بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي أنزل الكتاب المُحكَم المُفصَّل المبيَّن، الرَّحمنِ الذي جعل العاقبة للمتَّقين، الرَّحيمِ الذي لا يُضيعُ أجرَ المحسنين.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورة هود أُعطِيَ مِن الأجر عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن صدَّقَ بنوحٍ وكذَّبَ به وبهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى ﵈، وكان يوم القيامةِ إنْ شاءَ اللَّهُ مِن السُّعداء" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة، وهي مئة وثلاثٌ وعشرون آية، وقيل: اثنتان وعشرون، وقيل: إحدى وعشرون.
والاختلاف في سبع آيات: ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤]، ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ﴿مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨].
_________________
(١) رواه الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٥٦٣). وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٧٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفتح السماوي" (٢/ ٧٢٤)، و"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ٨ / ١٥١ ]
وكلماتُها ألفٌ وتسع مئة وسبع عشرة، وحروفها سبعة آلاف وسبع (^١) مئة وسبعة وثلاثون (^٢).
وانتظامُ هذه السُّورة بسورة يونس: أنَّ هذه السُّورة تشتمل على ما اشتملَتْ عليه تلك السُّورة مِن محاجَّات المشركين وشُبَههم وإنكارهم، وأقاصيصِ الأمم الخالية، وغيرِ ذلك من المعاني.
وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّه ذكرَ هناك اتِّباع ما يُوحَى إليه، وذكر هاهنا صفة الكتاب الذي أُوحيَ إليه، ولأنَّ اختتامَ تلك ببيان أنَّ له الفصلَ والأحكام، وافتتاح هذه ببيان أنَّ منه التَّفصيلَ والإحكام.
* * *
(١) - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيه في تلك السُّورة.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: الحروفُ الثَّلاثة قَسَمٌ بثلاثةٍ مِن صفاتِ اللَّهِ تعالى؛ أي: بانفرادي بالرُّبوبيَّة، ولطفي بِمَنْ عرفَني بالأحديَّة، ورحمتي على كافَّة البريَّة: أنَّ هذا ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: حُفِظَتْ عن التَّغيير والتَّبديل ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ببيانِ نُعوتِ الحقِّ ممَّا يتَّصف به من جلال (^٣) الصَّمديَّة، وما تعبَّد به الخلقَ مِن أحكام العبوديَّة، ثمَّ ما ألاح (^٤) لقلوب المحبِّين فيه مِن لطائف القربة في عاجلِهم،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وست"، وانظر التعليق الآتي.
(٢) انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٦٣)، وفيه: وكلمها ألف وتسع مئة وخمس عشرة كلمة، وحروفها سَبعة آلاف وخمس مئة وسَبعة وسِتُون حرفًا كحروف يونس.
(٣) في (ف): "النعوت".
(٤) في (أ): "لاح".
[ ٨ / ١٥٢ ]
والبُشرى بما وعدَهم به مِن عزيز لقائِه في آجلِهم، وخصائصهم الَّتي امتازوا بها عمَّن سواهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ﴾: أي: هذا كتاب.
وقيل: أي: هذه السُّورة المسمَّاة ﴿الر﴾ كِتَابٌ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: نُظمَتْ نَظمًا مُحْكمًا، لا يلحقُه خَللٌ ولا تناقضٌ في النَّظم والمعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: جُعلَتْ فُصولًا؛ حلالًا وحرامًا، وأمرًا ونهيًا، وترغيبًا وترهيبًا، ومواعظ وأمثالًا، لكلِّ معنًى منها فصلٌ غير مختلطٍ بغيره، حتَّى يُتَمَكَّنَ مِن تَدبُّرِها كلِّها.
وقال الحسنُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالأمر والنَّهي، و﴿فُصِّلَتْ﴾ بالثَّواب والعقاب (^٢).
وقال قتادةُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ من الباطل، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالحلال والحرام (^٣).
وقال مجاهدُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالجملة، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بُيِّنَتْ بِذِكْرِ آية آية (^٤).
وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾؛ أي: بُيِّن فيها ما بالناس إليه حاجةٌ في أمور دينهم.
وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾: أُنْزِلَتْ متفرِّقة شيئًا بعدَ شيء.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: أي: أنزلَه ربٌّ حكيمٌ مُحْكِمٌ للأمورِ، واضعٌ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٠٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٧٩)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٥).
(٤) ذكره بهذا اللفظ القرطبي في "تفسيره" (١١/ ٦٦)، وبنحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٤٥٦). ورواه مختصرًا الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٥) ولفظه: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ قال: فُسِّرَتْ.
[ ٨ / ١٥٣ ]
كلَّ شيءٍ موضعَه، خبيرٌ عالمٌ بحقيقةِ الأشياء، وأنزلَه اللَّهُ تعالى، لم يفْتَرِهِ محمَّدٌ ولا تقوَّلَه، ولا قالَتْه الشَّياطينُ، ولا الكهنةُ، ولا الشُّعراء.
وقيل: ﴿خَبِيرٍ﴾ بوجوه المصالح فيها، لم يُنزِلْها جملةً، بل مفصَّلًا لِمَا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: لم تُنْسَخْ بكتابٍ كما نُسخَتِ الكتبُ والشَّرائع بها (^١).
وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾: فُسِّرَتْ (^٢).
ثمَّ في قولِه: ﴿مِنْ لَدُنْ﴾ أنَّه صلة قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: الإحكام والتَّفصيل مِن اللَّه تعالى.
وقيل: هي صلة قوله: ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: هو منزَّل مِن عند اللَّه.
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور رحمه اللَّه تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ فلا يأتيها الباطلُ مِن بين يدَيْه ولا مِنْ خلفِه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: ثم بَيَّنَتْ ما يؤتى وما يُتَّقى، وما لهم وما عليهم (^٣).
وفيه بيانُ جوازِ تأخُّر البيان لأنَّ (ثم) للتَّراخي (^٤).
* * *
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٤٢)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٨١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٥)، عن مجاهد، وقد أشرنا إليه قريبًا.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٤).
(٤) المرجع السابق (٦/ ٩٦).
[ ٨ / ١٥٤ ]
(٢) - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: وممَّا فُصِّلَ فيه ألَّا تعبدوا.
ويجوز أنْ يكونَ نصبًا بـ (أنْ)، و(أنْ) مع الفعل مصدرٌ، ومعناه: تركُ عبادتِكم غيرَ اللَّه ممَّا فُصِّلَ فيه.
ويجوز جزمًا بالنَّهي، وتقديرُه: قلْ يا محمَّد: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، ومِن تفصيلِه أنَّي أقول لكم: لا تَعْبُدُوا غيرَ اللَّه.
﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: فإنَّني لكم مِن اللَّهِ مخوِّف بالعذاب إنْ عصيْتُموه، ومُبَشِّرٌ بالثَّواب إنْ أطعْتُموه.
* * *
(٣) - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: عطف على الأوَّل، وهو دليلٌ أنَّ الأوَّلَ جزمٌ على النَّهي، وهذا عطفُ الأمرِ على النَّهي، وهو أولى مِن تأويل مَن أوَّلَه على إعراب النَّصب.
ومعناه: سَلُوا ربَّكّم أنْ يغفر (^١) ما أسلفْتُم مِن الذُّنوب بالشِّرك.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: أي: ارجعوا إليه بالإخلاص له.
والاستغفارُ ينتظِم النَّدمَ على ما سلف، وإحسانَ العمل في المؤتنَف، حتَّى يكون الإنسانُ راجعًا بعملِه إلى ربِّه، ولهذا قدَّمَ ذِكْرَ الاستغفارِ على ذِكْرِ التَّوبةِ،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يستر".
[ ٨ / ١٥٥ ]
وتقديره: اطلبوا مغفرةَ ربِّكم بالإسلام، والنَّدمِ على سالف الإجرام، والثَّبات على الطَّاعة في باقي الأيَّام، وارجعوا إلى اللَّهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثَّبات والدَّوام.
وقيل: أي: اطلبوا المغفرة بأنْ تجعلوها عوضَكم، ثمَّ توصَّلوا إلى مطلوبِكم بالتَّوبة واجعلوها سببَكُم، فالمغفرةُ أوَّلٌ في الطَّلب وآخرٌ في السَّبَب.
وقيل: معناه: استغفروا ربَّكم مِن ذنوبِكم السَّالفة، ثمَّ توبوا إليه في المستأنَف متى وقعَتْ منكم المعصيةُ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو جوابُ الأمرِ، وتقديرُه: إنْ تفعلوا ذلك يعمِّرْكُمُ اللَّهُ تعالى في الدُّنيا، فتتمتَّعون بالأرزاق المباحة والملاذِّ المحلَّلة متاعًا حسنًا، لا تَذُمُّون عاقبتَه كمتاع المشركين.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو مدَّة العمر لكلِّ إنسان.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ أي: تستحسِنون في الآخرة ذلك التَّمتُّع، وأمَّا الكفَّار فإنَّهم لا يستحسنون في الآخرة ما مُتِّعوا به في الدُّنيا؛ لأنَّ تمتُّعَهم في الدُّنيا كان للدُّنيا، وتمتُّعَ المسلمين كان للتَّزوُّد للآخرة (^١).
وأصلُ التَّمتُّع: إطالةُ الشَّيء والمدُّ فيه، يُقال: حبلٌ ماتع؛ أي: طويل، ومَتَعَ النَّهارُ؛ أي: ارتفعَ، وقال اللَّهُ تعالى خبرًا عن نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣]، وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، فهذا كلُّه مِن المَتاعِ الحَسَنِ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٥).
[ ٨ / ١٥٦ ]
وقال الفرَّاء: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: وتوبوا إليه؛ لأنَّ الاستغفارَ هو التَّوبة، والتَّوبة هي الاستغفارُ (^١).
وقال الكلبيُّ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: صلُّوا لربِّكم (^٢).
وقال مقاتلٌ: فدعا رسول اللَّه -ﷺ- أهل مكَّةَ إلى التَّوبة والاستغفار وعبادة اللَّه تعالى، فأبَوا فابتلاهم اللَّهُ تعالى بالقَحْطِ سَبْعَ سنين، ثمَّ أكلوا العِظام المحرَّقة والجِيَفَ والكلاب (^٣).
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: قال أبو العالية: أي: مَن كثرَتْ طاعاتُه في الدُّنيا زادَتْ درجاتُه في الآخرة؛ لأنَّ الدَّرجات تكون بالأعمال (^٤).
وقيل: أي: يُؤْتِ كلَّ ذي إفضال على النَّاس جزاءَ إفضالِه، سُمِّيَ جزاءُ الفضلِ فضلًا كما يُسمَّى جزاءُ السَّيئةِ سيئةً.
وقيل: أي: ويؤتِ كلَّ ذي فَضْلٍ فضيلةً في الدِّين بعملٍ صالحٍ جزاءَ فضيلتِه وعملِه.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: مَن زادَتْ حسناتُه على سيِّئاتِه دخلَ الجنَّة، ومَن زادَتْ سيِّئاتُه على حسناتِه دخلَ النَّارَ، ومَنِ استوَتْ حسناتُه وسيِّئاتُه كان مِن أهلِ الأعراف، ثمَّ يدخلون الجنَّة (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٤)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٤٥).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٥٥).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧١).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٧).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٧).
[ ٨ / ١٥٧ ]
وقال مجاهد: هو ما يحتسبُه الإنسانُ مِن كلامٍ يقولُه بلسانِه، أو عملٍ يعملُه بيدِه ورجلِه، أو ما يجتهد فيه من طاعة (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتملُ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ ما آتاه بفَضْله.
ويحتمل: [وَيُؤْتِ] كلَّ ذي فضلٍ في الدُّنيا فضلَه في الآخرة (^٢).
وهو كما روي: "أهلُ المعروفِ في الدُّنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة" (^٣)؛ أي: يُجعَلون أهل الشَّفاعة، فيَصطنعون المعروف إليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أصلُه: تتولَّوا، حذفت إحدى التَّائين تخفيفًا؛ أي: وإنْ تُعْرضوا عمَّا فُصِّلَ لكم مِن هذه المعاني وتصرُّوا على الشِّرك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٧).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٦)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٥٤٢٩)، والإمام أحمد في "الزهد" (٢٣٦٨) عن أبي عثمان النهدي مرسلًا. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٢١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ٣٧٥) من حديث قبيصة بن برمة الأسدي ﵁. ورواه البزار في "مسنده" (٥٩٧٩) من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٥٦، ٤٩٣١)، و"المعجم الصغير" (٧٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الطبراني في "المعجم الصغير" (١٩٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤٢٩) من حديث أنس بن مالك ﵁. ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٨٣٤ - ٨٤١) من حديث عمر وابن عمر وأبي موسى وسلمان وأبي الدرداء وابن عباس، ثم قال: (هذا حديث لا يصح)، ثم ذكر عللها.
[ ٨ / ١٥٨ ]
﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: عظيمٍ شديد، وهو يوم القيامة، لِمَا فيه مِنَ الأهوال وجزاء الأعمال.
وقيل: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: قتلُهم يوم بدر.
* * *
(٤) - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا وعيد يوم القيامة.
وقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: على مجازاتِكم على أعمالِكم وغير ذلك.
وقال القشيري ﵀: ابتدِئوا باستغفاركم، ثمَّ توبوا بترك أوزاركم، والتَّنقي عن إصراركم.
قال: ويقال: استغفروا من الذُّنوب، ثمَّ توبوا عن توهُّم نجاتِكم باستغفاركم؛ لعلمكم بأنَّ نجاتكم تكرمةٌ لا بأعمالكم.
وقال أيضًا: استغفروا لطلب حظوظكم من عفونا، فإذا فعلتم ذلك فتوبوا عن طلب كلِّ حظٍّ ونصيبٍ، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا راضين بما نختارُه مِن التَّجاوُز عنكم أو غير ذلك ممَّا نختارُه لكم.
وقال في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾: هو إعطاءُ الكفايةِ مع زوالِ الحِرْصِ.
وقيل: هو القناعةُ بالموجودِ.
وقيل: هو أنْ لا يحوجَه ولا يجعلَ لأحد عليه مِنَّة، لا سيَّما لِلَئيم.
وقيل: هو أنْ يوفِّقه لاصطناع المعروف إلى المستحقِّين.
وقيل: هو أنْ تُقضَى على يدَيْه حوائجُ النَّاسِ.
[ ٨ / ١٥٩ ]
وقيل: هو أنْ لا يُلمَّ في حال شبابِه بزلَّة، ولا يتَّصفَ في حال مشيبه عن اللَّه بغفلة.
وقيل: هو أنْ يكون راضيًا بما يجري عليه في حالَتَي العسر واليسر.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾: هو أنْ يَسترَ عليه فضلَه حتَّى لا يلاحِظَ حالَه ومقامَه، بل ينظر إلى نفسه وإلى ما هو منه وله بعين الاستحقار والاستصغار.
وقيل: هو أنْ يرقِّيه عن التَّعريج في أوطان البشريَّة إلى مناجاة شهود الأحديَّة، فيُنقَّى (^١) عن شُحِّ البشريَّة، والتَّكدُّر بما يبدو مِن مفاجأت التَّقدير.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: تنقطع الدَّعاوى عند الرُّجوع إلى اللَّه تعالى، وتَنتَفي الظُّنون، ويحصل اليأسُ مِن غير اللَّه تعالى، ويبقى العبد بنعتِ الاضطرار في وصف الانتظار (^٢).
* * *
(٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: أخبر عن معاداة المشركين للنَّبيِّ -ﷺ- وجهلِهم باللَّهِ في ظنِّهم أنَّهم يَسْتَخْفون منه، فقال: ﴿أَلَا﴾؛ أي: تنبَّهوا على أحوال المشركين، وقِفوا على جهلِهم، فإنَّهم يُسرُّون العداوة في قلوبِهم، وهو كقولهم: طَوَى كَشْحَهُ.
ووجهُ ذلك: أنَّ مَن ثنَى الشَّيء -أي: عطَفَه وطواه- خفيَ في أثنائه ما يقع فيه، وخفيَ باطن الشَّيء المطويِّ، فجعلَه مثلًا لإضمار العداوة في الصَّدر.
_________________
(١) في (أ): "فينتفي".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٣).
[ ٨ / ١٦٠ ]
﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: أي: يقصدون بذلك إخفاء ذلك على اللَّه تعالى جهلًا منهم.
﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: أي: اعلموا أنَّهم حين يتغطَّون بثيابِهم ويُدخلون رؤوسَهم فيها ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلمُ اللَّهُ ما يضمرون، فكيف وهم بارزون؟! ولكنَّهم أهلُ جهلٍ، ومَن كان هذا حالُه لم يُستَبْعَدْ منه أنْ يُشرِكَ باللَّه غيرَه.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: سرائرها وضمائرها.
ووجه آخر: أنَّهم كانوا إذا احتاجوا في أمرٍ مِن الأمور أنْ يَمرُّوا بالنَّبيِّ -ﷺ- طأطؤوا رؤوسَهم وتغشَّوا ثيابهم فيها؛ لِئلَّا يراهم النَّبيُّ -ﷺ- فيحتاجوا إلى الدُّخول عليه أو التَّسليم عليه، فأخبرَ اللَّهُ عن ذلك وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، وهو عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفْضِ الرَّأس، حتَّى يحتاجُ صاحبُها إلى أنْ ينحنيَ فيثنيَ صدرَه.
فيقول: أَلَا حينَ يفعلونَ هذا ويضمُّون إليه في بعضِ الأحوالِ أنْ يغطُّوا رؤوسَهم بثيابهم ليُخفوا أشخاصَهم مِن النَّبيِّ -ﷺ- يعلمُه اللَّهُ، ويعلم ما يسرُّون في منازلهم عليه وما يعلنون فيه.
ووجه آخر: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يَحْنون صدورَهم لتنخفضَ رؤوسُهم وتتطامَنَ آذانُهم، فلا يصلَ إليها ما يَقرأُ عليها رسولُ اللَّه -ﷺ- مِن القرآنِ، وهو كقوله تعالى في قصَّةِ نوحٍ ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧].
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يُخفون ما في صدورِهم مِنَ الشَّحناء والعداوةِ (^١).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٨).
[ ٨ / ١٦١ ]
نزلَتْ في الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفي، كان رجلًا حلوَ الكلامِ، حلو المنطق، يلقى رسولَ اللَّه -ﷺ- بما يحبُّ، وينطوي بقلبِه على ما يكرهه (^١).
وقال قتادة: أي: يحنون صدورَهم، وأخفى ما يكون الإنسانُ إذا حنى صدرَه وتغطَّى بثوبه، وأضمر همَّه في نفسِه (^٢).
وقال مجاهد وعكرمة: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ بشكٍّ (^٣) في اللَّه ﷿ وفي رسوله (^٤).
وقال السُّديُّ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يعرضون بقلوبِهم عنك، من قولهم: ثنيْتُ عناني (^٥).
وقال مجاهدٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ مِن العداوة، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مِن الوِفاق، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بما في القلوب من الخير والشَّرِّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليستَخْفوا منه إنْ كانت الآيةُ في المنافقين
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٧)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٦٠)، عن ابن عباس ﵄، وصرح ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٧٦) أنه من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٣٨)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٦٥)، عن الكلبي، وعلى هذا فلعله من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٨١)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٩).
(٣) في (ر): "أي يعرضون بقلوبهم شك"، وليست هذه العبارة في خبر مجاهد وعكرمة بل هي عن السدي كما سيرد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٩٩٩) عن مجاهد، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٢١) عن عكرمة عن ابن عباس.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٧)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٦٠).
[ ٨ / ١٦٢ ]
فهو الاستسرار والاستتار مِن رسولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ لأنَّهم كانوا يُظهرون موافقَتَه ويضمرون مخالفَتَه، وإن كانت الآيةُ في المشركين فهو على الاستسرار والاستتار مِن اللَّهِ ﷿؛ لأنَّهم كانوا لا يبالون بمخالفة رسول اللَّه -ﷺ-، وعندهم أنَّ اللَّهَ لا يطَّلِعُ على ما يسرُّون.
وفيه دلالة على نبوَّة محمَّدٍ -ﷺ-؛ حيث أخبر عن ضمائرِهم، فثبتَ أنَّه علِم ذلك باللَّه (^١).
* * *
(٦) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: أي: وما مِن شيء مِن الحيوانات التي تدبُّ على الأرض إلَّا واللَّهُ تعالى متكفِّل برزقِها؛ أي: بما يُقيمُها؛ إذ الحيُّ مِن الخلقِ لا بُدَّله ممَّا يقيمُ حياته، ولا قيام للحيوانات إلَّا بكفايتها (^٢)، وهي رزقُها.
قال مجاهدٌ: ما جاءَها مِن رزقٍ فمِنَ اللَّهِ، وربَّما لم يرزقْها حتَّى تموتَ جوعًا، ولكن ما كان مِن رزقٍ فمِنَ اللَّهِ، و﴿عَلَى﴾ بمعنى (من) (^٣)، كقوله تعالى: ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: أي: ويعلمُ مستقرَّها مِن الأرضِ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٧).
(٢) في (ر): "بكلفتها"، وفي (ف): "بتكلفاتها".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٠١).
[ ٨ / ١٦٣ ]
حيثُ تأوي إليه، وموضعَها الذي تموتُ فيه، أو تُدفَن فيه فتُسْتَودعُ فيه إليه إلى حين تنبعث.
وقال مجاهدٌ: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الأصلاب (^١).
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: أي: في اللَّوحِ المحفوظِ مكتوبٌ.
وقيل: يُكتَب الآنَ موجودًا، كما كُتِبَ في اللَّوح المحفوظِ معلومًا؛ يعني: مَن كانت هذه قدرتُه، وهذه صفتُه في الإحاطة في الأشياء، كيفَ يخفى عليه ما يفعلُه هؤلاء المشركون مِن ثني صدورِهم ظانِّين أنْ يخفى عليه ذلك؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ باللَّيل، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ بالنَّهار في معايشِها، ويُشْبه أن يكون هذا إخبارًا عن العلم بها في كلِّ حالٍ مِن سكونِها وحركتِها، يخبرُ أنَّه إذا لم يَخْفَ عليه كونُ كلِّ دابَّة في بطن الأرض، وما كان في الأرحام، وما استُودِعَ في الأصلابِ، كيف تخفى عليه أعمالُكم الَّتي عليها العقاب ولكم بها الثَّواب (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أراحَ القلوبَ عن تعبِ التَّقسيم، والأفكارَ عن نَصَبِ التَّفكير (^٣) في باب الرِّزق، حيث قال: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فسكنَتِ القلوبُ لَمَّا تحققَّتْ أنَّ الرِّزقَ على اللَّه تعالى.
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "إذا أُحِيْلَ أحدُكُمْ على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ" (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٢٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٩٩).
(٣) في جميع النسخ: "الترحم"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٤) رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظهما: "إذا أُتبع أحدكم على مليء فليتْبع".
[ ٨ / ١٦٤ ]
ويقال: إذا كان الرِّزقُ على اللَّهِ فمِنَ المحالِ طلبُهُ مِن غيرِ اللَّهِ.
قال: ولم يقل: (ما يشتهِيْهِ ومقدار ما يكفِيْهِ)، بل هو موكولٌ إلى مشيئتِه، فمِن موسَّعٍ ومِن مُقتَّرٍ (^١).
* * *
(٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: فسَّرناه عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] في (سورة الأعراف).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: بيَّنَ أنَّ خَلْقَ العَرْشِ والماءِ كان قبلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرض.
والعرشُ: شِبْهُ سريرِ المَلِكِ، لتطوفَ الملائكةُ به، ويحفُّون حولَه، ويمجِّدون اللَّهَ تعالى ويعظِّمون مِن حولِه، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الآية [الزمر: ٧٥].
وفي وقوفِ العرشِ على الماءِ، والماءِ على غيرِ قَرار، أعظمُ اعتبارٍ على كمالِ قُدْرةِ الملِكِ الجبَّار، ولو شاءَ لجعلَ العرشَ على غيرِ قَرار، كما جعلَ الماءَ -الَّذي هو أدعى للقرار وأحوجُ إليه- على غير قرار.
وعن كعب الأحبار أنَّه قال: لَمَّا أرادَ اللَّهُ تعالى خَلْقَ الماءِ خَلَقَ ياقوتةً خضراء،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).
[ ٨ / ١٦٥ ]
ثمَّ نظرَ إليها بالهيبة فصارَتْ ماءً، ثمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فجعلَ الماءَ على متنِها، ثمَّ وضعَ العَرْشَ على الماء (^١).
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ أي: خلقَ جميعَ ذلك ليعامِلَ عبادَه معاملةَ المختبِر لهم، مظاهرةً في الاحتجاج عليهم؛ ليمتثلوا أمرَه، ويؤدُّوا على نعمهِ شكرَه، ويستدلوا بآياتِه على وحدانيَّتِه وقدرَتِه على ما يشاء، وفي ذلك إثباتُ البعثِ لِيُجازيَ المحسِنَ على إحسانِهِ، والمسيءَ على إساءَتِه.
ومعنى الابتلاءِ: فعلُ ما يظهرُ به الشَّيء وإنْ كان معلومًا، أَلا ترى أنَّ الرَّجلَ قد يخالفُ الرَّجلَ في جودة فضَّته ورداءتها، وهو عالمٌ بحقيقةِ ما يقول، فيقول لصاحبِهِ: تعالَ ندخلْها النَّارَ، فننظرَ أجيِّدة هي أم رديئة.
وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أيُّكم أعملُ بالطَّاعة.
وقال مقاتلٌ: أيُّكم أتقى للَّه.
وقال الحسنُ: ايُّكم أزهدُ في الدُّنيا وأتركُ لها (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أحسنُ الأعمالِ ما غابَ عن ملاحظةِ عاملِهِ.
وقال: هو ما ينظرُ إليه صاحبُه بعين الاستصغار والاستقلال.
وقيل: أحسنُ الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه عوضًا.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٦٢). وظاهر أنها من الإسرائيليات.
(٢) ذكر هذه الآثار الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٩).
[ ٨ / ١٦٦ ]
وقيل: ما غاب عنه صاحبُه لاستغراقِه في شُهود المعبود (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وصلَ هذا بما ذكرَ مِن خلقِ السَّماوات والأرض؛ لأنَّ ذلك ذُكِرَ أساسًا لهذا؛ أي: خلقناها على الاتِّساق والانتظام دلالةً على الخالق القادر، وكان خلقُها للمُمْتَحنِيْن، وما خُلِقَتْ لأنفسِها، لانَّها للفناء، ولو كان لذلك -لا للابتلاء- كان عبثًا، وبالابتلاء ظهرَ المحسِنُ والمسيءُ، وجزاءُ ذلك بعدَ البعثِ.
ولو قلْتَ يا محمَّد للمشركين: إنكم مبعوثون للجزاء على ما انكشفَ بالابتلاء، أنكروا وتعجَّبوا، وقالوا: ما هذا القولُ إلَّا سحرٌ ظاهرٌ؛ أي: خديعةٌ منكم لنا، ومنعٌ عن لذَّات الدُّنيا وزينتِها، واجترارٌ إلى الانقيادِ لكم والدُّخولِ في طاعتكم.
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ نفسُ هذا الكلام لا يحتمِل أنَّه يُسمَّى سحرًا، لكن معناه: أنَّه إذا أخبرهُم بِه، وأقام الحُججَ والبراهينَ عليه، قالوا للحججِ والبراهينِ عليه: هذا سحرٌ.
ويحتملُ وجهًا آخر: وهو أنَّه بيانُ سَفههِم، أنَّهم اعتادوا نسبةَ كلِّ شيءٍ إلى السِّحرِ حتَّى الأشياء الَّتي لا تحتملُ السِّحرَ، وهي الأخبارُ؛ لأنَّ السِّحرَ إنَّما يكون في تقليب الأشياء، فأمَّا فيما يُخبِرُ عن شيءٍ يكون فلا (^٢).
