بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّه الذي مدَحَ المُتَّقين بقِلَّةِ الهُجوع، الرَّحمنِ الذي أهلَكَ العاتين مع كثرة الجُموع، الرَّحيمِ الذي أمَرَنا بالفِرار إليه والرُّجوع.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ رِيحٍ هبَّتْ وجرَتْ في الدنيا" (^١).
وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي ستُّون آيةً، وكلماتُها ثلاثُ مئةٍ وستون كلمةً، وألفٌ وخمسُ مئةٍ وعشرون حرفًا.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورر بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّه خَتَمَ تلك السُّورةَ بالوَعيد، وافتتَحَ هذه السُّورةَ بالقسَمِ على صِدْقِ ذلك الوعيد.
وانتظامُ السُّورتين: أنهما في ذِكْرِ المؤمنين والكافرين الأوَّلين والآخِرين، ووَعْدِهم ووَعيدِهم في الدُّنيا ويومِ الدِّين.
* * *
(١ - ٥) - ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٧٣)، وهو قطعة من حديث أبيٍّ -﵁- الموضوع. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠٠٩).
[ ١٤ / ٣٧ ]
قولُه تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾: قال ابن عباس ﵄: أقسمَ بالرِّياح التي تَذْرُو بالأشياء التي تَسْعى بها.
﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾: أقسَمَ بالسَّحابِ الثِّقالِ (^١) المُوقَرَةِ بالماء.
﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾: أقسَمَ بالسُّفنِ جَرَتْ بالسَّيْر على الماء.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾: قال: أربعةٌ مِن الملائكة: جِبْرِيلُ، وميكائيلُ، وإِسْرافيلُ، وعِزْرائِيلُ، صلواتُ اللَّهِ عليهم، لكلِّ واحدٍ منهم أمرٌ مَقْسومٌ، وهُم المُدَبِّراتُ أَمْرًا، أقسَمَ اللَّه بهؤلاء الأشياءِ.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾: مِن قِيامِ السَّاعةِ ﴿لَصَادِقٌ﴾ (^٢).
وعن أبي الطُّفَيل قال: شَهِدتُّ عَلِيًّا ﵁ وهو يخطُبُ ويقولُ: سَلوني عن كتاب اللَّه تعالى، فوَاللَّهِ ما مِن آيةٍ إلا وأنا أعلمُ بليلٍ أُنْزِلَتْ أمْ بنهارٍ، فسألَه ابنُ الكَوَّاءِ، فقال: ما الذَّارياتُ ذَرْوًا؟ قال: الرِّياحُ، قال: وما الحامِلاتُ وِقْرًا؟ قال: السَّحابُ، قال: وما الجارياتُ يُسْرًا؟ قال: السُّفُنُ، قال: وما المُقَسِّماتُ أَمْرًا؟ قال: الملائكةُ (^٣).
_________________
(١) "الثقال" ليست في (أ) و(ف).
(٢) ذكر الخبر بتمامه عن ابن عباس ﵄: أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤١). ورواه بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٢٤/ ٥١١) من طريق الحارث بن عبد اللَّه الأعور عن علي ﵁، والحارث كذبه الشعبي وقال الحافظ في "التقريب": في حديثه ضعف. وقوله في ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٢٦) عن الكلبي ومقاتل.
(٣) رواه بتمامه ومختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٧٠)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٣٨)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (٢/ ٩٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٨٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٣٦) وصححه، والبيهقي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٥٢)، والضياء في "المختارة" (٤٩٤). وابن الكواء اسمه: عبد اللَّه، قال الحافظ في "اللسان": له أخبار كثيرة مع علي، وكان يلزمه ويعييه في =
[ ١٤ / ٣٨ ]
وكذا قال مجاهدٌ وجماعةٌ (^١).
وقالوا: الغرَضُ بالقسَمِ تأكيدُ المَحْلُوفِ عليه، وتعظيمُ المَحْلُوف به، وذِكْرُ هذه الأشياءِ تَذْكِيرٌ مِن اللَّه تعالى بأنها نِعَمٌ عظيمةٌ.
وقال جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أضمَرَ في هذه الأشياءِ اسمَ اللَّهِ تعالى، وتقديرُها: وَرَبِّ الذَّاريات ذَرْوًا. .، إلى آخرها (^٢)، وهو قسَمٌ بنفْسِه، وتعظيمٌ بحالِ ما أَقْسَمَ عليه.
وقيل: هذه الأشياءُ كلُّها الرِّياحُ، والعَطْفُ بالفاء دليلُ الاتِّحادِ وتعاقُبِ هذه الصفات على ذاتٍ واحد، فتَذْروا، وتَحْمِلُ السَّحابَ المُوقَرَةَ بالماء، وتَجْري بتيسير اللَّه تعالى لها، وتعُمُّ وتُقسِّمُ (^٣) الأمطارَ في الأقطار على ما جرَتْ به الأقدارُ.
وقيل: بل هي أربعةُ أشياءَ، والعطفُ بالفاء دليلُ الاتِّصالِ، فالرِّياحُ تَذْرو ذَرْوًا، وتُنْشِئُ السَّحابَ الحاملاتِ وِقْرًا، وتُسَيِّرُ السُّفُنَ الجارياتِ يُسْرًا، والملائكةُ تعمَلُ فيها إذا أمرَها اللَّهُ تعالى بذلك أَمْرًا.
وقيل: الفاءُ لاتِّصالِ الكُلِّ بعضِه ببعضٍ لِتحقيقِ ما أقسَمَ اللَّهُ تعالى عليه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾: أي: مَصْدُوقٌ فيه؛ كما يُقال: (ليلٌ نائمٌ).
وقيل: أي: ذو صِدْقٍ؛ كقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧].
* * *
_________________
(١) = الأسئلة، وقد رجع عن مذهب الخوارج وعاود صحبة علي ﵁.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٨٤).
(٣) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٥١)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٥١)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٢٥) دون نسبة.
(٤) في (أ): "وتعم وتقسم". وفي (ف): "لها وبقسم".
[ ١٤ / ٣٩ ]
(٦ - ٨) - ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾: أي: الجزاءَ. وقيل: الحسابَ. وقيل: القضاءَ.
﴿لَوَاقِعٌ﴾: أي: لَكائِنٌ.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي: الطَّرائقِ، جَمْعُ حَبِيكةٍ وحِباكٍ.
وقال الكلبيُّ والضَّحَّاكُ ومُقاتلٌ: ذاتِ الإتقان والإِحكام (^١).
وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعكرمةُ: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنٍ (^٢).
وقيل: ذاتِ الاستواءِ والارتفاعِ.
