بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللَّهُ على سيِّدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّمَ، ربِّ يَسِّرْ ولا تُعسِّرْ، ربِّ تَمِّمْ بالخيرِ، وبه ثِقَتِي ورَجائي (^١).
الحمدُ للَّهِ الذي أَنزل القرآنَ (^٢) شفاءً ورحمة، وفضلًا ونعمة، وحُكمًا وحِكْمة، وبيانًا وبيِّنة، وتخويفًا وموعِظَة، وميراثًا (^٣) ووصيَّة، وبصائرَ وتَبْصِرة، وتذكيرًا وتذكرة، وذكرًا وذكرى، ومبشِّرًا وبُشرى، وهاديًا وهدًى، وكتابًا وقرآنًا، وحديثًا وفرقانًا، وحجةً وبرهانًا، وبلاغًا وتبيانًا، ونبأً وقَسَمًا، وكلامًا وكَلِمًا، ومستقيمًا وقيِّمًا، ومتشابهًا ومحكَمًا، وقولًا وقِيلًا، ومفصَّلًا وتفصيلًا، ومُنزَّلًا وتنزيلًا، وصراطًا وسبيلًا، وميسَّرًا وموصَّلًا، وأمثالًا ومُثُلًا، ونُجومًا ونُجُمًا، ومعلِّمًا وعلمًا، وقَصَصًا ووَحْيًا، وأمرًا ونهيًا، ورُوحًا ونورًا، ومتلوًّا ومسطورًا، وخبرًا وحَبْلًا، وحقًّا وفَصلًا، وصِدقًا وعدلًا، ومكتوبًا ومكنونًا ومحفوظًا، ومجيدًا وعظيمًا، وعليًّا وحكيمًا (^٤)، وعزيزًا وكريمًا، وبشيرًا ونذيرًا، ومناديًا ومنيرًا، ومُبِيْنًا ومُبيِّنًا، ومصدِّقًا
_________________
(١) في (ف): "رب يسر وأعن يا كريم، من مُمد الكون أستمد التوفيق والعون"، وسقطت العبارة من (أ).
(٢) في (ف): "الفرقان".
(٣) في (أ): "وميزانًا".
(٤) في (ف): "ومكتوبًا ومحفوظًا ومكنونًا ومجيدًا وعليًا وسديدًا وعظيمًا وحكيمًا". ومن قوله: "وخبرا وحبلا. . . " إلى هنا سقط من (أ).
[ ١ / ٥ ]
ومُهَيْمنًا، وإمامًا ومتبوعًا (^١)، ومعقولًا ومسموعًا، ومباركًا وطيِّبًا، وماءً وصيِّبًا، وغريبًا وعجبًا (^٢)، وآياتٍ بيِّنات، ومُبيِّنات ومُبيَّنات (^٣)، ومثانيَ وكلمات، وحروفًا مقطعات، مثل ﴿ن﴾ و﴿ق﴾ و﴿حم (١) عسق﴾ و﴿ص﴾ و﴿المص﴾ و﴿كهيعص﴾ و﴿طه﴾ و﴿المر﴾ و﴿يس﴾ و﴿طس﴾ و﴿طسم﴾ و﴿حم﴾ و﴿الم﴾.
فهي (^٤) مئةُ اسمٍ للقرآن، لها (^٥) فيه الذكرُ والبيان، بها كلِّها سمَّاه (^٦)، وإلى عبدِه المصطفَى ورسوله المجتبَى محمدٍ خيرِ الورى -ﷺ- أوحاه، جمَع له فيه العلوم، وفهَّمه الجليَّ منه والمكتوم، وعلى أسراره أوقَفَه، وببيانه لأمَّته كَشَفه، وأَبرز مودَعاته لهم باستنباطِ أعلام الصَّدْر الأولِ، ويسَّر به إلى الغوصِ في بحار غُرَرِه (^٧) واستخراجِ دُرَرِه سبيلَ مَن فَسَّر بعدَهم وأَوَّلَ، فله الحمدُ على (^٨) تظاهُرِ نِعَمه علينا في الدُّنيا والدِّين، والصلاةُ على المصطفى محمدٍ وآلهِ وصحبه ونَقَلةِ عِلمِه إلى يوم الدِّين.
