مدنية
[ ٣ / ٢١٦ ]
وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومائتانوثمانون كلمة، وخمسة آلاف وتسعمائة وتسعون حرفًا
وعن أبي ذر قال: قال أبيّ بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب قال: ثلاثًا وسبعين آية قال: والذي يحلف به أبيّ بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم أراد أبيّ أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن وأما ما حكي أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض.
﴿بسم الله﴾ الذي مهما أراد كان ﴿الرحمن﴾ الذي شملت رحمته كل موجود بالكرم والجود ﴿الرحيم﴾ لمن توكل عليه بالعطف عليه.
ونزل في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي لما قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزة ومناة وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق على النبي ﷺ قولهم فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم فقال إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر: أخرجوا في لعنة الله وغضبه، وأمر النبي ﷺ عمر أن يخرجهم من المدينة.
﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وعن ابن عباس ﵄ قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا ﷺ إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون من اليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ أي: دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم: قم قائمًا أي: اثبت قائمًا فسقط بذلك ما يقال الأمر بالشيء لا يكون إلا عند اشتغال المأمور بغير المأمور به إذ لا يصح أن يقال للجالس: اجلس، وللساكت: اسكت، والنبي ﷺ كان متقيًا لأن الأمر بالمداومة يصح في ذلك فيقال للجالس: اجلس هنا حتى آتيك، ويقال للساكت: قد أحسنت فاسكت تسلم أي: دم على ما أنت عليه.
وأيضًا من جهة العقل: أن الملك يتقي منه عادة على ثلاثة أوجه: بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي ﷺ لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا، فكيف والأمور البدنية شاغلة، فالآدمي في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على مالا بد منه وإن كان معه الله، ولهذا أشار بقوله ﵊ ﴿إنما أن بشر مثلكم يوحى إلي﴾ (الكهف: ١١٠)
يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم، فأمر بتقوى توجب إدامة الحضور، وقال الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض الذي بينك وبينهم، وقيل: الخطاب مع النبي ﷺ والمراد الأمة.
تنبيه: جعل الله تعالى نداء نبيه ﷺ بالنبي والرسول في قوله تعالى ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ (التحريم: ١)
﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ (المائدة: ٦٧)
وترك نداءه باسمه كما قال تعالى: يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود كرامة وتشريفًا وتنويهًا بفضله، فإن قيل: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الأخبار في قوله تعالى ﴿محمد رسول الله﴾ (الفتح: ٢٩)
[ ٣ / ٢١٧ ]
﴿وما محمد إلا رسول﴾ (آل عمران: ١٤٤)
أجيب: بأن ذلك لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره بنحو ما ذكر في النداء ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (التوبة: ١٢٨)
﴿وقال الرسول يا رب﴾ (الفرقان، ٣٠) ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١)
﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة: ٦٢)
﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (الأحزاب: ٦)
﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي﴾ (المائدة: ٨١)
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (الأحزاب: ٥٦)
وقرأ نافع النبئ بالهمزة والباقون بغير همز.
ولما وجه إليه ﷺ الأمر بخشية الولي الودود أتبعه النهي عن الالتفات لنحو العدو الحسود بقوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك من الخالق فيه أمر وإن لاحَ لائح خوفٍ أو برق رجاء فجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله تعالى وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارة والمضادة. قال أبو حيان: سبب نزولها أنه روى: «أنه ﷺ لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود فتابعه ناس على النفاق وكل يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طريق المخادعة فنزلت تحذيرًا لهم منهم وتنبيهًا على عداوتهم» انتهى وبهذا سقط ما قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر ولأن ذكر غيرهما لا حاجة إليه لأنه لا يكون عنده إلا مطاعًا ولأن كل من طلب من النبي ﷺ طاعته فهو كافر أو منافق؛ لأن من يأمر النبي ﷺ بأمر إيجاب معتقدًا أنه لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافرًا، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي، الكافرين بالإمالة محضة، وورش بين بين والباقون بالفتح.
ثم علل تعالى الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: بعظيم كماله ﴿كان﴾ أزلًا وأبدًا ﴿عليمًا﴾ أي: شامل العلم ﴿حكيمًا﴾ أي: بالغ الحكمة فهو تعالى لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه.
ولما كان ذلك مفهمًا لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر، وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق قيده بقوله تعالى:
﴿واتبع﴾ أي: بغاية جهدك ﴿ما يوحى﴾ أي: يلقى إلقاء خفيًا كما يفعل المحب مع حبيبه ﴿إليك من ربك﴾ أي: المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، وأتى موضع الضمير بالظاهر ليدل على الإحسان في التربية ليقوى على امتثال ما أمرت به الآية السالفة.
ولما أمر باتباع الوحي رغبه فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي بقوله تعالى مذكرًا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوى على الامتثال مؤكدًا للترغيب ﴿أن الله﴾ أي: بعظمته وكماله ﴿كان﴾ أزلًا وأبدًا ﴿بما يعملون﴾ أي: الفريقان من المكايد وإن دق ﴿خبيرًا﴾ أي: فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وقرأ أبو عمرو ﴿بما يعملون خبيرًا﴾ ﴿وبما يعملون بصيرًا﴾ بالياء على الغيبة على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين والباقون بالتاء على الخطاب فيهما.
ولما كان الآدمي موضع الحاجة قال تعالى:
﴿وتوكل﴾ أي: دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها ﴿على الله﴾ أي: المحيط علمًا وقدرة فإنه يكفيك في جميع أمورك ﴿وكفى بالله﴾ أي: الذي له الأمر كله على الإطلاق ﴿وكيلا﴾ أي: موكولًا إليه الأمور كلها فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى غيره؛ لأنه ليس لك قلبان تصرف كل
[ ٣ / ٢١٨ ]
واحد منهما إلى واحد كما قال تعالى:
﴿ما جعل الله﴾ أي: الذي له الحكمة البالغة والعظمة الباهرة ﴿لرجل﴾ أي: لأحد من بني آدم ولا غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسمًا وفهمًا فيفهم غيره من باب أولى، وأشار إلى التأكيد بقوله تعالى: ﴿من قلبين﴾ وأكد الحقيقة وقررها وجلاها وصورها بقوله تعالى: ﴿في جوفه﴾ أي: ما جمع الله تعالى قلبين في جوف؛ لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أولًا، ومنبع القوى بأسرها ومدبر البدن بإذن الله تعالى وذلك يمنع التعدد ﴿وما جعل أزواجكم اللائي﴾ أباح لكم التمتع بهن ﴿تظاهرون منهن﴾ كما يقول الإنسان للواحدة منهن: أنت عليّ كظهر أمي ﴿أمهاتكم﴾ بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأبيد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها ﴿وما جعل أدعياءكم﴾ جمع دعيّ وهو من يدعي لغير أبيه ﴿أبناءكم﴾ حقيقة ليجعل لهم إرثكم ويحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء.
والمعنى: أن الله ﷾ كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدًا كارهًا عالمًا ظانًا موقنًا شاكًا في حالة واحدة لم ير أيضًا أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجًا له، لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح، والمرأة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان ولم ير أيضًا أن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابنًا له؛ لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا غير أصيل.
وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيرًا وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها النبي ﷺ وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار النبي ﷺ فقال له أبوه وعمه:
يا زيد أتختار العبودية على الربوبية قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله ﷺ حرصه عليه أعتقه وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون: تزوج امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيه، وكذا قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ (الأحزاب: ٤٠)
وروي أن رجلًا كان يسمى أبا معمر جميل بن معمر الفهري وكان رجلًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: ما فعل الناس فقال له: بين مقتول وهارب فقال له: فما بالك إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله»، وقولهم وضربه مثلًا في الظهار والتبني.
وعن ابن عباس: «كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم
[ ٣ / ٢١٩ ]
الله تعالى» وقيل سها في صلاته فقالت اليهود: له قلبان قلب مع أصحابه وقلب معكم، وعن الحسن نزلت في أن الواحد يقول: لي نفسان نفس تأمرني ونفس تنهاني، فإن قيل: ما وجه تعدية الظهار وأخواته بمن؟ أجيب: بأن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فكانوا بتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها، تباعد منها جهة الظهار، فلما تضمن معنى التباعد منها عدي بمن.
فإن قيل: ما معنى قولهم: أنت علي كظهر أمي، أجيب: بأنهم أرادوا أن يقولوا: أنت عليّ حرام كبطن أمي فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر: يجيء به أحدهم على عمود بطنه أراد على ظهره، ووجه آخر: وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرمًا عندهم محظورًا، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله كظهر أمه، وهو منكر وزور وفيه كفارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة.
وقرأ ابن عامر والكوفيون اللائي بالهمزة المكسورة والياء بعدها في الوصل، وسهل الياء كالهمزة ورش، والبزي وأبو عمرو مع المد والقصر، وعن أبي عمرو والبزي أيضًا إبدالها ياء ساكنة مع المد لا غير، وقالون وقنبل بالهمزة ولا ياء بعدها، وقرأ تظهرون عاصم بضم التاء، وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء مخففة، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والظاء مخففتين وألف بعد الظاء وفتح الهاء مخففة، وابن عامر كذلك إلا أنه يشدد الظاء، والباقون بفتح التاء والظاء والهاء مع تشديد الظاء والهاء ولا ألف بعد الظاء وقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى كل ما ذكر وإلى الأخير ﴿قولكم بأفواهكم﴾ أي: مجرد قول لسان من غير حقيقة كالهذيان ﴿والله﴾ أي: المحيط علمًا وقدرة وله جميع صفات الكمال ﴿يقول الحق﴾ أي: ماله حقيقة الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه فلا قدرة لأحد على نقضه، فإن أخبر عن شيء فهو كما قال: ﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿يهدي السبيل﴾ أي: يرشد إلى سبيل الحق.
ولما كان كأنه قيل فما تقول اهدنا إلى سبيل الحق قال تعالى:
﴿ادعوهم﴾ أي: الأدعياء ﴿لآبائهم﴾ أي: الذين ولدوهم إن علموا ولذا قال زيد بن حارثة: قال ﷺ «من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام» وأخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، ثم علل تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿هو﴾ أي: هذا الدعاء ﴿أقسط﴾ أي: أقرب إلى العدل من التبني، وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المُتَبَنَّى والإحسان إليه ﴿عند الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال، وعن ابن عمران زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ الآية وقيل: كان الرجل في الجاهلة إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان، أما إذا جهلوا فهو ما ذكر بقوله تعالى: ﴿فإن لم تعلموا آباءهم﴾ لجهل أصلي أو طارئ ﴿فإخوانكم﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿في الدين﴾ إن كانوا دخلوا في دينكم أي: قولوا لهم إخواننا ﴿ومواليكم﴾ إن كانوا محررين أي: قولوا موالي فلان، وعن مقاتل إن لم تعلموا لهم أبًا فانسبوهم
[ ٣ / ٢٢٠ ]
إخوانكم في الدين أي: أن تقول: عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله وأشباههم من الأسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه وقيل: مواليكم أولياؤكم في الدين.
ولما كان عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعمم ما بعد النهي أيضًا بقوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح﴾ أي: إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ليفيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثمًا ولكن يعفي عنه فقال تعالى: ﴿فيما أخطأتم به﴾ أي: من الدعاء بالنبوة والمظاهرة، أو في شيء قبل النهي أو بعده ودل قوله تعالى ﴿ولكن ما﴾ أي: الإثم فيما ﴿تعمدت قلوبكم﴾ على زوال الحرج أيضًا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان، أو سبق اللسان، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمد بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينته المتعمد.
تنبيه: يجوز في ما هذه وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ما المجرورة قبلها بفي. والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدت كما مرت الإشارة إليه.
والثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتداء، والخبر محذوف. وتقديره: تؤاخذون به أو عليكم فيه الجناح ونحوه، ولما كان هذا الكرم خاصًا بما تقدم عمم ﷾ بقوله ﴿وكان الله﴾ أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا﴾ أي: من صفته الستر البليغ على المذنب التائب ﴿رحيمًا﴾ به، ولما نهى تعالى عن التبني وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وعمه كما مر علل تعالى النهي فيه بالخصوص بقوله تعالى: دالًا على أن الأمر أعظم من ذلك:
﴿النبي﴾ أي: الذي ينبئه الله تعالى بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائمًا في مراقي الكمال ولا يزيد أن يشغله بولد ولا مال ﴿أولى بالمؤمنين﴾ أي: الراسخين في الإيمان فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية ﴿من أنفسهم﴾ فضلًا عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فأي مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه» .
وعن جابر أنه ﷺ كان يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينًا فإليّ، ومن ترك مالًا فهو لورثته» وعن أبي هريرة قال: كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله ﷺ يسأل: هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم قال: هل ترك وفاء لدينه، فإن قالوا: نعم صلى عليه وإن قالوا: لا قال: صلوا على صاحبكم، وإنما لم يصل عليه ﷺ أولًا فيما إذا لم يترك وفاء لأن شفاعته ﷺ لا ترد، وقد ورد إن نفس المؤمن محبوسة عن مقامها الكريم ما لم يوف دينه، وهو محمول على من قصر في وفائه في حال حياته، أما من لم يقصر لفقره مثلًا فلا، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج في باب الرهن.
وإنما كان ﷺ أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم بهذا السبب الرباني فأي: حاجة إلى السبب الجسماني
[ ٣ / ٢٢١ ]
﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي: المؤمنين أي: مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن إكرامًا له ﷺ لافى حكم الخلوة والنظر والظهار والمسافرة والنفقة والميراث، وهو ﷺ أب للرجال والنساء، وأما قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ (الأحزاب، ٤٠) فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى في محله.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بغلام وهو يقرأ في المصحف «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» فقال: يا غلام حكتها فقال: هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق، ومعنى ذلك: أن هذا كان يقرأ أولًا، ونسخ لما روي عن عكرمة أنه قال: كان في الحرف الأول ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ وهو أبوهم، وعن الحسن قال في القراءة الأولى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام﴾ أي: القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها ﴿بعضهم أولى﴾ بحق القرابة ﴿ببعض﴾ أي: في التوارث، ثم نسخ لما كان في صدر الإسلام فإنهم كانوا فيه يتوارثون بالحلف والنصر فيقول: ذمتي ذمتك ترثني وأرثك، ثم نسخ بالإسلام والهجرة، ثم نسخ بآية المواريث وبالآية التي في آخر الأنفال وأعادها تأكيدًا، فإن آية المواريث مقدمة ترتيبًا ونزولًا على آية الأنفال، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله تعالى: ﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض الله.
ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى: ﴿من﴾ أي: هم أولى بسبب القرابة من ﴿المؤمنين﴾ الأنصار من غير قرابة مرجحة ﴿والمهاجرين﴾ أي: ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا﴾ استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي: لكن أن تفعلوا ﴿إلى أوليائكم معروفًا﴾ بوصية فجائز، ويجوز أن يكون استثناء من أعم العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول: القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية لوراث وعدّى تفعلوا بإلى؛ لأنه في معنى تسدوا. والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين ﴿كان ذلك﴾ أي: ما ذكر من آيتي ﴿ادعوهم﴾ ﴿والنبي أولى﴾ وقيل: أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان والهجرة ثابتًا ﴿في الكتاب﴾ أي: اللوح المحفوظ والقرآن ﴿مسطورًا﴾ قال الأصبهاني: وقيل في التوراة قال البقاعي: لأن في التوراة إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك، أثبت وصف الإيمان أولًا دليلًا على حذفه ثانيًا ووصف الهجرة ثانيًا دليلًا على حذف النصرة أولًا.
﴿وإذ﴾ أي: واذكر حين ﴿أخذنا﴾ بعظمتنا ﴿من النبيين ميثاقهم﴾ أي: عهودهم في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم في المنشط والمكره وفي تصديق بعضهم لبعض وفي اتباعك فيما أخبرنا به في قولنا: ﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ (آل عمران: ٨٨)
وقولهم أقررنا.
ولما ذكر ما أخذ على جميع الأنبياء من
[ ٣ / ٢٢٢ ]
العهد في إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ذكر ما أخذ عليهم من العهد في التبليغ بقوله تعالى: ﴿ومنك﴾ أي: في قولنا في هذه السورة ﴿اتق الله واتبع ما يوحى إليك﴾ (الأحزاب: ١ - ٢)
وفي المائدة: ٦٧ ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل.
ولما أتم المراد إجمالًا وعمومًا وخصه ﷺ من ذلك العموم مبتدئًا به لقوله ﷺ «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث» بيانًا بتشريفه، ولأنه المقصود بالذات أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ورتبهم على ترتيبهم في الزمان؛ لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم بالتأسية بالمتقدمين والمتأخرين قال ﴿ومن نوح﴾ أول الرسل إلى المخالفين ﴿وإبراهيم﴾ أبي الأنبياء ﴿وموسى﴾ أول أصحاب الكتب من بني إسرائيل ﴿وعيسى بن مريم﴾ ختام أنبياء بني إسرائيل، ونسبه إلى أمه مناداة على من ضل فيه بدعوى الألوهية وبالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة.
تنبيه: ذكر هذه الخمسة من عطف الخاص على العام كما علم مما تقرر، وقوله تعالى: ﴿وأخذنا﴾ أي: بعظمتنا في ذلك ﴿منهم ميثاقًا غليظًا﴾ أي: شديدًا بالوفاء بما حملوه وهو الميثاق الأول، وإنما كرر لزيادة وصفه بالغلظ وهو استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل: الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوه ثم أخذ الميثاق.
