سبيلِ اللَّه كمَثَلِ زارعِ حبةٍ، فلا بد من إضمارٍ في أحدِ الموضعين ليكون تمثيلُ (^٥) المنفِق بالزارع، أو تمثيل النفقة بالزراعة، كما فعلنا في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، وقد ذكرنا هناك معنى الحذفِ والاختصار.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: معناه: في طريق رضا اللَّه تعالى، ويقع على الجهاد وغيره، وهذا قول الحسن.
وقيل: هو في الجهاد خاصةً، ثم في هذا الإنفاق كلامٌ؛ قيل: هو في إعدادِ أمور الغزاة، وقيل: هو على نفسه.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: أي: يتضاعَفُ
_________________
(١) "هنا": من (ر).
(٢) في (ر): "وذلك".
(٣) في (أ) و(ف): "نمرود".
(٤) في (ر): "بنصره".
(٥) في (أ) و(ف): "تمثيل".
[ ٣ / ٣٧١ ]
ثوابُ الإنفاق في سبيلِ اللَّه كمَثَلِ حبَّةٍ (^١) تُبذَرُ في الأرضِ، فتُنْبِتُ تلك الحبَّةُ الواحدةُ من السَّنابل سبعًا.
والسنابل: جمع سُنبلةٍ وسُنبُلٍ، وهي على ميزانِ فُنْعُلة (^٢)، والنونُ مَزيدةٌ فيه، وهي من الإسبالِ، وهو إرسال الستر، سُميت بها لأنها تَسترسِلُ استرسالَ الستر، و(^٣) لأنها تستر الحب.
ثم تخرجُ السنبلة مئة حبة، ثم (^٤) وإن لم يكن كلُّ زرع على هذا التقدير غالبًا، فهو مما يكونُ، فيصحُّ التشبيه به؛ لأن شرط صحة التمثيل والتشبيه الكونُ لا مشاهدةُ الجميع (^٥)، قال اللَّه تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وقال امرؤ القيس:
ومَسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ (^٦)
على أنَّ سنابل الدُّخْن تبلغ هذا وتزيدُ عليه.
وقيل: معناه: الحبةُ تخرج سبعَ سنابل، وكلُّ سنبلةٍ إذا بُذرت حباتُها أَخرجت مئة حبة، وقد تزيد على هذا.
وقيل: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ورأوا أن
_________________
(١) في (أ): "كحبة"، بدل: "كمثل حبة".
(٢) في (أ) و(ر): "فيعلة"، وفي (ف): "فتعلة"، والصواب المثبت. انظر: "البحر المحيط" (٤/ ٥٣١).
(٣) في (أ): "أو".
(٤) "ثم": من (أ).
(٥) في (ر): "المجمع"، وفي (ف): "الجمع".
(٦) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١٣٧)، وصدره: أيَقْتُلُني والمَشْرَفي مُضاجِعي
[ ٣ / ٣٧٢ ]
الصدقات (^١) تتلَفُ وتتلاشى في أيدي الفقراء، قالوا: كيف تربو وتنمو وقد تلِفت وتلاشت؟! فضرب اللَّه تعالى مَثَلها بالحبةِ التي تُلقى (^٢) في الأرض، ثم نمت حتى صارت سبعَ مئةِ حبةٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يزيد على سبعِ مئةٍ لمن يشاء.
قيل: أصل الإنفاق المذكور في أول هذه الآية في سبيل اللَّه، ويضاعف أيضًا لمن يشاء الإنفاق (^٣) في غير الجهاد إلى هذا المقدار.
وقيل: يضاعف (^٤) على سبع مئةٍ إلى سبعة آلافٍ وأكثرَ لمن يشاء، وهو الذي يضم إلى الإنفاق في الجهاد معنًى آخر؛ من حُسن (^٥) النيةِ و(^٦) اختيارِ المصرِف، أو أصله لمن أنفق على نفسه في الجهاد، والزيادةُ على ذلك لمن أنفق على غيره من فقراء الغزاة.
وقيل: هذه الزيادة في حقِّ مَن هاجر مع رسول اللَّه -ﷺ-، ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "لو أن أحدهم"؛ أي: الذين يأتون بعد الصحابة "أنفَقَ مثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدِهم ولا نَصيفه" (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: غني واسع الفضل والجود، عليمٌ بنيَّات المنفِقين.
_________________
(١) في (أ): "الصدقة".
(٢) في (أ) و(ف): "تلفت".
(٣) قوله: "المذكور في أول هذه الآية في سبيل اللَّه ويضاعف أيضًا لمن يشاء الإنفاق" من (أ).
(٤) في (أ): "أي ويضاعف".
(٥) في (ف): "جنس".
(٦) في (أ) و(ف): "أو".
(٧) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
والآيةُ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ حين أراد رسول اللَّه -ﷺ- غزوةَ تبوك، وهي غزوةُ جيش العسرة، ولم يكن للصحابة ﵃ سلاح ولا كُراعٌ، فقال عثمان ﵁: عليَّ جهازُ مَن لا جهازَ له، فجهَّز لهم بألفِ دابة وتصدَّق ببئر رُومةَ على المسلمين، وجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: كان عندي ثمانيةُ آلاف، فأمسكتُ لنفسي وعيالي أربعةَ آلافِ درهم وأَقرضتُ أربعةَ آلافٍ (^١) للَّه تعالى، فقال النبي -ﷺ- له: "باركَ اللَّه لك فيما أمسكتَ وفيما أعطيتَ" (^٢).
* * *
(٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ قيل: الأولى في إنفاق المجاهد على نفسه، وهذه في إنفاقه على غيره.
وقيل: هما جميعًا فيهما. وفي هذه الآية بيانُ ما يجب أن يُتحرَّز عنه (^٣) في
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ر): "درهم".
(٢) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٨٧)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٣٢٥)، عن الكلبي، وقال الشهاب الخفاجي في "الحاشية على البيضاوي" (٢/ ٣٤١): قيل: إنه لا أصل له في كتب الحديث. قلت: لكنه ورد بغير هذا السياق، فقصة عبد الرحمن بن عوف مروية في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] من حديث ابن عباس ﵄ وغيره. انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٥٨٩ - ٥٩٦)، وقصة عثمان دون ذكر نزول الآية رواها الترمذي (٣٧٠١) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ وقال: حسن غريب.
(٣) في (ر): "منه".
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الإنفاق، وهو المنُّ والأذى؛ أي: لا يَمنُّ على أصحابه بحضوره بنفسه بعُدَّته، ولا يؤذيهم بذكرِ حاله فيقولَ: لولا حضوري لكان كذا وكذا، ولا يَمنُّ أيضًا على مَن يُنفِقُ عليه ولا يؤذيهِ.
وقيل (^١): المنُّ تعدادُ النعم على المنعَم عليه، فيقول: ألمْ أُعْطِكَ؟ ألمْ أُعِنْكَ؟ ألمْ أنعِشْكَ؟
وأصل المن: القطعُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مقطوعٍ، سمي الامتنانُ (^٢) بالنعمةِ مَنًّا لأنه يقطعُ لذةَ النعمة.
والأذى: هو استسخارُ المتصدَّقِ عليه؛ أي: استعمالُه في أعماله.
وقيل: هو أن يواجِهه بما يَسوؤه فيقولَ: أنت امرؤ فقير لا تأتيني إلا لحاجةٍ، وقد ابتلاني اللَّه بك (^٣)، وأراحني اللَّه منك.
وقيل: أي: لا يُتْبعون ما أَنفقوا منًّا على اللَّه ولا أذًى للفقير.
وقال القشيري ﵀: أي: لا يمنُّون بفعلهم، بل يَشهدون المنة للَّه تعالى بتوفيق ذلك عليهم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ثوابُ إنفاقهم إلى سبعِ مئةٍ وأكثر، ومَن أيقَن أنه إذا بذَر حبةً أخرجت له سبع مئةٍ لم يُقصِّر، فكذا ينبغي لمن يطلب الأجر في الآخرة عند اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (ر): "ويقول"، وفي (ف): "ويقال".
(٢) في (ف): "الإنسان".
(٣) في (أ): "ومن ابتلاني بك"، بدل: "وقد ابتلاني اللَّه بك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٤).
[ ٣ / ٣٧٥ ]
قوله (^١) تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: من نقصانه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: من فَوته.
وقيل: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوتِ الثواب (^٢).
* * *
(٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي: كلامٌ جميلٌ لمَن التمسَ منك صدقةً فردَدْتَه بالجميل، أو وعدته، أو دعوتَ له، فقلتَ: يَسَّر (^٣) اللَّهُ تعالى، أو: أغنانا اللَّهُ وإيَّاك، أو: يفتحُ اللَّه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: أي: تجاوَز عنه إذا أساءَ السؤالَ، أو: سَتَر عليه حالَه؛ فلا يُعيِّره بفقره، ولا يَهتك سترَه عند الناس (^٥)، ولا يَعيبه.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾: أي: هذا خيرٌ لك مِن أنْ تتصدَّق عليه ثم تَمُنَّ عليه (^٦) أو تُؤذيه.
فإنْ قالوا: أيُّ خيرٍ في الصدقة فيها أذًى حتى يقال: هذا خيرٌ؟
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قال اللَّه".
(٢) في (ف): "الفوت".
(٣) في (ر) و(ف): "أوقلت له سييسر"، بدل: "فقلت يسر".
(٤) في (أ): "أتكلف ذلك إن شاء اللَّه"، وفي (ف): "تكلف ذلك إن شاء اللَّه"، بدل: "يفتح اللَّه".
(٥) في (أ): "اللَّه".
(٦) في (أ): "به".
[ ٣ / ٣٧٦ ]
قلنا: يعني: عندكم كذلك، وهو (^١) كقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]؛ أي: عندكم ذاك خيرٌ، لكن اعلموا أنَّ هذا خيرٌ لكم في الدنيا والآخرة ممَّا تَعدُّونه أنتم خيرًا.
وقيل: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ لا يرجعان إلى ما هو معاملةُ الفقير، بل يقول: إنْ لم يَتيسَّر (^٢) عليكم الإنفاق على الفقير فاعملوا عملًا آخَرَ هو أخفُّ عليكم، وهو ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: كلامٌ جميلٌ مع الناس، وأمرٌ بمعروفٍ؛ أي: صدقةٍ (^٣) ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: عفوٌ عن الجانينَ عليكم.
وقيل: سؤالُ مغفرةِ العصاة (^٤) بالاستغفارِ لهم (^٥) مِن اللَّه تعالى، ذاك خيرٌ مِن التصدُّق الذي بعده الأذى.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: إقرارٌ منك مع اللَّه بعجزك وجُرمك، وغفرانُ اللَّه تعالى لك على ذلك، خيرٌ لك مِن صدقةٍ بالمَنِّ مشوبةٍ، وبالأذى مصحوبةٍ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾: أي: مستغنٍ عن صدقاتِكم؛ ما أَمَركم بها لحاجته بل لمنافعكم، حليم لم يُعاجِلكم بالعقوبة على التصدُّق ثم الإتباعِ بالمنِّ والأذى.
_________________
(١) في (أ): "وهذا".
(٢) في (ر): "ييسر".
(٣) "أي: صدقة" سقط من (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "للعصاة".
(٥) "لهم": من (ر).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٤).
[ ٣ / ٣٧٧ ]
(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ تعلَّقت المعتزلةُ بظاهر هذه الآية في أنَّ الكبيرةَ تُحبِط الطاعات، وتُخلِّد صاحبَها في النار، وهي حجَّةٌ عليهم لا لهم، فإنَّ اللَّهَ تعالى خاطَبَهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فبقيَ اسمُ الإيمان لهم (^١)، وأخبر أنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئات، فأمَّا في هذه الآية فهي بيانُ أنَّ الصدقةَ إذا كان معها مَنّ أو أذًى لم تكن صدقةً حقيقةً وإنْ تراءت صدقةً، فإنَّ الصدقةَ ما يُبتغَى بها وجهُ اللَّه تعالى، وهذا كقول النبيِّ -ﷺ-: "لا يَقبلُ اللَّهُ صلاةً بغير طُهورٍ، ولا صدقةً مِن غُلولٍ" (^٢) ليس أنَّها بغير طُهورٍ صلاةٌ، ومِن الغلولِ صدقةٌ، ثم لا تُقبل، بل ذاك ليس بصلاةٍ ولا صدقةٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما تُحمل (^٣) المنَّة مِن الحقِّ سبحانه، فأمَّا مِن الخلق فليس لأحدٍ على غيره منَّةٌ، وإنَّ تحمُّل المننِ مِن المخلوقين أعظمُ محنة، وشهودَ المنَّة مِن اللَّه تعالى أعظمُ نعمةً، قال قائلهم:
ليس إجلالك الكبارَ بِذُلٍّ إنَّما الذُّلُّ أنْ تُجِلَّ الصِّغارا (^٤)
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: بيَّن أنَّ مَن
_________________
(١) "لهم" من (ر).
(٢) رواه مسلم (٢٢٤) من حديث ابن عمر ﵁.
(٣) في (ف): "تحمد"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٤).
[ ٣ / ٣٧٨ ]
تصدَّق ثم مَنَّ أو آذى، فهو في عدم الانتفاع بذلك كالذي هو كافرٌ لا يُؤمن باللَّه ولا يُصدِّق بالبعث والجزاء، وإنَّما يتصدَّق مراءاةً للناس، فلا نفعَ له بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: هو الحجرُ الصافي الأملسُ، وكذلك الصَّفا.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: أي: مَثَلُ نفقةِ الكافر المرائي كمَثَل حجرٍ أملسَ جُعل عليه ترابٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: أي: مطرٌ شديدُ الوقعِ كثيرُ القَطْر، وكذلك الوَبْل، وقد وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: هو: الحجرُ الأملسُ الصلبُ، والصَّلدُ أيضًا: أرضٌ لا تُنبتُ شيئًا، والصَّلدُ: البخيل أيضًا، يُشبَّه بالحجر الذي لا يَخرج منه شيءٌ، وصَلُدَت الزَّنْدُ صُلُودًا: إذا لم تُورِ نارًا، وفرسٌ صَلودٌ: يُبطئ عَرَقُه.
يقول: كما (^١) أنَّ الحجرَ لا ينبت (^٢) بذرًا، والترابَ في موضعِ ما (^٣) لا يُصلح بذرًا، والوابلُ إذا أصاب لم يَترك على الحجر شيئًا، فالزرعُ مأيوسٌ عنه بهذا الطريق، فكذا (^٤) الكافرُ بهذا الإنفاق لا يَستفيد شيئًا، وكذا المؤمنُ المتصدِّق المنَّان والمؤذي (^٥) لا ينال به ثوابًا.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: أي: لا يجدون ثوابَ
_________________
(١) في (أ): "فكما".
(٢) في (ر): "لا يثبت".
(٣) في (ف): "في وضع"، بدل: "موضع ما".
(٤) في (أ): "فكذا".
(٥) في (أ): "المان المؤذي".
[ ٣ / ٣٧٩ ]
شيءٍ ممَّا أنفقوا، يقال: فلان لا يَقدر على درهم؛ أي: لا يجدُه ولا يملكه.
وجُمع قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ وقد وحِّد في قوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾؛ لأنَّه بمنزلة الجنس ويَصلح للجمع معنًى.
ثم قوله: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ هذا وصفٌ كافٍ لحرمان الثواب، وقولُه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كذلك، قال في حقِّ المنافق: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]، وقال في حقِّ الكافر: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فإذا اجتمع الوصفان كان أَولى بالحرمان.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: لا يُوفِّقهم ولا يُرشدهم إلى الصدقة المَرْضيَّة في الدنيا، ولا يَهديهم إلى الجنَّة في العُقبى، قال تعالى في حقِّ المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]؛ أي: إلى الجنَّة ومنازلِهم فيها.
وقال الزجَّاج؛ أي: لا يَجعلهم بكفرهم مُهتدين (^١).
قالوا (^٢): الصَّفوانُ مَثَلُ الكافر، والترابُ مَثَلُ عمله، والوابلُ مَثَلُ كفره (^٣)، فما يتراءى عليه مِن عمله يتلاشى بسبب كفره.
وقيل: تحقيقُ هذا المثَل: أنَّ أعمالَ العباد ذخائرُ لهم (^٤) ليوم حاجتهم؛ فمَن عمِل بإخلاصٍ فكأنَّه ادَّخر عملَه في شيءٍ، وكأنَّه بذرَ في أرضٍ مُنبِتةٍ، فهو يتضاعف له وينمو حتى يحصدَه في إبَّانه، ويجدَه في وقتِ حاجته إلى ثمره، فأمَّا المنافقُ فإنَّه
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٤٧).
