مكية إلا ﴿ويرى الذين أوتو العلم﴾ الآية وهي أربع أو خمس وخمسون آية، وثمانمائة وثلاث وثمانون كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر حرفًا
﴿بسم الله﴾ أي: الذي من شمول قدرته إقامة الحساب ﴿الرحمن﴾ أي: الذي من عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب ﴿الرحيم﴾ أي: الذي يمن على أهل كرامته بطاعته حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب.
ولما ختم السورة التي قبل هذه بصفتي المغفرة والرحمة بدأ هذه بقوله:
﴿الحمد لله﴾ أي: ذي الجلال والجمال على هذه النعمة.
فائدة: السور المفتتحة بالحمد خمس: سورتان في النصف الأول وهما الأنعام والكهف، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة، والخامسة هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير، والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولًا برحمته، وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان: الإبداء، والإعادة، وفي كل حالة له تعالى نعمتان: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فقال في النصف الأول: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١)
إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ (الأنعام: ٢)
فأشار إلى الإيجاد الأول، وقال في السورة الثانية: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا﴾ (الكهف: ١)
فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والنفاق وقال ههنا: ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ ملكًا وخلقًا إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى ﴿وله﴾ أي: وحده ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بالكمال ﴿في الآخرة﴾ أي: ظاهر الكل من يجمعه الحشر وله كل ما فيها لا يدعي
[ ٣ / ٢٧٧ ]
أحد ذلك في شيء منه ظاهرًا ولا باطنًا وقال في سورة الملائكة: ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ (فاطر: ١)
إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلًا﴾ (فاطر: ١)
أي: يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى: ﴿وتتلقاهم الملائكة﴾ (الأنبياء: ١٠٣)
وقال تعالى عنهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٣)
وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (الفاتحة: ٢) إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ (الفاتحة: ٤)
إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما.
فإن قيل: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ذكر الله تعالى السموات والأرض؟ أجيب: بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله تعالى النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض.
ثم قال: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾ ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا، ويعلم فضلها بدوامها وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ (فاطر: ٣٤)
﴿والحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ (الزمر: ٧٤)
وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحًا، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا.
ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى: ﴿وهو الحكيم﴾ أي: الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلًا بالعمل على وفقه ﴿الخبير﴾ أي: البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالًا ومآلًا.
ثم بين كمال خبره بقوله تعالى:
﴿يعلم ما يلج﴾ أي: يدخل ﴿في الأرض﴾ أي: هذا الجنس من المياه والأموال والأموات وغيرها ﴿وما يخرج منها﴾ من المياه والمعادن والنبات وغيرها ﴿وما ينزل من السماء﴾ أي: من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة وغير ذلك ﴿وما يعرج فيها﴾ من الكلام الطيب قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: ١٠)
والملائكة والأعمال الصالحة قال تعالى ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر: ١٠)
تنبيه: قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولًا ثم تسقى ثانيًا وقال تعالى ﴿ما يعرج فيها﴾ ولم يقل ما يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة إلى للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السموات فقال ﴿وما يعرج فيها﴾ ليفهم نفوذه فيها وصعوده وتمكنه فيها، ولهذا قال في الكلم الطيب ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ لأن الله تعالى هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة للأبدان ﴿الرحيم﴾ أي: المنعم بإنزال الكتب وإرسال الرسل لإقامة الأديان وغير ذلك ﴿الغفور﴾ أي: المحاء للذنوب للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائقة للحصر.
تنبيه: قدم تعالى صفة الرحمة على صفة الغفور ليعلم أن رحمته سبقت غضبه.
ثم بين تعالى أن هذه النعمة التي يستحق الله تعالى بها الحمد وهي نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال:
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة ﴿لا تأتينا الساعة﴾ أي: أنكروا مجيئها أو استظهارها استهزاء بالوعد به، وقوله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿بلى﴾ رد لكلامهم وإيثار لما نفوه ﴿وربي﴾ أي: المحسن إلي بما عمني به معكم وبما خصني من تنبيئي وإرسالي إليكم إلى غير ذلك من أمور
[ ٣ / ٢٧٨ ]
لا يحصيها إلا هو ﴿لتأتينكم﴾ أي: الساعة لتظهر فيها ظهورًا تامًا الحكمة بالعدل والفصل وغير ذلك من عجائب الحكم والفضل وقوله تعالى ﴿عالم الغيب﴾ قرأه نافع وابن عامر برفع الميم على هو عالم الغيب، أو مبتدأ وخبره ما بعده، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بجره نعتًا لربي وقرأ حمزة والكسائي بعد العين بلام ألف مشددة وخفض الميم ﴿لا يعزب﴾ أي: لا يغيب ﴿عنه مثقال﴾ أي: وزن ﴿ذرة﴾ أي: من ذات ولا معنى، والذرة: النملة الحمراء الصغيرة جدًا صارت مثلًا في أقل القليل فهي كناية عنه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بضمها.
وقوله تعالى ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله تعالى ﴿في السموات﴾ إشارة إلى علمه بالأرواح وما فيها من الملائكة وغيرهم. وقوله تعالى ﴿ولا في الأرض﴾ إشارة إلى علمه بالأجسام وما في الأرض من غيرها، فإذا علم الأرواح والأجسام قدر على جمعهما فلا استبعاد في الإعادة. وقوله تعالى: ﴿ولا أصغر﴾ أي: ولا يكون شيء أصغر ﴿من ذلك﴾ أي: المثقال ﴿ولا أكبر﴾ أي: منه ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي: بين هو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة لنفي العزوب.
فإن قيل: فأي حاجة إلى ذكر الأكبر فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ أجيب: بأنه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغار لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر أيضًا مكتوب.
ثم بين علة ذلك كله بقوله:
﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: وإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان فلا يدعه بغير جزاء، ثم بين جزاءهم بقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لزلاتهم وهفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره ﴿ورزق كريم﴾ أي: جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة.
تنبيه: ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين: الإيمان، والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين: المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨) وقوله ﷺ «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان»، والرزق الكريم على العمل الصالح وهذا مناسب، فإن من عمل لسيد كريم عملًا فعند فراغه لا بد وأن ينعم عليه وقوله تعالى ﴿كريم﴾ بمعنى: ذي كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالبًا.
فإن قيل: ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة؟ أجيب: بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم، ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها.
ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم بقوله سبحانه:
﴿والذين سعوا﴾ أي: فعلوا فعل الساعي ﴿في آياتنا﴾ أي: القرآن بالإبطال وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى: ﴿معجزين﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو
[ ٣ / ٢٧٩ ]
بغير ألف بعد العين وتشديد الجيم أي: مبطئين عن الإيمان من أراده، والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي: مسابقين كي يفوتونا ﴿أولئك﴾ الحقيرون عن أن يبلغوا مرادًا بمعاجزتهم ﴿لهم عذاب﴾ وأي عذاب ﴿من رجز﴾ أي: سيئ العذاب ﴿أليم﴾ أي: مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم بالرفع على أنه صفة لعذاب، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي: قال هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا ﴿لهم عذاب من رجز أليم﴾ بلفظة صالحة للتبعيض وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب وقوله:
﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ أي: الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل: مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل: الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ليجزي أي: وليعلم الذين أوتوا العلم. والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك ﴿الذي أنزل إليك من ربك﴾ أي: المحسن إليك بإنزاله ﴿هو الحق﴾ أي: أنه من عند الله تعالى.
تنبيه: الذي أنزل هو المفعول الأول، وهو ضمير فصل والحق: مفعول ثان لأن الرؤية علمية.
وقوله تعالى ﴿ويهدي إلى صراط﴾ أي: طريق ﴿العزيز الحميد﴾ في فاعله وجهان أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن. والثاني: ضمير اسم الله تعالى وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة، العزيز: يفيد التخويف والانتقام من المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق.
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: قال بعضهم على وجه التعجب لبعض ﴿هل ندلكم على رجل﴾ يعنون محمدًا ﷺ ﴿ينبئكم﴾ أي: يخبركم إخبارًا لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم ﴿إذا مزقتم﴾ أي: قطعتم وفرقتم بعد موتكم. وقوله تعالى ﴿كل ممزق﴾ يحتمل أن يكون اسم مفعول أي: كل تمزيق فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح والسيول كل مذهب ﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ أي: تنشؤون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا.
والهمزة في قوله:
﴿أفترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله﴾ أي: الذي لا أعلم منه ﴿كذبًا﴾ أي: بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ووصلًا، قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت ﴿أم به جنة﴾ أي: جنون يحكى به ذلك، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة أقسام: صدق وكذب، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن قولهم ﴿أم به جنة﴾ لا جائز أن يكون كذبًا لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره، ولا جائز أن يكون صدقًا لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه: بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم ﴿أم به جنة﴾ لأن المجنون لا افتراء له.
تنبيه: قوله ﴿أفترى﴾ يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولًا أي: من كلام القائلين ﴿هل ندلكم﴾ ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل ﴿هل ندلكم﴾ كأن القائل لما قال له ﴿هل ندلكم على رجل﴾ قال له: هل افترى على الله كذبًا إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي: جنون
[ ٣ / ٢٨٠ ]
إن كان لا يعتقد خلافه.
ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى ﴿بل الذين لا يؤمنون﴾ أي: لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر ﴿بالآخرة﴾ أي: المشتملة على البعث والعذاب ﴿في العذاب﴾ أي: في الآخرة ﴿والضلال البعيد﴾ أي: عن الصواب في الدنيا، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى ﴿بل الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ (يس: ٨١)
في العذاب في مقابلة قولهم ﴿أفترى على الله كذبًا﴾ وقوله تعالى ﴿والضلال البعيد﴾ في مقابلة قولهم ﴿أم به جنة﴾ وكلاهما مناسب، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمى المهدي ضالًا يكون أضل، والنبي ﷺ هادي كل مهتد.
ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازيًا على السيئات والحسنات، ذكر دليلًا آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى:
﴿أفلم يروا﴾ أي: ينظروا ﴿إلى ما بين أيديهم﴾ أي: أمامهم ﴿وما خلفهم﴾ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى ﴿من السماء والأرض﴾ دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ وأما دليل التهديد فقوله تعالى ﴿إن نشأ﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نخسف بهم الأرض﴾ أي: كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره ﴿أو نسقط عليهم كسفًا﴾ أي: قطعًا ﴿من السماء﴾ فنهلكهم بها، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها.
تنبيه: في قوله تعالى ﴿أفلم يروا﴾ الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف، وقوله ﴿من السماء﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالًا فيتعلق به أيضًا قيل: وثم حال محذوفة تقديره: أفلم يروا إلى كذا مقهورًا تحت قدرتنا أو محيطًا بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي ﴿إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط﴾ بالياء في الثلاثة كقوله تعالى ﴿افترى على الله كذبًا﴾ والباقون بالنون، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون ﴿إن في ذلك﴾ أي: فيما ترون من السماء والأرض ﴿لآية﴾ أي: علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث ﴿لكل عبد﴾ أي: متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه ﴿منيب﴾ أي: فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه.
ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود ﵇ كما قال ربه ﴿فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب﴾ (ص: ٢٤)
ذكره بقوله تعالى:
﴿ولقد آتينا﴾ أي: أعطينا إعطاء عظيمًا دالًا على نهاية المكنة بما لنا من العظمة ﴿داود منا فضلًا﴾ أي: النبوة والكتاب، أو الملك أو جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، وهذا الأخير أولى.
تنبيه: قوله تعالى ﴿منا﴾ فيه إشارة إلى بيان
[ ٣ / ٢٨١ ]
فضل داود ﵇ لأن قوله تعالى ﴿ولقد آتينا داود منا فضلًا﴾ مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتى الملك زيدًا خلعة فإذا قال القائل: أتاه منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان﴾ (التوبة: ٢١) فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد، لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى ﴿يا جبال﴾ محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدرًا، ويكون بدلًا من فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلًا قولنا يا جبال، وإن شئت قدرته فعلًا وحينئذ لك وجهان: إن شئت جعلته بدلًا من آتينا معناه آتينا قلنا: يا جبال، وإن شئت جعلته مستأنفًا ﴿أوبي﴾ أي: رجّعي ﴿معه﴾ بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل: التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلًا كأنه يقول: أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب: نوحي معه وقيل: سيري معه وقوله تعالى ﴿والطير﴾ منصوب بإجماع القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه: أحدها: أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديرًا لأن كل منادى في موضع نصب. الثاني: أنه عطف على فضلًا قاله الكسائي، ولابد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلًا وتسبيح الطير. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو.
تنبيه: لم يكن الموافق له في التأويب منحصرًا في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون: كان داود ﵊ إذ نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل: كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطًا له. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال سبحي، وللطير أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين تلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظرًا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئًا أطيب منه، وذلك كما: «كان الحصى يسبح في كف نبينا ﷺ وكف أبي بكر وعمر ﵄» وكما: «كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل»، وكما: «كان الحجر يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه»، و«حنين الجذع مشهور»، وكما: «كان الضب يشهد له» و«الجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه» ونحو ذلك، وكما: «جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي ﷺ برده رحمة لها» .
ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى منها، ذكر ﷾ ما أنشأه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء بقوله تعالى: ﴿وألنا له الحديد﴾ أي: الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة، وذلك في قدرة الله تعالى يسير، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود ﵇ لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج
[ ٣ / ٢٨٢ ]
للناس متنكرًا، فإذا رأى رجلًا لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود، وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرًا، فقيض الله تعالى له ملكًا في صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال: فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سببًا يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وإنه أول من اتخذها يقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ويقال: إنه كان يعمل كل يوم درعًا يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق منها ألفين على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل، وإنما اختار الله تعالى له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره ويحفظ الآدمي المكرم عند الله تعالى من القتل، فالزرّاد خير من القواس والسياف وغيرهما، لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل النفس المحرمة بخلاف الدرع قال ﷺ «كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده» .
ثم ذكر ﷾ علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله تعالى بقوله عز من قائل:
﴿أن اعمل سابغات﴾ أي: دروعًا طوالًا واسعات يجرها لابسها على الأرض، وذكر الصفة يعلم منها الموصوف، واختلف في معنى قوله ﷾ ﴿وقدر في السرد﴾ أي: نسج الدروع يقال لصانعه: الزراد والسراد فقيل: قدر المسامير في حلق الدروع أي: لا تجعل المسامير غلاظًا فتكسر الحلق ولا دقاقًا فتتقلقل فيها ويقال: السرد المسمار في الحلقة يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق ﴿وقدر في السرد﴾ اجعله على القصد وقدر الحاجة وقيل: اجعل كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلًا ينفذ منها سهم، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها سيف، ولا تثقل على الدرع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر - كما قال البقاعي - أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ولا كان للإلانة كبير فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير وقال الرازي: يحتمل أن يقال: السرد هو عمل الزرد وقوله تعالى ﴿وقدر في السرد﴾ أي: أنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى ﴿واعملوا صالحًا﴾ أي: لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، وأما الكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله تعالى: ﴿إني بما تعملون بصير﴾ أي: مبصر فأجازيكم به يريد بهذا داود وآله.
تنبيه: كما ألان الله تعالى لداود ﵇ الحديد ألان لنبينا ﷺ في الخندق تلك الكدية وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم، فضربها رسول الله ﷺ ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيبًا أهيل لا ترد فأسًا، وتلك الصخرة التي أخبره سلمان عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ﷺ ثلاث ضربات كسر في كل ضربة ثلثًا منها، وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة وأضاءت للصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار، كأنها مصباح في جوف بيت مظلم فسألوه عن ذلك، فأخبرهم ﷺ أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبريل ﵇ أنها ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصلب الخشب له ﵇ حتى صار سيفًا قوىّ المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونًا فصار في يده سيفًا قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العرجون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ وبعده حتى قتل، وهو عنده وعن الواقدي: «أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبًا كان في يده من عراجين رطاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل» وإلحام داود للحديد ليس بأعجب من: «إلحام النبي ﷺ ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أبو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها» كما نقله البيهقي
وغيره ومعجزاته ﷺ لا تنحصر، وإنما أذكر بعضها تبركًا بذكره ﷺ وأسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرته ويفعل ذلك بأهلينا ومحبينا.
ولما أتم الله تعالى المراد من آيات داود ﵇، أتبعها بعض آيات ابنه سليمان ﵊ لمشاركته في الإنابة بقوله تعالى:
﴿ولسليمان﴾ أي: عوضًا عن الخيل التي عقرها لله تعالى ﴿الريح﴾ قرأ شعبة الريح بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف والباقون بالنصب بإضمار فعل أي: وسخرنا ﴿غدوها﴾ أي: سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال ﴿شهر﴾ أي: تحمله وتذهب به وبجميع عسكره من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر ﴿ورواحها﴾ أي: من الزوال إلى الغروب ﴿شهر﴾ أي: مسيرته فكانت تسير به في يوم واحد مسيرته شهرين قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وهذا كما سخر الله تعالى الريح لنبينا ﷺ في غزوة الأحزاب، فكانت تهد خيامهم وتضرب وجوههم بالتراب والحجارة، وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله تعالى بها، وكما حملت شخصين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما بجبل طيىء، وتحمل من أراد الله تعالى من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى، مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى.
