بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي وكفى
بسم اللَّه الذي أعدَّ للكافرين عذابًا أليمًا، الرحمنِ الذي وعد المؤمنين أجرًا كريمًا، الرحيمِ الذي قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الأحزاب وعلَّمها ملكَ يمينه وأهلَه أُعطي الأمان من عذاب القبر" (^١).
وسورة الأحزاب مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومئتان وسبع وثمانون كلمة، وخمسة آلاف وستُّ مئة وسبعة وأربعون حرفًا (^٢).
وانتظام أول (^٣) هذه السورة بآخر سورة السجدة: أنه أمر رسوله -ﷺ- بالإعراض عن الكافرين، ونهاه هاهنا عن طاعة الكافرين والمنافقين.
وانتظام السورتين: أن تلك السورة في محاجَّةِ المشركين والصبر على أذى المؤذين، فقد قال: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وهذه السورة في تعداد
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٥)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٤٢)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٠٨)، وفيه: (وكلمها ألف ومئتان وثمانون كلمة وحروفها خمسة آلاف وسبع مئة وستَّة وتسعون حرفًا).
(٣) "أول" ليس من (ف).
[ ١٢ / ١٢٧ ]
ضروب أذًى ناله من الكافرين والمنافقين وبعضِ المؤمنين في طعنهم عليه في زيدٍ وتزوُّجِ امرأته، والاستكثارِ من النساء، والتوسُّع في المناكح، واعتراضِ نسائه عليه في طلب الزينة، ودخولِ بعض المؤمنين بيوتَه وانتظارِهم طعامَه، وتعرُّضِ بعض المنافقين بعضَ نسائه، وإيذائهم المؤمنين، وختم بذكر إيذاء قوم موسى ﵇، وكرَّر في هذه السورة لفظة الأذى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩].
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: روي في نزول هذا: أن أبا سفيان بن حرب وعكرمةَ بن أبي جهل وأبا الأعورِ السُّلميَّ (^١) -واسمه عمرو بن سفيان- قدموا المدينة فنزلوا على عبد اللَّه بن أبيٍّ رأسِ المنافقين (^٢) - وكان رسول اللَّه -ﷺ- أعطاهم الأمان على أن يكلِّموه - ومعهم طُعْمة (^٣) بن أُبيرقٍ وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْحٍ، فأتوا النبيَّ -ﷺ- وقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا اللاتِ والعزى ومناة وقل: إن لهم شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعُك وإلهك، فشقَّ ذلك على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال عمر رضي اللَّه: ائذن
_________________
(١) وقد أسلم هؤلاء الثلاثة، إلا أن الأخير اختلف في صحبته. انظر: "الإصابة" (٤/ ٥٢٩).
(٢) بعدها في (أ): "وجد بن قيس".
(٣) في (ر) و(ف): "طعيمة".
[ ١٢ / ١٢٨ ]
لي يا رسول اللَّه في قتلهم، فقال: "قد أعطيتُهم الأمان فأَخْرِجهم من المدينة"، فقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة اللَّه وغضبه، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (^١).
قال ابن عباس ﵄: يعني: ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة (^٢)، يعني: هؤلاء الستةَ نفر المسمَّين.
وقال الضحاك: إنهم حملوا النبيَّ -ﷺ- على أن ينقض عهدًا (^٣) كان بينه وبين قوم من العرب، فنهاه اللَّه تعالى عن ذلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: دم على تقواك ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه.
وقال ابن كيسان: الخطاب له والمراد به جميع المؤمنين، فإنه ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ على الجمع.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بما يؤذيك من قولهم ﴿حَكِيمًا﴾ في أن لا يعاجلَهم بالعقوبة على فعلهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: يا أيها المرقَّى إلى أعلى الرُّتَب، الملقَّى بأسنى القُرَب، يا أيها المخبِرُ عنا المأمونُ على أسرارنا، المبلِّغُ
_________________
(١) ذكره دون سند مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٥٠٠)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٥)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٥١). وقال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٣٢): هكذا ذكره الثعلبي والواحدي بغير سند.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٣) في (ر) و(ف): "العهد الذي".
(٤) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٤/ ٢٥٦).
[ ١٢ / ١٢٩ ]
خطابنا إلى أحبابنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أن تلاحظ غيرَنا معنا أو تساكن شيئًا من دوننا.
والتقوى رقيب على قلوب أوليائه تمنعهم في أنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم أن ينظروا إلى غيره.
التقوى لجام يكبحك (^١) عما لا يجوز، وزمامٌ يقودك إلى ما يجب (^٢)، وسوطٌ يسوقك إلى ما أُمرت به، ومِشْخَصٌ (^٣) من اللَّه يحملك على القيام بحقه، وحرزٌ يعصمك من وصول أعدائك إليك، وعوذةٌ تشفيك من داء الخطأ (^٤).
* * *
(٢ - ٣) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: من أوامره ونواهيه.
وقيل: واتَّبع أحكام اللَّه التي نوحيها إليك دون أحكام الجاهلية في الظهار وفي التبنِّي، ولا تخالف ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: عالمًا، هذا خطابٌ له ولأمته.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: اعتمِدْ عليه، وفوِّضْ أمرَك إليه مما (^٥) تخافه من ضرر أذى الكفار.
_________________
(١) في (ف): "يمنعك".
(٢) في (أ) و(ر): "تحب"، ومثله في مطبوع "اللطائف"، والمثبت من (ف) وهو الأنسب بسياق الكلام.
(٣) في (ف): "ومركب"، وفي "اللطائف": (شاخص).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٥) في (ف): "فيما".
[ ١٢ / ١٣٠ ]
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: أي: وحسبك اللَّه قائمًا بأمورك.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ كنْ لنا لا لك، وقُم بنا لا بك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ التوكُّل تحقُّقٌ ثم تخلُّقٌ ثم توثُّقٌ ثم تملُّقٌ، تحقُّقٌ في العقيدة، وتخلُّقٌ بإقامة الشريعة، وتوثُّقٌ بالمقسوم من القضية، وتملُّقٌ بين يديه بحسن العبودية (^١).
* * *
(٤) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾: يذكُر ما كان المنافقون يقولونه، يقول: لم يجعل اللَّه لرجل ﴿فِي جَوْفِهِ﴾؛ أي: في بطنه قلبين، إنما جعل له قلبًا واحدًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ كلمةُ ﴿مِنْ﴾ زيدت للتأكيد؛ كما في قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
وقيل: هو في أبي معمر جميل بن معمر بن أُسَيدٍ الفِهْريِّ، وكان حافظًا لِمَا يسمع، وأهدى الناسِ للطريق، وسمَّته العرب ذا قلبين، وكان هو يقول: إن لي قلبين أحدهما أعقلُ من الآخر، وكان يوم بدر انهزم وإحدى نعليه في رجليه والأخرى في يديه، وكان يعدو في الرمضاء وتحترق رجله ويقول: أين نعلي أين نعلي؟ ولا يعقل
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٥٠).
[ ١٢ / ١٣١ ]
أنها في يده، فأنزل اللَّه هذه الآية في شأنه تكذيبًا لهم في تسميته بذلك (^١).
وروي أنه تلقاه أبو سفيان بن حرب فقال: ما فعَل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك؟ قال: ما شعرتُ إلا أنهما جميعًا (^٢) في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده (^٣).
وقيل: كان بعض المنافقين يزعم أن النبي -ﷺ- له قلبان، وهذا عن ابن عباس ﵄ (^٤).
وعنه في رواية أنه قال: كان رجل من قريش يسمَّى ذا قلبين لدهائه، فنهاهم اللَّه تعالى عن هذه التسمية (^٥)، كما نهاهم اللَّه تعالى أن يسمُّوا الزوجة أمًّا في الظهار،
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢)، و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٤)، و"تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٤٩)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٦)، و"النكت والعيون" (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٥١). وروى نحوه مختصرًا بإبهام اسم الرجل الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٧ - ٨) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة وعكرمة.
(٢) "جميعًا" ليست في (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢)، و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٤)، و"تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٤٩)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٦)، و"النكت والعيون" (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٥١). وعزاه الماوردي مع ما قبله للسدي.
(٤) رواه ا لإمام أحمد في "المسند" (٢٤١٠)، والترمذي (٣١٩٩) وحسنه، وابن خزيمة في "صحيحه" (٨٦٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٥٥)، عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول اللَّه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول اللَّه -ﷺ- يومًا يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين، قلبًا معكم، وقلبًا معهم، فأنزل اللَّه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، قال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، فتعقبه الذهبي بقوله: (قابوس ضعيف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٧).
[ ١٢ / ١٣٢ ]
وأن يسمُّوا المدَّعى (^١) ابنًا، فانتظمت الآية هذه الثلاثة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وهو قول مجاهد وقتادة (^٢).
وقال الحسن هذا تكذيبٌ لرجل كان يقول: إن لي قلبين: قلبٌ يأمرني بكذا وقلبٌ ينهاني عنه (^٣).
وقيل: كان المنافقون مذبذبين، إذا لقوا المؤمنين قالوا: إنَّا معكم، وإذا خلَوا إلى شياطينهم قالوا: إنَّا معكم، فعوتب واحد منهم على ذلك فقال: لي قلبان؛ قلبٌ مع هؤلاء وقلبٌ مع هؤلاء، فردَّ اللَّه ذلك.
وقيل -وهو الأوجه والأوفق للنظم، ويتصل بقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ -: إن معناه: أن طاعة الكافرين والمنافقين لا تجامع الإيمان باللَّه في قلب؛ كما تقول العرب: لا يجتمع سيفان في غِمْدٍ (^٤)، ومجازه: أن الاعتقاد من أعمال (^٥) القلب، فإذا كان قلبان لا يجتمعان في جوفٍ (^٦)، فكذا اعتقادان متنافيان لا يجتمعان في قلب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الحكمة فيما لم يَجعل لواحدٍ قلبين وجعَل له سمعين وبصرين: أن الإدراك بالسمع والبصر يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرجَ
_________________
(١) في (ف): "الدعي".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٨)، وعن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣١١).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣١٢)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٧).
(٤) بعدها في (أ): "واحد".
(٥) في (ر): "عمل".
(٦) بعدها في (ر): "واحد".
[ ١٢ / ١٣٣ ]
المعاوَنة، وما يُدرك بالقلب يُدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء فيناقضُ أحدهما صاحبه، أو (^١) يَجوز أن يرى أحدهما خلافَ ما يراه الآخر، ولا كذلك السمعان والبصران (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾: قرأ ابن كثير ونافع: ﴿اللَّاء﴾ بهمزة ليس بعدها ياء، وقرأ أبو عمرو كذلك إلا أنه ليَّن الهمزة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بهمزة بعدها ياء (^٣)، وهي لغاتٌ وهي لجمع التي.
﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿تَظَّهَّرون﴾ بفتح التاء وتشديد الظاء بغير ألف.
وقرأ عاصم: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ بضم التاء من المظاهرة.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ بالألف وفتحِ التاء وتخفيف الظاء.
وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء مع الألف (^٤)، وأصله: تتظاهرون، فأُدغمت التاء في الظاء، ومَن خفَّف فقد حذف إحدى التاءين.
وهذه الكلمة بوجوهها اسم لقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، وكان ذلك طلاقًا في الجاهلية، فأبطل الشرعُ هذا الحُكم وجعله سببًا لحرمةٍ مؤقَّتة بالكفَّارة، وهي حرمةُ الفعل.
يقول: وما جعل اللَّه نساءكم بهذا الكلام في حُكم أمهاتكم.
_________________
(١) في "التأويلات": (إذ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٥١).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٨)، و"التيسير" (ص: ١٧٧ - ١٧٨).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٩)، و"التيسير" (ص: ١٧٨).
[ ١٢ / ١٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أي: ولم يجعلِ اللَّه مَن تدَّعون بنوَّته فتسمُّونَه ابنًا لكم ابنًا (^١).
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: أي: إن قولكم للزوجة: هي أم، وللدَّعيِّ: هو ابنٌ، هو قولٌ تقولونه بألسنتكم التي بأفواهكم، لا حقيقةَ له في اعتقاد القلوب عند اللَّه تعالى، ولا حجةَ مع صاحبه، إنما هو كقول النائم الهاذي يوجد بالفم لا حقيقةَ له، فلا تصير المرأة بذلك أمًّا، ولا الدعيُّ ابنًا.
نزلت في شأن زيد بن حارثة، كانوا يسمُّونه: زيد بن محمد؛ لأن النبيَّ -ﷺ- كان تبنَّاه (^٢).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾: ما يجب أن يقال وما له حقيقةٌ.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: أي: يرشد إلى طريق الحق في هذا وفي كلِّ الأحكام، فاتَّبعوا ما شَرَعه في الإسلام، وكان في الجاهلية إذا أعجَبَ أحدَهم ولدُ غيره ضمَّه إلى نفسه وتبنَّاه، وجعَل له مثلَ نصيبِ أحد الأولاد، فبيَّن اللَّه الحقَّ فيه وهدَى السبيل.
ولما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا زيد بن حارثة (^٣) بن فروة بن شراحيل (^٤) من بني عبد ود، وكان بعد ذلك ينسب إلى أبيه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "فتسمونه ابنًا لكم ابنًا لكم" وفي (ر): "فتسمون به أبناءكم ابنًا لكم".
(٢) رواه البخاري (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥)، عن ابن عمر ﵄: ما كنَّا نَدْعُو زيدَ بن حارثةَ إلَّا زيدَ بنَ محمدٍ حتى نزَل في القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(٣) إلى هنا ذكره ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٢٤٩).
(٤) في (ر) و(ف): "شرحبيل"، وهو خطأ، وكذا قوله في نسبه: "بن فروة" لم أقف عليه، فالذي في المصادر: (زيد بن حارثة بن شراحيل). انظر: "الإصابة" (٢/ ٤٩٤).
[ ١٢ / ١٣٥ ]
(٥) - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾: الذين ولدوهم: يا فلان بن فلان.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدلُ وأقومُ.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾: لم تعرفوا أنسابهم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: فهم إخوانكم في الدين ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾؛ أي: أولياؤكم في الإسلام؛ كما قال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩].
وقيل: هو مِن ولاء العتاقة.
أي: إذا لم يمكنكم النسبةُ إلى الأب لعدم معرفةِ الأب، فقولوا: يا أخي ويا مولاي، وفي ولاء العتاقة: يا مولى فلانٍ، أو أن تسمُّوه بأسامي المسلمين: يا عبد اللَّه، يا عبيد اللَّه، يا عبد الرحمن، ونحوه من أسماء أهل الإسلام وأسماءِ الموالي، أو تُعرِّفونه بما يُعرَف به من عبوديةِ اللَّه أو الإسلام أو الصناعة.
و﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾: فنسبتُم واحدًا إلى رجلٍ وعندكم أنه أبوه وكان ذلك خطأً.
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أي: ولكن فيما تعمَّدْتُم ذلك من النسبة إلى غيرِ الأب مع العلم بذلك.
وقيل: فيما أخطأتم به قبل بلوغ النهي، فنسبتُم إنسانًا إلى مَن تبناه ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: فقلتُم (^١) ذلك بعد سماع النهي.
_________________
(١) في (ف): "فعلتم".
[ ١٢ / ١٣٦ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: لا يؤاخذ (^١) بالخطأ، ويقبلُ التوبة من المتعمِّد.
وعن عائشة ﵂ قالت: إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا- تبنَّى سالمًا وأنكحه ابنةَ أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأةٍ من الأنصار، كما تبنى رسول اللَّه -ﷺ- زيدًا، وكان مَن تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل اللَّه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمَن لم يُعلم له أبٌ كان أخًا في الدِّين (^٢).
* * *
(٦) - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: أحَقُّ بالمؤمنين بأنْ يَحكم عليهم من أنفسهم فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمَه.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من بعضهم لبعض؛ كما قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: فهذه رتبةُ النبي -ﷺ-، ومع هذا هو لا يرث أحدًا من أمته إلا بقرابة، فكذلك أدعياؤكم لا يرثونكم لأنه لا قرابة بينكم.
وفي مصحف أبيٍّ: (النَّبيُّ أَوْلَى بالمؤمِنينَ مِن أنفُسِهم وهو أبٌ لهم) (^٣).
_________________
(١) في (ر): "يؤاخذكم".
(٢) رواه البخاري (٥٠٨٨).
(٣) رويت عن أبي بن كعب ﵁ في "تفسير عبد الرزاق" (٢/ ٢١١)، وعن ابن عباس ﵄ في "المستدرك" (٣٥٥٦). وعن ابن مسعود أو أبيٍّ في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٥).
[ ١٢ / ١٣٧ ]
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: أي: أن نساء النبيِّ كأمَّهات المؤمنين في وجوب تعظيمهنَّ وبِرِّهنَّ.
وقيل: في أن اللَّه حرَّمهن عليهم كما حرَّم عليهم أمهاتهم.
وقيل: في إنهنَّ مشفقاتٌ عليهم مريداتٌ للخير لهم (^١) كالأمهات.
ثم هذه الأمومة لا تُوجب ميراثًا، فأمومةُ التبنِّي من إيجاب ذلك أبعد.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: أي: ولاية الميراث تقع بالأرحام لا بالتبني.
وقال الفرَّاء: كان المسلمون متواخِينَ، وكان الرجل إذا مات عن أخيه الذي آخاه ورثه دون عصبتة وقرابته، فأنزل اللَّه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وليس يرثهم، فكيف يرث المؤاخي (^٢) أخاه، وأنزل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (^٣).
ووجهٌ آخرُ: قال الحسن: لمَّا نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: "أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه، فأيما مؤمنٍ مات وترك عليه دَينًا فعليَّ أو ضيعةً فإليَّ، وإن ترك مالًا فلورثته" (^٤).
