وهي خمس عشرة آية وأربع وخمسون كلمةومائتان وسبعة وأربعون حرفًا
﴿بسم الله﴾ الذي له الأسماء الحسنى ﴿الرحمن﴾ الذي يعلم السرّ وأخفى ﴿الرحيم﴾ الذي خص خواصه بالفردوس الأعلى.
وقوله تعالى: ﴿والشمس﴾، أي: الجامعة بين النفع والضرّ، بالنور والحرّ ﴿وضحاها﴾ قسم وقد تقدّم الكلام على أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وقيل: التقدير ورب الشمس إلى تمام القسم. واختلف في قوله تعالى: ﴿وضحاها﴾ فقال مجاهد والكلبي: ضوءها وقال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: هو حرّها، وقال لقوله تعالى في طه: ﴿ولا تضحى﴾ (طه: ١١٩)، أي: لا يؤذيك الحرّ. وقال البريدي: انبساطها. قال الرازي: إنما أقسم بالشمس لكثرة ما يتعلق بها من المصالح، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبح في المشرق صار ذلك الضوء كالروح الذي تنفخ فيه الحياة فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوّة والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحوة، وذلك يشبه استقرار أهل الجنة.
﴿والقمر﴾، أي: المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول ﴿إذا تلاها﴾، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤى الهلال. قال الليث: يقال تلوت فلانًا إذا اتبعته. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر تلاها القمر بالطلوع وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. وقال الفرّاء: تلاها، أي: أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال الزجاج: تلاها، أي: حين استوى ودار وكان مثلها في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض.
﴿والنهار﴾، أي: الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار ﴿إذا جلاها﴾، أي: الشمس بارتفاعه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء وقيل: الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة يريدون الغداة، وأرسلت يريدون السماء.
﴿والليل﴾، أي: الذي هو ضدّ النهار فهو محل السكون والانقباض ﴿إذا يغشاها﴾، أي: يغطيها بظلمته فتغيب وتظلم الآفاق وقيل: الكتابة للأرض، أي: يغشى الدنيا بالظلمة فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور، وجيء يغشاها مضارعًا دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضيًا لكان التركيب إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع.
تنبيه: إذا في الثلاثة لمجرّد الظرفية والعامل فيها فعل القسم.
﴿والسماء وما﴾، أي: ومن ﴿بناها﴾، أي: خلقها على هذا السقف المحكم. أقسم تعالى بنفسه وبأعظم مخلوقاته.
وقوله تعالى: ﴿والأرض﴾، أي: التي هي فراشكم ﴿وما﴾، أي: ومن ﴿طحاها﴾، أي: بسطها وسطحها على الماء كذلك.
وكذا قوله تعالى: ﴿ونفس﴾، أي: أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره ﴿وما﴾، أي: ومن ﴿سوّاها﴾، أي: عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها، وما فيها من
[ ٤ / ٥٤١ ]
الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك. فإن قيل: لم نُكرت النفس؟ أجيب: بوجهين:
أحدهما: أنه يريد نفسًا خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم ﵇، كأنه قال تعالى: وواحدة من النفوس.
ثانيهما: أنه يريد كل نفسٍ، ونكره للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ (التكوير: ١٤)
وإنما أوثرت ما على من فيما ذكر لإرادة الوصفية بما ضمنا وإن لم يوصف بلفظها؛ إذ المراد أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثلوا بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ (النساء: ٣)
وقدّروها بأنكحوا الطيب، وهذا تنفرد به ما دون من. وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم.
أقسم الله تعالى بأنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمّل المكلف فيها ويشكر عليها، لأنّ الذي يقسم الله تعالى به يحصل به روح في القلب فتكون الدواعي إلى تأمّله أقرب.
﴿فألهمها﴾، أي: النفس ﴿فجورها وتقواها﴾ قال ابن عباس ﵄: بين لها الخير والشرّ، وعنه: علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح: عرّفها ما تأتي وما تتقي. وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان.
قال البغوي: وهذا بين أنّ الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم ﷺ وثبتت الحجة عليهم؟ قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ (الأنبياء: ٢٣)
فقال لي سدّدك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إنّ رجلًا من جهينة أو مزينة أتى النبيّ ﷺ فقال: «يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به الحجة، فقال: في شيء قد مضى عليهم، قال فقلت: ففيم العمل الآن؟ قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها.
وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها﴾» . وعن جابر قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا وكل ميسر لما خلق له» . واختلف في جواب القسم فأكثر المفسرين على أنه:
﴿قد أفلح﴾، أي: ظفر بجميع المرادات، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام. وقيل: إنه ليس بجواب وإنما جيء به تابعًا لقوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، والجواب محذوف تقديره: ليدمدمن الله عليهم، أي: أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود؛ لأنهم قد كذبوا صالحًا أو لتبعثن وقيل: هو على التقديم والتأخير من غير حذف.