واللُّغَةُ أتَتْ بذلك كُلِّه، والسَّماءُ تُوصَفُ بذلك كلِّه، يُقال للطَّرائقِ في الماء بهُبوب الرِّيحِ ولِطَرائقِ الرَّمْلِ بذلك: (حبك)، وكذلك الشُّعورُ بالتجعيد يظهرُ فيها: (حبك)، وحبَكَه بالسيفِ: إذا قطَعَه فصار في لَحْمِه طرائقُ، وفرَسٌ مَحْبُوكُ المَتَنِ (^٣)، مَحْبوكُ الكَفَلِ: إذا كان في ذلك استواءٌ وارتفاعٌ، وحَبَكَ الثَّوْبَ مِن حدِّ (ضَرَبَ)؛ أي: أجادَ نَسْجَه، واحتبَكَ؛ أي: شَدَّ الإِزارَ وأَوْثَقَه، والسَّماءُ شديدةُ الخَلْقِ، وثيقةٌ مُزَيَّنَةٌ بالكواكب، ذاتُ طرائقَ، أقسَمَ بها على قوله:
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: أي: إنكم مَعاشِرَ المسلمين والكافرين بين مُصَدِّقٍ بالقرآن ومُكَذِّبٍ به.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٢٧)، وذكره عنهم البغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٧١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٧٤) بلفظ: ذات الطرائق، ولم يذكر الواحديُّ الضحاكَ.
(٢) ذكره عن علي ﵁ السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٢). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٨٦ - ٤٨٨) عن ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس، وقتادة.
(٣) في (ر): "البطن".
[ ١٤ / ٤٠ ]
(٩) - ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: أي: يُصْرَفُ عن الإيمان به (^١) مَن صُرِفَ عن كلِّ خيرٍ وسعادةٍ.
وقيل -وهو قولُ الحسينِ بنِ الفَضْل-: يُصْرَفُ عن الإيمان به الآنَ مَن صُرِفَ عنه في سابقِ الحُكْمِ (^٢).
وقيل: ﴿إِنَّكُمْ﴾: مَعاشِرَ الكفارِ في القرآن، ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: مَرَّةً تقولون: هو سِحْرٌ، ومَرَّةً تقولون: هو شِعْرٌ، ومَرَّةً: هو كَهانةٌ، ومَرَّةً: هو أساطيرُ الأوَّلين، وهو معلومُ المُراد وإنْ لم يَسْبِقْ ذِكْرُه.
وقيل: ليس هو في القرآن خاصَّةً، بل كلُّ قولٍ لهم فإنه باطلٌ مُتناقِضٌ؛ كقول اليهود بالتَّشْبِيه، وقولِ النصارى بالصَّاحِبَة والولد، وقولِ المشركين بالأنداد، مع إقرارهم بأنَّ اللَّهَ هو الخالقُ والرَّازقُ بالانفراد، ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾: أي: يُصْرَفُ عن التوحيد مَن صُرِفَ.
وقيل: القولُ المختلِفُ في البعث، فمنهم مَن يُنْكِرُه، ومنهم مَن يَشُكُّ فيه، ومنهم مَن يُثْبِتُه ويَدَّعِي لنفْسِه فيه كلَّ خيرٍ.
وقيل: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في البعث حيثما أقرَرْتُم بالقُدْرة على الإبداء، ثم أنكَرْتم الإعادةَ.
* * *
(١٠ - ١٢) - ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾.
_________________
(١) في (ر): "الآن".
(٢) ذكر نحوه مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٠٧٤) عن الحسن.
[ ١٤ / ٤١ ]
وقولُه تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: قيل: أي: لُعِنَ الكذَّابون؛ لأنَّ المَقْتولَ تفوتُه الحياةُ وكلُّ نِعْمَةٍ، وكذا الملعون (^١) تفوتُه كلُّ سعادةٍ وكرامةٍ.
وقيل: هو أَمْرٌ مِن اللَّه تعالى بالدعاء على الكذَّابين على اللَّه وعلى رسُلِه (^٢) بأن يقتُلَهم اللَّهُ ويُهْلِكَهم بأيدي المؤمنين، أو بعذابٍ مِن عنده.
وقال الحسن: ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: الكَذَّابون (^٣).
وقال مُجاهدٌ وغيرُه: القائلون بالظَّنِّ (^٤)، وهو ما ذَكَرْنا مِن قولِهم في القرآن، وقولِهم في البعث بعد الموت.
وأصلُ الخَرْصِ: الحَزْرُ في النَّخْلِ والكَرْمِ والعَدَدِ والكَيْلِ.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾: أي: في غَمْرَةِ الجَهْلِ وهو غلَبَتُه، غافلون عن الحقِّ، مُتَمادُونَ في الباطل.
﴿يَسْأَلُونَ﴾: أي: النَّبيَّ -ﷺ- والمؤمنين.
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾: أي: متى هذا اليومُ الذي حلَفَ ربُّكم بالذَّارِياتِ وغيرِها أنه واقعٌ يُدانُ فيه العبادُ بأعمالهم؛ أي: يُجازَون ويُحاسَبون بها، يقولون ذلك تَعَنُّتًا واستهزاءً.
* * *
(١٣ - ١٦) - ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الكذاب".
(٢) في (أ): "رسوله".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٧٣)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٦٣).
(٤) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٤٩٢) عن مجاهد وقتادة وابن زيد.
[ ١٤ / ٤٢ ]
قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾: أي: يومُ الدِّين هو اليومُ الذي فيه بالنار يُعَذَّبون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]؛ أي: عذَّبوهم.
وقيل: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: أي: يُحْرَقون، وقد فَتَنْتُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ بالنار؛ أي: أَذَبْتُهما بها.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: أي: يُقال لهم: ذوقوا عذابَكم ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: هذا العذابُ الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا؛ أي: تسألون تَعْجِيلَه استهزاءً.
ثم ذكَرَ حالَ مَن يُخالِفُه، فقال:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الذين يَتَّقون الشركَ والمعاصِيَ.
﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين.
﴿وَعُيُونٍ﴾: جاريةٍ فيها.
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: واصلين إلى ما أعطاهم ربُّهم؛ أي: وعَدَهم ذلك في الدنيا، وأَوْصَلَه إليهم في العُقْبى.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أي: قبلَ يومِ الدِّين.
﴿مُحْسِنِينَ﴾: في الدنيا، مُطِيعين يُحْسِنون الأعمالَ، ويُحْسِنون بذلك إلى أنفسهم.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: أي: يَنامون، و(ما) مع الفعل مَصْدَرٌ، وتقديرُه: قليلًا هُجوعُهم.
ووجهٌ آخرُ: كانوا يَهْجَعون قليلًا مِن الليل، و(ما) صِلَةٌ.
