قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
لقد كان بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشربون الخمر قبل أن يُحرَّم ويتداولونه بينهم وفي أنديتهم، ولكن إيمانهم بالله وتقواهم له غلب ما يشتهونه، فلما نزل تحريم الخمر وسمعوا المنادي ينادي بتحريمه، ما كان منهم إلا أن امتثلوا في الحال، بل إن بعض الصحابة مجَّ ما كان في فمه فور سماع تحريم الخمر.
_________________
(١) ﴿انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٠)، العذب النمير (٢/ ٦٢٤)
(٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١١)، التحرير والتنوير (٨/ ٣٧).
(٣) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٨).
[ ١٢٩ ]
فعن أنس بن مالك رضي الله قال: (إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل). (^١)
وبهذا يتبين أن تقوى الله ﷿ حاملة على امتثال الأمر وسرعة الإذعان.
ومن ذلك أن النبي - ﷺ - قد شهد لمن كان مؤمنا متقيا لله ووافته المنية قبل نزول تحريم الخمر بأنهم لو كانوا أحياء لكانوا من المنتهين عنها، وقد رفع الله عنهم الإثم والجناح، فعن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية. (^٢).
وقال النبي - ﷺ -: (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم). (^٣)
ومن هؤلاء المتقين: عمر بن الخطاب ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] كان يدعو الله ويقول: (اللهم بين لنا في الخمر بينا شافيا فإنها تذهب بالعقل والمال) حتى نزل تحريم الخمر على الإطلاق فقال: (انتهينا انتهينا) (^٤) امتثالا لأمر الله وإذعانا له.
فكل هذه الأحاديث تبين ما لتقوى الله تعالى من الأثر الكبير في امتثال أمر الله والإذعان له.
وإذا لازم العبد التقوى واستمر عليها كانت خير معين له على الثبات على الدين وبعده عن الزيغ والانحراف.
_________________
(١) ﴿أخرجه البخاري، كتاب التفسير، برقم (٤٣٤١)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، برقم (١٩٨٠).
(٢) ﴿أخرجه ابن جرير ﵀ في تفسيره بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس (١٠/ ٥٧٧) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه أحمد في مسنده برقم (٢٠٨٨) والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، برقم (٣٠٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط.
(٣) ﴿أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁، برقم (٨٦٠٥)، وحسنه شعيب الأرناءوط ﵀ في تعليقه على المسند.
(٤) ﴿أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٠) والإمام أحمد في مسنده برقم (٣٧٨). وصححه شعيب الأرناؤوط.
[ ١٣٠ ]
ولذلك فإن الله ﵎ كرر التقوى في هذه الآية ثلاث مرات، فالاتقاء الأوّل في قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل، والاتقاء الثاني في قوله ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير.
بل إن التقوى تصل بالعبد بعد ذلك إلى منزلة المراقبة ومقام الإحسان فقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المراد به: الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال. (^١)
فإن العبد إذا لازم تقوى الله منعته من اقتراف ما حرم الله وامتثال ما أمر.
ولا يفهم من الآية أن العبد إن كان من المتقين فلا جناح عليه أن يقترف المحرمات، بل إن ذلك ينافي التقوى.
فعن ابن عباس ﵄ أنه أتي في عهد عمر بن الخطاب ﵁ برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني بين وبينك كتاب الله؟ فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إن الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد.
فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على المنافقين لأن الله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر.
_________________
(١) ﴿انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٧٧)، نظم الدرر (٢/ ٥٣٩).
[ ١٣١ ]
فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟ قال علي ﵁: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلد ثمانين (^١)
فقد بين له ابن عباس ﵄ أن الذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتق.
فتأمل .. كيف أن تقوى الله تعالى في المأكل والمشرب تقود العبد إلى منازل الصالحين وتحجبه عما يغضب رب العالمين.