ووجه آخر: أن اللَّه تعالى عاب عليهم التسمية بالأبوَّة بالتبنِّي، والتسمية بالأمومة
_________________
(١) في (أ): "بهم".
(٢) في (أ): "الموالي".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٥).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٦) أوله وهو قوله: "أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه" عن الحسن، وباقيه عن قتادة. ورواه بتمامه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣١٥) من حديث جابر ﵁. ورواه البخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩) من حديث أبي هريرة ﵁ دون ذكر الآية.
[ ١٢ / ١٣٨ ]
في الظهار، ثم كانت هاتان التسميتان (^١) صالحتين للنبيِّ -ﷺ- وأزواجه، فيقال للنبي: أبو المؤمنين، ولأزواجه: أمهات المؤمنين، فعرَّفنا اللَّه بذلك خروجَ هذا من جملة ما عابه فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أبٌ لهم وأزواجُه أمهاتهم، فلا بأس عليكم في هذه التسمية في هذا الموضع ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ يعني: لكن التوارث فيما أَنزلت في كتابي لا يقع إلا بالقرابة والرَّحِم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي: في حكم القرآن. وقيل: أي: في حكم اللَّه الذي كتبه لهم.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: أي: بعضُهم أحقُّ بميراث بعضٍ من الذين تواخَوا على الإيمان والهجرة، وكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة.
وقيل: كانت المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والمؤمنون هم الأنصار، والمهاجرون هم الذين هاجروا إليهم.
وقيل: كانت مؤاخاتان إحداهما بين المهاجرين؛ آخى فيها النبي -ﷺ- بين حمزة وزيد، وبين أبي بكر وعمر، وبين نفسه وعليٍّ، والأخرى بين المهاجرين والأنصار: بين أبي بكر وخارجةَ، وبين عمر وعاصمٍ، وبين عِتْبانَ وعليٍّ، وبين سهلِ بن حنيفٍ وعبد الرحمن، وبين سعد بن الربيع وعثمان، وبين أوس بن ثابت وبين الزبير، رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: أي: إلا أن تُوصوا لمن أحبَبْتُم من هؤلاء بشيء، فيكون له ذلك بالوصية لا بالميراث.
وقيل: ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالصلة لهم، والمعونةِ بالبر والعقلِ عنهم ونحوِها، هذا وجه.
_________________
(١) في (ر): "المسألتان".
[ ١٢ / ١٣٩ ]
ووجه آخر قاله قتادة في هذه الآية، وفيه تقديمٌ وتأخير: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ بالميراث دون الكفار منهم، ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾؛ أي: قراباتكم من غير المؤمنين ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالوصية في الموت أو بالصلة في الحياة (^١).
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: أي: التوارثُ بالأرحام في اللوح المحفوظ كان مسطورًا.
وقيل: أي: في القرآن، وهي آية المواريث.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: يعني: كان ذلك في الكتاب مسطورًا حين كتب اللَّه تعالى ما هو كائن وحين أخذ مواثيق الأنبياء، وهو لتعظيم الأمر فيه، وتأكيدِ قطع الولاية بين المسلمين والكفار، وتعريفِ المؤمنين أن ذلك مما لا تختلف فيه شرائع الأنبياء في الجملة وإن كان في تفصيله اختلافٌ، وذلك أن الناس في أول الإسلام كانوا يتوارثون بالهجرة إذ هي من آكَدِ (^٢) أسباب الديانة،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٧ و١٩) عن قتادة قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ لبث المسلمون زمانًا يتوارثون بالهجرة، والأعرابيّ المسلم لا يرث من المهاجرين شيئًا، فأنزل اللَّه هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل. ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: للقرابة من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.
(٢) في (ر): "من أكبر".
[ ١٢ / ١٤٠ ]
وبالمؤاخاة إذ هي اجتماعٌ على نصرة دين اللَّه، ثم (^١) في الآخِر توارثوا بالإيمان مع القرابة، وذلك اجتماعٌ في الدِّين بجمع اللَّه تعالى فلم تَخْلُ هذه الشرائعُ كلُّها من تعليق التوارث بسبب ولاية الدين.
وقيل في نظمه وجهٌ آخر: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. . . كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ومأخوذًا به المواثيقُ من الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: قال سعيد بن جبير: عمَّ بأخذ الميثاق على الدِّين والشهادة، وخصَّ الخمسة المذكورين في الآية بتبليغ الرسالة والقيامِ بالحجة؛ لأن لهم الكتبَ والأمم وهم أولو العزم، وبدأ بذكر النبي -ﷺ- لأنه كان هو الأولَ في خطاب العهد، ولذلك قال النبي -ﷺ-: "أنا أولُ الأنبياء خَلْقًا وآخرُهم بعثًا إلى الخلق" (^٢).
قال ابن عباس ﵄: أخذ ميثاقَ نوح على أن يبشِّر بإبراهيم، وأخذ ميثاق إبراهيم على أن يبشِّر بموسى، وأخذ ميثاق موسى على أن يبشر بعيسى، وأخذ ميثاق عيسى على أن يبشر بمحمد -ﷺ-.
ثم قولُه تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ إلى آخره: دليلٌ على أن الواو للجمع المطلَق لا للترتيب.
_________________
(١) "ثم" ليست في (أ) و(ف).
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٤٩)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٦٦٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-. وسعيد بن بشير قال عنه البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال ابن معين: ليس بشيء. والحسن هو البصري ولم يسمع من أبي هريرة كما في "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص: ٣٨). وانظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٨٣٧).
[ ١٢ / ١٤١ ]
ثم هذا التفصيلُ بأسماء هؤلاء بعد الإجمال؛ لِمَا مرَّ أنهم أصحابُ كتبٍ وشرائعَ، وهم المذكورون في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣].
ثم قولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يحتمِل أن يكون هو الميثاقَ المذكورَ في أول الآية، وإنما أُعيد لِمَا أريد من تعريف تغليظه؛ أي: توثيقه وتأكيده، ويحتمِل أن يكون الأولُ ميثاقَ الإقرار والشهادة، والثاني ميثاقَ التبليغ والبشارة.
* * *
(٨) - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: الأنبياءَ، وهم الصادقون ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾: عن دعائهم لأمتهم: ماذا أُجيبوا فيه، وهل أُطيعوا وأُنزلوا منزلة الآباء من الأمم؛ أي (^١): أممهم، حتى كأن الأنبياء أحبُّ إليهم من أنفسهم وأهاليهم وأولادهم.
وقد روي أن كلَّ نبي أبو أمته (^٢)، وفي قصة لوط: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أنه أراد به بنات أمته فكان كالأب لهم.
وقيل: معناه: ليسألهم هل بلَّغوا؟ هل قاموا بما أُمروا به؟ فيحاسَبون على ذلك ويثابون على تبليغهم، فإذا كان الأنبياء يحاسبون ويُسألون فكيف مَن سواهم؟
وقيل: إذا كان الصادق يُسأل عن صدقة فكيف الكاذب؟
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: للكافرين من أمم هؤلاء؛ أي: مَن شَهد عليهم الأنبياء بالكفر.
_________________
(١) "الأمم أي" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٣٥)، عن مجاهد.
[ ١٢ / ١٤٢ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: سؤالُ الصادقين سؤالُ تشريف لا سؤالُ تعنيف، والصدقُ أن لا يكون في أحوالك شَوبٌ، ولا في اعتقادك رَيب، ولا في أعمالك عَيب (^١).
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: وهي قصةٌ تشتمِل على ذكر الكافرين والمنافقين الذين ذكرهم في أول هذه السورة، يقول: اذكروا أيها المؤمنون منَّةَ اللَّه عليكم ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾؛ أي: حين جاءتكم جنود من المشركين أهلِ مكة وهوازن (^٢) وغطفان في الأحابيش، وظاهَرهم على ذلك أهلُ الكتاب من بني قريظة، وذلك أن أبا سفيان بن حربٍ وعيينةَ بن حصنٍ ظاهَرَا يهودَ قريظة على النبي -ﷺ-، وسمع به النبيُّ -ﷺ- فحفر الخندق بإشارة سلمان.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: على هذه الجنود ﴿رِيحًا﴾ قطَّعت خيامهم وأكفأَتْ قُدورهم، فلم يمكِنْهم القَرارُ في مواضعهم (^٣) ﴿وَجُنُودًا﴾؛ أي: من الملائكة ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾: قرأ أبو عمرٍو في روايةٍ بياء المغايبة (^٤)؛ أي: لم يرها المشركون، وقرأ الباقون بتاء المخاطَب للمؤمنين.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٥٣).
(٢) في (ف): "وفزارة".
(٣) في (ف): "الفرار من موضعهم".
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القرءات" (ص: ١١٩).
[ ١٢ / ١٤٣ ]
قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير بياء المغايبة (^١)؛ أي: بما يعمله جنود المشركين من البغي والسعي في إطفاء نور اللَّه تعالى وهو وعيد لهم.
وقيل: أي: بما يعمله (^٢) جنود اللَّه؛ أي: بعلمه فعلوا (^٣) ما فعلوا وكان أرسلَهم لذلك.
وقرأ الباقون بتاء المخاطبة؛ أي: لم يَخْفَ عليَّ أيها المؤمنون ما عمِلْتُم من التحصُّن والثبات على معاونة النبيِّ -ﷺ- وهو وعدٌ لهم.
قال ابن عباس ﵄: لمَّا كان يومُ الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت: انطلقي بنا ننصرِ اللَّهَ ورسوله، فقالت الشمال: إن الحُرَّة لا تسري بالليل، فأرسل اللَّه عليهم الصَّبا فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (^٤)، وهم ألفٌ من الملائكة كانوا يكبِّرون من ناحية العسكر، وكانت هذه الريح من كبار المعجزات؛ لأنَّه لم يكن بين العسكرين إلا قَدْرٌ يسيرٌ يرى بعضهم بعضًا، فأرسل اللَّه الريح على المشركين وهي باردةٌ شغلَتْهم بأنفسهم وقلعت أخبِيَتهم ونالهم بسببها ما لم يتهيَّأ لهم القرارُ، وكان النبيُّ والمؤمنون في عافيةٍ من ذلك.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٩)، و"التيسير" (ص: ١٧٧)، عن أبي عمرو وحده.
(٢) في (ف): "يعلمه".
(٣) "فعلوا" ليس من (أ).
(٤) رواه البزار (١٨١١ - كشف الأستار)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣١١٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٤٨)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٣٦) من طريق عكرمة عن ابن عباس. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٦٦): (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٥) من قول عكرمة، وكذا ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/ ٩٠) عن عكرمة لكن بلفظ: (إن محوة لا تسري. . .) ومحوة هي ريح الشمال، سميت بذلك لأنها تمحو السحاب وتذهب بها. انظر: "اللسان" (مادة: محا).
[ ١٢ / ١٤٤ ]
(١٠) - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: قيل: هو وصف لهم بالكثرة والتوجُّهِ إليهم من كلِّ جهةٍ، وذلك أهولُ ما يكون.
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: ما يلي مكة ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: ما (^١) يلي المدينة.
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: من فوق الوادي من قِبَلِ المشرق وعليهم عوفُ بن مالكٍ النصْريُّ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: ما (^٢) يلي المدينة، يعني: أبا سفيان بنَ حرب وعيينةَ بن حِصنٍ على أهل مكةَ، ويزيدَ بن حبيش (^٣) على قريش، ومن قِبَل الخندق طليحةُ بن خويلدٍ اليهودي (^٤) ثم الفقعسي ومعه يهود بني قريظة (^٥).
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: أي: مالت عيونكم عن كلِّ شيء فلم تلتفت إلا إلى العدوِّ متحيِّرةً، قاله الفراء (^٦).
وقيل: عُدلت عن مقرِّها وشَخَصت طامحةً من شدة الفزع.
_________________
(١) في (ف): "مما" في الموضعين.
(٢) في (ف): "مما".
(٣) في (ف): "حابس". واسمه في المصادر عدا "تفسير مقاتل": يزيد بن جحش، وعند مقاتل: (يزيد بن خليس).
(٤) كذا في النسخ، والذي في المصادر: (الأسدي). ولم أجد من ذكر فيه أنه يهودي، ولم يذكر ذلك ابن حجر في ترجمته في "الإصابة" (٣/ ٤٤٠)
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧٦)، و"تفسير يحيى بن سلام" (٢/ ٧٠٤)، و"النكت والعيون" (٤/ ٣٧٩)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٩١).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٦).
[ ١٢ / ١٤٥ ]
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾: قيل: أي: كادت قلوبهم تبلغ الحلاقم.
وقيل: إن الرئة تنتفِخ عند الخوف فتدفع القلبَ حتى يكاد يبلغ الحنجرة.
وقيل: أي: صار بعضهم من الرعب يضطربُ فؤادُه فلم يستقرَّ مكانه، بل بلغ بحركته واضطرابه إلى الحلق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف بالوقْف دون الوصل، وقرأ نافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وابنُ عامر بالألف في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالين (^١)، وفي المصحف بالألف في هذه الثلاث ﴿الظُّنُونَا﴾ و﴿الرَّسُولَا﴾ و﴿السَّبِيلَا﴾ (^٢)، وهو الأولى (^٣)؛ لموافقة المكتوب، ولمطابقة رؤوس الآي (^٤)، وهو صحيح في اللغة مستعملٌ في الكلام، وزيادة الألف إشباع الفتحة.
ومعنى هذا الكلام: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ ظُنونًا مختلفةً، يظنُّ المخلِص أن اللَّه تعالى منجزٌ نبيَّه وعدَه في إعلائه وقهرِ أعدائه، ويظنُّ المرتاب أو غيرُ نافذ البصيرة غيرَ ذلك
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٩)، و"التيسير" (ص: ١٧٨).
(٢) انظر: "المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار" للداني (ص: ٣٩).
(٣) في (ر): "الأوفى".
(٤) في "تفسير القرطبي" (١٧/ ٩٣ - ٩٤): (قال ابن الأنباري: ولم يخالف المصحفَ من قرأ الظنون والسبيل والرسول بغير ألف في الحروف الثلاثة وخطُّهن في المصحف بألف؛ لأن الألف التي في ﴿أَطَعْنَا﴾ والداخلةَ في أول الرسول والظنون والسبيل كفى من الألف المتطرفة المتأخرة كما كفت ألف أبي جاد من ألف هواز. وفيه حجة أخرى: أن الألف أنزلت منزلة الفتحة وما يلحق دعامة للحركة التي تسبق والنية فيه السقوط فلما عُمل على هذا كانت الألف مع الفتحة كالشيء الواحد يوجب الوقف سقوطها. .) إلى آخر ما قال.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
لِمَا يرى من كثرة العدو وضِيق الأمر بالمسلمين، يقول: لو كان اللَّه يريد أن ينصرهم لَمَا بلغ الأمر هذا المبلغَ، وهو قولُه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وقيل: هذا خطاب للمؤمنين؛ أي: تظنُّون مرةً أن اللَّه سيكفيكم ويقوِّيكم ويحميكم، وتظنُّون مرةً أنه يبتليكم ويخليكم، ويُخطر الشيطان مع ذلك قلوبَكم الخواطر.
* * *
(١١) - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: امتُحن المؤمنون فبان صبرُهم وثباتهم.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: أي: حرِّكوا تحريكًا شديدًا بليغًا بالفتنة والتمحيص.
قال محمد بن إسحاق: إن الحال لمَّا اشتدت وجاءت قريش مع قادتها حتى نزلت برومة، وغطفانُ مع قادتها ونزلت إلى جانب أحد، وكانوا عشرة آلاف والمسلمون ثلاثةَ آلاف، وبلغ رسولَ اللَّه -ﷺ- أن حييَّ بن أخطبَ لم يزل يَفتِلُ من كعب بن الأشرف في الذِّروة والغارب حتى نقض العهد، وعظُم بذلك البلاءُ واشتدَّ الخوف، وظنَّ المؤمنون الظنونَ ونجَم النفاق، حتى قال معتِّب بن قُشيرٍ: كأن محمدًا يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدُنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط!
وأقام النبي -ﷺ- بضعًا وعشرين ليلة، فبينا الناس على ذلك من الخوف والبلاء، ولم يكن بين الناس قتال إلا الحصارُ والرميُ بالنبال، بعث رسول اللَّه -ﷺ- إلى عيينةَ بن حصن والحارثِ بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلثَ ثمار المدينة على أن
[ ١٢ / ١٤٧ ]
يرجعا ومَن معهما عن رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، وكتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فلما أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما، فقالا: يا رسول اللَّه، أمر تحبُّه فتصنعَه، أم شيءٌ أمرك اللَّه تعالى به لا بد لنا من أن نعمل به، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: "لا، بل لكم واللَّه، ما أصنع ذلك إلا لأني رأيتُ العرب قد كالبَتْكم من كل جانب ورمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه وعبادة الأوثان لا نعرف اللَّه ولا نعبده، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا بقِرًى أو بشِرًى، فحين (^١) أكرمنا اللَّه بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجةٍ، فواللَّه لا نعطيهم إلا السيفَ حتى يحكم اللَّه بيننا وبينهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فأنت وذاك" وتناول صحيفة العهد ومحاها (^٢).
* * *
(١٢) - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قيل: إن المنافقين معروفون وهم كفارٌ غير مؤمنين ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم قوم لا نصرةَ لهم في الدِّين (^٣) كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشُّبَه عليهم:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: أي: أن رسول اللَّه -ﷺ- وعدَنا النُّصرة ولم تظهر أمَارةُ ذلك بل يَظهر غيرُ ذلك، فليس ما وُعدنا إلا غرورًا؛ أي: إلا شيئًا يخدعُنا به
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فحيث".