(٢) في (أ): "وقال".
(٣) في (ف): "مثل الكفار. . . مثل عملهم. . . مثل كفرهم".
(٤) في (ر) و(ف): "ذخائرهم".
[ ٣ / ٣٨٠ ]
يَدَّخر عملَه حيث لا ينمو، ويُلقي بذرَه حيث لا يَنبت؛ لأنَّ الصفوانَ مستودعُ عمله ومزروعُ بذره، وإذا أصابه مطرٌ جَودٌ (^١) بقيَ مستودعُ عملِه خاليًا لا شيءَ فيه.
* * *
(٢٦٥) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: أي: لطلبِ رضاه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: قيل: تحقيقًا مِن أنفسهم لِمَا يُنفقونه، حتى يستويَ ظواهرُهم وبواطنُهم في أنَّه لابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ تعالى لا لرياءِ الناس، ولا يكونَ فيه مَنٌّ ولا أذًى، وهو معنى قولِ مقاتل: وتثبيتٌ مِن أنفسهم؛ أي: وتصديق مِن قلوبهم (^٢).
وقيل: تثبيتًا مِن أنفسهم؛ أي: تقويةً لليقين وتبصرةً في الدِّين، وهو معنى قول الشعبيِّ والسديِّ وأبي صالح وابنِ زيد (^٣).
وقيل: أي: يتثبَّتون أين (^٤) يضعون صدقاتهم، وهو قول ابنِ عباس رضي اللَّه
_________________
(١) أي: غزير.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٢١)، وفيه: "وتثبيتًا. . . وتصديقًا. . . ".
(٣) انظر: "النكت والعيون" (١/ ٣٣٩)، والآثار رواها الطبري في "تفسيره" (٤/ ٦٦٨ - ٦٦٩).
(٤) في (أ): "يتثبتون أي"، وفي (ف): "أي يثبتون أي"، وفي (ر): "يثبتون أي". والصواب المثبت. انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٦٦٩ - ٦٧٠)، وقد روى الطبري هذا القول بهذا اللفظ عن مجاهد والحسن، واستبعده لأنه لو كان التأويل كذلك لكان يجب أن يكون لفظ الآية: (وتثبتًا من أنفسهم) كما قال، وانظر كلامه بتمامه في الموضع المذكور.
[ ٣ / ٣٨١ ]
عنهما، فإنَّه قال: هو أنْ تُعطوا الصدقةَ الأحوجَ فالأحوجَ، وإليه يرجع قولُ عطاء: يتثبَّت في صدقته فيضعُها في أهل الصلاح والعفاف (^١).
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ شبَّه هؤلاء بجنَّة؛ وهي البستانُ الذي يَكثر أشجارُه؛ فتمتدُّ ظلالُها، وتنتشرُ أغصانها، وتكثُر ثمارها، وتختلفُ ألوانها، وتَطيبُ طُعومها؛ فمَن أَخلص للَّه تعالى عملَه كان كمَن اتَّخذ بستانًا في رَبوة؛ أي: مكانٍ مرتفعٍ (^٢) مِن الأرض مستوٍ، قد رَبَا عليها؛ أي: علا ونما، وفيها ثلاثُ لغاتٍ: فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها.
وقرأ عاصم وابنُ عامر بفتح الراء، والباقون بضمِّها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: أي: وصل إليها وابل كثيرُ (^٤) القَطْر شديدُ الوقع.
وقوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أي: أَعطت بركتها (^٥) -أي: غلَّتها- مِثْلَي ما تُخرجه أرضٌ ليست على الربوة؛ لأنَّها أحمدُ مواضعِ الجنان في النُّزهة وكثرة الغلَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: أي: فإنْ لم يصلْ إلى هذه الجنَّة المطرُ العظيمُ القَطْرِ (^٦)، أصابه المطرُ الصغيرُ القَطْر (^٧).
_________________
(١) لم أجدهما.
(٢) "مرتفع": من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٩٠)، و"التيسير" (ص: ٨٣).
(٤) في (أ): "مطر كبير"، وفي (ف): "مطر كثير"، بدل: "وابل كثير".
(٥) في (أ): "نزلها".
(٦) "القطر": ليست في (أ) و(ف).
(٧) في (أ): "القطرة"، وسقطت من (ف).
[ ٣ / ٣٨٢ ]
وقيل: الطَّلُّ: النَّدى، والطَّشُّ كذلك، وهو (^١) الذي يبلُّ وجه الأرض.
ثم في تقريب هذا الكلام ثلاثةُ أقاويل:
فقيل: إنْ لم يُصبها وابلٌ وأصابها طَلٌّ، آتت أُكلها ضعفين أيضًا، فلا تَنقص غلَّتُها لحُسْن موضعها.
وقيل: إنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفي ما تُؤتي أرضٌ ليست على الربوة بالوابل، وإنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفي ما تُؤتي غيرُها بالطَّلِّ.
وقيل: إنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفين، وإنْ أصابها طَلٌّ أخرجت ثمرًا بقَدْره، فلا تخلو عن غلَّة (^٢)، فكذلك مَن أخرج صدقتَه للَّه تعالى لم يُضِع كسبه قلَّ أو كثُر، بخلاف مَن أخرجها رياءً، فإنَّه يَبطُل سعيُه ويَخيب أملُه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي: يرى أعمالَكم على إقلالٍ وإكثارٍ، ويعلم نيَّاتكم فيها مِن رياء وإخلاص، فأَخلِصوا يَجْزِكم جزاءَ المخلِصين، وأَكثِروا يُعطكم ثوابِ المكثِرين.
* * *
(٢٦٦) - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "وقيل هو".
(٢) من قوله: "أيضًا، فلا تنقص غلتها. . . " إلى هنا وقع بدلًا منه في (ر) و(ف): "ما تؤتي غيرها بالطل. وقيل: إن أصابها وابل آتت أكلها ضعفين؛ أي: أخرجت ثمرًا تقديره زاكيًا عن غيره والصدقة قد تخلو عن غلة".
(٣) في (ف): "عمله".
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: أي: أيحبُّ أحدُكم، أيريد أحدُكم، استفهامٌ بمعنى النفي.
﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: أي: بستانٌ كثيرُ الأشجار والنبات، وقوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؛ أي: فيها مِن (^١) أشجارِ التمر (^٢) وزراجين (^٣) الأعناب، ولم يُرِدْ أنَّ كلَّ بستانٍ متَّخَذٌ مِن هذين، ولكن إذا كثُر فيه هذان جاز إطلاقُ الاسم عليه مِن هذا الوجه، كما يقال: دارٌ مِن آجُرٍّ، وبستانٌ مِن عنبٍ.
والنخيل: جمع نخلٍ، كالعبيد: جمع عَبْد، والكَليب: جمع كلب.
والنخل يكون واحدًا فيذكَّر؛ قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ويكون جمعًا فيؤنَّث؛ كما قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويكون جمعَ نخلة، كالنَّمل جمع نملة.
والأعناب: جمع عنب.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: تسيلُ مِن تحت أشجارها المياهُ في الأنهار، وبالماء نماؤها وبهاؤها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: لصاحبها فيها سوى النخيل والأعناب الفواكهُ مِن كلِّ بابٍ، فهو (^٤) نهايةٌ في الحُسن والإعجاب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: أي: أتاهُ الشيبُ وفاتَهُ الشبابُ.
_________________
(١) "من" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "الثمر".
(٣) في (ر): "وعراجين". والزراجين جمع الزَّرَجون بالتحريك، وهو: الكرم، أو قضبانها.
(٤) في (ر) و(ف): "فيهن" بدل: "فهو".
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾؛ أي: أولادٌ أطفالٌ صغارٌ ضعافٌ عجَزةٌ (^١) عن الاكتساب، وكانت هذه معاشًا له ولأولاده، ولهم منها (^٢) الأقواتُ والأثواب.
قوله تعالى (^٣): ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾: أي: أصابَ الجنَّةَ ريحٌ شديدةُ الهبوب، ملتفَّةٌ في الهواء، حاملةٌ للتراب ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ أي: صاعقة عظيمةُ الالتهاب ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: أي: الجنَّة بالنَّار، فصارت نعمُها (^٤) إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما يبقى هو وذرِّيَّته في الحسرات (^٥) لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافق والمرائي والمنَّان (^٦) والمؤذي يتحسَّرون على صدقاتهم (^٧) يوم يقومُ الحساب، حين فاتَهم الثوابُ وحقَّ عليهم العذاب.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: هكذا يُنزل اللَّهُ الآياتِ ويضرب (^٨) الأمثالَ؛ لتتفكَّروا فيها يا أُولي الألباب.
وقال ابنُ عباس ﵄: هذا مَثَلُ مَن عمِل الحسنات، ثم فَتنه الشيطانُ فعمل السيئاتِ؛ فأَحرق أعمالَه كلَّها.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذه آياتٌ ذكرها اللَّهُ تعالى على جهة ضَرْب
_________________
(١) في (ر): "صغار عجزة"، وفي (ف): "صغار ضعاف عجاز".
(٢) في (ر): "ولهم منافع"، وفي (ف): "ولهم مناقع".
(٣) "قوله تعالى" من (ف).
(٤) في (ر): "فصار نعيمها".
(٥) في (ر) و(ف): "في الخسران".
(٦) في (أ): "والمان".
(٧) بعدها في (ف): "يوم القيامة".
(٨) في (ر): "ويصرف".
[ ٣ / ٣٨٥ ]
المَثَل للمُخلِص والمنافق، وللمنفِق في سبيل اللَّه تعالى والمنفِق في الباطل؛ هؤلاء يحصل لهم الخَلَفُ والشَّرفُ، وهؤلاء لا يَحصل لهم إلَّا السَّرف والتَّلف (^١)، وهؤلاء ضلَّ سعيُهم وهؤلاء شُكر سعيهم، وهؤلاء تَزكُو أعمالهم وهؤلاء حبِطت أعمالهم، وخسرت أحوالُهم، وختم بالسوء آمالهم، ويُضاعَف عليهم وبالُهم.
ويقال: مَثَل هؤلاء كالذي أَنبت زرعًا؛ فزكا أصلُه ونما فصلُه وعلا فرعُه وكثر نفعُه، ومثَل هؤلاء كالذي خسرت صفقتُه وسُرقت بضاعتُه وضاعت (^٢) على كِبَر سنِّه حيلته (^٣)، وتواترت (^٤) مِن كلِّ وجهٍ محنتُه، هل يستويان مثلًا؟ وهل يتقاربان شَبَهًا (^٥).
* * *
(٢٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: أي: ممَّا يُستطاب مِن أكسابكم، ومنهم مَن حمَلها على الحلالات، لكنَّ ما بعده -وهو قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ والخبيث هو الرديء المُستخبَث- يدلُّ على أنَّ الأَولى صرفُه إلى ما قلنا.
_________________
(١) في (ف): "وهؤلاء يَحصل لهم السَّرف والتَلف"، وعبارة "اللطائف": (وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الردّ، وفي المآل إلا التلف).
(٢) في (أ): "وضاقت". والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٣) في (ر) و(ف): "غلته"، وفي (أ): "علته"، والمثبت من "اللطائف".
(٤) في (ف): "وتوافرت". والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٥) بعدها في (ر): "وعملًا"، والمثبت موافق لما في "اللطائف". وانظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ٣ / ٣٨٦ ]
ثم هو أمرٌ بأداء زكاةِ أموالِ التجارة.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: مِن الغلَّات؛ وهي إنزالُ الأشجار والكروم والأراضي، وهذا أمرٌ بأداء عُشْر الخارج مِن الأراضي العشريَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: أي: لا تقصدوا الرديءَ، وقد أَمَّ ويَمَّ وتأمَّم وتَيمَّم: إذا قصَد، ومنه قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
ثم الخبيثُ نقيضُ الطَّيِّب، ولهما جميعًا ثلاثةُ معانٍ؛ الطَّيِّب الحلال والخبيث الحرام، والطَّيِّبُ الطاهرُ والخبيثُ النَّجس، والطَّيِّب ما يَستطيبه الطبعُ والخبيثُ ما يَستخبثُه.
وقيل: أصلُ الخبيث: الرديءُ، وبمعنى الرداءة يقع على المعاني الثلاثة التي قلنا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: أي: مِن الخبيث تتصدَّقون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: أي: وأنتم لا تأخذونَ مثلَه ممَّن كان لكم عليه جنسُه إلَّا أنْ تتساهلوا فيه وتَغضُّوا أعينكم عن الاستقصاء على مؤدِّيه، ويقال (^١) لمن سامح وساهل: إنَّه (^٢) قد غَمض طَرْفَه، ويقال: معناه: إلَّا أنْ تستحيوا، وذلك مستعملٌ في اللغة، قال الشاعر:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّك مِن نميرٍ فلا كَعْبًا بلغتَ ولا كِلابًا (^٣)
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾: أي: مستغنٍ عن صدقاتكم لا يتكثَّر بها إنْ أَعطيتُم، ولا يَنقص مِن ملكه شيئًا إنْ مَنَعتم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يقال".
(٢) "أنه": من (ف).
(٣) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" (٣/ ٨٢١).
[ ٣ / ٣٨٧ ]
﴿حَمِيدٌ﴾: مُستحِقٌّ للحمد على (^١) أمركم بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعكم بذلك (^٢) في الدَّارين.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ليَنظُر كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه (^٣) لأَجْل نفسِه، وما الذي يُخرجه بأمر ربِّه؛ الذي يخرج عليك مِن ديوانك؛ فما كان لحظِّك فنفائسُ ملكك، وما كان لربِّك فخسائسُ ملكك، الذي للَّه لقمةٌ لقمة، والذي لأجلك فأجلُّها قيمة، ثم أَبصِر كيف يستره (^٤) عليك، بل كيف يَقبله منك، بل أَبصر كيف يعوِّضك عليه، بل أَبصر كيف يَمدحك به، بل أَبصر كيف يَنسُبه إليك؛ الكُلُّ منه فضلًا، ولكنَّه يَنسُبه إليك فعلًا، ثم يُوْليه عليك عطاءً (^٥) ويُسمِّيه جزاءً، يوسعك بتوفيقه بِرًّا، ثم يملأُ العالَمَ منك شكرًا (^٦).
ودلَّت الآيةُ على جواز الكسب، ودلَّت أنَّ أحسنَ وجوه التعيُّش هو التجارة والزراعة، فإنَّ الآيةَ جَمَعتهما، ودلَّت على وجوب زكاةِ مال التجارة وعُشْرِ الأراضي العُشريَّة.
وقيل: كانوا يُخرِجون زكاةَ الفطر مِن التمر الرديء، فنُهُوا عن ذلك.
وقيل: نزلت في التطوُّع، قال البراء بنُ عازب ﵁: نزلت في الأنصار؛
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "ما".
(٢) في (ف): "ذلك".
(٣) في (أ): "ينفعه" والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٤) في (أ): "يسره"، وفي (ر): "سيرده". والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في "اللطائف"، ولفظه: (يستر).
(٥) في (أ): "تولى عليه عطاء"، وفي (ف): "يولي عليك عطاء" وفي "اللطائف": "ثم يوني عليك عطاءه".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٦).
[ ٣ / ٣٨٨ ]
كانوا إذا كان وقتُ جُذاذ النخل وإزهاءِ البُسر يعلِّقونه على حبلٍ بين أسطوانتَيْن في المسجد، فتأكل منه فقراءُ المهاجرين، فكان يعمدُ بعضهم فيُدخل القنوَ الحشفَ فيُعلِّق، فنزلت فيمَن فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^١) ولو أُهدي لكم ما قَبلتموه ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أي: على استحياءٍ مِن صاحبه.
والأشهر الأظهر أنَّه في الواجب.
قال مجاهد: كانوا يتصدَّقون بحشفٍ، فنُهوا عن ذلك، قال: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: لا تأخذونه مِن غرمائكم ولا في بيوعكم إلَّا بزيادة على الكيل (^٢).
وقال قتادة: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يعني: بآخذي هذا الرديءِ بسعرِ الطَّيِّب ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، يقول: إلَّا أنْ ينقصَ لكم (^٣).
* * *
(٢٦٨) - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوِّفكم، وعلى الإطلاق يُقال: وَعَدهُ، في الخير، وأوعدهُ في الشَّرِّ، لكن يجوز ذِكْر الوعد في الشَّرِّ إذا قيَّده بما به فُعِل ذلك، كالبِشارة مُطلقُها للخبر السَّارِّ، ثم يقال: بشِّره بالنار، ونحو ذلك على التقييد.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٩٨٧)، وابن ماجه (١٨٢٢)، والطبري (٤/ ٦٩٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٨٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٧٠١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٧٠١ - ٧٠٢).