[ ١٤ / ٤٣ ]
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أي: لِتَقْصِيرهم في قيام اللَّيل مع جُهْدِهم في إحسانهم.
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: وهو صِفَةُ المُتَّقين أيضًا، ومنهم مَن حَمَلَ هذا الحقَّ على الزكاة.
وقيل: السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ فُرِضَتْ بالمدينة، فهي على الصَّدَقةِ النَّفْلِ، ويدلُّ عليه أوَّلُ الآيةِ، فإنها في مدح المتقين بإحياء الليل بنوافل العبادات، وكان هذا مدحًا لهم بإمضاءِ (^١) النهار بنوافل الصَّدَقات، ومعنى (^٢): ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: أي: جعَلوا على أنفسهم ذلك حقًا لازمًا يَقْسِمونه (^٣) لا محالةَ للسائل والمحروم.
وقال الشَّعْبيُّ: لقد سألتُ عن المحروم منذ سبعين سنةً، فما أنا اليومَ بأعلمَ به مني مِن يومئذٍ (^٤).
وعن الحسن بنِ محمد بنِ عليٍّ: أنَّ النبيَّ -ﷺ- بعَثَ سَرِيَّةً، فغَنِموا، فجاء قومٌ لم يَشْهَدوا الغَنيمةَ، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^٥).
وقيل: هو الذي ذهَبَ مالُه بسَيْلٍ أو جائحةٍ، فلم يبقَ له شيءٌ؛ كما قال اللَّه تعالى في قصة أصحاب الجنة: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، وقال في الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بإحياء".
(٢) في (ف): "وقال".
(٣) في (ر) و(ف): "يقيمونه".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٢)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٦٨).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٣٢٢٨)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥١٥). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤٩٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٦٦).
[ ١٤ / ٤٤ ]
وقيل: هو الذي لا سَهْمَ له في الفَيْءِ فيستغنيَ به، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ ومُجاهدٍ والرَّبيعِ بنِ أنسٍ (^١).
وقيل: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ، فكلما أصابَ شيئًا ذهبَ منه، قالَه الزَّجَّاجُ (^٢).
وقيل: هو المُحارَفُ الذي انحرَفَ عنه الرِّزقُ.
والأشبَهُ: أنَّ السائلَ هو الذي يَتَعَرَّضُ فيَسأَل، والمحرومَ هو الذي يَتعفَّفُ فلا يَسأَلُ، ولا يُعْلَمُ حالُه، والغالِبُ في حَقِّه الحِرْمانُ.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾: أي: علاماتٌ دالَّةٌ على قُدْرَةِ اللَّه تعالى ووَحْدَانِيَّتِه، وخَصَّ المُوقنين لأنَّ الانتفاعَ لهم.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: آياتٌ أيضًا على ما مرَّ شَرْحُه في آخر سورة ﴿حم﴾ السجدة.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أي: كلَّ هذه الآياتِ، استفهامٌ بمعنى الأمر.
وقيل: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أنفسَكم مع قُرْبِها منكم، فمَن قرأَ كُتبَ علماءِ الأطباء في تشريح البدَنِ، عَلِمَ بذلك عجائبَ صُنْعِ اللَّه تعالى في نفْسِه.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ فيمَن أَهلكتُ قبلكم مِن
_________________
(١) ذكره عنهم السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٣). ورواه عن النخعي عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٩٨٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٣٢٣٢)، والطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٥١٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" (٥/ ٥٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥١٧) عن عكرمة، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٢/ ٧٧١٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٩٩) من غير نسبة.
[ ١٤ / ٤٥ ]
الأُمَم ينظرون إذا سافروا إلى منازلهم، وما في الأرض مِن الجبال والبحار والأشجار والأنهار والنبات والثِّمار والليل والنهار، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: يعني: البلايا والأمراضَ (^١).
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: مَخْرَجُ الغائطِ والبولِ (^٢).
وقال الضَّحَّاكُ: يأكلُ ويشربُ مِن مكانٍ واحدٍ، ويُخْرِجُ مِن مكانين (^٣).
وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: يعني: في تحويل الحالاتِ، وضَعْفِ القُوَّةِ، وعَجْزِ الأركانِ، وفَسْخِ الصَّرِيمةِ (^٤).
وقيل: في الأحوال مِن غنًى وفَقْرٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، ومرضٍ وصحةٍ، وحياةٍ وموتٍ، فيَعْتَبرون ويعرفون مُحَوِّلَ الأحوالِ.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٨٧)، وابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (٢١٢)، والطبري في "تفسيره" (٥١٩/ ٢١)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٨٥٩). وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٠٨٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٦٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٧٥).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٣) عن المسيب بن شريك، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٥٧) عن ابن زيد.
(٤) ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١١٣). وجاء في (ر) و(ف): "العزيمة"، والمعنى واحد فإن الصريمة: هي العزيمة على الشيء. انظر: "الصحاح" (مادة: صرم).
[ ١٤ / ٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: المطرُ والثَّلْجُ، وبهما نباتُ الأَقْواتِ.
﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: يجوزُ مِن الوَعْد، ويجوزُ مِن الوعيد، وقد سبَقَ ذِكْرُهما في أوَّلِ هذه السُّورةِ.
وقال مجاهدٌ والضَّحَّاكُ: يعني: الجنَّةَ والنارَ (^١).
قولُه تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾: أقسَمَ بنفْسِه على أنَّ كلَّ ما أخبَرَ به في هذه السُّورةِ مِن الوعد والوعيد حَقٌّ.
وقيل: أي: الرِّزق، وعن النبي -ﷺ- أنه قال: "أبى ابنُ آدمَ أنْ يُصَدِّقَ ربَّه حتى أقسَمَ له، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ " (^٢).
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ: ﴿مِثْلُ﴾ بالرَّفْع نعتًا لقوله: ﴿لَحَقٌّ﴾، وقرأ الباقون بالنَّصْب على أنه يُسلَكُ به مَسْلَكَ الأدواتِ، وهي على الفَتْحِ (^٣).
وقيل: هي على حَذْفِ الكافِ.
وقيل: تِقديرُه: قد حَقَّ حَقًّا مِثْلَ، ومعناه: هو حَقٌّ ككَونِ النُّطْق منكم حَقٌّ.
وقيل: معناه: إنَّ اللَّهَ رازقُكم، هذا القولُ حقٌّ كما أنَّكم إذا سُئِلْتُم: مَن خالِقُكم؟ قلتم: اللَّهُ، ذلك حقٌّ، فهذا أيضًا حقٌّ.
_________________
(١) ذكره عنهما السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٣)، وعن مجاهد الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٤٣). ورواه عن الضحاك الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٢٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٢٦١). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٦٨).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٤) من غير إسناد. وروى الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٢٣) عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قال: بلغني أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "قاتل اللَّه أقوامًا أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدِّقوه".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣).