﴿ليسأل﴾ أي: الله تعالى يوم القيامة ﴿الصادقين﴾ أي: الأنبياء الذين صدقوا عهدهم ﴿عن صدقهم﴾ أي: عما قالوه لقومهم تبكيتًا للكافرين بهم، وقيل: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت كان صادقًا في قوله، وقيل: ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم وقوله تعالى: ﴿وأعد للكافرين عذابًا أليمًا﴾ أي: مؤلمًا معطوف على أخذنا من النبيين؛ لأن المعنى: أن الله تعالى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابًا أليمًا، ويجوز أن يعطف على ما دل عليه ليسأل الصادقين، كأنه قال: أثاب المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما كذبوا به رسلهم وأعد لهم عذابًا أليمًا.
ثم حقق الله تعالى ما سبق لهم من الأمر بتقوى الله تعالى بحيث لا يبقى معه الخوف من أحد بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا﴾ ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم بقوله تعالى: ﴿نعمة الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا كفء له ﴿عليكم﴾ أي: لتشكروه عليها بالنفوذ، لأمره وعبر بالنعمة؛ لأنها المقصودة بالذات، والمراد إنعامه يوم الأحزاب وهو يوم الخندق، ثم ذكر وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها بقوله تعالى: ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿جاءتكم جنود﴾ أي: الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام ﴿فأرسلنا﴾ أي: تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم أرسلنا ﴿عليهم ريحًا﴾ وهي ريح الصبا قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب:
انطلقي بنصرة رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٢٢٣ ]
فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل فكانت الريح التي أرسلت لهم الصبا لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» لأن الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا زال حزنه ﴿وجنودًا﴾ أي: وأرسلنا جنودًا من الملائكة ﴿لم تروها﴾ وكانوا ألفًا ولم تقاتل يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحًا باردة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها على بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إليَّ، وإذا اجتمعوا عنده قالوا: النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الجلال والجمال ﴿بما يعملون﴾ أي: الأحزاب من التحزب والتجمع والمكر وغير ذلك ﴿بصيرًا﴾ أي: بالغ الإبصار والعلم.
تنبيه: قال البخاري: قال موسى بن عقبة: كانت غزوة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة أربع، روى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال: دخل حديث بعضهم في بعض أن نفرًا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهودة بن قيس، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه؟ قالوا: دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ (النساء: ٥١)
إلى قوله تعالى: ﴿وكفى بجهنم سعيرًا﴾ (النساء، ٥٥)
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ وأجمعوا على ذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وبما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار به على النبي ﷺ سلمان الفارسي ﵁ وكان أول مشهد شهده سلمان ﵁ مع النبي ﷺ وهو يومئذ حُرٌّ فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون حتى أكملوه وأحكموه، قال أنس ﵁: «خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجزع قال:
*اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة*
فقالوا مجيبين له:
*نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا*
[ ٣ / ٢٢٤ ]
قال البراء: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبرَّ بطنه وهو يقول:
«والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوت أبينا أبينا» فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش في عشرة آلاف من الأحابيش، وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة، وأقبلت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل من هوازن، وانضافت لهم اليهود من قريظة والنضير حتى نزلوا إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا إلى الآطام، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، وكان بنو غطفان من أعلى الوادي من قبل المشرق، وقريش من أسفل الوادي من قبل المغرب كما قال تعالى:
﴿إذ جاؤكم﴾ وهو بدل من إذ جاءتكم ﴿من فوقكم﴾ أي: من أعلى الوادي ﴿ومن أسفل منكم﴾ أي: من أسفل الوادي ﴿وإذ﴾ أي: واذكر حين ﴿زاغت الأبصار﴾ أي: مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل لهم من الغفلة الحاصلة من الرعب، وقوله تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم كناية عن شدة الرعب والخفقان. قال البقاعي: ويجوز وهو الأقرب أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره أي: رئته، فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عمرو وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله ﷺ وأصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله أشيء أنزل الله تعالى به لابد لنا من عمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا، قال: لا والله بل لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وأعزنا الله تعالى بك نعطيهم أموالنا،
ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال ﷺ أنت وذلك، فتناول سعد رضي الله تعالى عنه الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله ﷺ وعدوهم محاصرهم ولم يكن بينهم قتال إلا فوارس من قريش، عمرو بن عبد ودَ أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الخطاب، ومرداس أخو محارب بن فهر، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا: تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا فضربوا خيولهم فاقتحمت فيه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع.
وخرج عليّ رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودَ قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو إنك كنت تعاهد الله تعالى لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت منه إحداهما، قال له: أجل قال له علي: فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ وإلى الإسلام قال: لا حاجة لي بذلك قال: فإني أدعوك إلى البراز قال: ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك.
قال عليّ: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فنقره أو ضرب وجهه، ثم أقبل على عليّ فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ، وخرجت خيله مهزومة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان أصابه سهم فمات بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه، فنزل إليه عليّ رضي الله تعالى عنه فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله ﷺ أن يبيعهم جسده فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه.
ولما نشأ عن هذا تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد بقوله تعالى: ﴿وتظنون بالله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿الظنونًا﴾ أي: أنواع الظن، فظن المخلصون الثُّبت القلوب أن الله تعالى منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم، فخافوا الزلل، وروي أن المسلمين قالوا: بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله؟ فقال ﷺ «قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا» وأما الضعاف القلوب والمنافقون فقالوا: ما حكى الله عنهم فيما سيأتي، وقرأ نافع وابن عامر الظنونا هنا والرسولا والسبيلا في آخر السورة بإثبات الألف في الثلاثة وقفًا ووصولًا، وأبو عمرو وحمزة بحذف الألف وقفًا ووصلا قال الزمخشري: وهو القياس والباقون بالألف في الوقف دون الوصل زادوها في الفاصلة كما زادوها في القافية قال:
*أقلي اللوم عاذل والعتابا*
ورسم الثلاثة بالألف ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة قال تعالى:
﴿هنالك﴾ أي: في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة ﴿ابتلي المؤمنون﴾ اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل ﴿زلزلوا﴾ أي: حركوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة وتطاير الأراجيف ﴿زلزلًا شديدًا﴾ فثبتوا تثبيت الله تعالى لهم على عدوهم، وعن صفية قالت: مر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم من يدفع عنا، ورسول الله
[ ٣ / ٢٢٦ ]
ﷺ وأصحابه في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت قالت: فقلت يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بنا كما ترى بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت: فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئًا احتجزت ثم أخذت عمودًا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب» وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله ﷺ إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإنما الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى قريظة وكان لهم نديمًا في الجاهلية فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم وِدِّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم: إن قريشًا وغطفان جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشًا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأو نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا ﷺ حين تناجزوه.
قالوا: لقد أشرت برأي ونصح، ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر رأيته أن حقًا علي أن أبلغكم نصحًا لكم فاكتموا علي قالوا: نفعل قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلًا واحدًا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثل ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس، وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا: إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ﷺ ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخف
[ ٣ / ٢٢٧ ]
عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا ﷺ فإنا نخشى إن ضرمتكم الحرب واشتدت عليكم أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد ﷺ
فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: تعلمن والله أن الذي حدثكم به نعيم ابن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن يكن غير ذلك استمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا، فأبوا عليهم. وخذل الله تعالى بينهم وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم قال: من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله تعالى الجنة؟.
قال حذيفة: فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله فأسكت القوم وما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويًَّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: ألا من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من شدة الخوف وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فقال: يا حذيفة فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقلت: لبيك يا رسول الله وقمت حتى أتيته وإن جنبي يضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئًا حتى ترجع إليّ، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي وشددت عليّ أسلابي، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله عليهم ريحًا، وجنود الله تعالى تفعل فيهم ما تفعل وأبو سفيان قاعد يصطلي فأخذت سهمًا فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه - ولو رميته لأصبته - فذكرت قول النبي ﷺ لا تحدثن شيئًا حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله تعالى بهم لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء قام فقال: يا معشر قريش ليأخذن كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت قال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، وبلغنا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما أخبرته الخبر ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل قال: فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفء، فأدناني النبي صلى
[ ٣ / ٢٢٨ ]
الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى عليّ طرف ثوبه، وألصق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائمًا حتى أصبحت فقال: قم يا نومان.
ثم إن الله تعالى بيَّن حال غير الثابتين بقوله تعالى:
﴿وإذ يقول المنافقون﴾ معتب بن قشير وقيل: عبد الله بن أبيّ وأصحابه ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ أي: ضعف اعتقاد ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ أي: باطلًا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا، وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله والتمكين في البلاد حتى حفر الخندق، فإنه قال: إنه أبصر بما برق له من ضوء صخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور كسرى من الحيرة من أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه ليظهرون على ذلك كله، وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك بن جعثم سوار كسرى بن هرمز كما هو مذكور في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم ففاز المصدقون وخاب الذين هم في ريبهم يترددون.
﴿وإذ قالت طائفة منهم﴾ أي: من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه ﴿يا أهل يثرب﴾ أي: المدينة وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول ﷺ في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: أن النبي ﷺ نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال: هي طابة كأنه كره تلك اللفظة فعدلوا عن هذا الاسم الذي وسمها به النبي ﷺ إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديمًا مع نهيه عنه، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة. وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو العلمية والتأنيث، وأما يثرب بالمثناة وفتح الراء فموضع آخر باليمن قال الشاعر:
*وعدت وكان الخلف منك سجية مواعيد عرقوب أخاه بيثرب*
وقال آخر:
*وقد وعدتك موعدًا لو وفت به مواعيد عرقوب أخاه بيثرب*
وقرأ ﴿لا مقام﴾ حفص بضم الميم أي: لا إقامة ﴿لكم﴾ في مكان القتال ومصارعة الأبطال، والباقون بفتحها أي: لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ﴿فارجعوا﴾ إلى منازلكم عن أتباع محمد ﷺ وقيل: عن القتال إلى منازلكم.
ولما بين تعالى هؤلاء الذين هتكوا الستر وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر أتبعهم آخرين تستروا ببعض الستر متمسكين بأذيال النفاق خوفًا من أهوال الشقاق بقوله تعالى: ﴿ويستأذن﴾ أي: يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء ﴿فريق منهم﴾ أي: طائفة شأنها الفرقة ﴿النبي﴾ في الرجوع، وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق والخلق وما له من جلالة الشمائل وكرم الخصائل، وهم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿يقولون﴾ أي: في كل قليل مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين قولهم ﴿إن بيوتنا﴾ أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم من المنافقين ﴿عورة﴾ أي: غير حصينة بها خلل كبير يمكن كل من أراد من الأحزاب أن يدخلها يدخلها منه، وقيل قصيرة الجدران فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وذبًا عن الأهلين، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بالكسر، ثم أكذبهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وما﴾ أي: والحال أنها ما ﴿هي بعورة﴾ في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه ولا يريدون بذهابهم حمايتها ﴿إن﴾ أي: ما ﴿يريدون﴾ باستئذانهم ﴿إلا فرارًا﴾ من القتال.
ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم، فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زورًا بين تعالى ذلك بقوله تعالى:
﴿ولو دخلت﴾ أي: بيوتهم أو المدينة، وأنث الفعل نصًا على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وأتى بأداة الاستعلاء بقوله تعالى: ﴿عليهم﴾ إشارة إلى أنه دخول غلبة ﴿من أقطارها﴾ أي: جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب، وحذف الفاعل للإيماء بأن دخول هؤلاء الأحزاب ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه ﴿ثم سئلوا﴾ من أي سائل كان ﴿الفتنة﴾ أي: الشرك ومقاتلة المسلمين وقرأ ﴿لأتوها﴾ نافع وابن كثير بقصر الهمزة لجاؤها أو فعلوها، والباقون بالمد أي: لأعطوها إجابة لسؤال من سألهم ﴿وما تلبثوا بها﴾ أي: ما احتبسوا عن الفتنة ﴿إلا يسيرًا﴾ أي: لأسرعوا إلى الإجابة للشرك طيبة بها نفوسهم، فعلم بذلك أنهم لا يقصدون إلا الفرار لا حفظ البيوت من المضار، وهذا قول أكثر المفسرين.
وقال الحسن: المراد بالفتنة الخروج من البيوت سمى بذلك لأن الإنسان لا يخرجه من بيته إلا الموت أو ما هو يقاربه، فكأنه فتنة، وعلى هذا يكون الضمير في بها راجعًا للبيوت أو المدينة أي: ما لبثوا بالبيوت أو بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا يسيرًا حتى هلكوا.
﴿ولقد كانوا﴾ أي: هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار ﴿عاهدوا الله﴾ الذي لا أَجّلَّ منه ﴿من قبل﴾ أي: من قبل غزوة الخندق ﴿لا يولون الأدبار﴾ أي: لا ينهزمون، وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله تعالى أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم أناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر فرأوا ما أعطى الله تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن، فساق الله تعالى إليهم ذلك، وقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلًا بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال رسول الله ﷺ أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله قال: لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة قالوا: قد فعلنا، فذلك عهدهم، قال البغوي: وهذا القول، ليس بمرضي لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفرًا ليس فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله تعالى أن يقاتلوا ولا يفروا فنقضوا العهد. انتهى.
ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال تعالى: ﴿وكان عهد الله﴾ المحيط بصفات الكمال ﴿مسؤولًا﴾ أي: عن الوفاء به، ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم وأكد لظنهم نفع الفرار ﴿لن ينفعكم الفرار﴾ في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه ﴿إن فررتم من الموت أو القتل﴾ أي: الذي كتب لكم لأن الأجل إن كان قد حضر لم يتأخر بالفرار، وإلا لم يقصره الثبات كما كان عليّ رضي الله
[ ٣ / ٢٣٠ ]
تعالى عنه يقول: دهم الأمر وتوقد الجمر واشتد من الحرب الحر أي: يومي من الموت أفر يوم لا يقدر، أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي جعله محيطًا بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلًا ﴿وإذا﴾ أي: إن فررتم ﴿لا تمتعون﴾ في الدنيا بعد فراركم ﴿إلا قليلًا﴾ أي: مدة آجالكم وهي قليل فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئًا كثيرًا.
ولما كان ربما يقولون بل ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ومن ثبت فاصطلم، أمره الله تعالى بالجواب عن هذا بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم منكرًا عليهم ﴿من ذا الذي يعصمكم﴾ أي: يجيركم ويمنعكم ﴿من الله﴾ المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا في حال الفرار وقبله وبعده ﴿إن أراد بكم سوءًا﴾ أي: هلاكًا أو هزيمة فيرد ذلك عنكم ﴿أو﴾ يصيبكم بسوء إن ﴿أراد﴾ أي: الله ﴿بكم رحمة﴾ أي: خيرًا أسماه بها لأنه أثرها، والمعنى: هل احترزتم في جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه، فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئًا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه، ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السوء أولًا دليلًا على حذف ضده ثانيًا. وذكر الرحمة ثانيًا دليلًا على حذف ضدها أولًا. وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿لن ينفعكم الفرار﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا يجدون لهم﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿وليًا﴾ أي: يواليهم فينفعهم بنوع نفع ﴿ولا نصيرًا﴾ أي: ينصرهم من أمره فيرد ما أراده بهم من السوء عنهم تقرير لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يعصمكم﴾ من الله الآية.
ولما أخبرهم تعالى بما علم مما أوقعوه من أسرارهم وأمره ﷺ بوعظهم، حذرهم بدوام عمله بمن يخون منهم بقوله تعالى:
﴿قد يعلم الله﴾ الذي له إحاطة الجلال والجمال ﴿المعوقين منكم﴾ أي: المثبطين عن رسول الله ﷺ وهم المنافقون ﴿والقائلين لإخوانهم﴾ أي: ساكني المدينة ﴿هلم﴾ أي: ائتوا وأقبلوا ﴿إلينا﴾ موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيها القتال ويواظب فيها على صالح الأعمال قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار رسول الله ﷺ ويقولون لإخوانهم ما محمد ﷺ وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لا التقمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك، وقال مقاتل: نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين وقالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدًا، فأنا أشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا فهلم إلينا، فأقبل عبد الله بن أُبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا: ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزداد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانًا واحتسابًا.
تنبيه: هلم اسم صوت سمي به فعل متعد مثل احضر وقرب، وأهل الحجاز يسوّون فيه بين الواحد والجماعة، وبلغتهم جاء القرآن العزيز، وأما بنو تميم فتقول: هلم يا رجل هلما يا رجلان هلموا يا رجال ﴿ولا﴾ أي: والحال أنهم لا ﴿يأتون البأس﴾ أي: الحرب أو مكانها ﴿إلا قليلًا﴾ أي: للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنه لواذًا وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذًا.
﴿أشحة﴾ أي: يفعلون ما تقدم، والحال أن كلًا منهم شحيح ﴿عليكم﴾ أي: بحصول
[ ٣ / ٢٣١ ]
نفع منهم أو من غيرهم نفس أو مال.