* * *
(٨) - ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٠١).
[ ٨ / ١٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: حينٍ معلوم ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾؛ أي: استعجَلُوه على سبيلِ الاستهزاءِ، يعنونَ أنَّ هذا الوعيدَ بالتَّعذيب على التَّكذيب ليسَ بحقٍّ.
ثمَّ أخبَرَ أنَّه لا معنى لاستعجالِهم، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾؛ أي: بكثرةِ أعوانٍ، ولا بحيلةِ محتالٍ، ولا بقوَّةٍ مِن قِبَلِهم، ولا مِن قِبَلِ آلهتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: يحيقُ بهم، يعني: ينزلُ بهم، ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه كائنٌ لا محالةَ، فألحقَه بالحاصِلِ الموجود.
* * *
(٩) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: أي: إذا أعطينا المشرك المكذِّب باللَّهِ ﷿ منَّا سَعةً في الدُّنيا، وصحَّةً في الجسم، ووفورًا في الولدِ؛ لِيَشْكُرَ بها لنا، ويستعينَ بها على طاعتِنا.
﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾: لكفرانِه، فأذقناه ضِيقًا وسُقْمًا ونَقْصًا في المال والولد.
﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: لأنه يئس وكفر نعمتنا (^١)، وقال: أهانني ربِّي فلا أعبدُ ربًّا يهينُني، كأنَّه يَئِسَ مِن زوالِ ما حلَّ به، فهو لذلكَ معرِضٌ عن ربِّه، لا يتوقَّع خيرًا، ولا يأملُ فَرَجًا.
وجاءَ في التَّفسير: أنَّ ﴿الْإِنْسَانَ﴾ هو عبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميَّة المخزومي، أذقْنَاه رحمةً منَّا: رخاءً ونعمةً، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾؛ أي: سلبْنَاها منه، ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ في الشِّدة، ﴿كَفُورٌ﴾ في النِّعمة (^٢).
_________________
(١) في (ر): "بنعمتنا"، وفي (ف): "نعمتنا"، بدل: "لأنه يئس وكفر نعمتنا".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٥٩).
[ ٨ / ١٦٨ ]
(١٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾: أي: ولَئِنْ أزلنا (^١) البأساءَ بالنَّعماء لم يَرَ أنَّ ذلكَ استدعاءٌ للشُّكرِ، ولكنَّه يقول: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾؛ أي: الأحوال السَّيِّئة الَّتي كانت تَسُوؤني؛ أي: كان ذلك سُوءًا أصابني وذهبَ، كما يكون هذا بأكثر الأحوال، ويصيبُ أكثرَ النَّاس تتلوَّن عليهم الأمورُ، فلا يعتبرُ بما يُمْتَحَنُ به وبما يُنْعَمُ عليه، فلا يقابلُ البأسَ بالصَّبرِ، ولا النِّعمةَ بالشُّكرِ، إعطاءً للعبوديَّةِ حقَّها، ولكنَّه في حال البؤس يحيل ذلك على أنَّ اللَّهَ تعالى أهانَه، وفي حالة النِّعمة يعدُّها اتِّفاقًا حسنًا، يحمدُ عليه زمانَه.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: أي: مِن عادتِهِ الفرحُ والبَطَرُ بالنِّعمة، والفخرُ بها على الكافَّة، حتَّى يخرجَ بذلك إلى تكذيبِ الأنبياء، وجحودِ البعثِ والجزاءِ.
* * *
(١١) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هو استثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكن الذين صبروا على المكاره، وصبروا عن المعاصي، وعملوا الطَّاعات.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: أي: مغفرة الذُّنوب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثوابٌ عظيمٌ.
ويجوزُ أنْ يكونَ على حقيقةِ الاستثناءِ، ويكونَ الإنسانُ المذكور في الآية الأولى بمعنى: النَّاس؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ فيصلح للجَمْعِ، فيكون معناه: أكثرُ النَّاسِ على كذا، وقومٌ مستثنًى منهم.
_________________
(١) في (أ): "أبدلنا".
[ ٨ / ١٦٩ ]
وعلى القولَيْنِ جميعًا يخرج قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]، إلى قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ الآية [العصر: ٢].
* * *
(١٢) - ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: قال مقاتلٌ: إنَّ أهلَ مكَّةَ قالوا: ائتِنا بكتابٍ ليسَ فيه سبُّ آلهتِنا، ولا مخالفةُ آبائِكَ، فهمَّ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- أنْ يَدَعَ سبَّ آلهتِهم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وهذا على النَّهي؛ أي: لا تتركْ بعضَ ما يُوحَى إليك، وهو كما يقولُ الرَّجل لآخرَ: لعلَّكَ تريدُ أنْ تفعلَ كذا، وهو ينهاه عنه.
ويتضمَّنُ له البشارةَ بالأمن ممَّا يخافُ أنْ يلحقَهُ مِن جهتِهم، ولزومَ التَّبليغ، وذلك أنَّ الأخيار إذا ابتُلوا بالأشرار فقد يؤذَنُ لهم بمفارقتِهم، وتركِ الأمرِ فيهم، فبيَّنَ أنَّه ليس له ذلك، وعليه التَّبليغُ مع ذلك (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ الضَّائقُ يُذْكَرُ للضِّيْقِ العارض، والضِّيْقُ يُذْكَرُ للضِّيْقِ اللازم، وكان ما يلحقُه مِن كلامِهم أمرًا عارضًا، فلذلك قال: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧٣).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٠٥).
[ ٨ / ١٧٠ ]
﴿أَنْ يَقُولُوا﴾؛ أي: بأنْ يقولوا.
قال مقاتلٌ: قالَ هذا عبدُ اللَّه بن أبي أميَّة: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ (^١)، وكان للمال عندَهم خطرٌ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]؛ أي: ليصدِّقَه بما يقول، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿نَذِيرٌ﴾: مخوِّف مبلِّغ، ليس بيدك الإتيانُ بالأموالِ وإنزالُ الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: حافظ لكلِّ ما يقولون فيك؛ إذ هو الحفيظ عليهم لا أنت، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، ونظيرُ هذه الآية: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
* * *
(١٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: (أم) كلمةُ عطف على استفهامٍ بألفٍ، وتقديره: أيكذِّبونَكَ أمْ يقولون: افتراه.
وقيل: أيكتَفُون بما أوحينا إليك أم يقولون: افتراه.
والمفسِّرون يقولون: معناه: بل يقولون افتراه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾: أي: مثل القرآن ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾؛ أي: على زعمكم أنَّ القرآن مفترًى.
وهذا أمرُ إعجازٍ كما مرَّ في (سورة البقرة)، وهذه الآية نزلَتْ قبلَ قولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، ونزل أوَّلًا قولُه تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٩) دون نسبة.
[ ٨ / ١٧١ ]
[الطور: ٣٤]، وهو كُلُّ القرآن، فلمَّا ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشر سورٍ، ثمَّ لَمَّا ظهرَ عجزُهم عنها تحدَّاهم بسورةٍ، فلمَّا ظهرَ عجزُهم لزمَتْهم الحُجَّة بالكليَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: مِنَ الجنِّ والإنسِ ليُعِينوكم على الإتيان بعشر سورٍ مثلِه، في نظمِه ومعانيه، والأخبارِ الصَّادقة عن الأمور الماضية والآتية، والإطْلاع على ما في ضمائركم، فأتوا بما فيه هذه المعاني، والإطْلاع على ما في ضمير محمَّد (^١).
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنَّه افتراه مِن عندِه، ولسانُكم مثلُ لسانِه.
* * *
(١٤) - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: له وجهان:
أحدهما: فإنْ لم يستجِبْ لكم أيُّها المشركون أحدٌ مِن العرب ولا مِن غيرهم ممَّنْ استعنْتُم به، عِلْمًا منه بالعجزِ، وأنتم عاجزون أيضًا، فاعلموا حينَئذٍ أنَّ القرآنَ أُنزِلَ مِن عندِ اللَّهِ، فإنَّ اللَّهَ ﷿ أنزلَه بعلمِه؛ أي: وهو عالمٌ بإنزالِه على ما يكون حجَّة على خلقه.
ويحتمل: أنَّه أنزله بالأنباء (^٢) الَّتي هو عالمٌ بها، يُعلمُها مَن شاءَ مِنْ خلقِهِ، فاستدِلُّوا بذلك على أنَّه لا إلهَ إلَّا هو.
_________________
(١) في (أ): "على ما في ضميرهم".
(٢) في (أ): "بالأشياء".
[ ٨ / ١٧٢ ]
ويحتمل: وإذ عجزتم عن معارضته فاعلموا أنَّ محمَّدًا محقٌّ في دعوى الرِّسالة، فلا يجوز أن يكون كاذبًا فيما يخبرُكُم به: أنَّه لا إلهَ إلَّا هو وحدَه، دونَ أصنامِكم، فهل أنتم مسلمون؟ آنَ لكم أنْ تؤمنوا باللَّه وتصدِّقوه.
ووجه آخر: فإنْ لم يستجبْ هؤلاء المشركون لكم يا محمَّد ويا أصحاب محمَّد إلى ما دعوتموهم إليه مِن معارضة القرآن على نظمِه، فتيقَّنوا أنتم بلجاجهم وإصرارهم، ودُوموا على علمِكم بأنَّ القرآن مِن عندِ اللَّهِ، وأنْ لا إلهَ إلَّا هو، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون للَّه، مخلصون له، دائمون على الإيمان والإحسان؟
* * *
(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: أي: الدَّاعي لهؤلاء المشركين إلى الدَّوام على الشِّركِ الدُّنيا وزينُتها.
وقال الفرَّاء: تقديرُه: مَن يُردِ الحياةَ الدُّنيا، فلذلك قال في جزائه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ بحذف الياء للجزم (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: اختُلف فيها:
فقال بعضُهم: الآيةُ في الكفَّار، يعملون أعمالًا هي في الظَّاهر صالحةٌ؛ مِن التُّصدق على الفقراء، وعمارات الطُّرق، واتِّخاذِ القناطر والرِّباطات، يقول: نوفِّ إليهم جزاءَ أعمالهم في الدُّنيا، وهم فيها لا يُنقَصون، وهو ما وُسِّعَ عليهم في الدُّنيا.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٧٦).
[ ٨ / ١٧٣ ]
وجائزٌ أنْ يكون: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: نردُّ عليهم أعمالَهم التي عملوها في الدُّنيا فلا نقبلُها (^١).
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾؛ أي: لا يُنقَصون ما قُدِّرَ لهم مِن الرِّزق إلى انقضاء مدَّتهم بشركهم باللَّه ﷻ (^٢).
* * *
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: خالدين فيها بشركهم.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما هو طاعةٌ عندهم.
وقال بعضُهم: هي في المؤمنين الذين عملوا الصَّالحات مراءاةً للخَلْق، نوفِّ إليهم جزاءَ أعمالهم فيها من الذِّكْرِ والشَّرفِ، وما طلبوا بأعمالهم في الدُّنيا من المباهاة وغيرها، وبطلَ ما كانوا يعملون في الآخرة؛ لأنَّهم عملوها لغير اللَّه تعالى، فلا يُجزَوْنَ بأعمالِهم تلك، وإلى هذا ذهبَ ابنُ عبَّاس ﵄ (^٣).
قال (^٤): وروي عن النَّبي -ﷺ- أنَّه سُئِلَ: ما بالُ العبدِ المعروفِ بالخير يُشدَّد عليه الموت، والرَّجل المعروف بالشَّرِّ يُهَوَّنُ عليه الموت؟ فقال: "المؤمنُ تكون له الذُّنوب فيُجازَى بها عندَ موتِهِ، فيفضي إلى الآخرة ولا ذنبَ عليه، والكافرُ يكون له
_________________
(١) في (ر): "رياء"، وهي سقط من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٠٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٤٧).
(٤) أي: الماتريدي.
[ ٨ / ١٧٤ ]
حسناتٌ، فيُجازَى بها عند الموت، يخفَّفُ عنه كَرْبُ الموتِ، ثمَّ يفضي إلى الآخرة، وليسَتْ له حسنةٌ". أو كلام هذا معناه.
وعلى هذا معنى الآية: أنَّهم لا يستوجبون بتلك الأعمال إلَّا النَّار؛ لأنَّه إذا راءى بها لم يخلِصْها للَّه تعالى، وضيَّع أمرَه، ومَنْ ضيَّعَ فرائضَ اللَّهِ تعالى استوجبَ التَّعذيب عليه، وله العَفْوُ، وليسَ في الآيةِ أنَّه لا محالةَ يعذِّبهم بعمل المراءاة (^١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقولُ: مَن قنع هنا بالدُّنيا التي الدَّناءة صفتُها، مننَّا عليه بإمتاعِ أيَّامٍ تقلُّ مدَّتها، لكن يَعقبُ أَرْيَ كمالها شَريُ زوالِها، ويتبعُ طعمَ عسلِها سمُّ حنظَلِها (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي، والآيةُ في بيان عدم التَّسوية بينَ المؤمنين وهم المذكورون في هذه الآية، وبينَ المشركين وهم المذكورون في الآية الأولى.
معناه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: حجَّةٍ وبيان، وهم المؤمنون بمحمَّد والقرآن، فهم على حجَّة بمجيء محمَّد ﵇ ﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: ويتبعُ محمَّدًا (^٣)
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٨). والأري: العسل، والشري: الحنظل.
(٣) في (أ): "ويتلوه محمد"، وفي (ر) و(ف): "ويتبع محمد"، والصواب المثبت.
[ ٨ / ١٧٥ ]
الذي هو البيِّنة ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (^١)؛ أي: مَن يشهدُ بصدقِه، هو جاءَ به (^٢)، وهو القرآنُ.
﴿قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾؛ أي: ولهذا المؤمن مع هذا الشَّاهد شاهدٌ قبلَه، وهو كتابُ موسى التَّوراةُ الَّذي أنزلَه اللَّه تعالى إمامًا لبني إسرائيل يقتدون به، ورحمة لهم أنقذَهم اللَّهُ تعالى به من النَّار في الآخرة، ومِن استعباد فرعون وقومه في الدُّنيا، وفي التَّوراة الشَّهادةُ بمحمَّدٍ، والبشارة به، والإخبار بصفتِه وصفةِ أمَّتِه.
يقولُ: أفمَنْ اجتمَعَتْ له هذه الحجج -وهي النَّبيُّ والقرآنُ والتَّوراةُ- الشَّاهدةُ المبشرة فآمنَ بها (^٣)، كمَنْ أعرضَ عن النَّذير (^٤)، ومالَ إلى الحياة الدُّنيا وزينتِها، فهذا هو الجوابُ المحذوفُ، وبه النَّظمُ بينَ الآيتَيْنِ.
وقال الحسنُ بن عليٍّ وعبدُ الرَّحمن بن زيدٍ: الشَّاهد هو النَّبيُّ -ﷺ-، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾: مِنَ اللَّهِ تعالى (^٥).
وقال ابن عبَّاس ومجاهد وإبراهيم والفرَّاء والزَّجَّاجُ: هو جبريلُ يتلو القرآنَ على محمَّد ﵉ (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "شاهد به".
(٢) في (ر): "وهو ما جاء به".
(٣) في (ر) و(ف): "الشاهدة بمحمد والبشارة به والإخبار بصفته وصفة أمته فآمن بذلك".
(٤) في (ف): "التدبر".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٥٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠١٤ - ٢٠١٥) عن الحسين بن علي ﵁، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٥٩) عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم، وابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠١٤) عن ابن عباس ومجاهد، وقال عقب خبر ابن عباس: وروي عن أبي العالية وأبي صالح ومجاهد وإبراهيم وعكرمة والضحاك وعطاء الخرساني وخصيف نحو ذلك. وانظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٤٣).
[ ٨ / ١٧٦ ]
وقال الحسنُ وقتادةُ: شاهدٌ مِن النَّبيِّ ﵊، هو لسانُه (^١).
وقال مجاهدٌ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ قال: ملَكٌ يحفظُه ويسدِّدُه (^٢).
وقال ابنُ حبيبٍ: ورأيْتُ في بعض التَّفاسير: الشَّاهدُ صورةُ النَّبيِّ -ﷺ- ووُجُهه ومخايلُهُ؛ لأنَّ مَنْ كانَ له حِسٌّ صحيحٌ ونظرَ إليه علمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ متخرِّصٍ، ولا ساحرٍ، ولا كاهنٍ، ولا مجنونٍ (^٣). ويؤيِّد هذا التَّفسير قولُه: ﴿مِنْهُ﴾.
وقال مقاتلٌ: ليس الَّذي هو على بيانٍ مِن ربِّه كالَّذي موعدُه النَّار (^٤).
فجعلَ جوابَه فيما بعدَه، والأوَّلُ جوابُه فيما قبله، وهو كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩]، قيل: جوابُه فيما قبله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقيل: فيما بعده: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: قيل: هم أصحابُ محمَّدٍ ﵊.
وقيل: هم أصحاب موسى أهلُ الكتاب الَّذين آمنوا بمحمَّد ﵊.
وقوله: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، وقيل: أي: بمحمَّد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: ففي الهاء قولان أيضًا كالأوَّل.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٥٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠١٤).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٨٦)، والرازي في "تفسيره" (١٧/ ١٦١) دون نسبة.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧٦).
[ ٨ / ١٧٧ ]
﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: أي: الفرق والأصناف، وهم اليهود والنَّصارى والمجوس والمشركون.
﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أي: إن لم يُسلمْ.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: أي: شكٍّ ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يقصدون التماسَ الحقِّ، فيكونَ همُّهُم التَّصديقَ بما قامَتْ به دلائلُه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ البيِّنةُ لأقوامٍ برهانُ العلمِ، ولأقوامٍ بيانُ الحقيقة على القطع والجزم، يُشهدهم الحقُّ ما لم يُطْلِع عليه غيرَهم، فهو كما قيل:
ليلِي مِنْ وجهِكَ شمسُ الضَّحى وإنَّما السُّدْفَة في الجوِّ
والنَّاس في الظُّلمة مِن ليلِهم ونحنُ مِن وجهِكَ في الضَّوِّ (^١)
* * *
(١٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: لا أظلمُ على نفسِه وعقلِه ممَّنْ كَذَبَ على اللَّهِ، فنفَوا عنه كلامَه، وأضافوه إلى غيرِه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٢٩)، والبيتان ورد نحوهما في "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦) برواية: ليلي من وجهك شمس الضحى وظلامه فى الناس ساري والناس فى سدف الظلا م ونحن في ضوء النهار
[ ٨ / ١٧٨ ]
﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: في موقف القيامة ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾؛ أي: الملائكة الَّذين كتبوا أعمالهم، وقيل: الأنبياء، وقيل: أهل الجمع:
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: قالوا: إن له أضدادًا وأندادًا.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: هذا إخبارٌ مِنَ اللَّهِ تعالى، وتعليمٌ للخَلْقِ أنْ يلعنوهم، وهم المشركون الواضعون العبادةَ في غير موضعِها، والضَّارُّون أنفسَهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: تُعرَضُ أعمالُهم على أنفسِهم عندَ ربِّهم، كقوله تعالى: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]؛ أي: عندَ ربِّهم؛ إذِ الأمرُ والنَّهيُ كان لأنفسِهم، فكانَ عرضُهم لهم (^١).
* * *
(١٩) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون النَّاس عن دينِ اللَّهِ وطريقِ طاعتِه بالتَّحريف وإدخال الشُّبَهِ.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبونها (^٢) -أي: للسَّبيل، وهي مؤنَّثة سماعًا- تعويجًا؛ أي: يطلبونَ أنْ يَعْدلوا بالنَّاس عنها.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون.
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١١١ - ١١٢).
(٢) في (ر) و(ف): "يطلبون بها".
[ ٨ / ١٧٩ ]
(٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: هو جواب قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: فائتين هربًا؛ أي: لا يتخلَّصون من عذابِه ولو ساروا حيث ساروا في الأرض.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يتولَّون نصرَهُم، وردَّ العذابِ عنهم في الدُّنيا والآخرة، بل ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يواصَلُ ولا يقطع (^١)، ويزادون عذابًا على عذابٍ، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الكلبيُّ: يضاعف على الرُّؤساء ضعفَ ما على غيرِهِم مِنَ الأتباع (^٢).
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: أي: كانوا يستثقلون أنْ يسمعوا القرآنَ، وأنْ ينظروا إلى عجائب خلقِ اللَّهِ تعالى بالاعتبار.
وفي متعارَف الكلام: ما أستطيعُ أنْ أسمعَ كلامَ فلانٍ، أو أنظرَ إلى فلانٍ، إذا كان مستثقَلًا.
ودلَّتِ الآيةُ أنَّ الاستطاعةَ الَّتي هي علَّة الفعلِ -وهي قدرةُ الفعل حقيقةً- تكون مع الفعل؛ فإنَّ اللَّه تعالى نفى ذلك عنهم حيث انتفى عنهم الفعل، فأمَّا الاستطاعة الَّتي هي سلامةُ الأسباب والآلات فقد كانت ثابتةً لهم، فإنَّهم كانوا ذوي أذانٍ وعيونٍ.
* * *
_________________
(١) في (ر): "مواصلا لا ينقطع".
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٤٤) بلا نسبة.
[ ٨ / ١٨٠ ]
(٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: أوردوا أنفسَهم الهلاكَ والعذابَ، حذرًا مِن غير أن اعتاضوا مِن أنفسِهم مِن أعراض الدُّنيا بدلًا، بل تعبوا في الدُّنيا بعبادة الأصنام، ووردوا الآخرة وقد فقدوها (^١) ولم يحصلوا منها ومن عبادتها على نفعٍ، وكانوا مفترين في أنَّها آلهةٌ وشفعاءُ وشهداء.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: بطلَ افتراؤُهم فلم يجلبْ ثوابًا (^٢).
* * *
(٢٢) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: (لا جرم) كلمةٌ تقولُها العرب بمعنى: لا بُدَّ، ولا محالةَ، وكثرَتْ في الكلام حتَّى صارَتْ بمعنى: حقًّا.
وقيل: (لا) نفيٌ، و(جرم)؛ أي: كَسَبَ، يعني: كَسَبَ كفرُهم خسرانَهم (^٣).
وقيل: (جرم)؛ أي: قطع؛ أي: لا قطعَ لهم عن الخسران.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَا جَرَمَ﴾ نعم (^٤).
_________________
(١) في (أ): "فقدروها" بدل من "وقد فقدوها".
(٢) لم أجده عن ابن عباس، وقاله الواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٨٤) ولفظه: (بطل افتراؤهم في الدنيا فلم ينفعهم في الآخرة شيئًا).
(٣) هذا قول الزجاج، لكنه يحتاج لتفصيل أكثر، فالمعنى عليه: أن ﴿لَا﴾ ردٌّ لقولهم؛ أي: ليس ذلك كما وصفوا ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾؛ أي: جَرَمَ فعلُهم هذا أن لَهُم النارَ؛ أىِ: كسب فعلهم أن لهم النارَ. فتكون ﴿أَنَّ﴾ في موضع نَصْبٍ، ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كَسَب. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٢٠٧ و٢٢٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٢٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠١٩).
[ ٨ / ١٨١ ]
وقال الضَّحَّاكُ: لا شكَّ (^١).
وقال النَّضر بن شميل: ذلك (^٢).
وقال مجاهد: حقًّا؛ أي: إنَّهم في الآخرة هم الأعظمون خسرانًا، والأشدُّون عذابًا وهوانًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أولئك الَّذين خسرَتْ صفقتُهم، وبارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوانَ، وذاقوا البأسَ والحرمان (^٣).
* * *
(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكرَ الأولياءَ بعدَ ذِكْرِ الأعداءِ. ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ اختلفَتْ ألفاظُ المفسِّرينَ فيه:
قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أنابوا إلى ربهم (^٤).
وقال مجاهدٌ: أي: اطمأنُّوا إلى ذِكْرِ ربِّهم (^٥).
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٤٥) بلا نسبة. وذكر ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٨٠) عن الضحاك: ﴿لَا جَرَمَ﴾ قال: لا كذب.
(٢) في (أ): "لكن"، وفي (ر): "لك".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٧٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠١٩).
[ ٨ / ١٨٢ ]
وقال قتادة: أي: خضعوا وخشعوا (^١).
وقال الحسنُ: الإخباتُ: الخشوعُ للمخافةِ الثَّابتة في القلب (^٢).
وقيل: الإخباتُ: سكونُ الجوارحِ خضوعًا للَّهِ تعالى، والخَبْتُ: الأرضُ المستويةُ الواسعةُ (^٣).
* * *
(٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: والفريقان هما المذكوران في هذه الآية، وهما المشركون والمؤمنون، فالأعمى والأصم هو المشرك، عَمِيَ بعين قلبه فلم ينظر نظر اعتبار، وصُمَّ بسمع قلبه فلم يسمع إلى الوعظ للادِّكار، والبصيرُ والسَّميع هو المؤمن، أبصَروا الحقَّ بعيون قلوبِهم، وسمعوا بآذان القلوب مواعظ ربِّهم.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي.
وإنَّما ثنَّى -وإنْ ذكرَ أربعةَ أسماءٍ وهي جمعٌ- لأنَّ الأعمى والأصم من صفة إنسانٍ واحدٍ، وكذا السَّميع والبصير لواحدٍ، فكانا اثنين.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٨٦)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٠).
(٢) في (أ): "الإخباتُ والخشوعُ المخافةُ"، وفي (ر): "الإخباتُ والخشوعُ للمخالفة"، وفي (ف): "الإخباتُ والخشوعُ للمخافة"، والمثبت من "تفسير القرطبي" (١١/ ٩٦).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٤٢٧)، وفيه: واشتقاقه من الخَبْتِ مِن الأرْضِ، وهي المكان المنخْفِض منها، فكل مُخْبِت متواضع.
[ ٨ / ١٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: تتَّعظون، استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتَّعِظوا.
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: وذكرَ قصصَ الأنبياءِ تنبيهًا على ما يلزم (^١) رسول اللَّه -ﷺ- من الصَّبر على أذى قومِه المشركين، وتحذيرًا للمشركين أنْ ينزلَ بهم في تكذيب رسول اللَّه -ﷺ- ما نزل بالأوَّلين في تكذيب المرسلين، وتبشيرًا للمؤمنين بالنَّصر والنَّجاة والتَّمكين.
وقال ابن عبَّاس ﵄: سُمِّيَ نوحًا لكثرة نياحه على نفسِه (^٢).
وذُكر (^٣) أنَّه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحَهُ! فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنِ اخلقْ أنتَ أحسنَ منه، فأخذَ يبكي وينوحُ على نفسِه حتَّى أوحى اللَّهُ إليه: يا نوحُ، كم تنوحُ (^٤)؟
فإذا كان في طول عمرِه فعلَ فعلةً واحدةً أو قالَ كلمةً واحدةً لم يؤذَنْ له فيها، فناحَ على نفسِه إلى أنْ سُمِّيَ بالنَّيَّاحِة، فكيفَ حالُ مَن لا يذكرُ يومًا مضى مِن عمرِهِ في مدَّةِ تكليفِه إلَّا على ذنوبٍ كثيرةٍ؟
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو والكسائيُّ:
_________________
(١) في (أ): "تنبيها في تكذيب رسول" بدل: "تنبيها على ما يلزم".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٤).
(٣) في (ر) و(ف): "وذلك".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٤)، والقشيري في "لطائف الإشارات" (٢/ ١٣١)، دون نسبة، والظاهر أنه من أباطيل أهل الكتاب.