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢١٩) وما بعدها.
(٣) في (أ): "لا بصيرة لهم في الدنيا" وفي (ف): "لا بصيرة لهم في الدين".
[ ١٢ / ١٤٨ ]
لنتَّبعه من غمر أن يكون له حقيقةٌ، وافتتح بذكر اللَّه لأن رسول اللَّه -ﷺ- كان يَعِدُ ذلك عن اللَّه تعالى، وكان وعدُه وعدَ اللَّه.
ورُوي أن رسول اللَّه -ﷺ- ضرب بالمعول فى الخندق ضرباتٍ أضاءت له منها قصور الشام واليمن والعراق، فبشَّرهم بأنها ستُفّتح عليهم وهم يومئذ (^١) في جهدٍ شديد وخوفٍ عظيم، فقال معتِّب بن قُشيرٍ -وقيل: أوس بن قيظيٍّ-: يَعِدُنا محمد بهذا ونحن لا نستطيع أن نبرز للخلاء! فنزلت هذه الآية (^٢).
وقيل: ما كان قولَهم ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لأن مَن أقرَّ باللَّه والرسل لا يتكلَّم بهذا؛ لكنْ لمَّا وعدهم محمد -ﷺ- ذلك قالوا: هذا غرور، فأخبر اللَّه تعالى أنهم إنما وَصفوا بالغرور ما هو وعدُ الرسول، ووعدُه وعدُ (^٣) اللَّه.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "حينئذ".
(٢) ذكره ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٢٢)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ٤٣٥). ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٩ - ٤٢)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤١٨ - ٤٢٠) من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وكثير متروك. وليس في خبر ابن إسحاق ذكر نزول الآية. وقصة تبشير النبي -ﷺ- بمدائن كسرى وقيصر عند كسر الصخرة أخرجها أيضًا النسائي في "المجتبى" (٣١٧٦) من طريق أبي سكينة -رجل من المحررين- عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-. ورواها الإمام أحمد في "المسند" (١٨٦٩٤)، والنسائي في "الكبرى" (٨٨٠٧)، من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) في (أ): "بوعد".
[ ١٢ / ١٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾: أي: يا أهل المدينة ليس لكم موضعُ قيام.
وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بالضم (^١)؛ أي: موضع إقامة؛ أي: ضيَّق عليكم الأحزاب الموضعَ فارجعوا من العسكر (^٢) إلى المدينة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾:
أي: منكشفةُ الظهور. وقيل: أي: خالية. وقيل: أي: ضائعة.
وقيل: أي: ممكنةٌ للعدو، ونحتاج إلى أن نرجع فنحفظَها لقرب العدوِّ منها.
وقيل: خارجةٌ من عمران المدينة، فَبَعَث رسول اللَّه -ﷺ- إليها فلم تكن كذلك، وذلك قوله:
﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: أي: ما يريدون إلا هربًا من العسكر (^٣)؛ حذرًا من الحرب، وإرادةً لكسر قلوب غيرهم.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ أي: من نواحيها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: أي: الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٠)، و"التيسير" (ص: ١٧٨).
(٢) في (أ): "المعسكر".
(٣) في (أ): "المعسكر".
[ ١٢ / ١٥٠ ]
﴿لَآتَوْهَا﴾: أي: لأعطَوها من أنفسهم وكفروا، وهذا على قراءة المد، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿لَأَتَوْهَا﴾ بالقصر؛ أي: لجاؤوها وفعلوها، من قولك: أتيتُ أمر كذا، والباقون بالمد من الإيتاء (^١)، وهو الإعطاء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: أي: ما تثاقلوا عن الإجابة إلا وقتًا قليلًا، وهذا وصفٌ لهم بضعف النية فيما يُظهرونه من الإسلام، وانحلالِ عقائدهم في الإيمان.
يقول: لو دخل الأحزاب الأبواب قبل أن يصلوا إلى البيوت ساعدوهم على إظهار الكفر.
وقيل: لو سئلوا إثارة الفتنة على المخلِصين لفعلوا وعاونوا عليها الكفار.
وقال الحسن ﵀: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾؛ أي: لو عادوا إلى الكفر لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلًا حتى يعاجلهم اللَّه تعالى بعذابه فيهلكوا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: هم بنو حارثة (^٣).
وقال مقاتل: هم بنو سالم (^٤).
وقال ابن عباس ﵄: إن اليهود قالت لعبد اللَّه بن أبيٍّ وأصحابه: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه؟ فارجعوا إلى المدينة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾؛ أي: في الرجوع إلى المدينة وهم بنو حارثة (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٠)، و"التيسير" (ص: ١٧٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٩)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ٢٠٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٤).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧٨).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٩).
[ ١٢ / ١٥١ ]
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: أي: مسؤولًا عنه؛ أي: فنقضوا عهدهم واللَّه يسألهم عن ذلك، وكان بنو حارثة عاهدوا اللَّه بأحد أنْ لا يُولُّوا.
وقال ابن عباس ﵄: هم قوم من أهل مكة.
وقال مقاتل ﵀: هم السبعون الذين عاهدوا رسول اللَّه -ﷺ- ليلة العقبة وقالوا له: اشترط لربك ولنفسك، قال: "اشترطتُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترطتُ لنفسي أن تمنعون مما تمنعون، منه أنفسكم وأموالكم وأولادكم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة"، قالوا: قد فعلنا ذلك (^١).
وقال محمد بن إسحاق ﵀: عاهدوا رسول اللَّه -ﷺ- يوم أحد على ألا يَفِرُّوا بعد ما نزل في الفارِّين (^٢).
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: إن كان حضر أجلُكم فلن ينفعكم الفِرار، وإن كان لم يحضر وفَرَرْتُم لم
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧٨). وهذا الكلام مردود لا يجوز اعتقاده، فكيف يظن بأهل بيعة العقبة وهم من خيرة الأنصار أن يكونوا هم المقصودن بهذه الآية، وقد تعقبه البغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٣٣): وهذا القولُ ليس بمَرْضيٍّ؛ لأن الذين بايَعوا ليلةَ العَقَبة كانوا سبعين نفرًا، لم يكن فيهم شاكٌّ ولا مَن يقولُ مِثلَ هذا القول، وإنما الآيةُ في قومٍ عاهَدوا اللَّه أنْ يقاتلوا ولا يَفِرُّوا، فنقضوا العهدَ.
(٢) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٤٦).
[ ١٢ / ١٥٢ ]
تمتَّعوا في الدنيا إلا قليلًا، وهو مدة أعماركم، وذلك قليلٌ لأنه ينقضي عن قريب؛ أي: فصبرُكم مع رسول اللَّه -ﷺ- في مجاهدة الكفار خيرٌ لكم من الفرار على كل حال.
* * *
(١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: يمنعكم مما يريد اللَّه إنزالَه بكم.
﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: أي: في أنفسكم من قتلٍ أو غيره من مكروه.
﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾: أي: إطالةَ عمرٍ في عافيةٍ وسلامة؛ أي: هل هذا كلُّه إلا من اللَّه تعالى؟
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: أي: ولا ينال هؤلاء القوم من (^١) غير اللَّه مَن يتولى حفظهم، ولا مَن ينصرهم على مَن يريد إيقاعَ مكروهٍ بهم.
وقيل: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾؛ أي: هزيمةً ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾؛ أي: ظهورًا على الأعداء.
ثم الجمعُ بين الأمرين وأحدُهما مكروهٌ والآخرُ محبوب -والمذكور في صدر (^٢) الكلام هو العصمة- يُشْكل بظاهره، لكن تقديره في الثاني: ومَن يمنع اللَّه من أن يرحمكم إن أراد بكم رحمة.
* * *
_________________
(١) "من" من (ر).
(٢) في (ر) و(ف): "صدور".
[ ١٢ / ١٥٣ ]
(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: المثبِّطين المثقِّلين الناسَ عن شهود الحرب، وأصل التعويق: المنعُ، وقد عاقَه يَعُوقُه؛ أي: منعه، والتفعيل للتكرير والتكثيرِ، وهم طائفة من المنافقين.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: طائفةٍ أخرى منهم.
وقيل: هؤلاء اليهود يقولون لإخوانهم؛ أي: للَّذين يؤاخونهم على الكفر.
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبِلوا إلينا وصيروا في جملتنا، ودَعُوا عسكرَ محمد -ﷺ- ولا تشهدوا معه القتال.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: الحربَ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولون لإخوانهم: إن أصحاب محمد لا يحضرون الحرب، إلا طائفةٌ قليلة منهم لا يقاومون الأحزاب، فهم مغلوبون فلا تكونوا معهم، وهذا قول قتادة (^١).
وقيل: أي: ولا يأتي هؤلاء القائلون لإخوانهم هذا الحربَ إلا قليلًا؛ أي: لهم الوصفان جميعًا: هم مثبِّطون لغيرهم ومتخلِّفون في أكثر الأحوال بأنفسهم.
وقيل: أي: يحضرون ساعةً رياءً وسمعة، يقفون قليلًا مقدارَ ما يُرى شهودُهم ثم ينصرفون؛ كالذين لا يَأتونَ الصَّلاةَ إلَّا وهم كُسَالَى يراؤون الناس.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٠).
[ ١٢ / ١٥٤ ]
(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: جمعُ شحيح وهو البخيل، ونصبه على الحال ويتصل بقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بخلاءَ عليكم بالظفَر والغنيمة والخير ومعونةِ الضعفاء.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: كدوران عينِ الذي يزول عقله عند ظهور سكرات الموت.
يقول: إذا كانت الغنيمة فهم أشحُّ الناس، وإذا جاء خوف القتل فهم أجبنُ الناس، ويُدهشون من الفزع، ويقلِّبون أعينَهم يمينًا وشمالًا، وينظرون إليك يلوذون بك أحداقُهم تضطرب في رؤوسهم كما يكون ممن حضره الموت.
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: عصَوكم وآذَوكم بالكلام (^١).
وقال قطرب: سَلَقَتِ المرأة وصَلَقَت؛ أي: صَخِبَت (^٢)، وأصله: رفع الصوت؛ قال النبي -ﷺ-: "ليس منَّا مَن حلق أو سلق" (^٣)؛ أي: حلَق شعره عند المصيبة أو رفعَ صوته بالنياحة.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٣٩)، و"البسيط" (١٨/ ٢٠٨). وليس في "معاني القرآن": "عصوكم".
(٢) كذا وقعت العبارة في النسخ، وفي "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية عن قطرب: (سلقْتُ المرءَ وصلقْتُ؛ أي: صحْتُ به، وأصلُه. . .). ويغلب على الظن أنه منقول عن المؤلف فإن هذا التفسير من مصادر ابن كمال في "تفسيره".
(٣) روى نحوه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ١٢ / ١٥٥ ]
﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أي: ذَرِبةٍ بالقول بعد أن كانت حَصِرةً بالخوف.
وقيل: أي: يطعنون فيكم ويغمزونكم بالمعايب كذبًا وزورًا.
وقيل: أي: يُكْثرون القولَ عليكم في الغنيمة (^١): أعطُونا أعطُونا، إلحاحًا منهم وتوهُّمًا أنكم تستأثرون به.
وقيل: أي: أثنَوا عليكم نِفاقًا برفع الصوت بعدما كانوا يثبِّطونهم في حال الحرب.
وقوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾:
قيل: أي: بخلاءَ عليكم بالغنيمة، والأولُ بالمعونة؛ لئلا يتكرَّر.
وقيل: أي: أَشِحَّةً بكلام الخير؛ أي: يُسيؤون القولَ فيكم ولا يُحْسنون.
وقيل: الأول على الخصوص فإنه قال؛ ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، وهذا على العموم؛ أي: في حقِّ كلِّ الناس؛ لشَرَههم وسوءِ طباعهم وخُبث اعتقادهم.
وقيل: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾؛ أي: بالطاعات والخيرات.
وقيل: الخير: المال؛ أي: أشحةً بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل اللَّه ولا يُؤْثِرون ولا يواسُون.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: أي: في الحقيقة، بل بالألسنة ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أبطل بإضمارهم الكفرَ ما أظهروه من الأعمال.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: إحباطُ أعمالهم.
* * *
_________________
(١) في (أ): "القسمة".
[ ١٢ / ١٥٦ ]
(٢٠) - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ﴾: أي: يظنُّون أن الأحزاب وهم قريشٌ وغطفانُ ومَن معهم ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾؛ أي: لم ينصرفوا مع أنهم انصرفوا، وهو بيان جبن هؤلاء المنافقين.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾: أي: ولو رجع الأحزاب إلى المدينة بعد أن انصرفوا إلى مواضعهم تمنَّى هؤلاء المنافقون -لجُبنهم- لو كانوا في البوادي مع الأعراب وهم سكان البدو؛ ليأمنوا على أنفسهم.
﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أي: يودُّون لو أنهم في البدو ويسألون هناك عن أخباركم مَن أتاهم من المدينة؛ أي: تمنَّوا أن يكونوا ببُعدٍ منكم لا يعلمون بحالكم إلا بالسؤال عنها من القادمين من جهتكم جُبنًا منهم.
وقيل: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ليس بمبنيٍّ على الأول، ومعناه: أن مَن كان منهم في أطراف المدينة لم يحضروا الخندق يسألون الناس (^١) عن أنبائكم متوقِّعين خبر غلبةِ المشركين عليكم.
﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾: أي: لو كان هؤلاء السائلون في عسكركم ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ورياءً وسمعةً لا نفعَ لكم فيه.
* * *
(٢١) - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
_________________
(١) "الناس" ليست في (أ).
[ ١٢ / ١٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قرأ عاصم: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الألف والباقون بكسرها (^١)، وهما لغتان في القدوة، وتذكيرُ ﴿كَانَ﴾ لتقدُّم الفعل؛ أي: لقد كان لكم قدوةٌ برسول اللَّه حين خرج لحرب هؤلاء وبذَل نفسه لنصر دين اللَّه، مع ما قاساه من البلايا من البرد والجوع وحفر الخندق وغيرِ ذلك، فكان ينبغي لهؤلاء أن لا يخالِفوه ولا يتخلَّفوا عنه.
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: أي: يأمل ثوابَ اللَّه ويخافُ عقاب اللَّه، والرجاء اسم لهما جميعًا.
﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: بالتعظيم له في كل الأحوال، فهذا هو الذي يرغب في اتِّباع رسول اللَّه -ﷺ-.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: أي: أخبَر اللَّه أنه يكون بلاءٌ وشدة في آيات ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] الآيات ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، ونحوها.
﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: ظهَر صدقُهما.
﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ما رأوا ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ وتصديقًا (^٢) ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ وتفويضًا، وقالوا: ظهر صدق وعد اللَّه في إصابة البلاء، فكذلك يظهر صدق وعده في النصر والفرج.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٠)، و"التيسير" (ص: ١٧٨).
(٢) "وتصديقًا" ليست في (أ).
[ ١٢ / ١٥٨ ]
(٢٣) - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: إن جماعة من الصحابة لمَّا سمعوا رسول اللَّه -ﷺ- يصف شهداء بدر ودرجاتهم في الجنة وثوابَهم عند اللَّه تعالى، قالوا: لئن أرانا اللَّه مثلَ ذلك اليوم فعلنا وفعلنا، فلما ابتُلوا بيوم أحد صاروا فرقًا، فمنهم مَن استُشهد مثلَ حمزةَ ومصعبِ بن عميرٍ ودونهما، ومنهم مَن جُرح، ومنهم مَن انهزم، فوصف اللَّه الذين ثبتوا في الحرب فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١).
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: أي: نذره.
وقال ابن عباس ومقاتل: أي: أجَله (^٢).
وقال الضحاك: يعني: الموت (^٣).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يعني الوفاء بالعهد ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنسُ بن النضر عن قتال بدر، فقال: غبتُ عن أولِ مشهدٍ شهِده رسول اللَّه -ﷺ-، ولئن شهدتُ مشهدًا مع رسول اللَّه ليَرينَّ اللَّه ما أصنع، وهاب أن يقول غير ذلك، فلما كان يوم أحد وقتل من
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر نحو هذا الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٤ - ٦٥) مقدمًا به لحديث أنس ﵁ في قصة عمه أنس بن النضر وسيأتي.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٨٤). ورواه عن ابن عباس الطستي في "مسائله" كما في "الدر المنثور" (٦/ ٥٨٨)، ومن طريق الطستي رواه السيوطي في "الإتقان" (٢/ ٨٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٤)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ١٩)، عن ابن عباس ﵄.
[ ١٢ / ١٥٩ ]
المسلمين مَن قتل وهرب مَن هرب قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني: المنهزمين، وانغمس في العدو وجعل يضرب بسيفه حتى قُتل، قال أنس: فنظرنا فإذا عليه فيما يُقبل من جسده (^١) بضعٌ وثمانون جراحةً من ضربٍ بالسيف وطعنٍ بالرمح ورمي بالسهم، فلم يعرفه أحد حتى عرفته أختُه من بنانه، وفيه أنزل اللَّه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ (^٢)، يعني: النذر (^٣).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قيل: هو طلحة بن عبيد اللَّه، فإنه قد بذل نفسه وأصابته الجراح في يده، وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "طلحة ممن قضى نحبه" (^٤)، وإنما قال ذلك لأنه كان بذل نفسه.
﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾؛ أي: ما نقضوا العهد.
* * *
(٢٤) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾: هم الذين صدَقوا ما عاهدوا اللَّه عليه وهو متصلٌ بما قبله، قالوا: هذا ما وعدَنا اللَّه ورسوله أنه يمتحنُنا بالشدائد
_________________
(١) "فيما يقبل من جسده" ليس في (ف).