ولما ذكر تعالى الريح أتبعها ما هو من أسباب تكوينه بقوله تعالى: ﴿وأسلنا﴾ أي: أذبنا بما لنا من العظمة ﴿له عين القطر﴾ أي: النحاس حتى صار كأنه عين ماء فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان ﴿ومن الجن﴾ أي: الذي سترناهم عن العيون من
[ ٣ / ٢٨٤ ]
الشياطين وغيرهم عطف على الريح أي: وسخرنا له من الجن ﴿من يعمل بين يديه﴾ أي: قد أمكنه الله تعالى منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره ﴿بإذن﴾ أي: بأمر ﴿ربه﴾ أي: بتمكين المحسن إليه ﴿ومن يزغ﴾ أي: يمل ﴿منهم عن أمرنا﴾ أي: عن أمره الذي هو من أمرنا ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ أي: النار أي: في الآخرة وقيل: في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة يحرقه، وهذا كما أمكن نبينا ﷺ من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى تلعب به صبيان المدينة، ثم تركه تأدبًا مع أخيه سليمان ﵇ فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي يدور عليها إقامة الدين فأغناه الله تعالى فيها عن الجن بالملائكة الكرام ﵈ وسلط جمعًا من صحابته على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة رمضان»، ومنهم أبي بن كعب قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني، ومنهم معاذ بن جبل لما جعله النبي ﷺ على صدقة المسلمين فأتاه شيطان يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل، فضبطه والتفت يداه عليه وقال له: يا عدو الله فشكا له الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين، وأنهم كانت لهم المدينة فلما بعث النبي ﷺ أخرجهم منها، وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود، ومنهم بريدة، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر قاتل الشيطان فصرعه عمار
وأدمى أنف الشيطان بحجر ذكر ذلك البيهقي في الدلائل، وأما عين القطر فهي مما تضمنه قول النبي ﷺ «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبيًا عبدًا أجوع يومًا وأشبع يومًا» الحديث، فشمل ذلك اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي - وقال: حسن - عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا قلت: لا يارب ولكن أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وشكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» وللطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس: «أن إسرافيل أتى النبي ﷺ بمفاتيح خزائن الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن تسير معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن شئت نبيًا مالكًا وإن شئت نبيًا عبدًا فأومأ إليَّ جبريل ﵇ أن تواضع فقال: نبيًا عبدًا» ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرًا من حديث أبي هريرة، وله في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس» وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض» هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد ﷺ على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السموات، وتارة بحبس المطر، وتارة بإرساله إلى غير ذلك مما قد أكرمه الله تعالى به مما لا يحيط به إلا الله ﷿ ﷺ وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه، وحشرنا ومحبينا معهم في دار
[ ٣ / ٢٨٥ ]
كرامته.
ولما أخبر تعالى أنه سخر لسليمان الجن ذكر حالهم في أعمالهم بقوله تعالى:
﴿يعملون له﴾ أي: في أي: وقت شاء ﴿ما يشاء﴾ أي: عمله ﴿من محاريب﴾ أي: أبنية مرتفعة غير مساجد يصعد إليها بدرج، سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب عليها ومساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بيت المقدس ابتدأه داود ﵇ ورفعه قامة رجل فأوحى الله تعالى إليه أني لم أقض ذلك على يديك، ولكن ابن لك اسمه سليمان ﵇ اقضي تمامه على يديه فلما توفاه الله تعالى استخلف سليمان ﵇ فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضًا، وأنزل على كل ربض سبطًا من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطًا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقًا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقًا يقتلعون الجواهر من الحجارة من أماكنها، وفرقًا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحًا، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقفه وحيطانه باللآلئ والياقوت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر فلما فرغ منه جمع أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدًا لله تعالى، روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ قال: «لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثًا فأعطاه
اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة سأله حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك» قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار ملكه من أرض العراق، وبنى الشياطين باليمن لسليمان حصونًا كثيرة عجيبة من الصخر ﴿وتماثيل﴾ جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء أي: كانوا يعملون له تماثيل أي: صورًا من نحاس وزجاج ورخام ونحو ذلك.
فإن قيل: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التصاوير؟ أجيب: بأن هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية لم يكن اتخاذ التصاوير إذ ذاك محرمًا، ويجوز أن تكون غير صور الحيوان كصور الأشجار ونحوها، لأن التمثال كل ما صوره على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان، أو بصور محذوفة الرؤوس، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين في أعلاه
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وقيل: كانوا يتخذون صور الأنبياء والملائكة والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: إن هذا كان أول الأمر، فلما تقادم الزمن قال لهم إبليس: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوا الأصنام ولم تكن التصاوير ممنوعة في شريعتهم كما أن عيسى ﵇ كان يتخذ صورًا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرًا.
﴿وجفان﴾ أي: قصاع وصحاف يؤكل فيها، واحدتها جفنة ﴿كالجوابي﴾ جمع جابية وهي الحوض الكبير يجبى إليه الماء أي: يجتمع يقال: كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الباء الموحدة في الوصل دون الوقف، وابن كثير بإثباتها وقفًا ووصلًا، والباقون بالحذف وقفًا ووصلًا.
ولما ذكر القصاع على وجه يتعجب منه ذكر ما يطبخ فيه طعام تلك الجفان بقوله تعالى: ﴿وقدور راسيات﴾ أي: ثابتات ثباتًا عظيمًا لأنها لكبرها كالجبال لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن، ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد عليها بالسلالم وكانت باليمن.
ولما ذكر المساكن وما يتبعها أتبعها الأمر بالعمل بقوله تعالى: ﴿اعملوا﴾ أي: وقلنا لهم اعملوا أي: تمتعوا واعملوا على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل بقوله تعالى: ﴿آل داود﴾ وقوله تعالى ﴿شكرًا﴾ يجوز فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول به أي: اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكرًا لسدها مسده. ثانيها: أنه مصدر من معنى اعملوا كأنه قال: اشكروا شكرًا بعملكم، أو اعملوا عمل شكر. ثالثهما: أنه مفعول من أجله أي: لأجل الشكر، واقتصر على هذا البقاعي. رابعها: أنه مصدر واقع موقع الحال أي: شاكرين. خامسها: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره: واشكروا شكرًا. سادسها: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره عملًا شكرًا أي: ذا شكر.
تنبيه: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه ﴿أن اعمل سابغات﴾: ﴿اعملوا صالحًا﴾ قال عقب ما تعمله الجن له ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكرًا، وقوله تعالى ﴿وقليل﴾ خبر مقدم وقوله تعالى ﴿من عبادي﴾ صفة له وقوله تعالى ﴿الشكور﴾ مبتدأ والمعنى: أن العامل بطاعتي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه ويديه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله تعالى به عليه فيما يرضيه قليل، ومع ذلك لا يوفي حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار وقيل: المراد من آل داود ﵇ هو داود نفسه وقيل: داود وسليمان وأهل بيتهما ﵉ قال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتًا يقول: كان داود ﵇ نبي الله ﷺ قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تك تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود ﵇ قائم يصلي، وقال ﷺ في صلاة النافلة: «أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» وقال في صوم التطوع: «أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» وروي عن عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يقول: اللهم
[ ٣ / ٢٨٧ ]
اجعلني من القليل فقال عمر: ما هذا الدعاء فقال: إني سمعت الله يقول ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر.
ولما كان الموت مكتوبًا على كل أحد قال تعالى:
﴿فلما قضينا﴾ وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء بقوله تعالى: ﴿عليه﴾ أي: سليمان ﵇ ﴿الموت﴾ قال أهل العلم: كان سليمان يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فسألها ما اسمك فتقول: كذا وكذا فيقول: لأي شيء خلقت فتقول: لكذا وكذا فيؤمر بها فتقلع فإن كانت تنبت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال لها: ما أنت قالت: الخروبة قال: لأي شيء نبت قالت: لخراب مسجدك قال ﵇: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموهون على الناس أنهم يعلمون الغيب وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئًا على عصاه فقبض الله روحه وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه فكانت الجن تعمل الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في حياته، وينظرون إلى سليمان ﵇ فيرونه قائمًا متكئًا على عصاه فيحسبونه حيًا فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولًا كاملًا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتًا فعلموا بموته حينئذ كما قال تعالى ﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض﴾ أي: الأرضة لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم ﴿تأكل منسأته﴾ قال البخاري: يعني عصاه فالمنسأة العصا اسم آلة من نسأه أخره كالمكسحة والمكنسة من نسأت الغنم أي: زجرتها وسقتها، ومنه نسأ الله في أجله أي: أخره وقرأ نافع وأبو
عمرو بعد السين بألف وابن ذكوان بعد السين بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين فإذا وقف حمزة سهل الهمزة وقيل لم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع فنظر فإذا سليمان قد خر ميتًا ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة ﴿فلما خر﴾ أي: سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه ﴿تبينت الجن﴾ أي: علمت علمًا بينًا لا يقدرون معه على تدبيج وتلبيس وانفضح أمرهم وظهر ظهورًا تامًا ﴿أن﴾ أي: أنهم ﴿لو كانوا﴾ أي: الجن ﴿يعلمون الغيب﴾ أي: علمه ﴿ما لبثوا﴾ أي: أقاموا حولًا ﴿في العذاب المهين﴾ من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، ويجوز أن تكون أن تعليلية ويكون التقدير: تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب لأنهم إلخ، وسبب علمهم مدة كونه ميتًا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يومًا وليلة مقدارًا، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة قال ابن عباس: فشكر الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الخشب.
تنبيه: قد تقدم أن كل شيء أثبت لمن قبل نبينا ﷺ من الأنبياء ﵈ من الخوارق ثبت له مثله وأعظم منه إما له نفسه أو لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان ﵇ من حفظه بعد موته سنة لا يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال القشيري في رسالته في باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا، وقال أبو عمران الإصطخري: رأيت أبا تراب في البادية قائمًا ميتًا لا يمسكه شيء انتهى.
فائدة: روي أن سليمان ﵇ كان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وروي أن داود ﵇ أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇ فمات قبل أن يتم فوصى به إلى سليمان ﵇ فأمر الشياطين بإتمامه.
ولما بقي من عمله سنة سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه، وليبطل دعواهم علم الغيب، وروي أن إفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا منه ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعد يدنو منه.