[ ١٤ / ٤٧ ]
وقيل: معناه: كما أنكم تنطِقون به -وهو قولُكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ حقٌّ- فهذا أيضًا حقٌّ.
وقيل: أي: كما أنَّ نُطْقَكَ لا يتكلَّمُ به غيرُك، ورزقُكَ لا يأكلُه غيرُكَ.
وقيل: معناه: كما أنك تَنْطِقُ، والحروفُ تَأْتَلِفُ (^١) ولا تدري كيف تَأْتَلِفُ، وكذلك الرِّزْقُ يجتمِعُ عندك ولا تدري كيف يجتمِعُ.
وقيل: فائدةُ إحالةِ الرِّزق إلى السماء ولا سبيلَ لكَ إلى العُروج إليه: لِتَشْتَغِلَ بما كلَّفَكَ، ولا تَتَعَنَّى في طلَبِ ما لا تَصِلُ إليه.
وقيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: وإليها يُرْفَعُ عمَلُكم، فإنْ أردتَّ أنْ ينزِلَ عليكَ رِزْقُكَ فليَصْعَدْ إلى السماء عمَلُكَ، ولهذا قالوا: الصلاةُ مِفْتاحُ بابِ الرِّزْقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢].
* * *
(٢٤) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾: وانتظامُها بما قبلَها: أنه قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾، وقال في هذه القصة في آخرها: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾.
أي: يقولُ: ومِن الآيات في الأرض ما بَقِيَ مِن آثارِ قومِ لُوطٍ الذين أهلَكْناهم، وكانت بدايةُ ذلك مجيءَ الملائكةِ إبراهيمَ.
وقولُه: ﴿هَلْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقْرير؛ أي: قد أتاكَ.
وقيل: أي: إنْ لمْ يَأْتِكَ فها نحن نُخبِرُكَ.
والضَّيْفُ معناه: الأَضْيافُ؛ لأنَّه مَصْدَرٌ فصلَحَ للجَمْع، وهمُ الملائكةُ، سمَّاهم ضَيْفًا لأنَّهم جاؤوا مَجيءَ الأضياف.
_________________
(١) في (ف): "تتآلف"، وكذا في الموضع الذي يليه.
[ ١٤ / ٤٨ ]
﴿الْمُكْرَمِينَ﴾: نعتٌ للأَضْياف، أكرَمَهم إبرأهيمُ، وقامَ لهم بنفْسِه، وكان لا يقومُ لسائر الأضياف.
وقال مجاهدٌ: أكرَمَهم إبراهيمُ؛ أي: خدمَهم بنفْسِه، وجاء بعِجْلٍ (^١).
وقيل: هو مِن قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾: أي: عند اللَّه.
وقيل: إكرامُهم مِن إبراهيمَ كان بأنْ لم يتكلَّفْه لهم، ولم يَعْتَذِرْ إليهم، فلم يُكَلِّفْهم مُؤْنَةً أو مِنَّةً.
* * *
(٢٥) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.
﴿إِذْ دَخَلُوا﴾: أي: دخَلَ هؤلاءِ الأضيافُ وهمُ الملائكةُ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة هودٍ.
﴿عَلَيْهِ﴾: أي: على إبراهيمَ.
﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾: أي: نِلْتَ سَلامًا، أو اسْلَمْ سلامًا؛ أي: سلامةً مِن كلِّ مكروهٍ.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: أي: ولكم سلامٌ، أو: عليكم سلامٌ أيضًا.
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: لا أعرِفُهم؛ كما قال: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨].
قيل: قال ذلك في نفْسِه.
وقيل: أي: قال لهم: لا أعرِفُكم، فمَن أنتم؟
_________________
(١) روى القطعة الأولى منه: ابنُ أبي الدنيا في "قرى الضيف" (٨)، والطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٥٢٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩١٨٨)، وقوام السنة في "الترغيب والترهيب" (٢٠٢٤). وذكر الثانية الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١١٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٦٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٧٦).
[ ١٤ / ٤٩ ]
وقيل: أَنْكَرَهم؛ لأنَّهم كانوا على غيرِ هَيْئَةِ أهلِ بلَدِه.
وقيل: لأنهم سلَّموا عليه، ولم يكن ذلك مَعْهودًا لهم.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿قال: سِلْمٌ﴾ (^١)؛ أي: بيني وبينكم سِلْمٌ؛ أي: صُلْحٌ، فلا تُرَوِّعُوني.
* * *
(٢٦ - ٢٩) - ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾.
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾: أي: فرجَعَ إليهم في خُفْيَةٍ.
﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾: أي: وقد شواهُ.
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾: وها هنا مُضْمَرٌ: فأمسَكوا عن تناوُله ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: فكُلوا، فلم يأكلوا.
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: أي: أضمَرَ خوفًا؛ إذ لم يَتَحَرَّموا بطعامه، فمَن لم يَتَحَرَّمْ بطعام إنسانٍ لم يَأْمَنْه.
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: وقَفوا على خوفِه، فأمَّنوه وأعلَموه أنهم ملائكةٌ.
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: بولَدٍ ذكَرٍ يصيرُ عالِمًا إذا بلَغَ أوانَه، وهو إسحاقُ ﵇.
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾: أي: زوجتُه سارةُ في صَيْحَةٍ (^٢)، وقيل: في رَنَّةٍ تَعَجُّبًا مِن ذلك.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥).
(٢) في (ر) و(ف): "ضجة".
[ ١٤ / ٥٠ ]
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: أي: ضرَبَتْ جَبْهَتَها -قالَه السُّدِّيُّ ومُجاهدٌ وسُفيانُ- تعَجُّبًا واستعظامًا على ما هو عادةُ النِّساءِ (^١).
﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾: أي: عاقِرٌ لم تلِدْ قطُّ، فكيف يكونُ لها ولَدٌ؟!
* * *
(٣٠) - ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾: أي: كما أخبَرْناكِ به قال لنا ربُّكِ، وعنه نُخْبِرُكِ، فلا تَشُكِّي فيه.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾: أي: لا يجوزُ عليه الخطَأُ في قولٍ ولا فعلٍ، ولا يخفى عليه شيءٌ مِن ظاهرٍ أو باطنٍ.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَأَقْبَلَتِ﴾: لم تُقْبِلْ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، لكن جعلَتْ تصيحُ، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾؛ أي: جمَعَتْ أطرافَ أصابعِها، فضربَتْ جَبْهَتَها، وقالت: كيف يكون مِنِّي ولدٌ وأنا عجوزٌ عقيمٌ؟! وكانت يومئذٍ بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً، وإبراهيمُ يومئذٍ ابنَ تسعٍ وتسعين سنةً (^٢).