قال الشيخُ الإمام الأجلُّ الزاهد الأستاذ الحَجَاج (^٩)، نجمُ الدِّين، زينُ
_________________
(١) في (ف): "وإمامًا متبوعًا".
(٢) في (ف): "وعربيًا وعجبًا"، وفي (ر): "وعربيًا وعجميًا".
(٣) في قوله: "ومبينات ومبينات" سقط من (ف)، وجاء في هامشها: "وآيات مبينات".
(٤) في (أ): "وهي".
(٥) في (أ) و(ر): "لما".
(٦) في (ر): "سماه اللَّه".
(٧) في (ر): (غوره).
(٨) في (أ): "في".
(٩) "الحجاج" ليست في (ر)، وسيأتي لفظ (ف). والحَجَاجُ: حاجِبُ الشَّمس، يقال: بدا حَجَاجُ الشَّمس، أي: حاجِبُها، وهو قَرْنُها، وهو مَجاز. انظر: "التاج" (مادة: حجج).
[ ١ / ٦ ]
الأئمَّة، جمال الإسلام والمسلمين، أبو حفصٍ عمرُ بن محمدِ بن أحمدَ النسفيُّ (^١)، سترَ اللَّه عيبَه ورَحِمَ شَيبه، رحمةُ اللَّه عليه (^٢): طال ما سألتُموني معاشرَ أهل العلم -آتاكُم اللَّه سُؤلَكم، وسهَّل إلى المرادات وصولَكم- جمعَ كتابٍ في تفسيرِ القرآن سهلٍ ممتنعٍ، وجيزٍ مستَجمِع، شغَفًا منكم بكلامي، وحبًّا منكم (^٣) واستعذابًا لنظامي، وثقةً باختياري، ورضًى بإيرادي وإصداري، فوجدتُم مني تأبِّيًا بأعذار، وتأنِّيًا على حِذَار، واعتلالًا بأنَّ الكلام في كتاب اللَّهِ شديد، والأمدَ في إنهائه بعيد، والذِّهنَ في الكِبَر كليل، والخاطرَ على تَرادُف العلَل عليل، والشُّغلَ بوظائف الخاصَّة وحوادثِ العامة آناءَ الليل والنهار غيرُ قليل، وخَطْبَ تفرُّق القلب بكثرةِ العيال وقلَّةِ المال جليل.
ثم رغباتُ الملتمِسِين في قَدْر ذلك الكتاب وكيفيَّتِه مختلِفة، والشهواتُ على نمطٍ واحدٍ منه غيرُ مؤتلِفة، وإرضاءُ الجميع ممتنِع، ورجاءُ الاجتماع مُنقطِع، وهذا التعليلُ على هذا التطويل لم يَفُلَّ حدَّكم، ولم يُقلَّ جِدَّكم، بل أبَيتُم مني إلا الإجابةَ بَدْءًا وعَودًا، والإيجابَ إرادةً ورَودًا، فاسترسَلْتُ لكم بعد الجِمَاح، واستشعرتُ لكم بخَفْضِ (^٤) الجَناح، واستَخَرْتُ اللَّهَ تعالى في إسعافكم بمرادكم، واستَعَنْتُه على مساعدتكم وإسعادِكم، وشَرَعْتُ فيه مستَعِيذًا باللَّه تعالى ومستَجيرًا، وكفَى باللَّه وليًّا وكفَى باللَّه نصيرًا.
_________________
(١) في (ف): "قال العبد الضعيف عمر بن محمد بن أحمد النسفي"، وجاء في هامشها كالمثبت لكن دون كلمة: "الحجاج".
(٢) من قوله: "ستر اللَّه عيبه. . . " إلى هنا، وقع بدلًا منه في (أ): "﵀".
(٣) "وحبًا منكم" من (ف).
(٤) في (أ) و(ف): "واستشعرت خفض".
[ ١ / ٧ ]
فأقولُ وباللَّهِ التوفيقُ، والهدايةُ إلى سواءِ الطريق:
الناس في معنى التفسيرِ والتأويل بين التَّقصير والتَّطويل، ولنا على التوسُّط التعويلُ؛ فنقول:
التفسير: علمُ نزول الآية وشأنِها وقصَّتِها، والأسبابِ (^١) التي نزلت فيها، والأقوامِ الذين أُريدوا بها، ولا يُتكلَّم إلا بالسَّماع.