[ ٨ / ١٨٤ ]
﴿أنِّي لَكُمْ﴾ بالفتح؛ لو قوع فعلِ الإرسال عليه، وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء (^١)، وتقديرُه: فقلنا له: قل لهم: إنِّي لكم ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: مخوِّف لكم، ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهِرٌ ذلك.
* * *
(٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ قيل لئلَّا تعبدوا، وقيل: بأن لا تعبدوا، ثمَّ هو يحتمِلُ النهيَ، ويحتمِل النَّصب؛ لوقوع فعل الإرسال أو الإنذار على المصدر.
وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ الأليمُ في الظَّاهرِ صفةُ العذاب، وإنَّما خُفضَ ولم يُنصبْ للمجاورة.
وقيل: هو صفةُ اليومِ، وتقديرُه: عذاب يومٍ أليمٍ عذابُه، كما يُقال: أخشى عذابَ يومٍ شديدٍ عذابُه، وهو كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصف الرِّيح.
وهذا اليوم يجوز أن يكون في الدُّنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: هو الغرق والطُّوفان (^٢).
* * *
(٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٤٦) دون عزو.
[ ٨ / ١٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾؛ أي: قال أشرافُ قومِه الَّذين يتكلَّمون عمَّن دونهم: ما نراك إلَّا إنسانًا مثلنا، والَّذي (^١) تدَّعيه مِن النُّبوَّة يوجبُ فضلًا لكَ علينا يُلْزِمُنا أنْ نكون أتباعًا لك، وإنَّما أنت آدميٌّ مثلنا، ولم يتَّبعْكَ مِن قومِكَ خيارُ قومنا وعقلاؤنا فيلزمَنا اتِّباعهم، بل سَفِلتُنا وسُقَّاطنا.
والرَّذْلُ: الحقيرُ، وجمعُه: الأرذال، وجمعُ الجمعِ: الأراذل.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرأ أبو عَمرو: ﴿بادئ﴾ مهموزًا، ومعناه: أوَّلَ الرَّأي؛ أي: اتَّبعوك بأوَّل رأيهم مِن غير أن يستشيروا أو يتأمَّلوا (^٢).
وقرأ غيرُه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ بغير همزة (^٣)؛ أي: ظاهر الرَّأي؛ أي: بما بدا لهم مِن غير تأمُّل.
وقبل: ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾؛ أي: بأوَّل الرُّؤية وبظاهر الرَّأي يعرفهم أنَّهم أراذل، وما نرى لك يا نوحُ ولا لمنْ اتَّبعَك علينا فضلًا نِلْتموه لمخالفتنا في دينِنا فنتبعَكم طلبًا لذلك الفضل، بل نظنُّكم كاذبين في دعوى الرِّسالة.
والأظهرُ أنَّ الأراذل جمع الأرذل (^٤)، فقد قال تعالى في سورة الشعراء خبرًا عنهم: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
_________________
(١) قوله "الذي" معطوف على الكاف في "نراك"؛ أي: (وما نرى الذي. . .).
(٢) في (ف): "يعتبروا".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤).
(٤) في (ف): "الأرذال جمع الأراذل" بدل من "الأراذل جمع الأرذل".
[ ٨ / ١٨٦ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهكذا كان الكفَّار يردُّون على الرُّسل بهذا: أنتم بشرٌ مثلُنا، وجوابُ ذلك ما قال خبرًا عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وجواب قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: أنَّ هؤلاء لَمَّا لم يتَّبعوا الرُّؤساء الذين هم أرباب الأموال والنِّعم، واتَّبعوا الرُّسل الَّذين لم يرَوا في أيديهم ذلك، دلَّ أنَّهم إنَّما اتَّبعوهم بالحُجَج والبراهين (^١).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ دلَّ أنَّهم كانوا يردُّون الدَّلالات الباهرة بالظُّنون الكاذبة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أنكروا نبوَّته لمشاكلتِه إيَّاهم في الصُّورة، ولم يعلموا أنَّ المباينةَ بالسَّريرة والسِّيرة لا بالصُّورة.
ونظروا إلى مَنْ آمنَ به بعين الاستحقار، وشاهَدوهم بالاستصغار، وما استصْغَرَ أحدٌ أحدًا برؤية الفضل عليه إلَّا سلَّطَه اللَّهُ عليه، والمرءُ بأصغَرَيْه، وبالمعاني الامتيازُ لا بالمباني، قال الشَّاعرُ:
ترى الرَّجلَ النَّحيف فتزدَرِيْهِ وفي أثوابِهِ رجل يزيرُ (^٢)
فإنْ أكُ في شراركمُ قليلًا فإنِّي في خياركمُ كثيرُ (^٣)
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٢١).
(٢) في (ف): "مزير".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٢)، ونسب البيت الأول للعباس بن مرداس السلمي ﵁. انظر: "الحماسة - شرح المرزوقي" (٣/ ١١٥٣)، ونسب لكثير عزة، انظر: "أمالي القالي" (١/ ٤٧)، و"زهر الآداب" للقيرواني (٢/ ٤١٠)، ونقل التبريزي في "شرح الحماسة" =
[ ٨ / ١٨٧ ]
(٢٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: أي: قال نوحٌ: يا قومِ أخبروني إنْ كنْتُ على بيانٍ وحجَّةٍ ووضوحٍ مِن ديني، وكان اللَّهُ آتاني رحمةً مِن عندِه، بأنْ جعلَني رسولًا إليكم، ووعدني النَّصر عليكم، واشتبهَتْ عليكم تلك الرَّحمة، وخفيَتْ حتَّى صرْتُم كالعُمْي عنها، أيتهيَّأ لي أنْ أُلزِمَكُمْ إيَّاها؛ أي: أَقهَرَكم وأُكرهَكم على فهمِها ورؤيتِها بأبصارِ قلوبِكم، وأنتم لها كارهون؟!
ويحتمِل أنْ يكونَ المراد مِن الرَّحمة: ما أنعمَ اللَّه عليه مِن الهدى، يقول: إنْ كانَ اللَّهُ تعالى هداني فأردْتُ أنْ أُشركَكُم فيها، وخفيَ عليكم هذا فظننْتُم بي غير الحقِّ، أيتهيَّأ لي أنْ ألزمَكُم هذه النِّعمة، فأوصلَها إليكم على كرهٍ منكم؟!
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على دِينٍ.
وقال الضَّحَّاك: أي: على بصيرةٍ.
وقال عطاء: على أمرٍ ظاهرٍ مكشوفٍ (^١).
_________________
(١) = (٣/ ٨٩) عن أبي رياش عزوه لمعاوية بن مالك الكلابي معود الحكماء. وفي "سمط اللآلي" لأبي عبيدة البكري (١/ ١٩٠) ذكر الخلاف في نسبة البيت إلى من ذكرنا، وزاد نسبته إلى ربيعة الرقي، وصحح أنه لمعاوية بن مالك. والبيت الثاني ذكرته بعض المصادر السابقة، وأهملته أخرى.
(٢) لم أقف على هذه الأخبار، والأول ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٩٧)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٤٦) بلا نسبة.
[ ٨ / ١٨٨ ]
وقال مقاتلٌ: على معرفة (^١).
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني: الرِّسالة والعاقبة (^٢).
وقال مقاتل: هدًى (^٣).
وقوله تعالى ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصمٍ بضمِّ العين وتشديد الميم؛ أي: عمَّاها اللَّهُ تعالى عليكم؛ أي: أخفاها، والباقون بتخفيف الميم وفتح العين (^٤)؛ أي: خَفِيَتْ، يُقال: عَمِيَ عليَّ خبرُ فلان؛ أي: التبس.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الصُّبحُ لا خللَ في ضيائِهِ لكون الحاضرين عُميانًا، فالسَّيفُ لا خللَ في إمضائه لكونِ ضاربِيْه صبيانًا (^٥).
* * *
(٢٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: لا أطلبُ منكم على
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧٩)، وفيه: " ﴿بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ يعني: بيان".
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٢/ ٤٦٦)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٣٩٨)، بلفظ: (النبوة).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٧٩).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٢).
[ ٨ / ١٨٩ ]
تبليغِ الرِّسالة مالًا، فلا تهمةَ عليَّ فيما أدعوكم إليه، ولا صورتي صورةُ مَن يطمعُ في أموالكم، والرِّياسةِ في أمور الدُّنيا عليكم، فتظنُّوا بي الكذبَ، وما أَجري إلَّا مِن اللَّهِ بوعد اللَّه، فللَّه أعملُ، ومنه أرجو، وما أنا بطارد الَّذين آمنوا بي واتَّبعوني -والطَّردُ: الإبعادُ على وجهِ الهوان- إنِّي إذا كنْتُ لا اسألُكم شيئًا مِن أموالكم، فأراذلكم وأفاضلُكم عندي سواء؛ لأنِّي داعٍ للجميع، فمَنْ أجابني قبلْتُه.
وقولُهم: اتَّبعوك بادي الرَّأي، فعليَّ العمل بظاهر ما أرى، فأكتفي بظاهر إيمانهم، وأَكِلُ باطنهم إلى اللَّه، فإنَّهم ملاقوه، وصائرون إليه، فيسألهم عن أعمالهم، ويجزيهم على وفق صنيعهم، ويطردهم عن رحمتِه إنِ استحقوه بمخالفةِ باطنهم ظاهرَهم.
وقيل: سألوه طردَهم ليؤمنوا به؛ أنَفةً مِن أن يكونوا معهم. وهذا عن ابن جريج (^١).
ثمَّ قال: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: فتظنُّون أنَّ النَّاس يتفاضلون بالأحساب والأنساب، لا بالأعمال والأحوال.
وقيل: تجهلون أنَّهم خير منكم.
* * *
(٣٠) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٨٥)، وذكره الواحدي في "تفسيره" (١١/ ٤٠٣).
[ ٨ / ١٩٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: مَن يمنعُني مِن عذابِ اللَّهِ ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: فتُخْطِرون (^١) ببالكم فتعلموا أنَّه لا يجوزُ لي طردُهم والحال هذا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: طردُ مَن قرَّبَه اللَّهُ وأدناه يوجِبُ لصاحبه الخِزْيَ في الدُّنيا، والصَّغارَ في عُقباه (^٢).
* * *
(٣١) - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ولا ادَّعي أنَّ عندي خزائنَ الأموالِ فأبذلَها لكم لتتَّبعوني، وأستميلَكم بها لتُطيعوني.
وقيل: ما عندي خزانةُ الهداية لأهديَكم أنا إلى الحقِّ دون الأراذل، ولا أعلم الغيب فأخبرَكم بما تسألونني عن الأمور الكائنة من بعدُ مِن النِّعم والمحن لتطلبوها وتتحرَّزوا عن المخاوف، ولا أقول: إنِّي ملَك من السَّماء أخبركم بأخبار السَّماء، ولا أقول لهؤلاء الَّذين تحتقرهُم أعينُكم -وقد زَرَيْتُ عليه زِرايةً؛ أي: عِبْتُهُ، وأزرَيْتُ عليه؛ أي: قصَّرْتُ به، وازدريْتُهُ؛ أي: احتقرْتُهُ- ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾؛ أي: إيمانًا ﴿اللَّهُ
_________________
(١) في (أ): "فتخطروني".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٣).
[ ٨ / ١٩١ ]
أَعْلَمُ بِمَا فِي﴾ قلوبِهم مِن الصِّدق وغيره، وعليه أحدُ تأويلات قولِه تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ أي: ما في قلوبهم، ولو طردتهم فأنا إذًا مِن الظَّالمين أنفسَهم بطردِ مَن أُمِرْتُ بقَبولِه.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾؛ أي: خاصمْتَنا فبالَغْتَ فيها -وقد جادَلَه يجادِلُه؛ أي: خاصمَه ليُرجِعَهُ عمَّا هو عليه، وأصلُهُ الجَدْلُ، وهو الفَتْلُ (^١) - وليس ذلك ممَّا يُثْبِتُ عندَنا صدقَكَ في دعوى رسالتِكَ فيُخافَ إنذارُك.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على مخالفتِنا إيَّاك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: صادقًا في ذلك.
* * *
(٣٣) - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: (إنَّما) كلمةُ تحقيقٍ، ومِن تحقيقِه أنْ يكونَ له دونَ غيره؛ أي: ليسَ الإتيانُ بالعذابِ إليَّ، وإنَّما يأتي اللَّهُ به إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ صرفَه عنكم، وما أنتم بفائتين (^٢) عنه إن تأخَّر عنكم حتَّى يلحقَكُم، بل يلحقُكُم متى شاءَ.
* * *
_________________
(١) تحرفت في النسخ إلى: "القتل"، والصواب المثبت. انظر: "القاموس" (مادة: جدل).
(٢) في (أ): "بغائبين".
[ ٨ / ١٩٢ ]
(٣٤) - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: النُّصح نقيضُ الغش، وهو إمحاضُ إرادةِ الخيرِ في الدلالة.
وقيل: هو إعلامُ موضعِ الغيِّ ليُتَّقى، والرُّشدِ لِيُقْتَفَى (^١).
يقول: نصحْتُكُم، ولكن لا ينفعُكُم نصحي إذا لم تقبلوه وأراد اللَّه إغواءَكم، هو اللَّهُ ربُّكم؛ أي: مدبِّركم ومُقِيمكم في الدُّنيا إلى وقت إهلاكِكم، ثمَّ إليه تُرجَعون فيحاسبُكم ويجازيكم.
* * *
(٣٥) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾: قال مقاتلٌ: هذا كلامٌ اعترضَ في قصَّة نوح سلام اللَّه عليه، والمعنى: أم يقول أهلُ مكَّة: افترى محمَّدٌ القرآنَ؛ أي: اختلقَه مِن تلقاء نفسِه، قل يا محمَّد: إنْ اختلقْتُه فعليَّ جزاءُ جرمي، وأنا بريء ممَّا تجرمون أنتم. ثم رجعَ إلى قصَّة نوحٍ ﵇ (^٢).
وقيل: تقديرُه وتلفيقُه: أفيؤمِنُ أهلُ مكَّة بما أخبرْتَهم يا محمَّدُ مِن قصَّة
_________________
(١) في (ر): "ليتبع"، وسقطت من (ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٨١).
[ ٨ / ١٩٣ ]
نوحٍ تقريرًا لحالك، أم يقولون: اختَلَقه؟ فإنْ قالوا ذلك فقلْ: إنِ افتريتُهُ فعليَّ عقابُ ذنبي، وأنتم بريئون من جُرمي لا تُؤاخذون به، وأنا أيضًا بريء مِن جُرمكم لا أؤاخَذ به.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: قال بعضهم: هو قولُ قومِ نوحٍ: إنَّ نوحًا افترى على اللَّه أنَّه أرسلَه إليهم، فأجابَهم بما أجابَ (^١). فعلى هذا القصَّة منتظِمة.
* * *
(٣٦) - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: أوحينا إليه فقلْنا له: لن يصدِّقَكَ بعدَ هذا منهم إلَّا مَن قد آمن (^٢)، فلا تحزن ولا تبأس، هو حزنٌ في استكانةٍ، وهو افتعال مِن البؤس؛ أي: فلا تتصوَّر بصورةِ مَن أصابه البؤس بما فعلوا، ولَمَّا أُخْبِر بذلك وأيسَ مِن إيمانهم دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّتِ الآيةُ أنَّ للإيمانِ حكمَ التَّجدُّد؛ فإنَّ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ استثناءٌ ممَّن لا يؤمِن في المستقبل، فكان إثباتًا لإيمانهم في حادث الوقت.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يحتمِل الكفر؛ لأنَّ الأنبياء كانوا يحزنون
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٢٧).
(٢) في (أ): "أسلم".
[ ٨ / ١٩٤ ]
بكفر المشركين؛ قال اللَّه تعالى لنبيِّنا ﵇: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
ويحتمِل أنَّهم كانوا همُّوا بقتله والمكرِ به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعَون في هلاكك؛ فإنِّي أكافيهم (^١).
* * *
(٣٧) - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: أي: بحِفْظنا إيَّاك حفظَ مَن يراك ويملكُ دفعَ السُّوء عنك.
وقيل: بأعين أوليائنا مِن الملائكة الموكَّلين بك.
﴿وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: أَمْرِنا وتعرِيْفنا صفتَها وقدرَها وهيئاتِها.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: في الكافرين بسؤال النَّجاة، وقيل: بسؤال الإيمان، وقيل: في سؤال بعض أهلِك مِن جملتهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾: أي: كلُّهم حقَّ القولُ عليهم بأنَّهم لا يؤمنون، وبإغراقنا يُغرقون، وهو تعريفٌ للمشركين في عهد النَّبيِّ -ﷺ- المستعجِلين العذابَ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يعذِّبُهم عذابَ الاستئصال إلَّا إذا كان في معلومِ اللَّه أنَّهم لا يؤمنون، ولا يخرجُ مِن أصلابهم مَن يؤمن.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: قمْ بشرطِ العبوديَّة في صنع السَّفينة بأمرنا
_________________
(١) في (ر): "مكافئكم"، وفي (ف): "كافيهم".
[ ٨ / ١٩٥ ]
وتحقُّق شهودِنا، وأنَّك بمرأًى منَّا، ومَن علِم اطِّلاع الحقِّ عليه لم يلاحِظ نفسَه ولا غيرَه، ولا سيَّما وقد تحقَّق بأن المجريَ هو اللَّه ﷾.
ثمَّ قال له: راعِ حقَّ الأدب فيما لم يكن لكَ إذنٌ منَّا في الشَّفاعة لأحد، فلا تخاطبْنا فيه (^١).
* * *
(٣٨) - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾: أي: وكان يصنعُ السَّفينة؛ أي: يعملُها، وكلَّما مرَّ عليه أشرافُ قومِه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾؛ أي: مِن نوح.
وقيل: مِن صنعِه (^٢).
وقيل: كانوا يقولون: صرْتَ نجَّارًا بعدَ النُّبوَّة، على طريق الاستهزاء.
وقيل: السُّخريةُ: إظهارُ خلافِ الإبطان على جهةٍ يُفهَم منها استضعاف (^٣) عقلِ مَن يُسْخَر منه (^٤)، ومنه (^٥) التَّسخيرُ، وهو التَّذليل والاستضعاف.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٥).
(٢) في (ر): "صنعته".
(٣) في (ر): "استصغار".
(٤) في (أ): "به".
(٥) في (ف): "وهو من".
[ ٨ / ١٩٦ ]
وقيل: لَمَّا كانت هائلةً طويلةً عريضةً واسعةً، ولا ماء هناك يحمِل مثلَها، كانوا يتضاحكون ويتعجَّبون من عملِها، فقال نوحُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾.
قال الزَّجَّاج: أي: إنْ تستجهلونا فإنَّا نستجهِلُكم (^١).
وقيل: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ في الدُّنيا ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بكم العذاب.
وقيل: فإنَّا نُظهرُ (^٢) عاقبة هذا العمل بما تعملون إذا نزلَ بكم العذاب.
وقيل: إنَّا كنَّا نسخرُ منكم إذْ نكتُمُكم حقيقةَ عملِنا، ولا نكشِفُ لكم عمَّا يُراد بكم منه.
قال ابن عبَّاس ﵄: أعدَّ (^٣) نوحٌ ﵇ السَّفينة في سنَتَين، وكانت مِن السَّاج، فجعل لها ثلاثةَ أبواب، بعضها أسفلَ من بعض، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسِّباع، وجعل في البطن الأوسط الأنعام والدَّواب، وركب هو ومَن معه البطن الأعلى مع ما يحتاجُ إليه مِن الزَّاد (^٤).
وقال مقاتلٌ: وحمل معه جسدَ آدمَ، وجعلَه معترضًا بينَ الرِّجال والنِّساء (^٥).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٥٠).
(٢) في (أ): "نظهر منكم".
(٣) في (ر) و(ف): "اتخذ".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٧٤).
(٥) قطعة من خبر رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٤٢)، ومن طريقه الطبري في "تاريخه" (١/ ١١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٤٦)، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ٨ / ١٩٧ ]
وفي تفسير مالك بن سليمان الهروي: أنَّ الحيَّة والعقرب أَتَيا نوحًا ﵇، فقالَتا: احملْنا، فقال نوحٌ صلوات اللَّه عليه: إنَّكما سببُ الضُّرِّ والبلاءِ (^١)، فأنا لا أحملكما، قالَتا: احملْنا فإنَّا نضمنُ لَكَ أنَّا لا نضرُّ أحدًا ذكرَكَ، فمَنْ قرأَ حين خاف مضرَّتهما: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٩ - ٨١] ما ضرَّتاه (^٢).
* * *
(٣٩) - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: يتَّصل هذا بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ﴾، ولقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان:
الرَّفع إذا جعل معناه: فسوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يخزيه.
والنَّصب إذا جعل تقديرُه: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه؛ أي: يفضحه، وهو الغرقُ، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: يجب عليه عذابٌ دائم؛ أي: عذاب الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥].
* * *
(٤٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "الضر في البلاد".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٠).
[ ٨ / ١٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: أي: فعمل السَّفينة وفرغ ومضى زمانٌ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: حضر وقتُ مجيء أمرِنا بإهلاكِهم ﴿وَفَارَ﴾؛ أي: ارتفع الماء من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ (^١) ﴿التَّنُّورُ﴾.
قال الحسن: كان تنورًا لحوَّاء، حتَّى صار إلى نوحٍ، فقيل له: إذا رأيْتَ الماءَ يفورُ مِن التَّنُّور فاركبْ أنت وأصحابُك السَّفينة (^٢).
وقال مقاتلٌ ومجاهدٌ: تنور الخابزة في منزل نوحٍ (^٣).
وقال الشَّعبيُّ: اتَّخذَ نوحٌ السَّفينة في جوف مسجدٍ بالكوفة، وكان التَّنُّور على يمين الدَّاخل فيه، ممَّا يلي بابَ كندة (^٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄: التَّنُّورُ وجهُ الأرض (^٥).
وبه قال الزُّهريُّ وسفيان بن عيينة (^٦).
_________________
(١) في (ر): "شدة ارتفاع"، وفي (ف): "شدة اندفاع"، وفي (أ): "بشدة اندفاع"، والمثبت من "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٤).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٨٢)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٨) عن مجاهد.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٨)، وروى بعضه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٥)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٨) عن محمد بن علي، وقال: وروي عن حذيفة والشعبي ومجاهد نحو ذلك.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٩).
(٦) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٨)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤١٤).
[ ٨ / ١٩٩ ]
وقال قتادة: التَّنُّورُ أشرفُ موضعٍ في الأرض (^١).
وقال الضَّحَّاك: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: انبجسَ من وجه الأرض (^٢).
وقال عليٌّ ﵁: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: طلع الفجر (^٣).
وقال عطاء: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: طلعت الشَّمس (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: في رواية حفصٍ عن عاصم: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتنوين؛ أي: من كلِّ صنفٍ من البهائم والسباع ودوابِّ البر والبحر والهوامِّ والطُّيور ﴿زَوْجَيْنِ﴾ وهو مفعولٌ ﴿اثْنَيْنِ﴾ وهو توكيد له.
وقرأ الباقون: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ على الإضافة (^٥)؛ أي: مِن كلِّ صنفٍ له ذكر وأنثى، والزَّوج واحدٌ له شكلٌ، والزَّوجان ذكر وأنثى.
وقال الحسن في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: السَّماء زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشِّتاءُ زوجٌ والصَّيف زوجٌ، واللَّيل زوجٌ والنَّهار زوجٌ، حتَّى يصير الأمرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذي لا يشبهُهُ شيءٌ (^٦).
وكان اللَّهُ أرادَ أنْ يكون عندَه في السَّفينةِ أصلٌ لكلِّ حيوانٍ لتتناسلَ إذا زال الطُّوفان؛ لأنَّ الباقي كان يهلك بالغرق.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٨).
(٤) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (١٠٨٨) عن علي ﵁.
(٥) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤).
(٦) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٩)، وروى عنه (٢١/ ٥٤٧) قال: الشمس والقمر.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على الأوَّل، يعني: واحملْ أهلَكَ، وهم أولادُه ونساؤُه.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ﴾؛ أي: الوعيد.
وقيل: أي: الحكمُ بالهلاك، وهذا المستَثنى ابنُه كنعان وامرأتُه.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾؛ أي: واحملْ مَن آمنَ، عطف على الأوَّل، وهو للجمع؛ أي: والَّذين آمنوا.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: قال الأعمش: هم سبعة (^١). وقال ابن جريح: ثمانية (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ثمانون نفسًا (^٣).
ولما خرجوا من السفينة بالجودي سكنوا قرية وهناك موضعٌ يُقال له: سوق الثَّمانين (^٤).
وقيل: كانوا عشرة، وهم نوحٌ وبنوه الثَّلاثة ونساؤهم ونفرٌ آمنوا به.
وقال الكلبيُّ: كان في السَّفينة ثمانون نفسًا (^٥)؛ نوحٌ وامرأتُه سوى الَّتي غرقَتْ، وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنسانًا سواهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١١).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١٢).
(٤) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٤٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٤٦) عن ابن عباس ﵄ من طريق الكلبي.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٥).
[ ٨ / ٢٠١ ]
وروى أبو أمامةَ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "لم يكن في السَّفينة مع نوح غير ثمانية؛ نوح وامرأته وبنوه وكنائنهم" (^١).
وقال سعيد بن المسيِّب: ولدُ نوحٍ ثلاثةٌ؛ سام وحام ويافث، ووُلِدَ لكلِّ واحدٍ منهم ثلاثةٌ، فولد سام العرب وفارس والرُّوم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والتُّرك والصَّقالب، وولد حام السُّودان والقبط (^٢) والبربر (^٣).
* * *
(٤١) - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾؛ أي: وقال نوحٌ: اركبوا في السَّفينة، وهو الأظهر.
ويحتمل: وقال اللَّه تعالى: اركبوا فيها وقولوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
ويحتمل ألَّا يكون هذا على معنى الَّتكلُّم به، ولكن على معنى ما يُقال للرَّجل: سِرْ على اسم اللَّه، وافعل كذا بسم اللَّه، دعاء له؛ أي: افعلْه مباركًا لك فيه.
وقوله تعالى: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ قرأ حمزة والكسائيُّ وحفص عن عاصم: ﴿مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم ومعناه: جريانها.
_________________
(١) قال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار" (٢/ ١٤٦): (غريب، ورواه الطبري في "تفسيره" موقوفًا على قتادة). وكذا قال ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ٨٦) وقال: (لم أره مرفوعًا). وهو من قول قتادة في "تفسير الطبري" (١٢/ ٤١٠).
(٢) في (أ): "والنبط".
(٣) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٥١) عن سعيد عن قتادة.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
وقرأ الباقون بضمِّ الميم (^١)، ومعناه: إجراؤها.
وقيل: ﴿مَجْرَاهَا﴾: موضعُ جريانها، ووقتُ جريانها، وبالضَّمِّ: موضعُ إجرائِها ووقتُ إجرائِها.
وفي إعرابِه وجهان: الرَّفع لأنَّه خبر الباء (^٢)، والنَّصبُ بنزع الخافض: عند مجريها (^٣)، أو: في مَجْريها (^٤).
﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بالضَّم بالإجماع، وهو من الإرساء، وهو الثَّبات، وله ثلاثة معانٍ أيضًا: الإثبات، وموضع الإثبات، ووقت الإثبات.
وإعرابُه أيضًا النَّصب والرَّفع على ما مرَّ، فالرَّفع على الإخبار، والنَّصب على التبَرُّك (^٥) والتَّكلُّمِ بالتَّسمية.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤).