(٢) رواه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٥ - ٦٦)، وجاء آخر الرواية عند البخاري بلفظ: (قال أنسٌ: كنَّا نرى -أو نَظن- أنَّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إلى آخِر الآيةِ). ونحوه في بعض روايات الطبري.
(٣) في (ر): "يعني أنس بن النضر" وليست في (ف).
(٤) رواه الترمذي (٣٢٠٢) من حديث معاوية ﵁. ورواه بنحوه الترمذي أيضًا (٣٢٠٣) و(٣٧٤٢) وحسنه من حديث طلحة ﵁.
[ ١٢ / ١٦٠ ]
من الكفار ويتعبَّدنا بمجاهدتهم؛ ليتميَّز بذلك الصادقُ من الكاذب، فيجزيَ اللَّه الصادقين بصدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: وهو إذا مات المنافق على نفاقه ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: يقبلَ توبةَ مَن تاب منهم وأخلص ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب وإليه أناب.
* * *
(٢٥) - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾: أي مع غيظهم لم يَشْفوه؛ أي: صرفهم عن المدينة وكفَّهم عن النبي -ﷺ- وأصحابه ﵃.
﴿لَمْ يَنَالُوا﴾: أي: ظَفَرًا.
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: أي: لم يُحْوِجهم في ردِّهم عنهم إلى قتال، بل دفعهم عنهم بالريح فلم يستطع أحد منهم أن يُلجم دابته، وجالت خيلهم في عسكرهم وتقطَّعت أطنابهم فانهزموا سريعًا عاجلًا (^١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قادرًا منيعًا.
* * *
(٢٦) - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: عاونوا المشركين
_________________
(١) "عاجلًا" من (ف).
[ ١٢ / ١٦١ ]
وهم يهود بني قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: حصونهم، جمع صِيْصِيَةٍ، والصِّيصِيَةُ قرنُ البقرة وشوكةُ الديك وشوكةُ الحائك؛ قال الشاعر:
كوقعِ الصَّياصي في النسيجِ الممدَّد (^١)
وكانوا ذمةً لرسول اللَّه -ﷺ-، فنقضوا العهد باستدعاء أبي سفيان، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلما فرغ رسول اللَّه -ﷺ- من أمر قريش ودخل الحجرة ووضع السلاح سمع وَجْبةً على باب الحجرة، فنظر فإذا هو بجبريل ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه أثرُ النَّقْع، فقال: يا رسول اللَّه، وضعتَ السلاح ونحن ما وضعنا أسلحتنا بعدُ، فقالت عائشة ﵂: فكأني انظر إلى رسول اللَّه -ﷺ- يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا دحيةُ الكلبي؟ فقال: "هذا جبريل"، فقال: إن اللَّه يأمرك ألا تصلِّي العصر إلا ببني قريظةَ، فنادى رسول اللَّه -ﷺ- بذلك في المسلمين، فخرجوا إليهم (^٢) ولحق بهم رسول اللَّه -ﷺ-، وحاصرهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بأن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتغنم أموالهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد حكمتَ بحكم اللَّه تعالى فيهم" وفعل ذلك، ومَنَّ اللَّه على المسلمين بذلك فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) عجز بيت لدريد بن الصمة، وهو في "ديوانه" (ص: ٤٨)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٣٦)، وصدره في الديوان: فجئت إليه والرماح تنوشه وفي "المجاز": فما راعني إلا الرماح تنوشه
(٢) في (أ): "إليه" وليست في (ر).
(٣) تنظر القصة بنحو هذا السياق في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٣٣)، و"تفسير الطبري" =
[ ١٢ / ١٦٢ ]
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: أي: ألقى فيها الخوف ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهم البالغون ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم الصبيان والنساء.
* * *
(٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾: أي: جعلها لكم بعدهم.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾: أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتال أهلها واستيلاءكم على أموالهم فيها، وهذا وعدٌ لهم بإحرازِ أرض لم يصلوا إليها بعد.
قيل: هي أرض فارس والروم، وهذا قول الحسن.
وقال قتادة: هي مكة.
_________________
(١) = (١٩/ ٧٢)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٤/ ٥). وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٢٤٩٩٢) عن عائشة: أن رسول اللَّه -ﷺ- لما فرغ من الأحزاب، دخل المغتسل ليغتسل، فجاء جبريل ﵇، فقال: أوقد وضعتم السلاح، ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة. وقول عائشة ﵂: فكأني انظر إلى رسول اللَّه -ﷺ- يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا دحيةُ الكلبي؟ فقال: "هذا جبريل"، رواه يونس بن بكير كما في "سيرة ابن إسحاق" (٤٦٦)، ومن طريقه أبو جعفر الرزاز كما في "مجموع مصنفاته" (١٥٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ١١). وقوله: "فنادى رسول اللَّه -ﷺ- بذلك في المسلمين"، هو قول النبي -ﷺ-: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" رواه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠)، عن ابن عمر ﵄. ونزول قريظة على حكم سعد ﵁ وما جاء بعده رواه البخاري (٤١٢١)، ومسلم (١٧٦٨)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٢ / ١٦٣ ]
وقال ابن زيد ويزيد بن رومان: هي خيبر (^١).
وقيل: هي فدكُ وخيبرُ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: لم يزل اللَّه قادرًا على استئصال الكفار -وإن كان لا يعاجل بالعقوبة- وعلى كل شيء.
وكان حرب الأحزاب -ويسمى: حربَ الخندق- بعد حرب أحدٍ بسنةٍ في السنةِ الخامسة من الهجرة، واستجاش أبو سفيان سبعةَ جيوش، وقد كان بايَع مجوسَ فارس ونصارى الر وم، وكان الأحزاب تحالفوا أن يستأصلوا المدينة وأهلها ويهدموا البنيان بحيث لا يبقى بها أثر، وكان في صميم الشتاء وشدةِ البرد، وأهلُ المدينة في عزةٍ من الطعام وقلةٍ من اللباس وضعفٍ من البدن، وكانوا يحفرون الخندق وهم شادُّون الأحجار على أوساطهم، والنبيُّ -ﷺ- شادٌّ حجرًا على حجر (^٢) على بطنه، وفي اليوم الأول قُتل عمرو بن عبدِ ودٍّ من أكابر المشركين، وفي اليوم الثاني شَغلوا النبيَّ -ﷺ- عن الصلاة الوسطى، وفاتته أربعُ صلوات وقضاهن من الليل، وفيه دعي رسول اللَّه -ﷺ- إلى طعام قليل وهو صاعٌ من شعيرٍ وشاةٌ، فجمع كل أصحابه وأتاهم فكفاهم كلَّهم ذلك الطعامُ وفَضَل عنهم (^٣).
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
_________________
(١) روى هذه الأخبار الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٨٢ - ٨٣)، وعن قتادة والحسن عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٣٢) و(٢٣٣٣).
(٢) "على حجر" ليست في (أ).
(٣) رواه البخاري (٤١٠٢)، ومسلم (٢٠٣٩)، من حديث جابر ﵁.
[ ١٢ / ١٦٤ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: روي أن النبي -ﷺ- قسم غنائم بني قريظة بين أصحابه وعائشةُ ﵂ تنظر (^١)، وكان للنبي الخُمسُ من كلِّ الغنيمة، فقالت عائشة ﵂ في نفسها: اليومَ يومُ خماري ومِقْنَعتي، وصرف النبيُّ الخمسَ أيضًا إلى الناس فلم يحصل لعائشةَ شيء، فجادلت رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك وأبو بكر الصدِّيقُ حاضر، فرفع يده إليها ليلطمها فمنعه رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "دَعْها فإنها صغيرة (^٢) " ثم وضَع يده على كتفها وقال: "اخرُج يا شيطان منها"، وقيل: قال: "اخرُجْ يا خبيثُ من هذه الطاهرة" فقامت وقالت: والذي بعثك بالحق لقد خرج، ونزلت هذه الآية في عتابهنَّ (^٣)، وفيها تخييرُهن وهو انتظامٌ حسَن.
وقيل: انتظامها بما قبلها: أنه نوعُ أذًى كان منهنَّ في حقِّ النبي، والأولُ كان نوعَ أذًى في حقه من الكفار والمنافقين.
وقال عكرمة: نزلت الآية في غيرة غارتها عائشة ﵂ (^٤).
وقيل: إن بعض نسائه استزادَتْه في النفقة (^٥).
وروي أنه أُمر أولًا باعتزالهنَّ، فآلى ألا يدخل عليهن شهرًا، ثم لمَّا مضى شهرٌ
_________________
(١) في (ر): "تنتظر".
(٢) في (أ): "صبية".
(٣) لم أقف عليه بهذا السياق، والذي في الصحيح أنها نزلت في سؤال زوجات النبي -ﷺ- منه النفقة، وسيأتي.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٨٦).
(٥) رواه مطولًا البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)، من حديث ابن عباس ﵄، ورواه مطولا أيضًا مسلم (١٤٧٨) من حديث جابر ﵁.
[ ١٢ / ١٦٥ ]
أنزل اللَّه هذه الآية وأمره بتخيير نسائه، فبدأ بعائشة ﵂ وقال لها: "إني مُلْقٍ إليك أمرًا فلا عليك أن تجيبيني حتى تستأمري أبويك" -قالت عائشة: وكان (^١) النبي -ﷺ- يعلم أن أبوي لا يأمراني بفراقه- ثم تلا عليها الآيتين، قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه! أفي اللَّهِ ورسوله أستأمِرُ أبويَّ؟ فإني اخترتُ اللَّه ورسوله والدارَ الآخرة، ولكنْ لا تخبر بقولي سائر نسائك، فكان رسول اللَّه -ﷺ- يدخل على نسائه ويتلو عليهن الآيتين ويخبرهن بصنيعِ عائشة، فاخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾؛ أي: إن كنتن تُرِدْن نكاحَ مَن يمَتِّعُكُنَّ بدنياه وزينتِها من الأموال حتى تتوسَّعْنَ في النفقة والكسوة حتى تنفردَ كلُّ واحدةٍ منكن بزوجٍ لا يتزوَّج معها غيرَها فتزولَ الغيرة عنها ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾؛ أي: فجئن (^٣) ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾؛ أي: أُعطِكُنَّ المتعةَ بالمعروف ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾؛ أي: أطلقكن طلاقًا حسنًا لا ضرارَ فيه في وقت السُّنَّة.
* * *
(٢٩) - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يعني رضا اللَّه ورضا رسوله ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؛
_________________
(١) في (أ): "وظني".
(٢) هذه قطعة من حديثي ابن عباس وجابر المتقدمين، وليس في حديث ابن عباس قول عائشة: "ولكنْ لا تخبر بقولي سائر نسائك"، أما حديث جابر فلفظه: وأسألُك أنْ لا تخبِرَ امرأةً مِن نسائكَ بالذي قلتُ، قال: "لا تسألُني امرأةٌ منهنَّ إلا أَخبرْتُها، إن اللَّه لم يبعثني مُعنِّتًا، ولا مُتعنِّتًا، ولكنْ بعَثني معلِّمًا مُيَسِّرًا".
(٣) "أي فجئن" ليس في (أ).
[ ١٢ / ١٦٦ ]
أي: ثواب الآخرة دون زينةِ الدنيا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: تنلنَ بالدوام على نكاحي رضا اللَّهِ ورضاي وثوابَ الآخرة دون زينة الدنيا (^١)، فإذا أحسَنْتُنَّ العمل فاثْبُتْنَ على نكاحي أَثبُتْ عليه.
* * *
(٣٠) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: أي: زنًا ظاهرٍ ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير: ﴿نُضعِّف﴾ بضم النون وتشديد العين ﴿الْعَذَابُ﴾ بالنصب، وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح العين على ما لم يسمَّ فاعله (^٢).
وحكى أبو عمرو قراءة أبي عمرو (^٣): (نضاعِفْ) بالنون والألف خبرًا من اللَّه تعالى من نفسه بخطاب الملوك.
والتضعيف والمضاعفة واحد؛ كقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ ﴿ولا تُصاعِرْ﴾ [لقمان: ١٨].
و﴿ضِعْفَيْنِ﴾ عند أبي عبيدة: ثلاثةُ أمثال؛ لأن ضِعْفَ الشيء مثلُه، فضِعْفاه مِثْلاه، فيكون مع الأصل ثلاثةَ أمثال (^٤).
_________________
(١) "دون زينة الدنيا" من (ف).
(٢) وقرأ ابن عامر مثل قراءة ابن كثير، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُضَاعِفُ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٥٢١)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
(٣) قوله: "وحكى أبو عمرو قراءة أبي عمرو" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (وروى خارجة عن أبي عمرو)، كما في "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٨٢). وهي خلاف المشهور عنه، الذي هو (يُضعَّف) بضم الياء وفتح العين المشددة كما تقدم.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).
[ ١٢ / ١٦٧ ]
وقال القتبي وأبو عمرٍو والزجَّاج وجماعةٌ: هما مثلان، بدليل أنه قال في الثواب: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فكذلك العذاب، ومعناه: نضاعف لها العذاب فنجعل ذلك ضعفين؛ أي: مثلين كل واحد منهما ضعفُ الآخر؛ لأن ضعف الشيء مثله (^١).
وهذا لشرفهن وقَدْرهن بصحبة النبيِّ -ﷺ-، فتَفْحُشُ جنايتُهنَّ وتُغلَّظ عقوبتُهن، وكذلك طاعتُهن وثوابهن.
وقيل: هذا العذاب المضعَّف في الآخرة كالثواب المضاعف.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: وكان تضعيف العذاب لهن على اللَّه هينًا غيرَ متعذِّر.
* * *
(٣١) - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: ومَن يدم منكنَّ على طاعة اللَّه وطاعة رسوله، والقنوت: الدوام على العمل للَّه تعالى.
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بياء التذكير ردًّا على (مَن)، والباقون بتاء التأنيث (^٢)؛ لأنَّه فعلُ المرأة.
﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: قرأ حمزة والكسائي بياء المغايبة؛ أي: يؤتها اللَّه، والباقون
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٥٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٢٦). أما أبو عمرو فذكر قوله الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٩١) بتفصيل، وذلك أنه جعل (يُضعَّف) بمنزلة المثلين، و(يضاعَف) ثلاثة أمثال، ولذلك اختار في القراءة: (يُضعَّف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢١)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ١٢ / ١٦٨ ]
بالنون (^١) خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطاب الملوك جميعا.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾: أي: وهيَّأنا لها في الجنة رزقًا حسنًا خطيرًا.
* * *
(٣٢) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: بل لكُنَّ فضيلةٌ على كلِّ النساء بأنَّكن زوجات رسول اللَّه -ﷺ- في الدنيا والآخرة، ومشاهِداتٌ أفعالَ النبيِّ -ﷺ- وأقوالَه وأحواله بالليل والنهار.
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾: هذه الفضيلةُ لكنَّ إذا اتقيتنَّ المعاصيَ ومخالفةَ اللَّه ورسوله والرغبةَ في الدنيا وزينتها.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تَلِنَّ بالكلام إن كلَّمْتُن الرجال من وراء حجابٍ كما يكلِّم الإنسان مَن يخضع له بالطاعة وينقادُ له فيما يريد.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: جوابُ النهي بالفاء فنُصب؛ أي: فيطمع فيكنَّ مَن ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾؛ أي: نفاق، وقيل: فجور.
والمرض المطلق ضَعْفٌ في البدن، وهذا ضعفٌ في الدِّيانة أو الاعتقاد أو الصلاح.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: يرضاه الشرع بأنْ يكون كلامًا يُعرف أنه كلامُ العفائف الصالحات الصائنات.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢١)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ١٢ / ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: قرأ نافع وعاصم بفتح القاف، وأصله: واقْرَرْنَ، من باب عَلِم من القرار، وهو مستعمل من باب ضرب وعلم جميعًا.
قال الزجَّاج: حُذفت إحدى الراءين ونُقلت فتحتُها إلى القاف فتحرَّكت فسقطت الألف المجتلَبة لزوال الضرورة والحاجة إليها (^١)، وهذا الحذف كالحذف في قوله: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ [الواقعة: ٦٥].
وقرأ الباقون: ﴿وقِرْنَ﴾ بكسر القاف من الوَقار (^٢)، وهو السكون والطمأنينة؛ أي: الْزَمْنَ بيوتَكُنَّ فذلك أَستَرُ لكنَّ وأحرى أنْ لا يراكُنَّ أجنبيٌّ يكلِّمكنَّ.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: قال قتادة: وهو التبختُر إذا خرجت من بيتها (^٣).
وقال مجاهد: هو التبخترُ في بيتها لمن دخله من الرجال (^٤).
فأُمرن بالتَّستُّر والعفاف (^٥) في الحالين.
وقيل: هو التزيُّن والتكشُّف، وأصل الكلمة: السعةُ والظهور، ومنه: البُرج، وهو القصر، والبَرَج في العين وهو سَعَة الحدقة.
والجاهلية الأولى: المتقدِّمة على الإسلام.
وقيل: إن اللَّه تعالى كان أعلمَ نبيَّه انفتاحَ بلدان الأمم على أمته واتِّساعَ أصحابه
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٢٥).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢١)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٩٧).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٤٠) بلفظ: (كانت المرأةُ تتمشَّى بَيْن الرِّجالِ فذلك تبرُّجُ الجاهليَّة).
(٥) في (ف): "فأمرت بالستر والتعفف".
[ ١٢ / ١٧٠ ]
في المال، فنهى نساءه إذا أَدركن ذلك أن يتبرَّجن، فيكونَ ذلك منهن جاهليةً -وهي حالةُ فسقٍ- كالجاهلية قبل الإسلام وهي حالة كفرٍ (^١).
وقيل: الجاهلية الأولى زمانُ إبراهيم ﵇، كانت المرأة تلبس من الدروع درعَ اللؤلؤ غيرَ مخيطٍ الجانبين، وتلبس الثياب الرِّقاق التي لا تواري بدنها.