والتأويل: صرفُ الآية إلى معنًى تحتمِلُه موافقٍ لِمَا قَبْلَها وما بعدَها.
فأمَّا مأخذُهما: فقد قال ثعلبٌ: التفسير مأخوذٌ من قول العرب: فسَّرتُ الفرس، إذا ركَضْتَها ليَنْطلقَ حُضْرُها (^٢)، فالتفسيرُ: كشفُ ظاهرِ الآية ليَظْهرَ مرادُها.
وقال الدُّريديُّ (^٣): أصلُه من التَّفسرةِ، وهي الدليلُ من ماءِ العَليل الذي ينظر فيه
_________________
(١) في (ف): "وأسبابها"، وفي هامشها: "والأسباب".
(٢) ضبطت الحاء في (أ) و(ر) بالضم، والحُضْر -بضم الحاء- كما في "القاموس" (مادة: حضر): ارتفاع الفرس في عَدْوه. وقول ثعلب نقله أبو حيان بلفظ: (فسرت الفرس: عرَّيته لينطلق في حُضره)، ثم قال: (وهو راجعٌ لمعنَى الكشفِ، فكأنَّه كَشَفَ ظهرَه لهذا الذي يريدُه منه مِن الجَرْي)، وهذا يدل على أن الكلمة بالحاء والضاد، لكنها وقعت في بعض المصادر بالحاء والصاد، قال الثعلبي: هو من قول العرب: فسرتُ الفرس: إذا ركضتَها مصورة لينطلق حَصِيرها. وأوضح من هذا قول الفيروزأبادي: وقيل: اشتقاقه من قول العرب: فسَرت الفرس وفسَّرته؛ أَي: أَجريته وأَعديته إِذا كان به حُصْر، ليستطلِق بطنُه، وكأَن المفسِّر يُجري فرس فكره في ميادين المعاني ليستخرج شرح الآية، وَيُحلَّ عقْد إِشكالها. انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٨٦)، و"البحر المحيط" (١/ ٣٦)، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزأبادي (١/ ٧٨).
(٣) الدُّريدي بضم الدال المهملة وفتح الراء، هذه النسبة إلى الجد، وعرف بها أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي الدوسي، بصري المولد نشأ بعمان وطلب الأدب، وورد بغداد بعد أن =
[ ١ / ٨ ]
الأطباء (^١)، فكما أن الطبيبَ بالنظرِ في الماء يَكشفُ عن حال العلَّة، فكذا المفسِّر بالنظر في الدليل يَكشف عن مراد الآية.
وقال صاحب "المُجْمَل": الفَسْر: البيان، والفَسْرُ: نظرُ الطبيبِ في الماء، والتَّفسرةُ كذلك (^٢).
وقيل: هو تفعيلٌ من فسَرَ، وهو مقلوبٌ من سَفَر، وهو كقولهم: جذَبَ وجبَذَ؛ أي: مدَّ، وبَضَّ وضَبَّ الماءُ؛ أي: سال، وقد سَفَرتِ المرأة عن وجهها؛ أي: كَشفت، وأَسفر الصبحُ؛ أي: أضاء، ووجوهٌ (^٣) مُسْفِرة؛ أي: مُضيئة، وسَفَر الأرضَ؛ أي: كنَسها (^٤) فأظهرَ وجهَها، والسِّفْر: الكتاب المبين (^٥)، والسفَرُ يكشفُ عن أخلاقِ الناس، والسُّفرةُ تُكشف ليُتناول ما فيها.
فعلى هذا يكون التفسيرُ هو: كشفُ المنغلِق المستورِ من المراد بالظاهِر المذكور.
_________________
(١) = أسن فأقام بها إلى آخر عمره، حدث عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وأبي حاتم السجستاني، والرياشي، وغيرهم، وهو الإمام المشهور في اللغة، وله شعر حسن، روى عنه أبو سعيد السيرافي وأبو عبيد اللَّه المرزباني وغيرهما، وتوفي ببغداد سنة (٣٢١ هـ). انظر: "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الجزري (١/ ٤٩٩). وقوله الآتي لم أجده في "الجمهرة" ولا غيره من كتبه المطبوعة، لكن رواه عنه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٨٦).
(٢) في (ر): "الطبيب".
(٣) انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (ص: ٧٢١).
(٤) بعدها في (ف) زيادة: "يومئذ".