[ ٣ / ٣٨٩ ]
ومعناه: أنَّ الشيطانَ هو الذي يمنعكم عن الإنفاق، أو يأمركم بإعطاء الخبيث؛ لِمَا (^١) يخوِّفكم به مِن الفقر بسبب الإنفاقِ وإخراجِ الطيِّب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾: أي: بالفِعلةِ القبيحة وهي البُخل، والفاحشُ اسمُ البخيلِ لغةً؛ لِفُحْشِ (^٢) فِعلِهِ.
قال الكلبيُّ ومقاتل: كلُّ فحشاءَ في القرآن فهي زنًى، إلَّا هذه فإنَّها منعُ الزكاة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾: أي: يبشِّركم بمغفرةِ الذنوب على (^٤) الصَّدقات والنفقات، ويبشِّركم بالتفضُّل عليكم؛ بإعطاء الخَلَف في الدنيا والثوابِ في العقبى.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: أي: غنيٌّ كثيرُ الفضل قادرٌ على إعطاء الخَلَف والثواب ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونيَّاتكم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الشيطانُ يعدُكم الفقر لفقره، واللَّه يعدُكم (^٥) المغفرة لكرمه، الشيطانُ يُشير عليك بإحراز المعلوم وبطاعة الحرص، ولا فقرَ فوقه، ويعدك الفقرَ بردِّك إلى اختيارك وتدبيرك، وبتعليق قلبك بغيره، والاتِّكال على مَن سواه، أو بنسيان ما عوَّدك في سائر عمرك مِن كفايته ورعايته، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: بالرغبة في الدنيا والحرصِ عليها، والإيثارِ لجمعها ومنعها عن
_________________
(١) في (ر): "الحشف بما"، وفي (أ): "الخبيث بما".
(٢) في (ر): "لأن الفحش"، وفي (ف): "الفحش".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٧٠) عن مقاتل بن حيان.
(٤) في (ر) و(ف): "في".
(٥) في (أ) و(ف): "يعد" في الموضعين.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وجوهها، وبطول (^١) الأمل ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ، والرجوع فيما تركته للَّه، واللَّه يعدكم في العاجل بالقناعة، وفي الآجل بالثواب وحُسْن المآب (^٢).
* * *
(٢٦٩) - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُعطي اللَّهُ صوابَ (^٣) القول والعمل مَن يشاء مِن عباده، فلا يَقبَلُ (^٤) ما يَعدهُ الشيطان، ويعتمد على ما وعده اللَّهُ تعالى (^٥).
وفي الآية ردٌّ على المعتزلة في قولهم بوجوب الأصلح، فإنَّه بيَّن أنَّه يُعطي الحكمةَ مَن يشاء لا الكُلَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: (مَن) كلمةُ شرطٍ، وسقطت الياء مِن آخرِ ﴿يُؤْتَ﴾ للجزم بها، وجزاءُ هذا الشرط ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: أُعطي ذلك.
وكثرت الأقاويل في تفسير هذه الحكمة:
قال ابنُ عباس ﵄: هي عِلْمُ القرآن.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بطول".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٣) في (أ): "ثواب".
(٤) في (ر): "فلا يُقبِل على".
(٥) في (أ): "وعده الرحمن".
[ ٣ / ٣٩١ ]
وقال ابنُ زيد: هي علم الدِّين.
وقال السدِّيُّ: هي النبوَّة.
وقال مجاهد: هي الإصابة.
وقال إبراهيم: هي الفهم.
وقال الربيع: هي الخشية.
وقيل: هي العلم بوسوسة الشيطان، والتمييزُ بينها وبين إلقاءِ المَلَك في القلب.
وقال عطاء: المعرفة باللَّه تعالى.
وقال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: علمُ تفسير القرآن والعملُ به.
وقيل: السُّنَّة.
وقيل: فهمُ سرائر القرآن.
وقيل: الفقه (^١).
ومرَّت أقاويلُ أُخَر عند قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحكمةُ: أنْ يَحكُم عليك داعي الحقِّ لا خاطرُ النفس، وأنْ تَحكُم عليك قواهرُ الدَّيَّان لا زواجرُ (^٢) الشيطان.
وقيل: هي أنْ لا تحكم عليك رعوناتُ البشريَّة، ومَن لا حُكم له على نفسه لا حُكم له على غيره.
قال: ويقال: الحكمةُ موافقةُ أمرِ اللَّه تعالى، والسَّفهُ مخالفةُ أمره، والحكمةُ شهودُ الحقِّ، والسَّفهُ شهودُ الخَلْق (^٣).
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في "النكت والعيون" (١/ ٣٤٤)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٨ - ١٢).
(٢) في (أ) و(ف): "زواجر".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٨).
[ ٣ / ٣٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وما يتَّعظ بمواعظ اللَّهِ إلَّا أولو الألباب؛ أي (^١): العقولِ السليمةِ، ولا يتناول هذا كلَّ مكلَّف وإن كان ذا عقل، فإنَّ (^٢) مَن لا يغلب عقلُه هواه لم ينتفع به، فكأنَّه لا عقلَ له.
* * *
(٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾: (ما) كلمةُ شرطٍ، وهي للعموم؛ أي: أيُّ شيءٍ أنفقتم، على أيِّ وجهٍ كان منكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾: أي: الْتزَمْتم للَّه تعالى مِن فعل خيرٍ، أو ترك شَرٍّ، ووفَّيتم به، هذا مُضمَر فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: هذا جزاءُ الشرط، والهاءُ راجعةٌ إلى (ما)، ولذلك لم يُثَنَّ مع ذِكْر شيئين: النفقةِ والنَّذرِ؛ لأنَّ (ما) شيءٌ واحدٌ، والكنايةُ راجعةٌ إليه، وهو أبلغُ (^٣) وعدٍ ووعيدٍ على ما مرَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: ليس لمَن خالف أمرَنا في الإنفاق، أو خالف ما نَذره مِن الطاعة لنا، مَن يَدفعُ عنه عذابنا؟!
والأنصارُ جمعُ جمعِ النَّاصر؛ فإنَّ النَّصْرَ يُجمع على النَّصْر، كالراكب يُجمع على الرَّكب، ثمَّ النَّصْر يُجمع على الأنصار، ومثلُه: الشاهدُ جمعه: الشَّهْد، ثم جمعُ الشَّهْد: الأشهاد.
_________________
(١) قوله: "الألباب أي" من (ر).
(٢) في (أ) و(ف): "لأن".
(٣) قوله: "النفقةِ والنَّذرِ؛ لأنَّ (ما) شيءٌ واحدٌ، والكنايةُ راجعةٌ إليه، وهو أبلغ" من (أ).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
ومنهم مَن يجعل الأنصارَ جمعَ النَّاصر، وهو كالأصحاب جمع الصاحب، ومنهم مَن يجعله جمعَ النَّصير، كالأشراف جمع الشريف.
وقال بعضُهم في معنى الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ لوجهِ اللَّهِ، أو للرِّياء، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وهذا وعدٌ ووعيدٌ.
وقال ابنُ كيسان: معناها: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ ممَّا فُرض عليكم ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ إنفاقَه متطوِّعين فوفَّيتم بذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا وعدٌ عليهما جميعًا.
وقال الحسن: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ فأُريد به غيرُ (^١) اللَّهِ تعالى، فإنَّ اللَّهَ لا يَقبله منكم إذا لم تُريدوه وحده (^٢).
* * *
(٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾: أي: إنْ تُظهِروا الصدقاتِ فَنِعْمَ الفعلةُ هذه، وهي كلمةُ مدحٍ، وأصله: نِعمَ مَا، فأُدغمت (^٣) إحدى الميمين في الأخرى.
وقرأها ابنُ كثير، وعاصمٌ في رواية حفصٍ، ونافعٌ في رواية ورشٍ: بكسر النون والعين، والنونُ في (نِعم) كانت مكسورةً، وحُركت العينُ بحركتها حين احتيجَ إلى
_________________
(١) "غير" ليست في (أ) و(ف).
(٢) "وحده" ليست في (أ) و(ف).
(٣) في (أ) و(ف): "أدغمت".
[ ٣ / ٣٩٤ ]
تحريكها عند اجتماعِ الساكنينِ حالَ (^١) إسكانِ الميم الأُولى بالإدغام.
وقرأ أبو عمرو، وعاصمٌ في رواية أبي بكر، ونافع في غيرِ رواية ورشٍ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بكسرِ النُّون وإسكانِ العين (^٢)؛ إبقاءً على ما كان، واحتمَل الجمعَ بين الساكنَيْن لأنَّه عارضٌ ضروريٌّ كما في: الدَّابَّة.
وقرأ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ بفتحِ النونِ وكسرِ العينِ ردًّا إلى الفعل الأصليِّ، وإدغامًا للميم في الميم (^٣).
وقرأ الحسن: ﴿فَنِعْمَ ما هِي﴾ مفصولة (^٤)؛ تحرُّزًا عن التغيير.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾: أي: وإنْ تُسرُّوا (^٥) الصدقاتِ.
وقوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: وتُعطوها الفقراءَ، فالإعطاءُ على الخفيَة خيرٌ مِن الإبداء؛ لِمَا يُخاف في الإبداء مِن الرياء، وليس ذلك في الإخفاء.
وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ إنَّما وحَّد الإشارة مع سبق ذِكْر الإخفاء والإيتاء (^٦)، وهما شيئان؛ لأنَّ المعنى واحدٌ، وهو الإعطاء على خفية.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنْ أَظهرتَ صحبتَك معنا وأَعلنتَ، فلقد
_________________
(١) في (ف): "حالة".
(٢) وروي عنهم أيضًا وجه آخر، وهو: اختلاس كسرة العين، وهو الإتيان بثلثي الحركة، ولم يذكره ابن مجاهد. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٣) انظر هذه القراءات في "السبعة" (ص: ١٩١)، و"التيسير" (ص: ٨٤)، و"النشر" (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤) عن ابن مسعود.
(٥) في (أ) و(ف): "أي تسروها أي".
(٦) في (ر): "الإبداء والإخفاء".
[ ٣ / ٣٩٥ ]
أصبتَ وأحسنتَ، وإنْ حفظتَ سرَّنا عن دخول الوسائط بيننا، فقد صُنْتَ شروطَ الوداد، وشيَّدت مِن بناء الوصلةِ العماد (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ونُكفِّرُ﴾ بالنون والرَّفع، ويكون إخبارًا عن اللَّه تعالى عن نفسِه بكلمة الجمع، وهو بيانُ العَظَمة، كما في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ في مواضع، ويكون مستأنَفًا غيرَ معطوفٍ على جواب الشرط.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ﴿ونُكفِّرْ﴾ بالنون والجزم على جواب الشرط، وتقديره: وإنْ تُخفوها وتُؤتوها الفقراء يَكن خيرًا لكم، ونُكفِّرْ نحنُ (^٢) مِن سيئاتِكم بذلك.
وقرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية حفصٍ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء والرفع (^٣)، وتقديره: واللَّهُ يُكفِّر بذلك مِن سيئاتكم.
ودخول (مِن) للتبعيض؛ أي: يُكفِّر (^٤) بعضَ سيئاتكم بهذه الصدقات.
والآيةُ ردٌّ على المعتزلة؛ فإنَّهم يقولون: الصغائرُ تقع مغفورةً، فلا حاجةَ إلى تكفيرها بشيءٍ، والكبائر لا تجوز مغفرتُها، واللَّهُ عزَّ وعلا أخبر أنَّ الصدقاتِ تُكفِّر بعضَ السيئات، فإنْ كانت تُكفِّر الصغائرَ فقد بطَل قولُهم: إنَّ الصغائرَ لا يحتاج فيها إلى التكفير، وإنْ كانت تُكفِّر الكبائرَ فقد بطَل (^٥) قولهم: إنَّه لا يجوزُ غفرانُ الكبائر.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٩).
(٢) في (ر) و(ف): "ونحن نكفر".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ١٩١)، و"التيسير" (ص: ٨٤).
(٤) في (ف): "نكفر".
(٥) في (أ) و(ر): "أبطل" في الموضعين.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أَبدَيْتُم أم أَخْفَيُتم، أَخْلَصْتم أم راءَيْتُم، مَنعْتُم أم أَعطَيْتُم، فيَجزيكم على وَفقِ ما آتيتم.
وقيل: هو حثٌّ على الإخفاء، فإنَّه يقول: إذا علمتَ أنَّا نعلمُ، فلا حاجةَ إلى إبداء (^١).
وقيل: هذا في التطوُّعِ، فأمَّا الفرضُ فالإبداءُ فيه (^٢) أَولى؛ نفيًا للتُّهَمة عن نفسه، وحملًا للغير على فعله، ولا رياءَ في الفرائض.
وقال الزجَّاج: كان هذا على عهدِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، كان الإخفاءُ في إيتاء الزكاة أحسنَ، فأمَّا اليومَ فالنَّاس (^٣) يسيئون الظَّنَّ، فالإظهارُ أحسنُ، وأمَّا (^٤) التطوُّع فإخفاؤه أحسنُ (^٥).
وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ الصحابةَ رضوان اللَّه عليهم قالوا: صدقةُ السِّرِّ أفضلُ أم صدقةُ العلانية، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٦).
وقال الشَّعبيُّ ﵀: نزلت الآيةُ في أبي بكر وعمر ﵄؛ جاء عمرُ بنصف مالِه يَحمله على رؤوس الناس، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ما تركتَ لأهلكَ يا عمرُ؟ " فقال: نصفَ مالي يا رسولَ اللَّه، وجاء أبو بكر ﵁ بكلِّ مالِه يَكاد يُخفي مِن نفسه حتى دَفَعها إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "ما تركتَ لأهلكَ يا
_________________
(١) في (أ): "إذا علمت أنا فأي حاجة لك إلى الإبداء".
(٢) في (أ): "به".
(٣) في (أ): "فإن الناس".
(٤) في (ف): "فأما".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٥٤).
(٦) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٠٤)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٧٢).
[ ٣ / ٣٩٧ ]
أبا بكرٍ؟ " فقال: اللَّهَ ورسولَه، فقال عمرُ لأبي بكرٍ: بنفسي أنتَ، ما سابقنا (^١) في بابِ خيرٍ قطُّ إلَّا سبقتنا إليه، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٢).
ودلَّت الآيةُ على أنَّ صرفَ الزكاة إلى صنفٍ واحدٍ مِن الأصناف الثمانية جائزٌ، وهو مذهبنا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جعل الإخفاءَ خيرًا، وهذا أقربُ إلى الإخفاء، ولأنَّه (^٣) جعل إيتاءَ الفقراءِ خيرًا وهم صنفٌ واحدٌ منهم.
* * *
(٢٧٢) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: ليس عليكَ يا محمَّد أنْ تُرشد الكفار، ولكنَّ اللَّه يرشدُ مَن يشاء، والخطابُ خاصٌّ، والمراد عامٌّ يتناول كلَّ أهل الإسلام.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الآيةُ تردُّ على المعتزلة: أنَّ كلَّ الهدى البيان (^٤)، فلو كان كذلك لكان رسولُ اللَّه -ﷺ- يَملك ذلك كلَّه؛ إذ عليه البيانُ.
قال: وقيل: أي: ليس عليكَ حسابُ تركِ اهتدائهم، وهذا كقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ
_________________
(١) في (ر): "سبقناك".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٣٦).
(٣) في (أ): "لأنه".
(٤) في (ر) و(ف): "للبيان" والمثبت موافق لما في مطبوع "التأويلات".
[ ٣ / ٣٩٨ ]
حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] (^١).
واتِّصال هذا الكلام بالنفقات المذكورة قبلَه وبعده (^٢) يُعرَف بقصَّة نزولها:
قال ابنُ عباس ﵄: اعتمرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- عمرةَ القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماءُ بنتُ أبي بكر ﵄، فجاءتها أمُّها قُتيلة وجدَّتها يَسألانها، فقالت: لا أُعطيكما شيئًا حتى أستأمرَ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فإنَّكما لستُما على ديني، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من مالٍ ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الثواب ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا﴾ وما تتصدَّقوا (^٣) ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مِن مالٍ ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: يوفَّر عليكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ فأمرها رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ تتصدَّق عليهما، فأَعطتهما ووصلتهما (^٤).
وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ناسًا مِن المسلمين كانت لهم أصهارٌ مِن اليهود ورضاعٌ، وكانوا ينفعونهم (^٥) قبلَ الإسلام، فلمَّا أَسلموا كرهوا أنْ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٦٥).