ولما بين تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان ﵉، بين حال الكافرين لأنعمه بحكاية أهل سبأ فقال تعالى:
﴿لقد كان لسبأ﴾ أي: القبيلة المشهور روى أبو سبرة النخعي عن أبي قرة بن مسيك القطيعي قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أكان رجلًا أو امرأة أو أرضًا قال: «كان رجلًا من العرب وله عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار وحمير فقال رجل: وما أنمار قال: الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان وسبأ يجمع هذه القبائل كلها» والجمهور على أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية، فالقحطانية: شعبان سبأ وحضرموت، والعدنانية: شعبان: ربيعة ومضر، وأما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم نسبها إلى قحطان، وبعضهم إلى عدنان، قيل: إن قحطان أول من قيل له أنعم صباحًا وأبيت اللعن، قال بعضهم: وجميع العرب منسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم وليس بصحيح، فإن إسماعيل ﵇ نشأ بين جرهم بمكة وكانوا عربًا، والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل ﵇ منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأهم وجرهم والعماليق يقال: إن أهمًا كان ملكًا ويقال: إنه أول من سقف البيوت بالخشب المنشور، وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر وبنوه قبيلة يقال لها وبار هلكوا بالرمل أساله الله عليهم فأهلكهم وطم مناهلهم وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
*وكر دهر على وبار فهلكت عنوة وبار*
واسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وسمي سبأ قيل: لأنه أول من سبأ في العرب قاله السهيلي، ويقال: إنه أول من تتوج، وذكر بعضهم أنه كان مسلمًا وله شعر يشير فيه بوجود النبي ﷺ وقال في سليمان ﵇:
*سيملك بعدنا ملك عظيم نبي لا يرخص في الحرام*
*ويملك بعده منهم ملوك يدينوه القياد بكل دامي*
[ ٣ / ٢٨٩ ]
*ويملك بعدهم منا ملوك يصير الملك فينا بانقسام*
*ويملك بعد قحطان نبي تقي مخبت خير الأنام*
*يسمى أحمدًا يا ليت أني أعمر بعد مبعثه بعام*
*فأعضده وأحبوه بنصري بكل مدجج وبكل رامي*
*متى يظهر فيكونوا ناصريه ومن يلقاه يبلغه سلامي*
وقرأ البزي وأبو عمرو بعد الموحدة بهمزة مفتوحة من غير تنوين لأنه صار اسم قبيلة، وقنبل بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مكسورة منونة، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفًا ولهما أيضًا الروم مع التسهيل وقرأ ﴿في مساكنهم﴾ أي: التي هي في غاية الكثرة حمزة وحفص بسكون السين وفتح الكاف ولا ألف بينهما إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وقرأ الكسائي كذلك إلا أنه يكسر الكاف والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملائمة لهم واللين، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن قال حمزة الكرماني: قال ابن عباس: على ثلاثة فراسخ من صنعاء ﴿آية﴾ أي: علامة ظاهرة على قدرتنا، ثم فسر الآية بقوله تعالى: ﴿جنتان عن يمين وشمال﴾ أي: عن يمين الوادي وشماله قد أحاطت الجنتان بذلك الوادي وقيل: عن يمين من أتاهما وبشماله.
فإن قيل: كيف عظم الله تعالى جنتي أهل سبأ وجعلهما آية ورب قرية من قرى العراق يحتف بها من الجنات ما شئت؟ أجيب: بأنه لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم، وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال تعالى ﴿جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب﴾ (الكهف: ٣٢) فكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارًا حتى كانت المرأة تضع على رأسها مكتلًا فتطوف به بين الأشجار فيمتلئ المكتل من جميع أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئًا بيدها مما يتساقط فيه من الثمر.
وقوله تعالى ﴿كلوا من رزق ربكم﴾ أي: المحسن إليكم الذي أخرج لكم منهما ما تشتهون ﴿واشكروا له﴾ أي: خصوه بالشكر بالعمل في كل ما يرضيه ليديم لكم النعمة حكاية لما قال لهم نبيهم، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله ﴿بلدة طيبة﴾ أي: حسنة التربة ليس بها سباخ، حسنة الهواء سليمة من الهوام ليس فيها بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية يمر الغريب بها وفي ثيابه القمل فيموت من طيب هوائها، وأشار إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره بقوله تعالى: ﴿ورب غفور﴾ أي: لذنب من شكره وتقصيره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب قال البقاعي: وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء قال: وفي بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جدًا في مقدار دربلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكي وليس له نوى أصلًا انتهى.
ولما تسبب عن هذا الإنعام
[ ٣ / ٢٩٠ ]
بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر دل على ذلك بقوله تعالى:
﴿فأعرضوا﴾ أي: عن الشكر فكفروا قال وهب: أرسل الله تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًا فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعم الله تعالى عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله تعالى علينا من نعمة فقولوا لربكم: فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع.
ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم بينه بقوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾ جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته أي: سيل واديهم فأغرق جنتيهم وأموالهم. قال ابن عباس ﵄ ووهب وغيرهما: كان ذلك السد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين وجعلت له أبوابًا ثلاثة بعضها فوق بعض وبنت منه دونها بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله تعالى عليهم جرذًا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فأغرق الماء جنتيهم وأموالهم، وخرب أرضهم قال وهب: وكانوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون ذلك فلما جاء السيل وجد خللًا فدخل فيه حتى اقتلع السد وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ومزقوا كل مزق حتى صاروا مثلًا عند العرب يقولون: صار بنو فلان أيدي سبأ وتفرقوا أيادي سبأ أي: تفرقوا وتبددوا قيل: والأوس والخزرج منهم قال البقاعي: وكان ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ونبينا ﷺ
تنبيه: في العرم أقوال غير ما ذكر أحدها: أنه من باب إضافة الموصوف لصفته في الأصل إذ الأصل السيل العرم، والعرم: الشديد، وأصله من العرامة وهي الشراسة والصعوبة. الثاني: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه تقديره: فأرسلنا عليهم سيل المطر العرم أي: الشديد الكثير. الثالث: أن العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه قال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق وقيل: كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. الرابع: أنه اسم للجرذ وهو الفأر، وقيل: هو الخلد وإنما أضيف إليه لأنه تسبب عنه كما مر ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ أي: جعلنا لهم بدلهما ﴿جنتين﴾ هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم ولذلك فسرهما بقوله تعالى إعلامًا بأن إطلاق الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم ﴿ذواتي أكل خمط﴾ أي: ثمر بشع، والخمط الأراك وثمره يقال له: البرير هذا قول أكثر المفسرين وقال المبرد والزجاج: كل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو
[ ٣ / ٢٩١ ]
خمط وقال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فسوة الضبع على صورة الخشخاش لا ينتفع به، وعن أبي عبيدة كل شجر ذي شوك، وقرأ أبو عمرو أكل بغير تنوين، والباقون بالتنوين وسكن الكاف نافع وابن كثير وضمها الباقون قال البغوي: فمن جعل الخمط اسمًا للمأكول فالتنوين في أكل أحسن، ومن جعله أصلًا وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بستان فلان: أعناب كرم وأعناب كرم فتصف الأعناب بالكرم لأنها منه.
وقوله تعالى ﴿وأثل﴾ أي: وذواتي أثل ﴿وشيء من سدر قليل﴾ معطوفان على أكل لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودًا وقيل: هو نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمر إلا في بعض الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أخضر في طعمه وطبعه، والسدر: شجر معروف وهو شجر النبق وينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ولم يكن هذا من ذاك بل كان سدرًا بريًا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء، ولهذا قال بعضهم: السدر سدران: سدر له ثمرة غضة لا تؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغسال وهو الضال، وسدر له ثمرة تؤكل وهي النبق ويغسل بورقه والمراد في الآية الأول، وقال قتادة: كان شجرهم خير الشجر فغيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم.
تنبيه: قد نبهت في شرح المنهاج على أن الباء في الإبدال والتبديل والتبدل والاستبدال هل تدخل على المتروك أو على المأخوذ عند قول المنهاج ولو أبدل ضادًا بظاء.
﴿ذلك﴾ أي: الجزء العظيم بالتبديل ﴿جزيناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿بما كفروا﴾ أي: غطوا الدليل الواضح وهو ما جاء به الرسل، إذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبيًا فكذبوهم وقيل بكفرانهم النعمة ﴿وهل يجازى﴾ أي: مثل هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب ﴿إلا الكفور﴾ أي: إلا البليغ في الكفر، وقال مجاهد: يجازى أي: يعاقب ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة: يجزي قال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى أي: يجزي الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته وقال بعضهم: المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى ﴿ذلك جزيناهم﴾ يدل على أن يجزي في النقمة أيضًا قال ابن عادل: ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون ما بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدئ بالنعم، وقيل: المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما يفعله من السوء، وليس لقائل أن يقول: لم قيل وهل يجازى إلا الكفور على اختصاص الكفر بالجزاء والجزاء عام للمؤمن والكافر، لأنه لم يرد الجزاء العام إنما أراد الخاص، وهو العقاب بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه، ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلى الكافر والمؤمن لم يصح ولم يعد كلامًا فتبين أنما يتخيل من السؤال مضمحل، وإن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون مضمومة وكسر الزاي الكفور بالنصب والباقون بالياء المضمومة ونصب الزاي الكفور بالرفع.