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾: فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾: فإنها مواساةُ أهل الجنة ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كِلِّ أمرٍ ونهي.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: أي: إنما يريد اللَّه بتنبيهِكم يا أهلَ بيت محمد على مراشدكم بهذه الأوامر أن يُذهب عنكم نجاسةَ الآثام ويطهِّرَكم عنها فتطهَّروا بها.
وقيل: أهل البيت: الحسن والحسين وعليٌّ وفاطمةُ ﵃.
قال أنس ﵁ كان النبي -ﷺ- يمر ببيت فاطمة وقت الفجر فيقول: "الصلاة [يا أهل البيت] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " (^٢).
قالت أم سلمة ﵂: إن هذه نزلت على النبيِّ وهو في بيتها، فدعا الحسنَ والحسين وعليًّا وفاطمةَ فجلَّلهم بالكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتي فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرْهم تطهيرًا" (^٣).
_________________
(١) في (أ): "الكفر".
(٢) رواه الترمذي (٣٢٠٦) وحسنه، والحاكم في "المستدرك" (٤٧٤٨) وصححه. وما بين معكوفتين منهما.
(٣) رواه الترمذي (٣٨٧١)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٥٨) وصححه. وصححه الترمذي أيضًا كما في "تحفة الاشراف" (١٣/ ١٢). وفي الباب من حديث عائشة ﵂ عند مسلم (٢٤٢٤).
[ ١٢ / ١٧١ ]
وقال ابن عباس وعكرمة: هم أزواج النبي -ﷺ- على الخصوص (^١)؛ لأن ما قبلها وما بعدها فيهن.
وقال الحسين بن الفضل: وهو الصحيح.
وبه قال الإمام أبو منصور ﵀: أن هذه الآية في أهل بيت النبيِّ -ﷺ- من الأزواج وغيرهنَّ، ففي حديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول اللَّه، وأنا من أهل البيت؟ قال: "نعم" (^٢) والخطاب بالكاف والميم هاهنا لشموله على الذكران والإناث (^٣).
* * *
(٣٤) - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٠٧ - ١٠٨) عن عكرمة، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٢ - ٦٠٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٩/ ١٥٠)، من طريق عكرمة عن ابن عباس، قالا: (نزلت في نساء النبي -ﷺ- خاصة). ورواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٣) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس دون لفظ: (خاصة).
(٢) رواه البغوي في "شرح السنة" (٣٩١٢) بلفظ: (قال: بلى إن شاء اللَّه). قال البغوي: هذا حديث صحيح الإسناد. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٥٥٠) وفيه أنه -ﷺ- قال: "بلى" وأنه أدخلها الكساء بعدما قضى دعاءه لهم، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف. وقد جاء في روايات أخرى كثيرة أن النبي -ﷺ- قال لها: "إنك على خير"، ولم يقل: بلى. وللآلوسي ﵀ في "روح المعاني" (٢١/ ٢٩٨ - ٣١٢) بحث طويل ومناقشات مفيدة وجمع للروايات وجمع بينها، وقد وفقنا اللَّه في تحقيقه لتخريجها وتفصيلها تراجع فيه ثمة.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
[ ١٢ / ١٧٢ ]
قيل: هو ذكر النعمة للشكر عليها.
وقيل: هو التلاوة والذكر باللسان.
وقيل: هو الحفظ بالقلب. والصيغة صالحة للكل.
﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: بيانِ معاني القرآن.
وقيل: الحكمةُ: سنةُ الرسول وهي كلامه (^١).
والحكمة من الإحكام وهو الإتقان، وسنةُ الرسول أيضًا محكمةٌ واجبة لحفظ كالكتاب (^٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾: قيل: اللطيف: العالم بغوامض الأشياء، الخبير: العالم بحقائقها؛ أي: هو عالمٌ بأفعالكنَّ وأقوالكنَّ وأحوالكنَّ، ومُجازٍ لَكُنَّ عليها، فاحذَرْنَ مخالفةَ أمره ونهيه ومعصيةَ رسوله.
وقيل: ﴿لَطِيفًا﴾؛ أي: بارًّا بكنَّ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا بمواضع الاختيار لكُنَّ، فاشكُرْن إنعامه عليكنَّ.
* * *
(٣٥) - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "وهو كلامه"، وفي (ف): "وكلامه".
(٢) في (ر): "بالكتاب".
[ ١٢ / ١٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية: قال قتادة: لمَّا ذكر اللَّه تعالى أزواج النبي -ﷺ- دخل نساءٌ من المسلمات عليهن فقلن: ذُكِرْتُنَّ ولم نُذكر، ولو كان فينا خيرٌ لذُكرنا، فنزلت هذه الآية (^١).
وقالت أم سلمة: يا رسول اللَّه! ما للنساء لا يُذكرن مع الرجال؟ فأنزل اللَّه هذه الآية، ذكره مجاهد (^٢).
وذكر مقاتل هذا عن أم سلمة ونسيبة (^٣) بنت كعب، قال: قالتا: يا رسول اللَّه، ما لنا لا نذكر بخير في القرآن؟ فنزلت (^٤).
وقال عكرمة: أتت أم عمارة النبيَّ -ﷺ- فقالت: ليس فينا معشر النساء خير؟ قال: "ولم؟ "، قالت: لأن اللَّه تعالى لا يذكرنا بخير في القرآن، فنزلت (^٥).
وقال مقاتل بن حيان: رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفرِ بن أبي طالب، فدخلت على نساء رسول اللَّه -ﷺ- قالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: يا رسول اللَّه، إن النساء لفي خيبةٍ وخَسار، قال:
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٤٣) والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٠٩ - ١١٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١١٠) عن مجاهد قال: قالت أم سلمة. . . فذكره. وهذا مرسل، لكن الحديث روي من طرق أخرى بأسانيد متصلة صحيحة، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٥٧٥) و(٢٦٦٠٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٤٠) و(١١٣٤١).
(٣) في (أ): "وآيسة"، وفي (ر) و(ف): "وأنيسة". والمثبت من "تفسير مقاتل"، وانظر: "الإصابة" (٨/ ٢٦٥). ونسيبة بنت كعب تكنى بأم عمارة، وسيأتي ذكرها بكنيتها في الخبر الآتي.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٨٩).
(٥) رواه الترمذي (٣٢١١) وحسنه.
[ ١٢ / ١٧٤ ]
"وممَّ ذلك؟ " قالت: لأنهن لا يُذكرن بخير كما تُذكر الرجال، فنزلت (^١):
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: أي: الخاضعين للَّه بالطاعة والخاضعات.
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: المصدِّقين للَّه ورسوله والمصدِّقات.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي: المطيعين للَّه والمطيعات.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾: أي: في العهود والأقوال والمعاملات.
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾: أي: على الطاعة، وعن المعصية، وفي البلية.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: والخشوع: سكونُ الظاهر، وخوفُ الباطن، والتذلُّلُ للَّه.
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾: فرضًا ونفلًا.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾: فرضًا ونفلًا أيضًا.
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾: أي: فروجهنَّ، واختصر لدلالة صدر الكلام عليه، ومعناه: الحافظين عن الحرام (^٢).
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: أي: اللَّه كثيرًا، وهو بالألسنة والقلوب.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾: لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على طاعاتهم، هو جواب الابتداء، وعظمُ الأجر بكثرته ودوامه.
* * *
_________________
(١) ذكره عن مقاتلٍ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٨/ ٤٥)، ولم أجده مسندًا.
(٢) بعدها في (ر): "فروجهن".
[ ١٢ / ١٧٥ ]
(٣٦) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾: وانتظامُها بما قبلها: أنه قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ومدَح بعد ذلك المطيعين والمطيعات للَّه ورسوله، وبيَّن في هذه الآية وجوبَ طاعة اللَّهِ ورسوله، ووعيدَ مَن عصَى اللَّهَ ورسوله.
ووجه آخرُ: أن الآيات المتقدمةَ في ذكر نساء النبي -ﷺ- وسائرِ النساء، وهذه الآية في ذكر زينب وزوجِها زيد، ثم صارت لرسول اللَّه -ﷺ-.
ووجه آخر: أنه قال: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ والآيات: القرآن، والحكمة: السنَّة، وفي هذه الآية وعيدٌ لمن خالف الكتاب والسنة.
وقيل: نزلت الآية في زيدٍ وزينبَ، خطب النبيُّ -ﷺ- زينب بنتَ جحش بن رئاب بن يَعمر بن صبرةَ بن مُرةَ بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خُزيمة، وهي بنت عمةِ رسول اللَّه -ﷺ-، فإن أمها أميمةُ بنت عبد المطلب عمةُ رسول اللَّه -ﷺ-، لمولاه زيد بن حارثةَ بن شَراحيل بن كعب بن عبد العُزَّى بن يزيد (^١) بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عمران (^٢) بن عبد ودِّ بن كِنانةَ بن عوف بن مالك بن (^٣) زيد اللات بن رُفيدةَ بن ثور بن كلب بن وَبَرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف (^٤) بن قضاعة، فأبت لمكان أنها قرشيةٌ وبنتُ عمة رسول اللَّه -ﷺ- وهو مولًى، فأمرها النبي
_________________
(١) في (أ): "زيد".
(٢) في (ر): "بن عمران بن النعمان".
(٣) "مالك بن" ليس من (أ).
(٤) في (أ) و(ف): "الحارث". والمثبت من (ر) والمصادر.
[ ١٢ / ١٧٦ ]
-ﷺ- بذلك بأمر اللَّه، فالآية تدل عليه، فكأنها تلكَّأت، ولعل زيدًا امتنع أيضًا لإبائها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^١)، فبيَّن أنه لا اختيار لهما في أن يفعلا أو لا يفعلا مع أن اللَّه ورسوله أمراهما بذلك، وما بعد الآية يدل على أن الآية في هذين.
وقد قيل: إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، عرضت نفسها على رسول اللَّه -ﷺ- لينكحها فزوَّجها زيد بن حارثة فكرهاه، فنزلت (^٢).
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بياء التذكير، لتقدُّم الفعل، وللحائل بين الفعل والاسم، والباقون بتاء التأنيث على لفظ الخيرة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾؛ أي: أمَر اللَّه ورسوله أمرًا؛ كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختيار بين الفعل والترك، ودلَّ ذلك على أن الأمر للوجوب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: فإن كان عصيانَ ردٍّ وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، وإن كان عصيان فعلٍ مع قبول الأمر والنهي واعتقادِ الوجوب فهو ضلال وخطأ كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥].
* * *
_________________
(١) روى نحوه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٣٩)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٣٠١)، من حديث زينب بنت جحش ﵂. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٤٧): رواه الطبراني وفيه حفص بن سليمان وهو متروك وفيه توثيق لين. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١١٢ و١١٣) من حديث ابن عباس ﵄ بإسنادين ضعيفين.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١١٤) عن ابن زيد. وقوله: "فكرهاه" الضمير يعود على أم كلثوم وأخيها كما جاء في هذا الخبر.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٢)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ١٢ / ١٧٧ ]
(٣٧) - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أي: اذكر يا محمد إذ كنت ﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ﴾ أنت ﴿عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق، وهو زيد، وكان عبدًا لخديجة فوهبته لرسول اللَّه -ﷺ- فأعتقه، وكان هو من بني كلب وأغار على بني كلب قوم من العرب فسبَوه وباعُوه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام وهو شريك خديجة في التجارة فأهداه لها، فوهبته للنبي -ﷺ-، وخفي حاله على أبيه سنين، ثم أُخبروا أنه عند النبي -ﷺ-، فجاء أبوه وعمه وطلبا من النبي -ﷺ- أن يبيعه من أبيه بثمن عظيم، فقال النبي -ﷺ-: "إن اختار أن يكون معكم دفعته إليكم"، فخيَّره فاختار المقام مع رسول اللَّه -ﷺ-، فتركاه وذهبا، فأعتقه رسول اللَّه -ﷺ- وتبنَّاه، وكان من حُكم العرب أن مَن تبنى ولدًا كان كولده من صُلبه في التوريث وفي حرمةِ نكاح امرأته على الأب المتبنِّي.
وكان النبي -ﷺ- أبطل هذا الحكم، وأراد اللَّه أن يقرِّر هذا الحكم بقول النبي -ﷺ- وفِعْلِه عندهم؛ ليكون ذلك أنجعَ في قلوبهم وأقطعَ لعادتهم، وكان اللَّه تعالى أخبر رسوله بذلك وأسرَّ ذلك، بأن أمره (^١) أن يخطبها لزيد ويزوِّجَ بينهما، ثم بعد مدةٍ يتفرقان ويتزوَّجُها رسول اللَّه -ﷺ-، فيتحقَّقُ عندهم تقريرُ هذا الحكم، وكان يخفيه رسول اللَّه -ﷺ- في نفسه إلى أن يُظهره في وقته.
ولمَّا وقع هذا النكاح ومضت مدةٌ وقعت بينهما خشونةٌ، فجاء زيد يشكوها
_________________
(١) في (ف): "وأسر ذلك بأمره" وفي (ر): "وأسر بذلك بأن أمره".
[ ١٢ / ١٧٨ ]
لرسول اللَّه -ﷺ- ويذكر ترفُّعها عليه وامتناعَها من مساعدته وسوءَ خلقها معه، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾؛ أي: جامِلْها، وبالخلق الحسن عامِلْها، ولا تطلِّقها -وكذا يجب على المتوسِّط بين الزوجين أن يدعوَهما إلى حسن المعاشرة- ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: يا زيد اتَّق اللَّه وراعِ حقوق النكاح ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ يا محمد ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ أي: مُظْهِره؛ أي: ما أَعلمك اللَّه أنك تتزوَّجها إذا طلقها زوجها برضاه واختياره وانقضت عدتُها ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: تكره قالةَ الناس أنه تزوج امرأة ابنه ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فتفعلَ ما أباحه لك وأَذِنَ لك فيه.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾: أي: حاجة وهي كنايةٌ عن تمام الانتفاع بها على قَدْر رغبته فيها ثم مفارقتِها عند كراهة صحبتها.
﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾: أي: جعلناها زوجة لك، قال أنس: فكانت زينبُ تفخر على نساء النبي -ﷺ- فتقول: زوَّجكن أهلوكنَّ وزوَّجني اللَّه تعالى (^١).
قال: وأرسل رسول اللَّه -ﷺ- إليها يخطبها، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها فنزل القرآن ودخل عليها رسول اللَّه -ﷺ- من غير إذن (^٢).
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾: أي: ضِيقٌ ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾؛ أي: في نكاح زوجات الذين تبنَّوهم (^٣) ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾؛ أي: استوفوا منهن حاجتَهم وفارقوهن وانقضت عِدَّتُهن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾؛ أي: وكان ما أمر اللَّه به مما يجب أن يفعل.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٢٠)، وزاد: (من فوق سبع سماوات).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٨).
(٣) في (ف): "يتبنونهم".
[ ١٢ / ١٧٩ ]
(٣٨) - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أي: لا إثم ولا ضيق على رسول اللَّه -ﷺ- في النكاح الذي أحلَّه اللَّه له وأمره به، وهو نكاح زينب، وهو كقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وقيل: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: قدَّر له من عدد النساء، والفَرْض: التقدير.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: هو كما سنَّ (^١) اللَّه في الأنبياء (^٢) الذين مضَوا من قَبله في زوال الحرج عنهم وعن أممهم فيما أباحه لهم، وأنهم لا ينبغي لهم أن يستَحْيوا من الناس فيما أباح اللَّه لهم من الملاذِّ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: أي: وكان ما أمر اللَّه به قضاءً مقدَّرًا لا بد من كونه.
وقيل: أي: موضوعًا على الحكمة المُحكَمة (^٣)؛ كقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]؛ أي: على قدَرٍ مقدَّرٍ لا ينحطُّ عنه ولا يتجاوزُه.
ومعنى دخول (كان) عليه: أنه تقادَم ولم يزل كذلك لا يتغيَّر ولا يتبدل.
* * *
(٣٩) - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾: صفةُ قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾،
_________________
(١) في (ف): "بين".
(٢) في (ر): "للأنبياء"، وفي (ف): "والأنبياء".
(٣) "المحكمة" من (أ).
[ ١٢ / ١٨٠ ]
ومعناه: الذين كانوا يبلِّغون رسالات اللَّه (^١)؛ كقوله ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: ما كانوا يتلونه.
﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: أي: في أمر الدِّين (^٢) ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: سوى اللَّه، فكن أنت يا محمد كذلك.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: أي: حافظًا لأعمال خلقه، محاسبًا لهم عليها ومجازيًا بها، فهو الأحقُّ بأنْ يُخشى دون خلقه، وقد تكلم الناس في الآية بوجوهٍ وهذا أقومُها وأسلمها.
* * *
(٤٠) - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أي: أبًا بالنسب لأحد من الرجال البالغين.
وقيل: أبًا لرجلٍ لم يلده، وأما أبوَّةُ الشفقة ومراعاةِ الحرمة فثابتةٌ بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: يعمل بأمره.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾: قرأ عاصم: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بفتح التاء وهو آلةُ الختم، وقرأ الباقون بالكسر (^٣) وهو فاعل الختم.
_________________
(١) "رسالات اللَّه" من (ر).
(٢) في (ر) و(ف): "اللَّه".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٢)، و"التيسير" (ص: ١٧٩).
[ ١٢ / ١٨١ ]
أي: هو آخِر النبيين، وشريعتُه ناسخةٌ لشرائع المرسلين، فتمسَّكوا بها ولا تعترِضوا عليه في شيء منها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: من مصالح العباد وكلِّ شيء.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: شكرًا له على النعم التي مرت وغيرها، والكثير: الذي لا ينقطع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ثم فسَّرها: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣].