(٢) كذا قال، والمعروف في مثله العكس؛ أي: الجار والمجرور هو الخبر، والاسم الظاهر المتأخر مبتدأ، ويجوز أيضًا الرفع على أنهما فاعلان لـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ كونه حالًا. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، و"البحر المحيط" (١٢/ ٢٥٩)، و"روح المعاني" (١١/ ٤٥٥).
(٣) وليس المراد بنزع الخافض هنا ما هو معروف من كونه حرف الجر، بل المراد به حذف المضاف الذي هو كلمة: عند، وقد ذكر غيره من الأئمة هنا في الحذف كلمة: وقت، وتفصيل المسألة: أن ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ إذا اعتبرا مصدرين ميميين بمعنى الإجراء والإرساء، فيقدر مضاف محذوف هو كلمة (عند) أو (وقت)؛ كما في قولك: أتيتك خفوقَ النجم، و: جئتك مقدَمَ الحاج، فإن التقدير: وقت خفوقه، ووقت قدوم الحاج، إلا أنه لما حذف المضاف سد المضاف إليه مسده وانتصب انتصابه، وهو كثير في المصادر، ويكون انتصابهما بما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، والتقدير: متبركين بسم اللَّه وقت الإجراء والإرساء، أو عندهما. وفي إعرابهما وجوه أخر، انظر المصادر السابقة.
(٤) أي: أنهما منصوبان على الظرفية الزمانية أو المكانية، وهي التي تكون بتقدير حرف الجر (في). انظر المصادر السابقة.
(٥) في (ر) و(ف): "الترك".
[ ٨ / ٢٠٣ ]
وقال الضحَّاك: كان نوحٌ صلوات اللَّه عليه إذا أرادَ أن تجري قال: بسم اللَّه، فجرَتْ، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم اللَّه، فرسَتْ، والإرساء: إمساكُ السَّفينة بما تقفُ به (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل أنَّها بسم اللَّه تجري وبه تقف، وأنَّها ليست كسائر السُّفن الَّتي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الَّذين يتولَّون إجراءَها ووقفَها، وسفينةُ نوح ﵇ كان جريها باللَّه وبه رُسوُّها، لا صنعَ لهم في ذلك، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢]، وما كان في تصرُّف (^٢) النَّاس لم يجرِ في مثل هذه الحال سالمة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: غفورٌ لنا رحيمٌ بنا، يسترُ علينا الزلَّات، ويرحمنا بالنَّجاة.
وقال الكلبيُّ: ركب فيها نوح ﵇ لعشرٍ مضَيْن مِن رجبٍ، وخرجوا منها يومَ عاشوراء (^٤).
* * *
(٤٢) - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣٣).
(٢) في (ف): "تصريف".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٣٣).
(٤) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٤٠) عن قتادة، وورد نحوه في حديث مرفوع رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤١٩) عن عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه. قال الشيخ أحمد شاكر: خبر هالك من نواحيه جميعًا.
[ ٨ / ٢٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: أي: ركبوا في السَّفينة فجرَتْ بهم في أمواجٍ عظيمةٍ هائلةٍ تشبه الجبال؛ أي: كانت الأمواج ترفع السَّفينة، وكانت السَّفينة كالموج العظيم الَّذي يشبه الجبال.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾: أي: كان معتزلًا عنه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: من الكافرين؛ لأنَّ حالَته كانت ملتبِسةً عليه؛ لأنَّه كان ينافقه.
وقيل: علِمَ كفرَه، ولكن معنى ندائه: يا بُنَيَّ أسلِمْ ولا تكن ثابتًا على الكفر مع الكفَّار، واركبْ معنا تسلَمْ.
* * *
(٤٣) - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾: أي: قال ابنه كنعان: سألتجئ إلى جبل يمنعني من الماء ويمسكني.
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا مانعَ اليومَ من عذاب اللَّهِ الَّذي نزلَ بأمرِه ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾؛ أي: إلَّا اللَّه الَّذي قد رحمنا بما آمنَنا مِن الغرق.
وقيل: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا معصوم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: مرضيَّة، وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق، وقال الشَّاعر:
[ ٨ / ٢٠٥ ]
بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا مِ أضحَى فؤادِي به فاتنا (^١)
أي: مفتونًا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾؛ أي: إلَّا مَن رحم اللَّهُ، وإنَّما يرحمُ اللَّهُ مَن أسلَمَ، فأسلِمْ تسلَمْ، وكان هذا حين فار التَّنُّور قبلَ أنْ يصيرَ (^٢) الغرقى بحالٍ يعاينون أسبابَ الآخرة، فيكونَ إيمانُهم إيمانَ يأسٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: قيل: أي: حالَ بينَ كنعان وبين الالتجاء بالجبل الموجُ.
وقيل: حالَ بينَ نوحٍ وبينَ ابنِه الموجُ.
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: أي: صارَ من المغرقين، أو كان في علمِ اللَّه تعالى أنَّه يغرق، لا أنَّه كان مِن المغرقَيْن قبلَ ذلك، وعلى هذَيْن الوجهَيْن قولُه في إبليس: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: أخطأ المسكين من وجهَيْن:
أحدهما: أنَّه رأى الهلاك مِن الماء، وكان من اللَّه تعالى.
ورأى النَّجاة والعصمة من الجبل، وهي من اللَّه ﷻ.
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (مادة: فتن)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٧١).
(٢) في (أ) و(ر): "قبل أن يصير الطوفان بحال يصير".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٦/ ١٣٤).
[ ٨ / ٢٠٦ ]
قال: ويقال: احتمل أنْ لو قيل له: يا نوح، غرَّقنا العالم بدعائِكَ، فلا عليكَ إنْ غرَّقنا ولدًا لك في جملتِهم (^١).
وذكرَ الشَّيخ الإمام أبو بكر الفارسيُّ (^٢) في "تفسيره" قال: رُوِي عن عكرمة أنَّه قال: لمَّا قال نوح لابنه كنعان: اركب معنا؛ قال: سآوي إلى جبل أتَّخذ فيه (^٣) قبَّة من صُفْر، وحملَ فيها الطَّعام والشَّراب، وردمَ بابَها، فلمَّا علا الماءُ فوقَها؛ ألقى اللَّه تعالى عليه البول، فجعل يبولُ ولا ينقطع حتَّى امتلأَتِ القبَّة، فغرَّق اللَّه تعالى الكفَّارَ بالماء وغرَّقه ببوله (^٤).
* * *
(٤٤) - ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ أي: نشِّفي ماءَك الَّذي يخرج منك ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾؛ أي: احبسي ماءَك، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾؛ أي: نقصَ ونشَّفته الأرض، وصار ما نزل من السَّماء هذه البحورَ، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: هلكَ مَن هلكَ ونجا مَن نجا، واستقرَّت
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٣٨).
(٢) أحمد بن محمد بن أيوب أبو بكر الفارسي الواعظ المفسر، نزيل نيسابور، كان يحضر مجلسه نحو عشرة آلاف، أخذ عنه أبو عبد اللَّه الحاكم، توفي سنة (٣٦٤ هـ). انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي (ص: ٣١).
(٣) "فيه" ليس في (أ) و(ف).
(٤) ذكر نحوه القشيري في "لطائف الإشارات" (٢/ ١٣٩) دون نسبة.
[ ٨ / ٢٠٧ ]
السَّفينة بعدَما طافَتِ الأرضَ كلَّها في ستَّة أشهر (^١) ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وهو (^٢) جبلٌ بأرض الموصل، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾؛ أي: سُحقًا، ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: قوم نوح الَّذين غرقوا.
وقالوا: معنى الآية: جرت بهم السَّفينة إلى أن تناهى (^٣) الأمر وبلغ هذا المبلغ.
الابتلاع: الازْدِراد، والإقلاع: الإمساك، والغيض: النَّقص متعدٍّ، والاستواء: الاستقرار، وقُضِيَ الأمر: فُرِغ منه، والبُعْد: الهلاك.
وما ذُكِرَ في الآية من القول فيحتمل أن تكون الملائكةُ قالَتْ ذلك لفظًا، وقد وضع اللَّه تعالى فيها (^٤) فهمًا، ويحتمل أن يكون عبارة عن بلوغ الأمر ذلك المبلغَ وجَرْيِه على ما جَرَى؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وفي الآيةِ من عجيْبِ البلاغة وجوهٌ كثيرةٌ:
منها: أنَّه خرجَ مخرجَ الأمرِ على معنى التَّعظيم لفاعلِه؛ لأنَّه مِن غير معاناة ولا لُغوب.
ومنها: حسنُ تقابلِ المعاني.
ومنها: حسنُ ائتلافِ الكلام.
ومنها: حسنُ البيانِ في تقرير الحال.
_________________
(١) رواه بنحوه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٤٢)، والطبري في "تاريخه" (١/ ١١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٤٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في (أ): "وقيل".
(٣) في (أ): "يتناهى".
(٤) "فيها" من (أ). والضمير فيها يعود على الأرض والسماء المخاطبين.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
ومنها: الإيجازُ مِن غير إخلال.
ومنها: سياق القصَّة في أوجز خطبة.
إلى غير ذلك ممَّا دلَّ عليه هذا الكلام مِن الحُسْن العجيب واللُّطْف البديع.
وقال الضَّحَّاك: مطرَتِ السَّماءُ أربعين يومًا اللَّيل والنَّهار، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فارتفع الماءُ على كلِّ جبل خمسة عشر ذراعًا، وسارَتْ بهم السَّفينةُ، وطافَتْ بهم في الأرضِ كلِّها ستَّة أشهرٍ لا تستقرُّ على شيءٍ، حتَّى أتَتِ الحرَمَ وطافَتْ أسبوعًا، ورُفِع البيت الَّذي بناه آدم إلى السَّماء السَّادسة، وهو البيت المعمور (^١).
وقال قتادة: بعثَ نوحٌ ﵇ الغرابَ لينظرَ، فوجد جيفةً فوقعَ عليها، فبعثَ الحمامة فأتَتْه بورق الزَّيتون، فأُعْطِيَتِ الطَّوْقَ في عنقِها والخضابَ في رجلها (^٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
وقول اللَّه تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: أي: دعا اللَّهَ تعالى فقال: ربِّ؛ إنَّ ابني مِن أهلي، وقد وعدتني إنجاءَ أهلي، ووعدُك الصِّدق لا خُلْفَ فيه، وأنت الحاكمُ بالعَدْل لا يشوبُ حكمَكَ زللٌ
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٤٢)، والطبري في "تاريخه" (١/ ١١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٤٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٠١)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٣).
[ ٨ / ٢٠٩ ]
ولا خطأٌ فترجعَ، وقد حكمْتَ بإنجاء أهلي، وهذا ابني مشرِفٌ على الهلاك، فعرِّفني السَّبب فيه لأكونَ على علمٍ، فيسكنَ له قلبي.
قال ابن عبَّاس ﵄: كان هذا ابنَه مِن صُلْبِهِ (^١).
وقال مجاهد: كان ابن امرأته (^٢).
وقال قتادة: سألْتُ عنه الحسن فقال: واللَّه ما كان ابنه، قلْتُ: إنَّ اللَّه تعالى أخبر عنه أنَّه قال: ﴿إِنَّ ابْنِي﴾ وأنت تقول: لم يكن ابنه، وإنَّ أهل الكتاب لا يختلفون في أنَّه كان ابنه، فقال الحسن: ومَنْ يأخذ دينَه مِن أهل الكتاب (^٣).
وقال: إنَّ نوحًا قال: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ ولم يقلْ: منِّي (^٤).
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الوعدَ بالعذاب هو الصِّدق، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قضيْتَ لقومٍ بالنَّجاةِ ولقومٍ بالغرقِ.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: كان عند نوح أنَّ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣٥).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢١٥)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٧).
(٤) هذه زيادة على الخبر السابق ذكرها عن الحسن الواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٣٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٣٩٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٢) عن أبي جعفر الباقر.
[ ٨ / ٢١٠ ]
ابنه كان على دينه؛ لِمَا أنَّه كان يُظهرُ الموافَقة له، وإلَّا لا يحتمِل أنْ يقولَ: إنَّ ابني مِن أهلي، ويسألَه نجاته، وقد سبق عنه النَّهيُ عن سؤال مثلِه؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، فكان سألَ على الظَّاهر الَّذي عندَه، كما كان أهل النِّفاق يظهرون الموافقة لرسولِنا ويُضمِرون خلافَه، ولم يَعلَمْ بذلك حتَّى أطلَعَه اللَّهُ تعالى عليه، فكذلك حال نوح ﵇، ولم يكن قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ تكذيبًا لقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، لكن معناه: هو مِن أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك الذي بشَّرْتُك بنجاتهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: قرأ الكسائيُّ على الفعل؛ أي: ﴿عَمَلٌ﴾ ابنُك عملًا ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ أي: كفرَ وما أسلَمَ، فأفسدَ وما أصلحَ.
وقرأ الباقون: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾ بالتَّنوين ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بالرَّفع (^٢)، وله وجهان:
أحدهما: إنَّ سؤالَك هذا عملٌ ليسَ بصالحٍ، وهذا عن ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وإبراهيم (^٣).
وقيل: ﴿عَمَلٌ﴾ نعتُ الابنِ، مصدرٌ أُقيمَ مقامَ الفاعل؛ قاله الزَّجاج (^٤)، وأنشد قول الخنساء:
ترتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكرَتْ فإنَّما هيَ إقبالٌ وإدبارٌ (^٥)
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٣٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٥٥).
(٥) انظر: "ديوان الخنساء" (ص: ٣٨٣).
[ ٨ / ٢١١ ]
أي: مقبلةٌ ومدبرةٌ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الذين وعدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهُمْ (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: أي: ليسَ مِن أهلِ دينِكَ ووِلَايَتِكَ (^٢).
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: أخبرْتُكَ عن حالِ ابنِكَ إذْ كنْتَ غيرَ عالم به، فلا تسألني بعدَها ما ليس لك به علم؛ أي: معرفةُ باطنه حتَّى آذنَ لك فيه ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بأحكامي الَّتي منها ألَّا تسألني ما لم آذنْ لكَ فيه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ هو كما قال لنبيِّنا محمِّد ﵇: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وإنْ كان في علمِهِ أنَّه لا يكون مِنَ الجاهلين، وهو لِمَا ذكرنا مرَّات أنَّ العصمةَ لا تمنع النَّهيَ عن الشَّيء، بل بالنَّهي تظهر العصمة (^٣).
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: أنْ أعودَ إلى ما لا أعلمُ بالإذن في سؤالِه.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٣٢).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٣٨).
[ ٨ / ٢١٢ ]
﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: وإنْ لم تسترْ عليَّ ما مضى من هذا السُّؤال، ولم ترحمني بقَبول إنابتي، أكنْ مِن الهالكين.
وهذا ثناءٌ مِنَ اللَّهِ تعالى على نبيِّه نوح، وتعريفٌ لنبيِّه محمَّد صلَّى اللَّه عليهما وسلَّم تعظيمَ الأنبياء قبلَه أمرَ اللَّهِ، وتَوَقِّيهم عن تقصيرٍ يقعُ منهم أو انبساطٍ وإنْ قَلَّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾؛ أي: بالعصمة عن العَود إلى مثلِه ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾ هو طلبُ المغفرةِ والرَّحمةِ بالكناية، وهو آكدُ وأبلَغُ مِن قوله: (اللَّهم اغفرْ لي وارحمْني)؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾ قطعُ رجاءِ المغفرةِ والرَّحمةِ مِن غيرِه، وإخبارٌ أنَّه لا يملِكُ أحدٌ ذلك غيرَه، وليس في قوله: (اغفرْ لي وارحمْني) قطعُ كونِ ذلك مِن غيرِه، بل هو يدلُّ على طلبِ المغفرةِ والرَّحمة لا غيرَ، وعلى ذلك سؤالُ آدم وحوَّاء: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (^١).
* * *
(٤٨) - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: قلْنا له؛ لأنَّه قال: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾.
وقيل: قالَتِ الملائكةُ بأمرِنا.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٣٨).
[ ٨ / ٢١٣ ]
﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾؛ أي: انزل من السَّفينة إلى الأرض.
وقيل: مِن الجوديِّ إلى قرار الأرض.
﴿بِسَلَامٍ﴾؛ أي: تحيَّةٍ؛ كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، وهو الثَّناءُ الحسَنُ.
وقيل: أي: بسلامةٍ مِن الآفاتِ.
﴿وَبَرَكَاتٍ﴾: جمعُ بَرَكَةٍ؛ وهي ثبوتُ الخيرِ بتمامه (^١)، وهو في حقِّه تكثيرُ ذرِّيَّتِه وأتباعِه، وجعلُ أكثرِ الأنبياء مِن ذرِّيَّتِه، وأئمَّةِ الدِّين في القرون الباقية مِن نسلِهِ، وسائرُ المنافعِ.
﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أرادَ الأممَ الَّذين كانوا مِن بعدِه، فإنَّه لم يكنْ معَه يومَئذ إلَّا نفرٌ يسيرٌ، ودلَّ هذا أنَّ دينَ الأنبياءِ جميعًا دينٌ واحدٌ وإنِ اختلفَتْ شرائِعُهم، فإنَّه جعلَهم ممَّن معَه على اختلافِ شرائعِهم (^٢).
ثمَّ يجوز أن يكون هذا السَّلام ممَّا سألَ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾، والبركات ممَّا سألَ: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هذا ابتداء كلام (^٣)؛ أي: أُمَمٌ مِنَ الكفَّار مِن نسلِكَ أُمَتِّعُهم في الدُّنيا إلى انقضاءِ آجالِهم، ثمَّ يصيبُهم في الآخرة عذابٌ أليمٌ في النَّار.
* * *
_________________
(١) في (أ): "ونمائه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٤٠).
(٣) "كلام" ليس في (أ) و(ف).
[ ٨ / ٢١٤ ]
(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: هذه الأنباءُ مِن أنباءِ الغيبِ؛ أي: مِن أنباءِ الأممِ السَّالفة التي يَغيبُ العلمُ بها عمَّن لم (^١) يعرِّفْه اللَّهُ تعالى.
﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾: نقصُّها عليك؛ لِتَقِفَ عليها بعدَ أنْ كُنْتَ أنتَ وقومُكَ لا تعلمُونها، إذْ كنتم أُمِّيِّين.
ويحتمِل أنْ يكونَ العربُ لم يعرفوا خبرَ الطُّوفان أصلًا، فإنَّ بعضَ الملاحدة والفلاسفة ينكرون ذلك إلى يومِنا.
ويحتمِل أنَّهم عرفوا قصَّةَ الطُّوفانِ لشهرَتِه، لكن لم يعرفوا قصَّة الابنِ الَّذي غرقَ، وهذا أولى.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾؛ أي: على ما أُمِرْتَ به ونُهِيْتَ عنه.
وقيل: على أذى الكفَّار.
وقيل: كما صبرَ الأنبياء، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قيل: اتَّقَوا الشِّرك، فإنَّه ذكر هذا بمقابلةِ قولِه: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ وهم الكفَّار.
_________________
(١) في (ف): "لا".
[ ٨ / ٢١٥ ]
وقيل: أي: الذين اتَّقَوا الشِّرك والمعاصيَ، ولهم العاقبةُ الحميدةُ المطلقة، وقد مرَّ بيان (^١) هذه القصَّة بتمامها في (سورة الأعراف).
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه وشرحُه في (سورة الأعراف).
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللَّهِ في إضافتكم إليه الشُّركاء.
* * *
(٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي: خلَقَني.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما أقولُ لكم فتتدبَّروه، فيتبيَّنَ لكم صِدْقي.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ يحتمِلُ: في تسميتِكُم الأصنامَ آلهةً، ويحتمِل: في قولِكم: اللَّه أمرنا بها، ويحتمِل: في إنكارِكم الرِّسالة، أو البعْثَ بعدَ الموت.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "سياق".
[ ٨ / ٢١٦ ]
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ واحدٌ، وأنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ (^١).
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: مرَّ تفسيرُه في أوَّلِ هذه السُّورة، وقدَّم الاستغفارَ على التَّوبة لأنَّ المغفرةَ هي الغرضُ، والتَّوبةَ سببٌ يُتوصَّلُ به إليها، فقدَّمَ ذِكْرَ الغرضِ على السَّببِ.
وقيل: استغفروا بالإيمان، ثمَّ ارجعوا بأعمالِكم وأموالِكم إليه دونَ غيرِه.
وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: أي: يُرسِل المطرَ في وقتِه مدرارًا لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ (^٢) الذي لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ المتتابع، و(مِفْعَال) صفةُ مبالغة؛ كقولهم: مِتجار ومِعطار ومِطعام (^٣) ومِغوار.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿مِدْرَارًا﴾: متتابعًا (^٤).
وقال مقاتلُ بن حيَّان (^٥): دائمة.
وقال ابن كيسان: غزيرًا كثيرًا (^٦).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٤٢).
(٢) "الكثير" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "ومطعان" بدل من "ومعطار ومطعام".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٦٣).
(٥) في (ر) و(ف): "بن سليمان بن حيان"، ولم أجد القول الآتي بهذا اللفظ عن أي منهما، وقاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ١٨٦).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٤) عن مقاتل بن حيان وابن كيسان.
[ ٨ / ٢١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: أي: يَهَبْ لكم أموالًا وأولادًا زيادةً على ما حصلَ عندَكم اليومَ مِن ذلك، فتقدروا على دفعِ أعدائِكم بكثرةِ عددِكُم، وكانوا في قوَّةٍ فوُعِدوا الزِّيادة على ذلك.
وقال مقاتلٌ: حبسَ اللَّهُ تعالى عنهم المطرَ ثلاثَ سنين، وأعقمَ أرحامَ نسائِهم، فلذلك قال ذلك (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: أي: لا تُعْرِضوا عن الإيمان مُذْنِبين.
وقال القشيريُّ ﵀: ثمَّ توبوا بعد الاستغفار مِن توهُّمكم أنَّ نجاتكم باستغفاركم، بل تحقَّقوا أنَّكم لا تجدون نجاتكم إلَّا بفضلِ ربِّكم، فبفضلِه وصلْتُم إلى استغفاركم، لا باستغفارِكُم وصلْتُم إلى نجاتِكُم.
وقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الاستغفارُ: قَرْعُ بابِ الرِّزْق، فإذا رجعَ العبدُ إلى اللَّهِ تعالى بحسْنِ تضرُّعِه فتحَ اللَّهُ تعالى عليه أبوابَ رحمتِه، ووفَّر عليه أسبابَ نعمتِه (^٢).
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: أي: بحجَّةٍ واضحةٍ على دعوى رسالَتِكَ لِتُلْزِمَنا تصديقَكَ والانقيادَ لك.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٨٥).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٤١).
[ ٨ / ٢١٨ ]
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: مِن أجلِ قولِك؛ كما يُقال: كسوْتُكَ عن عُرْيٍ؛ أي: مِنْ أجلِ عُرْيِكَ.
وقيل: الباء و(عن) متناوبان (^١)، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ أي: عنه، وقال ها هنا: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: بقولِكَ.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: ما نقولُ إلَّا أصابَكَ بعضُ آلهتنا بجنونٍ؛ أي: خَبَلٍ في عقلِكَ؛ قالَه ابنُ عبَّاس والحسنُ ومجاهد (^٢).
وقيل: أي: ما نظنُّ وما نقولُ فيما بيننا إذا ذكرنا حديثَكَ إلَّا أنَّ بعضَ أصنامِنا الَّتي نعبدُها أصابَكَ بجنون، عقوبةً لك على الدُّعاء إلى تركِها ورفضِ عبادتِها.
فقال هودٌ: ليسَ هو كما تقولون، وأنا أُشهِدُ اللَّهَ تعالى وأُشهِدُكم أنِّي بريءٌ مِن شركِكم، غيرُ موافقٍ لكم على دينِكم، فاستعمِلوا الحيَلَ أنتم وآلهتُكم الَّتي تزعمون
_________________
(١) في (أ): "متساويان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٤٧) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد، وذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٤٦) عن الحسن.
[ ٨ / ٢١٩ ]
أنَّها اعترتني بسوءٍ في الإساءةِ بي وإيصالِ المكاره إليَّ، ثمَّ لا تؤخِّروا ذلك؛ لننظرَ هل يمكنكم أو يمكن آلهتكم أن يفعلوا بي شيئًا مِن السُّوء؟
وهذا دليلُ صحَّة نبوَّتِه؛ لأنَّه قال ذلك لثقته بوعدِ اللَّه بحفظِه ونصرتِه.
فإنْ قالوا: لِمَ قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، وقد قالوا أقولًا غيرَ ذلك؟
قلْنا (^١): معناه: في سببِ الخلاف، ويدلُّ عليه ظاهر الحال.
فإنْ قالوا: لِمَ قالَ: ﴿وَاشْهَدُوا﴾، وليسوا بأهلٍ للشَّهادةِ؟
قلْنا: لتقومَ الحجَّة عليهم، لا بهم (^٢).
* * *
(٥٦) - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّهِ تعالى، مدبِّري ومدبِّركم، ومُقِيمي ومُقِيمكم، لا أعتمدُ إلَّا عليه، ولا أخافُ غيرَه؛ إذ كلُّ شيءٍ في قبضةِ قدرَتِهِ وسلطانِهِ.
وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: أي: ما مِن (^٣) نفسٍ تَدِبُّ على الأرض إِلَّا هو قاهرٌ لها مصرِّفٌ لها على ما يريدُه بها.
_________________
(١) في (ف): "قلنا قالوا قولًا".
(٢) في (ف): "لا لهم" وليست في (ر).
(٣) "ما من" من (ف).
[ ٨ / ٢٢٠ ]
والأخذُ بالنَّاصية كنايةٌ عن الإذلالِ والقَهْر، وكانت العربُ إذا أسرَتْ رجلًا فأرادَتْ إطلاقَه جزَّت ناصيتَه؛ ومثلُه قولُه تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قيل: أي: إنَّ ربِّي يدلُّ على صراطٍ مستقيمٍ. وقيل: يحثُّ عليه. وقيل: يحملُكم عليه.
وقيل: هو بغير إضمارٍ، ومعناه: إنَّ ربِّي على الحقِّ لا يَعدلُ عنه.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أصلُه: فإن تتولَّوا، سقطَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ أي: فإنْ تُعرِضوا بعدَ هذا عن الإيمان باللَّه لم يلزمْني مِنْ تَبِعَةِ إعراضِكُم شيء (^١).
وقولُه تعالى: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾: مِن الدُّعاء إلى الإيمان ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾؛ أي: ويهلكُكم اللَّهُ بعدَ هذا، ويجعلُ غيرَكم خَلَفًا عنكم.
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾: ولا يدخلُ مُلْكَه بإهلاكِكم نقصٌ، ولا تقدرون على أن تضرُّوه أو تضرُّوا أولياءَه بكيدِكُم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: أي: لا يخفَى عليه شيءٌ، ولا يذهبُ عنه شيءٌ، ولا يفوتُه.
_________________
(١) في (أ): "بشيء".
[ ٨ / ٢٢١ ]
وقيل: أي: بكلِّ شيءٍ حفيظ، فيحفظُ أنبياءَه وأولياءَه.
وقيل: أي: يحفظُ الأعمالَ فيُجازي عليها.
* * *
(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: أمرُنا بإهلاكِ عادٍ ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: شديد، وأصله: الكثيف الثَّقيل، وهو ها هنا استعارةٌ عن الشِّدَّةِ والهولِ، وهو ما نزلَ بهم مِن عذابِ الدُّنيا.
وقيل: هو عذابُ الآخرة أيضًا في حقِّ المؤمنين.
وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يدلُّ على أنَّ مَن نجا نجا برحمةِ اللَّهِ تعالى لا بعملِه، ولذلك قال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا يدخلُ أحدٌ الجنَّةَ إلَّا برحمةِ اللَّهِ"، قيل: ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ولا أنا، إلَّا أنْ يتغمَّدني اللَّهُ برحمَتِهِ" (^١).