وقيل: لَمَّا تَعَجَّبَتْ قال لها جبريلُ: انْظُري إلى سَقْفِ بَيْتِكِ، فنظَرَتْ، وكانت جُذوعُه مِن النَّخْلِ اليابسةِ، فإذا هي مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ (^٣)، فقال لها: أَتَعْجَبِين مِن أمرِ اللَّه تعالى، ومِثْلُ هذا يكونُ بأمرِ اللَّه تعالى؟!
* * *
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٣٠).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٠٢).
[ ١٤ / ٥١ ]
(٣١ - ٣٤) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: أي: فما شأنُكم؟
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: مُكْتَسِبين لأنفُسِهم الهلاكَ بأعمالِهم السَّيِّئَةِ مِن تكذيبِ رسولِهم وفواحشِهم.
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾: وهي الآجُرُّ، وهو المُسَمَّى سِجِّيلًا في آيةٍ أخرى.
وقيل: هي حِجارةُ الأرضِ، وأصلُها طِينٌ، فصارت حَجَرًا بإِحْماءِ الشمس على مَرِّ الدُّهور.
﴿مُسَوَّمَةً﴾: أي: مُعَلَّمَةً فيها خُطوطٌ سُودٌ وبِيضٌ.
وقيل: سُودٌ وحُمْرٌ.
وقيل: أي: مكتوبةٌ عليها أسماءُ المَرْجومين بها.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: مُعَلَّمَةً عند اللَّه تعالى.
وقيل: أي: مُعَدَّةً خزانةِ اللَّه تعالى.
﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: أي: المُجَاوِزين الحَدَّ في ارتكابِ المعاصي.
وقيل: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: أي: مُرْسَلَةً؛ مِن تَسْويمِ المواشي.
* * *
(٣٥ - ٣٧) - ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أمَرْنا لُوطًا بأنْ يخرُجَ مع مَن كان معه مِن المؤمنين قبلَ نُزولِ العذاب بقومه.
[ ١٤ / ٥٢ ]
وقوله: ﴿فِيهَا﴾: أي: في القرية، وهي مَفْهومةٌ غيرُ مَذْكورة؛ لأنَّ القومَ كانوا فيها.
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ﴾: وهو بيتُ لوطٍ، وذُكِرَ أنَّهم لوطٌ وابنتاه، فأما امرأتُه فكانت كافرةً.
﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ.
﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾: أي: علَامةً. والآيةُ نَفْسُ القريةِ، وقد جُعِلَتْ أعلاها أسفلَها.
وقيل: الآيةُ: ما فيها مِن الحِجارةِ المُلْقاةِ المَنْضُودةِ التي رُجِموا بها.
﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: هُمُ الذين ينتفعون بالنَّظَرِ في هذه الآية.
والقصَّةُ قد مرَّتْ بسياقِها في سورة الأعراف، وبعضُها في سورة هود.
وقال السُّدِّيُّ ومُقاتلٌ: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وأدخلَ جبريلُ جناحَه تحت الأرض، فاقتلَعَها ورفَعَها حتى سمِعَ أهلُ السَّماءِ أصواتَهم، ثم قلَبَها، ثم أرسَلَ عليهم الحجارةَ، ثم تتبَّعَتِ الحجارةُ شُذَّاذَهم ومُسافريهم، وأصبَحَ إبراهيمُ جالسًا في مسجده فرأى الدُّخانَ ساطِعًا، وبين إبراهيمَ وبينهم أربعةُ فراسِخَ، فلما رأى الدُّخانَ عَلِمَ أنَّ العذابَ نزَلَ بهم (^١).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى﴾: أي: وفيه أيضًا آيةٌ.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: بحُجَّةٍ ظاهرةٍ.
_________________
(١) رواه بنحوه عن السدي الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٣٤)، ولم أقف عليه عن مقاتل.
[ ١٤ / ٥٣ ]
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾: أي: أعرَضَ فرعونُ عن قَبولِ الحقِّ مع مَن كان رُكْنًا له يَعْتَمِدُ عليهم، ويتقوَّى بهم، ويركَنُ إلى نُصْرَتِهم، وهُم مَلَؤُه وقومُه، وهو كقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
والباءُ بمعنى (مع)؛ كما يُقالُ: خرَجَ الأميرُ بحَشَمِه (^١).
وقيل: تولَّى برُكْنِه؛ أي: بقُوَّتِه في نفْسِه. قالَه نِفْطَوَيْهِ (^٢).
وقيل: أي: أعرَضَ بجانبِه؛ كقوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣].
﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: أي: قال فرعونُ: هو ساحرٌ بما يُري مِن العصا واليد، أو مجنونٌ فيما يَدَّعي ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِه كالذي لا يَعْقِلُ.
وقال أبو عبيدة: أي: ساحرٌ ومجنون، و(أو) بمعنى الواو في القرآن كثيرٌ (^٣).
* * *
(٤٠ - ٤١) - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: الذين هُم رُكْنُه.
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾: أي: ألقَيْناهم في البحر، وهو نيلُ مِصْرَ.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: أي أتى بما يُلامُ عليه.
_________________
(١) في (ر): "بجيشه".
(٢) نسبه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٢) إلى ابن عباس ﵄. ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧٠٩٨)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٠) إلى قتادة. وهو قول الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٨٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٨) من غير نسبة.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٢٧).
[ ١٤ / ٥٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ﴾: أي: وفيهم أيضًا آيةٌ.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: أي: الرِّيحَ التي لا تُنْبِتُ، ولا تُلْقِحُ شجَرًا، ولا تُنْشِئُ سحابًا مُمْطِرًا؛ كالمرأةِ العَقيمِ التي لا تَلِدُ.
* * *
(٤٢) - ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾.
﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾: أي: لا تدَعُ هذه الرِّيحُ شيئًا، و﴿مِنْ﴾ لِتأكيدِ النَّفْيِ وتعميمِه؛ أي: مما أُمِرَتْ بإهلاكِه.
﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾: أي: كالعَظْمِ البالي.
قال ابن عباس: كانت تلك الرِّيحُ هي الدَّبُورَ (^١).
وقال عليٌّ ﵁ (^٢): هي النَّكْباءُ (^٣).
وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّب: هي الجَنوبُ (^٤).
_________________
(١) ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٠٣). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٣) عن مقاتل. وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٣٨٩)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٦)، من غير نسبة. والدَّبور: ريح تهب من نحو المغرب. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ٨٠).
(٢) في (ر): "عكرمة". وانظر التعليق الآتي.
(٣) ذكره عن علي ﵁ مكيُّ بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٠١)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٠٣). وذكره الواحدي في "الوسيط" (٢٠/ ٤٥٦) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄. والنَّكْباء: الريح الناكبة التي تنكب عن مهاب الرياح القوم. انظر: "الصحاح" (مادة: نوب).