(٢) في (أ) و(ف): "قبلها وبعدها".
(٣) في (أ): "تصدقوا".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٧٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٠)، كلاهما عن الكلبي، فالأرجح أن روايته عن ابن عباس هي من طريق الكلبي، وهو متروك. والقصة وردت مختصرة في الصحيحين من حديث أسماء ﵂، لكن دون ذكر لسبب النزول، رواها البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣). بل جاء في رواية عند البخاري برقم (٥٩٧٨) أنها سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨].
(٥) في (ف): "ينفقونهم"، وفي (أ) و(ر): "ينفقوا عليهم"، والمثبت من المصادر.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
ينفعوهم (^١)، فاستأمروا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ فأَعطوهم بعد نزول هذه الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (ما) كلمةُ شرطٍ، و﴿تُنْفِقُوا﴾ جزمٌ به، وعلامةُ جزمه حذفُ (^٣) النون مِن آخره، وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ جزاؤه؛ أي: كلُّ شيءٍ أَنفقتم مِن مالٍ فثوابُه لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ذكروا (^٤) له وجوهًا كثيرةً، وهي ترجع في الحاصل إلى ثلاثة:
أحدها: أنَّ ﴿وَمَا﴾ للنفي، و﴿تُنْفِقُونَ﴾ إثباتٌ، و﴿إِلَّا﴾ استثناءٌ، وهو كلامٌ تامٌّ، وهو تمهيدُ عذرٍ لهم فيما يُعطونه أقرباءَهم الكفارَ؛ أي: ولستم تُنفقون على الكفار مِن أقربائكم إلَّا بأمرِ اللَّهِ؛ لابتغاء مرضاتِ اللَّه.
والثاني: الواو للحال، و﴿وَمَا﴾ بمعنى (لا)، وهو متَّصلٌ بالكلام الأوَّل، وتقديره: وما تُنفقوا مِن خيرٍ وأنتم لا تنفقون ذلك إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ، فلأنفسكم ثوابُ ذلك.
والثالث: أنَّ هذا نفيٌ، ومعناه النهيُ، وكثيرٌ مِن المناهي وردت على طريقة النفي، كقوله ﵊: "لا يستام الرجلُ على سومِ أخيه" (^٥)، ومعنى هذا: ولا
_________________
(١) في (ف): "ينفقوهم"، وفي (أ): "ينفقوا عليهم".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٣٣٤) ط: دار التفسير، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٠)، كلاهما عن الكلبي، ودون نسبة في "الكشاف" (١/ ٣١٧)، و"تفسير البيضاوي" (١/ ١٦١).
(٣) في (أ): "وعلامة الجزم سقوط".
(٤) في (ف): "ذكر".
(٥) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٨٩٩)، والبخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٥١٥)، ولفظه في =
[ ٣ / ٤٠٠ ]
تنفقوا إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ، ومعنى ابتغاءِ وجهِ اللَّه: طلبُ رضا اللَّه، وهو متعارَفٌ في الكلام، يقول الرجل: أَفعلُ هذا لوجهِ زيدٍ؛ أي: لطلب رضاهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾: هذا شرطٌ وجزاءٌ على ما مرَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: أي: لا تُنقصون، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ أي: لم تَنقص (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ على جواز دفع الكفارات إلى الكفار؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جعلها نافعةً لنا ومكفِّرةً لِمَا ارتكبنا، وممَّا يوفِّر علينا به الثواب (^٢).
* * *
(٢٧٣) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: اتِّصاله بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ إلى آخرِ الآية ﴿فَنِعِمَا هِىَ﴾.
وقيل: لمَّا قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ كأنَّهم قالوا: لأيِّ الفقراء؟ فقيل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾.
وقيل: معناه: هذه النفقاتُ المذكورةُ في هذه الآيات للفقراء.
_________________
(١) = الصحيحين: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه.
(٢) "أي لم تنقص": من (أ).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٦٦).
[ ٣ / ٤٠١ ]
وقيل: هو ابتداءٌ، وجوابُه محذوفٌ في آخره؛ أي: للفقراء الذين لهم (^١) حقٌّ في مالكم.
وقوله تعالى: ﴿أُحْصِرُوا﴾؛ أي: مُنعوا، وقد فسَّرناه في آية الإحصار في الحجِّ على الاستقصاء.
وقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طريق رضا اللَّه، وهم أصحابُ الصُّفَّة؛ وكانوا أربعَ مئةِ إنسانٍ، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائرُ، فكانوا (^٢) يَخرجون في كلِّ سريَّة بعثها النبيُّ -ﷺ-، ثم يرجعون إلى مسجد النبيِّ -ﷺ-.
ومعنى إحصارِهم في سبيل اللَّه هاهنا: أنَّ اشتغالهم بطاعة اللَّه تعالى وطلبِ مرضاته ومحبة (^٣) رسوله قد أَحصرهم في مدينة الرسول وفي مسجده.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: سيرًا في البلاد، كما قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] ومعنى عدمِ الاستطاعة: أنَّهم يَكرهون المسيرَ (^٤) لئلا تفوتهم صحبةُ رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع.
وقيل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ أي: لا يضربون في الأرض، فنفيُ الاستطاعة بنفي (^٥) الضرب، وهي دلالةٌ واضحةٌ أنَّ (^٦) حقيقة الاستطاعة مع الفعل، وهي حجَّة لنا على المعتزلة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "هذه صفتهم".
(٢) في (أ): "وكانوا".
(٣) في (أ): "وصحبة".
(٤) في (أ): "السير".
(٥) في (ر): "تنفي".
(٦) تحرفت في (ر) و(ف) إلى: "أي".
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: أي: يظنُّهم الجاهلُ بحالهم مِن تعفُّفهم (^١) -أي: بسببِ قناعتهم وامتناعهم عن (^٢) مباسطة الناس وعن كشفِ حالِهم لهم (^٣) - أغنياءَ.
وقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ قيل: الخطابُ للنبيِّ -ﷺ-، وقيل: لكلِّ راغبٍ في معرفة حالهم، يقول: تعرفُ فقرَهم بالعلامة في وجوههم مِن أَثَر الجوع والحاجة، وقد (^٤) قيل: لسانُ الحال أوضحُ (^٥) مِن لسان المقال.
والتوفيقُ بين هذا وبين الأوَّل: أنَّ (^٦) مَن أراد معرفةَ حالهم بالسؤال لم يَصِل إليهم، لانهم لا يَسألون، لكنْ مَن نَظَرَ في وجوههم استدلَّ به على أحوالهم.
وقيل: معنى قوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: ليس تعرفُهم بفقرهم، بل نقول: تعرف آثارَ خشوعهم وكثرةَ صلاتهم بالليل بما ظهر في (^٧) وجوههم مِن صُفرة السَّهر ونور (^٨) قيام الليل.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: أي: إلحاحًا، وهو لزومُ السؤال، مِن اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به، وظاهره نفيُ سؤالهم على
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التعفف".
(٢) في (ر) و(ف): "من".
(٣) في (ر): "أنهم".
(٤) "قد": من (أ).
(٥) في (أ): "أفصح".
(٦) في (ف): "أي".
(٧) في (ف): "على".
(٨) قوله: "نور" لم يرد في (أ)، وجاء في (ر): "وتورم".
[ ٣ / ٤٠٣ ]
الإلحاح، وكان يُتوهَّم أنَّهم كانوا يَسألون عند الحاجة بقَدْر الحاجة ولا يُلحُّون، لكن عُرف بقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أنَّهم ما كانوا يَسألون الناس أصلًا، ولهذا قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في تفسيره: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غيرَ إلحاف (^١).
وإنَّما استفاد هذه الزيادة بما قلنا، ولعلَّ تركَ غير الإلحاف ذكرًا في الآية؛ لفائدةِ إطلاق السؤال لغيرهم عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن (^٢) فعله مضطرًّا.
وقال الزجَّاج: معناه: لا يَسألون الناسَ أصلًا، فيكونَ إلحافًا، واستَشهد بقولِ امرئِ القيس في المعنى (^٣):
على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِهِ (^٤)
أي: لا منارَ به فيُهتدَى له (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذا شرطٌ وجزاءٌ
_________________
(١) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢٠٦).
(٢) في (ف): "عن".
(٣) "في المعنى" سقط من (أ) و(ف).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٥٧)، والبيت في "ديوان امرئ القيس" (ص: ٩٦)، وعجزه: إذا سافَهُ العَوْدُ النّبَاطيُّ جَرْجَرَا المعنى: ليس به منار فيُهتدَى به، وكذلك ليس من هؤلاء سؤالٌ فيقعَ فيه إلحافٌ. اللاحب: الطريق المنقاد الذي لا يَنْقَطِع، سافه: شمّه، النباطي: الضخم، جرجر: ضغا خوفًا من بُعده، والعود: الجمل المسن، وإنما جعله عودًا لأنه أعلم بالطريق.
(٥) في (ر) و(ف): "لا منار له فيهتدى".
[ ٣ / ٤٠٤ ]
أيضًا، فإنَّه وصله بالفاء، وتكريرُه (^١) مرارًا لتقريره وتأكيده، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منها خُصَّ بجزاءٍ أو (^٢) معنًى، مِن ذكرِ سببٍ أو مستحِقٍّ أو حالٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَخَذَ عليهم سلطانُ الحقيقةِ كلَّ طريقٍ، فلا (^٣) لهم مِن المشرق مَذْهبٌ ولا مِن (^٤) المغرب مَضْربٌ، كيف ما ثووا (^٥) رَأَوا سرادقاتِ التوحيد محدِقة بهم، قال القائل (^٦):
كأنَّ فجاجَ الأرضِ ضاقت برَحْبِها عليَّ فما تزدادُ طُولًا ولا عَرْضًا
فلا يَسلم لهم نَفَسٌ واحدٌ (^٧) مع الخَلْق، وأنَّى ذلك ولا خَلْقَ، وإذا لم يكن، فإثبات ما ليس بشركٍ (^٨) في التوحيد، والفقيرُ الصادقُ واقفٌ مع اللَّهِ للَّه باللَّه، لا إشرافَ للأجانب عليهم، ولا سبيلَ لمخلوقٍ إليهم، يُظهِرهم اللَّهُ تعالى في عيونِ الأغيارِ في لبسةٍ سوى ما هم عليه، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فأمَّا مَن كان محرومًا (^٩) فلا يُشكِل عليه شيءٌ مِن أحوالهم.
_________________
(١) في (ر): "وتقديره".
(٢) في (ر): "أخص جزاء و".
(٣) في (ر): "فما".
(٤) في (أ): "في". وعبارة "اللطائف": (فلا لهم في الشرق مذهب، ولا لهم في الغرب مضرب).
(٥) في (أ): "نووا"، وفي (ف): "تووا". وفي "اللطائف": (نظروا).
(٦) في (أ): "قال قائلهم".
(٧) في (أ): "واحدة". وليست الكلمة في "اللطائف".
(٨) بعدها في "اللطائف" كلمة غير واضحة كما ذكر المحقق، ورسمها: (سقها).
(٩) في (أ) و(ف): "مجرمًا"، وقوله: "فأمَّا مَن كان محرومًا فلا يُشكِل عليه شيءٌ مِن احوالهم" لم يرد في مطبوع "اللطائف".
[ ٣ / ٤٠٥ ]
﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ يا محمَّد أنتَ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، ليست تلك السيما ممَّا يَلوح للبصر (^١)، تلك سيما تُدركها البصيرةُ، لا إشراف عليهم إلَّا بنور الأحدَّية.
﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فإنْ جرى منهم بين الخلق بدون الإلحاف سؤالٌ -لِمَا يشير إليه دليلُ الخطاب- فذاك صيانةٌ لهم وسترٌ لقصَّتهم؛ ليلاحظهم (^٢) الخلقُ بعين السؤال، وليس على سرِّهم ذرَّةٌ مِن الإثبات للأغيار.
ويقال: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وَقَفوا على حكم اللَّه، فأَحصروا نفوسَهم على طاعته، وقلوبَهم على معرفته، وأرواحَهم على محبَّته، وأسرارهم على رؤيته.
ويقال: سِيماهم: استبشارُ قلوبهم عند انكسارِ نفوسِهم، وصياح (^٣) أسرارهم إلى العرش؛ نشاطًا عند ذبول ظواهرهم عن الانتعاش عيانًا، وتكسُّر الظاهر عند تكسُّرِ الباطن (^٤).
* * *
(٢٧٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: الكلماتُ ظاهرةٌ وقد مرَّ كشفُها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "للبصير".
(٢) في "اللطائف": (لئلا يلاحظهم).
(٣) في (ر): "وصفاء"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وقال مجاهدٌ ﵀: نزلت الآية في عليِّ بنِ أبي طالب ﵁؛ كان يملكُ أربعةَ دراهم، فأعطى درهمًا بالليل، ودرهمًا بالنهار، ودرهمًا في السِّرِّ، ودرهمًا في العلانية (^١)، فأَحسَن اللَّهُ تعالى الثناءَ عليه بصنيعه.
وروي هذا عن ابنِ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وزاد فيه: فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ما حملك على ذلك؟ "، قال: حملني أنْ أستوجبَ على اللَّهِ الذي وعدني. فقال له رسولُ اللَّه ﵊: "أَلَا إنَّ ذلكَ لكَ" فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وفي رواية: قال: يا رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليك وسلم، الأحوالُ أربعٌ فقلت (^٣): لعلَّ اللَّهَ يَقبلُ واحدةً منها، فقال له: "أَبشِر يا عليُّ، فإنَّ اللَّهَ قد قَبِلها كلَّها" ونزلت هذه الآية (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ما دام لهم مالٌ لم يَفتُرُوا ساعةً عن إنفاقه ليلًا ونهارًا، وإذا نفد المال لم يَفتروا مِن شهوده لحظةً ليلًا ونهارًا (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٤٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٩٢)، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك كما في "التقريب".
(٢) رواه دون هذه الزيادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٤) من طريق مجاهد عن ابن عباس، وفي إسناده أيضًا عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك كما ذكرنا، لكن رواه -دون الزيادة أيضًا- من طريق آخر الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٧٢) (ط: دار التفسير)، وابن مردويه في "تفسيره" كما في "العجاب" لابن حجر (١/ ٦٣٤). وذكره بهذه الزيادة مقاتل في "تفسيره" (١/ ٢٢٥) دون عزو، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٩٢) عن الكلبي.
(٣) "فقلت" سقط من (ف).
(٤) لم أجده.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١٠).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
(٢٧٥) - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ انتظامُ هذا بما قبله (^١): أنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ المؤمن (^٢) بإعطاءِ مالِه للفقير، ووعد عليه الثواب، ثم حرَّم عليه أخذَ مالِ غيره (^٣) بغيرِ حقًّ، وأَوعَد عليه العقاب.
وقوله: ﴿يَأْكُلُونَ﴾؛ أي: يأخذون؛ فإنَّ الوعيدَ يَلحقُ الآخِذَ كما يَلحقُ الآكِلَ، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] لكنْ ذُكر الأكل لأنَّ معظمَ مقصودِ الأخذِ الأكلُ.
وقوله: (الرِّبَا): هو الفَضْلُ الحرامُ، وأصلُه للفضلِ المطلق، يقال: رَبَا يَربُو رَبْوًا، إذا زاد زيادة، وأَرباه غيرُه (^٤)، قال تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت.
والرِّبا المحرَّمُ شرعًا: هو الفَضْلُ مِن حيث القَدْرُ في الأشياء السِّتَّة المنصوصِ عليها لا غير عند داود بنِ عليٍّ الأصبهانيِّ، وهي ما روى أبو سعيد الخدريُّ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الذهبُ بالذهبِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفَضْلُ ربًا، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مثلٌ بمثلٍ يد بيدٍ، والفضلُ ربًا، والتمرُ بالتمرِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفضلُ ربًا، والحِنطةُ بالحِنطةِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيد، والفضلُ ربًا، والشعيرُ بالشعير مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ،
_________________
(١) في (أ): "وانتظام هذه الآية بما قبلها".
(٢) في (ر): "المؤمنين".
(٣) في (ر): "عليهم أخذ مال غيرهم".
(٤) عبارة: "وأرباه غيره" ليست في (ر)، وكلمة "زيادة" ليست في (أ) و(ف).
[ ٣ / ٤٠٨ ]
والفضلُ ربًا، والملحُ بالملحِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفضلُ ربًا"، هذه روايةُ محمَّد -﵀- في كتاب البيوع (^١).