وقيل: الكثير: ما كان عن إخلاص فيقبَل ويَكثُر ثوابه، فأما ما لا إخلاصَ فيه فقد قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أهل التأويل: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في كلِّ حال وفي كل وقت ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ باللسان.
ويحتمل أن يكون تأويله: اذكروا نِعَم اللَّه لتشكروا له، واذكروا أوامره ليُؤتمرَ بها والنواهي ليُنتهَى (^١) عنها، ووعيدَه ليُخاف، وعِدَاته ليُرغبَ فيها، واذكروا عظمته وجلاله وكبرياءه ليُهاب (^٢).
﴿وَسَبِّحُوهُ﴾: أي: ونزِّهوه، وقيل: صلُّوا له بالغداة والعشيِّ.
قال عبد اللَّه: هي الصلوات الخمس (^٣).
_________________
(١) في (ر): "أوامره لتأتمروا بها ونواهيه لتنتهوا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٩٦).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٢٦٣) عن الكلبي.
[ ١٢ / ١٨٢ ]
﴿بُكْرَةً﴾ يعني: الفجرَ والظهرَ والعصر ﴿وَأَصِيلًا﴾؛ أي: المغرب والعشاء.
* * *
(٤٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾: أي: يرحمكم ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾؛ أي: ويأمر ملائكتَه بالاستغفار لكم والدعاء.
وقيل: الصلاة: الثناء الجميل؛ أي: أن اللَّه يثني عليكم الذكرَ الجميل في عباده بذكره إياكم؛ كما قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي: ليديمكم خارجين ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: من الضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الهدى.
وقيل: أي: من الجهالات إلى العلم.
وقيل: أي: من الشكوك إلى اليقين.
وقيل: أي: من البدع إلى السُّنَّة.
وقال أبو عبيدة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يبارك عليكم (^١).
وقال الفراء: هو الذي يغفر لكم وتستغفر لكم ملائكتُه (^٢).
وقيل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: ليهديَكم إلى الجنة وينجيَكم من النار، قال تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨].
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٣٨).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٤٥).
[ ١٢ / ١٨٣ ]
قوله تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: يرحمهم فلا يعذِّبهم إذا أطاعوه وأطاعوا رسوله.
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: أي: يوم يرونه ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: يسلِّم بعضهم على بعضٍ، ويقول: أمنٌ لنا ولكم من عذاب اللَّه أبدًا.
وقيل: يحيِّيهم اللَّه بسلامه.
وقيل: هو سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم من كل باب.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أي: ثوابًا خطيرًا عظيمًا.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾: تنتظم بقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ومن رحمته إرسالُ محمد -ﷺ- رحمة للعالمين ﴿شَاهِدًا﴾؛ أي: على الأمة، كما قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]؛ أي: على الأمة (^١)، وقال: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقيل: ﴿أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ بوحدانيتنا ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أهلَ طاعتنا ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومخوِّفًا أهل مخالَفتنا.
* * *
(٤٦) - ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
_________________
(١) "أي على الأمة" ليس في (أ).
[ ١٢ / ١٨٤ ]
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: كما قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بأمره.
وقيل: بعلمه؛ أي: وهو (^١) يعلم ما يكون منك وما يكون ممن أُرسلتَ إليه.
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾: أي: مصباحًا مضيئًا من ظُلَم الضلالة إلى نور الهداية، وهو كما قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
وقيل: أي: شمسًا مضيئة، كما قال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] سماه شمسًا في هذه الآية، وبدرًا في قوله: ﴿طه﴾، ونجمًا في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ أي: نزل من السماء في ليلة المعراج.
فأما معنى تشبيهه بالمصباح على قولِ مَن فسَّره به: فإن المصباح الواحد يُشعَل منه مصابيحُ كثيرة والأول بحاله لم يَنتقِص منه شيء، فكذلك ظهرت فوائدُ علومِ علماء أمته في أمته وهو بحاله.
ولأن ضوء المصباح إذا جاء ذهبت الظلمة، وإذا جاءت متابعة المصطفى ذهبت البدعة (^٢).
ولأن المفقودات (^٣) توجد بضوء المصباح، وكذلك الضالُّون يهتدون بالمصطفى.
ولأن المصباح يُحرق الأقرب ويضيء للأبعد، فكذلك المصطفى كان ينذر عشيرته الأقربين ويبشر الأنصار والمهاجرين.
_________________
(١) "وهو" ليست في (أ).
(٢) في (ف) و(أ): "النكرة".
(٣) في (ر) و(ف): "المقصودات".
[ ١٢ / ١٨٥ ]
ولأن المصباح يُرى به وجوه الأحباء، فكذا بمتابعة المصطفى يُوصَل إلى صحبة الأنبياء والشهداء والصدِّيقين والصُّلحاء.
ولأن المصباح تمامه بأربعة أشياء: المِسْرجةُ والفتيلةُ والدُّهن والنار، وكذا تمام أمر المصطفى كان بالخلفاء الراشدين الأربعة.
ولأن المصباح يضيء من كلِّ جهاته، وكان للنبي -ﷺ- رفيقًا نافعًا في كلِّ مقاماته.
وأما وجه تشبيهه بالشمس على قولِ مَن فسره بها: فلأن الشمس تضيء من المشرق إلى المغرب (^١)، والنبيُّ -ﷺ- أضاء من الثرى إلى الثريا (^٢).
ولأن الشمس لا ثانيَ لها ولا نظير والنجمُ له نظير، وكذلك النبي -ﷺ- لم يكن له نظير.
ولأن الشمس تنكسفُ ثم تنجلي، وكذلك النبي -ﷺ- كان يُمتحَن ثم يعتلي.
ولأن الشمس تغرُب ثم تطلع، والنبي -ﷺ- هاجر من مكة إلى المدينة ثم عاد إلى مكة.
ولأن الشمس تضيء لمن لا سراج له، وتُدفئ مَن لا ثوب له، وتُنضِج لمن لا نار له، وكذلك النبي -ﷺ- يشفع لمن لا طاعة له، ويرفع لمن لا عبادة له، وينفع مَن لا خدمة له.
* * *
(٤٧ - ٤٨) - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "الشرق إلى الغرب".
(٢) في (أ): "من الثريا إلى الثرى".
[ ١٢ / ١٨٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾: أي: ثوابًا يُفْضل به عليهم عظيمًا، وهو الملكُ الكبير والنعيم الكثير.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: قد مر هذا في أول هذه السورة ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾؛ أي: لا تؤذِهم مكافأةً لهم.
وقيل: أي: اجعل إيذاءهم إياك في جانبٍ كأنه لم يكن، ولا تفكر فيه فنحن مكافئون كافُون.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: كافيًا وناصرًا وحافظًا ودافعًا.
* * *
(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: قيل: أي: قبل أن تجامعوهن، ويحتمِل المسَّ بشهوة أيضًا.
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾:
قيل: أي: تعدُّونها؛ يقال: عدَّ واعتَدَّ؛ كما يقال: صَبَر واصْطَبر.
وقيل: أي: تستوفونها؛ يقال: عدَدْتُه له فاعتَدَّ؛ كما يقال: وزَنْتُه له فاتَّزن، وكِلْتُه له فاكتال.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾: المتعةُ الواجبة إن كان المهرُ غيرَ مسمًّى، فإنْ سُمي فالواجب نصفُ المسمَّى والمتعة مستحبة.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: أي: لا تمسكوهن ضرارًا، وهو في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وهو أن يتركها حتى تنقضيَ عِدَّتُها.
[ ١٢ / ١٨٧ ]
وقيل: هو أن يرجعها (^١) إلى بيتها من غيرِ منعِ حقٍّ أو أذًى، والآيةُ في النكاح والطلاق فتتصل بالآيات التي في المنكوحات.
* * *
(٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾: أي: زوجاتِكَ ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ﴾؛ أي: قبلتَ، كما هو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
﴿أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورَهن وهذا بيانُ إحلال النساء اللاتي كنَّ عنده.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: أي: وأحللنا لك ما ملكْتَه مِلْكَ يمين؛ قيل: هي ماريةُ القِبْطيةُ أمُّ إبراهيم.
﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: أي: أَغْنمكَ من غنائم المشركين، أُحل لك أن تضمَّها إلى نفسك بالمِلك دون النكاح.
وقيل: أي: صفيةُ بنتُ حيي، وجُوَيرِيَة بنت الحارث هما ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليه أعتقهما وتزوجهما.
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾: من بنات العباس وغيرهن من أولاد عبد المطلب ﴿وَبَنَاتِ
_________________
(١) في (أ): "يراجعها".
[ ١٢ / ١٨٨ ]
عَمَّاتِكَ﴾ من ولد بنات عبد المطلب ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ من أولاد عبد منافِ بن زهرة.
وأَفرد العمَّ والخال للتخفيف والمراد بهما الجمع، وجمع العمَّات والخالات للتحقيق، وجمَعهما بزيادة ألف فلم يثقِّل.
ومعناه: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ في المستأنَف مَن تتزوَّج بهنَّ من هؤلاء.
﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾: و(مع) ليس لقِران الفعل بل لوجودهما في الأصل؛ كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
وفيه: أنه لا يحلُّ له غيرُ المهاجِرة منهن، ورُوي عن أم هانئ ﵂ بنت أبي طالب قالت: نزلت فيَّ هذه الآية، أراد النبيُّ أن يتزوَّجني فنُهي عني لأني لم أهاجر (^١).
أي: وأحلَلْنا لك تزوُّجَ بَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ من مكة إلى المدينة، فإن لم تهاجر لم يحلَّ لك نكاحها.
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾: أي: مصدِّقةً بتوحيد اللَّه، وهي أمُّ شَرِيكٍ بنتُ جابر العامريِّ، وكانت تسمى: أمَّ المساكين.
وقيل: هي زينب بنت خُزيمة.
وفقهاء الكوفة يجيزون النكاح بلفظ الهبة، ويجعلون خصوصية النبيِّ عليه
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، وقال: حديث حسن، لا أعرفه إلا من هدا الوجه من حديث السدي. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٣/ ٥٨٨): وهو ضعيف جدًا ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح يحتج في مواضعه بها.
[ ١٢ / ١٨٩ ]
السلام في ترك المهر لا في تعيُّن اللفظ، ويستدلُّون لجواز الهبة بقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ لولا أن الهبة نكاح لقيل: إن أراد النبي أن يتَّهبها (^١).
والشافعي ﵀ يرى به اللفظَ والمعنى مما خُصَّ به النبيُّ -ﷺ- إن رغب النبي ﵇ أن يستنكحها؛ أي: يتزوجها، يقال: نَكَح واستَنْكَح؛ كما يقال: عَجِل واستعجل (^٢).
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾: أي: ملَّكت نفسها رسولَ اللَّه -ﷺ- بالنكاح بلفظ الهبة من غيرِ مهرٍ.
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾: أي: أحبَّ أن ينكحها؛ كما يقال: نَكِرَ واستَنْكر، وعَجِب واستَعْجب، وعَجِل واستعجل.
﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: رجوعٌ إلى المخاطبة بعد المغايبة، وهي تلوين الكلام (^٣)، ومعناه: أنها خالصة (^٤) للنبي -ﷺ- من غير مهر، وغيرُ النبيِّ ليس له ذلك، بل يجب المهر وإن لم يسمِّه أو نفاه.
وقيل: قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ يرجع إلى كلِّ منكوحةٍ له، ومعناه: أنها تخلُص له في الدنيا والآخرة فلا تحلُّ لأحدٍ بعده امرأةٌ من نسائه.
قال ابن عباس ﵄: الواهبةُ نفسَها له ميمونةُ بنتُ الحارث (^٥).
_________________
(١) في (ف): "يمهرها".
(٢) من قوله: " ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾: أي: مصدِّقةً. . . " إلى هنا ليس في (أ).
(٣) في (أ): "وهو تلوين"، وليس فيها: "الكلام".
(٤) في (ر) و(ف): "خلصت".
(٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٢٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٣٥).
[ ١٢ / ١٩٠ ]
وقال عليُّ بن الحسين: هي امرأة من بني أَسْدٍ يقال لها: أم شريك (^١).
وقال الشعبي: هي امرأة من الأنصار (^٢).
وقيل: هي زينب بنت خزيمة من الأنصار (^٣).
وقال أبي بن كعب ﵁: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾؛ أي: أحللنا لك هؤلاء الأصنافَ بلا عددٍ تخصيصًا لك، وفي حق الأمة هو مقصور على الأربع (^٤).
ومعنى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ على الجمع؛ أي: خلوصًا لك على المصدر؛ كما في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾؛ أي: كذب.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾: أي: ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ الواهبةَ من غير مهر.
وقيل: أي: قدَّرنا عليهم الأربع، ووسَّعنا عليك في الزيادة على ذلك.
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٥٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧١٧٣)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٣٦). وفي المصادر أنها من الأَزْد، ولا خلاف لأن الأزد تقال بالزاي والسين. انظر: "القاموس" (مادة: أسد).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧١٧٤)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٣٦).
(٣) قوله: "وقيل هي زينب بنت خزيمة من الأنصار" ليس في (أ)، وفي (ف) بدلًا منه: "وهي زينب بنت خزيمة". والمثبت من (ر)، وهذا القول ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٥٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٥٠)، والقرطبي في "تفسيره" (١٧/ ١٨٢)، عن الشعبي. وقولهم فيه: (من الأنصار) تعقبه ابن كثير في "البداية والنهاية" (٨/ ٢٢٣) بقوله: (وأمَّ حكايةُ الماوَرديِّ عن الشَّعبي أنَّ زينبَ بنتَ خُزيمةَ أمَّ المساكينِ أنصاريةٌ، فليس بجيدٍ؛ فإنها هلاليةٌ بلا خلافٍ). قلت: وقد ذكره البغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٦٤) عن الشعبي فقال: (الهلالية) على الصواب.
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٣٤).
[ ١٢ / ١٩١ ]
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: فإنه لا يكون إلا بعِوَضٍ، وأطلقنا لك الاصطفاء من الغنيمة ما شئت.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾: أي: ضِيقٌ، فيكون ما تتوسَّع به من الملاذِّ المباحة عونًا لك على القيام بما أُمرتَ به.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: بعباده.
* * *
(٥١) - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أي: أبحتُ لك أن تؤخِّرَ من نسائك (^١) مَن تشاء عن نفسك فلا تَقْسِمَ لها.
﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: أي: تضمُّ إلى فراشك مَن تشاء منهن.
﴿ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾: أي: ومَن دعوتَ إلى فراشك وطلبتَ صُحبتَها ممن عزلْتَ عن نفسك بالإرجاء ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (^٢): فلا ضِيقَ عليك في ذلك؛ أي: ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك.
﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك الإعادة (^٣) ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾؛ أي: يرضينَ كلُّهنَّ بما آتيتَهن، رفْعُه بفعلِ الرضا؛ أي: هذا أقربُ
_________________
(١) في (ف): "أبحت لك أن ترجي من نسائك أي: تؤخر".
(٢) "فلا جناح عليك" من (أ).
(٣) "أي ذلك الإعادة" من (ر).
[ ١٢ / ١٩٢ ]
إلى أن يعود سرورُهن (^١) وانتفاءُ الحزن عنهن ورضاهن إذا علمن أنك فعلتَ ذلك كلَّه بأمر اللَّه، وأن لهنَّ الثوابَ إذا رضينَ بذلك، وأن لكلِّ واحدة منهن الرجاءَ في الابتغاء بعد العزل.
وعن معاذةَ العدويَّةِ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يستأذنُنا في نوبةِ إحدانا بعد ما أُنزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، قالت معاذة: فما كنتِ تقولين لرسول اللَّه -ﷺ- إذا استأذن؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ لم أُوثر على نفسي أحدًا (^٢).
قالوا: وكان هذا تفضُّلًا منه ومراعاةً لقلوبهن، حتى كان يطاف به محمولًا في مرض موته إلى أن استحلَّهن فرضِينَ بأنْ يكون في بيت عائشة ﵂.
وعن أبي رَزِينٍ قال: المرجَآت ميمونةُ وسودةُ وصفيةُ وجُويرية وأمُّ حَبيبة، وكانت عائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأمُّ سلمة ﵃ سواءً في القَسْم كان يسوِّي بينهن (^٣).
وقيل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ هذا التخيير فيمَن كانت تَعْرِض نفسها على رسول اللَّه -ﷺ- هبةً، وكان له أن يقبل مَن يشاء ويردَّ مَن يشاء، وهذا على قبول النكاح ابتداءً وردِّه.
وقيل: هذا التخيير كان في تزوُّجِ مَن يشاء من هذه الأصناف وفي ترك تزوُّجها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تعود بسرورهن".
(٢) رواه البخاري (٤٧٨٩)، ومسلم (١٤٧٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٦١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٦٤٧٧)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٣٩ - ١٤٠).
[ ١٢ / ١٩٣ ]
وقال الحسن: كان النبي -ﷺ- إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها معه ولا أن يُعرِّض لها، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: تدَعُها بعد خطبتها ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتتزوَّجُها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ذلك في القَسْم (^١).
وقيل: أي: تطلِّق مَن تشاء منهن وتستبدل بها مَن تشاء ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ هو الرجعة فيمَن طلَّق.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾؛ أي: قصَرْنا الحِلَّ على هؤلاء وحرَّمنا عليك نكاحَ الغرائب فذلك أَدْنى أنْ تَقَرَّ أعينُ هؤلاء.