ثم يحتمِل قوُله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: ببعثِ هودٍ إليهم حتَّى اتَّبعوه فنجَوا لذلك.
ويحتمل: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: بتوفيقنا إيَّاهم للإيمان حتَّى نجَوا به (^٢).
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٤٦).
[ ٨ / ٢٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: بالنَّبيِّ والحُجج (^١) ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لأنَّهم إذا عصَوا هودًا فقد عصَوا كلَّ الرُّسل؛ لأنَّ كلَّ الرُّسل يدعون إلى اللَّه تعالى، فعصيانُ واحدٍ منهم عصيانُ الكلِّ.
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: كلِّ متكبِّر مخالف؛ وهم رؤساؤهم.
قال السُّدِّيُّ: الجبَّار: الَّذي يقهَرُ النَّاسَ ويُجْبِرُهم على ما أراد (^٢).
وقال عكرمةُ: الجبَّار: الَّذي يقتلُ على الغضب (^٣).
وقال أبو عوسجةَ: الجبارُ: المتجبِّر، وهو المتكبِّر، والعنيدُ: هو المعاند المخالف (^٤).
وقال القُتَبي: العَنود والعَنيد والعانِد: المعارضُ لك بالخلاف عليك (^٥).
وقال أبو عبيدة: العَنيد والعَنود والعاند: الجائر (^٦).
وفي الآيةِ تسليةُ النَّبيِّ -ﷺ- فيما كان يقاسي مِن البلاء، وتقويةٌ للمؤمنين فيما نُدبوا إليه مِن حُسْنِ الرَّجاء، والوعدُ بتبديل ما كانوا يلقونَه مِن الشِّدَّة والرَّخاءِ.
* * *
_________________
(١) "بالنبيِّ والحجج" ليس في (ف).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٨٧)، والواحدي في "تفسيره" (٢١/ ٣٩٧).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٣٧٧) دون عزو، وعزاه الواحدي في "البسيط" (١٤/ ٢١٠) للكلبي.
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ١٤٧).
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٠٥).
(٦) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٩٠).
[ ٨ / ٢٢٣ ]
(٦٠) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: أُلحقوا، واللَّعنة: الطَّرد، ومعناه: لُعِنوا في الدُّنيا والآخرة، طُرِدوا وبُعِّدوا عن رحمةِ اللَّه.
ثمَّ بيَّن السَّبب فقال:
﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: أي: هلاكًا، منصوبٌ على المصدر بإضمار الفعل، وقد مرَّ سياق القصَّة في (سورة الأعراف).
* * *
(٦١) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: عطفٌ على قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥].
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: أي: ابتدأ خلقَكم من الأرض، فخلقَ أباكم آدم مِن التُّراب، وجعلَكم عمَّارَها؛ أي: سكَّانها (^١)، وعامر الأرض: ساكنها، قال الشاعر:
فإنَّكَ مِنْ بيتٍ لِعَيْنيَ مُعْجِبٌ وأعجبُ في عَيْنِي مِن البَيْتِ عَامِرُه (^٢)
_________________
(١) في (أ): "ساكنيها".
(٢) البيت لعبد اللَّه بن الدمينة، وهو في "ديوانه" (ص: ١٨٣)، و"أمالي القالي" (١/ ٧٨)، برواية: "وأحسن في عيني" بدل "وأعجب في عيني".
[ ٨ / ٢٢٤ ]
وقيل: أي: القائمين بعمارتها بالزِّراعة والغرس والبناء والحفر.
وقيل: أي: عمَّركم فيها؛ أي: جعل لكم فيها أعمارًا.
وقيل: أعمرها لكم (^١)؛ أي: جعلها لكم مدَّة عمركم.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: أي: اسألوا مغفرتَه بالإيمان ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: ارجعوا إليه بالنَّدم وسؤال الثَّبات.
﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾: أي: إلى مَن رجاه ﴿مُجِيبٌ﴾ لمن دعاه.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: أعاشكم (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: أطالَ عُمُرَكم (^٣).
وقال مجاهدٌ: أعمرَكم، من العُمرى (^٤).
وقال قتادة: أسكنكم فيها (^٥).
وكان هود ﵇ يسكنُ وادي القرى بين المدينة والشَّام (^٦)، وكانت عاد باليمن.
* * *
_________________
(١) "لكم" من (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٦)، والماوردي في "تفسيره" (٢/ ٤٧٩)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٥٥).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٥٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٤٨). ومعناه: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٦).
(٦) كذا قال، والصواب أن هذه مساكن ثمود قوم صالح.
[ ٨ / ٢٢٥ ]
(٦٢) - ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾: أي: كنَّا نرجوك للانتفاع بك، ونتوقَّع القوَّة فيما بيننا (^١) مِن جهتك، فأُخْلِفَ رجاؤُنا.
وقيل: كنتَ ترحمُ الضَّعفاء وتعودُ المرضى ونحوَ ذلكَ قبلَ ادِّعائِكَ النُّبوَّة، فصرْتَ تخالفُنا وتسفِّهُنا.
وقوله تعالى: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: الَّذين كانوا أكملَ عُقولًا منَّا، وأبصرَ بالأمور كلِّها، وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: أي: في (^٢) شكٍّ مُريبٍ مُوقِعٍ للرِّيبة فيك؛ أي: التُّهمة؛ أي: ونحن فيما تدعونا إليه مِن ترك عبادة آلهتنا وإفرادِ ربِّك بالعبادة في شكٍّ يوجِبُ اتِّهامك فيما تضيفه إلى اللَّهِ تعالى (^٣)؛ إذْ ليسَ يجوزُ أنْ يكونَ آباؤنا يجهلونَ الحقَّ ويتركون الدِّين الَّذي يرضَى اللَّهُ تعالى به.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: أي: أجابهم عن قولهم: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي
_________________
(١) في (أ) و(ر): "القوة في ديننا".
(٢) بعدها في (أ) و(ف): "كلِّ".
(٣) في (أ): "إلى آدم".
[ ٨ / ٢٢٦ ]
شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فقال: أخبروني عنكم؛ إنْ كنْتُ محقًّا في دَعوى الرِّسالة، وكنْتُ على بيانٍ مِن ربِّي في أنَّه لا إلهَ غيرُه، وأنَّه أرسلني إليكم، وأمرَني بإنذارِكم، وكان اللَّه تعالى أعطاني من عندِه كرامةً، وخصَّني بها مِن الإيمان والرِّسالة، أيجوز لي مع هذا أنْ أعصيَ ربِّي فأُقصِّرَ في تبليغ رسالته، وأقابل رحمتَه بمعصيتِه فأستحقَّ نزولَ عذابِه وسَخطِه؟! فمَن ينصرُني حينَئذٍ فيمنعَ عنِّي عذابَه؟ فما تزيدونني بهذا الاحتجاج (^١) غيرَ أنْ أضلِّلَكم وأَضلِّل (^٢) آباءكم.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: غير بصارةٍ (^٣) في خسارتِكم (^٤).
وقال الحسينُ بنُ الفضل: غير نسبتي إيَّاكم إلى الخسارة (^٥).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قال بعضُهم: فما تزيدونني بمجادلتكم إلَّا خسرانًا.
وقيل: فما تزدادون بمعصيتكم إيَّاي إلَّا خسرانًا لأنفسِكم.
وقال القتبيُّ: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غير نقصان (^٦).
_________________
(١) في (أ): "الاجتماع".
(٢) أي: أنسبكم أنتم وآباؤكم إلى الضلال إذ تعبدون غير اللَّه. وتحرفت العبارة في (ر) و(ف) إلى: "أضلَّكم وأضلَّ".
(٣) في (ر) و(ف): "مضارة".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٤/ ٣٩٣) (ط: دار التفسير)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ١٨٧)، وفيه: " ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: فما ازداد إلا بصيرة في خسارتكم".
(٥) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٦)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٥٧).
(٦) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢٠٥).
[ ٨ / ٢٢٧ ]
وقال أبو عوسجة: هو من الخسران [يقال: خسَّرتُه]؛ أي: ألزمْتُه الخسران (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: إذا أُضيفَتْ جزئيَّةُ الأشياء إلى اللَّه تعالى فهو على تعظيمِ تلك الجزئيَّات المضافة إليه.
فإذا أُضيفَتْ إليه كليَّة الأشياء فهو على إرادة تعظيم اللَّه تعالى وتبجيلِه؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ يقول: إنْ شكَكْتم في أمري فهذه آيةُ اللَّهِ معجزةٌ تبيِّن لكم صدقَ نبوَّتي.
والآيةُ فيها أنَّ اللَّهَ تعالى أخرجَها لهم (^٣) من الصَّخرة وهم يشاهدونها، وخرجَتْ وهي حاملٌ كما طلبوا، وكانت تشربُ يومًا تنفردُ به ولهم يومٌ وتأتي هي المرعى يومًا والوحشي يومًا، وقد مرَّتْ قصَّتُها في (سورة الأعراف).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥٠) وما بين معكوفتين منه، ومعنى ألزمته الخسران: نسبته إلى الخسران، ومثله: فسَّقتُه وفجَّرتُه؛ إذا نسبتَه إلى الفسق والفجور. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٧٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥١).
(٣) "لهم" ليس في (أ).
[ ٨ / ٢٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: قيل: بمنعٍ عن الشُّربِ، فقد قال: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقيل: بعَقْرٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (^١): أي: عاجلٌ إنْ مَسَسْتموها بسوء.
وقال أبو موسى الأشعريُّ: أتيْتُ مصدرها (^٢) الَّذي اضطُرَّتْ إليه فلم تجدْ منفذًا، فإذا هو ستُّون ذراعًا (^٣).
* * *
(٦٥) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: أي: فعقرَها أخو ثمود قُدار بن سالف، ومعه مِصْدَع بن مَهْرَج.
﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾: أي: بلدكم.
وقيل: أي: في دار الدُّنيا، ولو أراد بها المنازل لقال: في دياركم.
وقيل: أراد بالواحد الجمع؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]، وتقديرُه: ليتمتَّعْ كلُّ واحدٍ منكم في دارِه.
والتَّمتُّع: التَّلذُّذ بالمدركَات الحسيَّة.
يقول: أمهلَكُم اللَّهُ تعالى ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ بلا زيادةٍ، ثمَّ تُعذَّبون، وهو العذابُ القريبُ الَّذي ذكرْتُ لكم.
_________________
(١) بعدها في (ر): "فيأتيكم عذاب".
(٢) تحرفت في (أ) و(ر) إلى: "مقدرها"، والمثبت من (ف) والمصادر.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ١٢١) و(٣/ ٣٢٧). وليس في المصادر: "الذي اضطرت إليه".
[ ٨ / ٢٢٩ ]
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: أي: مكذوبٍ فيه.
ورُوِي أنَّه قال لهم: تمتَّعوا في دارِكُم ثلاثةَ أيَّام، ثمَّ يجيء هلاكُكُم، فتصبح ألوانُكم في أوَّلِ يومٍ مصفرَّة، وفي اليوم الثَّاني محمرَّة، وفي اليوم الثَّالث مسودَّة، ثمَّ تُستأصَلون في اليوم الرَّابع (^١).
فكان كما قال؛ لأنَّهم عقروا النَّاقة يوم الأربعاء، واستُؤصِلوا يوم السَّبت.
* * *
(٦٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: بالعذاب ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: أخرجناهم مِن بينهم.
وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ فسَّرناها في قصَّة عاد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾: قرأ الكسائيُّ ونافع في روايةٍ بنصب الميم على الظَّرف، والباقون بالخفض على الإضافة (^٢).
والخزيُ: الفضيحةُ بالعذابِ المُهين المستأصِل.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩١٣) عن معمر. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٤) عن السدي و(١٠/ ٢٩٥) عن قتادة. وهو قطعة من حديث طويل رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٥٨ - ٤٦٢) من حديث عمرو بن خارجة ﵁ مرفوعًا.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٢٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: أي: القادر على إهلاك مَن يريد، المنيعُ سلطانُه (^١) مِن أنْ يغالبَه العبيد (^٢).
وقيل: ﴿الْقَوِيُّ﴾ في نصرة أوليائِه، ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنتقِم مِن أعدائه لأوليائِه.
* * *
(٦٧) - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾: يُقال: صاحَ بهم جبريل، ويُقال: الصيحةُ: النِّداء بوقوع العذابِ ونزولِ الصَّاعقة.
وقيل: هو الصَّوت الهائل الذي يجيء فلا تتمالكُ له القلوب، بل تنفطرُ وتنخلع، فيموت السَّامعون لها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الصَّيحة: الصَّاعقة.
وقيل: هي اسمٌ لكلِّ عذاب، ولا يُدرَى كيف كان؟ أو كان عذابهم قَدْر صيحةٍ مِن سرعة وقوعِه بهم، أو لمَّا رأوا العذاب صاحوا فيما بينهم، فلمَّا جاءتهم الصَّيحة ماتوا (^٣).
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: أي: صاروا.
وقيل: كان العذابُ باللَّيل؛ فلذلك قال: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾؛ أي: ساقطِيْن على الوجوه.
وقيل: ساقطين على الرُّكب.
_________________
(١) في (أ): "بسلطانه".
(٢) في (أ): "العنيد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥٢).
[ ٨ / ٢٣١ ]
وقيل: لازقِيْن بالأرض.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ميِّتين (^١).
وقال قتادة: هالكين (^٢).
وقال مجاهد: جامدين (^٣).
وقال ابن كيسان: ساقطين كجثوم الطَّائر.
* * *
(٦٨) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنْ لم يقيموا فيها، غَنِيَ بالمكانِ -مِن حدِّ علم-: إذا أقامَ به (^٤).
﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: فبذلك استحقُّوا هذا العذاب ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾؛ أي: هلاكًا.
وقرأ الكسائيُّ وحده بالتَّنوين والخفض موافقةً للأوَّل، والباقون تركوا تنوينه وفتحوه، ونوَّنوا الأوَّل (^٥)؛ لأنَّ (ثمودًا) إنْ جُعِلَ اسمَ قبيلةٍ لم يُصرَف لاجتماع
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ساكتين". والخبر ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢١٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٦٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٥٢).
(٣) في (ف): "خامدين"، وهكذا ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢١٦) عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٤٧ و٢٨٩) وبعض المفسرين، والمثبت من (أ) و(ر) وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٥٢) دون نسبة.
(٤) "به" ليس في (أ) و(ف).
(٥) لكن حمزة وحفصًا منعاه الصرف في الأول أيضًا. انظر: "السبعة" (ص: ٣٣٧)، و"التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٢٣٢ ]
التَّعريف والتَّأنيث فيه، وإن جُعِل اسمًا للقوم صُرِف؛ لأنَّ العلَّتَيْن لم تجتمعا، ولمَّا جاز صرفُه وتركُ صرفِه اختير الصَّرف في النَّصب دون الرَّفع والجرِّ؛ لأنَّ النَّصبَ أخفُّ الحركات.
* * *
(٦٩) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾: ﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: الملائكة.
قال ابن عبَّاس ﵄: جبريل وملكان (^١).
وقال الضَّحَّاك: كانوا تسعة.
وقال السُّدِّيُّ: كانوا أحدَ عشرَ ملَكًا على صورة الغِلمان الحسان (^٢).
كانوا نزلوا لإهلاكِ قومِ لوطٍ وقراهم بنواحي الشَّام، وإبراهيمُ كان ببلاد فلسطين فمرُّوا به، ولوطٌ كان ابن أخي إبراهيم (^٣)، فجاؤوا إبراهيم بالبشرى:
قيل: البشارة بهلاك قوم لوط.
وقال الحسن: البشارة بأنَّ اللَّهَ تعالى يهَبُ له إسحاق ولدًا، ويجعله رسولًا إلى عبادِه، وبعدَه يعقوب نافلة (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "جبريل وميكائيل". والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٧)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٦٦)، ولفظهما: "جبريل وميكائيل وإسرافيل".
(٢) ذكره عن الضحاك والسدي: الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٧)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤٦٦).
(٣) في (ف): "ابن عم إبراهيم وكان ببلاد فلسطين" بدل: "ابن أخي إبراهيم".
(٤) ذكره دون نسبة مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٢٩٠)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٧٧).
[ ٨ / ٢٣٣ ]
وقيل: بسلامته وسلامة قومِه مع هلاك قوم لوط.
وقيل: بدوام الخُلَّة والوصلة.
وقيل: بسلام اللَّه.
وقيل: هو سرٌّ بين الحبيبَيْن لا اطِّلاع عليه للغير، قال قائلُهم:
بينَ المحبِّيْنَ سرٌّ ليسَ يفشيْه قولٌ ولا قلمٌ للخَلْقِ يحكيْهِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: نصبٌ بوقوعِ القولِ عليه، كأنَّه قال: أظهَروا سلامًا، أو: قدَّموا سلامًا، وما يجري مَجراه.
وقيل: ﴿قَالُوا﴾ مقرَّر على نظمِه، و﴿سَلَامًا﴾ منصوبٌ بإضمار الفعل؛ كأنَّهم قالوا: نسلِّم عليك سلامًا، أو قالوا: نسلِّم سلامًا؛ لأنَّ السَّلام بمعنى السَّلامة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أنَّه نصبٌ على إضمارِ الفعلِ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: أي: عليكم سلامٌ.
وقال: الفرَّاء: قال حين نَكِرهم: ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: هو سلام -أي: سلامةٌ- إن شاء اللَّه، مَن أنتم (^٢)؟
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: أي: وَلَد بقرةٍ، سُمِّي به لتعجيلِ أمرِهِ بِقُرْبِ مِيلادِه.
قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة: أي: نَضيجٍ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٣٩)، و"لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٥).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢١).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٦٨).
[ ٨ / ٢٣٤ ]
وقال الحسن: أي: مشويٍّ (^١).
وقال ابن عرفة: مشويٍّ بالرِّضاف. والرَّضيف: الحجرُ المحمَّى، وهو (فعيل) بمعنى مفعول، وقد حنذَه؛ أي: شواه تحتَ الأرض بالحجارة المحمَّاة.
وقيل: هو السَّمين الَّذي يسيل منه الوَدكُ (^٢).
ومعنى ﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ أي: فما مكَثَ؛ إذ كان عندَه طعامٌ مُعَدٌّ للأضيافِ كلَّ يوم، أو عجَّل تقديم الطَّعام، فأمرَ بذبحِ عجلٍ وحنَّذه، وجعل قرب المدَّة بسبب التَّعجيل كعدم اللَّبْث مبالغةً مجازًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ على أنَّ الأدبَ إذا نزل الضَّيف هو تقديمُ الطَّعام قبلَ المحادثة والمساءَلَة، ولو كان إبراهيم ﵇ اشتغلَ بذلك عرف أنَّهم ملائكةٌ، فلم يشتغلْ باتِّخاذ الطَّعام (^٣).
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾: أي: لمَّا رآهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطَّعام للأكل ﴿نَكِرَهُمْ﴾؛ أي: أنكرهم، يقال: نَكَر وأنْكَر واستَنْكَر، قال الأعشى:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٧٠) عن سفيان.
(٢) الودك: دسم اللحم. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: ودك).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥٤).
[ ٨ / ٢٣٥ ]
وأنكرَتْني وما كانَ الَّذي نَكِرَتْ مِنَ الحوادثِ إلَّا الشَّيْبَ والصَّلَعَا (^١)
وقال أبو العالية: يقال: نَكِرَ بقلبِهِ، وأنكرَ بعينِهِ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: أي: أضمرَ، وقيل: أي: أحسَّ.
وقيل: أنكرَهم حين لقيَهم لا يعرفهم، قال تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، وازداد ذلك حين لم يتناولوا طعامَه، فأضمر في قلبِه خوفًا، وكان القوم إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكلْ طعامَهم ظنُّوا أنَّه لم يَجِئْ بخيرٍ، وأنَّه يحدِّث نفسَه بشرٍّ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: لمَّا علمَتِ الملائكةُ أنَّه استشعرَ خوفًا منهم أمَّنوه بأنْ كشفوا له الأمر فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾؛ أي: لإهلاكهم.
وقيل: إنَّهم دَعَوُا اللَّهَ تعالى بإحياءِ العجلِ، فطَفِر حيًّا إلى مرعاه؛ أي: وثبَ (^٤).
* * *
(٧١) - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ هي سارة بنت هاران بن ناحور، بنت عمِّ إبراهيم بن آزر بن ناحور.
_________________
(١) نسب للأعشى في الكثير من كتب الأدب والتفسير، وهو في "ديوانه" (ص: ١٥١). غير أن أبا عبيدة ذكر في "مجاز القرآن" (١/ ٢٩٣) عن يونس عن أبي عمرو أنه هو الذي زاد هذا البيت في شعر الأعشى، وقال: فأتوب إلى اللَّه منه.
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١١/ ١٦٣).
(٣) في (ف): "وأنه يحدث شرًا".
(٤) في (أ): "ذهب".
[ ٨ / ٢٣٦ ]
وقيل: كانت قائمةً مِن وراء السِّتر تنظرُ إلى الملائكةِ وإبراهيم.
وقيل: كانت قائمةً على رؤوسِهم تخدمُهم على الطَّعام، وكانت عجوزًا فلم يكنْ بذلك بأسٌ، حكاه الإمامُ أبو منصور ﵀، وقال: لسنا ندري أين كانت قائمة (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل: ضحكَتْ تعجُّبًا لِمَا أشرفَ من العذاب على قوم لوط وهم غافلون، فإنَّه وصلَه بقوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
وقيل: ضحكَتْ سرورًا بما زالَ مِن الرَّوع عنها وعن إبراهيم بظهورهم ملائكةً.
وقيل: ضحكَتْ تعجُّبًا مِن امتناع الأضياف عن الأكل.
وقال وهب: ضحكَتْ تعجُّبًا مِن أن يكون لهما ولدٌ وقد هَرِمَا، وعلى هذا يكون في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ: فبشرناها بإسحاق فضحكت.
وقال مقاتل: ضحكَتْ من خوف إبراهيم منهم وهم عدد قليلٌ، وهو بينَ خَدَمِه وحَشَمِه (^٢).
وقال عكرمة: أي: حاضَتْ، تقولُ العربُ: ضحكَتِ الأرنبُ: إذا حاضَتْ (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٥٥).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٩٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢١٢). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٥٥) عن ابن عباس. وتعقب هذا القول ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية بقوله: (وأما ما قيلَ: إنَّ (ضحِكَت) بمعنى: حاضَت. رُدَّ بأن التعجُّبَ بعدَه يبعِدُه، إذ لا يُعجَبُ من الولادةِ في زمن الحيضِ. . .). وللآلوسي في "روح المعاني" (١٢/ ١٦ - ١٧) مناقشة حسنة بين المؤيدين لهذا القول والمعارضين له فلتنظر ثمة.
[ ٨ / ٢٣٧ ]
وقيل: ضحكَتْ سرورًا بالبشارة بالولد، وقد بلغت ثمانيًا وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مئة وعشرين سنة.
وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: أي: على ألسنةِ الرُّسلِ -وهم الملائكة- بولدٍ اسمُه إسحاق ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: قرأ حمزةُ وابنُ عامر وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنَّصب، والباقون بالرَّفع (^١)، وهو على الابتداء.
ووجه النَّصب: أنَّ المعطوف على المخفوض بخافضٍ وبينهما حائلٌ يُحتاج فيه إلى إعادة الخافض، فيقال: مررْتُ بزيدٍ ومِن بعده بعبدِ اللَّهِ، فإذا لم يأتوا بالباء في (عبد اللَّه) نصبوه، كأنَّهم أرادوا: ورأيْتُ مِن بعدِه عبدَ اللَّه.
ووجه آخر: أنَّ قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ بمنزلةِ قوله: فوَهَبْنا لها إسحاقَ، فعطفَ عليه ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنَّصب.
وقيل: الوراء: النَّافلة، فإنْ صحَّ هذا، وإلَّا فظاهر ما يُفهَم مِن وراء وهو الخَلْف، يدلُّ على البشارة بالنَّافلة أيضًا، فإنَّه يكون بعدَه.
ودلَّت الآيةُ أنَّ الذَّبيح هو إسماعيل، فإنَّ اللَّه تعالى بشَّر إبراهيم ﵇ بأن يكون لإسحاق ولدٌ، وكان يعلمُ أنَّه لا يموت حتَّى يُولَد له ذلك، فلا يكون على هذا في الأمرِ بذبح هذا الولد امتحانٌ؛ إذ يعلم أنَّه لا يتحقَّق فيه الذَّبح للحال، فتعيَّن للابتلاء الولد الآخر؛ وهو إسماعيل.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾: لمَّا بُشِّرَتْ بإسحاق تعجَّبَتْ، فقالَتْ: يا ويلَتَا،
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٢٣٨ ]
فافتتحَتْ بالدُّعاء بالويل على ما جرَتْ به العادة، وكأنَّها قالَتْ: يا عجبًا.
﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾: أي: مُسنَّة، لم تدخلها الهاء لأنَّها وُضِعَتْ للأنثى خاصَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾: أي: زوجي، ونصب ﴿شَيْخًا﴾ على الحال، أو على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ بها معرفة.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: ولم يكن هذا إنكارًا لقدرةِ اللَّهِ تعالى، بل هذا ممَّا يَرِدُ مثلُه على النَّفس إذا سُمعَ بغتة، على ما عليه طبعُ البشريَّة.
وقد يكون التَّعجُّب من جهة تمنِّيها لسرعة كون ذلك، فتقول: أنَّى يكون هذا؟ فمتى يكون قريبًا أو بعيدًا؟ وأُحوَّل شابَّة وزوجي شابًّا، أو نكون على حالِنا؟ فإنَّه عجبٌ عادة.
* * *
(٧٣) - ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا عجبَ أنْ يَرزقَ اللَّهُ مثلَكُما (^١) ولدًا.
وقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: يحتمِلُ أن يكون إخبارًا؛ أي: أنتم أهلُ بيتٍ نزَّل اللَّه عليكم الرَّحمة والبركات بما آتى مِن النُّبوَّة وتمَّمَ مِن النِّعمة.
ويحتمِل الدُّعاء؛ أي: واصل (^٢) اللَّه لكم يا أهلَ البيت.
_________________
(١) في (ف): "منكما".
(٢) في (ر): "وأسأل".
[ ٨ / ٢٣٩ ]
وفيه ردٌّ على مَن أنكرَ مِن الرَّافضة أنْ يكونَ أزواجُ النبيِّ -ﷺ- مِن أهلِ البيت في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: قال الحسن: أي: محمودٌ كريمٌ (^١).
وقيل: أي: محمودٌ على نعمِه عند خلقِه، وكريمٌ منعِم على عبادِه، فأنتم أولى بهذه النِّعمة إذ كنتم أهل خلَّته وموالاته.
ثمَّ أوَّل القصَّة ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، وفي هذه الآية ذكرَ الرَّحمة والبركات، وهي إتمام التحيَّة، ولمَّا قالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ بقي هذا الدُّعاء على ألسنة هذه الأمَّة في الصَّلوات: "كما صلَّيْتَ وباركْتَ ورحمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (^٢).
والبركة: الزِّيادة والنَّمو، وقد استجيب ذلك، فبنو إسرائيل منهم، وهم الخلْقُ الكثير، والعربُ مِن أولاد إسماعيل، وهم الجمُّ الغفير.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: أي: الخوف، راعَه يروعُه: إذا أفزعَه وخوَّفَه، وهو ما مرَّ: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ١٥٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٩٠) دون نسبة.
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٩٩١)، والبيهقي في "سننه" (٢/ ٣٧٩)، من حديث ابن مسعود ﵁، وفيهما: "وترحمت". وبنحوه رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٤١) من حديث أبي هريرة ﵁. وأصل الحديث رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة ﵁، دون ذكر الرحمة.