(٤) رواه ابن وهب في "جامعه" (٦٢)، وابن أبي الدنيا في "المطر" (١٦٨)، والطبري في "تفسيره" =
[ ١٤ / ٥٥ ]
والصَّحيحُ الأوَّلُ، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُور" (^١).
وقال ابن عباس: كانت الرِّيحُ تحمِلُ البعيرَ والشَّاةَ والعبدَ والأَمَةَ، فتُلْقِيه بالوادي، ولم تضر غريبًا ليس منهم، وكانت العَمالِقَةُ بجَنبَتَيِ الوادي ينظُرون إليهم، فلم تَضُرَّهمْ شيئًا (^٢).
وقال عُبيدُ بنُ عُمَير: الرِّيحُ العقيمُ في الأرض الرَّابعةِ، ولم يُرْسَلْ منها على عادٍ إلا بِقَدْرِ مَنْخرِ ثَوْرٍ (^٣).
وقال ابن عباس: ﴿جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾: أي كالعَظْم البالي الذي إذا فُتَّ يتفتَّتُ (^٤).
وقيل: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾: أي: كالتُّراب المَدْقُوق، وقد مرَّ سياقُ القصة في سورة الأعراف.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾: أي: وفي ثمودَ آيةٌ أيضًا.
﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾: قيل: هو قولُه: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] بعد ما عقَروا النَّاقةَ.
_________________
(١) = (٢١/ ٥٣٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٣٣٩). وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٠)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٥٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٠٣).
(٢) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠) من حديث ابن عباس ﵁.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكره عنه مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٠١)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٥٦).
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٨) بلفظ: كالشيء الهالك، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٣) عن مجاهد.
[ ١٤ / ٥٦ ]
وقيل: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ (^١): إنْ لم تَعْقِروا الناقةَ تمَتَّعْتُم إلى زمانٍ مَديدٍ، فعقَروها، فعُجِّلَتْ عُقوبَتُهم، وهو قولُه تعالى:
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: أي: تَرَفَّعُوا عن قَبول الأمر به.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: أي: العذابُ المُهْلِكُ.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: كانوا أَيْقاظًا وفي نهارٍ، لم يكونوا نِيامًا (^٢) ولا بِلَيْلٍ، فكانوا يُبْصِرونه.
وقيل: أي: وهُم ينتظُرون العذاب (^٣) حين قيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: أي: صَرَعَتْهم الصاعقةُ فلم يَقْدِروا أنْ يقوموا.
وقال قَتادةُ وجماعةٌ: أي: ما قَدِروا أنْ يقوموا لعذاب اللَّه تعالى، فيَدْفَعوه عن أنفسهم (^٤).
﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾: أي: وما قَدِروا على الانتقام لِمَن أحلَّ بهم الصَّاعقةَ.
وقيل: أي: مُمْتَنِعين عن العذاب بمانِعٍ، والنُّصْرَةُ: المَنع، والانتصارُ: الامتناعُ بقُوَّةِ مانعٍ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي قيل لهم".
(٢) في (ر): "بياتا".
(٣) في (أ): "وهم ينتظرونه أي العذاب"، وفي (ر) و(ف): "وهو ينظرون العذاب".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٤٣)، وذكره بنحو الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٧٩).
[ ١٤ / ٥٧ ]
قولُه تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾: قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿وقومِ نوحٍ﴾ بالخفض عطفًا على المذكورات قبلَه: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ و﴿وَفِي ثَمُودَ﴾.
وقرأ الباقون: ﴿وَقَوْمَ﴾: بالنصب (^١)؛ أي: وأخَذَ اللَّهُ قومَ نوحٍ، أو (^٢): واذكُرْ قومَ نوحٍ، والصَّحيحُ هو الأوَّلُ؛ لأنَّ قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يقتضي وقوعَ فعلٍ بهم مُتَقَدِّمًا على هلاكِ هؤلاء.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: مُسْتَحِقِّين لذلك.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾.
﴿وَالسَّمَاءَ﴾: أي: ومِن الآيات الدَّالَّةِ على قُدْرَةِ اللَّه تعالى بعد الآيات بهذه القِصَصِ خَلْقُ السَّماءِ.
﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾: أي: بقُوَّةٍ، ونَصْبُ السماءِ بإضمارِ فعلِ: (بَنَيْنا)، ودلَّ عليه إعادتُه بعدَه.
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: أي: لنا سَعَةُ خَلْقِها، وخَلْقُ مِثْلِها، وخَلْقُ ما شِئْنا.
وقيل: أي: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ما أرَدْنا إيساعَه؛ كما أوسَعْنا السماءَ فجعلناها واسعةً.
وقيل: المُوسِعُ: الغَنِيُّ؛ كما قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ أي: لنا غنًى عنها وعن كلِّ خَلْقٍ.
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: أي: بسَطْناها، ونَصبُه كنَصْبِ ﴿السماءَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣).
(٢) في (ف): "أي"، وسقطت من (أ) و(ر). والصواب المثبت.
[ ١٤ / ٥٨ ]
﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾: أي: الباسِطون، فلا نطلُبُ منهم عِوَضًا على ذلك، وجعلنا (^١) ذلك لمنافعهم لا لِحاجةٍ بنا.
* * *
(٤٩) - ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: أي: وخلَقْنا (^٢) مِن كلِّ شيءٍ لونين يكون أحدُهما مُزاوِجًا للآخَر: إما مِن شَكْلِه، وإما مِن خلافه؛ كالليل والنهار، والنُّور والظُّلْمة، والذَّكَر والأنثى، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والبُكْرَةُ والعَشِيُّ، والبَرُّ والبحر، والشمس والقمر، والسهل والجبل، وكذا الألوان والطُّعوم والأَرايِح والأصوات والملموسات؛ لِيَسْتَدِلُّوا بذلك على كمال قُدْرَتِنا أنَّا نفعَلُ ذلك باختيارِنا، وليس ذلك كالذي يَظْهَرُ مِن الشيء المُسَخَّر بطَبْعِه أنه نوعٌ واحدٌ؛ كالنارِ شأنُها التَّسْخين، والثَّلْجِ شأنُه التَّبريد، والماءِ شأنُه التَّرْطيب.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِتَتَفَكَّروا وتَعْلَموا ذلك، وتَسْتَدِلُّوا به على قُدْرَتِنا على البعث بعد الموت.
* * *
(٥٠) - ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: فانقَطِعوا إليه بطاعتِكم، فهو الواحدُ الخالقُ مِن كلِّ شيءٍ زوجين، وهو الواحدُ الفَرْدُ لا زوجَ له.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وفعلنا".