تنبيه: أشحة جمع شحيح وهو جمع لا يقاس، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو: خليل وأخلاء، وضنين وأضناء، وقد سمع أشحاء وهو القياس والشح البخل، وصفهم الله تعالى بالبخل ثم بالجبن. قوله تعالى ﴿فإذا جاء الخوف﴾ أي: بمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها ﴿رأيتهم﴾ أي: أيها المخاطب. وقوله تعالى: ﴿ينظرون﴾ في محل حال من مفعول رأيتهم لأن الرؤية بصرية، وبيَّن بعدهم حسًا ومعنى بحرف الغاية بقوله تعالى: ﴿إليك﴾ أي: حال كونهم ﴿تدور﴾ فهي إما حال ثانية، وإما حال من ينظرون يمينًا وشمالًا بإدارة الطرف ﴿أعينهم﴾ أي: زائغًا رعبًا ثم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح بقوله تعالى: ﴿كالذي﴾ أي: كدوران عين الذي ﴿يغشى عليه﴾ مبتدأ غشيانه ﴿من الموت﴾ أي: من معالجة سكراته خوفًا ولواذًا بك، وذلك لأن قرب الموت وغشية أسبابه تذهب عقله وتشخص بصره فلا يطرف ﴿فإذا ذهب الخوف﴾ وحيزت الغنائم ﴿سلقوكم﴾ أي: تناولوكم تناولًا صعبًا بأنواع الأذى ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور، وأصل السلق البسط بقهر اليد أو اللسان، ومنه سلق امرأته أي: بسطها وجامعها قال القائل:
فقد هُيّء لنا المضجع فإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع، والسليقة: الطبيعة المباينة، والسليق: المطمئن من الأرض ﴿بألسنة حداد﴾ ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة وغيرها. يقال للخطيب الذرب اللسان: الفصيح مسلق، وقال ابن عباس سلقوكم أي: عضهوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة وقال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، ويقولون أعطونا فإنا شهدنا معكم القتال ولستم بأحق بالغنيمة منا، ثم بين المراد بقوله تعالى: ﴿أشحة﴾ أي: شحًا مستعليًا ﴿على الخير﴾ أي: المال الذي عندهم وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم.
ولما وصفهم تعالى بهذه الصفات الدنيئة أخبر تعالى أن أساسها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله تعالى لعدم الإيمان فقال: ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿لم يؤمنوا﴾ أي: لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم ﴿فأحبط الله﴾ أي: بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله ﴿أعمالهم﴾ التي كانوا يأتونها مع المسلمين أي: فأظهر بطلانها، وإذا لم تثبت لهم الأعمال فتبطل، وقال قتادة: أبطل الله تعالى جهادهم ﴿وكان ذلك﴾ أي: الإحباط ﴿على الله﴾ بما له من صفات العظمة ﴿يسيرًا﴾ أي: هينًا لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه. وقوله تعالى:
﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا أي: هم من الخوف بحيث أنهم لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم، ويجوز أن يكون حالًا من أحد الضمائر المتقدمة إذا صح المعنى بذلك ولو بعد العامل. قاله أبو البقاء.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يحسبون الأحزاب يعني قريشًا وغطفان واليهود ولم يتفرقوا عن قتالهم من غاية الجبن عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله تعالى ﴿ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا﴾ (الأحزاب: ٢٠)
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين
[ ٣ / ٢٣٢ ]
والباقون بالكسر ﴿وإن يأت الأحزاب﴾ بعدما ذهبوا كرة أخرى ﴿يودوا﴾ أي: يتمنوا ﴿لو أنهم بادون في الأعراب﴾ أي: كائنون في البادية بين الأعراب الذين هم عندهم في محل نقص وممن تكره مخالطته، ثم ذكر حال فاعل بادون بقوله تعالى: ﴿يسألون﴾ كل وقت ﴿عن أنبائكم﴾ أي: أخباركم العظيمة مع الكفار وما آل إليه أمركم جريًا على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجهًا، كأنهم مهتمون بكم يظهرون بذلك تحرقًا على غيبتهم عن هذه الحرب ﴿ولو﴾ أي: والحال أنهم لو ﴿كانوا﴾ هؤلاء المنافقون ﴿فيكم﴾ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال ﴿ما قاتلوا﴾ معكم ﴿إلا قليلًا﴾ نفاقًا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى.
ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة أقبل عليهم إقبالًا يدلهم على تناهي الغضب بقوله تعالى: مؤكدًا محققًا لأجل إنكارهم:
﴿لقد كان لكم﴾ أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم ﴿في رسول الله﴾ الذي جلاله من جلاله وكماله من كماله ﴿أسوة﴾ أي: قدوة ﴿حسنة﴾ أي: صالحة وهو المؤتسى به أي: المقتدى به، كما تقول في البيضة: عشرون منًَّا حديدًا أي: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد، أو أن فيه خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها، كالثبات في الحرب ومقاسات الشدائد إذ كسر رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك واستسنوا بسنته.
تنبيه: الأسوة اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء، فالأسوة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء وائتسى فلان بفلان أي: اقتدى به، وقرأ عاصم بضم الهمزة والباقون بكسرها وهما لغتان: كالعُدوة والعِدوة، والقُدوة والقِدوة وقوله تعالى: ﴿لمن كان﴾ أي: كونًا كائنه جبلة له ﴿يرجو الله﴾ أي: في جبلته أنه يجدد الرجاء مشمرًا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه، فيؤمل إسعاده ويخشى إبعاده. تخصيص بعد التعميم للمؤمنين أي: أن الأسوة برسول الله ﷺ لمن كان يرجو الله. قال ابن عباس: يرجو ثواب الله، وقال مقاتل: يخشى الله ﴿واليوم الآخر﴾ أي: يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال ﴿وذكر الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال وقيده بقوله تعالى: ﴿كثيرًا﴾ تحقيقًا لما ذكر في معنى الرجاء الذي به الفلاح أو أن المراد به الدائم في حال السراء والضراء.
ولما بين تعالى حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب بقوله تعالى:
﴿ولما رأى المؤمنون﴾ أي: الكاملون في الإيمان ﴿الأحزاب﴾ أي: الذين أدهشت رؤيتهم القلوب ﴿قالوا﴾ أي: مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأهوال ﴿هذا﴾ أي: الذي نراه من الهول ﴿ما وعدنا الله﴾ أي: الذي له الأمر كله من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان ﴿ورسوله﴾ المبلغ بنحو قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ (البقرة: ٢١٤)
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ (آل عمران: ١٤٢)
﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ (العنكبوت: ٢)
وأمثال ذلك. ثم قالوا في مقابلة قول المنافقين: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا ﴿وصدق الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ أي: الذي كماله من كماله أي: ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء كما رأينا، وهما صادقان فيما غاب عنا مما
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. قال بعض المفسرين: ولو أعيدا مضمرين لجمع بين الباري تعالى واسم رسوله ﷺ فكان يقال: وصدقا، وقد رد ﷺ على من جمعهما بقوله: ﴿من يطع الله ورسوله﴾ فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه بقوله: بئس خطيب القوم أنت. قل: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ قصدًا إلى تعظيم الله تعالى. وقيل: إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما، واستشكل بعضهم الأول بقوله: «حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد؟ وأجيب: بأنه ﷺ أعرف بقدر الله تعالى منا فليس لنا أن نقول كما يقول وقد يقال: إذا كان رسول الله ﷺ يقول ذلك فالله جل وعلا أولى، وحينئذ فالقائل بأنه إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما أولى.
ولما كان هذا قولًا يمكن أن يكون لسانيًا فقط كقول المنافقين أكده لظن المنافقين ذلك بقوله تعالى: شاهدًا لهم ﴿وما زادهم﴾ أي: ما رأوه من أمرهم أو الرعب ﴿إلا إيمانًا﴾ بالله ورسوله ﴿وتسليمًا﴾ بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر، ثم وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله تعالى:
أي: المذكورين سابقًا وغيرهم ﴿رجال﴾ أي: في غاية العظمة عندنا ثم وصفهم بقوله تعالى: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله﴾ المحيط علمًا وقدرة ﴿عليه﴾ أي: أقاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ أي: نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب: النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وقيل: النحب الموت أيضًا. قال قتادة: قضى نحبه أي: أجله. وقيل: قضى نحبه أي: بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب نحب فلان في سيره يومه وليلته أي: اجتهد، وقيل قضى نحبه قتل يوم بدر أو يوم أُحد.
روي أن أنسًا قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو إلى أين فقال: واهًا لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك: فوجدنا في جسده بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم فوجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه» .
﴿ومنهم﴾ أي: الصادقين ﴿من ينتظر﴾ أي: السعادة كعثمان وطلحة ﴿وما بدلوا﴾ أي: العهد ولا غيروه ﴿تبديلًا﴾ أي: شيئًا من التبديل. روي أن ممن لم يقتل في عهد النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وفعل ما لم يفعله غيره لزم النبي ﷺ فلم يفارقه وذبَّ عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه قال إسماعيل بن قيس: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد، وعن معاوية سمعت النبي ﷺ يقول: «طلحة ممن قضى نحبه»، وعن طلحة لما رجع النبي ﷺ من أحد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ: ﴿رجال
[ ٣ / ٢٣٤ ]
صدقوا وما عاهدوا الله عليه﴾ الآية كلها فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله من هؤلاء فقال: «أيها السائل هذا منهم»، وعنه أيضًا: أن أصحاب النبي ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ كانوا لا يجترؤن على مسألته يهابونه ويوقرونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني طلعت من باب المسجد فقال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا فقال: «هذا ممن قضى نحبه»، وهذا يقوي القول بأن المراد بالنحب بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وعن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه منها، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه منها فقال ﷺ «ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر» قال: ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أينعت أي: أدركت ونضجت له ثمرتها ويهديها أي: يجنيها، وهذا كناية عما فتح الله تعالى لهم من الدنيا وعن زيد بن ثابت قال:
«لما نسخنا المصحف من المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين من المؤمنين ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ فألحقتها في سورتها في المصحف» .
﴿ليجزي الله﴾ أي: الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهورًا تامًا ﴿الصادقين﴾ أي: في الوفاء بالعهد وادعاء أنهم آمنوا به ﴿بصدقهم﴾ أي: فيعلي أمرهم وينعمهم في الآخرة فالصدق سبب وإن كان فضلًا منه لأنه الموفق له.
تنبيه: في لام ليجزي وجهان: أحدهما: أنها لام العلة، والثاني: أنها لام الصيرورة وفيما تتعلق به أوجه: إما بصدقوا، وإما بما زادهم، وإما بما بدلوا، وعلى هذا جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوا بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما ﴿ويعذب المنافقين﴾ أي: الذين أخفوا الكفر وأظهروا الإسلام في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال ﴿إن شاء﴾ بأن يميتهم على نفاقهم ﴿أو يتوب عليهم﴾ إن شاء بأن يهديهم إلى التوبة فيتوبوا فالكل بإرادته.
تنبيه: جواب إن شاء مقدر، وكذا مفعول شاء أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، وقرأ قالون والبزي وأبو عمر بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلاها أيضًا حرف مد وحققها الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق.
ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم قال معللًا ذلك كله على وجه التأكيد: ﴿إن الله﴾ أي: بما له من الجلال والجمال ﴿كان﴾ أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا﴾ لمن تاب ﴿رحيمًا﴾ بهم، ثم بين تعالى بعض ما جزاهم الله تعالى بصدقهم بقوله تعالى:
﴿ورد الله﴾ أي: بما له من صفات الكمال ﴿الذين كفروا﴾ وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله ﷺ إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين حال كونهم
[ ٣ / ٢٣٥ ]
﴿بغيظهم﴾ أي: متغيظين لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، بل تفرقوا عن غير طائل حال كونهم ﴿لم ينالوا خيرًا﴾ لا من الدين ولا من الدنيا بل ذلًا وندامة فهو حال ثانية، أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة ﴿وكفى الله﴾ أي: الذي له العزة والكبرياء ﴿المؤمنين القتال﴾ بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم، منهم نعيم بن مسعود لما تقدم من الحيلة التي فعلها.
قال سعيد بن المسيب: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي ﷺ بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي ﷺ «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشا لا تعبد»، فبينما هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمنه الفريقان جميعًا فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال أزلًا وأبدًا ﴿قويًا﴾ على إحداث ما يريد ﴿عزيزًا﴾ غالبًا على كل شيء.
ولما أتم الله حال الأحزاب أتبعه حال من عاونوهم بقوله تعالى:
﴿وأنزل الذين ظاهروهم﴾ أي: عاونوا الأحزاب ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير ﴿من صياصيهم﴾ أي: حصونهم متعلق بأنزل، ومن لابتداء الغاية والصياصي جمع صيصية وهي الحصون والقلاع والمعاقل، ويقال: لكل ما يمتنع به ويتحصن فيه صيصية، ومنه قيل لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك صيصية، عن سعيد بن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش، ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن، ومن تبعه من غطفان وطليحة، ومن تبعه من بني أسد وبنو الأعور، ومن تبعهم من بين سليم وقريظة، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾ .
وكانت غزوة بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وعن موسى بن عقبة أنها في سنة أربع قال العلماء بالسير: إن رسول الله ﷺ لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف رسول الله ﷺ والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس والسرج فقال: ما هذا يا جبريل قال: من متابعة قريش فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله تعالى يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله دقهم دق البيض على الصفا وإنهم لك طعمة فأذن في الناس أن من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها الناس.
فسار عليّ حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ بالطريق فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث قال: أظنك سمعت فيَّ منهم أذى قال: نعم يا رسول الله قال لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا، فلما دنا رسول الله صلى الله
[ ٣ / ٢٣٦ ]
عليه وسلم من حصنهم قال: يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولًا، ومر رسول الله ﷺ على أصحابه قبل أن يصل إلى بني قريظة قال: هل مر بكم أحد قالوا: مر بنا دحية بن خليفة على بغلة شهباء عليها قطيفة من ديباج قال ﷺ ذاك «جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب» .
ولما أتى رسول الله ﷺ بني قريظة نزل على بئر من آبارها فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ «لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة» فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله تعالى بذلك، ولا عنفهم رسول الله ﷺ وكان جي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما نزل، وإني عارض عليكم خلالًا ثلاثًا فخذوا أيها شئتم قالوا: وما هي قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دياركم وأبنائكم وأموالكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم هذا فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد ﷺ وأصحابه رجالًا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلًا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا أحدًا ولا شيئًا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لتحدث النساء والأبناء قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم، فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا، فانزلوا لعلنا أن نصيب منهم غرة قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا فتركهم.
قال علماء السير: وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله ﷺ تنزلون على حكمي؟ فأبوا وكانوا قد طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمر وبن عوف وكانوا حلفاء الأوس يستشيرونه في أمرهم، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه يعني أنه يقتلكم قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى قد عرفت أني خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال: لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله تعالى علي مما صنعت، وعاهد الله تعالى لا يطأ بني قريظة أبدًا ولا يراني الله تعالى في بلد خنت فيه الله ورسوله.
فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وأبطأ عليه قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فقال لهم رسول الله ﷺ تنزلون على حكم سعد بن معاذ فرضوا به فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي ﷺ وقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة»، ثم استنزلهم
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وخندق في سوق المدينة خندقًا وقدمهم فضرب أعناقهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير ﴿وقذف﴾ أي: الله تعالى ﴿في قلوبهم الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي كما قال الله تعالى: ﴿فريقًا تقتلون﴾ وهم الرجال يقال: كانوا ستمائة ﴿وتأسرون فريقًا﴾ وهم النساء والذراري يقال: كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال: تسعمائة.e
فإن قيل: ما فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال تعالى: ﴿فريقًا تقتلون﴾ وتأخيره في الثاني حيث قال: ﴿وتأسرون فريقًا﴾ أجيب: بأن الرازي قال: ما من شيء من القرآن إلا وله فائدة، منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر، والذي يظهر من هذا والله أعلم؛ أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب، والرجال كانوا مشهورين، وكان القتل واردًا عليهم، وكان الأسراء هم النساء والذراري ولم يكونوا مشهورين، والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما اشتهر على الفعل القائم به، ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي انتهى. وقرأ ابن عامر والكسائي الرعب بضم العين والباقون بسكونها.
ولما ذكر الناطق بقسميه ذكر الصامت بقوله تعالى:
﴿وأورثكم أرضهم﴾ من الحدائق والمزارع ﴿وديارهم﴾ أي: حصونهم لأنه يحامى عليها ما لا يحامى على غيرها ﴿وأموالهم﴾ من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم رسول الله ﷺ «للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم»، كما للراجل ممن ليس له فرس سهم. وأخرج منها الخمس وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسًا، وكان هذا أول فيء وضع فيه السهمان، وجرى على سننه في المغازي واصطفى رسول الله ﷺ من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن قريظة.
وكان رسول الله ﷺ يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها، وكانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله ﷺ ووجد في نفسه من أمرها، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: إن هذا لثعلبة ابن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك.
روي أن رسول الله ﷺ جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال: إنكم في منازلكم وقال عمر: إنا نخمس كما خمست يوم بدر، قال: لا إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس قال: رضينا بما صنع الله ورسوله.
وأنزل الله تعالى توبة أبي لبابة على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، فسمعت رسول الله ﷺ يضحك فقالت: مم تضحك يا رسول الله أضحك الله تعالى سنك فقال: تيب على أبي لبابة فقالت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله تعالى عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجًا إلى الصبح أطلقه، ومات سعد بن معاذ بعد انقضاء غزوة بني قريظة.
قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال
[ ٣ / ٢٣٨ ]
الله تعالى ﴿رحماء بينهم﴾ (الفتح: ٢٩)
واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وأرضًا﴾ أي: وأورثكم أرضًا ﴿لم تطؤها﴾ فعن مقاتل أنها خيبر وعليه أكثر المفسرين، وعن الحسن فارس والروم، وعن قتادة كما تحدث أنها مكة، وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى القيامة، ومن بدع التفسير أنه أراد نساءهم انتهى.
ولما كان ذلك أمرًا باهرًا سهله بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: أزلًا وأبدًا بما له من صفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ هذا وغيره ﴿قديرًا﴾ أي: شامل القدرة، روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده» ولما أرشد الله تعالى نبيه ﷺ إلى جانب ما يتعلق بجانب التعظيم لله تعالى بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة فقال:
﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ أي: نسائك ﴿إن كنتن﴾ أي: كونًا راسخًا ﴿تردن﴾ أي: اختيارًا على ﴿الحياة﴾ ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم، ويذكر من له عقل بالآخرة بقوله تعالى: ﴿الدنيا﴾ أي: ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ﴿وزينتها﴾ أي: المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه لأنها قاطعة عنه ﴿فتعالين﴾ أصله أن الآمر يكون أعلى من المأمور فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر حتى صار معناه أقبل وهو هنا كناية عن الأخبار والإرادة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره ﴿أمتعكن﴾ أي: بما أحسن به إليكن من متعة الطلاق، وهي واجبة لزوجة لم يجب لها نصف مهر فقط بأن وجب لها جميع المهر، أو كانت مفوضة لم توطأ ولم يفرض لها شيء صحيح.
أما في الأولى: فلأن المهر في مقابلة منفعة بضعها، وقد استوفاها الزوج فتجب للإيحاش المتعة، وأما في الثانية: فلأن المفوضة لم يحصل لها شيء، فيجب لها متعة للإيحاش، بخلاف من وجب لها النصف فلا متعة لها لأنه لم يستوف منفعة بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش. هذا إذا كان الفراق لا بسببها، وسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهمًا أو ما قيمته ذلك، وأن لا تبلغ نصف المهر، فإن تراضيا على شيء فذاك، وإلا قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره ونسبها وصفاتها قال تعالى ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ (البقرة: ٢٣٦)
﴿وأسرحكن﴾ أي: من حبالة عصمتي ﴿سراحًا جميلًا﴾ أي: طلاقًا من غير مضارة ولا نوع حطة ولا مقاهرة.
﴿وإن كنتن﴾ أي: بما لكن من الجبلة ﴿تردن الله﴾ أي: الآمر بالإعراض عن الدنيا ﴿ورسوله﴾ أي: المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها، المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين، لا يدع منه شيئًا لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله تعالى ﴿والدار الآخرة﴾ أي: التي هي الحيوان بما لها من البقاء والعلو والارتقاء ﴿فإن الله﴾ بما له من جميع صفات الكمال ﴿أعد﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿للمحسنات منكن﴾ أي: اللاتي يفعلن ذلك ﴿أجرًا عظيمًا﴾ تستحقر دونه الدنيا وزينتها، ومن للبيان لأنهن كلهن محسنات قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: أن نساء النبي ﷺ سألنه من عرض الدنيا شيئًا، وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن
[ ٣ / ٢٣٩ ]
رسول الله ﷺ وآلى أن لا يقربهن شهرًا ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا: ما شأنه وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه قال: فدخلت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أطلقتهن قال: لا فقلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إن شئت.
فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه» ونزل قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (النساء: ٨٣)
فكنت أنا الذي استنبط ذلك الأمر، وأنزل الله تعالى آية التخيير وكان تحت رسول الله ﷺ تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وأربع من غير القريشيات: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
فلما نزلت آية التخيير عرض عليهن رضي الله تعالى عنهن ذلك، وبدأ رسول الله ﷺ بعائشة رأس المحسنات إذ ذاك، وكانت أحب أهله فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك قال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ (الأحزاب: ٥٢)
وعن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر ثم استأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا قال: فقال لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي ﷺ وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: لا تسألن رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين يومًا، ثم نزلت هذه الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ (الأحزاب: ٢٨)
حتى بلغ ﴿للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٩)
قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أعرض عليك أمرًا لا أحب أن تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا قوله «واجمًا» أي: مهتمًا والواجم: الذي أسكته الهم، وعلته الكآبة وقيل: الوجوم الحزن، وقوله: فوجأت عنقها أي: دققته، وقوله: لم يبعثني معنتًا العنت: المشقة والصعوبة، وروى الزهري أن النبي ﷺ أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرًا، قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل عليّ فقلت: يا رسول الله إنه مضى تسع وعشرون أعدهن فقال: «إن الشهر تسع وعشرون» .
تنبيه: اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويضًا للطلاق
[ ٣ / ٢٤٠ ]
إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أو لا، ذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم: إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى: ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾ ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: لا تعجلي حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب آخرون: إلى أنه كان تفويض طلاق، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقًا.
واختلف العلماء في حكم التخيير: فقال عمر وابن مسعود وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي، إلا أن عند أصحاب الرأي: أنه يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها.
وعند الآخرين: رجعية. وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة، وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن ورواية عن مالك، وروي عن علي: أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء.
وعن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفًا بعد أن تختارني. قال الرازي: وهنا مسائل:
منها هل كان هذا التخيير واجبًا على النبي ﷺ أم لا، والجواب: أن التخيير كان قولًا واجبًا من غير شك لأنه إبلاغ لرسالة لأن الله تعالى لما قال له: قل لهن صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب.
ومنها: أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا: إنها لا تبين إلا بإبانة النبي ﷺ فهل كان يجب على النبي ﷺ الطلاق أم لا، الظاهر نظر إلى منصب النبي ﷺ أنه كان يجب لأن الخلف في الوعد من النبي ﷺ غير جائز، بخلاف أحدنا فإنه لا يلزمه شرعًا الوفاء بما يعد.
ومنها: أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا، الظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكنًا لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها: أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي ﷺ طلاقها أم لا، الظاهر الحرمة نظرًا إلى منصب الرسول ﷺ على معنى أن النبي ﷺ لا يباشره أصلًا، لا بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب انتهى.
ولما خيرهن واخترن الله ورسوله هددهن الله للتوقي عما يسوء النبي ﷺ وأوعدهن بتضعيف العذاب بقوله:
﴿يا نساء النبي﴾ أي: المختارات له لما بينه وبين الله تعالى مما يظهر شرفه ﴿من يأت منكن بفاحشة﴾ أي: سيئة من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله تعالى ورسوله ﷺ وغير ذلك، وقال ابن عباس: المراد هنا بالفاحشة: النشوز وسوء الخلق وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (الزمر: ٦٠)
وقرأ ابن كثير وشعبة ﴿مبينة﴾ بفتح الياء التحتية أي: ظاهر فحشها، والباقون بكسرها أي: واضحة ظاهرة في نفسها ﴿يضاعف لها العذاب﴾ أي: بسبب ذلك ﴿ضعفين﴾ أي: ضعفي عذاب غيرهن أي: مثيله وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم
[ ٣ / ٢٤١ ]
أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح، ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لم يعاتب به غيرهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية وألف بعد الضاد وتخفيف العين مفتوحة، العذاب بالرفع، وابن كثير وابن عامر بالنون، ولا ألف بعد الضاد وتشديد العين مكسورة، العذاب بالنصب، وأبو عمرو بالياء وتشديد العين مفتوحة العذاب بالرفع. وقوله تعالى: ﴿وكان ذلك على الله يسيرًا﴾ فيه إيذان بأن كونهن نساء للنبي ﷺ ليس بمغن عنهن شيئًا، وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعيًا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه.
ولما بين تعالى زيادة عقابهن أتبعه زيادة ثوابهن بقوله تعالى:
﴿ومن يقنت﴾ أي: يطع ﴿منكن لله﴾ الذي هو أهل لأن لا يلتفت إلى غيره ﴿ورسوله﴾ الذي لا ينطق عن الهوى فلا تخالفه فيما أمر به ولا تختار عيشًا غير عيشه ﴿وتعمل﴾ أي: مع ذلك بجوارحها ﴿صالحًا﴾ أي: في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه فلا تقتصر على عمل القلب ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ أي: مثلي ثواب غيرهن من النساء. قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة فمرة على الطاعة، ومرة لطلبهن رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ في مقابلة قوله تعالى ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ وفيه لطيفة وهي أنه عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله تعالى، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب بل قال: يضاعف، وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية في يعمل، ويؤتها حملًا على لفظ من وهو الأصل، والباقون بالتاء الفوقية في يعمل على معنى من، والنون في نؤتها على أن فيه ضمير اسم الله تعالى ﴿وأعتدنا﴾ أي: هيأنا بما لنا من العظمة ﴿لها﴾ أي: بسبب قناعتها مع النبي ﷺ المريد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله تعالى مع ما في ذلك من توفير الحظ في الآخرة ﴿رزقًا كريمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة زيادة على أجرها.
أما في الدنيا: فلأن ما يرزقهن منه يوفقن لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب ولا يخشى من أجله نوع عقاب. وأما في الآخرة: فلا يوصف ولا يحد ولا نكد فيه أصلًا ولا كدّ، وهذا ما جرى عليه البقاعي وهو أولى مما جرى عليه كثير من المفسرين من الاقتصار على رزق الجنة، وعلله الرازي بقوله: ووصف رزقًا بكونه كريمًا مع أن الكريم لا يكون وصفًا إلا للرازق، وذلك إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، فإن التاجر يسترزق من السوقة، والعاملون والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية والرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه إنما هو مسخر للغير يكتسبه ويرسله إلى الأعيان، وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق. انتهى.
ولما ذكر تعالى أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثل أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء قال تعالى:
﴿يا نساء النبي لستن كأحد﴾ قال البغوي: ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، والمعنى: لستن كجماعة واحدة ﴿من﴾ جماعات ﴿النساء﴾ إذا تقصيت جماعة النساء
[ ٣ / ٢٤٢ ]
واحدة واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ (النساء: ١٥٢)
يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين وقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (البقرة: ٢٨٥)
وقوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (الحاقة: ٤٧)
والحمل على الأفراد بأن يقال: ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء صحيح بل أولى ليلزم تفضيل الجماعة، بخلاف الحمل على الجمع، وعن ابن عباس معنى لستن كأحد من النساء: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي.
ولما كان المعنى بل أنتن أعلى النساء ذكر شرط ذلك بقوله تعالى: ﴿إن اتقيتن﴾ الله تعالى أي: جعلتن بينكن وبين غضب الله تعالى وغضب رسوله ﷺ وقاية، ثم سبب عن هذا النهي قوله تعالى: ﴿فلا تخضعن﴾ أي: إذا تكلمتن بحضرة أجنبي ﴿بالقول﴾ أي: بأن يكون لينًا عذبًا رخمًا، والخضوع التطامن والتواضع واللين، ثم سبب عن الخضوع قوله تعالى: ﴿فيطمع﴾ أي: في الخيانة ﴿الذي في قلبه مرض﴾ أي: فساد وريبة من فسق ونفاق أو نحو ذلك، وعن زيد بن علي قال: المرض مرضان: مرض زنا، ومرض نفاق، وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ قال: الفجور والزنا قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول:
*حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض*
والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة؛ لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، وأريد من نساء النبي ﷺ التكلف للإتيان بهذه بل المرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع.
ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخاوة الصوت أمرهن بضده بقوله تعالى: ﴿وقلن قولًا معروفًا﴾ أي: يعرف أنه بعيد عن محلِّ الطمع من ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع.
ولما أمرهن بالقول وقدمه لعمومه أتبعه الفعل بقوله تعالى:
﴿وقرن﴾ أي: اسكن وامكثن دائمًا ﴿في بيوتكن﴾ فمن كسر القاف وهم غير نافع وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه وهو نافع وعاصم فهو عنده قرر بكسرها وهما لغتان. قال البغوي: وقيل وهو الأصح: أنه أمر من الوقار كقوله: من الوعد عدن، ومن الوصل صلن أي: كن أهل وقار وسكون من قوله: وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن انتهى. ومن فتح القاف فخم الراء، ومن كسرها رقق الراء، وعن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي ﷺ مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك فقالت: قد حجبت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت، قال فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت بجنازتها.
واختلف في معنى التبرج في قوله تعالى: ﴿ولا تبرجن﴾ فقال مجاهد وقتادة: هو التكسر والتغنج، وقال ابن جريج: هو التبختر وقيل: هو إبراز الزينة وإبراز المحاسن للرجال، وقرأ البزي بتشديد التاء في الوصل والباقون بالتخفيف، واختلف أيضًا
[ ٣ / ٢٤٣ ]
في معنى قوله تعالى: ﴿تبرج الجاهلية الأولى﴾ فقال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد ﷺ وقال أبو العالية: هي زمن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، كانت المرأة تتخذ قميصًا من الدر غير مخيط الجانبين فيرى خلقها منه، وقال الكبي: كان ذلك في زمن نمروذ الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس ﵉، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحًا، وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحًا، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجالًا من أهل السهل وأجر نفسه منهم فكان يخدمهم، واتخذ شيئًا مثل الذي يزمر به الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فأتوه وهم يستمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة فيتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال لهن، وأن رجلًا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهنّ فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنحوا إليهم فنزلوا معهم وظهرت الفاحشة بينهم فذلك قوله تعالى ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ .k
وقال قتادة: ما قبل الإسلام وقيل: الجاهلية الأولى ما ذكرنا، والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان وقيل: الجاهلية الأولى ما كانوا عليه قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام، ويعضده قوله ﷺ لأبي ذر كما في الصحيحين: «إن فيك جاهلية كفر وإسلام» وقول البيضاوي عن أبي الدرداء، قال ابن حجر: لم أجده عن أبي الدرداء وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى كقوله تعالى ﴿وإنه أهلك عادًا الأولى﴾ (النجم: ٥٠)
ولم تكن لها أخرى.
ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب أرشدهن إلى التحلية بالرغائب بقوله تعالى:
﴿وأقمن الصلاة﴾ أي: فرضًا ونفلًا صلة لما بينكن وبين الخالق ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت: ٤٥)
﴿وآتين الزكاة﴾ إحسانًا إلى الخلائق وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقًا عن القوت فضلًا عن الزكاة.
ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما تمم وجمع في قوله تعالى: ﴿وأطعن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ أي: الذي لا ينطق عن الهوى فيما أمرا به ونهيا عنه ﴿إنما يريد الله﴾ أي: الذي هو ذو الجلال والإكرام بما أمركن به ونهاكن عنه من الإعراض عن الزينة وما يتبعها والإقبال عليه ﴿ليذهب﴾ أي: لأجل أن يذهب ﴿عنكم الرجس﴾ أي: الإثم الذي نهى الله تعالى عنه النساء قاله مقاتل، وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس فيه رضا الرحمن. وقال قتادة: يعني السوء وقال مجاهد: الرجس الشك وقوله تعالى: ﴿أهل البيت﴾ في ناصبه أوجه: أحدها: النداء أي: يا أهل البيت، أو المدح أي: أمدح أهل البيت، أو الاختصاص أي: أخص أهل البيت كما قال ﷺ «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» والاختصاص في المخاطب أقل منه في المتكلم، وسمع: منك الله نرجو الفضل والأكثر إنما هو في المتكلم كقولها:
[ ٣ / ٢٤٤ ]
*نحن بنات طارق نمشي على النمارق*
وقولهم:
*نحن بني ضبة أصحاب الجمل الموت أحلى عندنا من العسل*
وقولهم:
*نحن العرب أقرى الناس للضيف*
واختلف في أهل البيت والأولى فيهم ما قال البقاعي: إنهم كل من يكون من إلزام النبي ﷺ من الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي ﷺ أخص وألزم كان بالإرادة أحق وأجدر ويؤيده قول البيضاوي، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله تعالى عنهم؛ لما روي أنه ﵊ خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجلس فجاءت فاطمة فأدخلها فيه، ثم جاء علي فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه، ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف.
وعن ابن عباس أنهم نساء النبي ﷺ لأنهن في بيته وتلا قوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله﴾ (الأحزاب: ٣٤)
وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «في بيتي أنزل ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي فقلت: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت فقال بلى إن شاء الله» وقال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال الرازي: والأولى أن يقال لهم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي ﷺ ولملازمته له.
ولما استعار للمعصية الرجس استعار للطاعة الطهر ترغيبًا لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة في الطاعة وتنفيرًا لهم عن المعصية بقوله تعالى: ﴿ويطهركم﴾ أي: يفعل في طهركم الصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظمًا بالمصدر بقوله تعالى: ﴿تطهيرًا﴾ وعن ابن عباس قال: شهدنا رسول الله ﷺ تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات، ثم بين تعالى ما أنعم الله به عليهن من أن بيوتهن مهابط الوحي بقوله تعالى:
﴿واذكرن﴾ أي: في أنفسكن ذكرًا دائمًا، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم ﴿ما يتلى﴾ أي: يتابع ويوالى ذكره ﴿في بيوتكن﴾ أي: بواسطة النبي ﷺ الذي خيركن. وقوله تعالى: ﴿من آيات الله﴾ أي: القرآن بيان للموصول فيتعلق بأعني، ويجوز أن يكون حالًا إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضًا، واختلف في قوله تعالى: ﴿والحكمة﴾ فقال قتادة: يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه ﴿إن الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة ﴿كان﴾ أي: ولم يزل ﴿لطيفًا﴾ أي: يوصل إلى المقاصد بلطائف الأضداد ﴿خبيرًا﴾ أي: بجميع خلقه يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه خافية، فيعلم من يصلح لبيت النبي ﷺ ومن لا، وما يصلح الناس دينًا ودنيا، وما لا يصلحهم. والطرق الموصلة
[ ٣ / ٢٤٥ ]
لكل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس.