ولما تم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة أتبعه مواضع السكان بقوله تعالى:
﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿بينهم﴾ أي: بين سبأ وهم بالمين
[ ٣ / ٢٩٢ ]
﴿وبين القرى التي باركنا فيها﴾ أي: بالتوسعة على أهلها بالماء والشجر، وغيرهما وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة ﴿قرى ظاهرة﴾ أي: متواصلة من اليمن إلى الشام ﴿وقدرنا فيها السير﴾ أي: بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء من سبأ إلى الشام.
وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام فلا يحملون شيئًا مما جرت به عوائد السفار فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، فكان ما بين اليمن والشام كذلك، فهي حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان بلسان القال أو الحال ﴿سيروا﴾ ودل على تقاربها جدًا قوله تعالى: ﴿فيها﴾ ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد مقدمًا لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله تعالى: ﴿ليالي﴾ وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله تعالى: ﴿وأيامًا﴾ أي: في أيّ وقت شئتم وإلى عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل مسلم بقوله ﴿آمنين﴾ أي: لا تخافون في ليل أو نهار وإن طالت مدة سفركم فيها، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن فلا تخافون عدوًا ولا جوعًا ولا عطشًا.
وقيل: تسيرون فيها إن شئتم ليالي، وإن شئتم أيامًا لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلًا لعدم علم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك نهارًا لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة.
ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببًا للضجر والملال بقوله تعالى:
﴿فقالوا﴾ أي: على وجه الدعاء ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ أي: إلى الشام أي: اجعلها مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل، وتزوّد الأزواد والماء فبطروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل لما طلبوا الثوم والبصل فأجابهم الله تعالى بتخريب القرى المتوسطة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بتشديد العين ولا ألف قبلها فعل طلب، والباقون بألف قبل العين وتخفيف العين، وقرئ بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطًا في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه ﴿وظلموا﴾ حيث عدوا النعمة نقمة والإحسان إساءة ﴿أنفسهم﴾ بالكفر ﴿فجعلناهم﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أحاديث﴾ أي: عبرة لمن بعدهم يتحدث الناس بهم تعجبًا وضرب مثل فيقولون: ذهبوا أيدي سبأ وتفرقوا أيادي سبأ قال كثير:
*أيادي سبا يا عزُّ ما كنت بعدكم فلم يحل للعينين بعدك منظر*
﴿ومزقناهم كل ممزق﴾ أي: فرقناهم في كل جهة من البلاد كل التفريق قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا بالشام، ومرّ الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومرّ خزيمة إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج ﴿إن في ذلك﴾ أي: المذكور ﴿لآيات﴾ أي: عبرًا ودلالات بينة
[ ٣ / ٢٩٣ ]
جدًا على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلقهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات والخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها، دليلٌ على أن الإنسان ما دام حيًا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرًا ما يرى النعم نقمًا، واللذة ألمًا، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة بقوله تعالى: ﴿لكل صبار﴾ على طاعة الله وعن معصيته ﴿شكور﴾ لنعمه قال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شكور على النعماء قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلى صبر، وقرأ قوله تعالى:
﴿ولقد صدّق عليهم إبليس﴾ أي: الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده، أو الإبلاس وهو اليأس من كل خير ليكون ذلك أبلغ في التبكيت والتوبيخ ﴿ظنه﴾ قرأه الكوفيون بتشديد الدال بعد الصاد أي: ظن فيهم ظنًا حيث قال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك﴾ (ص: ٨٢) ولا تجد أكثرهم شاكرين فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه، والباقون بالتخفيف أي: صدّق عليهم في ظنه بهم أي: على أهل سبأ كما قاله أكثر المفسرين حين رأى انهماكهم في الشهوات أو الناس كلهم كما قاله مجاهد أي: حين رأى أباهم آدم ضعيف العزم، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب أو سمع من الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ (البقرة: ٣٠) فقال: لأضلنهم ولأغوينهم، أو الكفار ومنهم سبأ كما قاله الجلال المحلي ﴿فاتبعوه﴾ أي: بغاية الجهد بميل الطبع وقوله ﴿إلا فريقًا من المؤمنين﴾ استثناء متصل على قول مجاهد ومنقطع على قول غيره، وقال السدي عن ابن عباس ﵁: يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقًا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون قال ابن قتيبة: إن إبليس لعنه الله تعالى لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى وقال ﴿لأغوينهم﴾ (الحجر: ٣٩)
و﴿لأضلنهم﴾ (النساء: ١١٩)
لم يكن مستيقنًا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم، وإنما قاله ظنًا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.
ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرًا بنفسه نفاه بقوله تعالى:
﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿كان﴾ أصلًا ﴿له عليهم﴾ أي: الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأغرق فيما هو الحق من النفي بقوله تعالى: ﴿من سلطان﴾ أي: تسلط قاهر بشيء من الأشياء بوجه من الوجوه، لأنه مثلهم في كونه عبدًا عاجزًا مقهورًا ذليلًا خائفًا مدحورًا قال القشيري: هو مسلط ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه والمعنى: أن الأمر لله وحده ﴿إلا﴾ أي: لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا، وملكناه قيادهم بقهرنا، وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: ﴿لنعلم﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿من يؤمن﴾ أي: يوجد الإيمان لله ﴿بالآخرة﴾ أي: ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تمييزه تعلقًا تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقًا به في عالم الغيب ﴿ممن هو منها﴾ أي: الآخرة ﴿في شك﴾ فهو لا يجدد لها إيمانًا أصلًا لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار إلا موضع لكن إشارة إلى أنه مكنه تمكينًا تامًا صار به كمن له سلطان حقيقي.
تنبيه: قال الرازي: إن علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد محيط لكل معلوم، وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالمًا لا يتغير، ولكن يتغير تعلق
[ ٣ / ٢٩٤ ]
علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله تعالى في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجودًا بذلك العلم وإذا عدم علمه معدومًا، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها عمر وتظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها، وإنما التغيير في الخارجيات، وكذا هنا قوله ﴿إلا لنعلم﴾ أي: ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن، وكان علم الله تعالى أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو وقال البغوي: المعنى إلا لنميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلومًا عنده بالغيب وقوله تعالى ﴿وربك﴾ أي: المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك واجتنابه عن أمتك ﴿على كل شيء﴾ من المكلفين وغيرهم ﴿حفيظ﴾ أي: حافظ أتم حفظ تحقيق ذلك إن الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز.
ولما بين تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى، عاد إلى خطابهم فقال تعالى لرسوله ﷺ
﴿قل﴾ أي: يا أعلم الخلق بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا من لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة ﴿ادعوا الذين زعمتم﴾ أي: أنهم آلهة كما تدعون الله تعالى لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي زعم وهما ضميرهم وآلهة تنبيهًا على استهجان ذلك واستبشاعه وليس المذكور في الآية مفعول زعم ولا قائمًا مقام المفعول لفساد المعنى، وبين حقارتهم بقوله تعالى: ﴿من دون الله﴾ أي: الذي حاز جميع، العظمة والمعنى: ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صحت دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارًا بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال: ﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾ من خير أو شر ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ أي: في أمر ما، وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة للخير والشر سماوية وأرضية، والجملة استئناف لبيان حالهم.
ولما كان هذا ظاهرًا في نفي الملك الخاص عن ثبوت المشاركة نفى المشاركة أيضًا بقوله تعالى: مؤكدًا تكذيبًا لهم فيما يدعونه ﴿وما لهم﴾ أي: الآلهة ﴿فيهما﴾ أي: في السموات والأرض ولا في غيرهما، ولا في فيما فيهما، وأغرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من شرك﴾ أي: شركة لا خلقًا ولا ملكًا ﴿وماله﴾ أي: الله ﴿منهم﴾ وأكد النفي بإثبات الجار فقال ﴿من ظهير﴾ أي: معين على شيء مما يريده من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف يصح مع هذا لعجز أن يدعوا كما يدعي، ويرجوا كما يرجي ويعبدوا كما يعبد.v
ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا عينها نفاه بقوله تعالى:
﴿ولا تنفع الشفاعة عنده﴾ أي: فلا تنفعهم شفاعة كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله ﴿إلا لمن أذن له﴾ أي: وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة، أو أكثر في أن يشفع في غيره وفي أن يشفع فيه غيره، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة والباقون بفتحها وقوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم انتظارًا للإذن وتوقعًا وتمهلًا وفزعًا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملئ من الزمان
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وطول من التربص، ومثل هذه الحال دل عليها قوله عز من قائل ﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح والملائكة صفًا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا﴾ (النبأ: ٣٧ - ٣٨)
كأنه قيل: يتوقعون ويتربصون مليًا فزعين ذاهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي: كشف الفزع عن قلوبهم أي: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن ﴿قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض ﴿ماذا قال ربكم﴾ أي: في الشفاعة ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن بذلك قلوبهم ﴿قالوا﴾ قال: القول ﴿الحق﴾ أي: الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابق الواقع فلا يكون شيء يخالفه وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى منهم وهم المؤمنون ﴿وهو العلي الكبير﴾ أي: ذو العلو فلا رتبة إلا دون رتبته والكبرياء، فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء صفقت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ﴿ماذا قال ربكم﴾ قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء» وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر وتكلم بالوحي أخذت السماء رجفة، أو قال: رعدة شديدة خوفًا من الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇ فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل ﵇ على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل: فيقول جبريل ﵇ ﴿قال الحق وهو العلي الكبير﴾
فيقولون كلهم مثل ما يقول جبريل ﵇، فينتهي جبريل ﵇ بالوحي حيث أمره الله تعالى» وقال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل: ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيًا، فلما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ كلم جبريل ﵇ بالرسالة إلى محمد ﷺ فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمدًا ﷺ عند أهل السموات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفًا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل ﵇ جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ يعني الوحي ﴿وهو العلي الكبير﴾ وقال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ﵈: ماذا قال ربكم في الدعاء قالوا: الحق فأقروا به حيث لم ينفعهم الإقرار.