(٢) في (ر): "وجعلنا".
[ ١٤ / ٥٩ ]
وقال ذو النُّون: أظهَرَ اللَّهُ معنى الرُّبوبيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ بأنْ خلَقَ الأزواجَ؛ لِتَخْلُص له الفَرْدانِيَّةُ (^١).
وقال ابن عباس: فِرُّوا مِن اللَّه إليه، واعمَلوا بطاعته (^٢).
﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾: أي: مِن اللَّه إنْ لم تَفِرُّوا إليه.
﴿نَذِيرٌ﴾: مُخَوِّفٌ.
﴿مُبِينٌ﴾: مُظْهِرٌ لكم مِن اللَّه.
وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: فِرُّوا مِن عِقاب اللَّه إلى رحمته، ومِن طاعةِ الشيطان إلى طاعة اللَّه.
وقال الحُسين بنُ الفضل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: احتَرِزوا مِن كلِّ شيءٍ دونَه، فمَن فَرَّ إلى غيره لم يمتنع منه.
وقال الجُنيدُ: الشيطانُ داعٍ إلى الباطل، ففِرُّوا إلى اللَّه يَمْنَعْكم منه.
وقال ذو النُّون: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: مِن الجهل إلى العلم به، ومِن الكُفْران إلى الشُّكْر له.
وقال الواسطيُّ: فِرُّوا إلى ما سبَقَ لكم مِن اللَّه، ولا تعتمِدوا على حركاتِكم وسكَناتِكم.
وقال عُرْوةُ بنُ عثمان: فِرُّوا مِن أنفسكم إلى ربكم (^٣).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: مَن صَحَّ فرارُه إلى اللَّه صَحَّ قَرارُه مع اللَّه (^٤).
_________________
(١) ذكره السلمي في "تفسيره" (٢/ ٢٧٦)، والبقلي في "عرائس البيان" (٣/ ٣٤٦)، عن أبي سعيد الخراز.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٧٩).
(٣) ذكر جميع هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١١٩ - ١٢٠).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٦٩).
[ ١٤ / ٦٠ ]
(٥١ - ٥٣) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: وهذا ظاهِرٌ.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مِن قَبْلِ هؤلاء المشركين الذين يقولون لكَ: أنتَ ساحرٌ ومجنونٌ.
﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا﴾ لرسولهم ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: أي: هو ساحِرٌ، أو قالوا: هو مجنونٌ، مِثْلَ هذه الأُمَمِ التي ذَكَرْنا، قال فرعونُ لموسى ذلك، وكذلك سائرُ الكفار.
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: أي: أَتَوافَقوا على ذلك؟ وهو أنْ أوصى بعضُهم لبعضٍ بذلك.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: لم يتواصَوا بذلك، بل اجتماعُهم على هذا القول لِرسُلهم لمعنًى جامعٍ جمعَهم على ذلك، وهو طُغيانُهم وعُتُوُّهم على اللَّه، لم يَنْقادوا له، ولم يُتابِعوا (^١) رسُلَه، ولم يتركوا رياسَتهم، فكابَروا وواجَهوا الرسلَ بما قالوا.
وقيل: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: هُم قريشٌ، يعني: أوصاهم بذلك آباؤُهم، ثم قال: بل يفعلون ذلك لِطُغيانِ أنفسِهم، والأوَّلُ أَعَمُّ.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تَوَلَّ عن مُكافاتِهم ومُبَادَأَتِهم بالقتال.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: أي: فما قصَّرْتَ فيما أمَرْناكَ به مِن الدَّعوة.
﴿وَذَكِّرْ﴾: وَعِظْ ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: العِظَةَ تنفَعُ المؤمنين، فلا تترُكْها لامتناعِ الكفار عن قَبولِها.
_________________
(١) في (ف): "يبايعوا".
[ ١٤ / ٦١ ]
ورُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أنه قال: لَمَّا نزلَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لم يَبْقَ أحدٌ منا إلا أيقَنَ بالهلَكَةِ؛ إذ أُمِرَ النبيُّ -ﷺ- أنْ يتولَّ عنهم، حتى نزل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فطابَتْ أنفسُنا (^١).
وقال ابن عباس ﵄: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ حَزِنَ رسولُ اللَّه -ﷺ- مَخافةَ أنْ يَنْزِلَ بقومه العذابُ، وشَقَّ على أصحابه مَخافةَ أنْ يكون قد انقطَعَ عنهم الوحيُ، فنسَخَتْها آيةُ القتالِ (^٢).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ذَكِّرِ العاصِين عُقوبَتي لِيَرْجِعوا عن مُخالفَةِ أمري، وذكِّرِ المُطِيعين جزيلَ ثوابي لِيَزدادوا طاعةً وعبادةً لي، وذَكِّرِ العارفين ما صَرَفْتُ عنهم مِن بلائي، وذَكِّرِ الأغنياءَ ما أبحتُ لهم مِن إحساني وعَطائي، وذَكِّرِ الفقراءَ ما أوجبْتُ لهم بصَرْفِ الدنيا عنهم، وأعددتُ لهم مِن لقائي (^٣).
* * *
(٥٦) - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: قال ابنُ عباس ﵄: إلا لِيُقِرُّوا لي بالعُبوديَّةِ طَوْعًا أو كَرْهًا (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٥٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٨١)، والبيهقي في "الكبرى" (١١٦٥٠)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٢/ ٣٣٦).
(٢) ذكره مختصرا الواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٨٠)، وفي "البسيط" (٢٠/ ٤٦٤).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٦٩).
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٥٤). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٠)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١١٠)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٧٣).
[ ١٤ / ٦٢ ]
يعني: أنَّ المؤمنين يُقِرُّون له طَوْعًا، والكافرون يُقِرُّون له بما جبَلَهم عليه مِن الخِلْقَة الدَّالَّة على وحدانيَّةِ اللَّه تعالى، وانفرادِه بالخَلْقِ، واستحقاقِ العبادةِ دون غيرِه، فالخَلْقُ كلُّهم بهذا له عابِدون، وعلى هذا قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقولُه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقولُه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ على معنى: ما يُوجَدُ منهم مِن دلائلِ الحُدوثِ المُوجِبَةِ لكونها مَرْبُوبةً مَخْلُوقةً مُسَخَّرةً.
وقال مجاهد: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي: إلا لِيَعْرِفون (^١)، وكلُّ الجنِّ والإنسِ يَعْرِفون اللَّهَ اضطرارًا، لا يكفُرُ به إلا مُعانِدٌ، فهم مَخْلُوقون لِيَعْبُدُوه؛ أي: لِيَعْرِفوه، وقد عرَفوه، ومَن أظهَرَ غيرَ ذلك فهو كاذِبٌ (^٢) على نفْسِه.