[ ٨ / ٢٤٠ ]
﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾: وهو ما بينَّا، فأضمر جوابَ (لمَّا) ها هنا، وهو: انبسطَ لمعارضَتِهم وصفتهم (^١).
﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: أي: جعل يجادلهم، قال الحسن: يجادلُ رسُلَنا مِن الملائكةِ (^٢).
واختُلِفَ في ذلك الجدال:
قال الحسن: هو قوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] (^٣).
وقال قتادة: أيُعذَّبُون إنْ كان فيهم خمسون من المؤمنين؟ قالوا: لا حتَّى نزلهم إلى عشرة، فقالوا: لا (^٤)، وذلك قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦].
وقيل: جادلَهم ليعلَمَ بأيِّ شيءٍ استحقُّوا عذاب الاستئصال، وهل ذلك واقعٌ بهم لا محالة، أم على سبيل الإخافة لِيُقبِلوا إلى الطَّاعة؟
وقيل: ﴿يُجَادِلُنَا﴾؛ أي: يسألُنا إمهالَهم رجاءَ أنْ يسلِموا، أو سمَّاه جدالًا لأنَّه كان يحرص في السُّؤال حِرْصَ المجادل عنه (^٥).
وقال القشيريُّ رحمة اللَّه عليه: كانَتْ مراجعةُ إبراهيمَ مع اللَّهِ تعالى في أمرِ قومِ
_________________
(١) "وصفتهم" ليس في (أ).
(٢) ذكره عن الحسن الماوردي في "تفسيره" (٢/ ٤٨٧)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٣) عن ابن عباس ﵄، ونقله الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٠) عن عامة أهل التفسير.
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٢١)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٩٠).
(٥) "عنه" من (ف).
[ ٨ / ٢٤١ ]
لوطٍ بحقِّ اللَّهِ تعالى، لا لحظِّ نفسِه، فسَلَّمَ (^١) له الجِدال، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنِه حيثُ تجاوزَ عنه ذلك (^٢).
* * *
(٧٥) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾: الحليمُ: البطيءُ الغضبِ، والأوَّاه: الدَّعَّاء، وقيل: الرَّحيم.
وقيل: المتأوِّه أسفًا على ما فاتَ قومَ لوطٍ مِن الإيمان، والمنيب: الرَّاجع إلى اللَّهِ ﷻ بالإخلاص، وهذا مدحٌ له وبيانٌ أنَّ سؤالَه كان عن رحمةٍ ورِقَّةٍ، ولم يكن معارَضةً ولا اعتراضًا على قضيَّةٍ.
* * *
(٧٦) - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أي: قيل له: تولَّ عن هذا الجِدال والسُّؤال؛ لأنَّ العذابَ نازلٌ بهم لا محالةَ.
﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: أي: عذاب ربِّك، وقيل: أمرُ اللَّه تعالى بالعذابِ.
﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: أي: سيأتيهم عذابٌ لا يُرَدُّ ولا يُدفَع بالشَّفاعة، فسَكَتَ وتركَ السُّؤال.
* * *
_________________
(١) في (أ): "فسمى"، والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٤٧).
[ ٨ / ٢٤٢ ]
(٧٧) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: أي: ساءَه مجيئُهم؛ أي: حزَنَه، والكنايةُ ترجع إلى الرُّسل.
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾؛ أي: ضاقَ نفسُه عن هذا الحادث (^١)، وذِكْرُ الذَّرْعِ مَثَلٌ، وهو المساحة في الحقيقة، وكأنَّه قَدْرُ البَدَنَ مجازًا؛ أي: بَدَنُه ضاقَ قَدْرُه عن احتمالِ ما وقعَ؛ أي: لمَّا صار هؤلاء الملائكةُ مِن عند إبراهيم إلى لوط في صورة البشر، ورآهم حِسانَ الوجوه، خافَ عليهم مِن قومِه أنْ يقصدوهم في منزلِه ولا يمكنُه دفعُهم، ولم يمكنْه التَّصريح به للأضياف، وساءَه وضعفَ عنه احتمالُه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنْ يكونَ قولُه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ لمكان الأضياف، ويحتمِل أنْ يكون كلاهما بهلاك قومِه، ويحتمِل أن يكون أحدهما في هذا، والآخر في ذلك (^٢).
﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: أي: شديد، ولا تُستعمل إلَّا في الشَّرِّ، مأخوذٌ مِن العِصابة؛ كأنَّه التفَّ على النَّاس بالشَّرِّ، أو التفَّ بعضُ شرِّهِ ببعض.
وقيل: هو مِن إحاطةِ شرِّه بالنَّاس، ومنه عِصابة الرَّأس، وعُصْبَةُ الرَّجلِ: قرابتُه المحيطون (^٣) به.
* * *
_________________
(١) في (أ): "عن هذه الحادثة".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٦٠) بنحوه.
(٣) في (أ): "قرائبه والمحيطون".
[ ٨ / ٢٤٣ ]
(٧٨) - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والسُّدِّيُّ: أي: يُسرعون في المشي (^١).
وقال الضحَّاك: يسعون (^٢).
وقال الفرَّاء: هو مشيٌ بينَ الهرولَةِ والجَمْزِ (^٣).
وإنَّما أسرعوا إلى الأضياف لمَّا أعلمتهم امرأة لوط -وكانت كافرةً- فقالَتْ: ما رأيْتُ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيبَ ريحًا، ولا أنظفَ ثيابًا منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: كنايةٌ عن إتيانهم الذُّكْران.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: قال مجاهدٌ: بناتُ قومي؛ لأنَّ النَّبيَّ كالأبِ لقومِه، وأزواجُه أمَّهاتُهم، وأولادُهم كأولادِه (^٤).
وقال مقاتلٌ وجماعة: أرادَ بنات صُلْبِه (^٥).
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلُّ لكم بالنِّكاح.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠٠ - ٥٠١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠٠).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٨٧)، وفيه: "يهرعون؛ أي: يسرعون بسيرهم. والإهراع: الإسْرَاع فيه، شبيه بالرِّعدة".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢١٤)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٢).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٩٢).
[ ٨ / ٢٤٤ ]
وقال الحسين بن الفضل: أي: على شرط إسلامكم (^١).
وقال آخرون: لعلَّه في ذلك الوقت كان يُباح للمشركِ المسلمةُ (^٢)، وكان ذلك في ابتداء الأمر جائزًا في هذه الأمَّة، فالنَّبيُّ -ﷺ- زوَّج ابنتَه مِن عتبةَ بن أبي لهبٍ وأبي العاص بن الرَّبيع وكانا كافرَيْن (^٣).
ثمَّ قوله: ﴿أَطْهَرُ﴾ لا يدلُّ على أنَّ إتيان الذُّكران كان طاهرًا، لكنَّهم اعتقدوا طهارةَ ذلك، فبنى ذلك على زعمِهم، وهو كما رُوِيَ أنَّ أبا سفيان بن حرب قال يوم أُحُد: أعْلُ هبل، فقال النَّبيُّ -ﷺ- لِعُمرَ: "قل: اللَّه أعلى وأجلُّ" (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل أن يكون هذا تعريفًا لهم خُبْثَ ذلك الفعلِ، ويكون معنى قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: هذا أقلُّ خبثًا مِن ذلك؛ أي: الزِّنى بالبنات دون إتيان الذُّكران في الخبث، وكانوا يعتقدون حرمةَ الزِّنى، فبيَّن (^٥) أنَّ هذا يزول بالنِّكاح، وذاك لا يزول بحال (^٦).
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾: أي: لا تُخجلوني في أضيافي، ولا تفضحوني فيهم.
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ١٩١).
(٢) في (أ): "كان ينكح المشرك المسلمة".
(٣) انظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٦٥٢)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٢/ ٣٣٩).
(٤) رواه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء ﵁.
(٥) في (أ): "فسر"، وفي (ف): "فتبين".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٦١). وهذا كلام مردود، وإغراق في التأويل، فكيف يظن بهؤلاء أنهم يرون الزنا حرامًا ثم يستحلون ما أقبح منه وهو إتيان الذكور، ومن أين عرف هذا القائل أن هؤلاء القوم الذين بلغوا غاية السوء أنهم كانوا يحرمون الزنا وهم كافرون أصلًا باللَّه فاعلون لأقبح القبائح، ثم كيف يتصور أن يدعو نبي لفاحشة من أجل بيان ما أفحش منها؟
[ ٨ / ٢٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾: أي: مهتدٍ إلى طريق الحقِّ، فينهاكم عن هذا، ويدفعَكم عن أضيافي.
وقال عكرمة: أليسَ منكم رجلٌ رشيدٌ (^١) يقول: لا إله إلَّا اللَّه (^٢)؟
* * *
(٧٩) - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: قال محمَّد بن إسحاق: أي: لسنَ لنا بزوجات (^٣).
وقيل: أي: ما لنا فيهنَّ مِن حاجةٍ، فجعلوا تناول ما لا حاجةَ لهم فيه كتناول ما لا حقَّ لهم فيه.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: مِن إتيان الذُّكور (^٤).
* * *
(٨٠) - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾: أي: عُدَّة، وجوابُه محذوفٌ، وهو أبلغ؛ لأنَّ النَّفس تذهبُ فيه كلَّ مذهب.
وقيل: هو كلمة تمنٍّ؛ أي: ليتَ لي بكم قوَّة.
_________________
(١) "رشيد" ليس في (أ).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٣) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٤٥٨) عن عكرمة إلى أبي الشيخ.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٣).
(٤) في (أ): "الذكران".
[ ٨ / ٢٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: مجازٌ عن عشيرةٍ يلتحقُ بهم ويستعينُهم (^١).
وفي الخبر: "ما بعثَ اللَّهُ تعالى بعدَه نبيًّا إلَّا وهو في كثرةٍ مِنْ عشيرَتِهِ ومَنَعَةٍ تسكينًا لقلبِهِ" (^٢).
وقيل: لو أنَّ لي بكم قوَّة على هدايتكم لهديْتُكم، وعن هذه الحالةِ أنجيْتُكُم.
* * *
(٨١) - ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ قيل: قالوا: إنَّ ركنَكَ لشديدٌ، وإنَّا رُسُلُ ربِّك أُرسِلْنا لإهلاك قومِكَ، فلا تخفْ، فلن يصلوا إليك بمساءَةٍ فينا.
قال ابن عبَّاس ﵄: وكان لوطٌ ﵇ أغلقَ بابَه، والملائكةُ في دارِه، وقومُه على الباب يناظرونه، فقال جبريل صلوات اللَّه عليه: إنَّا رسلُ ربِّك فافتحِ البابَ، ففتحَ ودخلوا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (^٣) [القمر: ٣٧]؛ أي: أعميناهم أو (^٤) محوناها.
_________________
(١) في (ف): "ويستغيث بهم"، وفي (ر): "وأستغيث بهم".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٠٩٠٣)، والترمذي (٣١١٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٨).
(٤) في (أ): "أعميناها و" بدل من "أعميناهم أو".
[ ٨ / ٢٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ قرأ ابن كثير ونافع: ﴿فَاسْرِ﴾ بالوصل مِن سَرَى، والباقون بالقطع مِن أسْرَى (^١)، وهما لغتان في اللازم، والتَّعديةُ ها هنا بالباء.
فخرج وأهله وأولاده والمؤمنون معه ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: بطائفةٍ مِن اللَّيل (^٢).
وقال الضَّحَّاك: ببقيَّة من الَّليل. وقال قتادة: بصدْرِه. وقال الأخفش: بعد جنح (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿امْرَأَتُكَ﴾ رفعًا بدلًا عن قوله: ﴿أَحَدٌ﴾، والباقون بالنَّصب على الاستثناء (^٤).
والنَّهي عن الالتفات أمرٌ بالإسراع ليتباعدوا عن القوم فلا ينالهم أثرُ عذابهم.
وقيل: أي: لا تشتغل قلوبُكم بما خلَّفتم من المال والمتاع، وامضوا مُخِفِّين مسرعين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾: مِن العذاب؛ لأنَّها كافرةٌ مثلهم.
فقال لوط لجبريل: متى وقتُ هلاكهم؟ قال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فقال لوط: أريدُ أسرَعَ مِن ذلك، فقال جبريل ﵇: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: استفهامٌ بمعنى الإثبات.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٥).
(٣) ذكره الأقوال الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٣).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥).
[ ٨ / ٢٤٨ ]
(٨٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: العذاب الَّذي أَمَرْنا به ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾؛ أي: جعلَ جبريلُ أعلى قريتِهم سافلَها بأمرِنا، على ما مرَّ سياقُ القصَّة في (سورة الأعراف).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾: أي: وأمطرنا عليهم بعد التَّقليب أحجارًا من سِجِّيل.
قيل: حجارة صلبة ليسَتْ مِن جنس حجارة البَرَد.
وقال ابن عبَّاس ﵄ وقتادة: هو فارسيٌّ معرَّب سَنْك وكَلْ (^١)، كالدِّيباج والجاموس.
وقال أبو عبيدة: هو شديد من الحجارة (^٢).
وقيل: هو مثل السَّجْلِ في الإرسال عليهم (^٣)؛ أي: الدَّلو.
وقيل: السَّجل: هو الإرسال.
وقيل: هو من السِّجِلِّ -المشدَّد باللَّام- وهو الكتاب؛ أي: حجارة كَتَبَ عليها اللَّهُ تعالى أن يعذِّبهم بها.
_________________
(١) رواه عن ابن عباس ﵄ ابن أبي شيبة (٢٩٩٧٨)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٨)، وزاد بعضهم فيه: (حجر وطين). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٢٦) عن قتادة قال: (السجيل: الطين).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٩٦).
(٣) "عليهم" ليس في (أ).
[ ٨ / ٢٤٩ ]
وقال الفرَّاء: طينٌ طُبِخَ حتَّى صار كالأرحاء، و﴿مَنْضُودٍ﴾؛ أي: يتبعُ بعضُها بعضًا (^١)، كالمتاعِ المنضودِ بعضُها على بعضٍ.
وقيل: كانت منضودة في السَّماء معدَّة.
* * *
(٨٣) - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾: نُصِبَتْ لأنَّها نعتُ قوله تعالى: ﴿حِجَارَةً﴾؛ أي: معلَّمةً في خزائن اللَّه تعالى الَّتي لا يُتصرَّف فيها إلَّا بإذنِهِ بعلاماتٍ تعرفُها الملائكةُ إذا أُمِرُوا أنْ يمطروها.
وقال الحسنُ: أي: مختومهً (^٢).
وقال الرَّبيع بن أنس: مكتوب على كلِّ حجرٍ اسمُ مَن رُمي به، وكذا قال عكرمة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: أي: لم تكنْ لتُخطئَهم.
وقيل: اتَّبعَتْ المتفرِّقين عنهم في الأمصار والأسفار.
وقيل: مِن مشركي قريش، وسأل النَّبيُّ -ﷺ- جبريلَ عن هذا فقال: "يعني: من ظالمي أمَّتِك" (^٤).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١١/ ٥١٦).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ١٦٥)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٩٤)، بلا نسبة.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٤)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥١٩) من حديث أنس ﵁ بلا إسناد. قال الولي العراقي: ذكره الثعلبي بغير إسناد، ولم أقف له على إسناد. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٧٢٠).
[ ٨ / ٢٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿بِبَعِيدٍ﴾؛ أي: بمكان بعيد.
* * *
(٨٤) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: عطف على قوله: ﴿نُوحًا﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه.
﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾: كانوا مشركين، فدعاهم إلى التَّوحيد وإخلاص العبادة للَّه تعالى، ثمَّ نهاهم عن ظلم النَّاس في الكيل والوزن، وحذَّرهم سوء عاقبتِه.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أي: أراكم في الخِصْب وسَعَةِ الرِّزق (^١)، وكثرة النِّعم، ورُخْص الأسعار، على وجهٍ لا ضرورةَ بكم معه إلى نقصِ الكيل والوزن، فاستَبْقُوا نعمةَ اللَّه عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾؛ أي: محيطٍ بكم عذابُه، كما قال: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، ويوم شديد (^٢)، و﴿يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، إنِّي أخاف عليكم إنْ تلقَّيتم هذه النِّعم بالكُفْران وظلمِ النَّاس أنْ يأتيَكُم عذابُ يومٍ محيطٍ بكم، فلا تتخلَّصون عنه.
* * *
_________________
(١) في (أ): "في الخصب والسعة والرزق".
(٢) كذا في النسخ، وليست آية.
[ ٨ / ٢٥١ ]
(٨٥) - ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: أي: أتمُّوها بالعَدْلِ.
أعاد الأمر بالإتمام بعد تقديم النَّهي عن ضدِّه، وهو كقولك: صِلْ قرابَتْك ولا تقطَعْها، فيكون الجمعُ بينَ الأمر والنَّهيُ عن ضدِّه دليلًا على تأكُّد وجوبه.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: ولا تنقصوا النَّاس ما استحقُّوه عليكم بالعقود.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: العِثِيُّ: المبالغةُ في الإفسادِ، من حدِّ عَلِمَ.
وجعلَ هذه المعاملةَ إفسادًا في الأرض لأنَّه تبديلُ حكمِ الدِّين، واللَّهُ تعالى أصلحَ الأرضَ بالأمرِ بالمعاملات الَّتي إذا عملوا بها اعتدلَتْ أحوالُهُم، وزالَ التَّظالم عنهم، فمَن غيَّر هذا فقد أفسد.
* * *
(٨٦) - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: ما يبقيْهِ اللَّهُ تعالى لكم بعدَ إيفائِكُم حقوقَ النَّاس بالقِسْط في الكيل والوزن أحمدُ عاقبةً، وأكثرُ بركةً ممَّا تبقونه لأنفسِكُم مِن فضلِ الخيانة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قيل: هو متَّصل بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا. . . وَلَا تَبْخَسُوا. . . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
[ ٨ / ٢٥٢ ]
فيحتملُ أنَّهم كانوا يقرُّون بأنَّ اللَّهَ تعالى خالقُهم ومالكُهم، كما قالَ في حقِّ مشركي العرب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، والإقرار بالألوهيَّة للَّه يوجب طاعتَه فيما أمرَ ونهى.
ويحتمل أنَّه متَّصل بقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: هي خيرٌ لكم؛ إنْ صدَّقتموني فيه وعملْتُم به حصلَ لكم هذا الخيرُ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنَّ ما (^١) أبقى اللَّهُ لكم مِن الثَّواب في الآخرة خيرٌ لكم مِن الأموال في الدُّنيا.
وقيل: طاعةُ اللَّهِ الَّتي يبقَى ثوابُها خيرٌ لكم مِن هذا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: قال: إنِّي لسْتُ أشهدُ بياعاتكم حتَّى أعلمَ ببخسِكُم، وإنَّما أعرفُ ذلك بإخبارِ اللَّهِ تعالى، وفيه إثباتُ رسالِته.
وقيل: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: بمسلَّطٍ عليكم أجبركم على هذا، وإنَّما أنا مبلِّغٌ منذِرٌ.
وقيل: وما أنا بمأمورٍ بحفظِكُم فأُؤاخَذَ بفعلِكُم.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾: قيل: كان شعيبٌ صلوات اللَّه عليه يصلِّي الصَّلوات،
_________________
(١) في جميع النسخ: "مما"، والمثبت من "تأويلات أهل السنة".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٦٨).
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وكانوا يقولون له: ما تستفيدُ بهذا؟ فكان يقول: إنَّها تأمر بالمحاسِنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّف اللَّهُ تعالى عبادَه بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه الاستهزاء به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾؛ أي: تأمرُنا بترْكِ عبادةِ ما كان يعبدُ آباؤنا، وأنْ نتركَ التَّبسُّط في أموالنا بما نشاءُ مِن إيفاءٍ ونَقْصٍ؟
وقيل: أدينُكَ (^١) يأمرُكَ بهذا؟ وسُمِّي الدِّين بها (^٢) لأنَّها أعظمُ شرائعِ الدِّين، وما خلَتْ عنها شريعةُ أحدٍ مِن المرسَلِيْن.
وقيل: كانوا يكسرونَ الدَّراهم الصَّحيحة، فكان تبايعُهم بالمكسور عددًا، وبالصِّحاح وزنًا (^٣)، فيقعُ البَخْسُ بهذا.
وقيل: كانوا يقطعون أطرافَها، فيستفضلون القُرَاضات، ويتبايعون بالباقي على أنَّه درهمٌ تامٌّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾؛ أي: السَّفيه الضَّالُّ، وهذه التَّسمية على القَلْبِ على وجْهِ الاستهزاء؛ كما يُقال للحبشيِّ: أبو البيضاء، وهو كقولِ خزنة جهنَّم لأبي جهلٍ لعنه اللَّه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال الشَّاعر:
فَقُلْتُ لسيِّدنا يا حليـ مٌ إنَّكَ لم تأسُ أسوًا رَفِيْقَا (^٤)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أربك".
(٢) في (ر) و(ف): "بهذا".
(٣) في (ر): "بالمكسور عددًا والصحاح وزنا".
(٤) البيت لشييم بن خويلد. انظر: "الحيوان" (٣/ ٨٢)، و"البيان والتبيين" (ص: ١٠٧)، و"لسان العرب" (مادة: خفق). ودون نسبة في "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١١٨)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٢٥٨).
[ ٨ / ٢٥٤ ]
وقيل: معناه: إنَّك عندَنا حليمٌ رشيدٌ، ولسْتَ تفعلُ بنا ما يقتضيه حالُك، فتسفِّهُنا وتمنعُنا عمَّا كان عليه آباؤنا العقلاء، وهذا ليس بفعل الحليم الرَّشيد، وهو كقول قوم صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود: ٦٢].
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: أي: على حجَّة وبيان في التَّوحيد والصَّلوات.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: أي: أعطاني ذلك مِن عنده عطاءً حسنًا.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أي: أخالفَكُم في تركِ ما أمرتُكُم به ميلًا إلى فعلِ ما أنهاكُمْ عنه، بل لا آمرُكُم بشيءٍ إلَّا عملْتُ به، ولا أنهاكم عن شيءٍ إلَّا انتهيْتُ عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: أي: ما أُريدُ إلَّا الإصلاحَ في الأرض ما قدرْتُ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أثبتَ الإرادةَ والفعلَ مِن نفسِه، والتَّوفيق مِن ربِّه، وهو الجمعُ بينَ الطَّاعة والاستطاعة، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو خلافُ قولِ القدريَّة والجبريَّة.
[ ٨ / ٢٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: عليه اعتمدْتُ لَمَّا كان (^١) لا يَتمُّ شيءٌ إلَّا بتوفيقِه، وأُنيبُ إليه في المستقبلِ؛ أي: أرجعُ إليه في تمام ما أَنويه.
وجوابُ هذا الكلامِ محذوفٌ؛ أي: أتسفِّهونني على ذلك كلِّه وتشاقُّونني عليه؟ وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
وقيل: الجواب على هذا التَّقدير: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أفأعدِلُ عن عبادِتِهِ مع هذه الحالةِ الدَّاعيةِ إليها الموجبةِ لها.
وقيل: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ أي: نبوَّة.
وقيل: توفيقًا للأعمال الصالحة.
وقيل: أي: كفايةً في المعاش، وهو كما مرَّ.
﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ومعناه: إنْ كنْتُ على بيانٍ أهتدي به إلى أمور الدِّين، وكفافٍ أُصلحُ به أمور الدُّنيا؛ فأنا مستغنٍ عن أموالِكُم، فلا آمركُم بالإيفاءِ ولا أنهاكم عن البَخْسِ طمعًا في مالِكُم، بل إرشادًا لكم إلى إصلاحِكُم.
وقال الإمام القشيري ﵀: الرزق الحسن: ما كُفي صاحبُه كدَّ طلبِه، ولم يُصِبْه نَصَبٌ بسببِهِ.
ويقال: الرِّزق الحسن: ما وُجِدَ غيرَ مرتقَبٍ (^٢) ولا محتسَبٍ ولا مكتسَبٍ (^٣).
_________________
(١) "لما كان" من (أ).
(٢) في (ف): "ما وجد من غير تعب" وفي (ر): "ما وجد عن غير مرتقب".
(٣) "ولا مكتسب" ليس في (أ). وهذه الألفاظ لم ترد في "اللطائف".
[ ٨ / ٢٥٦ ]
ويقال: الرِّزق الحسن: ما يستوفيه شهودُ الأرزاق (^١)، ويجبُ طلبُه عنِ المنعِم بوجودِ الإرفاقِ (^٢).
وقال في التَّوكل: هو تركُ التَّدبير لشهود التَّقدير، والثِّقة بالموعود عندَ عدم الموجود، ويتبيَّنُ ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسبابِ.
وقيل: هو السُّكون والثِّقة بالمضمون.
ويقال: سكونُ القلبِ بمضمونِ الرَّب (^٣).
* * *
(٨٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾: قال الحسنُ وقتادةُ: أي: لا يحملنَّكُم (^٤).
وقال الزَّجَّاج: أي: لا يكسبنَّكم شقاقي؛ أي: معاداتي ومخالفتي (^٥).
وقد شاقَّه مشاقَّة؛ أي: صار في شقٍّ، وخصمُهُ في شقٍّ.
_________________
(١) في (أ): "الرزاق".
(٢) العبارة في "اللطائف": (ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود الرّزّاق. ويقال: الرزق الحسن ما لا ينسى الرزّاق، ويحمل صاحبه على التوسعة والإنفاق).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٤) ذكره عنهما الماوردي في "تفسيره" (٢/ ٤٩٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٧٤)، عن قتادة.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٧٤).
[ ٨ / ٢٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾: أي: لا يحملنَّكم ذلك أنْ تُصِرُّوا على الكفرِ، فيصيبَكُم مثلُ ما أصابهم.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: أي: لم يبعدِ العهدُ بما جَرَى عليهم.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ذكَّرَهم حالَ هذهِ الأمم؛ لأنَّهم كانوا يقلِّدون آباءَهم، فيقول: فعلوا ذلك لكن أصابَهم ما أصابَهم، فاجتنِبوا ذلك.
ويقول أيضًا: إنْ قلَّدْتُم الَّذين عبدوا الأوثان فهلكوا، فهلَّا تقلِّدون الَّذين لم يعبدوها فنَجَوا (^١).
* * *
(٩٠) - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: قد فسَّرناه في هذه السُّورة مرارًا.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بمن استغفرَه وتابَ إليه ﴿وَدُودٌ﴾ مِن الوُدِّ؛ وهو الحُبُّ، ويجوزُ أن يكون بمعنى الوادِّ، ويجوز أن يكون بمعنى المودود، فإنَّ الفَعول (^٢) يصلح لهما.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٧٣).
(٢) في (أ): "الفعل"، وفي (ر) و(ف): "المفعول". والصواب المثبت. قال الزجاجي في "تفسير أسماء اللَّه الحسنى" (ص: ٥٢): (الوَدُود يجوز أن يكون فَعولًا بمعنى فاعل ويجوز أن يكون فَعولًا بِمَعْنى مفعول). ومن العلماء من جمع المعنيين معًا، قال ابن القيم في "التبيان في أيمان القرآن" (ص: ١٤٦): (والتحقيقُ: أنَّ اللفظ يدلُّ على الأمرين؛ على كونه وادًّا لأوليائه، مودُودًا لهم، فأحدهما بالوَضْع، والآخر باللزوم. فهو الحبيبُ المُحِبُّ لأوليائه، يحبُّهم ويحبُّونه). وقوله: (فأحدهما بالوَضْع، والآخر باللزوم)، شرحه في قول الزجاجي: (واللَّه تعالى وصف نَفسه في مَوَاضِع بأنَّه يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ إلا وهو أيضًا مَحْبُوب مودود عند أوليائه).