وزاد في كتاب الصرف: "كيلٌ بكيلٍ في التمر والحنطة والشعير والملح، ووزنٌ (^٢) بوزنٍ في الذهب والفضَّة" (^٣)، وهذا الخبرُ غيرُ معلولٍ (^٤) عند داود، والحرمةُ مقتصرةٌ عليها عنده، فإنَّه لا يرى القياس.
وقال القائسون: هو معلولٌ، واختلفوا في علَّته:
فقال مالكٌ ﵀: هو الاقتياتُ والادِّخارُ، فتعدَّى الحكمُ إلى كلِّ مُقتاتٍ ومدَّخر (^٥).
وقال الشافعيُّ ﵀: هو الطُّعْمُ في الجنس (^٦) في الحنطة والشعير والتمر والملح، فيُعدِّيه إلى كلِّ مأكولٍ ومشروبٍ، والثَّمَنيَّةُ في الذهب والفضَّة، فلا يُعدِّيه إلى غيرهما مِن الوزنيَّات.
والعلَّةُ عندنا: اجتماعُ القَدْرِ والجنسِ، والقَدْرُ: هو الكيلُ فيما يُكال والوزنُ فيما يُوزن.
_________________
(١) رواه محمد بن الحسن في "الأصل" (٥/ ١ - ٢) عن أبي حنيفة، عن عَطِيَّة العَوْفِيّ، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن رسول اللَّه -ﷺ-.
(٢) في (أ): "بالشعير وزن" بدل: "والملح ووزن".
(٣) لم أجده بهذه الرواية، ولم أجد كتاب الصرف في المطبوع من "الأصل" لمحمد بن الحسن.
(٤) قوله: "غير معلول" المراد به العلة في اصطلاح الفقهاء؛ أي: غير خاضع لعلة، وليس المراد به العلة في مصطلح المحدثين، والتي تتعلق بالحكم على الإسناد.
(٥) في (أ): "مقتات مدخر".
(٦) في (أ): "الطعم والجنس"، والمثبت من باقي النسخ، والمراد: الطعم في المطعومات؛ أي: أن العلة في الأربعة الأتية كونها مطعومة. انظر: "شرح مسلم" للنووي (١١/ ٩).
[ ٣ / ٤٠٩ ]
ونوعٌ آخرُ مِن الربا هو الفَضْلُ مِن حيث التعجيلُ، والأولُ حقيقةُ الرِّبا، والثاني شبهة الرِّبا (^١)، ويُسمَّى ربا النَّساء.
والأولُ يثبتُ بحقيقة العلَّة، وهي القَدْرُ مع الجنس عندنا في الكيليَّات والوزنيَّات كلِّها، والطُّعْم مع الجنس عنده، ولا يَثبت في النقد بالكيل وحده، ولا بالوزن وحده، ولا بالجنس وحده.
والثاني يثبتُ بشبهة العلَّة، وهي أحدُ وصفَي العلَّة، فيثبت بالكيل وحده، وبالوزن وحده، وعنده بالطُّعم وحده، فأمَّا الجنسُ وحده فعندنا يَثبت به، وعنده لا يَثبت به (^٢).
وجملتُه: أنَّ القدرَ والجنسَ إذا وُجِدا حَرُمَ الفضلُ والنَّساء، وإذا عُدما حلَّا، وإذا وُجد القَدْرُ وحده حلَّ الفضلُ وحرمَ النَّساء، وإذا وُجد الجنسُ وحده ففيه هذا الاختلاف.
وشرحُ هذه الأصول في كتب الفقه، ونحن استقصينا الكلامَ في الصور والدَّلائل في "حصائل المسائل" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ﴾: أي: في (^٤) القيامة ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: الخَبْطُ: الضَّرْبُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجلَيْن، والزَّبْن بالرُّكبتين، والتخبُّطُ: تكلُّف الخَبْط، والمسُّ: الجنونُ، و: قد مُسَّ، على ما لم يُسمَّ فاعلُه، فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُنَّ فهو مجنون، والجنون قد يكون بضرب
_________________
(١) في (أ): "ربا".
(٢) "به" سقط من (أ).
(٣) كتاب للمؤلف ذكره في خطبة كتابه: "طلبة الطلبة"، وذكره أيضًا عبد اللَّطيف بن محمد بن مصطفى الشهير برياضي زَاده في "أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون".
(٤) في (ف): "يوم".
[ ٣ / ٤١٠ ]
الشياطين والجِنِّ، ولذلك سُمِّي مجنونًا، وهو بتسليط (^١) اللَّه تعالى إيَّاهم على الناس، كما يُسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسِّباع، وله أنْ يفعل في مُلكه ما يشاء؛ أي: لا يقوم آخذُ الربا في القيامة إلَّا كالذي ضربه الشيطانُ فخَبَله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويَسقط ليس كسائر الناس، فإنَّهم يقومون (^٢) مِن الأجداث سِراعًا، وهذه عقوبةٌ لهم يُعرَفون بها يومئذٍ، وقد ثَقَّل بطونهم ما أكلنَ (^٣) الرِّبا.
وقيل: ينتفخ بطنُه يومئذٍ (^٤).
وقيل: أي: يُملأ جوفُه حيَّاتٍ وعقاربَ ونيرانًا (^٥).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: أي: هذا العقابُ لهم في الآخرة باستحلالهم الربا وتمثيلِهم إيَّاه بالبيع قياسًا فاسدًا على معارضةِ ورودِ الشرع بخلافه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الآيةُ دليلُ جوازِ القياس في العقل؛ لأنَّه لو لم يكن في العقل جوازُه لم يكن لقولهم هذا معنًى، لكن وقعَ قياسهم فاسدًا لِمَا قلنا، وفيها دليل أنَّ حرمةَ الرِّبا كانت ظاهرةً عندهم، وكانت هي فيما بينهم كهي فيما بين المسلمين، ولذلك (^٦) قال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الرِّبا فيما بين أهل الإسلامِ وأهل الذِّمَّة (^٧).
_________________
(١) في (أ): "تسليط".
(٢) في (أ) و(ف): "لأنهم يخرجون"، بدل: "فإنهم يقومون".
(٣) في (أ): "ما أكلوه" وفي (ر): "من أكل".
(٤) "وقيل ينتفخ بطنه يومئذ": من (أ).
(٥) في (ف): "ونيران"، وليست في (ر).
(٦) في (أ): "فلذلك".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ٣ / ٤١١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: أي: كيف يتماثلان والبيعُ محلَّلٌ بتحليل اللَّه تعالى، والرِّبا محرَّمٌ بتحريم اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: لم يقل: جاءته؛ لأنَّ الفعلَ مقدَّم، ولأنَّ الموعظةَ بمعنى الوعظ، ولأنَّ الموعظةَ تأنيثُها ليس (^١) بحقيقيٍّ؛ أي: مَن بلَغه هذا الوعظُ والتحريمُ.
﴿فَانْتَهَى﴾: أي: امتنع عن الاستحلالِ والأخذِ.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾: أي: فله ما أخذَ فيما مضى قبل التحريم، وليس عليه ردُّه، وأيضًا غُفر له ما مضى في كفره؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وأشار الإمام أبو منصورٍ ﵀ إلى أنَّ معناه: أنَّه لو ندمَ على ذلك الفعلِ صار له بعد أنْ كان عليه، من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: لا خصومة (^٣) للمُعطي، بل صار أمرُه إلى اللَّه وحده.
وقيل: أي: مغفرتُه وتعذيبُه إلى اللَّه تعالى، فإنَّ توبته لا يَعلم حقيقتَها إلَّا اللَّه، فهو يغفر له إنْ حقَّق، ويعذِّبه إنْ [لم يحقِّق.
وقيل: أمرُه إلى اللَّه في المستقبل، يعصمُه إنْ شاء، ولا يعصمُه إنْ] (^٤) شاء، والأول قد غفر له.
_________________
(١) في (أ): "الموعظة ليس بمؤنث".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٧٠).
(٣) في (أ): "لا حرمة".
(٤) ما بين معكوفتين من (أ).
[ ٣ / ٤١٢ ]
وقال الإمام القشيريُّ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾: مَن انتبه بزواجر الوعظ، وكبحَ لجامَ الهوى، ولم يُطلِق عنانَ الإصرار، فله الإمهالُ في الحال، فإنْ عاد إلى مذمومِ تلك الأحوال، فليَنتظِر وَشْك (^١) الاستئصال، وفجاءةَ النَّكال (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: تعلَّقت المعتزلةُ بظاهر هذا في القول بتخليد الفُسَّاق في النار، أنَّه بعَوْده إلى آكلِ الرِّبا -وهو معصيةٌ- صار خالدًا في النار، وقلنا: معناه: ومَن عاد إلى الاستحلال، بدليلِ ما قبله وما بعده، فإنَّه قال في أوَّله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وهذا تسويةٌ بينهما واستحلالٌ لهما، وقال في آخره: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وهو (^٣) مبالغةٌ في صفة الكافر (^٤).
* * *
(٢٧٦) - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: المحقُ: نقصانُ الشيء حالًا بعد حال حتى يذهبَ كلُّه كما في محاقِ الشهرِ، وهو حالُ آخذِ الربا؛ فإنَّه يذهب مالُه كلُّه ولا يَنتفع به ولدُه مِن بعده.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي: ينمِّيها ويَزيدها، فيُبارك في مالِه ويَنتفع (^٥) به أولادُه مِن بعده.
_________________
(١) أي: سرعة. انظر: "القاموس" (مادة: وشك).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١١).
(٣) "وهو": زيادة من (أ).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٧١).
(٥) في (أ): "وينفع".
[ ٣ / ٤١٣ ]
وهذا في الدنيا، وكذلك في الآخرة؛ فإنَّه يَجعل الصدقات مِن الربا هباءً منثورًا، ويجعلُ الخبيثَ بعضَه على بعضٍ فيركمُه جميعًا فيجعلُه في جهنَّم، ويضاعِف الصَّدقات على ما مر، فيجوزُ أنْ يكون المراد في الدنيا، ويجوز أنْ يكون المراد (^١) في الآخرة، ويجوز أنْ يكون (^٢) كلاهما.
وقال القشيريُّ ﵀: ما كان بإذن اللَّه مِن التصرُّفات فمقرونٌ بالخيرات مصحوبٌ بالبركات، وما كان بمتابعة الهوى والشهوات سلَّط اللَّهُ (^٣) عليه المحقَ والهلكاتِ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾: أي: يبغض ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ الفعَّال للمبالغة، وهو صفة للمُصرِّ به المصرِّ عليه ﴿أَثِيمٍ﴾ الأثيم أبلغ من الآثم، ومعناه: كلَّ كفارٍ باستحلاله أثيمٍ بأكله.
* * *
(٢٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيرُ كلِّ كلماتها.
وانتظامُها بما قبلها: أنَّه ليس حالُه كحالِ مَن محقَ اللَّهُ تعالى طاعته (^٥) بكفره.
_________________
(١) "المراد" سقط من (أ).
(٢) "أن يكون": من (أ).
(٣) لفظ الجلالة ليس في (أ) و(ف).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١١).
(٥) في (أ): "طاعاته".
[ ٣ / ٤١٤ ]
(٢٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: واتركوا ما بقيَ لكم غيرَ مقبوضٍ مِن مال الرِّبا على مَن عامَلْتُموه به إن كنتم محقِّين (^١) في الإيمان؛ فإنَّ الإيمانَ يوجب عليكم طاعةَ ربِّكم فيما أَمركم به، فأمَّا المقبوضُ قبل التحريم فقد دخل في قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دليلٌ أنَّ حدوثَ الحرمة المانعةِ للقبض يَرتفع به العقدُ، ويَثبت به أيضًا أنَّ حدوثَ شيءٍ في عقدٍ معقودٍ قبل القبض، كالمعقود عليه في استيجاب (^٢) حصَّته مِن الثمن (^٣).
وقال السدِّيُّ ﵀: نزلت الآيةُ في العبَّاس بنِ عبد المطلب وخالد بنِ الوليد وغيرِهما، كانت لهم ربًا على ثَقيف فأُمروا برفضها (^٤).
ورويَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا دخل مكَّة عامَ الفتح قبل حجَّة الوداع قال: "إنَّ كلَّ ربًا كان في الجاهلية فهو موضوعٌ تحت قدميَّ هاتين، وأوَّل ربًا أضعه ربا العبَّاس بنِ عبد المطلب" (^٥).
وقال عكرمة وعطاءٌ: نزلت في العبَّاس بنِ عبد المطلب وعثمان بنِ عفان، وكانا قد أَسلفا في التَّمر، فلمَّا حضر الجذاذُ (^٦) قال لهما صاحبُ التمر: لا يبقى لي ما يكفي
_________________
(١) في (أ): "محققين".
(٢) في (ر) و(ف): "استحقاق".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٧٢).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٨٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٣ - ٩٤). ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٤٨)، وفيهما: (العباس ورجل من بني المغيرة).
(٥) قطعة من حديث جابر الطويل في الحج، رواه مسلم (١٢١٨).
(٦) في (أ): "الجداد"، وفي (ف): "الحداد".
[ ٣ / ٤١٥ ]
عيالي إنْ أنتما أخذتُما حقَّكما كلَّه، فهل لكما أنْ تأخذا النصف وتُؤخِّرا النصف، وأُضْعِفَ (^١) لكما، ففعَلا، حتى إذا حلَّ ذلك الأجلُ، سألهما التأخيرَ ويُضْعِفُ لهما، فبلغ ذلك النبيَّ -ﷺ-، فنزلت هذه الآيةُ، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوسَ أموالهما (^٢).
وقال مقاتل ﵀: نزلت الآيةُ في أربعةِ إخوةٍ: مسعودٍ وحبيبٍ وربيعةَ وعبدِ ياليلَ، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي؛ كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وكانوا يُربُون، فلمَّا ظهر النبيُّ -ﷺ- على الطائف اشترطت ثَقيف أنَّ كلَّ ربًا لهم على الناس فهو لهم، وكلَّ ربًا عليهم للناس فهو موضوعٌ عنهم، وطلبوا (^٣) رباهم إلى بني المغيرة، فاختصموا إلى عتَّاب بنِ أَسيد بن أبي العَيص بن أميَّة ﵁، وكان رسول اللَّه -ﷺ- استعمله على مكَّة، فقالوا بنو المغيرة: ما لَنا جُعلنا أَشقى الناسِ بالرِّبا وقد وضعه اللَّهُ عن الناس؟! فقالت ثقيف: إنَّا صالحنا على أنَّ لنا رِبانا، فكتب عتَّابُ بنُ أَسيد إلى النبيِّ -ﷺ- بالمدينة بقصَّة الفريقين، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فبعث النبيُّ -ﷺ- بها إلى عتَّاب بنِ أسيد بمكَّة، فبعث عتَّاب ﵁ بها إلى بني عمرو بنِ عمير بنِ عوف، فقالوا: بل نتوبُ إلى اللَّه تعالى ونَذَرُ ما بقيَ مِن الرِّبا، فإنه لا يَدَانِ لنا بحرب اللَّهِ ورسولِه، فطلبوا رؤوسَ أموالهم إلى بني المغيرة، فاشتكوا العُسرة، فأَنزل اللَّهُ ﷻ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "وأضيف".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٨٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٣).
(٣) في (أ) و(ف): "فطلبوا".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، ورواه عن مقاتل ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٠) عن ابن جريج. ورواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٩٣ - ٩٤) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك.
[ ٣ / ٤١٦ ]
وقيل: إنَّ هؤلاء الإخوةَ قالوا حين أسلموا: يا رسولَ اللَّه! متِّعْنا بالطاغية حولًا، ولا نركعَ ولا نسجدَ في الصلاة، ولا نكسرَ أصنامنا بأيدينا، ونطلبَ ربانا مِن الناس، فقال: "أمَّا الطاغيةُ فلا خيرَ في دينٍ مع عبادة الأصنام، وأمَّا الركوع والسجود فلا خيرَ في صلاة لا ركوعَ فيها ولا سجودَ، وأمَّا كسر الأصنام فنحن نكفيكم ذلك، وأمَّا الرِّبا فحرامٌ عليكم؛ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين"، فنزل في ذلك: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٣]، ونزل في الرِّبا قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاكتفاءُ بموعود ربِّه خيرٌ للمسلم (^٢) مِن تعليق قلبِه بمقصودِ نفسه، فأمَّا المقصود فمِن (^٣) تسويلات النفس، والموعودات (^٤) مِن مضمونات الحقِّ (^٥).