والمعنى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾، أي: طهرها من الذنوب ونماها وأصلحها، وصفاها تصفية عظيمة مما يسره الله تعالى له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ﴿وقد خاب﴾، أي: خسر ﴿من دساها﴾، أي: أغواها إغواءً عظيمًا أو أفسدها وأهلكها
[ ٤ / ٥٤٢ ]
بخبائث الاعتقادات، ومساوئ الأعمال وقبائح السيئات. ﴿والشمس وضحاها﴾ وفاعل زكاها ودساها ضمير من، وقيل: ضمير الباري سبحانه، أي: قد أفلح من زكاها بالطاعة، ﴿وقد خاب من دساها﴾، أي: خسرت نفسٌ دساها الله تعالى بالمعصية. وأنكر الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه، ولكن قال بعض المفسرين: الحق أنه خلاف الظاهر لا كما قاله الزمخشري. وقال ابن عباس ﵄: خابت نفس أضلها الله تعالى وأغواها، وأصل الزكاة النموّ والزيادة، ومنه زكى الزرع إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي الشاهد؛ لأنه يرفعه بالتعديل. وأصل دساها دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء فأبدل من السين الثانية ياء، والمعنى: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية، وعن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهمّ» . وفي رواية: «والهرم وعذاب القبر اللهمّ آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهمّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها» .
﴿كذبت ثمود﴾ وهم قوم صالح، كذبوا رسولهم صالحًا ﵇ وأنث فعلهم لضعف أثر تكذيبهم؛ لأنّ كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم ﴿بطغواها﴾، أي: أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله تعالى، أي: طغيانها. وقيل: إن الباء للاستعانة. قال الزمخشري: مثلها في كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء واوًا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيًا وصديًا، يعني: فعلت التكذيب بطغيانها كما تقول: ظلمني بجراءته على الله تعالى. وقيل: كذبت بما أوعدت به من عذاب ذي الطغوى كقوله تعالى: ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ (الحاقة: ٥)
﴿إذ﴾، أي: تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين ﴿انبعث أشقاها﴾، أي: قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا ﵇ انبعث أشقى القوم وهو قدار بن سالف وكان رجلًا أشقر أزرق قصيرًا فعقر الناقة، وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبيّ ﷺ يخطب فذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله ﷺ «﴿إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث لها رجل عزيز عارم متبع في أهله مثل أبي زمعة» . وقوله: عارم، أي: شديد ممتنع. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة. والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
تنبيه: إذ منصوب بكذبت أو بطغواها. ﴿﴿
﴿فقال لهم﴾، أي: بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى ﴿رسول الله﴾، أي: صالح ﵇، وعبر بالرسول لأنّ وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا، ولذلك قال تعالى مشيرًا بحذف العامل إلى ضيق الحال عن ذكره لعظم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى. وزاد في التعظيم بإعادة الجلالة ﴿ناقة الله﴾، أي: الملك الأعظم الذي له الأمر كله، وهي منصوبة على التحذير كقولك: الأسد الأسد، والصبي الصبي بإضمار اتقوا أو احذروا ناقة الله. ﴿وسقياها﴾، أي: وشربها في يومها، وكان لها يوم ولهم يوم؛ لأنهم لما اقترحوا الناقة فأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم فشق عليهم. وإضافة الناقة إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله.
﴿فكذبوه﴾، أي: صالحًا ﵇ بطغيانهم
[ ٤ / ٥٤٣ ]
في وعيدهم بالعذاب ﴿فعقروها﴾، أي: عقرها الأشقى بسبب ذلك التكذيب، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله، وإن كان العاقر جماعة فواضح. وقال قتادة: بلغنا إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. وقال الفرّاء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم ولهذا لم يقل أشقياها.
﴿فدمدم﴾ أي فأطبق ﴿عليهم ربهم﴾، أي: الذي أحسن إليهم فغمرهم إحسانه فقطعه عنهم بسبب تكذيبهم فأهلكهم وأطبق عليهم العذاب، يقال: دمدمت عليه القبر أطبقته عليه ﴿بذنبهم﴾، أي: بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم الناقة. وروي عن ابن عباس ﵄: ﴿دمدم عليهم ربهم بذنبهم﴾، أي: بجرمهم. وقال القشيري: وقيل: دمدمت على الميت التراب، أي: سوّيته عليه. فالمعنى على هذا: فجعلهم تحت التراب، ﴿فسوّاها﴾، أي: فسوّى عليهم الأرض فجعلهم تحت التراب وعلى الأوّل فسوّى الدمدمة عليهم، أي: عمهم بها فلم يفلت منهم أحدًا.
وقرأ ﴿ولا يخاف﴾ نافع وابن عامر بالفاء، والباقون بالواو فالفاء تقتضي التعقيب، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون للاستئناف الإخباري. وضمير الفاعل في يخاف الأظهر عوده على الله تعالى؛ لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس، ويؤيده قراءة الفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية والهاء في قوله تعالى: ﴿عقباها﴾ ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحقَ. وكل من فعل فعلًا يحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله.
وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. وقيل: المعنى أنه تعالى بالغ في الإنذار إليهم مبالغة كمن لا يخاف عاقبة عذابهم. وقيل: يرجع ذلك إلى رسولهم صالح ﵇، أي: لا يخاف عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم ونجاه الله وأهلكهم. وقال السدّي: يرجع الضمير إلى أشقاها، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء.
وقرأ الكسائي جميع رؤوس آي هذه السورة بالإمالة محضة، وقرأها أبو عمرو بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وأمال حمزة مثل الكسائي إلا تلاها وضحاها ففتحهما، والباقون بالفتح واتفقوا على فتح فعقروها. وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري: أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة والشمس فكأنما تصدّق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» حديث موضوع.