الطعام والشراب نعمة من نعم الله التي أنعم بها على عباده، وبها يكون قوام الناس وانتفاعهم، وأعظم من هذا تيسير سبل الحصول عليهما، بحيث لا يجد الناس العناء في إيجاد لقمة العيش، أو التعب في تحصيل شرابهم وطعامهم، ولذا كان من نعيم أهل الجنة أن يحصل العبد فيها على ما يتمنى بمجرد أن يشتهي، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ [الطور: ٢٢].
وشتان بين من يحصل على قوته بسهولة ويسر أينما ذهب وجده، وبين من يجلس الساعات الطوال يسعى ويكابد ثم يرجع خاوي اليدين.
ولذا .. فقد أخبر الله عباده أن التقوى سبب من أسباب الحصول على الرزق فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾. [الأعراف: ٩٦].
فجعل الله ﵎ الإيمان والتقوى سببا في حصول بركات السماء والأرض، وهو قطر السماء ونبات الأرض وما لا يدركه البشر مما يخفى عليهم من بركاتهما التي لا يعلمها إلا الله ﵎.
_________________
(١) ﴿رواه الدارقطني في سننه، كتاب الحدود برقم (٣٣٤٤) (٤/ ٢١١). وحسنه ابن حجر (انظر: موافقة الخبر الخبر ٢/ ٤٢٣، ٤٢٤)، وأصله في البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: (كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين) كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال برقم (٦٣٩٧).
[ ١٣٢ ]
وفي قوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا﴾ إشارة إلى سهولة وتناول هذه البركات (^١)
ومن أعظم ما ينفع العبد من هذه البركات، بركة المطعم والمشرب ولذا جاء التعبير في سورة المائدة بالأكل، حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦].
ومما يدل على هذا المعنى ما أخبرنا الله عنه في قصة أصحاب السبت وأنه بسبب فسقهم عاقبهم الله، فصعب عليهم الحصول على الرزق، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].
فهذه القرية كانت قريبة من البحر وعلى شاطئه، ولكن حينما تحايلوا على أمر الله وانتهكوا حرمته في يوم السبت، عاقبهم الله تعالى فأتتهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهاهم الله فيه عن العمل ظاهرة من كل ناحية كشوارع الطرق قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد، وباقي الأيام غير يوم السبت الذي يعملون فيه لا تأتيهم الحيتان (^٢)، كل هذا بسبب فسقهم ومخالفة أمر الله الذي أمرهم به.
فعلى العبد أن يتعظ بحال هؤلاء فقد كانوا على مقربة من الرزق ولكن أنى لهم الحصول عليه وقد فارقوا التقوى.
_________________
(١) ﴿انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٤٤)، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٥١)، روح المعاني (٩/ ١٠).
(٢) ﴿انظر: جامع البيان (١٣/ ١٨٣)، التحرير والتنوير (٩/ ١٤٩).
[ ١٣٣ ]