وقال بعضُهم: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: في فِطْرَتِهم؛ لأنَّ ذلك فِطْرَتُهم إلَّا أنْ يَبْعُدوا (^٣) عنه بالشُّبَهِ (^٤) والتَّلْبيسِ.
وقال عليٌّ ﵁: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي: إلَّا لآمُرَهم أنْ يَعْبُدون (^٥)، ويُؤَيِّدُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٥٠٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨٠).
(٢) في (ف): "كافر كاذب".
(٣) في (أ) و(ف): "إلى أن ينقلوا" بدل: "إلا أن يبعدوا".
(٤) في (ر): "بالتشبيه".
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٠)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٠٩)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٦٦)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨٠)، وغيرهم. ووقع في النسخ: "الا أن آمرهم. . . "، والمثبت من المصادر.
[ ١٤ / ٦٣ ]
وقال الحُسينُ بنُ الفَضل: أي: إلَّا لِأَسْتَعْبِدَهم؛ أي: أُكَلِّفَهم العبادةَ (^١)، وقد كلَّفَهم.
وقريبٌ منه قولُ بعضِهم: إلَّا لِأُلْزِمَهم عبادتي.
وقال الضَّحَّاكُ: هذا أمرٌ خاصٌّ لأهل طاعتِه (^٢).
ودليلُ الخُصوصِ: أنه قال قبلَه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾؛ أي: مِن المؤمنين (^٣)، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فأمَّا الكفارُ فقد قال في حَقِّهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ خلَقَ كلَّ شيءٍ لِمَا عَلِمَ أنه يكون منه؛ إذ لو قيلَ غيرُ ذلك لأدَّى ذلك إلى إثبات العَجْزِ أو الجهل للَّه تعالى، ويتعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: الذين اصْطَفيْتُهم في آزالي، وخصَصْتُهم اليومَ بحُسْنِ إقبالي، ووعدتُ لهم جزيلَ إِفْضَالي، ما خلقتُهم إلَّا ليعبدون، والذين سخِطتُ عليهم في آزالي، ورَبَطتُهم اليومَ بالخُذْلان فيما كلَّفْتُهم مِن أعمالي، وخلَقْتُ النارَ لهم بحُكْم إلهيَّتي وجلالي، ما خلقْتُهم إلا لِعَذابي وأنْكالي، ولِمَا (^٤) أعددتُ لهم مِن سَلاسِلي وأَغْلالي.
* * *
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٩٦) من غير نسبة.
(٢) في (ف): "عبادته". ذكره عن الضحاك الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٢٠) والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٨١)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٤)، وزاد الثعلبي: عن سفيان، والواحدي: عن الكلبي.
(٣) كذا قراءة أبي بن كعب ﵁ فيما رواه عنه ابن عباس ﵄. انظر: "الوسيط" للواحدي (٤/ ١٨١)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٣٨٠).
(٤) في (أ): "مما".
[ ١٤ / ٦٤ ]
(٥٧ - ٥٨) - ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: أي: أنْ يَرْزُقوا أنفسَهم.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾: أي: يُطْعِموا عبادي، وهو إضافةُ تَخْصِيصٍ؛ كقوله ﵊ خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن أهانَ لي وليًّا فقد بارَزَني بالمُحاربة" (^١).
وقال النبي -ﷺ- أيضًا خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن أكرَمَ مؤمنًا فقد أكرَمَني، ومَن آذى مؤمنًا فقد آذاني" (^٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾: أي: لكلِّ خَلْقِه.
﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾: أي: شديدُ القُوَّةِ.
* * *
_________________
(١) الحديث بهذا اللفظ رواه ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (١)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٣٢)، والطبراني في "الأوسط" (٦٠٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والقضاعي في "مسنده" (١٤٥٦)، والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٢٢) من حديث أنس ﵁. ومعناه مروي في الصحيح، فقد روى البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب".
(٢) لم أقف عليه مسندًا، وذكره أبو البركات النسفي في "تفسيره" (٣/ ٣٨١) من غير إسناد. ويغني عنه في الاستدلال على المراد بأوضح صورة ما رواه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁: "إن اللَّه ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلمْ تَعُدْني، قال: يا ربِّ كيف أَعُودُك؟ وأنت ربُّ العالَمين، قال: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عبدي فلانًا مَرِضَ فلَمْ تَعُدْه، أمَا عَلِمْتَ أنك لو عُدْتَه لوجَدْتَني عنده؟ يا ابنَ آدمَ استطعَمْتُك فلمْ تُطْعِمني، قال: يا ربِّ وكيف أُطْعِمُك وأنت ربُّ العالَمين؟ قال: أمَا عَلِمْتَ أنه استَطْعَمك عبدي فلانٌ، فلَمْ تُطْعِمْه؟ أمَا عَلِمْتَ أنَّك لو أَطعمْتَه لوَجدْتَ ذلك عندي. . . " الحديث.
[ ١٤ / ٦٥ ]
(٥٩ - ٦٠) - ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾: أي: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن (^١) قومِكَ يا محمد ﴿ذَنُوبًا﴾: أي: حظًّا (^٢) ونَصيبًا مِن العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾؛ أي: مِثْلَ نَصيبِ أصحابِهم مِن الأُمَمِ التي ظلَمَتْ فوضَعَتِ العبادةَ في غير مَوْضِعِها.
وأصلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العظيمُ المَلْأَى ماءً، قال الراجزُ (^٣):
إنَّا إذا نازَعَنا شَريبُ لنا ذَنوبٌ وله ذَنوبُ (^٤)
وقيل: عذابًا في إِثْرِ عذابٍ كذَنُوبِ البئرِ يَتْبَعُ بعضُه بعضًا.
وقيل: إنَّ لهؤلاء الكفار حَظًّا مِن التَّمَتُّعِ بالدنيا إلى أنْ ينتهيَ مَدَدُهم.
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾: فإنه كائنٌ.
﴿فَوَيْلٌ﴾: أي: شِدَّةُ عذابٍ.
وقيل وادٍ في جهنم.
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: وهو يومُ القيامةِ.
وقيل: يومُ بدرٍ استُؤْصِلُوا فيه.
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
_________________
(١) في (أ): "مثل".
(٢) في (أ): "حقًا".
(٣) في (ر): "الشاعر".
(٤) ذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (ص: ٩٧)، والبندنيجي في "التقفية" (ص: ١٩٥)، وكراع النمل في "المنجد" (ص: ٢٠٧)، والخطابي في "غريب الحديث" (١/ ١٢٣)، والعسكري في "الفروق اللغوية" (ص: ٣١٤) من غير نسبة.
[ ١٤ / ٦٦ ]