(٥) في (ر) و(ف): "كشفها".
(٦) في (ر): "البين".
[ ١ / ٩ ]
والتأويل من الأَوْلِ وهو الرجوع (^١)؛ يقال: أوَّلتُه فآل؛ أي: صَرَفْتُه فانْصَرَفَ، فكأنَّ المراد بالتأويل: هو صرفُ الآية إلى ما تحتمِلُه من المعنى بالدليل.
وقال النَّضْر بنُ شُمَيْلٍ (^٢): أصله من الإيَالة وهي السياسةُ، يقال: أُلْنا وإِيلَ علينا؛ أي: سُسْنا وساسَنا غيرُنا، فكأنَّ المؤوِّل سائسُ الكلام والقادرُ عليه، وواضعُه مواضعَه.
وعلى هذا يكون (^٣) آلَ متعديًا، ويكونُ تشديدُه لترديدِه لا لتعديتهِ بتشديده، ومعناه: أنه تتبَّعَ آيةً بعد آيةٍ وسورةً بعد سورةٍ.
فالتفسير هو علم النزول لا يُتكلَّم فيه إلا بالسماع، والتأويلُ سائغٌ بالاستنباط بشرطِ موافَقةِ النصِّ والإجماع، ولأهل العلم فيهما عبارات:
قيل: التفسير كشفُ ظاهر الكلام، والتأويلُ كشف باطنه، وبالفارسية: (تفسير روشن كردن روى سخن است، وتأويل (^٤) بيدا كردن مغز سخن است) (^٥).
وقيل: التفسير بيانُ أول الكلام، والتأويل بيانُ آخره، وبالفارسية: (تفسير من كشايش را، وتأويل مر نما يش را).
وقيل: التفسير للمُحْكَمات، والتأويل للمتشابِهات.
وقيل: علم التفسير للخَلْق، وعلم التأويل للحق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ
_________________
(١) في (ر): "الرجع".
(٢) في (أ): "سهيل"، وهو تحريف، والكلام الآتي رواه عن النضر: الثعلبيُّ في "تفسيره" (١/ ٨٧).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "قوله".
(٤) في (ر): "والتأويل".
(٥) في (ف): "تعريبه: التفسير معناه إيضاح ظاهر الكلام، والتأويل معناه: إظهار معنى الكلام".
[ ١ / ١٠ ]
تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وهو فيما يَرجع إلى التأويل (^١): الغيبُ الذي أبهمه اللَّه؛ كالساعة متى وقوعُها؟ وأشراطها متى ظهورُها؟
وقيل: التفسير ما لا يُختلف فيه، والتأويل ما اختُلف فيه.
ثم اختَلف الناس في جواز الخوض فيهما:
فقال قومٌ: لا يجوز تفسير القرآن بشيءٍ إلا أن يَرِدَ به نقلٌ صحيح، لرواية ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قال في القرآنِ برأيه فلْيَتبوَّأْ مَقعَدَه من النَّار" (^٢).
وقال ﵊: "مَن قال في القرآنِ برأيهِ فأصابَ فقد أَخْطأَ" (^٣).
وسئل أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللَّه تعالى عنه عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتابِ اللَّه تعالى ما (^٤) لا علم لي به (^٥)؟!
_________________
(١) "التأويل" من (ر).
(٢) رواه أبو داود في "سننه" برواية ابن العبد كما في "تحفة الأشراف" (٤/ ٤٢٣)، والترمذي (٢٩٥٠) و(٢٩٥١)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٣١). قال الترمذي: حديثٌ حَسَنٌ. قلت: في إسناده عبد الأعلى الثعلبي وهو ضعيف.
(٣) رواه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٣٢) من حديث جندب بن عبد اللَّه ﵁. قال الترمذي: هذا حديثٌ غرِيبٌ، وقد تَكَلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في سهيلِ بن أبي حَزْمٍ.
(٤) في (ر): "بما".
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠١٠٧).
[ ١ / ١١ ]
وفي رواية قال (^١): إذا قلتُ في آية من كتاب اللَّه تعالى بغيرِ ما أراد اللَّه بها (^٢).
وقال أبىُّ بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه: ما استبانَ لك فاعْمَلْ به وانتفِعْ به، وما شبِّهَ عليك فآمِنْ به وكِلْهُ إلى عالِمه (^٣).