* * *
(٢٧٩) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: قيل: إنْ لم تتركوا ما بقي مِن الربا أيُّها المؤمنون.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤). وذكره بنحوه دون إسناد عن ابن عباس ﵄ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٦/ ١١٨)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١١١).
(٢) في (أ): "للمسلمين"، وفي (ر) و(ف): "والمقصود"، والمثبت من "اللطائف".
(٣) في (أ): "فلمقصود من" بدل: "فأما المقصود فمن". وفي "اللطائف" بدلًا من ذلك: (ومقصودك).
(٤) في (أ): "والموعود"، وفي "اللطائف": (وموعودك).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١١ - ٢١٢).
[ ٣ / ٤١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ مقصورًا، وقرأ عاصمٌ -في رواية أبي بكر (^١) - وحمزةُ ممدودًا (^٢).
وتفسير المقصور: فاعلموا أنتم، وتفسير (^٣) الممدود: فأَعْلِموا غيرَكم، يقال: آذَنْتُه بكذا إيذانًا، فأَذِنَ به أَذَنًا؛ أي: أعلمْتُه فعَلِم، وأصلُه: إسماعُ أذنه وإعلامُ قلبه به (^٤).
وتقديره: فاعلموا أنَّكم تحاربون اللَّه ورسوله، وهو تعظيمُ حالِ المؤمنين؛ فإنَّه جعل إيذاءَهم كإيذائه (^٥)، وهو تشبيهٌ لهم بقُطَّاع الطريق، فإنَّ اسمَهم في القرآن هذا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، والجامع بينهما: أنَّ قاطعَ الطريق يحارب المؤمنين فيأخذ منهم ما لم يُعطِهم، فصار محاربًا للَّه ورسوله على معنى أنَّه آذى أولياءَ اللَّه وأولياءَ (^٦) رسوله، والمرابي (^٧) أيضًا بأخذِ الزيادةِ على رأسِ مالِه يأخُذ (^٨) ما لم يعطِه، فكان كقاطع الطريق في ذلك (^٩)، وهذا إثباتُ المعصية دون الكفر في حقِّ مَن لا يستحلُّه، وهذا كقوله -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: مَن أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة" (^١٠).
_________________
(١) في (أ): "في رواية غير حفص".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ١٩٢)، و"التيسير" (ص: ٨٤).
(٣) في (أ): "ومعنى".
(٤) "به" سقط من (أ).
(٥) في (ر): "وهو تعظيم حال الربا فإنه جعل إيذانهم كإيذانه".
(٦) "أولياء": من (أ).
(٧) في (أ) و(ر): "والمربي".
(٨) في (ر): "أيضًا يأخذ الزيادة على رأس ماله فيأخذ".
(٩) بعدها في (ر): "يأخذ ما لم يعطه".
(١٠) قطعة من حديث قدسي رواه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحرب"، وله ألفاظ مقاربة في غير الصحيح، تنظر في "الفتح" (١١/ ٣٤٢).
[ ٣ / ٤١٨ ]
وله وجهٌ آخرُ؛ فإنَّه قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: فاتركوا إنْ كنتم مقرِّين بتحريمه، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: فإنْ لم تقولوا بتحريمه ولم تقبلوا ذلك، فاعلموا أنَّكم كفَّارٌ محارِبون اللَّهَ ورسولَه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾: أي: مِن أخذِ الرِّبا ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ قَدْرَ ما أعطيتُموهم ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ أنتم غرماءكم بأخذِ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾؛ أي: هم (^١) لا يَظلمونكم بالنقصان عن رؤوس أموالكم.
* * *
(٢٨٠) - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ رفع ﴿ذُو﴾ مِن وجهين:
أحدهما: أنَّه اسمُ ﴿كَانَ﴾، وخبرُه مُضمَرٌ، كأنَّه قال: وإنْ كان ذو عسرة غريمًا لكم، أو: إنْ كان هناك ذو عسرة، أو كان فيكم أو منكم، فيكون الخبر متقدِّمًا أو متأخِّرًا.
والثاني: أنْ يكون تامًّا مكتفيًا باسمِه عن خبره، يقال: كان الأمرُ؛ أي: وقع، وتقدير هذا: وإنْ وقع ذو عسرة، وإنْ حَدث ذو عسرة، وإنْ وُجد ذو عسرة.
وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: (وإنْ كان ذا عسرة) (^٢)؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرة.
_________________
(١) "هم" ليست في (ف).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٨٦)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٤)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٨٦). وزيد عند بعضهم نسبتها لعثمان وأبيٍّ.
[ ٣ / ٤١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: أي: إنظارٌ وإمهالٌ، ورفعُه بطريقين: فعليكم نَظِرةٌ له، أو: فله نَظِرةٌ؛ أي: فأَنظِروه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: أي: إلى يسارٍ وغنًى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (أنْ) مع الفعل مصدرٌ؛ أي: وتصدُّقُكم بكلِّ المالِ عليه إذا عجز عن إدائه (^١) خيرٌ لكم؛ فإنَّه في الدنيا فانٍ وثوابُه في الآخرة باقٍ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: تعملون بعلمكم (^٢).
والآيةُ نزلت في دَيْن الرِّبا، ثم حكمُ كلِّ دَينٍ (^٣) كذلك؛ لعموم اللفظ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ على جواز التصرُّف في البيع الفاسد؛ لأنَّه جعل لأرباب الأموالِ النظرةَ إلى ميسرةِ مَن عليه المالُ، ولو كان له أَخْذُه (^٤) حيثما وجده بعدما تناولته الأيدي، أو كان له حقُّ تضمينِ مَن هو أغنى، لم يكن لإنظار المعسِر إلى وقت الميسَرة معنًى (^٥).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا حكمُ اللَّه ﷻ في حقِّ المفلِس فيما بيننا في الدنيا، فلا نظنُّه (^٦) لا يرحمنا مع علمه بإعسارنا وعجزنا وإفلاسنا، وصدقِ افتقارنا إليه، وانقطاعِنا في العُقبى له (^٧).
_________________
(١) في (ر): "إجرائه".
(٢) في (أ): "يعلمكم"، وفي (ر) و(ف): "تعلمون بعلمكم"، والصواب المثبت، قال ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية: (كُني بالعلم عن العمل؛ لأنَّه إذا كان نافعًا قلَّما يتخلَّف. . .).
(٣) في (ف): "الدين".
(٤) في (ر) و(ف): "أخذه أخذه"، وفي "التأويلات": (حق أخذه)، وهو موافق للمثبت.
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٦) في (ف): "تظنه".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١٢).
[ ٣ / ٤٢٠ ]
(٢٨١) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: أي: عذابَ يومٍ، ويجوز أنْ يكون على ظاهره؛ لأنَّ يومَ القيامة مَخُوفٌ لِمَا فيه.
﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: تُردُّون فيه إلى حساب اللَّهِ وجزائه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ التوفيةُ والإيفاءُ: الإكمالُ.
﴿مَا كَسَبَتْ﴾: أي: ما عملت مِن خيرٍ أو شرٍّ. وقيل: ما أحرزت مِن ثواب أو عقاب.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا يُنقَصون.
وقيل: أي: لا يَجري عليهم ظلمٌ بمنعِ ثوابٍ موعود، أو تعذيبٍ لا على فعلٍ مذموم.
وقيل: إن ابن عباس ﵄ بكى (^١) عند هذه الآية وقال (^٢): هذه آخرُ آيةٍ أُنزلت وخُتم القرآن بالوعيد، وعاش رسولُ اللَّه -ﷺ- بعدها سبعةَ أيَّام (^٣).
وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ: هي آخرُ آيةٍ أُنزلت (^٤) مِن القرآن،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وقال ابن عباس ﵄ وبكى" بدل: "وقيل إن ابن عباس ﵄ بكى".
(٢) "وقال" سقط من (أ).
(٣) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٥٤) عن سعيد بن جبير، ووقع في مطبوعه: (تسع ليال)، وعند غيره عن ابن جبير: (سبع) كالمثبت. انظر: "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٩٠)، و"البسيط" للواحدي (٤/ ٤٨٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٤٧).
(٤) في (أ): "نزلت".
[ ٣ / ٤٢١ ]
جاء بها جبريلُ ﵇ فقال: ضعها على رأس مئتين وثمانين آيةً مِن البقرة. وعاش بعدها رسولُ اللَّه -ﷺ- أحدًا وعشرين يومًا (^١).
وقال الكلبيُّ: نزلت بمنًى وبينها وبين موت النبيِّ ﵊ أحد وثلاثون يومًا.
وقال عطاء: نزلت قبل وفاته بثلاثِ ساعاتٍ، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "اجعلوها بين آية الدَّين وآية الرِّبا" (^٢).
وقال أُبَيُّ بنُ كعبٍ ﵁: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (^٣).
وقال البراء بنُ عازب: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (^٤).
* * *
(٢٨٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٤٧)، ورواه الفراء في "معاني القرآن" (١/ ١٨٣) من طريق الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يسمع من ابن عباس، عن ابن عباس دون قوله: (وعاش بعدها رسولُ اللَّه -ﷺ- أحدًا وعشرين يومًا).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٣٧٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠١).
(٤) رواه البخاري (٤٦٠٥)، ومسلم (١٦١٨).
[ ٣ / ٤٢٢ ]
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ التَّدايُن والمداينة: التبايعُ والمبايعة بالدَّين، فأمَّا الإقراضُ فهو إعطاءُ العين ليملكَه القابضُ بمثله.
ذكَر في الآيات المتقدِّمة الكسبَ، والإنفاقُ منه، ونهَى عن الإرباء والاسترباء، وأَذِن في البيع والشراء، وبيَّن في هذه الآية كيفيَّة العقود، وعلَّم كيفيَّة (^١) ما يُكتب فيها مِن العهود، فقال:
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ أي: تعاقَدْتُم عقودًا يكون البدَل فيها دَينًا، ثم قوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ تأكيدٌ وإن استُفيد (^٢) ذلك بالتَّداين.
وقيل: بل هو للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلًا أو كثيرًا.
وقيل: لمَّا كان التَّدايُن يُذكر للتَّجازي قيَّده بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ بيانًا أنَّ المرادَ به حقيقةُ المداينة دون المجازاة، كما في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لمَّا كان الطيران يُذْكر (^٣) للسرعة ذكر الجناحين بيانًا أنَّ المراد به الحقيقةُ دون المجاز.
_________________
(١) "كيفية" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "استفاد"، والمثبت من (أ) وهو الصواب.
(٣) في (أ): "يذكر للطيران" وفي (ر): "الطيور يذكر".
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأجلُ المضروبُ لأداء بدَل الدين (^١).
وقال ابنُ عباس ﵄: الآية في السَّلَم، قال: ولمَّا حرَّم اللَّهُ تعالى الرِّبا أباح السَّلَف (^٢)، فدلَّت الآيةُ على اشتراط الأجل في السَّلَم لصحَّته.
ثم هذه الآيةُ أطولُ آيةٍ في القرآن وأبسطُها شرحًا وأبينُها كشفًا وأبلغُها وجوهًا، يُعلِم بذلك أنَّ مراعاةَ حقوقِ الخلق واجبةٌ، والاحتياطَ على الأموال التي بها قوام أمورِ الدنيا والدِّين لازمٌ.
وقال القشيريُّ: وفيما شُرع مِن الدَّين رفقٌ لأرباب الحاجات؛ لأنَّ مَن مسَّته الحاجةُ يحمله الحالُ على الاحتيال، ويَضيق به الصدرُ عن الاحتمال، ويمنعه حفظُ التجمُّل عن السؤال، فأذن له في الاستدانة ليَجبُر أمره في الحال، وينتظرَ فضلَ اللَّه في المآل، وقد وعدَ على الإدانة الثوابَ الكثيرَ وذلك (^٣) مِن لُطف اللَّهِ الكبير المتعال (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ أي: أَثبتوا ذِكْره في كتابٍ يشتمِل (^٥) على وصفِ المعاملةِ ومقدارِ الحقِّ والأجلِ، تَرجعون إليه عند الحاجة إليه، وهذا وإنْ كان خطابًا للجميع (^٦) ولكنَّه بناءٌ على التداين، فدلَّ أنَّ المخاطبَ به مَن فعَل ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾: أي: فليس كلُّ صاحبِ حادثةٍ
_________________
(١) في (ف): "لأداء البدل".
(٢) رواه بألفاظ مقاربة الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٥٤).
(٣) في (أ): "الكثير ذلك"، وفي (ر): "الكبير وذلك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١٤).
(٥) في (أ): "مشتمل".
(٦) (ف): "للجمع".
[ ٣ / ٤٢٤ ]
يَعلم الكتابةَ بنفسه، فلْيعيِّن لها (^١) مَن يَعلم ذلك، وليكتبه الكاتبُ العالِمُ العادلُ الذي يُراعي الطرفين، ولا يزيد فيه ولا ينقص منه عن (^٢) الحق والعدل بينهما على ما كان، ولا يميل إلى أحدهما بزيادةٍ أو نقصان.
ثم قال العلماء ﵏: ينبغي لهذا الكاتب أنْ يكون ما يَكتبه متَّفَقًا عليه، حتى لا يُتوهَّمَ أنَّه إذا رُفع إلى قاضٍ يرى خلافَه أَبطله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾: هذا نهيُ مُغايَبة، ولذلك سقطت الياء من اَخره، والإباءُ: الامتناعُ؛ أي: لا يمتنعْ كاتِبٌ عن أنْ (^٣) يكتبَ هذه الوثيقة.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: أي: كما ورد به الأمرُ في الشرع مِن اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ هذا أمرُ مغايَبة، ولذلك جُزم.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ وهذا أمر أيضًا على المغايبة، والإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة، و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هو الذي عليه الدَّيْن، فلمَّا كان الإملاءُ إليه، دلَّ أنَّ القولَ في الدعاوي قولُ مَن عليه الحقُّ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: وليتَّقِ الذي عليه الدَّينُ ربَّه، فلا يمتنعْ عن الإملاء جحودًا لكلِّ حقِّه ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^٥)؛ أي: ولا ينقص مِن الدَّيْن الذي عليه شيئًا في الإملاء فيكون جحودًا لبعض حقِّه.
_________________
(١) في (أ) "فليسألها" وفي (ف): "فليس لها"، بدل: "فليعين لها".
(٢) في (أ): "ولا ينقص منه بل ليكتب على".
(٣) في (ر) و(ف): "أي لا يأب كاتب أن".
(٤) في (أ): "الدين".
(٥) "منه شيئًا" ليس في (أ) و(ف).
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: قيل: السفيهُ: العاقلُ البالغُ الذي بَلغ (^١) غيرَ رشيدٍ؛ فهو (^٢) مبذِّرٌ لماله مُضيِّع له بسفَهه، والضعيفُ: الصبيُّ، والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ: المجنون.
وتفسير السفيه بهذا مذهبُ أبي يوسف ﵁ ومحمَّد والشافعيِّ ﵏؛ فإنَّهم يَرَون الحَجْرَ عليه؛ فيَبطل تصرُّفه ويقوم مقامه وليُّه، فأمَّا أبو حنيفة ﵀ فإنَّه لا يَرى الحَجْرَ عليه؛ فهو يفسِّر السفيهَ على ما فسَّره كثيرٌ مِن السَّلَف: أنَّه المجنون؛ لأنَّ السَّفهَ خفَّةُ العقل ونقصانٌ فيه، والمجنون فائتُ العقل أو مختلُّ العقل، والضعيف: الصبي، والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ هو: الأخرسُ ونحو ذلك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: فليَقُم مقامَه عند عجزه في الإملال وليُّه، ووحَّد الكناية (^٤) مع سبق ذِكْر الثلاثة؛ لأنَّه أدخلَ بينهم كلمةً، أو فيكون في الحادثة الواحدة واحدٌ منهم، فأضيف الوليُّ إلى ذلك الواحد.
ثم بيَّن أن الكتابة لا تكفي، إنَّما يقع التوثيقُ بالإشهاد عليه، وذلك (^٥):
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أي: أَشهِدوا على الكتاب اثنينِ مِن ذكوركم، والاستشهاد (^٦): طلبُ الشهادة وسؤالُها؛ فإنَّ سين الاستفعال للطلب والسؤال.
_________________
(١) في (أ): "يبلغ".
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) في (أ): "هذا".
(٤) أي: الضمير، وتحرفت الكلمة في (ر) و(ف) إلى: "الكتابة".
(٥) في (ف): "عليه ذلك"، وفي (ر): "على ذلك".
(٦) في (ر) و(ف): "والاشهاد".