[ ٨ / ٢٥٨ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: حُقَّ أن يُوَدَّ؛ إذْ منه كلُّ إحسانٍ، والنَّاس جُبِلُوا على حبِّ مَنْ أحسنَ إليهم.
ويجوز: ودودٌ لِمَنْ توسَّل إليه (^١).
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾: أي: لا نفهمُ لأنَّك تُحِيْلُنا على أمورٍ غائبةٍ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال الحسنُ: أي: مَهينًا (^٢).
وقال سفيانُ: أي: ضعيفَ البصر (^٣).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ وقتادةُ: أي: أعمى (^٤).
وقيل: أي: ضعيف البدن.
وقيل: أي: لا مالَ لك ولا أعوان، فلا تقدِر أنْ تحملَنا (^٥) على مرادِكَ، ولا تُمنع عنَّا إن قصدْناكَ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٧٤).
(٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١١/ ٢٠٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٥٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٥٢) عن سعيد بن جبير، وذكره الواحدي في "تفسيره" (١١/ ٥٣٤) عن قتادة.
(٥) في (ر): "تحيلنا".
[ ٨ / ٢٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾: أي: عشيرتُكَ، وهم على دينِنا.
﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: قيل: لرمَيْناكَ بالحجارةِ، وقيل: لسبَبْناكَ، وقيل: لقتلْناكَ.
وقيل: لطردْناكَ؛ كقولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨]، وهو مِن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وهو طردُهم وإبعادُهم عن الاستماعِ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: أي: في نفسِكَ، وإنَّما نُعِزُّ (^١) رَهْطَكَ، ونكرَهُ إبخاسَهُمْ فيك.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أكرمُ عندَكم وأعزُّ مِنَ اللَّهِ الَّذي بعثني إليكم، وألزَمَكُم إعزازي والانقيادَ لي؟ استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: أي: جعلْتُم أمرَ اللَّهِ ظهرًا (^٢)؛ أي: تستخفُّون به فلا تسمعون مواعظَه، وتكذِّبون بآياتِه، ولا تأتمرون بأمرِه، وتعبدونَ غيرَه.
تقول العربُ: جعلْتَ حاجتي وراءَ ظهرِكَ، وفي ضدِّه: جعلْتَ حاجتي نُصْبَ عَيْنِكَ، وأمامَ وجهِكَ. ومجازُه: جعلَه حيثُ لا يراه، فيسهو عنه وينساه.
والظَّهريُّ منسوبٌ إلى الظَّهر، كالدُّهريِّ -بالضَّم- منسوب إلى الدَّهر، والسُّهليِّ -بالضَّم- منسوب إلى السَّهل، وتغييرُ الحركاتِ في النِّسبة كثير.
_________________
(١) في (أ): "نعزز".
(٢) في (أ): "ظهريًا"، وفي (ر): "ظهيرًا".
[ ٨ / ٢٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يعني: عالم بالكليَّة، يجازيكم عليها.
* * *
(٩٣) - ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾: أي: اثبُتوا على ما أنتم عليه، فإنِّي عاملٌ على مكانتي؛ أي: منكم العصيان، ومنِّي الإبلاغ، وهو صيغةُ أمرٍ معناه التَّهديد.
وقيل: أي: اعملوا فقد مُكِّنْتُم في الدُّنيا من العمل.
وقيل: أي: على تمكُّنٍ منكم مِن عملِكم وتثبُّت فيه؛ كما قالَ نوحٌ صلوات اللَّه عليه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾: وفي قصَّة نوحٍ ﵇: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٣٩]؛ ليتَّصلَ بالفاء فيصيرَ كالجواب، وها هنا بحذفها، وهو استئناف؛ أي: سوف تعلمون الَّذي يأتيه عذابٌ يفضحُه، والَّذي هو كاذب.
وقوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: أي: وانتظروا ما يكون مِن حكمِ اللَّهِ تعالى بيني وبينَكم، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظِرٌ مراقبٌ لكم.
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
[ ٨ / ٢٦١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات مرَّات.
وقال ها هنا: ﴿وَأَخَذَتِ﴾ على تأنيث اللَّفظ، وقال في قصَّة صالح ﵇ على تذكير المعنى، فإنَّه في معنى الصياح، ومرَّ سياق القصَّة في (سورة الأعراف).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: سوفَ تعلمون في العاقبة مَن يأتيه منَّا عذابٌ يخزيه، نحن أو أنتم؟ وتعلمون أيضًا مَنِ الكاذب منَّا، نحن أو أنتم؟ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الفريقَيْن يدَّعي على الفريق الآخر الكذبَ، فارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، وارتقبوا لِمَن العاقبةُ منَّا، لنا أو لكم.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: هلَكَ كلُّ واحدٍ مِن الفريقَيْنِ بالصَّيحةِ.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: لم يُعذَّب بعذابٍ واحدٍ إلَّا قومان؛ قومُ شعيب، وقومُ صالح، فأمَّا قومُ صالح فأخذتهم الصَّيحةُ مِن تحتِهم، وقومُ شعيبٍ مِن فوقِهم، فنشأَتْ لهم سحابةٌ فيها عذابُهم فلم يعلموا، كهيئة الظُّلَّة فيها ريحٌ، فلمَّا رأَوْها أتَوْها يستظلُّون تحتَها مِن حرِّ الشَّمس، فسالَ عليهم العذابُ مِن فوقِهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] (^١).
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: الآياتُ والسُّلطانُ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٦/ ١٧٧).
[ ٨ / ٢٦٢ ]
واحدٌ عندَ بعضِهم، وهو المعجزات، لكن كُرِّرَ لاختلافِ الصِّفتَيْن؛ لأنَّها سمِّيَتْ آياتٍ مِن جهة العبرة العظيمة، وسمِّيت سلطانًا من جهةِ القوَّة العظيمة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أن تكون الآيات هي الأوامرَ والنَّواهيَ، والسُّلطان: هو البراهين (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الآيات: هي المعجزات الباهرة، والسُّلطان المبين: استيلاؤه على قلبِ مَن رآه (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، لم يرَهُ أحد إلَّا أحبَّه، ولم يأخذْهُ في اللَّه فشلٌ ولا ضعفٌ، لطمَ وجهَ فرعون وهو رضيعٌ، ووكزَ القِبطيَّ حتى أتى عليه، وأخذَ برأس أخيه يجرُّه إليه، وقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ولم يعاتبْه اللَّهُ تعالى في شيءٍ من ذلك، بل تجاوز عنه لِمَا أعطاه مِن السُّلطان والقوَّة (^٣).
* * *
(٩٧) - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أي: الأشراف مِن قومِه، والإرسال إليه يكون إرسالًا إلى العامَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: في كلِّ ما أمرَ به ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾؛ أي: بمؤدٍّ إلى الحقِّ والصَّواب.
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٧٨).
(٢) في (ر): "أحبه"، وفي (ف): "خص به".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٥٥).
[ ٨ / ٢٦٣ ]
(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يتقدَّمهم، فيكون قُدَّامهم وهم خلفَه؛ لأنَّهم رضُوا بأن يكون قائدَهم في الدُّنيا إلى خلافِ ما دعا إليه موسى.
﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: أي: يوردُهم إيَّاها، وذُكِرَ بصيغة الماضي إلحاقًا بالكائن المتحقِّق؛ لأنَّه يكون لا محالةَ.
والإيرادُ: الإدخالُ.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: ما في القرآنِ مِن الورودِ في ذِكْرِ جهنَّم، فهو الدُّخول فيها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، واللَّهِ لَيَرِدَنَّها كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: أي: المُدْخَل (^٢) المَدْخُول.
* * *
(٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: وأتبعَهم اللَّهُ ما أنزلَ بهم (^٣) مِن العذاب لعنًا لهم في الدُّنيا، ويوم القيامة يُلعَنون أيضًا في النَّار وقبل
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٥٢)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٦٣).
(٢) في (أ): "الداخل".
(٣) في (ر): "ما يُرْدِيهم".
[ ٨ / ٢٦٤ ]
دخولها، وهو لعنُ الخلائقِ إيَّاهم في الدُّنيا وفي الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقيل: هو الطَّرد في الآخرة عن الرَّحمة، فلم يُرحَموا لا في عذاب الدُّنيا ولا في عذاب الآخرة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو الطَّرد في الدُّنيا عن الإيمان، وفي الآخرة عن الجِنان (^١).
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ هو في اللُّغة لمعنيَيْن؛ الرِّفد: العَوْن، والرِّفد: العطاء، وجعلَه بمقابلةِ ما لأهل الجنَّة مِن المعونة والعطيَّة، كما ذكر البشارة بالنَّار في حقِّ الكفَّار بمقابلة بشارة المؤمنين بالمسارِّ والمبارِّ.
* * *
(١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾: أي: ذلك النَّبأ، وهو الخبر العظيم ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾؛ أي: نخبرُك بأمورِها نُتبعُ بعضَها بعضًا، وهي القُرى الَّتي سكنَها الأمم الخالية، منها ما هو الآن عامرٌ قد بادَ أهلُه وخلَفَهُم غيرُهم ككفار فرعون (^٢)، ومنها ما هو حصيدٌ؛ أي: مستأصَلٌ خراب؛ كقُرَى قومِ لوطٍ ونحوها.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿قَائِمٌ﴾: يُرَى له أثرٌ، و﴿وَحَصِيدٌ﴾: لا يُرى له أثرٌ (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٥٦).
(٢) في (ف): "كفار" بدل من "ككفار فرعون".
(٣) رواه هكذا الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٦٧) عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٦٧)، =
[ ٨ / ٢٦٥ ]
وقال مجاهد: ﴿قَائِمٌ﴾؛ أي: خاوية على عروشها، و﴿وَحَصِيدٌ﴾: مستأصَل (^١).
وقال قتادة: ﴿قَائِمٌ﴾: لم يذهب أصلًا، و﴿وَحَصِيدٌ﴾: قد ذهب أصلًا (^٢).
وقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾: جدرانها وحيطانها، ومنها ﴿حصيد﴾: ساقط (^٣).
* * *
(١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: ما عذَّبناهم بغيرِ ذنبٍ، ولكن ظلموا أنفسَهم بالشِّرك وتكذيب الرُّسل.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾: أي: فما نفعَتْهم، ولا دفعَتْ عنهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: أصنامهم الَّتي اعتقدوها آلهةً معبودة.
﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: أي: العذابُ الَّذي أمَر به.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: قال مجاهد وقتادة: أي: غيرَ تخسيرٍ (^٤).
_________________
(١) = وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨٢) عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "القائم: قرى عامرة. والحصيد: قرى خامدة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٨).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٤) روى أوله ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨٢).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٧٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨٣).
[ ٨ / ٢٦٦ ]
وقيل: أي: غيرَ هلاك (^١)؛ أي: ما زادَتْهم الأصنام إلَّا الخسار والهلاك؛ لأنَّ عبادتهم إيَّاها أفضَتْ بهم إلى ذلك.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: أي: وكما أخذنا هذه القرى الَّتي سمَّيناها -أي: أهلَها- نأخذ أهلَ سائرِ القرى إذا ظلموا بالشِّرك.
* * *
(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: أي: فيما فعلْنا بهم وأخبرْنا عنهم عبرةٌ لِمَن اتَّقى وخشيَ عقوبةَ العُقبى.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾: أي: يُجمَع فيه النَّاس، وَحَّدَ النَّعتَ للتَّقدُّم كما يُوحَّد الفعل، والمراد: جمعَ النَّاس وغيرهم فيه من الملائكة والجنِّ والشَّياطين والحيوانات، لكن خصَّ النَّاس بالذِّكر لأنَّهم المقصودون بالجمع.
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾: أي: يشهدُه أهلُ السَّماوات وأهل الأرضين.
* * *
_________________
(١) في (ف): "إهلاك".
[ ٨ / ٢٦٧ ]
(١٠٤ - ١٠٥) - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: أي: وما نؤخِّر هذا اليومَ إلَّا لأجلٍ معلومِ العدد عندنا؛ لأنَّه لا يتقدَّم ولا يتأخَّر.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾: قرأ عاصمٌ وابن عامر وحمزةُ بغيرِ ياءٍ في الوصل والوقف اتِّباعًا لخطِّ المصحف، وهو لغةُ هُذيل، يقولون: لا أدرِ، وقرأ الباقون بالياء في الوصل، والحذفِ في الوقف، إلَّا ابنَ كثير فإنه يقف بالياء أيضًا (^١).
ونصبُهُ بإضمار: وذكِّرهم ﴿يَوْمَ﴾ وهو مضاف إلى ﴿يَأْتِ﴾ وهي إضافةٌ غير محضة؛ لأنَّه إلى فعلٍ لا إلى اسم (^٢)، وإنَّما جازَ لأنَّ اليوم اسم زمان، والزَّمان مع الفعل يتناسبان مِن حيثُ إنَّ الفعلَ لا ينفكُّ عنه، ويتصرَّف (^٣) بتصرُّفه، ولا يكون موجودًا إلَّا وقتًا واحدًا كالزَّمان لا يبقى.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: أي: لا تتكلَّم، حُذِفَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ أي: لا يشفعُ أحدٌ لأحدٍ إلَّا بإذنِ اللَّهِ تعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والهاء في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ترجعُ إلى اللَّهِ تعالى؛ كما في قوله: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ [هود: ١٠٣]، وقد ذكر قبلَه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢].
وقيل: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ يرجعُ إلى اليوم؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧).
(٢) في (ر) و(ف): "الفعل لا إلى الاسم".
(٣) في (ف): "ولا ينصرف".
[ ٨ / ٢٦٨ ]
الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، لكنَّ الجمعَ إلى اللَّهِ تعالى، فكان قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ راجعًا إلى ذلك المدلول.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾: أي: فممَّن يُشهَدُ ويُجمَعُ له شقيٌّ ومنهم سعيدٌ، وحُذِفَ تكرار (منهم) اختصارًا؛ كما في قولك: بينَ فلان وفلانٍ عداوةٌ.
* * *
(١٠٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾: كلمةُ (أمَّا) لتمييزِ نوعٍ مِن نوعٍ، أو شخصٍ مِن شخصٍ.
﴿فَفِي النَّارِ﴾؛ أي: مأواهُم النَّار ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: قال الكلبيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: الشَّهيق: أوَّلُ صوتِ الحمار، والزَّفيرُ آخرُه (^١).
وقال الضحَّاك: الزَّفير: حين ينهق، والشهيق: حين يفرغ من نهيقه (^٢).
وقال مقاتل: الزَّفيرُ: أوَّلُ نهيق الحمار، والشَّهيقُ: آخرُه (^٣).
وقال أبو العالية: الزَّفير: في الحلق، والشَّهيق: في الصَّدر (^٤).
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٧١) لكن على العكس بين الزفير والشهيق، ولفظه قريب مما سيأتي عن الضحاك.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٩) عن الضحاك ومقاتل بلفظ مطابق لما سيأتي عن مقاتل.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٩٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٧٧).
[ ٨ / ٢٦٩ ]
وقال الخليل: الزَّفير: إخراج النَّفَس، والشَّهيق: ردُّ النَّفَس (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄ في روايةٍ: الزفير: صوت شديد، والشهيق: صوت ضعيف (^٢).
وقيل: الزَّفير: النَّفَسُ العالي للتَّحسُّر على الشَّيء الَّذي فات، والشَّهيقُ: كأنَّه أعلى في النَّفَس من الزَّفَير.
وقيل: الزَّفيرُ: ترديدُ النَّفَس مع الصَّوتِ مِنَ الحزن حتَّى تنتفخ الضُّلوع، وزفرَتِ النَّار: إذا سُمِعَ لها صوتٌ في شدَّة توقّدها، والشَّهيق: الصَّوتُ الفظيع يخرجُ مِن الجوف بمدِّ النَّفَس، وأصلُه الطُّولُ المفْرِط، مِن قولهم: جبلٌ شاهق؛ أي: ممتَدٌّ (^٣) طولًا.
وقيل: ذلك إذا قيل لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فصاروا لا يتكلَّمون، ولم يبقَ لهم إلَّا أصواتٌ منكَرة لا حروفَ معها.
* * *
(١٠٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ﴿خَالِدِينَ﴾ نَصبٌ على الحال مِن فعلِ الزَّفير.
قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: كلمةٌ تُذْكَر (^٤) للتَّأبيد؛ كقولك (^٥): لا أكلِّمك
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل "باب الهاء والقاف والشين" (٣/ ٣٦١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٧٧).
(٣) في (ف): "ممتنع".
(٤) في (ر) و(ف): "كله يذكر".
(٥) في (أ) و(ف): "كما يقال".
[ ٨ / ٢٧٠ ]
ما حنَّتِ النِّيْبُ (^١)، وما أطَّتْ (^٢) الإبل، وما أورق الشَّجر، وما أينع الثَّمرُ، وما جنَّ ليلٌ، وما سالَ سيلٌ، وما طرَقَ طارقٌ، وما نطَقَ ناطقٌ.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: قيل: الاستثناءُ يرجعُ إلى الموحِّدين منهم؛ لأنَّ الأشقياءَ صنفان (^٣)؛ كفَّار مخلَّدون فيها، وموحِّدون مذنبون مُخرَجون (^٤) منها بعدَ مدَّة.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي: مَن كان منهم مِن أهل القِبلَةِ، فإذا أرادَ اللَّهُ تعالى أخرجَهم (^٥).
وقال قتادة: إنَّ قومًا يصيبُهم سَفْعٌ مِن نارٍ بذنوبٍ اقترفوها، ثمَّ يخرجهم اللَّه تعالى منها (^٦).
وقال ابن كيسان: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في الفريقَيْن مِن تعميرِهم في الدُّنيا قبلَ مصيرِهم إلى الجنَّة والنَّار (^٧).
وقال الزَّجَّاجُ: في هذه الآية أربعةُ أقوال؛ قولان لأهل اللُّغة الكوفيِّين والبصريِّين، وقولان لأهل المعاني، فأمَّا أحد قولَي أهل اللُّغة:
فهو أنَّ ﴿إِلَّا﴾ هاهنا بمعنى: سوى؛ كما يُقال في الكلام: ما كان معنا رجلٌ إلَّا
_________________
(١) النيب: جمع ناب، وهي المسنَّة من النُّوق. انظر: "الصحاح" (مادة: نيب).
(٢) الأطيط: هو صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها. انظر: "الصحاح" (مادة: أطط).
(٣) في (ر) و(ف): "لأن الأشقياء صنفين"، وفي (أ): "كان الأشقياء صنفين".
(٤) في (أ) و(ف): "يخلدون. . . يخرجون".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٩).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٩٨)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٧٩).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٠)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥٥٩).
[ ٨ / ٢٧١ ]
زيدٌ، و: لي عليك ألفُ درهم إلَّا الألفان التي عليكَ لي (^١)، فيكون معناه على هذا: ما دامَتِ السَّماوات والأرض سوى (^٢) ما شاءَ ربُّك من الخلود فيها أبد الآبدين، حتى لا يخرجوا منها قط ما دامت عليها أضعاف مدة السماوات والأرض إلى ما لا تنقطع فيه الأوهام (^٣).
والثَّاني: الاستثناءُ مِن الإخراج مع أنَّه لا يريدُ أنْ يخرجَهم: أنَّه لو شاء أنْ يخرجَهم لأخرجَهم، ولكنَّه حكم أنَّهم خالدون فيها، ولا تبديل لحكمه.
وأما القولان لأهل المعاني:
فأحدهما: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن مقدارِ توقيفِهم على رؤوسِ قبورِهم للمحاسبة.
والثَّاني: وقع الاستثناء على الزِّيادة في النَّعيم والعذاب، وتقديرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن زيادة النَّعيم وزيادة العذاب (^٤).
_________________
(١) قوله: "لي عليك ألفُ درهم إلَّا الألفان التي عليك لي" كذا جاءت العبارة في النسخ، ولفظ الزجاج: (لك عندي ألف درهم سوى الألفين -وإلا الألفين- اللذين لك عِنْدِي)، والمعنى من حيث الاستدلال متقارب.
(٢) في (أ): "إلا".
(٣) قوله: "من الخلود فيها أبد الَابدين. . . " إلى هنا وقع بدلًا منه في (أ): "من مقدار توقيفهم على رؤوس قبورهم للمحاسبة"، ولعله سهو من الناسخ أو سبق نظر، فإن هذه العبارة ستأتي في مكانها. أما عبارة الزجاج فقد جاءت مختصرة مفيدة للمعنى دون كل هذه الإطالة حيث قال: (سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة). وكذا نقل عنه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٠)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥٦١) ولفظه: (سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٧٩ - ٨٠). ولعل أحسن الأقوال هو الأول؛ أي: (سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة)، ليتوافق مع قسيمه الآتي في أهل الجنة، فإنه هناك لا شك أنه للزيادة، لا =
[ ٨ / ٢٧٢ ]
وقيل: الاستثناء واقعٌ من العذاب المذكور في الآية، وهو الزَّفير والشَّهيق؛ أي: لهم فيها زفيرٌ وشهيقٌ مدَّة (^١) السماوات والأرض إلَّا ما شاءَ ربُّك مِن نقلِهم من هذا إلى نوعٍ آخر مِن العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: أي: حكمه ماضٍ في الفريقَيْن على ما يريدُه، لا اعتراضَ لأحدٍ عليه في حكمِه.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بضمِّ السين، والباقون بفتحها (^٢).
وسَعِدَ يَسْعَدُ سَعادَةً لازمٌ مِن حدِّ (علم)، وسَعَدَهُ يَسْعَدُهُ متعدِّ مِن حدِّ (صنع).
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: هو على ما فسَّرناه في الآية الأولى.
وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: أي: غير مقطوعٍ (^٣)، وقد جَذَّ جَذًّا؛ أي: قطع، وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]؛ أي: قِطعًا؛ أي: أعطاهم الجنَّة عطاءً غيرَ مقطوعٍ، ودلَّ (^٤) أنَّ الاستثناء ليس للنُّقصان، فكان للزِّيادة.
_________________
(١) = للنقصان عن مدة دوام السماوات والأرض، ولا لعدم الزيادة على تلك المدة.
(٢) في (ف): "ما دامت".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٦).
(٤) في (ر) و(ف): "منقطع".
(٥) في (ر) و(ف): "وذلك".
[ ٨ / ٢٧٣ ]
(١٠٩) - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: لا تكُ في شكٍّ فيما يعبدُ هؤلاء المشركون مِن دون اللَّه أنَّه باطل، فإنَّهم ما يعبدون إلَّا كما يعبدُ آباؤُهم مِن قبلُ؛ تشبُّهًا بهم، وإبقاءً لعادتهم، لا بحجَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أي: أنصباءهم، ووحَّد لأنَّه جنسٌ فيصلُح للجمع (^١)؛ أي: من العذاب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ مِن قَدْرِ استحقاقِهم.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: نصيبَهم مِن خيرٍ أو شرٍّ (^٢).
والخطابُ للنَّبيِّ -ﷺ-، والمرادُ به الأُمَّة.
* * *
(١١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أي: في الكتاب؛ وهو التَّوراة، واختلاف قومه فيه كان من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه آمن به بعضُهم، وكفرَ بعضٌ.
والثَّاني: أنهم زادوا فيه ونقصوا منه، وهو ما ذكر من التَّحريف.
والثَّالث: في تأويله على ما أحبُّوه، وتقريرُه على مقتضاه.
_________________
(١) في (ف): "للواحد والجمع".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨٩).
[ ٨ / ٢٧٤ ]
وهذا تسليةٌ للنَّبيِّ -ﷺ-، يقول: يا محمَّد؛ اختُلِفَ فيما أُنْزِلَ عليك (^١)، فلا يشقَّنَّ عليك، فقد اختُلِفَ فيما أُنْزِلَ على مَن قبلَكَ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: قولٌ سبقَ منه؛ لأنَّه لا يعاجلُهم بالعذاب، بل يمهلُهم إلى أنْ يبلغَ الكتابُ أجلَه.
وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: بالعذاب المستأصِل.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: ويحتمِل: ولولا أنَّه كان مِن حُكمِه أنَّهم إذا اختلفوا في الكتاب والدِّين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، أنْ يبعثَ رسولًا يبيِّنُ لهم الدِّين، ويدعوهم إلى الهدى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالهلاك (^٢).
ثمَّ قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يجوز أن يكون في كفَّار عصر رسول اللَّه -ﷺ-، ويحتمل أن يكون في قومِ موسى ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾: أي: مِن العذاب.
وقيل: من الدِّين؛ لأنَّهم يقلِّدون آباءهم.
و﴿مُرِيبٍ﴾: نعت ﴿شَكٍّ﴾، وهو الموجبُ اتِّهام الرَّأي فيه (^٣).
* * *
(١١١) - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ فيه أربع قراءات:
قرأ ابنُ كثير ونافع بتخفيفهما.
_________________
(١) في (ف): "إليك".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٩٠).
(٣) في (ف): "وهو المخيب اتهام الرأي فيهم".
[ ٨ / ٢٧٥ ]
وقرأ ابنُ عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديدهما (^١).
وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد ﴿إِنَّ﴾ وتخفيف ﴿لمَّا﴾.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بتخفيف ﴿إنْ﴾، وتشديد ﴿لمَّا﴾ (^٢).
أما تخفيفهما: فـ (إنْ) للتَّأكيد، وأصلُه التَّشديد، وخُفِّف للتَّفسير فبقي ناصبًا كما كان، و(لَمَا): الَّلامُ لامُ التَّأكيد، و(ما) صلةٌ زائدةٌ مؤكِّدة، و﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لام توكيد أيضًا، وهو جمغ بينَ تأكيدَيْنِ، وتقديرُه: وإنَّ كلًّا مِن الأممِ المتقدِّمة من المتَّفقين (^٣) والمختلفين في كتاب موسى وكتابك يوفِّيهم ربُّك يا محمَّد جزاءَ أعمالهم، والجزاءُ مُضْمَر.
وكذلك تأويلُ تشديدِ الأوَّل وتخفيف الثَّاني.
ويجوز على هاتَيْن القراءَتْين أنْ تكون ﴿لَمَا﴾ المخفَّفة لام ابتداء، و(ما) بمعنى الَّذي، ويكون نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢].
وأمَّا تشديدهما فـ ﴿إِنَّ﴾ للتَّأكيد، و﴿لمَّا﴾ بالتَّشديد له وجوهٌ:
منها: قول الفرَّاء: وهو أنَّ أصله: (لَمِنْ مَا) (^٤)، فاجتمعَتْ ثلاث ميمات، حتَّى أُدغِمَتْ
_________________
(١) في (ف): "بتشديهم".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٦).
(٣) "من المتفقين" من (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "صلة لمن ما"، وفي (أ): "أصله أن ما"، والصواب المثبت. و(مِن) على هذا القول هي الجارة، و(ما) هي الموصولة أو الموصوفة، وهي واقعة على مَن يعقل. هذا على قول الفراء، وذهب غيره منهم المهدوي إلى أن (مَن) هي الموصوفة أو الموصولة، و(ما) زائدة، ثم في كلا الوجهين صنع ما سيأتي من الحذف، قال هذا أبو حيان في "البحر" (١٢/ ٣٧٥) ثم تعقبه بقوله: =
[ ٨ / ٢٧٦ ]
ثمَّ خُفِّفَتْ، فصارَتْ (لَمَّا)، وتقديرُه: وإنَّ كلًّا مِن المتَّفقين والمختلفين لَمَّا ليوفيَنَّهم، وتكرار لام التَّوكيد في موضعَيْن (^١) على طريق قولهم: إنِّي لبحمدِ اللَّهِ لصالحٌ (^٢).