وعامةُ أهل العلم على جوازه؛ لقوله تعالى (^٤): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وهو حثٌّ على التأمُّل فيه والوقوفِ (^٥) على معانيه.
وقال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وقال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
وقال النبيُّ -ﷺ-: "أولُ ما يُرفع من الأرض العلمُ"، قالوا: يا رسول اللَّه! يُرفع (^٦) القرآن؟ قال: "لا، ولكنْ يموتُ مَن يَعلم تأويلَه، ويبقَى قومٌ يتأوَّلونه على أهوائهم" (^٧).
وقال ابن مسعود ﵁: مَن أراد العلمَ فليُثوِّر القرآن فإنَّ فيه علمَ الأوَّلينَ والآخِرين (^٨).
_________________
(١) "قال" ليس في (ف).
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٣٩ - تفسير). ووقع في (ر): "لغير ما أراد. . "، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٦٨١).
(٤) في هامش (ف): "بقول اللَّه تعالى".
(٥) في (ر): "للوقوف".
(٦) في (ر): "أيرفع".
(٧) رواه عبد بن حميد عن أبي قلابة عن النبي -ﷺ-، وهو مرسل. انظر: "الدر المنثور" (٢/ ٦٩).
(٨) رواه ابن المبارك في "الجهاد" (٨١٤)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٩٦)، والفريابي =
[ ١ / ١٢ ]
وقال الحسن رضي اللَّه تعالى عنه: ما أَنزل اللَّهُ تعالى آيةً إلا واللَّهُ تعالى يحبُّ أن يَعْلَم العبادُ ما عَنَى بها (^١).
وقال عليٌّ رضي اللَّه تعالى عنه: ما من شيءٍ إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكنَّ رأيَ الرجال يَعجزُ عنه (^٢).
وقال الحسن: أنزل اللَّه تعالى مئةً وأربعةَ كتبٍ من السماء، أَوْدعَ علومَها أربعةً منها: التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ والفرقان، ثم أَوْدعَ (^٣) علومَ هذه الأربعةِ القرآنَ (^٤)، ثم أودع اللَّه علوم القرآنِ (^٥) المفصَّلَ، ثم أَوْدعَ اللَّه علومَ المفصَّلِ فاتحةَ الكتاب (^٦)، فمَن عَلِمَ تفسيرها كان كمَن عَلِمَ تفسير جميع كتب اللَّه (^٧) المنزَلة (^٨).
_________________
(١) = في "فضائل القرآن" (٧٨)، بلفظ: (إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه. . .). ورواه أبو الليث في تفسيره "بحر العلوم" (١/ ٣٥) بلفظ: (من أراد العلم فليثر القرآن. .) وفي رواية أخرى عنده: (فليؤثر).
(٢) رواه عبد بن حميد في "تفسيره". انظر: "الدر المنثور" (٢/ ٦٩).
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٣٥)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٤٠)، ورواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" للبقاعي (١/ ٣٧٩). وروى أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٩٦)، وزهير بن حرب في "العلم" (٥٠) عن مسروق قال: ما نسأل أصحاب محمد -ﷺ- عن شيء، إلا وعلمه في القرآن، إلا أن علمنا يقصر عنه.
(٤) في (أ): "أودع اللَّه تعالى".
(٥) في (أ) و(ف): "الفرقان".
(٦) في (أ) و(ف): "الفرقان".
(٧) بعدها في (ر) زيادة: "ثم أَوْدَعَ علومَ فاتحةِ الكتاب (بسم اللَّه)، ثم أودع علومَ (بسم اللَّه) باءَه، ومعناه: بي كلُّ ما كان، وبي كلُّ ما يكون" وليست هذه الزيادة في (أ) و(ف)، ولا في مصادر التخريج الآتية.
(٨) في (ر) و(ف): "الكتب"، والمثبت من (أ) وهامش (ف)، والمصادر.
(٩) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٢٣٧١).
[ ١ / ١٣ ]
وقال الحسينُ بن الفَضل البَجَليُّ المفسِّر (^١) ﵀: قرأتُ كتاب اللَّه تعالى من أوَّله إلى آخِره ثانية وعشرين ألفَ مرةٍ متدبِّرًا متفكِّرًا، ما منها من مرةٍ إلا وعثرتُ على نوعٍ جديد من العلم، ورأيتُ النبيَّ -ﷺ- في المنام فقال لي: يا أبا علي! إنك تعيشُ مئةً وثلاثين سنة، قال: فعاش مئة وثلاثين سنة (^٢).