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ الألفُ ضميرُ الشاهدين (^١)، فإنَّها للتثنية، وقد سبق ذِكْر الشاهدين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ له أربعةُ وجوهٍ: فلْيَكن رجلٌ وامرأتان، فلْيَشهد رجلٌ وامرأتان، فالشهيد رجلٌ وامرأتان، فرجلٌ وامرأتان يشهدون.
ثم ليس هذا تعليقَ جوازِ شهادة (^٣) رجلٍ وامرأتين بعدم رجلين، وإنْ كان ظاهرُه يقتضيه؛ لإجماع الأمة على أنَّ إشهادَ رجلٍ وامرأتين -مع إمكان إشهاد رجلين- جائزٌ، لكنَّه بيانُ أنَّ الأَولى أنْ يشهد رجلان إلَّا أنْ يتعذَّر فيصار إلى إشهادِ رجلٍ وامرأتين.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾: أي: أَشهِدوا الرجلين أو الرجل والمرأتين مِن العدول المرْضيين مِن الشهود.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾: قرأ حمزة: ﴿إنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف، ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ (^٤) على الشرط؛ أي: إنْ نسيت إحداهما ذكرتها (^٥) الأُخرى.
وقرأ الباقون بالفتح، ووجه الفتح: أنَّه يُضمَر فيها لام (كي).
والضلال: النسيان، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠].
فإنْ قالوا: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنَّما الإشهادُ للإذكار لا للضلال (^٦)؟
_________________
(١) في (أ): "ضمير عن الشهيدين". وفي (ف): "ضمير عن الشاهدين".
(٢) في (أ): "الشهيدين".
(٣) في (أ) و(ف): "إشهاد".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ١٨٤)، و"التيسير" (ص: ٨٥).
(٥) في (أ) و(ف): "ذكرته".
(٦) يعدها في (ر): "بسبب الإذكار"، ولا وجه لها.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: قول سيبويه: أنَّ الضلالَ سببُ الإذكار، فقدَّم الضلال على الإذكار (^١) لأنَّه سببه (^٢)، كما يقال: أَعددتُ هذا الحائطَ أن يميل فأدعمه، وإنَّما أَعدَّه للدعم لا للميل، لكن قدَّم عليه الميل لأنَّه سببه (^٣).
والثاني: قول الفراء: أنَّه بمعنى (^٤) الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلَّا أنَّه لمَّا قدَّم (أنْ) اتَّصل (^٥) بما قبله من العامل فانفتح.
وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾؛ أي: تزيلَ نسيانها وتثبِّت الذِّكرَ في قلبها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: له وجهان: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، و: لا يمتنع المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والأول للندب، والثاني للفَرْض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: أي: لا تَمَلُّوا، قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾: أي: مِن أنْ تكتبوا ذلك الدَّين صغُر أو كبُر (^٦)؛ أي: قلَّ أو كَثُرَ، فإنَّ جحودَ القليل فيه إثمٌ أيضًا، والتَّوقِّي عنه لازم.
و﴿صَغِيرًا﴾ نصبٌ على الحال، ويجوز نصبًا بـ (كان) على الإضمار.
_________________
(١) من قوله: "لا للضلال. . . " إلى هنا لم يرد في (أ).
(٢) في (أ): "بسببه"، وفي (ر): "سبب".
(٣) انظر: "الكتاب" (٣/ ٥٣).
(٤) في (ر) و(ف): "لمعنى".
(٥) في (ر) و(ف): "للاتصال".
(٦) في (ر): "صغيرًا أو كبيرًا".
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّ هذا على (^١) أنَّ السَّلَمَ في الثياب (^٢) جائزٌ؛ لأنَّ الكَيْليَّ والوزنيَّ لا يُوصف بالصغر والكِبَر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدل، والقِسط: العدل، والمُقْسِط: العادل، والقاسط: الجائر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: أي: أشدُّ تقويمًا له؛ فإنَّ الشاهدَ لو اتَّكل على حفظه فقد يتغيَّر، وإذا بَنَى على المكتوب القيِّم (^٤) استقام.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: أي: أقربُ إلى أنْ لا تشكُّوا، فإنَّه قد يقع الشَّكُّ في المقدار والصفات، فإذا (^٥) رجعوا إلى المكتوب زال ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: أَمَر بالكتابة في المداينات، وأباح تركَها (^٦) في النقد مِن التجارات؛ لزوال الداعي إليها.
وقرأ عاصم ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالنصب (^٧) على أنَّه خبر (كان)، والاسم مُضمَرٌ، وتقديره: إلَّا أنْ تكون المعاملةُ تجارةً حاضرةً، أو: تكونَ التجارةُ تجارةً حاضرة.
_________________
(١) "على" من (ر).
(٢) في (أ): "النبات"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٨٦).
(٤) في (ر): "القائم".
(٥) في (أ) و(ف): "وإذا".
(٦) في (أ) و(ف): "ترك الكتابة".
(٧) والباقون بالرفع كما سيأتي. انظر: "السبعة" (ص: ١٩٤)، و"التيسير" (ص: ٨٥).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
وقرأ الباقون بالرفع على أنَّ (كان) مكتفٍ (^١) باسمه، وتقديرُه: إلَّا أنْ تَحدثَ تجارةٌ، أو: تقعَ تجارةٌ، أو يكونُ خبره ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
والتجارةُ الحاضرةُ هي النقدُ بالنقد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: في العاجل والآجل جميعًا، وهذا (^٢) أمرُ ندبٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هذا نهيٌ، وحقُّه الجزمُ، وفُتح لالتقاء الساكنين، وحُرك بالفتح (^٣) لأنه أخفُّ الحركات، وفي كيفية حركة الراء الأولى قبل الإدغام قولان:
قال الحسن وقتادةُ وابن زيد وعطاءٌ: هي الكسرة (^٤)؛ أي: ولا يضارِرْ، وهو نهيٌ للكاتب والشاهد عن الإضرار بالمتعاملَينِ أو أحدِهما، بالامتناع عن الكتابة وتحمُّل الشهادة في حالِ خوف الفوت، وكذا في كتابةِ غيرِ ما يُملى عليه والتغييرِ منه، وكذا في الشهادة على غير ما لَهُ أو الامتناعِ عن أداء الشهادة.
وقال ابن مسعود ومجاهدٌ ﵄: هي الفتحة؛ أي: ولا يضارَرْ (^٥)، وهو نهيٌ للمتعاملَينِ عن إلحاق الضرر بالكاتب والشاهد، في أمرهما بالكتابة وتحمُّلِ الشهادة وهما مشغولان بمُهمٍّ لهما، أو بإجبارهما على الفعل مع امتناعهما ووجود
_________________
(١) في النسخ: "مكتفي"، والمثبت هو الجادة.
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) في (أ) و(ف): "إلى الفتح".
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٥/ ١١١ - ١١٣).
(٥) رواه عنهما وعن غيرهما من الأئمة الطبري في "تفسيره" (٥/ ١١٤ - ١١٧) واختاره، وروى عن عمر وابن مسعود ومجاهد أنهم قرؤوا: (ولا يضارَرْ) بالفك وفتح الراء الأولى.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
غيرهما، أو التضييقِ عليهما في التعجيل وهما في حاجةٍ لهما ما (^١) لم يَفرغا منها، وهو كما مر في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن له وجهين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: أي: الضرارُ (^٣) فسقٌ وخروجٌ عن الأمر.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هذا كلُّه ظاهر.
* * *
(٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: أي: فالوثيقةُ رهانٌ، وهي جمع رهنٍ، وهي (^٤) العين المقبوضة بالدَّين توثيقًا له.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿فرُهُنٌ﴾ (^٥) وهو جمعُ جمعٍ.
و﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودَل ذلك على أن حُكمه دوامُ الحبس، فإنه لا يصير رهنًا إلا بابتداء القبض (^٦)، فذكرُ الرهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها
_________________
(١) "ما" ليست في (أ).
(٢) "أن له وجهين" ليست في (ف).
(٣) في (ر): "الضرر".
(٤) في (ف): "وهو".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ١٩٤)، و"التيسير" (ص: ٨٥).
(٦) في (ر): "بالقبض"، وفي (ف): "بابتداء".
[ ٣ / ٤٣١ ]
بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام (^١) القبض فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: أي: فإن ائْتَمَن الطالبُ المطلوبَ فلم يَتوثَّقْ (^٢) بالكتابة والشهود والرهن فليؤدِّ المطلوبُ ما اؤتُمن (^٣) عليه.
والأمانةُ مصدرٌ أُريد بها المفعول به هاهنا؛ كما في قولهم: هذا علمه، وهذه قدرته، وهذه شهوته.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: أي: فلا يجحد حقه ولا يمنعه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: هذا خطاب للشهود.
وقوله تعالى (^٤): ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وكتمانُ الشهادة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون له شهادةٌ على المطلوب، والمطلوبُ يظنُّ أنه لا شهادةَ عليه فيقصدُ المنع، وهذا الشاهد لا يخبرُه أن له عليه شهادةً بذلك ليَحمله ذلك على أداءِ الحق (^٥).
والثاني: أن لا يَعلم الطالب أن له على حقِّه شاهدًا، وهو كالعاجز (^٦) في حاله، فلا يخبره (^٧) أن له شهادةً على حقِّه فيتقوَّى به.
_________________
(١) في (ف): "دوام".
(٢) في (ر): "يوثق".
(٣) "اؤتمن" ليست في (أ).
(٤) "وقوله تعالى" ليس في (أ).
(٥) في (ر): "على أداء الشهادة بالحق".
(٦) في (ر) و(ف): "كالفاجر"، ولعله من تحريف الناسخ.
(٧) في (ر) و(ف): "يخبر".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
والثالث: أن تكون شهادته ظاهرةً، ولكنْ إذا طلبها المدَّعي منه امتَنع وكتم تلك الشهادة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قيل (^١): أي: فاجر قلبُه، وقيل: أي: مؤاخَذٌ (^٢) به قلبُه.
وإنما علَّقه به لأن الكتمان يكون من القلب، ولأنه يكون بقصدِ القلب إلى ذلك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن أصلَ الإثم ينشأُ من القلب، قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صلَح لها سائرُ الجسد (^٣)، وإذا فسَدَت فَسَد لها سائر الجسد، ألَا وهي القلب" ثم يشيع في البدن، فلذلك أضافه إلى القلب، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقال: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: هذا وعدٌ ووعيدٌ على ما مرَّ مرَّات.
* * *
(٢٨٤) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: كلمة (ما) تتناول ما فيهما ومَن (^٥)
_________________
(١) "قيل" ليست في (ف).
(٢) في (ف): "يؤاخذ".
(٣) كتب فوقها في (ر) كلمة: "كله". ولفظ الصحيحين: "صلح لها الجسد كله"، وكذا بعدها: "فسد لها الجسد كله".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٨٨).
(٥) في (أ): "تتناول من".
[ ٣ / ٤٣٣ ]
فيهما؛ أي: فليس يخفَى عليه من أسرار خلقه وأفعالهم شيءٌ (^١)، فمَن ائتَمر بأوامره وانتهَى بنواهيهِ عَلِم ذلك، ومَن خالف ذلك علِم ذلك، حثَّهم (^٢) على العمل بكلِّ ما في هذه الآية وما قبلها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: أي: ما في قلوبكم من كتمان الشهادة وغيرِ ذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، دلَّ ظاهره على المؤاخَذة بما يكون من القلب.
وجملتُه: أن عزمَ الكفرِ كفرٌ، وخطرةَ الذنوب من غير عزمٍ مغفورة (^٣)، وعزمَ الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه (^٤) واستغفر منه مغفورٌ، فأما الهمُّ بالسيئة ثم يُمنع (^٥) عنه بمانعٍ لا باختياره وهو ثابت على ذلك، فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبةَ فعله، يعني: بالعزم على الزنا لا يعاقَب عقوبة الزنا، أما هل يعاقَب على العزم عقوبةَ عزم الزنا؟ قيل: هو معفوٌّ عنه؛ لقوله ﵊: "إن اللَّه تعالى عفا لأمَّتي عما (^٦) حدَّثت به أنفُسَها ما لم تعملْ (^٧) أو تتكلَّم به" (^٨).
_________________
(١) في (ر): "فليس شيء من أسرار خلقه وأفعالها خاف عليه".
(٢) في (ف): "وحثهم".
(٣) في (أ): "معفوة".
(٤) في (ف): "إذا ندم عليها ورجع عنها".
(٥) في (ر) و(ف): "يمتنع".
(٦) في (أ): "عفا عن أمتي ما" بدل: "عفا لأمتي عما"، ولفظ الصحيحين: "تجاوز لأمتي عما"، وفي رواية للبخاري: "تجاوز عن أمتي ما"، وفي رواية لمسلم: "تجاوز لأمتي ما".
(٧) بعدها في (ر): "به"، وهي رواية للبخاري.
(٨) "به": من (أ)، ولم ترد عند البخاري. والحديث رواه البخاري (٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وأكثرهم على أن الحديث في الخَطْرة دون العَزْمة، وأن المؤاخَذة في العزمة ثابتةٌ، وكذا قال الإمام أبو منصور الماتُريديُّ ﵀ (^١).
وذكر شمسُ الأئمة أبو محمد عبد العزيز بنُ أحمد الحَلْوانيُّ ﵀ في كتاب (^٢) "أحكام القرآن" في هذه الآية وقال: إن الخطرة لا يؤاخَذ بها والعزمَ يؤاخَذُ به (^٣)، واللَّهُ ﷻ يعاتبُه ويحاسبه، ثم إنْ شاء غفر له وذلك فضلٌ منه، وإن شاء عذَّبه وذلك عدلٌ منه. واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
واحتج القائلون به بآيات من القرآن:
منها قولُه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
ومنها قولُه ﷻ: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
ومنها قولُه عز وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥].
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٢٨٩). وكلمة: "الماتريدي" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "كتابه في".
(٣) في (ر): "والعزمة يؤاخذ بها"، وفي (أ): "والعزم لا يؤاخذ به"، ولعل زيادة (لا) خطأ من الناسخ.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من المعاني والدعاوي ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من المقاصد والمطالب.
قال: ويقال: ما تُبديهِ العبادة، وما تُخفيهِ الإرادة.
ويقال: ما تُخفيهِ الفكرات والخطرات، وما تُبديهِ السَّكَنات والحركات (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال الحسن ﵀: ليس يعاقِبُ اللَّه تعالى عبدًا يوم القيامة (^٢) أسرَّ عملًا أو أعلنَه من حركة في جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره (^٣)، ثم يغفرُ ما يشاءُ لمَن يشاء، ويعذِّب مَن يشاءُ بما يشاء (^٤).
وروى الضحَّاكُ عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قالت: هو الرجل يَهُمُّ بالمعصية ولا يعملُها، فيُرسلُ عليه من الهمِّ والحزنِ بقَدْرِ ما همَّ به من المعصية، فذلك محاسبتُه (^٥).
وفي أكثر التفاسير من وجوه مختلفة: أنه لما نزلت هذه الآية جَزِعت الصحابة رضوان اللَّه عليهم وقالوا: أنُؤاخذ بكلِّ ما حدَّثت به أنفسُنا؟! فنزل قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١٥).
(٢) في (أ): "ليس اللَّه بتارك عبدًا يوم القيامة".
(٣) في (ر) و(ف): "يعذره".
(٤) ذكره بنحوه البغوي في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٤٣).
[ ٣ / ٤٣٦ ]
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^١)، فتعلَّق ذلك بالكسب دون العزم.
وفي بعضها أنها نُسخت بهذه (^٢)، وأكثر المحققين من أهل الأصول على أن النسخ يكون في الأحكام دون الأخبار، وهذا خبر (^٣)، وليس في أكثر الروايات لفظُ النسخ، بل ورود (^٤) هذه الآية بعد تلك الآية، وهو (^٥) بيان أنه لا يؤاخَذ بالخَطْرة فهي ليست في وسعه، ويؤاخَذ بالعزمة، أو تكون المحاسبة بالمسائلة ثم يكون العفو، وتفسيرُه ختم الآية وهو قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ثم تكلَّموا في أهل هذه المشيئة، والصحيحُ أنه يعذب الكفار لا محالةَ ولا يغفر الشرك، فأما ما وراء ذلك: فإن شاء غفَره بفضله، وإن شاء عذَّب عليه بعدله.
_________________
(١) رواه مطولًا مسلم (١٢٥)، والإمام أحمد في "المسند" (٩٣٤٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (١٢٦)، والإمام أحمد في "المسند" (٩٣٤٤)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) ورد التصريح بالنسخ في حديث أبي هريرة السابق.