قال محمد بن علي الباقر: لما تزوَّج النبي -ﷺ- الكِنْدية أسماءَ بنتَ النعمان بن شرحبيل الجَونية، وكانت من أحسن النساء، قالت نساء النبي -ﷺ-: إنْ تزوَّج علينا الغرائبَ فما له فينا حاجةٌ، فحبَس اللَّه نبيَّه على أزواجه اللاتي عنده وأحلَّ له من بنات العم والعمة والخال والخالة ما شاء اللَّه، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ يقول: من اللاتي أَحَل له ومن اللاتي عنده ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ من اللاتي عنده ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ يعني: نساؤه اللاتي عنده إذا علمن أنه لا ينكح عليهن غريبةً.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أيها العِبَاد من الرجال والنساء، من محبة البعض لبعض ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح عباده ﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجلهم بالعقوبة على مخالفته.
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٤٠ - ١٤١)، بلفظ: كان نبي اللَّه -ﷺ- إذا خطب امرأة فليس يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يَخْطُبَها حتى يتزوَّجها رسولُ اللَّه -ﷺ- أو يَدَعها، ففي ذلك أنزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآيةَ.
[ ١٢ / ١٩٤ ]
(٥٢) - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: إن اللَّه تعالى لمَّا أمر رسوله بتخيير نسائه، فخيَّرهن فاخترنه، شكر اللَّه تعالى لهن ذلك فعظَّم حقَّهن بأنْ جعلهنَّ أمهاتِ المؤمنين، ومنع رسوله من أن يتزوج عليهن غيرهنَّ أو يتبدل بهنَّ سواهنَّ وإن وقع بقلبه حُسنُ غيرهن، وقصَره عليهن، وصرَف توسِعتَه في الملاذِّ (^١) بعدهنَّ إلى مِلكِ اليمين فقط.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾: أي: حافظًا لا يغيب عنه علمُ شيء؛ أي: فانْتَهِ يا محمد إلى ما حدَّدْتُه إليك في نسائك ومِلك يمينك.
* * *
(٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: قيل: أي: وقتَه، وقيل: أي: نضجه وبلوغه.
والأناء: الوقت، وجمعه: الآناء؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠]؛ أي: ساعاته، وقد أنى يأني أناءً؛ أي: حان؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
_________________
(١) في (أ): "البلاد".
[ ١٢ / ١٩٥ ]
لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]؛ أي: قد انتهى حره.
قال أنس ﵁: أنا أعلم الناسِ بهذه الآية، لمَّا زُفَّت زينب إلى رسول اللَّه -ﷺ- كانت مع رسول اللَّه (^١) في البيت، وصنع طعامًا فجاء القوم فكانوا في البيت، وجعل رسول اللَّه -ﷺ- يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (^٢)؛ أي: مَنازلَه التي فيها نساؤه ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾؛ أي: إلا أن تُدْعَوا إلى طعام يريد أن يطعمَكُموه رسولُ اللَّه -ﷺ- لوليمةِ أو نحوها ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾؛ أي: فتدخلونه غيرَ منتظِرين إدراكه؛ قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: انتظرونا.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾: أي: تفرَّقوا.
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: عطف على قوله: ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ أي: غيرَ مشتغلِين بعد الفراغ من الطعام بالحديث تستأنسون به.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾: أي: يَشُقُّ عليه بتضييقكم المنزلَ عليه وعلى أهله، ومَنْعِكم إياه عن أهله ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾؛ أي: يترك إعلامكم بذلك وأمرَكم بالانتشار.
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: لا يترك بيانَ الحق.
وقال الحسن ﵀: حسبك من الثقلاء أن اللَّه لم يتجوَّز في أمرهم فقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "كانت معه".
(٢) روى نحوه البخاري (٤٧٩٢)، ومسلم (١٤٢٨).
(٣) لم أجده عن الحسن، لكن رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٥٩) عن ابن عائشة، وابن عائشة: هو =
[ ١٢ / ١٩٦ ]
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾: أي: سألتُم أزواج النبيِّ، ولم يسبق ذكرهنَّ صريحًا، لكنْ ثبت ذلك دلالةَ قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لأن فيها نساءه.
﴿مَتَاعًا﴾: أي: شيئًا من الأمتعة بالاستعارة ونحوها.
وقيل: أي: سألتم منهنَّ شيئًا تنتفعون به في الدِّين من رواية الحديث ونحوِه.
﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أي: بينكم وبينهن سترًا.
وقيل: هذا في حق (^١) كل النساء.
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾: أي: أبعد من خواطر الشيطان وعوارض الفتن التي تدعو إليها الطباع من ميل النساء إلى الرجال والرجال إلى النساء.
قال عمر ﵁: وافقني ربي في ثلاثٍ؛ قلت: يا رسول اللَّه، لو اتَّخذتَ مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصلًّى، فأنزل اللَّه آية المقام، وقلتُ: يا رسول اللَّه، إنه ليَدخلُ عليك البَرُّ والفاجر فلو أمرتَ أمهات المؤمنين أن يحتجِبْن، فأنزل اللَّه آية الحجاب، وبلغني أن النبي -ﷺ- عاتب أزواجَه فأتيتُهنَّ فوعظتُهن حتى انتهيتُ إلى امرأة منهن، فقالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ما يَعِظ أزواجه حتى تعظَهنَّ؟! فخرجتُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية (^٢).
_________________
(١) = عبيد اللَّه بن محمد بن حفص القرشي التيمي، أبو عبد الرحمن البصرىِ، من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد اللَّه ﵁، توفي سنة (٢٢٨ هـ). وقد وهم الزمخشري فجعله عن عائشة ﵂ وتابعه النسفي أبو البركات وأبو حيان والآلوسي وغيرهم.
(٢) "حق" ليس من (أ).
(٣) رواه البخاري (٤٤٨٣)، وفيه بدل "فأتيتهن فوعظتهن": (فدخلْتُ عليهن، قلتُ: إن انْتَهَيْتُنَّ أو لَيُبدِّلنَّ اللَّهُ رسولَه -ﷺ- خيرًا منكنَّ).
[ ١٢ / ١٩٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: بما مر، وقيل: بأيِّ أذًى كان.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: أي: لا يجوز بعد وفاته، ولا يجوز بعد فراقه في حياته بطلاقٍ أو نحوه، كما قَالَ: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وكان لا يجوز ذلك لأن نساءه أمهات المؤمنين.
و﴿كَانَ﴾ زائدة عند أبي عبيدة وجماعة (^١).
وقيل: أي: كان ذلك في حكم اللَّه الذي لا يتغيَّر ولا يتبدل.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: أي: عظيم الإثم، وقيل: أي: منكرًا في العقل والشرع.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾: أي من أذى الرسول ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في أنفسكم من ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
قال ابن عباس ﵄: قال بعضهم: لئن مات رسول اللَّه -ﷺ- لأتزوَّجنَّ بعائشة، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٤٠).
(٢) رواه عن ابن عباس ﵄ ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٤٣). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٧٢) عن قتادة.
[ ١٢ / ١٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾: لمَّا أمرهن بالاحتجاب استثنى مَن يجوز لهن أن لا يحتجبن منهم من آبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن لأنهن محارم لهن.
﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾: هن نساء المؤمنات.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: هن إماؤهن، ولا يدخل في ذلك عبيدُهن عند عامة العلماء، وهم كالأجانب.
ودخل في هذا الاستثناء سائرُ المحارم (^١) المذكورين في الآية في سورة النور.
﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾: خطاب لنساء النبي -ﷺ- وأمرٌ لهن بالتقوى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: شاهدًا عليه عالمًا به مُجازيًا على وَفْقه.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: وهذا تعريف للمؤمنين منزلةَ النبي -ﷺ-، والصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء له.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أي: قولوا: صلى اللَّه على محمد، أو: اللهمَّ صلِّ على محمد ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: أي: حيُّوه تحيةً؛ أي: قولوا اللهم سلِّم على محمد.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المحرمات".
[ ١٢ / ١٩٩ ]
وقيل: أي: انقادوا لأمره وحكمه انقيادًا؛ كما قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وعن كعب بن عُجرةَ قال: لما نزلت هذه الآية قمنا إليه فقلنا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول اللَّه؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (^١).
وعن الحسن ﵀ قال: لما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: فما لَنا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (^٢).
ثم بيَّن تشريفَه من وجه آخر -وهو وعيد مَن آذاه- فقال:
* * *
(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: وذكرُ اللَّهِ للافتتاح به والتيمُّنِ كما في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولأن عصيان الرسول عصيانُ اللَّه، فكان إيذاؤه كذلك إيذاءه.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: أبعدهم اللَّه عن رحمته وطردهم في الدارين؛ لأن إيذاءه كفر ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ في الآخرة مُذلًّا مخزيًا.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).
(٢) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٤/ ٢٩٢) نقلًا عن بعض التفاسير.
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: وهم رجال أمته ونساؤهم ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: فعلوا ما يستحقُّون به الإيذاء بالحد والتعزير والإسماع ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾؛ أي: كذبًا مفترًى (^١) وهذا في الإيذاء بالقول ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهرًا مظهِرًا من نفسه أنه إثم.
جعل إيذاء المؤمنين والمؤمنات معصيةً، وإيذاءَ اللَّه والرسول كفرًا.
وقيل: إيذاء اللَّه هو تصوير التماثيل الحيوانية، فإنه مضاهاةُ اللَّه في الخلق.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾؛ أي: اليهود والنصارى والمشركون ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال فنحاص بن عازورا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقالت المشركون: الملائكة بنات اللَّه، والأصنام شركاؤه (^٢).
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ يعني: حين شُجَّ في وجهه وكُسرت رَباعِيَتُه، وحين قيل: إنه ساحر، وكاهن، ومعلَّم، ومجنون.
وقيل: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: يُلحدون في أسمائه ﴿وَرَسُولَهُ﴾: يبتدعون في شريعته.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: شتَمني ابن آدم ولم يَنْبغِ له أن يَشتمني، وآذاني ولم يَنْبغِ له أن يؤذيَني، أمَّا شتمُه إياي فقوله: إني اتخذتُ ولدًا، وأنا اللَّه
_________________
(١) في (أ): "كبيرًا"، وفي (ف): "محيرا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٣)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٧٥).
[ ١٢ / ٢٠١ ]
الأحدُ الصمد، وأما إيذاؤه فقوله: إن اللَّه لا يُعيدني بعد أن أبداني (^١) " (^٢).
وقال مقاتل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن ناسًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويُسمعونه (^٣).
وقال الضحاك والسدِّي: نزلت في الزناة الذين كانوا يَتْبعون النساء للزنية (^٤) وهن كارهاتٌ فيتأذَّين منهم (^٥).
ويدل على هذا ما بعده وهو قوله:
* * *
(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "براني".
(٢) رواه بنحوه البخاري (٣١٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁، و(٤٤٨٢) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٠٦).
(٤) في (ر) و(ف): "لريبة".
(٥) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٦٢)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٧٦). ولفظه عندهم: (. . . يتبعون النساء إذا تبرّزن بالليل لقضاء حوائجهنّ، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها، فإن سكتت اتّبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلّا الإماء، ولم يكن يومئذ تعرف الحرّة من الأمة لأنّ زيّهن كان واحدًا، إنّما يخرجن في درع واحد وخمار الحرّة والأمة، فشكون ذلك إلى أزواجهنّ فذكروا ذلك لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه. فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، ثمّ نهى الحرائر أن يتشبهنّ بالإماء، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية). وبهذا اللفظ يظهر ارتباط الآية مع ما بعدها، وهو ما سيشير إليه المؤلف بقوله: "ويدل على هذا. . . ".
[ ١٢ / ٢٠٢ ]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: أي: زوجات المؤمنين، وقيل: أي: الحرائر.
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: أي: يغطِّين رؤوسَهن ووجوهَهن (^١) في بروزهن من البيوت في حوائجهن وإلى متبرَّزاتهن قبل اتخاذ الكُنُف في البيوت ليلًا ونهارًا بملاحفهنَّ وأردِيَتهنَّ، بخلاف الأمة التي تخرج مكشوفة الرأس.
وقال الخليل: الجلبابُ ثوب أوسعُ من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها (^٢).
وقال قطرب: الجلباب: الملحفة.
وقال ابن سيرين عن أبي عبيدة: إدناء الجلباب: أن تَردَّ المرأة رداءها على رأسها، ثم تضعَه على حاجبها، ثم تُديرَه فتضعَه على طرفِ أذنها، ثم تديرَه من الجانب الآخر على خدِّها حتى تضعَه على طرف أنفها، وتكشف إحدى عينيها وتغطي الأخرى (^٣).
قال ابن سيرين: حدثتني أختي أنها رأت امرأة من المهاجرات أو الأنصاريات قد تنقَّبت هكذا.
وقالت صفيةُ بنتُ شيبةَ: قالت أمُّ سلمة: لمَّا نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسيةٍ سودٍ كنَّ يلبسنَ بها (^٤).
_________________
(١) "ووجوههن" ليست في (أ).
(٢) انظر: "العين" (٦/ ١٣٢).
(٣) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٨١).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٧٧)، وأبو داود (٤١٠١).
[ ١٢ / ٢٠٣ ]
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: أي: يريهنَّ أنهنَّ حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾؛ أي: لا يؤذيَهنَّ أهل الريبة توهُّمًا منهم أنهن إماءٌ، فإنهم كانوا يَتْبعون الإماءَ وكان زيُّ الأمة والحرة في الأصل واحدًا وهو قميص وخمار، وربما آذى الرجل منهم الحرة بالرفث من الكلام، فأمر اللَّه بهذا ليزول ذلك عنهنَّ، وكنَّ عاجزاتٍ عن الزَّجر والإماءُ كنَّ يزجرن بالكلام.
وقيل: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بالعفاف فإنه غايةُ التستُّر (^١) ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: فلا يُتعرَّضَ لهن حين علم أنهن عفائف.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿غَفُورًا﴾ لِمَا سلف قبل هذا من تركِ إدناءِ الجلابيب ﴿رَحِيمًا﴾ لا يؤاخذُهم بما ارتكبوه على جهلٍ، ﴿رَحِيمًا﴾ بدلالتهم على ما يزول به الأذى عنهم.
* * *
(٦٠) - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: أي: لئن لم يكفَّ عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات هؤلاء ثلاثةُ الأصناف:
﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ وهم الذين يُضمرون الكفر اعتقادًا ويظهرون الإيمان قولًا.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ فلا يعتقدون أحد الدِّينين.
﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المسلمون الذين يحرِّكون القلوب بإيقاع الأخبار الكاذبة.
_________________
(١) في (ر): "الستر".
[ ١٢ / ٢٠٤ ]
وقيل: كان من المنافقين التضريب (^١)، ومن ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الميلُ إلى الزنا، واتِّباعُ النساء والإماء بالليل، والتعرُّضُ لهن بكلام الرَّفث ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: المخبرون بأن فلانًا يتبع فلانةَ وفلانة تطاوع فلانًا، وهو إذاعة الفاحشة.
وقيل: كان من الطبقة الثالثة الإخبارُ بأحوال المشركين؛ أنهم اجتمعوا ولهم (^٢) عَددٌ وعُدَّة ليَحْزُنوا بذلك المسلمين.
وقيل كان من المنافقين إيقاع الشكوك والشبه في قلوب الضَّعَفة من (^٣) المسلمين.
وقيل: الثلاثة صنفٌ واحد وهم المنافقون، وهذه صفاتهم، والواو لتغايُرِ الصفات لا لتغايُر الذوات؛ كما مر في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] (^٤)، وأنشد الفراء:
فإن رُشيدًا وابنَ مروان لم يكنْ ليَفعلَ حتى يُصْدِرَ الأمرَ مَصدَرا (^٥)
وقوله تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: أي: لنسلِّطنَّك عليهم ولنأمرنَّك بقتالهم، يعني: إن لم يكفُّوا عن إيذاء المؤمنين، وخرجوا إلى المكاشفة والتصريح بما هم عليه في معاملة المؤمنين من التضريب وإيقاع الشُّبه والسعي في إشاعة الفاحشة فيهم وإيهان (^٦) أمورهم.
_________________
(١) التضريب: الإغراء، والمراد هنا: إيقاع الفتن والسعي بين الناس بالنميمة.
(٢) في (ر) و(ف): "وبهم".
(٣) "من" ليس من (ف).
(٤) روى هذا القول ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٧٧) عن عبيد بن حنين.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ١٣٢)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ١١٠)، وفيه: فرُشيد هو ابن مروان، نُسقَ عليه لما فيه من زيادة المدح.
(٦) في (ر): "وتشتيت".
[ ١٢ / ٢٠٥ ]
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: في المدينة إلا زمانًا قليلًا، بل يُضطرُّون إلى الجلاء عنها إلى أرض أخرى.
وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: أذلَّاء مقهورين مقموعين، فإن القِلة توضعُ مكان الذِّلة، ويكون نعتًا لهم على هذا القول (^١).
* * *
(٦١) - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
وعلى هذا قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يكون نعتًا لهم أيضًا على الحال كالأول؛ أي: مشتومين مُبْعدين عنكم وعن مجالسكم ومساجدكم.
وإذا حُمل الأول على قلة الزمان فقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يكون نصبًا (^٢) على الذم، كما في قوله ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: أي: وُجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: هذا حكمُهم إذا ظهر (^٣) حالهم.
وقد حقَّق معنى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ -أي: مشتومين مطرودين- لمَّا نزلت سورة براءة، حتى قال النبي -ﷺ-: "قم يا فلان فاخرج من المسجد فإنك منافق، وقم يا فلان. . " (^٤)، على ما ذكرنا في تلك السورة (^٥).
_________________
(١) أي: حالًا لهم، والمؤلف قد يعبر عن الحال بالنعت.
(٢) في (ر): "نعتًا".