وروَى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "القرآنُ ذلولٌ ذو وجوهٍ فاحْمِلوه على أحسنِ وُجوهِه" (^٣).
فقوله: "ذلول" له وجهان:
أحدهما: أنه ممكِنُ القراءة يَنطلقُ (^٤) به جميعُ الألسنة.
والثاني: أنه واضحُ المعاني حتى لا تَقْصُرُ عنه أفهامُ المجتهدِين فيه.
وقوله: "ذو وجوه" له وجهان:
أحدهما: أن نَظْم كلماته يَحتمِل من التأويل وجوهًا متناسِبةً لإعجازه.
والثاني: أنه يجمع وجوهًا من الأمر والنهي والوعد والوعيد والتحريم والتحليل.
وقوله: "فاحملوه على أحسن وجوهه" له وجهان:
_________________
(١) هو مفسر معمَّر، كان رأسًا في معاني القرآن، أصله من الكوفة، انتقل إلى نيسابور، توفي سنة (٥٢٨٢) وهو ابن مئة وأربع سنين. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٤١٤).
(٢) كذا ذكر سنه هنا، ولم أجد من ذكره، والذي في كتب التراجم هو ما ذكرناه عن "السير" أنه توفي وهو ابن مئة وأربع سنين. انظر: "الوافي بالوفيات" (١٣/ ١٨)، و"لسان الميزان" (٢/ ٣٠٨)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (ص: ٤٨).
(٣) رواه الدارقطني في "سننه" (٤٢٧٦).
(٤) في هامش (ف): "ينطق".
[ ١ / ١٤ ]
أحدهما: أي (^١): احملوا تأويلَه على أحسن معانيهِ.
والثاني: أي (^٢): اعمَلوا بأحسنِ ما فيه من العزائم دون الرُّخَص، والعفوِ دون الانتصاف.
وهذا كلُّه دليلُ جواز الاستنباط.
وقال ابنُ عباس ﵄: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفُه العرب بكلامها، وتفسيرٌ لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسيرٌ يَعلمُه العلماء، وتفسيرٌ لا يعلمُه إلا اللَّه تعالى (^٣).
قالوا: فالأولُ هو حقائقُ اللغة وموضوعُ الكلام، والثاني هو التوحيدُ وأصولُ الشرع (^٤)، والثالثُ فروعُ الأحكام وتأويلُ المحتمِلات، والرابعُ الغيوبُ: مِن وقت قيام الساعة، ووقتِ ظهور آياتها.
وما لا يُعذر أحد بجهله فهو فرضُ عينٍ، وما يختصُّ به العلماء فرضُ كفايةٍ.
وأما (^٥) الجوابُ عن احتجاجهم بقوله -ﷺ-: "مَن فسَّر القرآنَ برأيه. . " فمعناه: مَن حملَهُ على ما يتراءَى له بخاطره، ولم يَحمل (^٦) على شواهدِ ألفاظه بدلائله، فأصاب الحقَّ، فقد أخطأ الدليلَ.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أن".
(٢) في (أ) و(ف): "أن".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٧٠)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٣٤٥).
(٤) في (أ): "الشرائع".
(٥) في (أ): "فأما".
(٦) في (أ) و(ف): "يعمل".
[ ١ / ١٥ ]
وقيل الرأي نوعان:
رأيٌ يَتراءَى من هاجسِ نفسٍ، وهو الظنُّ والحِسْبان (^١)، وذلك هو المزجورُ (^٢) عنه المحجورُ عليه في القرآن.
ورأي ينشأُ من عقلٍ كاملٍ وعلمٍ باهر، وتأييدٍ من اللَّه تعالى ظاهرٍ، وهو الاستنباط المعهود والرأيُ المحمود.
وقال (^٣) الإمامُ أبو منصورٍ الماتُرِيديُّ ﵀: أَنكر بعضُ السَّلَف ثبوتَ هذا الخبر، فقد ثبت من الأئمةِ تفسيرُ القرآن والقولُ فيه، وللناس حاجةٌ إلى معرفته، والذين أقرُّوا بصحته اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم:
التفسيرُ بالرأي: هو أن يَحملَه المرء على ما يراه بقلبه (^٤)، دون الفحصِ عنه بالعَرْض (^٥) على الدليل الذي أُذِنَ له في الحكمِ به في عامَّةِ أمور الدِّين.