ومنها: قول الزَّجَّاج: (وإنَّ [كلًّا] لَمَّا) بمعنى جمعًا، مِن قولِكَ: لممْتُ الشَّيءَ ألُمُّه لَمًّا؛ أي: جمعتُه (^٣)، و(لَمَّا) على وزن فَعْلَى، بمعنى جمعًا فلم ينصرف؛ كما تقول: تَتْرَى، وتقديره: وإنَّ كلًّا جَمْعًا ليوفيَنَّهم.
وعليه قراءة الزهريِّ: (لَمًّا) بالتَّنوين (^٤).
ومنها: قول المازنيِّ: إنَّها في معنى: لَمَا (^٥) المخففة، شُدِّدَتْ للتَّأكيد (^٦).
وأمَّا تخفيف ﴿إنْ﴾ وتشديد ﴿لمَّا﴾: فـ (إنْ) للنَّفي؛ كما في قولِه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الطارق: ٤]، و﴿لَمَّا﴾ في معنى إلَّا؛ كقولك: سألتك لَمَّا فعلْتَ؛ بمعنى: إلَّا فعلْتَ، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ، وتقديرُه هاهنا: ما كلُّهم إلَّا ليوفينَّهم، وهو اختيار الزَّجَّاج (^٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: عالمٌ، وهو وعدٌ ووعيدٌ للفريقَيْن.
_________________
(١) = (وهذان الوجهان ضعيفان جدًّا. . .)، وانظر باقي كلامه ثمة.
(٢) في (أ): "موضعهم".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٩ - ٣٠).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨٢).
(٥) ذكرها الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٠)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٩٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٢). وهي قراءة شاذة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٦٦).
(٦) في (أ): "لما". وهي سقط من (ف).
(٧) ذكر الزجاج هذه القول ورده. انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨١)، وانظر: "البسيط" للواحدي (١١/ ٥٧٢).
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨١).
[ ٨ / ٢٧٧ ]
(١١٢) - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: أي: استقمْ على طاعةِ اللَّهِ ﷿ كما أُمِرْتَ به مِن التَّبليغ والإنذار والوعظ والصَّبر على ما قلِّدْتَه، قال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، فقوله: ﴿قَالُوا﴾ إقرارٌ، والاستقامةُ عليه أنْ يَجعلَ في نفسِه وجميع أمورِه الرُّبوبيَّةَ والألوهيَّة للَّهِ ﷻ، ويأتيَ ما يجبُ أنْ يُؤتَى، وينتهيَ عمَّا يجبُ أنْ ينتهيَ عنه، ويتَّبع أمرَه ونهيَه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: أي: وليَستقمْ مَن تابَ معَكَ (^٢) مِن الشِّركِ ورجعَ إلى اللَّهِ تعالى بأعمالِه مخلصًا بها على إيمانِهم وإخلاصِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: أي: لا يحملنَّكم إمهالُ اللَّهِ تعالى على مجاوزةِ أمرِهِ.
وقيل: لا تطغَوا في الاستقامةِ، فتخرجوا عن حدِّها بالزِّيادة على ما أُمرْتُم به فرضًا أو نفلًا.
وقيل: أي: لا تطغينَّكُم النِّعمة فتخرجوا عن الاستقامة، والطُّغيانُ: تجاوزُ المقدارِ في الفساد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يرى أعمالَكم، ويعلمُ أسرارَكُم، ويوفي جزاءَكُم.
قال ابن عبَّاس ﵄: ما نزلَتْ على رسول اللَّه -ﷺ- في جميعِ القرآنِ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٩١).
(٢) في (أ): "واستقم ومن تاب" وفي (ف): "واستقم مع من تاب" بدل: "وليستقم مَن تاب معك".
[ ٨ / ٢٧٨ ]
آيةٌ كانَتْ أشدَّ عليه ولا أشقَّ مِن هذه الآية. ولذلك قال لأصحابِه حين قالوا: قد أسرعَ الشَّيْبُ فيك يا رسولَ اللَّهِ، قال: "شيَّبتني هودٌ والواقعةُ وأخواتهما" (^١).
وقالت عائشةُ ﵂: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: على القرآن (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: الخطابُ له والمرادُ أُمَّتُهُ (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يحتمل أن تكون السِّين في (الاستقامة) سينَ الطَّلب؛ أي: سلْ مِن اللَّه تعالى الإقامةَ لكَ على الحقِّ.
ويحتمل أنْ يكونَ معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾: فأَقِمْ، يقال: استقام وأقام؛ كما يقال: استجاب وأجاب.
قال: ويقال: المستقيمُ: مَن لا ينصرفُ عن طريق اللَّه تعالى ما لم يصلْ إلى اللَّهِ تعالى، يَصِلُ سيرَهُ بِسُراه (^٤)، وورعَهُ بتقواه، ويبالغُ في تركِ هواه.
قال: ويقال: استقامةُ النُّفوس في نفي الزَّلَّة، واستقامةُ القلوبِ بنفي الغفلة، واستقامةُ الأرواحِ بنفي العلاقة، واستقامةُ الأسرار بنفي الملاحظة.
واستقامةُ العابدين: ألَّا يدَّخروا نفوسَهم عن العبادة، ولا يخلُّوا (^٥) بأدائِها، يقضون عسيرها (^٦) ويسيرها.
_________________
(١) ذكره بتمامه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٢)، وروى المرفوع منه الترمذي (٣٢٩٧) من حديث ابن عباس ﵄، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٩٩) عن سفيان.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٢)، والواحدي في "تفسيره" (١١/ ٥٧٦).
(٤) في المطبوع من "لطائف الإشارات": "بمسراه".
(٥) في النسخ: "يخلون"، والمثبت من "اللطائف".
(٦) في النسخ: "غيرها"، والمثبت من "اللطائف".
[ ٨ / ٢٧٩ ]
واستقامة الزَّاهدين: ألَّا يرجعوا إلى دنياهم، يتركون قليلَها وكثيرَها.
واستقامة التَّائبين: ألَّا يُلِمُّوا بعد التَّوبة بزلَّةٍ، فيدَعون صغيرَها وكبيرَها (^١).
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الرُّكون -مِن حدِّ (علم) - في اللغة: السُّكون إلى الشَّيء بالمحبَّة له والميل إليه.
قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لا تميلوا (^٢).
وقال أبو العالية: أي: لا ترضَوا بأعمالِهم (^٣).
وقال قتادة: أي: لا تلحقوا بالمشركين (^٤).
وقال ابن حيان: لا تسكنوا (^٥).
وقال السُّدِّيُّ: أي: لا تداهنوا (^٦).
وقال سفيان الثوريُّ (^٧): مَنْ لاقَ (^٨) لهم دواةً، أو برى لهم قلمًا، أو ناولَهم
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩٠).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٣) عن ابن كيسان.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٣)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥٧٧).
(٧) في (ف): "وقال السدي".
(٨) في النسخ "ألاق"، والصواب المثبت، لأن (لاق الدواة) أي: أصلح مدادها. انظر: "القاموس =
[ ٨ / ٢٨٠ ]
قرطاسًا يكتبون عليه، دخل في هذا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: وأعوانهم (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا تعملوا بأعمالهم، لا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف عليهم، لا تأخذوا شيئًا مِن حرامِ أموالهم، لا تمكِّنوهم مِن قلوبِكم، لا تخالطوهم، لا تعاشروهم؛ كلُّ ذلك محتملٌ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾: جوابُ النَّهي بالفاء فنُصِبَ لذلك ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وفي النظم تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ. . . ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا تُعانُون (^٣) بدفعِ العذابِ عنكم ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يتولَّونَكُم ويدفعون عنكم.
وقيل: هو مقرَّرٌ على نظمِه، ومعناه: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ولا أولياء لكم حينئذٍ يتولَّون (^٤) دفعَه عنكم ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
* * *
(١١٤) - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
_________________
(١) = المحيط" للفيروزأبادي (مادة: ليق)، أما (ألاق) فلا تستخدم لهذا المعنى. انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (مادة: ألق).
(٢) ذكره الإمام أحمد في "الورع" (ص: ٩٣)، وأبو طالب المكي في "قوت القلوب" (٢/ ٤٣٤)، ويروى مرفوعًا: رواه الإمام أحمد في "الورع" (ص: ٩٣) من حديث ابن مسعود ﵁. وذكره الديلمي في "الفردوس" من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦١).
(٤) في (ف): "تعاونوا".
(٥) في (أ) و(ف): "مولون".
[ ٨ / ٢٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: قال سعيدُ بن جُبيرٍ: الطَّرفان: الغَداة والعَشيُّ، فصلاةُ طَرفي الغَداة: صلاة الفجر، وطَرفي العشيِّ (^١): الظُّهر والعصر (^٢).
وفي الخبر: سها رسولُ اللَّهِ -ﷺ- في إحدَى صلاتَي العشيِّ؛ إمَّا الظهر وإمَّا العصر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: جمع زُلْفَةٍ؛ وهي المنزلة، وأراد بالزُّلفَةِ: ساعات اللَّيل؛ وهي كالمنازل والمراحل المزدلفة؛ أي: المقترنة (^٤)، وأرادَ بذلك صلاة المغرب والعشاء؛ قاله الحسن وقتادة (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابنُ عبَّاس والضحَّاك وقتادة والسُّدِّيُّ وعطاء والحسن: أي: الصَّلوات الخمس (^٦).
وروى عثمانُ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ-: "الصَّلوات الخمسُ الحسناتُ يذهبْنَ السَّيِّئات" (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وفي طرفي العشاء".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠٢) عن مجاهد ومحمد بن كعب القرظي.
(٣) رواه مسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ر) و(ف): "المقتربة".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦١٢ - ٦١٣) عن ابن عباس وابن مسعود والحسن والضحاك ومحمد بن كعب القرظي ومسروق.
(٧) روى نحوه الإمام أحمد في "المسند" (٥١٣)، والبزار في "مسنده" (٤٠٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٨١٧)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٣٢٣)، وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٤٨٥). ولفظ البيهقي والضياء أقرب إلى لفظ المصنف.
[ ٨ / ٢٨٢ ]
وروى أبو هريرة ﵁ عن النَّبي -ﷺ-: "الصَّلواتُ كفَّارةُ الخطايا، فاقرؤوا إنْ شئْتُم: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ " (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الصَّلواتُ نفسُها تكفِّر الخطايا، وقيل: يَذْكرُ ما ارتكبَ من الذُّنوب فيندمُ عليها، فذلك المكفِّر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾؛ أي: عظةٌ للمتَّعظين.
وقيل: النَّهي عن الرُّكون إلى الَّذين ظلموا، والأمر بإقامة الصَّلاة، عظةٌ للذَّاكرين اللَّهَ بقلوبِهم وألسنتهم، فهم يذكرون فضلَه وعدلَه وثوابَه وعقابَه، فيرجعون ويخشعون فيتَّعظون ويستقيمون.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَتِ الآيةُ في أبي اليَسَر عَمرو بن غَزِيَّة الأنصاريِّ (^٣)؛ وكان رجلًا يبيعُ التَّمر، فأتَتْهُ امرأةٌ تبتاعُ تمرًا، فراودَها عن نفسِها، ثمَّ ندم، وأتى النَّبيَّ -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه؛ إنِّي راودْتُ امرأةً عن نفسِها، ونلْتُ منها ما نالَ الرُّجلُ مِن امرأتِهِ إلَّا الجماع، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "انتظِرْ ما يأمرني فيه ربِّي"، فحضرَتْ صلاةُ العصر، فصلَّى النَّبيُّ -ﷺ- العصرَ، فلمَّا فرغ أتاه جبريلُ بهذه الآية،
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٩٠٧)، ومن طريقه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨١)، ورواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٨٩٨)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ١٠٤).
(٢) في (أ): "فذلك التكفير". وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٩٤)، وفيه: (فذلك يكفر).
(٣) قال ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ٥٥٣): انفرد الكلبي بتسميته غزيّة بن عمرو. ووردت القصة لنبهان التمار، ولأبي اليسر كعب بن عمرو. وأغرب الثعلبي في تفسيره، فسمى أبا اليسر عمرو بن غزيّة، كأنه رأى القصة وردت لهما، فظنه واحدًا، فإن كان ضبَطَه حُمل على أن عمرو بن غزية كان يكنى أبا اليسر أيضًا، فيستدرك على مصنّفي المشتبه، فإنّهم لم يذكروا من الصحابة إلا أبا اليسر كعب بن عمرو.
[ ٨ / ٢٨٣ ]
فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "أينَ أبو اليسر؟ " فقال: هذا يا رسول اللَّه، فقال: "أشَهِدْتَ معنا هذه الصَّلاة"، قال: نعم، قال: "فإنَّها كفَّارةٌ لِمَا عملتَ"، فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، أهذا له خاصَّة أم لنا عامَّة؟ قال: "بل لكم عامَّة" (^١).
وقال مقاتل: نزلَتْ في أبي مقبل عَمرو بن قيس التَّمَّار (^٢)، أتتْهُ امرأةٌ في السُّوق تريد التَّمر، فقال لها: إنَّ هذا التَّمر ليس بجيِّد، وفي البيت تمرٌ أجود مِن هذا، هل لكِ فيه؟ قالَتْ: نعم، فذهبَ بها إلى بيتِه، فقبَّلها وجعل يدورُ حولَها، والمرأة تقول له: اتَّقِ اللَّه، فتركها، وسُقط في يدِه، فأتى أبا بكر ﵁ فسألَ عن ذنبِه، فقال له أبو بكر ﵁: استرْ على نفسكَ وتبْ إلى اللَّه، فأتى عمرَ ﵁ فسألَه، فقال له كذلك، فأتى النَّبيَّ -ﷺ- فسأله، فأنزل اللَّه ﷻ هذه الآية (^٣).
_________________
(١) القصة بمجملها صحيحة، فقد روى نحوها البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣)، من حديث ابن مسعود ﵁. والبخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤) من حديث أنس ﵁. ومسلم (٢٧٦٥) من حديث أبي أمامة ﵁. وليس في الصحيحين تعيين صاحب القصة. وكذا رواه بنحوه دون تعيينٍ الإمامُ أحمد في "مسنده" (٢٢٠٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٩٣١)، من حديث ابن عباس ﵄. وسياقه قريب مما سيأتي عن مقاتل. ورواه الترمذي (٣١١٥) من حديث أبي اليسر قال: (أتتني امرأة تبتاع تمرًا. . .) فذكره، قال الترمذي: حسن غريب، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره. وقد وقع في صاحب القصة اختلاف قدمنا بعضًا منه عن "الإصابة"، ومما قيل في اسمه: كعبُ بنُ عمرٍو أبو اليَسَرِ، وقيل: إنَّه عمرُو بنُ غَزِيَّةَ بنِ عمرٍو الأنصاريُّ أبو حَبَّةَ التَّمَّارُ، وقيل: ابنُ مُعَتِّبٍ رجلٌ من الأنصارِ، وقيل: أبو مُقْبِلٍ عامرُ بن قيس الأنصاريُّ، وقيل: نبهانُ التمَّارُ، وقيل: عبَّادٌ. وقال الحافظ أيضًا في "الفتح" (٨/ ٣٥٧) بعد أن ذكر الاختلاف عليه: وأقوى الجميع أنه أبو اليسر.
(٢) في "تفسير مقاتل": "عمر بن قيس".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢). وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا =
[ ٨ / ٢٨٤ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحسناتُ: ما يجودُ به الحقُّ، والسَّيِّئات: ما يُذنِبُ به العبدُ.
وقيل: حسناتُ النَّدمِ يُذْهِبْنَ سيِّئات الجُرم.
وقيل: حسناتُ العِرفان يُذْهِبْنَ سيِّئات العصيان.
وقيل: حسناتُ العناية يُذْهِبْنَ سيِّئات الجناية (^١).
* * *
(١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قيل: واصبرْ على أمرِ اللَّهِ والصَّلاة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، فإنَّه إحسانٌ، ﴿اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقيل: واصبرْ على أداءِ ثِقلِ الرِّسالة، وعلى ما ينالك مِن الأذى بتبليغِها ولا تُكافِهم، فإنَّه إحسانٌ.
وقيل: اصبر على ترك (^٢) المعاصي، وأحسنِ الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المصلِّين (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الصَّبر: تجرُّعُ كاساتِ التَّقدير مِنْ غير تعبيس.
_________________
(١) = فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
(٢) في (ر): "الخيانة". وانظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦١).
(٣) في (أ) و(ف): "عن" بدل: "على ترك".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٤)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥٨٤).
[ ٨ / ٢٨٥ ]
وقيل: الصَّبر: حبس النَّفس على معانقةِ الأمرِ ومفارقةِ الزَّجر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: العالِمِين أنَّ الأجرَ على الصَّبر والطَّاعةِ بفضلِ اللَّهِ، لا بفعلِ العبدِ (^١).
* * *
(١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بيَّن أنَّه لم تُهْلَكِ القرونُ الَّتي ذَكَرَ قصصَها إلَّا بظلمِهم، فقال: فهلَّا كانَ مِن القرون الماضية ذو عقلٍ وتدبيرٍ وبقيَّةُ خير ينهون قومَهم عن الفسادِ في الأرض؛ وهو إظهارُ الكفرِ والمعاصي، والتَّظالمُ والفسادُ وسفكُ الدِّماء ونهبُ الأموال وانتهاكُ الحُرم؛ ليمتنِعوا عن ذلك كلِّه.
وتحقيقُ هذا التَّوبيخِ نفيُ وجودِ ذلك؛ أي: لم يكنْ (^٢) فيهم أولو بقيَّة يفعلون هذا إلَّا قليلًا منهم، ولم يقبلِ الباقون قولَهم، وهذا القليلُ هم المؤمنون بالأنبياء الذين قال اللَّه فيهم: (أَنْجَينا فلانًا والذين آمنوا معه) (^٣).
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦]؛ أي: نُعِّموا. والمترَفُ: المنعَّم، والتُّرْفة: النَّعمة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٢).
(٢) في (ر): "يوجد".
(٣) في (ف): "أنجيناه والذين آمنوا معه"، وفي (ر): "فأنجينا الذين أمنوا معه".
[ ٨ / ٢٨٦ ]
أي: إنَّ المتنَعِّمِيْنَ الذين نشؤوا في اللَّذات لم ينهوا عن الفسادِ، ولم ينتهوا بأنفسِهم، بل اتَّبعوا ما أُترِفوا فيه من الأموال والأحوال، وكانوا مجرمين مشركين مستكثِرين من المعاصي.
ودلَّت الآية أنَّ أكثر ما يميل إلى الكفر والباطل هم المترفون، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤].
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: أي: ليس مِن صفةِ ربِّك أنْ يُهلِكَ القرى ظالمًا؛ أي: بغير ذنبٍ منهم؛ أي: لم يهلِكْ أهلَ القرى الذي (^١) عُذِّب في هذه السُّورة وهو ظالم، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وقيل: قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بظلمٍ منهم؛ يعني: بشرك (^٢) اللَّه.
﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: فيما بينهم، لا يتظالمون.
ودلَّ أنَّ هذه القرى لو تكافَتْ عن الظُّلم لم يُهلَكوا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: المصلِحُ: مَن قامَ بحقِّ ربِّه دونَ حظِّ نفسه.
وقيل: المصلحُ: مَن اهتمَّ لنفسِه، فآثرَ نجاتَه على هلاكِه.
وقيل: هو المصلحُ قلبَه لمعرفةِ سيِّده، والمصلحُ سرَّه لمشاهدةِ سيِّده (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التي".
(٢) في (أ): "يعني شرك"، وفي (ر): "أي: بشرك".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٣).
[ ٨ / ٢٨٧ ]
(١١٨ - ١١٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: متَّفقةً على الإيمان والطَّاعات؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أي: ولكن شاءَ أن يكونوا مختلفِينَ لَمَّا علِمَ منهم اختيارَ ذلك، فلا يزالونَ مختلفينَ هكذا كما شاءَ، إلَّا مَن رحمَ اللَّهُ فعصمَه عن الاختلاف لمَّا علمَ منه اختيارَ الحقِّ، ووفَّقه للنَّظر والاستدلال فأدرك الحقَّ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: أي: لِمَا هم عليه مِنَ الاختلاف.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أي: مضى (^١) قولُ ربِّك فيهم بما علمَ منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وقال عكرمة ومجاهد: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: أهلَ الأهواء ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني: أهلَ السُّنَّة والجماعة (^٢).
وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: اليهودَ والنصارى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهم الحنيفيَّة، للرَّحمة خلقَهم (^٣).
_________________
(١) "مضى" من (أ).
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٣٣) عن مجاهد، وروى نحوه (١٢/ ٦٣٥) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩٤).
[ ٨ / ٢٨٨ ]
وقال ابن عبَّاس والضَّحَّاك ومجاهد وقتادة: وللرَّحمة خلقَهم؛ يعني: الذين رحمَهم (^١).
قال الحسن: وللاختلاف خلقَهم (^٢)، وبه قال مقاتل بن حيَّان ويمان بن رئاب وعطاء (^٣).
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "اعْمَلوا فكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له" (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ولو شاءَ الحقُّ لجعلَهم أربابَ الوِفاق ثمَّ لم يوجبوا لمملكتِه زينًا، ولو شاءَ لجعلَهم أربابَ الخلاف ثمَّ لم يوجبوا لجلالِه شينًا.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ لأنَّه كذلكَ أرادَ بهم ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ في سابقِ حكمِه، فعصمَه عن الخلافِ في حاصلِ عمرِهِ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ كلًّا لِمَا أقامَهم به ونصبَهم له وأثبتَهم فيه؛ مِن وفاقٍ وشقاق، وجحودٍ وتوحيد.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ أي: لا تبديلَ لقولِه، ولا تحويلَ لحكمِه (^٥).
* * *
(١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٣٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩٦).
(٣) ذكره عنهم الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٤)، والواحدي في "تفسيره" (١١/ ٥٨٩).
(٤) رواه البخاري (٧٥٥١)، ومسلم (٢٦٤٩) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٣).
[ ٨ / ٢٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: أي: وكلَّ القَصص.
وقيل: أي: وكلَّ الَّذي تحتاج إليه نخبرُكَ به مِن أخبار الرُّسل.
و﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: ﴿ومَا﴾ بدلٌ عن ﴿وَكُلًّا﴾. قاله الزَّجَّاج (^١).
وقيل: ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: ومن كلٍّ.
ومعنى الآية: ونقصُّ عليك الأقاصيص كلَّها مِن أخبار الرُّسل تثبيتًا لفؤادِكَ؛ أي: تسكينًا له، وتقويةً على الاستقامةِ، وتبليغِ الرِّسالة، وتقريرِ الحُجَجِ، والصَّبرِ على أذى الكفَّار، والاستقامةِ على الصَّبر بإقامة الصَّلوات.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يعني: نسدِّد (^٢). وقال الضَّحَّاك: نقوِّي. وقال ابن جريج: نصبِّر (^٣).
وقال بعضهم: نُطيِّب.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾: أي: في هذه السُّورة ما يحقُّ تدبُّرُه والعملُ به.
وقال الحسن: أي: في هذه الدُّنيا الحججُ والبراهين (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المؤمنون هم الذين ينتفعون (^٥) به.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٨٤).
(٢) في (ف): "نشدد".
(٣) ذكر هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٩٥)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٥٩١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٩٦).
(٥) في (أ): "هم المنتفعون".
[ ٨ / ٢٩٠ ]
وقيل: لِمَن همُّه الإيمان باللَّه والعملُ بشرائعِه، لا لِمَن أُترِف فيها، واتَّبعَ ما أُترِف فيه.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قصَّ على نبيِّنا قصصَ الجميع، ولم يذكر قصَّته لأحدٍ تشريفًا له وتخصيصًا.
وقال: ولم يكنْ ثباتُ قلبِه بما قُصَّ عليه، ولكنْ كان استقلالُ قلبِه بمَن كان يقصُّ (^١) عليه، وفرقٌ بينَ مَن يستقلُّ بما يسمعُ، وبينَ مَن يستقلُّ بمن منه يسمعُ. وأنشدَ لبعضهم:
وحدَّثْتَنِي يا سعدُ عنها فزِدْتَنِي جنونًا فزِدْني مِن حديثِكَ يا سعدُ (^٢)
* * *
(١٢١ - ١٢٢) - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾: أي: قل يا محمَّد للمشركين: اعملوا على تمكُّنكم ما أحببتُم، إنَّا عاملون بما أُمِرنا، وهذا أشدُّ وعيدٍ وتهديد.
وقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: قال ابنُ جريجٍ: انتظروا ما يَعدُكُم
_________________
(١) في (ف): "قص" بدل: "كان يقصُّ".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٣ - ١٦٤). والبيت مختلف في نسبته، فنسب للعباس بن أحنف كما في "زهر الآداب" للقيرواني (١/ ٢١٤)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (١٣/ ٢٤٦). ونسب لابن أبي عيينة كما في "الحماسة المغربية" (٢/ ٩٦٤). ونسب لعبد اللَّه بن المعتز كما في "المنتحل" للثعالبي (ص: ٢١١).
[ ٨ / ٢٩١ ]
الشَّيطان من الغرور، فإنَّا منتظِرون ما يعدُنا به الرَّحمنُ (^١) منَ النَّصر والعلوِّ (^٢).
وقال بعضهم: انتظروا ما أُوعدْتُم به على الكفر، فإنَّا منتظرون ما وُعِدْنا به على الإيمان.
* * *
(١٢٣) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو العالمُ بعواقب الأمور وبغيب السَّماوات والأرض، وهو ما غاب عن حسِّ العباد، فليس يخفى عليه شيءٌ من أفعال المشركين وأقوالهم، فيحاسبُهم بها ويجازيهم عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾: أي: الأمور كلُّها، فهو جنسٌ؛ أي: لا يَنفُذُ فيها إلَّا حكمُه، وهو المستحقُّ لذلك الإفرادِ بالعبادة.
﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يا محمَّد بإخلاص ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ غيرَ خائفٍ سواه، ولا راجٍ غيرَه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: فيثيبُ المؤمنين المطيعين، ويعاقب الكافرين والعاصين.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: عمَّى على العباد العواقب، وأخفى عليهم السَّوابق (^٣)، وألزمَهم القيامَ بما كلَّفهم في الحال، فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ فإنْ تقسَّمَ القلبُ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يعدنا اللَّه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٦٤٨).
(٣) في (أ): "عليهم السوائق"، وفي (ف): "رؤياهم السوابق". ولفظ "اللطائف": (دونهم السوابق).
[ ٨ / ٢٩٢ ]
وترجَّمَ الظَّنُّ فتوكَّل عليه؛ أي: استدفِعِ البلاءَ عنكَ بحسنِ الظَّنِّ ودوامِ الرَّجاء.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: بل أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وأمضى في كلِّ أمرٍ حكمًا (^١).
وقال كعبُ الأحبار: فاتحة التَّوراة فاتحةُ سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وخاتمة التَّوراة خاتمة هود: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. . . الآية (^٢).
وباللَّه العونِ.
أتممْتُ هذه السُّورةَ بتوفيق اللَّهِ المعبود، الرَّبِّ الذي يحقُّ له الرُّكوع والسُّجود، الملك (^٣) الذي يربِّي بفضلِه الوالد والمولود، ولا يَعزُبُ عن علمِه الموجود والمفقود.
فنسألُه الأمانَ عن (^٤) وساوسِ المطرود، وخاتمةَ السَّعادة ببركات سورة هود، والحمد للَّه ربِّ العالمين.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ١٦٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٤٧).
(٣) في (ر) و(ف): "الرب".
(٤) في (ف): "عند".
[ ٨ / ٢٩٣ ]
سورة يوسف
[ ٨ / ٢٩٥ ]