ولما سلب تعالى عن شركائهم
[ ٣ / ٢٩٦ ]
أن يملكوا شيئًا من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، وأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى:
﴿قل من يرزقكم من السموات﴾ أي: بالمطر ﴿والأرض﴾ أي: بالنبات، وأفرد الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى: ﴿قل الله﴾ أي: إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت: إن رازقكم الله وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض﴾ (يونس: ٣١)
﴿أم من يملك السمع والأبصار﴾ (يونس: ٣١)
حتى قال: ﴿فسيقولون الله﴾ (يونس: ٣١)
ثم قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: ٣٢)
فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة يتلعثمون عنادًا وفرارًا وحذرًا من إلزام الحجة ونحوه قوله ﷿ ﴿قل من رب السموات والأرض قل الله أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا﴾ (الرعد: ١٦)
وأمر بأن يقول لهم بعد لاإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه ﴿وإنا أو إياكم﴾ أي: أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السموات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة ﴿لعلى هدى﴾ أي: في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ﴿أو في ضلال﴾ عن الحق ﴿مبين﴾ أي: بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال، وهذا ليس على طريق الشك لأنه ﷺ لم يشك أنه على هدى ويقين، وأن الكفار على ضلال مبين وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل البيان الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرًا يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ ونظيره قولهم: أخزى الله الكاذب مني ومنك، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد رسول الله ﷺ وأبا سفيان:
*أتهجوه ولست له بكفء فشر كما لخيركما الفداء*
*فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء*
مع العلم لكل أحد أنه ﷺ خير خلق الله كلهم.
تنبيه: ذكر تعالى في الهدى كلمة على، وفي الضلال كلمة في، لأن المهتدي كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي: وقال بعضهم: أو بمعنى الواو والألف فيه صلة كأنه يقول: وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال.
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿لا تسألون﴾ أي: من سائل ما ﴿عما أجرمنا﴾ أي: لا تؤاخذون به ﴿ولا نسأل﴾ أي: في وقت من الأوقات من سائل ما ﴿عما تعملون﴾ أي: من الكفر والتكذيب وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع حيث أسندوا الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين، وقيل: المراد
[ ٣ / ٢٩٧ ]
بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام.
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿يجمع بيننا ربنا﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثم يفتح﴾ أي: يحكم ﴿بيننا بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه وهو العدل والفضل من غير ظلم ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة والمبطلين النار ﴿وهو الفتاح﴾ أي: الحاكم الفاصل في القضايا المغلقة البليغ الفتح لما انغلق فلا يقدر أحد على فتحه ﴿العليم﴾ أي: البليغ العلم بكل دقيق وجليل فلا تخفى عليه خافية.
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿أروني﴾ أي: أعلموني ﴿الذين ألحقتم به﴾ أي: بالله ﴿شركاء﴾ أي: في العبادة هل يخلقون وهل يرزقون وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ أي: لا يخلقون ولا يرزقون ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة كما قال إبراهيم ﵇ ﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ (الأنبياء: ٦٧)
بعدما حجهم وقد نبه على تفاحش غلطهم بقوله تعالى: ﴿بل هو الله العزيز﴾ أي: الغالب على أمره الذي لا مثل له وكل شيء يحتاج إليه ﴿الحكيم﴾ أي: المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك، وأنتم ترون ما ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك.
تنبيه: في هذا الضمير وهو «هو» قولان: أحدهما: أنه عائد إلى الله تعالى أي: ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو الله والعزيز الحكيم صفتان. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن والله مبتدأ، والعزيز الحكيم خبر إن والجملة خبر هو.
فإن قيل: ما معنى قوله ﴿أروني﴾ وكان يراهم ويعرفهم أجيب: بأنه أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على أعينهم فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به.
ولما بين تعالى مسألة التوحيد شرع في الرسالة بقوله ﷾:
﴿وما أرسلناك﴾ أي: بعظمتنا ﴿إلا كافة للناس﴾ أي: إرسالًا عامًا شاملًا لكل ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام، وقول البيضاوي: ولا يجوز جعلها حالًا من الناس أي: لأن تقديم حال المجرور عليه كتقديم المجرور على الجار رده أبو حيان بقوله: هذا ما ذهب إليه الجمهور وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح انتهى. وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ويؤيده قوله ﷺ «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» ومن أمثلة أبي علي: زيد خير ما يكون خير منك والتقدير: زيد خير منك خير ما يكون وأنشد:
*إذا المرء أعيته المطالب ناشئًا فمطلبها كهلًا عليه شديد*
أي: فمطلبها عليه كهلًا وأنشد أيضًا:
*تسليت طرًا عنكم بعد بينكم بذكراكم حتى كأنكم عندي*
أي: عنكم طرًا، وقيل: أنه حال من كاف أرسلناك والمعنى: إلا جامعًا للناس في الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ورواية قاله الزجاج.
وقيل: إن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إرسالة كافة قال الزمخشري: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالًا ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر
[ ٣ / ٢٩٨ ]
محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضًا استعمالها صفة لموصوف محذوف قال البقاعي: وأما الجن فحالهم مشهور أي: أنه أرسل إليهم، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور انتهى.
وهذا هو اللائق بعموم رسالته وإن خالف في ذلك الجلال المحلي في «شرحه على جمع الجوامع»، وفي عموم رسالته ﷺ فضيلة على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلئن كان داود ﵇ فضل بطاعة الجبال له والطير وإلانة الحديد وسليمان ﵇ بما ذكر له، فقد فضل محمد ﷺ نبينا بإرساله إلى الناس كافة، والحصا سبح في كفه، والجبال أمرت بالسير معه ذهبًا وفضة، والحمرة شكت إليه أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد له بالرسالة والجمل شكا إليه وسجد له، والأشجار أطاعته والأحجار سلمت عليه وائتمرت بأمره وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر، وإنما ذكرت ذلك تبركًا بذكره ﷺ وأنا أسأل الله تعالى أن يشفع في وفي والدي وجميع أحبابي وبقية المسلمين أجمعين.
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار وكان في ذكرها رد لقولهم في الكذب والجنون قال تعالى ﴿بشيرًا﴾ أي: مبشرًا للمؤمنين بالجنة ﴿ونذيرًا﴾ أي: منذرًا للكافرين بالعذاب ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي: كفار مكة ﴿لا يعلمون﴾ فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
ولما سلب عنهم العلم اتبعه دليله كقوله تعالى معبرًا بصيغة المضارع الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد.
﴿ويقولون﴾ من فرط جهلهم بعاقبة ما يوعدونه ﴿متى هذا الوعد﴾ أي: البشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدًا زيادة في الاستهزاء.
ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول وأبعد عن الرد من قول الواحد أشار إلى زيادة جهلهم بقوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ أي: أيها النبي وأتباعه ﴿صادقين﴾ أي: متمكنين في الصدق.
﴿قل لكم﴾ أي: أيها الجاحدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات أو لا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات ﴿ميعاد يوم﴾ أي: لا يحتمل القول وصف عظمه لما يأتي فيه لكم من العقاب سواء كان يوم الموت كما قاله الضحاك أو البعث كما قاله أكثر المفسرين ﴿لا تستأخرون﴾ أي: لا يوجب تأخركم ﴿عنه ساعة﴾ لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ولذلك قال: ﴿ولا تستقدمون﴾ أي: لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك.
فإن قيل: كيف انطبق هذا جوابًا عن سؤالهم؟ أجيب: بأنهم ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتًا لا استرشادًا فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقًا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون بيوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرًا عنه ولا تقدمًا عليه.
﴿وقال الذين كفروا﴾ مؤكدين قطعًا للأطماع عن دعائهم ﴿لن نؤمن﴾ أي: نصدق أبدًا وصرحوا بالمنزل عليه ﷺ بالإشارة فقالوا: ﴿بهذا القرآن﴾ أي: وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المتضمنة لبقية الكتب ﴿ولا بالذي بين يديه﴾ أي: قبله من الكتب التوراة والإنجيل وغيرهما بل نحن قانعون بما وجدنا عليه آباءنا، وذلك لما روي أن كفار مكة سألوا بعض أهل الكتاب فأخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله في الكفر بها فكفروا بها
[ ٣ / ٢٩٩ ]
جميعًا.
وقيل: الذي بين يديه يوم القيامة، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة.