قال: وقيل: هذا الوعيدُ في حقِّ مَن يَقطعُ القولَ بصحةِ (^٦) ما أدَّاه إليه اجتهادُه، وقد يبدو له فيرجعُ، فأمَّا مَن قال: يَحتمِل هذا، ويقول (^٧): إن كان خطأ فمنِّي، وإن كان صوابًا فمن اللَّه تعالى، فهذا لا بأس به.
_________________
(١) في هامش (ف): "الحسبان بالكسر هو الظن، والحسبان بالضم من الحساب"، وقد ضبطت الكلمة بكسر الحاء.
(٢) في (أ): "المردود".
(٣) في (أ): "قال".
(٤) في هامش (ر): "بعقله".
(٥) في (ر) و(ف): "بالغوص".
(٦) في (أ): "القول بصحته على".
(٧) في (ف): "فيقول".
[ ١ / ١٦ ]
قال: وقيل: هو أن يَجعل رأيَه عيارًا (^١) لِمَا جاء في القرآن يبني عليه مذهبَه.
قال ﵁: وهو كحَمْلِ المعتزلة النظرَ في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] على انتظار الكرامة دون الرُّؤية، وحملِهم الإضلالَ المذكورَ من اللَّه تعالى على التسمية دون الإيجاد.
قال: وقيل: هو في المتشابهِ الذي ليس للناسِ (^٢) حاجةٌ إلى معرفةِ ما فيه.
قال: وقيل: النهيُ عن التفسيرِ دون التأويل، وبينهما فرقٌ:
فالتفسير: هو الإخبارُ عن شأنِ مَن نزل فيه، وعن سببِ نزوله، وذلك علمُ مَن شهد ذلك، فهو يقول فيه بالعلم، وغيرُه بالرأي.
والتأويل: هو تبيين ما يحتمِلُه اللفظ من المعاني، وقد جعَل اللَّه القرآنَ أصلًا لجميع ما تقع به البلوى من النوازل إلى قيام الساعة.
قال: وجميع (^٣) ما جاء عن الأئمَّة وبنى الفقهاءُ عليه فهو تأويلٌ لا تفسير.
قال: والتفسير: تبيينُ حقيقة ذلك، والتأويلُ: تبيينُ المقصود منه، فإنه في اللغة: صرفُ الكلام إلى ما يَؤُول إليه.
قال: والتفسير يكون ذا وجهٍ، والتأويلُ ذو (^٤) وجوه.
وهذا كلُّه مختصَرُ كلام الإمام أبي منصورٍ ﵀.
_________________
(١) في (ر): "معيارًا". وجاء في هامش (ف): "قوله: عيارًا، العيار الذي يقاس به غيره ويستوي".
(٢) في (ف): "بالناس".
(٣) في (أ): "وقال جميع".
(٤) في (ر): "ذا".
[ ١ / ١٧ ]
قال (^١) الإمام نجمُ الدِّين ﵀: ونذكر مثالًا واحدًا لهما، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]: هما الأوسُ والخزرج.
وفي قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦]: هم فارسُ و(^٢) أهلُ اليمامة.
وفي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]: هو الأخنسُ بن شَرِيقٍ.
وفي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧]: هو صهيبٌ.
فهذا ونحوُه من التفسير، ولا يُتكلَّم فيه إلا بالسَّماع.
وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] قال بعضهم: أي: شبَّانًا (^٣) وشيوخًا.
وقال آخرون: أي: فقراءَ وأغنياءَ.
وقال قومٌ: أي: عزابًا ومتأهِّلين.
وقال جماعةٌ: أي: أَصحَّاءَ ومَرضَى.
وقالت طائفة: أي: نِشَاطًا وغير نِشَاط.
فهذا من التأويل، وكلُّه جائزٌ مقبول، ولا بأسَ بالقول به بما وافَقَ الأصول، ولم يخالِف المعقول.
قال ﵁ (^٤):
_________________
(١) في (ر): "وقال".
(٢) في (أ): "أو".
(٣) في (ر): "شبابًا".
(٤) "﵁" من (أ).
[ ١ / ١٨ ]