(٣) في (أ): "أظهروا".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٤٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٧٠)، والطبراني في "الأوسط" (٧٩٢)، من حديث ابن عباس ﵄، وفيه: قام رسول اللَّه -ﷺ- يوم جمعة خطيبًا فقال: "قم يا فلان فاخرج فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق" فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم. . الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٤): فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، وهو ضعيف.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾.
[ ١٢ / ٢٠٦ ]
(٦٢) - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: سنَّ اللَّه هذا سنةً في المنافقين الذين كانوا في سائر الأمم؛ أنهم كانوا إذا كاشفوا (^١) سلَّطتُ عليهم أنبيائي فأَجْلَوهم وأسَروهم وقتلوهم.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: لطريقة اللَّه التي أجراها لهم تغييرًا، بل هي تجري مجرًى واحدًا في الأمم كلها.
* * *
(٦٣) - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: لما قال في وعيد المؤذِين: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قالوا: متى الآخرة؟ وكان ذلك كالإنكار منهم كما قال: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١]، فأجاب الكفارَ عن هذا السؤال بقوله:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: هو الذي يعلمُها لا أنا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: أي: وما يُعْلِمُك لعل ما يُنتظر منها قريبٌ، وليس قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ صفةً للساعة فلم يؤنِّثها، لكنه صفةٌ للزمان؛ أي: زمانًا قريبًا؛ أي (^٢): في زمان قريب.
* * *
_________________
(١) في هامش (ف): "أي: أظهروا النفاق".
(٢) "زمانًا قريبًا أي" من (أ).
[ ١٢ / ٢٠٧ ]
(٦٤ - ٦٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أبعدهم عن رحمته في هذا اليوم ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾؛ أي: هيأ لهم نارًا موقودةً ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ أي: في هذه النار ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: مَن يلي دفعَها عنهم ويمنعُهم من العذاب بها.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾: أي: تُصرَّف حالًا بعد حال، ولونًا بعد لون، بما يمسُّهم من لفحها واشتعالها فيها، فتسودُّ تارةً (^١) وتخضرُّ أخرى.
ويجوز أن يكون في معنى قوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
ويجوز أن يكون هذا في معنى ما قال النبيُّ -ﷺ-: "فينظر عن يمينه (^٢) فلا يرى إلا النار، وينظر إلى يساره فلا يرى إلا النار، وينظر فوقه فلا يرى إلا النار، وينظر تحته فلا يرى إلا النار" (^٣).
﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: الألف في آخره إشباعُ الفتحة لتتساوى الفواصل، وهذا إخبارٌ أنهم إنما وقعوا في ذلك لكفرهم باللَّه ورسوله.
* * *
(٦٧ - ٦٨) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مرة".
(٢) في (أ): "أيمن منه" بدل: "عن يمينه".
(٣) رواه بنحوه البخاري (١٤١٣) و(٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم ﵁.
[ ١٢ / ٢٠٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾: وهذا إشباعٌ أيضًا للفتحة بالألف.
والسادة: جمع السيد، وهو الذي يملك تدبير السواد الأعظم، والكبراء: الرؤساء العظماء، ويجوز أن يكون الكبراء علماءَهم كما قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، ويكون في معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: أي: عذابَ الضلال والإضلال.
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: قرأ عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان (^١): ﴿كَبِيرًا﴾ بالباء من الكِبَر وهو العِظَم، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة (^٢)، وهما قريبان لأن ما كثُر عظم.
واختار أبو حاتم الكثير لأنهم يُلعنون مرةً بعد مرةٍ، وتلعنُهم الملائكة فيَشْتمونهم على ضلالتهم وإضلالهم ﴿لعنًا كثيرًا﴾؛ أي: متتابعًا متصلًا.
* * *
(٦٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: أي: لا تؤذوا النبيَّ
_________________
(١) "وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان" ليس في (أ). وانظر التعليق الآتي.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٣)، و"التيسير" (ص: ١٧٩). والداني نسب الباء لعاصم وحده والثاء لباقي السبعة، وهذا هو المشهور في القراءة، وقال ابن مجاهد: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾ بالباء، كذلك في كتابي عن أحمد بن يوسف التغلبي عن ابن ذكوان، ورأيت في كتاب موسى بن موسى عن ابن ذكوان عن ابن عامر بالثاء، وقال هشام بن عمار عن ابن عامر: ﴿كثيرًا﴾ بالثاء.
[ ١٢ / ٢٠٩ ]
-ﷺ- ولا المؤمنين، ولا تكونوا في ذلك كالذين آذوا موسى فقالوا فيه ما لم يكن فيه.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾: أي: أظهر براءته.
معناه -واللَّه أعلم-: أيها المؤمنون لا تؤذوا نبيَّكم محمدًا -ﷺ- كما آذى بنو إسرائيل موسى فقالوا فيه ما ليس فيه.
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: أي: ذا جاهٍ ومنزلة.
قيل: كان رُمي بقتلِ هارون، فأحيى اللَّه هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ثم مات.
وقيل: لا تكونوا في أذى محمدٍ واتهامكم إياه بالغدر بكعب بن الأشرف كالذين أذوا موسى باتهامهم إياه في قتل أخيه هارون، فإن اللَّه يبرئه بإظهار ما أحدث كما برأ موسى بإراءته إياهم هارون صحيحًا.
وقيل: (بَرَّأَهُ اللَّهُ) معناه: أن موسى ﵇ كان لا يدخل عيون بني إسرائيل معهم، فقالوا: لا يمنع نبيَّنا موسى -﵇- أن يدخل معنا في هذه العيون إلا أنه آدَرُ أو بَرِصٌ، فأراد اللَّه تعالى أن يبرِّئ نبيَّه عن مقالتهم، فوضع موسى ثيابه على صخرة يومًا ودخل العين، فأوحى اللَّه تعالى إلى الصخرة: أن امضي بثيابه حتى توسَّطي بها محلةَ بني إسرائيل، فمضت واتَّبعها موسى ﵇ حيث مشت، قال لها: ردِّي عليَّ ثيابي، قالت: أنا مأمورة يا رسول اللَّه، حتى توسَّطت بثيابه محلَّتهم، فرأوا أحسن الناس خلقًا وطولًا ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ ورجعوا عن مقالتهم (^١).
وقيل: رموه بالبَرَص، وقيل: بالأُدْرةِ، وكان البرص عندهم فظيعًا.
روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "كان موسى رجلًا حَييًّا ستِّيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل،
_________________
(١) لم أجدها بهذا السياق، وستأتي الرواية من الصحيح بهذه القصة.
[ ١٢ / ٢١٠ ]
فقالوا: ما يتستَّر هذا التستُّر إلا من عيبٍ بجلده؛ إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه ﷿ أراد أن يبرِّئه مما قالوا، وإن موسى ﵇ خلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن الرجال خلقًا، وبرَّأه (^١) اللَّه مما كانوا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه ولبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لنُدَبًا من أثرِ ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية" (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا وَحشٌ من القول وتأويلٌ بعيد (^٣)، والأشبهُ أن يقال: إن كلَّ قوم نسبوا رسولهم إلى الجنون مرةً وإلى السحر مرةً والكذبِ أخرى ونحوِ ذلك، على علم منهم أنه رسول اللَّه، وكانوا يتأذَّون به جدًّا، ولذلك قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] فكذا في حق رسولنا -ﷺ- (^٤).
وقيل: كان موسى إذا تقدَّم القومَ في المسير قالوا: يتكبَّر علينا، فإذا توسَّطهم قالوا: يخاف على نفسه فيتحصَّن بنا، وإذا تأخر عنهم قالوا: يسوقنا كما يسوق الراعي الغنم، وإذا مشى على جانب منهم قالوا: يأنف من صحبتنا، فكانوا يؤذونه بكل حال.
_________________
(١) في (ف): "وأبرأه".
(٢) رواه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩).
(٣) حاشا أن يكون هذا وحشًا من القول، فإن هذا تفسير من لا ينطق عن الهوى بالأسانيد المتفق عليها! وقد أبعد الإمام أبو منصور وأوحش في هذا القول.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٤١٨ - ٤١٩).
[ ١٢ / ٢١١ ]
(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أمر رسوله بتقواه في أول السورة وأمر أمته بها في آخرها.
وقيل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في إيذاء اللَّه ورسوله والمؤمنين.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: صوابًا، فاذكروا المؤمنين والمؤمنات بالجميل.
وقيل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الشرك، وقيل: في المعاصي.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ قولوا: لا إله إلا اللَّه (^١).
وقال ابن حبيب: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يسدُّ عنكم باب النيران، ويفتح لكم أبواب الجنان.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يعني: في شأن زيد وزينب، قولوا في رسول اللَّه -ﷺ- ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: جميلًا، ولا تنسبوه إلى ما لا يحمل (^٢).
وقيل: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: هو الصلاة على النبي -ﷺ-.
وقيل: القول السديد: البريء من الكذب والتمويه واللغو.
* * *
(٧١) - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
_________________
(١) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٠٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٩٦) عن عكرمة قوله.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٧).
[ ١٢ / ٢١٢ ]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: قيل (^١): أي: يوفِّقْكم لصالح الأعمال.
وقيل: أي: يثيبكم (^٢) عليها ثوابًا جزيلًا لا فساد فيه ولا ضرر ولا أذى.
وقيل: أي: يرفع التقصير والزلل والخطأ عن طاعتكم.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: أي: يمحُها ويكفِّرْها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: أي: نجا من كلِّ ما يخاف، ووصل إلى كلِّ ما يرجو.
* * *
(٧٢) - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾: ضمَّن هذه السورة ما ضمَّنها من الأمر والنهي، ثم ختم السورة بتعريفِ أمر الفرائض والأمانات ليكونوا على علم فيَستفرِغوا مجهودهم في القيام بها ويخافوا تضييعها.
واختلف في تأويل الأمانة:
قال ابن عباس ﵄: الأمانة: الطاعة للَّه (^٣).
وقال سعيد بن المسيب: الأمانة: الفرائض (^٤).
_________________
(١) "قيل" من (أ).
(٢) كذا في النسخ، والجادة: (يثبكم) بالجزم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٩٨).
(٤) لم أجده عن سعيد بن المسيب، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٩٧) عن سعيد بن جبير وابن عباس ﵄.
[ ١٢ / ٢١٣ ]
وقال مجاهد: الأمانة: الدِّين والفرائض والحدود (^١).
وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أولُ ما خلق اللَّه تعالى من الإنسان فرجُه وقال: هذه أمانة استودعتُكَها، فالفرج أمانةٌ، والأذن أمانةٌ، والعين أمانةٌ، واليد أمانةٌ، والرِّجل أمانةٌ، ولا إيمان لمن لا أمانةَ له (^٢).
وقال زيد بن أسلم: الأمانة ثلاثة أشياء: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة (^٣).
وقيل: هي العقد الذي يجب الوفاء به، قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
والروايات الظاهرات فيه منها ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵃ أنه قال: قال اللَّه تعالى للسماوات والأرض (^٤) والجبال: إن أحسنتُنَّ جُوزِيتُنَّ وإن أسأتُنَّ عوقِبْتُنَّ (^٥).
والأمانة: هي الأعمال التي أُمر بها المسلمون أن يعملوها ولا يتركوها، وعلى كلِّ مسلم أن لا يغشَّ مسلمًا ولا معاهدًا.
وقال الضحاك: قال اللَّه تعالى لآدم: يا آدم (^٦) عَرَضْتُ الأمانةَ على السَّماواتِ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٢٧٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٨٦) عن زيد بن أسلم مرفوعا مرسلًا. ورواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٧٤٢) من قول ابن عباس ﵄.
(٤) في (أ): "والأراضين".
(٥) ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٧٤٢) عن الكلبي، وأبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٧٢) عن ابن عباس ﵄.
(٦) "يا آدم" زيادة من (أ).
[ ١٢ / ٢١٤ ]
والأرضِ والجبالِ فلم تُطِقْها، فهل أنت قابلُها بما فيها؟ قال: يا رب! وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُوزيتَ وإن أسأتَ عذِّبتَ، قال: قد حملتُها بما فيها، فلم يلبث في الجنة بعد ما حملها إلا قَدْرَ ما بين الصلاة الأولى والعصر حتى خرج منها (^١).
وقال الحسن ومقاتل بن حيان رحمهما اللَّه: إن اللَّه تعالى حين خلق خلقه جمع الإنس والجن والسماوات والأرض، فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة وقال لهن: تحمَّلن هذه الأمانةَ ولكنَّ عليَّ الفضلُ والكرامة والثواب في الجنة، قلن: لا نستطيع ذلك، فعرض على الأرضين فقلن كذلك، ثم عرض على الجبال فقلن كذلك، ثم عرض على آدم وقال: ولك عندي الكرامة والفضل إن أحسنتَ وأطعتَ ورعيتَ الأمانة، وإن عصيتَ ولم تَرْعَ الأمانة فإني أعذِّبك، قال: رضيتُ، فحملها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^٢).
قال ابن عباس ﵄: ظلومًا بحقِّها جهولًا بأخذها (^٣).
وقال الضحاك ﴿جَهُولًا﴾ غرًّا بأمر اللَّه تعالى (^٤).
وقال الكلبي: ﴿ظَلُومًا﴾ حين خالف أمر ربه ﴿جَهُولًا﴾ لا يدري ما العقابُ في تركها.
وقال الحسين بن الفضل: ﴿كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ عند الملائكة لا عند اللَّه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٩٩).
(٢) رواه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٥١٨)، وذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٣٠٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٩٨ و٢٠٥) بلفظ: غرًّا بأمر اللَّه.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٠٥) بلفظ: ظلومًا لنفسه جهولًا فيما احتمل فيما بينه وبين ربه. وانظر التعليق السابق.
[ ١٢ / ٢١٥ ]
وقيل: ﴿ظَلُومًا﴾ نفسَه بمطاوعته حواءَ ﴿جَهُولًا﴾ بتفريق اللَّه بينه وبينها.
وقال الحسين بن الفضل: كانت الأمانة على السماوات والأرض والجبال عَرْضًا، وكانت على آدم فرضًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: أي: خلقنا السماوات والأرض والجبال خلقةً لا تحتمِل حملَ ما ذكر من الأمانة ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ إباءَ خِلْقةٍ ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: خلقناه خِلقةً تحتمِل ذلك.
وقال بعضهم: هو على حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تَقبل وتفيَ بذلك فيكونَ لها الثواب، ولا تفيَ فيكونَ لها العقاب في الآخرة، وبين ألا تقبل فتكون كسائر الموات تَفْنَى بفناء الدنيا لا ثواب لها في الآخرة ولا عقاب، ولا يجوز أن يعرضَ عليهن ما ذُكر عرضَ لزوم وهن يأبَيْنَ ذلك، وقد وصفهن اللَّه بالطاعة له والخضوع في آيات، منها قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ فكان له الثواب إن قام بها وعليه العقاب إن لم يقم بها.
قال (^١): وقال بعضهم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى﴾ أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال فلم يحملوها، إلا الإنسان منهم فإنه حملها، وكان عرضُ الأمانة على هذه الأماكن وفيها الملائكة يعبدون اللَّه تعالى.
ومعنى عرضها عليهم: تعريفه إياهم أن في أداء الأمانة ثوابًا وفي تضييعها عقابًا، فقالوا: إن كان هذا عرض تخيير فقد تركنا الثواب مخافة العقاب نطيعك ولا نعصيك طرفة عين وكان هذا إباء امتناع للخوف لا إباء رد ولذلك قرنه بالإشفاق وهو الخوف.
_________________
(١) "قال" ليست في (أ).
[ ١٢ / ٢١٦ ]
قال: وقال بعضهم: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾؛ أي: يحتملنَ وزرها بالخيانة فيها، يعني: أطعنا اللَّه وحفظنا الأمانة وما خانوها، وهو كقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] (^١)، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: خانها ولم يحفظها الإنسان وهو الكافر على هذا القول ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ هو صفة الكافر أيضًا.
وأما مَن حمل الأولَ على أنهن لم يقبلنها وقبلها الإنسان فالإنسانُ اسم جنس لآدم وأولاده (^٢) هم قبلوا، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ هو صفة بعضهم وهو الكافر، فإن الإنسان اسم جنس فيقع على الجميع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وهذا للجمع، حتى صح الاستثناء منه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكذلك هاهنا يرجع قوله: ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ إلى الكافر، ولا يجوز أن يُجعل هذا صفةً لآدم ﵇ فإنه لا يجوز أن يسمَّى ظالمًا جاهلًا فكيف يسمى ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ وهو أبلغ، فأما في حق الكافر فيصح هذا لأن اللَّه تعالى سماهم ظالمين بقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وجاهلين بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، فيجوز وصفهم بالظلوم والجهول لأنهم ثابتون على الظلم والجهل دائمون عليهما.
* * *
(٧٣) - ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٢) في (ف): "لآدم وحواء ولأولادهما"، وفي (ر): "لآدم ولأولادهم".
[ ١٢ / ٢١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ وهذا دليل على (^١) هذا القول؛ لأنَّه ذكر الصنفين جميعًا فدل أن الاسم كان لهما (^٢).
ومعنى هذه الآية: أن اللَّه ألزم الأمانةَ الإنسَ فلم (^٣) يقبلها المنافقون والمنافقات والكفار فيعذبهم اللَّه، وقبلها المؤمنون ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٤) ويغفر لهم ما سلف منهم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يغفر ذنوب التائبين، ويرحم عباده المؤمنين.
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين.
* * *
_________________
(١) "على" ليست في (أ).
(٢) في (أ): "لهم جميعًا".
(٣) في (أ): "فما".
(٤) قوله: " ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ " وقع بدلًا منه في (أ): "فيتوب اللَّه عليهم".
[ ١٢ / ٢١٨ ]
سورة سبإ
[ ١٢ / ٢١٩ ]