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال تعالى لرسوله ﷺ أو للمخاطب: ﴿ولو﴾ أي: والحال أنك لو ﴿ترى﴾ أي: يوجد منك رؤية لحالهم ﴿إذا الظالمون﴾ أي: الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر من غير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه ﴿موقوفون﴾ أي: بعد البعث بأيدي جنوده أو غيرها بأيسر أمر منه ﴿عند ربهم﴾ أي: في موضع المحاسبة ﴿يرجع بعضهم﴾ أي: على وجه الخصام عداوة كان سببها مواددة في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله تعالى ﴿إلى بعض القول﴾ أي: بالملامة والمباكتة والمخاصمة.
تنبيه: مفعول ترى وجواب لو محذوفان للفهم أي: لو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم راجعًا بعضهم إلى بعض القول لرأيت حالًا فظيعة وأمرًا منكرًا ويرجع حال من ضمير موقوفون، والقول مفعول يرجع، لأنه يتعدى قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾ (التوبة: ٨٣)
وقوله تعالى ﴿يقول الذين استضعفوا﴾ أي: وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحال على سبيل اللوم ﴿للذين استكبروا﴾ أي: أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون ﴿لولا أنتم﴾ أي: لولا ضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان ﴿لكنا مؤمنين﴾ أي: باتباع الرسول تفسير لقوله تعالى: ﴿يرجع﴾ فلا محل له قال ابن عادل: وأنتم بعد لولا مبتدأ على أصح المذاهب وهذا هو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد لولا أي: وغيره فصيح خلافًا للمبرد حيث جعل خلاف هذا لحنًا، وأنه لم يرد إلا في قول زياد: وكم موطن لولاي وإلا قيس جعل الياء ضمير نصب أو جر قام مقام ضمير الرفع وسيبويه جعله ضمير جر.
ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ذكر الجواب عنها بقوله تعالى:
﴿قال الذين استكبروا﴾ على طريق الاستئناف ﴿للذين استضعفوا﴾ ردًا عليهم وإنكارًا لقولهم إنهم هم الذين صدوهم ﴿أنحن﴾ خاصة ﴿صددناكم﴾ أي: منعناكم ﴿عن الهدى بعد إذ جاءكم﴾ أي: على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لم نفعل ذلك؛ لأن المانع ينبغي أن يكون أرجح من المقتضى حتى يعمل عمله، والذي جاء به الرسل هو الهدى والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئًا يوجب الامتناع من قبول ما جاؤوا به فلم يصح تعلقكم بالمانع، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم، والباقون بالإدغام وأمال الألف بعد الجيم حمزة وابن ذكوان وفتحها الباقون، وكذا الإظهار والإدغام في ﴿إذ تأمروننا﴾ (سبأ: ٢٣)
وإذا وقف حمزة على ﴿جاءكم﴾ سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضًا إبدالها ألفًا مع المد والقصر ﴿بل كنتم﴾ أي: جبلة وخلقًا ﴿مجرمين﴾ أي: كافرين لاختياركم لأقوالنا وتسويلنا.
فإن قيل: إذ وإذا من الظروف الملازمة للظرفية فلم وقعت إذ مضافًا إليها؟
أجيب: بأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان كما أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذٍ ويومئذٍ.
ولما أنكر المستكبرون بقولهم: ﴿أنحن صددناكم﴾ أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين واثبتوا بقولهم ﴿بل كنتم مجرمين﴾ أن
[ ٣ / ٣٠٠ ]
ذلك بكسبهم واختيارهم كر عليهم المستضعفون كما قال تعالى:
﴿وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا﴾ ردًا لإنكارهم صدهم ﴿بل﴾ أي: الصاد لنا ﴿مكر الليل والنهار﴾ أي: الواقع فيهما من مكركم فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم بنا ليلًا ونهارًا ﴿إذ تأمروننا أن نكفر بالله﴾ أي: الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل ﴿ونجعل له أندادًا﴾ أي: شركاء نعبدهم من دونه، فإن قيل: لم قيل ﴿قال الذين استكبروا﴾ بغير عطف وقيل ﴿وقال الذي استضعفوا﴾ أجيب: بأن الذين استضعفوا مر أولًا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول.
تنبيه: يجوز رفع مكر من ثلاثة أوجه:
أحدها: الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين كما مر.
الثاني: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي: مكر الليل صدنا.
الثالث: العكس أي: سبب كفرنا مكركم وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم ليل ماكر والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام كقول الشاعر:
* ونمت وما ليل المطي بنائم*
فيكون مصدرًا مضافًا لمرفوعه، وأما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مصدرًا مضافًا لمفعوله قال ابن عادل: وهذا أحسن من قول من قال: إن الإضافة بمعنى في أي: مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في محل النزاع وقيل مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ (الحديد: ١٦)
تنبيه: قوله تعالى أولًا يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ﴿الذين استضعفوا﴾ بلفظ المستقبل، وقوله تعالى في الآيتين الأخيرتين ﴿وقال الذين استكبروا﴾ ﴿وقال الذين استضعفوا﴾ بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع، أشار به إلى أن ذلك لا بد من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (الزمر: ٣٠)
وأما الاستقبال فعلى الأصل ﴿وأسروا﴾ أي: الفريقان ﴿الندامة﴾ من المستكبرين والمستضعفين وهم الظالمون في قوله تعالى ﴿إذا الظالمون موقوفون﴾ (سبأ: ٣١)
يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين ﴿لما﴾ أي: حين ﴿رأوا العذاب﴾ أي: حين رؤية العذاب أخفاها كل عن رفيقه مخافة التعبير.
وقيل: معنى الإسرار والإظهار وهو من الأضداد أي: أظهروا الندامة قال ابن عادل: ويحتمل أن يقال: إنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله تعالى بقولهم ﴿أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا﴾ (السجدة: ١٢)
وأجيبوا: بأن لامرد لكم فأسروا ذلك القول وقوله تعالى ﴿وجعلنا الأغلال﴾ أي: الجوامع التي تغل اليد إلى العنق ﴿في أعناق الذين كفروا﴾ يعم الأتباع والمتبوعين جميعًا، وكان الأصل في أعناقهم ولكن جاء بالظاهر تنويهًا بذمهم وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهذه إشارة إلى كيفية عذابهم ﴿هل يجزون﴾ أي: بهذه الأغلال ﴿إلا ما﴾ أي: إلا جزاء ما ﴿كانوا يعملون﴾ أي: على سبيل التجديد والاستمرار.k
ولما كان في هذا تسلية أخروية للنبي ﷺ أتبعه التسلية الدنيوية بقوله تعالى:
﴿وما أرسلنا﴾ أي: بعظمتنا ﴿في قرية﴾ وأكد النفي بقوله تعالى: ﴿من نذير إلا قال مترفوها﴾ رؤساؤها
[ ٣ / ٣٠١ ]
الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان ولذلك قالوا لرسلهم: ﴿إنا بما أرسلتم به﴾ أي: أيها المنذرون ﴿كافرون﴾ أي: وإذا قال المتنعمون ذلك تبعهم المستضعفون.
﴿وقالوا﴾ أي: المترفون أيضًا متفاخرين ﴿نحن أكثر أموالًا وأولادًا﴾ أي: في هذه الدنيا ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك، فاعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم فعلى قياسهم ذلك قالوا: ﴿وما نحن بمعذبين﴾ أي: إن الله تعالى قد أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة، ثم إن الله ﷾ بين خطاهم بقوله تعالى: لنبيه ﷺ
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿إن ربي﴾ أي: المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية ﴿يبسط الرزق﴾ أي: يوسعه في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها ﴿لمن يشاء﴾ امتحانًا ﴿ويقدر﴾ أي: يضيقه على من يشاء ابتلاء بدليل مقابلته بيبسط وهذا هو الطباق البديعي، فالرزق في الدنيا لا تدل سعته على رضا الله تعالى ولا ضيقه على سخطه فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع،، وربما عكس وربما وسع عليهما وضيق عليهما، وكم من موسر شقي وكم من معسر تقي ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي: كفار مكة ﴿لا يعلمون﴾ أي: ليس لهم علم فيتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلمون أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيدًا في عقباه ولا كل مضيق عليه في دنياه شقيًا.