من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ولقد صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه ﷺ خبير، فأفاض بها من رزقه الواسع، ولما توفى نبيه ﷺ ليحميه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار، الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه ﷺ من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلًا، وزاد الأمر حتى دوّن عمر رضي الله تعالى عنه الدواوين.
وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولًا لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي ﷺ والبعد منه، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة. ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من أعمارهم، قال عمر: إنما هو حقهم، وأنا أسعى بأدائه إليهم وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله ﷺ قال: «من مات غاشًا لرعيته لم يَرَ ريح الجنة» فكان فرضه لأزواج النبي ﷺ اثني عشر ألفًا لكل واحدة، وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة خمسة وعشرين ألفًا لحب رسول الله ﷺ إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما تأخذه صواحباتها.
وروي عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني قالوا: هذا كله لك قالت: سبحان الله ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبًا، ثم قالت لي: أدخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب قالت برزة بنت رافع: نظر الله لك يا أم المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا المال حق قالت: فلكم ما تحت الثوب قالت: فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت، قال البقاعي: ذكر ذلك البلاذري في كتاب «فتوح البلاد» انتهى. وعن مقاتل قال: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي ﷺ «ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نخشى أن لا يكون فيهن خير» فأنزل الله تعالى:
﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ أي: الداخلين في الإسلام المنقادين لحكم الله في القول والعمل.
ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان فقال عاطفًا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن الجامعين لهذه الأوصاف في كل وصف منها: ﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ أي: المصدقين بما يجب أن يصدق به.
ولما كان
[ ٣ / ٢٤٦ ]
المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصًا قال: ﴿والقانتين والقانتات﴾ أي: المخلصين في إيمانهم وإسلامهم المداومين على الطاعة.
ولما كان القنوت قد يطلق على الإخلاص المقتضى للمداومة، وقد يطلق على مطلق الطاعة قال: ﴿والصادقين والصادقات﴾ أي: في ذلك كله من قول وعمل.
ولما كان الصدق وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه قد لا يكون دائمًا قال مشيرًا إلى أن ما لا يكون دائمًا لا يكون صدقًا في الواقع: ﴿والصابرين والصابرات﴾ أي: على الطاعات وعن المعاصي.
ولما كان الصبر قد يكون سجية دل على صرفه إلى الله بقوله تعالى: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أي: المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم.
ولما كان الخشوع والخضوع والإخبات والسكون لا يصح مع توفير المال، فإنه سكون إليه قال معلمًا: إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ بما وجب في أموالهم وبما استحب سرًا وعلانية تصديقًا لخشوعهم.
ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار أتبعه ما يعين عليه بقوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ أي: فرضًا ونفلًا للإيثار بالقوت وغير ذلك.
ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها قال تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ أي: عما لا يحل لهم. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: والحافظاتها، وكذلك والذاكرات، وحسن الحذف رؤوس الفواصل.
ولما كان حفظ الفرج وسائر الأعمال لا يكاد يوجد إلا بالذكر وهو الذي يكون عنده المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحببة للفناء قال تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾ أي: بقلوبهم وألسنتهم في كل حالة.
ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم، وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، روي أن النبي ﷺ قال: «سبق المفردون قالوا: وما المفردون قال: «الذاكرون الله تعالى كثيرًا والذاكرات» قال عطاء بن أبي رباح: من فوض أمره إلى الله ﷿ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ ومن أقر بأن الله تعالى ربه، ومحمدًا ﷺ رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ ومن أطاع الله تعالى في الفرض، والرسول ﷺ في السنة فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والقانتين والقانتات﴾ ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصادقين والصادقات﴾ ومن صبر على الطاعات وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصابرين والصابرات﴾ .
ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ ومن حفظ فرجه عن الحرام فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾ ﴿أعد الله﴾ أي: الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يعاظمه
[ ٣ / ٢٤٧ ]
شيء ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لما اقترفوه من الصغائر لأنها مكفرات بفعل الطاعات، والآية عامة وفضل الله تعالى واسع.
ولما ذكر تعالى الفضل بالتجاوز أتبعه الفضل بالكرم والرحمة بقوله تعالى: ﴿وأجرًا عظيما﴾ أي: على طاعتهم، والآية وعد لهن ولأمثالهن بالإثابة على الطاعة والتدرع بهذه الخصال، وروي أن سبب نزول هذه الآية: «أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية» .
روي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي ﷺ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار قال: ومم ذاك قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال» فأنزل الله ﷿ هذه الآية. وقيل: لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء فنزلت.
تنبيه: عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما، والعطف فيه ضروري لاختلافهما ذاتًا، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين، وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما. وليس العطف فيه بضروري بخلافه في الأول؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة، وفائدة العطف عند تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي: تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات، فصار المعنى: أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.
وقوله تعالى:
﴿وما كان﴾ أي: وما صح ﴿لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا﴾ أي: إذا قضى رسول الله ﷺ وذكر الله تعالى لتعظيم أمره، والإشعار بأنه قضاء الله تعالى. نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ «لما خطب النبي ﷺ زينب على مولاه زيد بن حارثة، وكان اشترى زيدًا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب النبي ﷺ زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره أخوها» ذلك رواه الدارقطني بسند ضعيف، وقيل: في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي ﷺ فزوجها من زيد ﴿أن تكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ أي: أن يختاروا من أمرهم شيئًا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعًا لاختيار الله تعالى ولرسوله ﷺ
تنبيه: الخيرة: مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس، وجمع الضمير في قوله تعالى: ﴿لهم﴾ وفي قوله تعالى: ﴿من أمرهم﴾ لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث أنها في سياق النفي، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله تعالى ولرسوله ﷺ وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي، وقرأ أن يكون الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ولأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ومن يعص الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي: الذي معصيته معصية الله تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فقد ضل﴾ قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار، والباقون بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى: ﴿ضلالًا مبينًا﴾ أي: فقد أخطأ خطأ ظاهرًا لا خفاء فيه، فالواجب على كل أحد أن يكون معه ﷺ في كل ما يختاره، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقًا. يقول الشاعر:
*وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم*
*وأهنتني فأهنت نفسي عامدًا ما من يهون عليك ممن يكرم*
فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي ﷺ وكذلك أخوها فأنكحها ﷺ زيدًا، فدخل بها وساق إليها رسول الله ﷺ عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا ودرعًا وإزارًا وملحفة، وخمسين مدًا من الطعام، وثلاثين صاعًا من تمر. ومكثت عنده حينًا. ثم إن رسول الله ﷺ أتى زيدًا ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له ففطن زيد، فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي قال: مالك أربك منها شيء قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعاظم عليّ لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي ﷺ أمسك عليك زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله في أمرها فأنزل الله تعالى:
﴿وإذ تقول للذي أنعم الله﴾ أي: الملك الذي له كل الكمال ﴿عليه﴾ وتولى نبيه ﵊ إياه»، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام.
ثم بين تعالى منزلته من النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿وأنعمت عليه﴾ أي: بالعتق والتبني حيث استشارك في فراق زوجته التي أخبرك الله تعالى أنه يفارقها وتصير زوجتك ﴿أمسك عليك زوجك﴾ أي: زينب ﵂ ﴿واتق الله﴾ الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ﴿وتخفي﴾ أي: والحال أنك تخفي أي: تقول قولًا مخفيًا ﴿ما في نفسك﴾ أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد ﴿ما الله مبديه﴾ أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها، وإن أمرته بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهذا دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يبدل قوله، وقول ابن عباس كان في قلبه حبها بعيد، وكذا قول قتادة: ودّ لو أنه لو طلقها زيد، وكذا قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها.
ولما ذكر تعالى إخفاءه ذلك ذكر علته بقوله تعالى: عاطفًا على تخفي ﴿وتخشى الناس﴾ أي: من أن تخبر بما أخبر الله تعالى به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لاسيما اليهود والمنافقون، وقال ابن عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف لأئمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها ﴿والله﴾ أي: والحال أن الذي لا شيء أعظم منه ﴿أحق أن تخشاه﴾ أي: وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئًا أخبرك به حتى يأتيك فيه أمر. قال عمر وابن
[ ٣ / ٢٤٩ ]
مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه، وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: «لو كتم النبي ﷺ شيئًا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ .
ويؤيد ما مر ما روى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ قال: قلت يقول لما جاء زيد إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله إني أريد أن أطلقها فقال له: ﴿أمسك عليه زوجك﴾ فقال علي بن الحسين: ليس كذلك؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها قال له: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ فعاتبه الله تعالى وقال: «لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك» وهذا هو اللائق والأليق بحال الأنبياء ﵈، وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرأ﴾ أي: حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه؛ لأن به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته وإلا راجعها ﴿زوجناكها﴾ أي: ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفًا لك ولها بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس.
ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له.k
وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي.
قال البغوي: وهذا هو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء ﵈؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن الود وميل النفس من طبع البشر، وقوله: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه ﵊ قال: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» ولكن المعنى: الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخشى أحدًا معه، فأنت تخشاه وتخشى الناس أيضًا. ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء انتهى.
وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها، روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: «لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها علي قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن.
وجاء رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٢٥٠ ]
فدخل عليها بغير إذن قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري، أنا أخبرته أن القوم خرجوا أو أخبرني قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب» .
وعن أنس ﵁ قال: «ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة» وفي رواية: «أكثر وأفضل ما أولم على زينب» قال ثابت: فما أولم قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه قال أنس ﵁: «كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات» وقال الشعبي: «كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأدل عليك بثلاث: ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل ﵇» وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «جاء رسول الله ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد يقال له: زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ﷺ الساعة فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلًا، فأعرض رسول الله ﷺ عنها فقالت: ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله ﷺ فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن بسبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله ﷺ أتى منزله فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئًا منه قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول: سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله ﷺ ﴿أمسك عليك زوجك﴾ فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله ﷺ فيخبره فيقول: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ ففارقها زيد واعتزلها وانقضت عدتها، فبينما رسول الله ﷺ جالس
يتحدث مع عائشة إذ أخذته غشية، فسري عنه وهو يبتسم ويقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وقرأ ﴿وإذ تقول للذي﴾ الآية قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذا» .
ولما ذكر تعالى التزويج على ماله من العظمة ذكر علته بقوله تعالى: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ أي: ضيق وإثم ﴿في أزواج أدعيائهم﴾ أي: الذين تبنوهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة ﴿إذا قضوا منهن وطرا﴾ أي: حاجة بالدخول بهن، ثم الطلاق وانقضاء العدة.
فائدة: لا مقطوعة في الرسم من ﴿لكي﴾ .
تنبيه: الأدعياء: جمع دعي وهو المتبنى أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته
[ ٣ / ٢٥١ ]
ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبنى، بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحل للأب ﴿وكان أمر الله﴾ من الحكم بتزويجها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله تعالى به كراهية لسوء المقالة واستحياء من ذلك، وكذا كل أمر يريده سبحانه ﴿مفعولًا﴾ أي: قضاء الله تعالى ماضيًا وحكمه نافذًا في كل ما أراده لا معقب لحكمه.
﴿ما كان على النبي﴾ أي: الذي منزلته من الله تعالى الاطلاع على ألا يطلع عليه غيره من الخلق ﴿من حرج فيما فرض﴾ أي: قدر ﴿الله﴾ بما له من صفات الكمال وأوجبه ﴿له﴾ لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقًا حرج في ذلك فكيف برأس المؤمنين؟ وقوله تعالى ﴿سنة الله﴾ منصوب بنزع الخافض أي: كسنة الله ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ من الأنبياء ﵈ أنه لا حرج عليهم فيما أباح لهم، قال الكلبي ومقاتل: أراد داود ﵇ حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها، فكذلك جمع بين محمد وبين زينب. وقيل: أراد بالسنة النكاح فإنه من سنة الأنبياء ﵈، فكان من كان من الأنبياء ﵈ هذا سنتهم، فقد كان لسليمان بن داود ﵉ ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة ﴿وكان أمر الله﴾ أي: قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره ﴿قدرًا﴾ وأكده بقوله تعالى: ﴿مقدورًا﴾ أي: لا خلف فيه ولابد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه وقوله تعالى:
﴿الذين﴾ نعت للذين قبله ﴿يبلغون﴾ أي: إلى أممهم ﴿رسالات الله﴾ أي: الملك الأعظم، سواء كانت في نكاح أم غيره ﴿ويخشونه﴾ أي: فيخبرون بكل ما أخبرهم به ﴿ولا يخشون أحدًا﴾ قل أو جلَّ ﴿إلا الله﴾ فلا يخشون قالة الناس فيما أحل الله لهم ﴿وكفى بالله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿حسيبًا﴾ أي: حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبهم.
ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنًا وكانوا قد قالوا: لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة تزوج حليلة ابنه قال تعالى:
﴿ما كان﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿محمد﴾ أي: على كثرة نسائه وأولاده ﴿أبا أحد من رجالكم﴾ لا مجازًا بالتبني ولا حقيقة بالولادة، فثبت بذلك أنه يحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل تعالى من بنيكم؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت سنة خمس، وما داناها ابن ذكر لعلمه تعالى أنه سيولد له ابنه إبراهيم ﵇ مع ما كان له قبله من البنين الطاهر والطيب والقاسم، وأنه لم يبلغ أحد منهم الحلم ﵈. قال البيضاوي: ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم. انتهى. وهذا إنما يأتي على أن المراد التبني. وقال البغوي: والصحيح أنه أراد بأحد من رجالكم: الذين لم يلدهم. انتهى. ومع هذا الأول أوجه كما جرى عليه البقاعي.
ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال: ﴿ولكن﴾ كان في علم الله غيبًا وشهادة ﴿رسول الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده ﴿وخاتم النبيين﴾ أي: آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد، لاق بمنصبه أن يكون نبيًا إكرامًا له؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفًا، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلًا لكان نبيًا بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده نبي إكرامًا له.
روى أحمد وابن ماجة عن أنس وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ
[ ٣ / ٢٥٢ ]
قال في ابنه إبراهيم ﵇: لو عاش لكان صديقًا نبيًا وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى: «لو قضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده» وقال ابن عباس ﵁: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنًا يكون من بعده نبيًا.
وروى عطاء عن ابن عباس ﵁: لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدًا ذكرًا يصير رجلًا. وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم، إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقًا بشرع جديد ولا يتجدد بعده مطلقًا استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتمًا على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده، ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله. وقد حصل به ﷺ التمام، فلم يبق بعد ذلك مرام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأما تجديد ما وهي مما أحدث بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به ﷺ من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله ﷿؛ لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئًا منه، فمهما حصل ذهول عن ذلك قرره من يريد الله تعالى من العلماء فيعود الاستبصار، كما روي في بعض الآثار: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما إتيان عيسى ﵇ بعد تجديد الهدى لجميع ما وهي من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة يأجوج ومأجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن قول حسان بن ثابت في مرثية لإبراهيم بن النبي ﷺ
*مضى ابنك محمود العواقب لم يشب بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل*
*رأى أنه إن عاش ساواك في العلا فآثر أن تبقى وحيدًا بلا مثل*
وقال الغزالي في آخر كتابه الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله ﷺ أنه أفهم عدم نبي بعده أبدًا، وعدم رسول بعده أبدًا، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص. وقال: إن من أوله بتخصيص النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنع الحكم بتكفيره؛ لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص انتهى.
وقد بان بهذا أن إتيان عيسى ﵇ غير قادح في هذا النص، فإنه من أمته ﷺ المقررين لشريعته، وهو قد كان نبيًا قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحًا في الختم. وهو مثبت لشرف نبينا ﷺ إذ لولاه لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله ﷺ مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقررة لشريعة موسى ﵇ مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا ﷺ المتبع لملته من كان ناسخًا لشريعة موسى ﷺ وقرأ عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها، فالفتح: اسم للآلة التي يختم بها كالطابع والقالب لما يطبع به ويقلب فيه، والكسر على أنه اسم فاعل. وقال بعضهم: هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له كل صفة كمال أزلًا وأبدًا ﴿بكل شيء﴾ من
[ ٣ / ٢٥٣ ]
ذلك وغيره ﴿عليمًا﴾ فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء.
قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس: في سؤال القبر واختصاصه ﷺ بالأحمدية والمحمدية علمًا وصفه برهان على ختمه، إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون بسواها، فكنت أنا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل» وقال ﵊: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الله تعالى الناس على قدمي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي.
ولما كان ما أثبته لنفسه ﷾ من إحاطة العلم مستلزمًا للإحاطة بأوصاف الكمال قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اذكروا الله﴾ الذي هو أعظم من كل شيء تصديقًا لدعواكم ذلك ﴿ذكرًا كثيرًا﴾ قال ابن عباس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوبًا على عقله. وأمرهم به في الأحوال فقال تعالى: ﴿فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم﴾ (النساء: ١٠٣)
وقال تعالى: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ أي: بالليل والنهار والبر والبحر والصحة والسقم في السر والعلانية، وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه أبدًا، فيعم ذلك سائر الأوقات وسائر ما هو أهله من التقديس والتهليل والتمجيد.
﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ أي: أول النهار وآخره خصوصًا، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات؛ لكونهما مشهودين. كإفراد التسبيح من جملة الإذكار لأنه العمدة فيها، وقال البغوي: وسبحوه أي: صلوا له بكرة أي: صلاة الصبح، وأصيلا يعني صلاة العصر. وقال الكلبي: وأصيلا يعني صلاة الظهر والعصر والعشاءين وقال مجاهد: معناه قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن إخوانه، وقيل: المراد من قوله تعالى: ﴿ذكرًا كثيرًا﴾ هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث.
وعن أنس لما نزل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (الأحزاب: ٥٦)
وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله ما أنزل الله تعالى عليك خيرًا إلا أشركنا فيه أنزل الله تعالى:
﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ أي: يرحمكم ﴿وملائكته﴾ أي: يستغفرون لكم، فالصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار للمؤمنين، فذكر صلاته تحريضًا للمؤمنين على الذكر والتسبيح. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله تعالى إليه قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء، وقيل: الصلاة من الله: هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: الثناء عليه. واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم، وهو سبب للرحمة من حيث أنهم مجابو الدعوة، فقد اشتركت الصلاتان، واللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معًا، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال الرازي: وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله تعالى
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وهو غير بعيد، وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له، والمراد: هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية.
ولما كان فعل الملائكة منسوبًا إليه قال تعالى: ﴿ليخرجكم﴾ أي: ليديم إخراجه إياكم بذلك ﴿من الظلمات﴾ أي: الكفر والمعصية ﴿إلى النور﴾ إلى الإيمان والطاعة، أو ليخرجكم من الجهل الموجب للضلال إلى العلم المثمر للهدى ﴿وكان﴾ أي: أزلًا وأبدًا ﴿بالمؤمنين﴾ أي: الذين صار الإيمان وصفًا لهم ﴿رحيمًا﴾ أي: بليغ الرحمة بتوفيقهم حيث اعتنى بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين فحملهم ذلك على الإخلاص في الطاعات فرفع لهم الدرجات في روضات الجنات.
﴿تحيتهم﴾ أي: المؤمنين ﴿يوم يلقونه﴾ أي: يرون الله تعالى ﴿سلام﴾ أي: يسلم الله تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ يعني يلقون ملك الموت فلا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه، وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم ﴿وأعد﴾ أي: والحال أنه أعد ﴿لهم﴾ أي: بعد السلامة الدائمة ﴿أجرًا كريمًا﴾ هو الجنة، وتقدم ذكر الكريم في الرزق، فإن قيل: الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز، فحيث يلقاه يؤتيه ما يرضى به وزيادة، فما معنى الإعداد من قبل؟ أجيب: بأن الإعداد للإكرام لا للحاجة. قال البيضاوي: ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم.
﴿يا أيها النبي﴾ أي: الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره ﴿إنا أرسلناك﴾ أي: بعظمتنا إلى سائر خلقنا ﴿شاهدًا﴾ أي: عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالتهم، وشاهدًا للرسل بالتبليغ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان ﴿ومبشرًا﴾ أي: لمن آمن بالجنة ﴿ونذيرًا﴾ أي: لمن كذب بالنار.
﴿وداعيًا إلى الله﴾ أي: إلى توحيده وطاعته، وقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾ حال أي: متلبسًا بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن؛ لأنه مستفاد من أرسلناك ﴿وسراجًا﴾ أي: مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم للمبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار ﴿منيرًا﴾ أي: نيرًا على من اتبعه فيصير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام. وعبر به دون الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب النبي ﷺ كان كل صحابي سراجًا يؤخذ منه نور الهداية كما قال ﷺ «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .
قال ابن عادل: وفي هذا الخبر لطيفة: وهي أن النبي ﷺ لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه، فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي ﷺ فلا يؤخذ إلا قول النبي ﷺ وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي ﷺ ولو جعلهم كالسرج والنبي ﷺ كان سراجًا كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك، فإن مع نص النبي ﷺ لا يعمل بقول الصحابي، بل يؤخذ
[ ٣ / ٢٥٥ ]
النور من النبي ﷺ ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجًا.
تنبيه: جوز الفراء أن يكون الأصل وتاليًا سراجًا، ويعني بالسراج: القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة؛ لأن التالي هو المرسل. وقوله تعالى:
﴿وبشر المؤمنين﴾ عطف على محذوف، مثل فراقب أحوال أمتك. ولم يقل أنذر المعرضين إشارة للكرم. وقوله تعالى: ﴿بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا﴾ كقوله تعالى ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)
والعظيم والكبير متقاربان.
ولما أمره ﷾ بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى:
﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ أي: لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحًا بما اقتضاه ما قبله ﴿ودع﴾ أي: اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك ﴿أذاهم﴾ فلا تحسب له حسابًا أصلًا، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك داع بإذنه ﴿وتوكل على الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿وكفى بالله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿وكيلًا﴾ أي: حافظًا. قال البغوي: وهذا منسوخ بآية القتال.
ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي ﷺ بذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى: بعده: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا﴾ وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدبًا ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ أي: عقدتم على الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ثلث في تأديب النبي ﷺ بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ (الأحزاب: ٥٣)
﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ (الأحزاب: ٥٦)
فإن قيل: إذا كان هذا إرشادًا بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى: ﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ أي: تجامعوهن، أطلق المس على الجماع؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر إثمًا؛ لأنها سببه؟ أجيب: بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها.l
وبيانه: أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد، ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا﴾ (النساء: ٢١)
فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء، أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (الإسراء: ٢٣)
ولو قال: لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو الشتم لهما، فأما إذا قال: ﴿لا تقل لهما أف﴾ لعلم منه معان كثيرة فكذلك ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة، ومن لم تطلق بعد، ومن ولدت عنده منه، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح
[ ٣ / ٢٥٦ ]
التاء ولا ألف بعد الميم.
ولما كانت العدة حقًا للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق الله تعالى قال تعالى: ﴿فما لكم عليهن من عدة﴾ أي: أيامًا يتربصن فيها بأنفسهن ﴿تعتدونها﴾ أي: تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها، فتعتدونها صفة لعدة، وتعتدونها إما من العدد، وإما من الاعتداد، أو تحسبونها أو تستوفون عددها من قولك: عد الدراهم فاعتدها أي: استوفى عددها نحو: كلته فاكتال ووزنته فاتزن، فإن قيل: ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك؟ أجيب: بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة، وظاهره يقتضي عدم وجود العدة بمجرد الخلوة، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرًا لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق. وهو قول علي وابن مسعود وجابر ومعاذ وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وبه قال أهل العلم: منهم الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي: وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عيّن امرأة يقع وإن عمم فلا يقع.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كذبوا على ابن مسعود ﵁، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن. وروى عطاء عن جابر: لا طلاق قبل النكاح وقوله تعالى: ﴿فمتعوهن﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به محله كما قال ابن عباس ﵁: إذا لم يكن سمى لها صداقًا وإلا فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ (البقرة: ٢٣٧)
أي: فلا متعة لها مع وجوب نصف الفرض.
واختلف في المتعة هل هي واجبة، أو مندوبة؟ وهي عندنا: واجبة بشروط وقد تقدم، والكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿فتعالين أمتعكن﴾ وعند بعض الأئمة أنها مندوبة، وقال بعضهم: هي مندوبة عند استحقاقها نصف المهر، واجبة عند عدمه، وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية ﴿وسرحوهن سراحًا جميلًا﴾ أي: خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وليس لكم عليهن عدة، وقيل: السراح الجميل أن لا يطالب بما دفعه إليها بأن يخلي لها جميع المهر وقوله تعالى:
﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أي: مهورهن؛ لأن المهر أجر على البضع بيان لإيثار الأفضل له لا لتوقف الحل عليه، وليفيد إحلال المملوكة بكونها مسببة بقوله تعالى: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿عليك﴾ مثل صفية بنت حيي النضيرية، وريحانة القرظية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، مما كن في أيدي الكفار، وتقييد الأقارب بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى ﴿وبنات عمك﴾ أي: الشقيق وغيره ﴿وبنات عماتك﴾ أي: نساء قريش، ولما بدأ بالعمومة لشرفها أتبعها قوله تعالى: ﴿وبنات خالك﴾ جاريًا
[ ٣ / ٢٥٧ ]
في الإفراد والجمع على ذلك النحو ﴿وبنات خالاتك﴾ من نساء بني زهرة، وقال البقاعي: ويمكن في ذلك احتباك عجيب وهو بنات عمك، وبنات أعمامك، وبنات عماتك، وبنات عمتك، وبنات خالك، وبنات أخوالك، وبنات خالتك انتهى. وقوله تعالى: ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ يحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة.
ويعضده ما روى الترمذي والحاكم عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت في خطبة رسول الله ﷺ «فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الآية فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء أي: الأسراء الذين أطلقوا من الأسر، وخلى سبيلهم» قال ابن عادل: ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل انتهى. ثم إن الله تعالى ذكر ما خص به نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وامرأة﴾ أي: حرة ﴿مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ أي: الذي أعلينا قدره بما خصصناه به ﴿أي: يستنكحها﴾ أي: يوجد نكاحه لها بجعلها من منكوحاته فتصير له بمجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود، وخرج بالمؤمنة الكتابية فلا تحل له؛ لأنها تكره صحبته، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب: ٦)
ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده، وأما التسري بالكتابية فلا يحرم عليه، قال الماوردي: لأنه ﷺ تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة»، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، وأجيب: بأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيها، وخرج بالحرة الرقيقة وإن كانت مؤمنة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت وهو معصوم، وبفقدان مهر حرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداءً وانتهاءً، وبرِقِّ الولد ومنصبه ﷺ منزه عنه.
تنبيه: في نصب امرأة وجهان: أحدهما: أنه عطف على مفعول أحللنا أي: وأحللنا لك امرأة موصوفة بهذين الشرطين. قال أبو البقاء: وقد رد هذا قوم وقالوا: أحللنا ماض، وإن وهبت وهو صفة المرأة مستقبل، فأحللنا في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضيًا في المعنى، قال: وهذا ليس بصحيح لأن معنى الإحلال ههنا: الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول: أبحت لك أن تكلم فلانًا إن سلم عليك.
والثاني: أنه نصب بمقدر تقديره ونحل لك امرأة، وفي قول الله تعالى: ﴿إن وهبت﴾ إن أراد اعتراض الشرط على الشرط، والثاني: هو قيد في الأول ولذلك تعربه حالًا؛ لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود، فلو قال لزوجته: إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بُدَّ أن يتقدم الركوب على الأكل وهذا لتحقيق الحالية والتقييد كما ذكر، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب، فلهذا اشترط تقدم الثاني، ولكن يشترط أن لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله لامرأة: إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر لا يتصور هنا تقدم الطلاق على التزوج، قال بعض المفسرين:
وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني ههنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم بالنبي ﷺ لا أنه لا يمكن عقلًا، وذلك أن المفسرين
[ ٣ / ٢٥٨ ]
فسروا قوله تعالى: ﴿إن أراد﴾ بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه ﷺ يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة؛ إذ القبول متأخر، فإن العصمة كانت في تأخر إرادته عن هبتها، ولما جاء أبو حيان إلى هنا جعل الشرط الثاني مقدمًا على الأول على القاعدة العامة، ولم يستشكل شيئًا مما ذكر. قال ذلك البعض. وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عنه جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفًا.
ولما كان ربما فهم أن غير النبي ﷺ يشاركه في هذا المعنى قال الله منبهًا للخصوصية: ﴿خالصة لك﴾ وزاد المعنى بيانًا بقوله تعالى: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي: من الأنبياء وغيرهم.
تنبيهات: الأول في إعراب خالصة وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل وهبت أي: حالة كونها خالصة لك دون غيرك. ثانيها: أنه نعت مصدرٍ مقدّر أي: هبة خالصة فنصبه بوهبت. ثالثها: أنه حال من امرأة؛ لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج، وقيل غير ذلك. والمعنى: أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق.
التنبيه الثاني: في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة وفيه خلاف: فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وبه قال مالك وربيعة والشافعي. ومعنى الآية: أن إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه ﷺ وقال النخعي وأبو حنيفة وأهل الكوفة: ينعقد بلفظ الهبة والتمليك. وأن معنى الآية: أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة من أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدًا بالتزويج، وأجيب: بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه، فإن أزواجه ﷺ كلهن خالصات له، وما مر فللتخصيص فائدة.
التنبيه الثالث: في التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هل كانت عنده امرأة منهن؟ فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وقوله تعالى ﴿وهبت نفسها﴾ على طريق الشرط والجزاء، وقال غيرهما: بل كانت موهوبة وهو ظاهر الآية، واختلفوا فيها: فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الهلالية يقال لها: أم لمساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم.
التنبيه الرابع: في ذكر شيء من خصائصه ﷺ وقد ذكرت منها أشياء كثيرة ينشرح الصدر بها في شرح التنبيه فلا أطيل بذكرها هنا، ولكن أذكر منها طرفًا يسيرًا تبركًا ببركة صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن ذكرها مستحب. قال النووي في روضته: ولا يبعد القول بوجوبها لئلا يرى الجاهل بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف وهي أربعة أنواع:
أحدها الواجبات وهي أشياء كثيرة: منها الضحى، والوتر، والأضحية، وفي الحديث ما يدل على أن الواجب أقل الضحى، وقياسه أن الوتر كذلك. ومنها السواك لكل صلاة، والمشاورة لذوي الأحلام في الأمر، وتخيير نسائه بين مفارقته طلبًا للدنيا واختياره طلبًا للآخرة، ولا يشترط الجواب له منهن
[ ٣ / ٢٥٩ ]
فورًا، فلو اختارته واحدة لم يحرم عليه طلاقها أو كرهته توقفت الفرقة على الطلاق، وليس قولها: اخترت نفسي بطلاق كما مرت الإشارة إليه، وله تزوجها بعد الفراق.
النوع الثاني: المحرمات: وهي أشياء كثيرة منها الزكاة والصدقة وتعلم الخط والشعر ومد العين إلى متاع الدنيا. وخائنة الأعين وهي: الإيماء بما يظهر خلافه دون الخديعة في الحرب، وإمساك من كرهت نكاحه. ومنها نكاح كتابية لا للتسري بها كما مر، ولا يحرم عليه أكل الثوم ونحوه ولا الأكل متكئًا.
النوع الثالث: التخفيفات والمباحات: وهي كثيرة جدًا منها: تزويج من شاء من النساء لمن شاء ولو لنفسه بغير إذن من المرأة ووليها متوليًا للطرفين، وزوجه الله تعالى، وأبيح له الوصال ونصفي المغنم. ويحكم ويشهد لولده ولو لنفسه، وأبيح له نكاح تسع، وقد تزوج ﷺ بضع عشرة ومات عن تسع، قال الأئمة: وكثرة الزوجات في حقه ﷺ للتوسعة في تبليغ الأحكام عنه الواقعة سرًا مما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة فإنه ﷺ تكمل له الظاهر والباطن، وحرم عليه الزيادة عليهن، ثم نسخ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وينعقد نكاحه محرمًا وبلفظ الهبة إيجابًا لا قبولًا، بل يجب لفظ النكاح أو التزويج لظاهر قوله تعالى: ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ ولا مهر للواهبة له وإن دخل بها، وتجب إجابته على امرأة رغب فيها، ويجب على زوجها طلاقها لينكحها.
النوع الرابع: الفضائل: وهي كثيرة لا تدخل تحت الحصر منها: تحريم منكوحاته على غيره سواء كن موطوآت أم لا، مطلقات باختيارهن أم لا، وتحريم سراريه وهن إماؤه الموطوآت بخلاف غير الموطوآت، وتقدم أن نساءه أمهات المؤمنين لا المؤمنات بخلافه ﷺ فإنه أبو الرجال والنساء، وتقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ (الأحزاب: ٤٠)
وإن ثوابهن وعقابهن مضاعف.
ومنها أنه يحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وأفضلهن خديجة ثم عائشة، وأفضل نساء العالمين مريم بنت عمران إذ قيل بنبوتها، ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم خديجة، ثم عائشة، ثم آسية امرأة فرعون، وأما خبر الطبراني: خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد ﷺ ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة، وتقدم أنه ﷺ خاتم النبيين.
ومنها: أنه أول النبيين خلقًا وأفضل الخلق على الإطلاق، وخص بتقديم نبوته فكان نبيًا وآدم منجدل في طينته، وبتقديم أخذ الميثاق عليه، وبأنه أول من قال: بلى وقت ﴿ألست بربكم﴾ وبخلق آدم وجميع المخلوقات من أجله، وبكتابة اسمه الشريف على العرش والسماوات والجنات وسائر ما في الملكوت، وبشق صدره الشريف، وبجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وبحراسة السماء من استراق السمع والرمي بالشهب، وبإحياء أبويه حتى آمنا به، وبأنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وأكرم بالشفاعات الخمس يوم القيامة:
أولها: العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء.
الثانية: في إدخال خلق الجنة بغير حساب جعلنا الله وأحبابنا منهم.