(٣) وقد ذكر ابن عطية ﵀ في "المحرر الوجيز" (١/ ٣٨٩) للنسخ توجيهًا حسنًا، وهو أن تكون الآية لفظها لفظ الخبر ومعناها الأمر، فقال بعد أن ذكر أنه مما يدفع أمر النسخ أن الآية خبرٌ: فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ، فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي -ﷺ- لهم: "قولوا: سمعنا وأطعنا" يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه، وينتظروا لطف اللَّه في الغفران، فإذا قرِّر هذا الحكم فصحيحٌ وقوع النسخ فيه، وتُشبه الآية حينئذ قوله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك، وأجمع الناس -فيما علمت- على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المئة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها. وتنظر أقوال السلف والعلماء في القول بالنسخ أو الإحكام أو غير ذلك في "تفسير القرطبي" (٤/ ٤٨٦ - ٤٨٩).
(٤) في (ف): "بل ورد في"، وفي (ر): "ووردت".
(٥) في (ف): "وهذا".
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: من المغفرة والتعذيب وغير ذلك.
* * *
(٢٨٥) - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: قال الحسن ومجاهدٌ وابن سيرين وابن عباس في روايةٍ: أن جبريل ﵇ أَنزل على محمد -ﷺ- جميع القرآن إلا هذه الآياتِ الثلاث، فإن اللَّه تعالى أَوحى (^١) إلى محمد هذه الآيات الثلاث ليلةَ المعراج بلا واسطةٍ، وسورةُ البقرة مدنيةٌ إلا هده الآياتِ الثلاث (^٢).
وقال سعيد بن جبير والضحَّاك وعطاءٌ وابن عباس في رواية: انزلها جبريل على النبيِّ -ﷺ- بالمدينة.
وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ أي: اعتقد وأقرَّ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: بوحي القرآن إليه، ولم يُرِدْ به حدوثَ الإيمان منه (^٣) بعد أن لم يكن كذلك؛ لأنَّه كان مؤمنًا باللَّه وبوحدانيته قبل الرسالة منه (^٤)، ولا يجوز أن يوصف بغير ذلك، لكنْ أراد به الإيمانَ بالقرآن، فإنه قبل إنزال القرآن لم يكن عليه الإيمان به، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أي: ولا
_________________
(١) في (أ): "هو الذي أوحى".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٤/ ٤٩١). وروى مسلم (١٧٣) من حديث ابن مسعود ﵁ حديثا فيه أنه -ﷺ- أعطي في الإسراء خواتيم سورة البقرة.
(٣) في (ر) و(ف): "فيه".
(٤) "منه" ليست في (أ).
[ ٣ / ٤٣٨ ]
الإيمانُ بالكتاب؛ فإنه قال ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص: ٨٦].
وقال (^١) الإمام القشيري ﵀: شهادةُ الحقِّ سبحانه لنبيِّه ﵇ بالإيمان أتمُّ له من إخباره عن نفسه بشهادته.
قال: ويقال: آمَنَ الخلقُ كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول من حيث العِيَان، آمَنَ الخلق بالوسائط وآمَن الرسول بلا وسائط، آمن الخلق استدلالًا وآمن الرسول مشاهدةً ووصالًا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: قيل: هو عطفٌ على الأول؛ أي: والمؤمنون آمنوا بذلك أيضًا (^٣) ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: محمدٌ وأمتُه كلٌّ منهم آمَن باللَّه ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
وقيل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ هذا تامٌّ، وهو إخبارٌ عن إيمانه بالقرآن، وكان هذا بعد الوحي، وإيمانُه بكلِّ الأركان التي سِوَاه كان موجودًا قبل ذلك منه، ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ وإيمانُ المؤمنين بكلِّ هذه الأشياء كان بعد ما دُعوا إليها، فإنهم لم يكونوا عارفين بها مؤمِنين بها، و(كلّ) كلمة تصلح للواحد والجمع، فإنها تعم عمومَ الأفراد (^٤)، وفي القرآن: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [مريم: ٩٥] وهذا للفرد، وقال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهذا للجمع.
_________________
(١) في (ف): "قال".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢١٥).
(٣) "قيل هو عطف على الأول أي والمؤمنون آمنوا بذلك أيضًا": من (أ)، ووقع فيها بعدها: "قوله تعالى"، ولا وجه له.
(٤) في (أ) و(ف): "الانفراد".
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود -وهو قراءة جماعة من التابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين-: ﴿ولا يُفرِّق﴾ بالياء ردًا إلى قوله: ﴿كُلٌّ﴾ (^١).
والقراءة الظاهرة: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون، وفيه إضمارٌ؛ أي (^٢): يقولون، وهو في كثير من الآيات (^٣): ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] قالوا: ما نعبدهم.
و﴿أَحَدٍ﴾ بمعنى: آحاد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال رُؤْبةُ:
إذا أمورُ الناس دِيكَتْ دوكًا لا يَرهبون أحدًا رَأَوكا (^٤)
ومعناه (^٥): بين أحدٍ من رسله وسائرِهم، كتفريق (^٦) اليهود والنصارى بالإيمان ببعض الرسل والكتبِ دون بعض.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾: أي: بآذاننا ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: بأبداننا.
_________________
(١) وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٣٧)، وعزاها الزمخشري في "الكشاف" (١/ ٣٣١) لأبي عمرو، وهي خلاف المشهور عنه.
(٢) "أي": من (ف).
(٣) في (ر): "وهو كثير في الآيات".
(٤) عزاه الثعلبي في "تفسيره" لرؤبة كالمصنف وليس في ديوانه، وذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/ ٤٩٧)، وأبو حيان في "البحر" (٥/ ١٤٠) دون نسبة. قوله: (ديكت دوكًا)؛ أي: ديست دوسًا وطحنت طحنًا، قال في "الأساس" (مادة: دوك): داكوهم دوكًا: داسوهم وطحنوهم، وتداوكوا في الحرب، ووقعوا في دوكة: في شر أعمالهم.
(٥) في (أ): "أو معناه لا نفرق".
(٦) في (أ) و(ف): "تفريق".
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وقيل: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: عقَلنا وفهِمنا؛ كما في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
وقيل: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: قبِلنا، وهو كقولهم: سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِدَه.
وقوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾: أي: يقولون: اغفر لنا، كما قال تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي: فاضربوا.
أو: يقولون: نسألك غفرانك، وهو أولى؛ لئلا يتكرَّر الدعاء بقوله في آخر السورة: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ويَصلح الجمع بينهما: نسألك غفرانك فاغفر لنا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجعُ في التوفيق في الدنيا والثوابِ في الآخرة (^١)، وفيه إقرارٌ (^٢) بالبعث والجزاء، وفيه دليلٌ على بطلان الاستثناء، وعلى تحقيق اسم الإيمان بوجوده.
* * *
(٢٨٦) - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: حمَلها المتكلِّفون لمراعاةِ النظم على قول المؤمنين ذلك؛ أي: هم قالوا: إن اللَّه لا
_________________
(١) في (أ): "العقبى".
(٢) في (أ): "الإقرار".
[ ٣ / ٤٤١ ]
يكلِّف نفسًا إلا وسعها؛ أي: إلا (^١) طاقتها، ولكلِّ نفسٍ ثوابُ ما أطاعت، وعلى كلِّ نفسٍ عقابُ ما عصت. فإنَّ ما قبلها وما بعدها كلامهم.
ويجوز أن يتخلَّل بين كلامي المؤمنين إخبارٌ من اللَّه ﷿ بذلك، ويكون الكلامُ بالمخاطبة والمغايَبة، واعتراضُ الكلام قبل التمام في القرآن كثير، وهو في كلام البُلغاء موجودٌ.
ومعنى الآية: لا يأمر اللَّه عبدًا بما ليس في طاقته، ولكلِّ نفسٍ ثوابُ ما عملت من خيرٍ وعليها عقابُ ما عملت من شرٍّ (^٢).
والكسبُ والاكتسابُ كلُّ واحدٍ منهما يَصلح إطلاقُه في عمل الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وإنما غايَر بين اللفظين عند ذكر عملَين لأنه أعذبُ في السماع (^٣)، وإنما جُعل الكسبُ في الخير والاكتسابُ في الشر لأن الافتعالَ فيه زيادةُ تكلُّفٍ على الفعل، والذنبُ لا يؤتَى إلا بزيادةِ جهدٍ من العبد وتكليفٍ من النفس، فأما الخير فعقلُه (^٤) ودِينه والمؤمنون والصالحون، والمعاني الغالبة له جالبةٌ.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: أي: يقولون، ودل هذا على جواز المؤاخَذة في النسيان والخطأ، فإن التحرُّز عنهما في الجملة ممكنٌ، ولولا جوازُ المؤاخَذة في النسيان والخطأ بهما لم يكن للسؤال معنًى.
_________________
(١) "وسعها أي إلا" من (ر).
(٢) في (ر): "سوءٍ".
(٣) وقع بعدها في (أ) سقط بمقدار ورقة كاملة، وسنذكر نهايته في موضعها.
(٤) في (ر): "ففعله".
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وخفَّف اللَّه تعالى عن هذه الأمة فرفع عنها (^١) المؤاخَذةَ، وقال النبي -ﷺ-: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (^٢)، فدل أنهم مخصوصون بها، والأمم السالفةُ كانوا مؤاخَذين بذلك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا﴾: أي: ثِقْلًا، وجمعُه: الآصار، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو العباداتُ الشاقَّةُ، والعقوباتُ العظيمة، والأحكامُ الشديدة، وما كان يظهر على جباههم وأبوابِ دُورهم من ذنوبهم التي أَخفَوها.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي: لا تكلِّفنا ما يَشُقُّ علينا الدوامُ عليه، ولم يُردْ به عَدَم الطاقة أصْلًا فإنه لا يكون فلا يُسأل، وهو كقول النبي -ﷺ-: "للمملوك طعامُه وشرابُه وكسوتُه، ولا يكلَّفُ من العمل ما لا يُطيق" (^٤).
وقيل: أي: ما يَشُقُّ علينا من الدوامِ عليه، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]؛ أي: كان يَشُقُّ عليهم ذلك، لا أنهم لم يستطيعوها أصلًا.
_________________
(١) في (ف): "فيها".
(٢) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٩٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٢١٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٠١)، وابن حزم في "الإحكام" (٥/ ١٤٩)، من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي. . . " وصححه الحاكم وابن حزم. وقد أعله أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١/ ٤٣١) لكن بعلة غير قادحة كما قال الحافظ في "الفتح" (٥/ ١٦١). ورواه ابن ماجه (٢٠٤٥) بلفظ: "إن اللَّه وضع عن أمتي. . . "، لكن في إسناده انقطاع كما استظهر البوصيري في "الزوائد".
(٣) في (ف): "كانوا مأخوذين فيهما".
(٤) رواه مسلم (١٦٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: أي: اتركْ عقوبتَنا؛ قال ﵊: "عَفَوْتُ لأمَّتي عن صَدَقةِ الخيلِ والرَّقيق" (^١).
وقيل: أي: تجاوَزْ عنا فلا تعاقِبنا بذنوبنا، وقد عَفَتِ الرِّيحُ الأثر؛ أي: مَحتْه.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: أي: استُرْ ذنوبنا لنا (^٢)، وليس بتكرارٍ؛ فإن الأول تركُه حتى لا يؤاخِذَ به، أو محوُه حتى لا يبقَى، والثاني سترُه حتى لا يظهرَ، وقد يتجاوز عن الشيء فلا يؤاخذ بجزائه لكنْ يُذكَر ذلك ويُظهَر، والمؤمنون أُمروا أن يسألوا التجاوُزَ عنها وإخفاءَها حتى لا يَظهرَ حالهم لأحدٍ، ولا (^٣) يَفْتضِحوا به.
وقوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾: أي: أكرِمْنا بكلِّ شيءٍ سمَّيته رحمةً، وقد بينَّا ذلك في سورة الفاتحة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: أي: وليُّنا وناصرُنا، وقيل: أي: حبيبُنا، وقيل: أي: متولِّينا، وقيل: أي: حافظُنا، وقيل: أي: مصلحُ أمورِنا، وقيل: أي: وليُّنا ومالكُنا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أعنَّا عليهم وادفَعْ عنا شرَّهم.
والنصرة على الكفار تكون بالظفر، وتكون بالحجة، وتكون بالدفع (^٥)، وهو سؤالُ العِصْمة من الشياطين أيضًا؛ لأنَّهم منهم.
_________________
(١) رواه الترمذي (٦٢٠)، وابن ماجه (١٧٩٠)، من حديث علي ﵁.
(٢) "لنا": من (ف).
(٣) في (ف): "فلا".
(٤) في (ر): "والينا ومليكنا".
(٥) في (ر): "بالنصرة".
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وقد ختمت هذه السورة بما بدأت به، وهو ذكر المؤمنين والكافرين، فإن اللَّه تعالى أخبر في افتتاح هذه السورة أن هذا ﴿الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم شهد في آخر هذه السورة لنبيِّه محمدٍ -ﷺ- ولأمته بهذا الإيمان.
وجمَع بين النبيِّ -ﷺ- وبين أمته في ذلك، وفي ذلك نهايةُ الفضيلة وكمالُ القَدْر (^١) لهذه الأمَّة، وللَّه الحمدُ والمِنَّة.
وقيل في جميع معاني السورة: إنها تضمَّنت بيانَ التوحيد والعبادات، والمعامَلات والمحاكَمات، والمحلَّلات والمحرَّمات، والمَثوبات والعقوبات، وأكثرَ ما إليه حاجةُ الخلق في جميع الحالات.
ثم ختم السورة ببيان عظمته وجلاله وسلطنته ومملكته بقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إعلامًا أن قبولَ ذلك كلِّه مما يَلزم الخلقَ، ولا يسعُهم الإخلالُ بها، ولا يمكِنُهم الخروجُ عن حُكمه، ولا يَعزُب شيءٌ من أحوالهم عن علمه.
ثم ذَكر بعده حالَ نبيِّه محمد -ﷺ- الذي أوحى إليه ذلك، وأنه عظيم الشأن والقَدْر، رفيعُ المنزلة والذِّكر.
ثم مدَح أمَّته بالإيمان بذلك كلِّه، والاعتصامِ منهم (^٢) بعدله وفضله، والاستعانةِ منهم به في قولِه وفعله.
ورُوي عن النبيِّ -ﷺ- أنه لمَّا أُسري به قال له ربُّه ﷿: "أُعطيتَ يا محمدُ ما
_________________
(١) في (ر): "القدرة".
(٢) "منهم" ليست في (ف).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
لم يُعْطَ نبيٌّ كان قَبْلَك، أُعطيتَ فاتحة الكتاب، وأُعطيتَ خواتيمَ سورة البقرة، وهي كنزٌ من كنوزِ عرشي، ولمْ يُعْطَهنَّ نبيٌّ كان (^١) قبلك" (^٢).
ورَوَى أبو أمامة عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "تعلَّموا الزَّهْراوين البقرةَ وآلَ عمران، فإنهما يأتيان أهلَهما (^٣) يومَ القيامة كأنهما غيَايَتان، أو كأنهما غمامتان، أو كأنهما فِرْقان من طيورٍ صوافَّ، يحاجَّان عن أهلهما"، ثم قال: "تعلَّموا البقرة، فإن أَخْذَها بركةٌ، وتركَها حسرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلة"، يعني: السحرة (^٤).
ثم قال: "هذا لمَن تعلَّمه فلم يغل فيه، ولم يخف (^٥) عنه، ولم يَستأكِلْ به، ولم يَتكثَّرْ (^٦) به" (^٧).
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) "كان" ليست في (ف).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وروى نحوه مسلم (٨٠٦) من حديث ابن عباس ﵄، وفيه قول جبريل له: "أَبشِرْ بنُورينِ أُوتيتَهما لم يُؤْتَهما نبيٌّ قَبلك: فاتحةُ الكتاب، وخواتيمُ سورة البقرة، لن تَقرأَ بحرفٍ منهما إلَّا أُعطِيتَه".
(٣) في (ف): "أهليهما"، والمثبت من (ر)، وليست الكلمة في مصادر التخريج.
(٤) رواه مسلم (٨٠٤)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٢١٤٦) و(٢٢١٥٧)، من حديث أبي أمامة ﵁. ولفظ مسلم والرواية الأولى عند أحمد: "اقرؤوا" بدل: "تعلموا"، في الموضعين.
(٥) في (ف): "يحف".
(٦) في (ف): "يتكبر".
(٧) لم أجده.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
سورة آل عمران
[ ٣ / ٤٤٧ ]