الثالثة: في ناس استحقوا
[ ٣ / ٢٦٠ ]
دخول النار فلا يدخلونها.
الرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون منها.
الخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت بالأخبار، وخص منها بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب وهي الثانية. قال النووي في روضته: ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضًا، ونصر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدًا وترابها طهورًا، وأحلت له الغنائم، وأرسل إلى الكافة ورسالة غيره خاصة، وأما عموم رسالة نوح ﵇ بعد الطوفان فلانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة وهو أكثر الأنبياء أتباعًا، وأمته خير الأمم وأفضلها أصحابه، وأفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم باقي العشرة. وهي معصومة لا تجتمع على ضلالة، وصفوفهم كصفوف الملائكة، ولها فضائل كثيرة على سائر الأمم. منها:
أنها أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء ﵈. ومنها: وضع الإصر، وليلة القدر والجمعة ورمضان على أحد قولين، ونظر الله تعالى إليهم ومغفرته لهم أول ليلة منه، وطيب خلوف فم صائمه عنده تعالى، واستغفار الملائكة ﵈ في ليله ونهاره، وأمر الله تعالى الجنة أن تتزين لهم، وردِّ صدقاتهم إلى فقرائهم، والغرة والتحجيل من أثر الوضوء، وسلسلة الإسناد والحفظ عن ظهر قلب، وأخذ العلم عن الأحداث والمشايخ.
وكتابه ﷺ معجز محفوظ من التغيير والتبديل، وأقيم بعده حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت، وشريعته مؤبدة ناسخة لغيرها من الشرائع، وتطوعه قاعدًا كقائم، ويحرم رفع الصوت فوق صوته، قال القرطبي: وكره بعضهم رفعه عند قبره ﷺ ولا تبطل صلاة من خاطبه بالسلام، وتجب إجابته في الصلاة ولو بالفعل ولا تبطل، ويحرم نداؤه من وراء الحجرات، ويحرم نداؤه باسمه كيا محمد ﷺ لا بكنيته كيا أبا القاسم، ويحرم التكني بكنيته مطلقًا. وقيل: مختص بزمنه. وقيل على من اسمه محمد، وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه وفضلاته النازلة من الدبر لا ترى بخلافها من القبل. والذي صوبه بعض المتأخرين طهارتها وهو الصواب، وأولاد بناته ينسبون إليه. وأعطي جوامع الكلم.
وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ولا يسقط عنه التكليف، ورؤيته في النوم حق، ولا يعمل بها فيما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط النائم، والكذب عمدًا عليه كبيرة، ولا يجوز الجنون على الأنبياء ولا الاحتلام ولا تأكل الأرض لحومهم. وفي هذا القدر كفاية. ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الخصائص، فإن العلماء قد صنفوا في ذلك تصانيف، وأنا أسأل الله تعالى من فضله وكرمه أن يشفعه فينا ويدخلنا معه الجنة، ويفعل ذلك بأهلينا ومشايخنا وإخواننا ومحبينا ولا يحرمنا زيارته ولا رؤيته قبل الممات.
ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة لمنع غيره من ذلك قال تعالى: ﴿قد﴾ أي: أخبرناك بأن هذا أمر يخصك غيرهم لا ناقد ﴿علمنا ما فرضنا﴾ أي: قدرنا بعظمتنا ﴿عليهم﴾ أي: على المؤمنين ﴿في أزواجهم﴾ أي: من شرائط العقد، وأنهم لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها، ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين ﴿و﴾ في ﴿ما ملكت أيمانهم﴾ من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء، وقيل:
[ ٣ / ٢٦١ ]
المراد أن أحدًا غيرك لا يملك رقبة بهبتها لنفسها منه فيكون أحق من سيدها.
ولما فرغ من تعليل الدونية علل التخصيص لفًا ونشرًا مشوشًا بقوله تعالى: ﴿لكي لا يكون عليك حرج﴾ أي: ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة، فلكيلا متعلق بخالصة وما بينهما اعتراض، ومن دون متعلق بخالصة كما تقول خلص من كذا ﴿وكان الله﴾ أي: المتصف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا رحيمًا﴾ أي: بليغ الستر على عباده.
ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان ﷺ أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه ﷾ بقوله:
﴿ترجي﴾ أي: تؤخر وتترك مصاحبتها ﴿من تشاء منهن وتؤوي﴾ أي: تضم ﴿إليك من تشاء﴾ وتضاجعها، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من الإرجاء أي: تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك، والباقون بهمزة مضمومة وهو مطلق التأخير ﴿ومن ابتغيت﴾ أي: طلبت ﴿ممن عزلت﴾ أي: من القسمة ﴿فلا جناج عليك﴾ أي: في وطئها وضمها إليك.
تنبيه: اختلف المفسرون في معنى هذه الآية: فأشهر الأقوال أنها في القسم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي ﷺ وطلب بعضهن زيادة في النفقة فهجرهن النبي ﷺ شهرًا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله ﷿ أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، وأن لا ينكحن أبدًا، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين، قسم لهن أو لم يقسم قسم، لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط، وذلك؛ لأن النبي ﷺ بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع. والرجل وإن لم يكن نبيًا فالزوجة في ملك نكاحه، والنكاح عليها رق، فكيف زوجات النبي ﷺ بالنسبة إليه، فإذا هن كالمملوكات له ولا يجب لقسم بين المملوكات.
واختلفوا هل أخرج أحدًا منهن عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج أحدًا منهن عن القسم بل: «كان رسول الله ﷺ مع ما جعل الله له من ذلك يسوى بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة» وقيل: أخرج بعضهن.
روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن يا رسول الله: اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله ﷺ بعضهن، وآوى إليه بعضهن، فكان ممن أوى: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، وكان يقسم بينهن سواء، وأرجأ منهن خمسًا: أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية، فكان لا يقسم لهن ما شاء، وقال مجاهد: ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ أي: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد
[ ٣ / ٢٦٢ ]
إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء.
وقال الحسن: تترك نكاح من شئت من نساء أمتك. قال: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله ﷺ وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها، وروى هشام عن أبيه قال: «كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» ﴿ذلك﴾ أي: التفويض إلى مشيئتك ﴿أدنى﴾ أي: أقرب ﴿أن﴾ أي: إلى أن ﴿تقر أعينهن﴾ أي: بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد؛ لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ومن كان مهمومًا كانت عينه كثيرة التقلب، هذا إذا كان من القرار بمعنى السكون.
ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر؛ لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فذلك يقال للصديق: أقر الله تعالى عينك. وللعدو: سخن الله عينك ﴿ولا يحزن﴾ أي: بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك ﴿ويرضين﴾ لعلمهن أن ذلك من الله تعالى ﴿بما أتيتهن﴾ أي: من الأجور ونحوها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿كلهن﴾ أي: ليس منهن واحدة لا هي كذلك؛ لأن حكم كلهن فيه سواء، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلًا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن، وزاد ذلك تأكيدًا لما لذلك من الغرابة بقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: بما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يعلم ما في قلوبكم﴾ أي: الخلائق كلهم، فلا يدع أن يعلم ما في قلوب هؤلاء ﴿وكان الله﴾ أي: أزلًا وأبدًا ﴿عليمًا﴾ أي: بكل شيء من يطيعه ومن يعصيه ﴿حليمًا﴾ لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا، فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتضٍ للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديدٌ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، ويرفع قدره ويعلي ذكره.
وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله ﷺ «كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء﴾ الآية قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا» .
ولما أمره الله تعالى بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى سرورهن بقوله تعالى:
﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي: بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك شكرًا من الله لهن؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي: هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من﴾ أي: شيئًا من ﴿أزواج﴾ أي: بأن تطلقهن أي: هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ بدلها من غيرهن ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ أي: النساء المغايرات لمن معك. قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد أراد رسول الله ﷺ أن
[ ٣ / ٢٦٣ ]
يخطبها فنُهي عن ذلك، وقرأ أبو عمرو لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون بالياء التحتية، وشدد البزي التاء من أن تبذل.
تنبيه: في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة، واحتج لذلك بقوله ﷺ للمغيرة وقد خطب امرأة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة» رواه الحاكم وصححه. وقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ استثناء من النساء؛ لأنه يتناول الأزواج والإماء أي: فتحل لك، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد؟ قالت عائشة: «ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء» أي: فنسخ ذلك، وأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾، فإن قيل: هذه الآية متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخرًا؟ أجيب: بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في التلاوة، وهذا أصح الأقوال.
وقال أنس: مات على التحريم، وقال عكرمة والضحاك: معنى الآية لا تحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها، وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي ﷺ أكان يحل له أن يتزوج فقال: وما يمنعه من ذلك قيل: قوله تعالى: ﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال: إنما أحل الله تعالى له ضربًا من النساء فقال: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ (الأحزاب: ٥٠)
ثم قال ﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة، والخال والخالة إن شاء ثلثمائة وقال مجاهد: معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول: ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى. وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ يعني: تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت، فأما الحرائر فلا.
روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي ﷺ «يا عيينة أين الاستئذان قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميرة إلى جنبك فقال: هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، فقال رسول الله ﷺ إن الله قد حرم ذلك، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه» .
ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء، وحد حدودًا حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: الذي لا شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء رقيبًا﴾ أي: حافظًا عالمًا بكل شيء قادرًا عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد الأشياء وعيدًا.
ولما ذكر حالة النبي ﷺ مع أمته في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا﴾ (الأحزاب: ٤٥)
ذكر حالهم معه من الاحترام له ﷺ بقوله
[ ٣ / ٢٦٤ ]
تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ أي: الذي تأتيه الأنباء من علام الغيوب مما فيه رفعته في حال من الأحوال أصلًا ﴿إلا﴾ في حال ﴿أن يؤذن لكم﴾ أي: ممن له الإذن في بيوته ﷺ منه، أو ممن يأذن له في الدخول بالدعاء ﴿إلى طعام﴾ أي: أكله حال كونكم ﴿غير ناظرين﴾ أي: منتظرين ﴿أناه﴾ أي: نضجه وهو مصدر أنى يأني، وقرأ هشام وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح.
ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقًا وكان يراد تقييده قال تعالى: ﴿ولكن إذا دعيتم﴾ أي: ممن له الدعوة ﴿فادخلوا﴾ أي: لأجل ما دعاكم له ثم تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فإذا طعمتم﴾ أي: أكلتم طعامًا أو شربتم شرابًا ﴿فانتشروا﴾ أي: اذهبوا حيث شئتم في الحال ولا تمكثوا بعد الأكل أو الشرب لا مستريحين لقرار الطعام ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ أي: طالبين الأنس لأجله.
فائدة: قال الحسن: حسبك بالثقلاء أن الله لم يتجوز في أمورهم، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم.
ثم علل ذلك بقوله تعالى: مصوبًا الخطاب إلى جميعهم معظمًا له بأداة البعد ﴿إن ذلكم﴾ أي: الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ ﴿كان يؤذي النبي﴾ أي: الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه، ثم تسبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم له بما يزيد أذاه بقوله تعالى: ﴿فيستحيي منكم﴾ أي: بأن يأمركم بالانصراف ﴿والله﴾ أي: الذي له جميع الأمر ﴿لا يستحيي من الحق﴾ أي: لا يفعل فعل المستحيي فيؤدّيه ذلك إلى ترك الأمر به.
تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب حين بنى بها رسول الله ﷺ لما روى ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: «أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله ﷺ المدينة قال: فكانت أمهاتي توطنني على خدمة النبي ﷺ فخدمته عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح النبي ﷺ بها عروسًا فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث فقام النبي ﷺ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي ﷺ ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجع النبي ﷺ ورجعت معه حتى إذا بلغ حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي ﷺ بيني وبينه الستر ونزلت آية الحجاب، وقال أبو عثمان: واسمه الجعد عن أنس قال: فدخل يعني رسول الله ﷺ البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ .
وروي عن ابن عباس: «أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى
[ ٣ / ٢٦٥ ]
أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذى بهم فنزلت الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية.
وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال: «بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله ﷺ فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا، وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنينه وهناه الناس فقالوا: الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى أتى عائشة فإذا عندها رجال قال: فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه قال: فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة: لئن كان كما قال ابنك ليحدثن أمر قال: فلما كان من العشي خرج رسول الله ﷺ فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا﴾ الآية.
وروى البخاري وغيره عنه قال: «كان النبي ﷺ عروسًا بزينب فقالت لي أم سليم: لو أهديت للنبي ﷺ هدية فقلت لها: افعلي فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه فقال لي: ضعها ثم أمرني فقال: ادع لي رجالًا سماهم، وادع لي من لقيت ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله» وفي رواية الترمذي أن الراوي قال: قلت لأنس: كم كانوا قال: زهاء ثلثمائة فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى، ثم يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم: اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى تصدّعوا كلهم عنها، قال الترمذي: فقال لي: يا أنس ارفع فرفعت فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت.
ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه مرادًا به النساء استخدامًا فقال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن﴾ أي: الأزواج ﴿متاعًا﴾ أي: شيئًا من آلات البيت ﴿فاسألوهن﴾ أي: ذلك المتاع كائنين وكائنات ﴿من وراء حجاب﴾ أي: ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العالي الرتبة ﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ أي: من وسواس الشيطان والريب لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته القلب، فأما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة: «أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول للنبي ﷺ احجب نساءك فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله ﷿ الحجاب»، وعن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاثة قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (البقرة: ١٢٥)
وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني ما آذين
[ ٣ / ٢٦٦ ]
رسول الله ﷺ نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت أستقررهن واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدله الله تعالى أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر أما كان في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت قال: فخرجت فأنزل الله تعالى ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ (التحريم: ٥)
الآية.
ولما بين تعالى للمؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على ملاطفة نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ أي: وما صح وما استقام ﴿لكم﴾ في حال من الأحوال ﴿أن تؤذوا رسول الله﴾ فله إليكم من الإحسان ما يستوجب به منكم غاية الإكرام والإجلال فضلًا عن الكف عن الأذى فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك.
ولما كان قد قصر ﷺ عليهن أحل له غيرهن وقصرهن الله عليه بقوله تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا﴾ أي: فيما يستقبل من الزمان ﴿أزواجه من بعده﴾ أي: فراقه بموت أو طلاق سواء أدخل بها أم لا ﴿أبدًا﴾ زيادة لشرفه وإظهارًا لمزيته، ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها كما قاله ابن القشيري، روي أن هذه الآية نزلت في رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لئن قبض رسول الله ﷺ لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله تعالى أن ذلك محرم، وقال: ﴿إن ذلكم﴾ أي: الإيذاء بالنكاح وغيره ﴿كان عند الله﴾ أي: القادر على كل شيء ﴿عظيمًا﴾ أي: ذنبًا عظيمًا.
فإن قيل: روى معمر عن الزهري أن العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي ﷺ تزوجت رجلًا وولدت له. أجيب: بأن ذلك كان قبل تحريم أزواج النبي ﷺ على الناس وقيل: لا تحرم غير الموطوءة لما روي أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما، فأخبر بأنه ﷺ فارقها قبل أن يمسها فترك من غير نكير، فأما إماؤه ﷺ فيحرم منهن الموطوءات على غيره إكرامًا له بخلاف غير الموطوءات وقيل: لا تحرم الموطوءات أيضًا.
ونزل فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله ﷺ
﴿إن تبدوا﴾ أي: بألسنتكم وغيرها ﴿شيئًا﴾ أي: من ذلك أو غيره ﴿أو تخفوه﴾ في صدوركم ﴿فإن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿كان﴾ أي: أزلًا وأبدًا به هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال ﴿بكل شيء﴾ أي: من ذلك وغيره ﴿عليمًا﴾ فهو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه فيجازي عليه من ثواب وعقاب، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد.
ولما نزلت آية الحجاب قال: الآباء والأبناء والأقارب ونحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب فنزل قوله تعالى:
﴿لا جناح﴾ أي: لا إثم ﴿عليهن في آبائهن﴾ دخولًا وخلوة من غير حجاب سواء كان الأب من النسب أو من الرضاع ﴿ولا أبنائهن﴾ أي: من البطن أو الرضاعة ﴿ولا إخوانهن﴾ لأن عارهنّ عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع ﴿ولا أبناء إخوانهن﴾ فإنهن بمنزلة آبائهم ﴿ولا أبناء أخواتهن﴾ فإنهن بمنزلة أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في الوصل وحققها
[ ٣ / ٢٦٧ ]
الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق ﴿ولا نسائهن﴾ أي: المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو عند المهنة ﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾ من العبيد لأنهم لما لهنّ عليهم من السلطان يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم.
تنبيه: قدم تعالى الآباء؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، وإنما الكلام في بني الإخوة حيث قدّمهم الله تعالى على بني الأخوات، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم، ففي بني الأخوات مفسدة ما، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة.
فإن قيل: لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل: ولا أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما: أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم، وكذلك الحال في ابن الخال.
وذكر ملك اليمين بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله تعالى ﴿واتقين﴾ عطف على محذوف أي: امتثلن ما أمرتن به واتقين ﴿الله﴾ أي: الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئًا مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها ومخايل أشكالها.
ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرًا مطلعًا قال: ﴿إن الله﴾ أي: العظيم الشأن ﴿كان﴾ أي: أزلًا وأبدًا ﴿على كل شيء﴾ من أفعالكن وغيرها ﴿شهيدًا﴾ أي: لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى عليه خافية.
ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احترامًا له كمل بيان حرمته بقوله تعالى:
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ أي: محمد ﷺ قال ابن عباس: أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس أيضًا: يصلون يبركون والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء.
تنبيه: بيان كمال حرمته في ذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ وحالة تكون في ملأ، والملأ إما الملأ الأعلى، وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ الأعلى، فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أي: ادعو له بالرحمة ﴿وسلموا تسليمًا﴾ أي: حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم.
روى عبد الرحمن بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ فقلت: بلى فأهدها لي قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل
[ ٣ / ٢٦٨ ]
محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وروى أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال رسول الله ﷺ «قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا» وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقلنا: إنا لنرى البشرى في وجهك فقال: «جاءني جبريل فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا» وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر»، وروى أنس أن النبي ﷺ قال: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات» وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» .
تنبيه: دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي ﷺ لأن الأمر للوجوب قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر الصلاة أي: بعده وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، ولحديث كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره» وقيل: تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية لقول جابر: «إن النبي ﷺ رقى المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقى الثانية فقال: آمين ثم رقى الثالثة فقال: آمين فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاث مرات فقال: لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت: آمين»، وفي رواية رقي المنبر فقال: آمين آمين آمين قيل: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال: قال لي جبريل: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: آمين»، وكذلك قوله: ﴿وسلموا﴾ أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد، وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد
[ ٣ / ٢٦٩ ]
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
إنك حميد مجيد، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما.
فائدة: كل الأنبياء من بعد إبراهيم ﵇ من ولده إسحاق إلا نبينا محمدًا ﷺ فإنه من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله نبي غيره وخص إبراهيم ﵇ بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره فقال الله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ (هود: ٧٣)
فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب: بأن الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه، ولهذا قال رسول الله ﷺ «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا»، وفي رواية أخرى: وملائكته سبعين، وتجوز الصلاة على غيره تبعًا له وتكره استقلالًا لأنه في العرف صار شعارًا لذكر الرسل ولذلك كره أن يقال لمحمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا.
ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد ﷺ نهى عن إيذاء نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى:
﴿إن الذين يؤذون الله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله ﴿ورسوله﴾ أي: الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون على القيام بشكره ﴿لعنهم الله﴾ أي: أبعدهم وأبغضهم ﴿في الدنيا﴾ بالحمل على ما يوجب السخط ﴿والآخرة﴾ بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى: ﴿وأعد لهم عذابًا مهينًا﴾ (الأحزاب: ٥٧)
أي: ذا إهانة، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر، ذلك، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه.
قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون، فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، وقالوا: يد الله مغلولة وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله ﷿: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»، وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» معنى الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند النوازل لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى: أنا الدهر أي: الذي أحل بهم النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم وقيل: معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿ ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة»، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي: أولياء الله كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف، ٨٢) قال ﷺ قال الله تعالى: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» وقال: «من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة» ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله ﷿ منزه عن أن يلحقه أذى من
[ ٣ / ٢٧٠ ]
أحد قال بعضهم: أتي بالجلالة تعظيمًا والمراد: يؤذون رسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إنما يبايعون الله﴾ (الفتح: ١٠)
وأما إيذاء الرسول ﷺ فقال ابن عباس: إنه شج في وجهه، وكسرت رباعيته وقيل: ساحر شاعر مجنون.
ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا على الحق قال تعالى مقيدًا للكلام:
﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: الراسخين في صفة الإيمان ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ أي: بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم ﴿فقد احتملوا﴾ أي: كلفوا أنفسهم أن حملوا ﴿بهتانًا﴾ أي: كذبًا وفجورًا زائدًا على الحد موجبًا للجزاء في الدنيا والآخرة ﴿وإثمًا مبينًا﴾ أي: ذنبًا ظاهرًا جدًا موجبًا للعقاب في الآخرة.
تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل: نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك والكلبي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدًا، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة، فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية.
ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى:
﴿يا أيها النبي﴾ ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة ﴿قل لأزواجك﴾ بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح ﴿وبناتك﴾ ثنى بهن لما لهن من الوصلة، ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن ﴿ونساء المؤمنين يدنين﴾ أي: يقربن ﴿عليهن﴾ أي: على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا ﴿من جلابيبهن﴾ ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنًا أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب والقميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة: ما ستر اللباس، والخمار: وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي: الجلباب الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني، قال الخليل: كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينًا واحدة ليعلم أنهن حرائر.
ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الستر ﴿أدنى﴾ أي: أقرب من تركه في ﴿أن يعرفن﴾ أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء ﴿فلا﴾ أي: فتسبب عن معرفتهن أن لا ﴿يؤذين﴾ ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي: في الصلاة لا يطمع فيها أنها
[ ٣ / ٢٧١ ]
تكشف عورتها، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى.
ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق أزلًا وأبدًا ﴿غفورًا﴾ أي: لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء للذنوب عينًا وأثرًا ﴿رحيمًا﴾ بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه قال البغوي: قال أنس: مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفًا من أن تلتبس الإماء بالحرائر فلا يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان.
ولما كان المأذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى مؤكدًا دفعًا لظنهم دوام الحلم عليهم:
﴿لئن لم ينته﴾ عن الأذى ﴿المنافقون﴾ أي: الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ﴿والذي في قلوبهم مرض﴾ أي: غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي ﴿والمرجفون في المدينة﴾ المؤمنين أي: بالكذب وذلك أن ناسًا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله ﷺ يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو هزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو ذلك، وأصل الرجفة: التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة ﴿لنغرينك بهم﴾ أي: لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء، أو بما يضطرهم إلى طلب الجلاء وقوله تعالى: ﴿ثم لا يجاورونك﴾ أي: يساكنونك ﴿فيها﴾ أي: المدينة عطف على لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله ﷺ أعظم ما يصيبهم ﴿إلا قليلًا﴾ أي: زمانًا أو جوارًا قليلًا، ثم يخرجون منها وقيل: نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة.
وقوله تعالى:
﴿ملعونين﴾ أي: مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء ﴿أينما ثقفوا﴾ أي: وجدوا ﴿أخذوا وقتلوا﴾ ثم أكده بالمصدر بغضًا فيهم وإرهابًا لهم بقوله تعالى: ﴿تقتيلًا﴾ أي: الحكم فيهم هذا على وجه الأمر به.
وقوله تعالى:
﴿سنة الله﴾ أي: المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي: سن الله ذلك ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ أي: في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا ﴿ولن تجد لسنة الله﴾ أي: طريقة الملك الأعظم ﴿تبديلًا﴾ أي: ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ.
ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله:
﴿يسألك﴾ يا أشرف الخلق ﴿الناس﴾ أي: المشركون استهزاء منهم وتعنتًا وامتحانًا ﴿عن الساعة﴾ أي متى تكون في أي: وقت ﴿قل﴾ أي: لهم في جوابهم ﴿إنما علمها عند الله﴾ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء ﴿وما يدريك﴾ أي: أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت لا تعرفه ﴿لعل الساعة﴾ أي: التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب ﴿تكون﴾ أي: توجد وتحدث على وجه مهوّل عجيب ﴿قريبًا﴾ أي: في زمن قريب قال البقاعي: ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو عن تعيين وقتها قال البخاري
[ ٣ / ٢٧٢ ]
في الصحيح: إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة، وإذا جعلته ظرفًا أو بدلًا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الاثنين والجمع للذكر والأنثى.
ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله تعالى:
﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿لعن﴾ أي: أبعد إبعادًا عظيمًا من رحمته ﴿الكافرين﴾ أي: الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة من أمرها ﴿وأعد﴾ أي: أوجد وهيأ ﴿لهم﴾ من الآن ﴿سعيرًا﴾ أي: نارًا شديدة الاضطرام والتوقد لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته.
﴿خالدين﴾ أي: مقدّرًا خلودهم ﴿فيها﴾ أي: السعير وأعاد عليها الضمير مؤنثًا لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم وقوله تعالى: ﴿أبدًا﴾ بيان لإرادة الحقيقة لئلا يتوهم بالخلود المكث الطويل ﴿لا يجدون وليًا﴾ أي: يتولى أمرًا مما يصيبهم بشفاعة أو غيرها ﴿ولا نصيرًا﴾ ينصرهم وقوله تعالى:
﴿يوم﴾ معمول لخالدين أي: مقدرًا خلودهم فيها على تلك الحال يوم ﴿تقلب﴾ أي: تقلبًا كثيرًا ﴿وجوههم في النار﴾ أي: ظهرًا لبطن كاللحم يشوى بالنار حالة كونهم ﴿يقولون﴾ وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل متمنين بقولهم: ﴿يا ليتنا أطعنا﴾ أي: في الدنيا ﴿الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدّر أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني.
ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع أعادوا العامل بقولهم ﴿وأطعنا الرسول﴾ أي: الذي بلغنا عنه حتى لا نبتلي بهذا العذاب.
تنبيه: تقدم الكلام على القراءة في ﴿الرسولا﴾ و﴿السبيلا﴾ أول السورة عند ﴿الظنونا﴾ .
﴿وقالوا﴾: أي: الأتباع منهم لما لم ينفعهم شيء متبرئين بالدعاء على من أضلهم بما لا يبرئ عليلًا ولا يشفي غليلًا ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضور زيادة في التوثيق بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا﴾ يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر بألف بعد الدال وكسر التاء على جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بغير ألف بعد الدال وفتح التاء على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء ﴿فأضلونا﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة ﴿السبيلا﴾ أي: طريق الهدى فأحالوا ذلك على غيرهم كما هي عادة المخطئ من الإحالة على غيره مما لا ينفعه.
ثم كأنه قيل: فما تريدون لهم فقالوا: مبالغين في الرقة للاستعطاف بإعادة الرب.
﴿ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ﴿آتهم ضعفين من العذاب﴾ أي: مثلي عذابنا لأنهم ضلوا وأضلوا ﴿والعنهم لعنًا كبيرًا﴾ أي: اطردهم عن محالّ الرحمة طردًا متناهيًا، وقرأ عاصم بالباء الموحدة أي: لعنًا هو أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء المثلثة أي: كثير العدد.
ولما بين تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من الإيذاء بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: صدقوا بما يتلى عليهم ﴿لا تكونوا﴾ بإيذائكم رسول الله ﷺ بأمر زينب وغيره كونًا هو كالطبع لكم ﴿كالذين آذوا موسى﴾ من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا ﷺ حين قسم قسمًا فتكلم فيه بعضهم فقال: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر» . واختلفوا فيما أوذي به موسى،
[ ٣ / ٢٧٣ ]
فروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما تستر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا» كما قال تعالى: ﴿فبرأه﴾ أي: فتسبب عن أذاهم أن برأه ﴿الله﴾ الذي له صفات الجلال والكمال ﴿مما قالوا﴾ فخلا يومًا وحده ليغتسل فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ففر الحجر بثوبه فجمح موسى ﵇ وأخذ عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر به، وطفق بالحجر يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا»، والأدرة: عظم الخصية لنفخة فيها وقوله: فجمح أي: أسرع وقوله ندبًا هو بفتح النون والدال وأصله: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به الضرب بالحجر، وقال قوم: إيذاؤهم إياه لما مات هارون في
التيه ادّعوا على موسى أنه قتله فأمر الله الملائكة ﵈ حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا، وقال أبو العالية: هو أن قارون استأجر مومسة أي: زانية لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله تعالى وبرأ موسى من ذلك،
وكان ذلك سبب الخسف بقارون ومن معه وقال عبد الله بن مسعود: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسًا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلانًا كذا لناس من العرب، وآثرهم في القسمة فقال رجل: هذه قسمة والله ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله فقلت: والله لأخبرن بها رسول الله ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» والصرف بكسر الصاد: صبغ أحمر يصبغ به الأديم.
ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال تعالى: ﴿وكان﴾ أي: موسى ﵇ كونًا راسخًا ﴿عند الله﴾ أي: الذي لا يذل من والاه ﴿وجيهًا﴾ أي: معظمًا رفيع القدر ذا وجاهة يقال وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر قال ابن عباس كان عظيمًا عند الله تعالى لا يسأله شيئًا إلا أعطاه وقال الحسن كان مجاب الدعوة وقيل كان محببًا مقبولًا.
ولما نهاهم عن الأذى أمرهم بالنفع ليصيروا ذوي وجاهة عنده مكرر للنداء استعطافًا وإظهارًا للاهتمام بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا ذلك ﴿اتقوا الله﴾ أي: صدقوا دعواكم بمخافة من له جميع العظمة فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما أودعكم من الأمانة ﴿وقولوا﴾ في حق النبي ﷺ في أمر زينب وغيرها، وفي حق بناته ونسائه وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك ﴿قولًا سديدًا﴾ قال ابن عباس: صوابًا وقال قتادة: عدلًا وقال الحسن: صدقًا وقال عكرمة: هو قول لا إله إلا الله. وقيل: مستقيمًا.
﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم وقال مقاتل: يزكي أعمالكم ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي: يمحها عينًا وأثرًا فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿ومن يطع الله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ﴿ورسوله﴾
[ ٣ / ٢٧٤ ]
أي: الذي عظمته من عظمته في الأوامر النواهي ﴿فقد فاز﴾ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿فوزًا عظيمًا﴾ أي: ظفر بجميع مراداته يعيش في الدنيا حميدًا وفي الآخرة سعيدًا.
ولما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي ﷺ بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله تعالى إلى الإنسان أمر عظيم بقوله تعالى:
﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ واختلف في هذه الأمانة المعروضة فقال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده عرضها ﴿على السموات والأرض والجبال﴾ على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم وقال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكوات، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم: هو الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانتي استودعتكها، فالفرج أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
وقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السموات والأرض والجبال فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن: وما فيها؟ فقال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ﴿فأبين﴾ على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها ﴿أن يحملنها﴾ أي: قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابًا ولا عقابًا ﴿وأشفقن منها﴾ أي: وقلن ذلك خوفًا وخشية وتعظيمًا لله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله ﷿ مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض: ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ (فصلت: ١١)
وقال في الحجارة: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ (البقرة: ٧٤)
وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال﴾ (الحج: ١٨)
الآية وقال بعض أهل العلم: ركّب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم: المراد بالعرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض عرضها على من فيهما من الملائكة كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢)
أي: أهلها وقيل: المراد المقابلة أي: قابلنا الأمانة مع السماوات والأرض والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿فأبين﴾ أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السماوات على المذكر وهو الجبال.
فإن قيل: ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى: ﴿أبى أن يكون مع الساجدين﴾ (الحجر: ٣١)
أجيب: بأن الإباء هناك كان استكبارًا، لأن السجود كان فرضًا وههنا استصغارًا لأن الأمانة كانت عرضًا.
وإنما امتنعن خوفًا كما قال تعالى: ﴿وأشفقن منها﴾ أي: خفن من
[ ٣ / ٢٧٥ ]
الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ﴿وحملها الإنسان﴾ أي: آدم قال الله تعالى لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها قال: يا رب وما فيها قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم ﵇ وقال: بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك اجعل لبصرك حجابًا فإذا خشيت أن تنظر لما لا يحل فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلقًا فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك سترًا فإذا خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة بصخرة ملقاة ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها وقالوا: لا نطيق حملها وجاء آدم ﵇ من غير أن يدعى وحرك الصخرة وقال: لو أمرت بحملها لحملتها فقلن: احمل فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال: والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له: احمل فحملها إلى حقويه وقال والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال له الله تعالى: مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة.
﴿إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ قال ابن عباس: ظلومًا لنفسه جهولًا بأمر الله تعالى وما احتمل من الأمانة وقال الكلبي: ظلومًا حين عصى ربه جهولًا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة وقال مقاتل: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل، وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله تعالى: ﴿وحملها الإنسان﴾ قولًا آخر فقالوا: إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقن له وقوله تعالى: ﴿فأبين أن يحملنها﴾ أي: أبين الأمانة يقال: فلان حمل الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة قال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ (العنكبوت: ١٣)
﴿إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال: وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا فيها، والأول قول السلف وهو الأولى وقيل: المراد بالأمانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وتحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلومًا جهولًا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنًا على القوتين حافظًا لهما عن التعدي، ومجازوة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما، وعن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي فقال: «متى الساعة فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال: بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٢٧٦ ]
«إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» وقوله تعالى:
﴿ليعذب الله﴾ أي: الملك الأعظم متعلق بعرضنا المترتب عليه حمل الإنسان ﴿المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ أي: المضيعين الأمانة.
تنبيه: لم يعد اسمه تعالى فلم يقل: ويعذب الله المشركين وأعاده في قوله تعالى ﴿ويتوب الله﴾ أي: بما له من العظمة ﴿على المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: المؤدين للأمانة، ولو قال تعالى: ويتوب على المؤمنين والمؤمنات كان المعنى حاصلًا، ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف.
ولما ذكر تعالى في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر تعالى من أوصافه وصفين بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: على ما له من الكبرياء والعظمة ﴿غفورًا﴾ للمؤمنين حيث عفا عن فرطاتهم ﴿رحيمًا﴾ بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم مكرمًا لهم بأنواع الكرم. وما رواه البيضاوي من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر» حديث موضوع رواه الثعلبي.