ثم بين تعالى فساد استدلالهم بقوله ﷾:
﴿وما أموالكم﴾ أي: أيها الخلق الذي أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحًا بإبطال كل على حياله فقال ﴿ولا أولادكم﴾ كذلك ﴿بالتي﴾ أي: بالأموال والأولاد التي ﴿تقر بكم عندنا﴾ أي: على مالنا من العظمة ﴿زلفى﴾ أي: درجة علية وقربة مكينة.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿بالتي تقربكم﴾ (سبأ: ٣٧)
صفة للأموال والأولاد كما تقرر لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة وقال الفراء والزجاج أنه: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا: والتقدير: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقر بكم ولا حاجة إلى هذا، ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة للأموال والأولاد معًا وهو الصحيح، وجعل الزمخشري «التي» صفة لموصوف محذوف قال: ويجوز أن تكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله تعالى زلفى وحدها أي: ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب قال أبو حيان: ولا حاجة إلى هذا الموصوف انتهى. وزلفى: مصدر من معنى الأول إذ التقدير: تقربكم قربى وقال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريبًا وأمالها حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح وقوله تعالى: ﴿إلا من آمن وعمل صالحًا﴾ أي: تصديقًا لإيمانه على ذلك الأساس استثناء من مفعول تقربكم أي: الأموال والأولاد لا تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح، أو من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف إلى إلا أموال وأولاد من آمن وعمل صالحًا ﴿فأولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿لهم جزاء الضعف﴾ أي: أن يأخذوا جزاءهم مضاعفًا في نفسه من عشرة أمثاله إلى ما لا نهاية له ﴿بما عملوا﴾ فإن أعمالهم ثابتة محفوظة
[ ٣ / ٣٠٢ ]
بأساس الإيمان، ثم زاد وقال تعالى ﴿وهم في الغرفات﴾ أي: العلالي المبنية فوق البيوت في الجنات زيادة على ذلك ﴿آمنون﴾ أي: ثابت أمانهم دائمًا لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلًا، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم، وقرأ حمزة بسكون الراء ولا ألف بعد الفاء على التوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه، وقد أجمع على التوحيد في قوله تعالى: ﴿يجزون الغرفة﴾ (الفرقان: ٧٥)
ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس، والباقون بضم الراء وألف بعد الفاء على الجمع جمع سلامة، وقد أجمع على الجمع في قوله تعالى ﴿لنبوأنهم من الجنة غرفًا﴾ (العنكبوت: ٥٨)
ثم بين حال المسيء وهو من يبعده ماله وولده من الله تعالى بقوله ﷾:
﴿والذين يسعون﴾ أي: يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم ﴿في﴾ إبطال ﴿آياتنا﴾ أي: حجتنا على ما لها من عظمة الانتساب إلينا ﴿معجزين﴾ أي: طالبين تعجيزها أي: تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مرادهم بها بما يلقون من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿في العذاب﴾ أي: المزيل للعذوبة ﴿محضرون﴾ أي: يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله.
﴿قل﴾ أي: يا أشرف الخلق لجميع الخلق ومنهم هؤلاء ﴿إن ربي﴾ أي: المحسن إلي بهذا البيان وغيره ﴿يبسط الرزق﴾ أي: يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ متى شاء ﴿من عباده﴾ امتحانًا ﴿ويقدر﴾ أي: يضيقه ﴿له﴾ بعد البسط ابتلاء قال البيضاوي: فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين فلا تكرار.
ولما بين بهذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب السلامة من النار دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ أي: فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلًا بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلًا بالثواب الذي كل خلف دونه، وعن سعيد بن جبير ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، وعن الكلبي ما تصدقتم من صدقة أو أنفقتم في خير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وعن مجاهد من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر ولا يتأول ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ (سبأ: ٣٩)
فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه فدل ذلك على أنه مختص بالإخلاف لأنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎ أنفق ينفق عليك» ولمسلم: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» وعن أبي هريرة أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» وعنه أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت أحد صدقة من مال وما زاد الله رجلًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ﷿» وعن عبد الحميد بن الحسن الهلالي قال: أنبأنا محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «كل معروف صدقة»
[ ٣ / ٣٠٣ ]
«وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة» «وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة» قلت: ما معنى وقى به عرضه قال: ما أعطى الشاعر وذا اللسان المتقي، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنًا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية الله ﷿ قوله: قلت ما معنى مقول عبد الحميد لمحمد بن المكندر ﴿وهو خير الرازقين﴾ فإن قيل: قوله تعالى خير الرازقين ينبئ عن كثرة الرازقين ولا رازق إلا الله تعالى أجيب: بأن الله تعالى هو خير الرازقين الذين يغذونهم هذا الغذاء ممن يقيمهم الله تعالى فيضيفون الرزق إليهم، لأن كل من يرزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله فهو واسطة لا يقدر إلا على ما قدره الله، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ويرزق من يطيعه ومن يعصيه ولا يضيق رزقه بأحد ولا يشغله فيه أحد عن أحد وعن بعضهم الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فيجد فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي، وقرأ أبو عمر وقالون والكسائي فهو يخلفه بسكون الهاء والباقون بالضم.
ولما بين تعالى أن حال النبي ﷺ كحال من تقدمه من الأنبياء وحال قومه كحال من تقدم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم، بين ما يكون عاقبة حالهم بقوله تعالى:
﴿ويوم يحشرهم﴾ أي: نجمعهم جمعًا بكره بعد البعث وعم التابع والمتبوع بقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾ فلم نغادر منهم أحدًا، وقرأ حفص يحشرهم ثم يقول بالياء والباقون بالنون.
ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال تعالى: ﴿ثم نقول للملائكة﴾ أي: توبيخًا للكافرين وإقناطًا مما يرجون منهم من الشفاعة ﴿أهؤلاء﴾ أي: الضالون وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصًا بقوله تعالى: ﴿إياكم﴾ أي: خاصة ﴿كانوا يعبدون﴾ فهذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر:
إياك أعني واسمعي يا جارة ونحوه قوله ﷿: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (المائدة: ١١٦)
وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين براء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا فيكون تقريعهم أشد وتعييرهم أبلغ وخجلهم أعظم ولذلك:
﴿قالوا﴾ أي: الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعًا بين يدي البراءة خوفًا ﴿سبحانك﴾ أي: تنزهك تنزيهًا يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد ﴿أنت ولينا﴾ أي: معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره ﴿من دونهم﴾ أي: ليس بيننا وبينهم ولاية بل عداوة، وكذا كان من تقرب إلى شخص بمعصية الله تعالى فإنه يقسى الله تعالى قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه.
ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم ﴿بل كانوا يعبدون الجن﴾ أي: إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة.
وقيل: صورت الشياطين لهم صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الجن فاعبدوها ثم استأنفوا قولهم ﴿أكثرهم﴾ أي: الإنس ﴿بهم﴾ أي: الجن ﴿مؤمنون﴾ أي: راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم.
وقيل: الضمير الأول
[ ٣ / ٣٠٤ ]
للمشركين والأكثر: بمعنى الكل وقيل: منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن غيرهم وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات.
ولما بطلت تمسكاتهم وانقطعت تعلقاتهم تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عن تنديمهم بقوله تعالى: بلسان العظمة:
﴿فاليوم﴾ أي: يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر ﴿لا يملك﴾ أي: شيئًا من الملك ﴿بعضكم لبعض﴾ أي: من المقربين والمبعدين ﴿نفعًا ولا ضرًا﴾ بل تنقطع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه.
فإن قيل: قوله تعالى نفعًا مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضر مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك أجيب: بأن العبادة لما كانت تقع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبار ويخدم مخافة شره بين أنه ليس فيهم ذلك الوجه الذي تحسن لأجله عبادتهم وقوله تعالى: ﴿ونقول﴾ أي: في ذلك الحال من غير إمهال ﴿للذين ظلموا﴾ أي: بوضع العبادة في غير موضعها عند إدخالهم النار ﴿ذوقوا عذاب النار التي كنتم﴾ أي: جبلة وطبعًا ﴿بها تكذبون﴾ عطف على لا يملك فبين المقصود من تمهيده، فإن قيل: قوله ههنا التي كنتم بها صفة للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار، وجعل المكذب في السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته أجيب: بأنهم كانوا متلبسين بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ (السجدة: ٢٠)
فوصف لهم ما لابسوه وهنا لم يلابسوه بعد لأنه عقب حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾ .
﴿وإذا تتلى عليهم﴾ أي: في وقت من الأوقات من أي تال كان ﴿آياتنا﴾ أي: من القرآن حال كونها ﴿بينات﴾ أي: واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ ﴿قالوا ما هذا﴾ يعنون محمدًا ﷺ ﴿إلا رجل﴾ أي: مع كونه واحدًا هو مثل واحد من رجالكم وتزيدون أنتم عليه بالكثرة ﴿يريد أن يصدكم﴾ بهذا الذي يتلوه ﴿عما كان يعبد آباؤكم﴾ من الأصنام أي: لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعًا فعارضوا البرهان بالتقليد ﴿وقالوا ما هذا﴾ أي: القرآن وقيل: القول بالوحدانية ﴿إلا أفك﴾ أي: كذب مصروف عن وجهه ﴿مفتري﴾ بإضافته إلى الله تعالى كقوله تعالى في حقهم ﴿أئفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ (الصافات: ٨٦)
وكقولهم للرسول ﴿أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا﴾ (الأحقاف: ٢٢)
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلت عليه العقول من جهة القرآن ﴿للحق﴾ أي: الهدى الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقيقة فيه ﴿لما جاءهم﴾ من غير نظر ولا تأمل ﴿أن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: الثابت الذي لا شيء أثبت منه ﴿إلا سحر﴾ أي: خيال لا حقيقة له ﴿مبين﴾ أي: ظاهر قال ابن عادل: وهذا إنكار للتوحيد وكان مختصًا بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقًا عليه بين المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا﴾ على العموم انتهى. ولم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية والعلق الشهوانية قال الطفيل بن عمرو الدوسي ذو النور: «لقد أكثروا علي في أمره ﷺ حتى حشوت في أذني ماء الكرفس خوفًا من أن يخلص إلي
[ ٣ / ٣٠٥ ]
شيء من كلامهم فيفتنني، ثم أراد الله تعالى لي الخير فقلت واثكل أمي إني والله للبيب عاقل شاعر ولي معرفة بغث الكلام من سمينه فما لي لا أسمع منه فإن كان حقًا تبعته، وإن كان باطلًا كنت منه على بصيرة أو كما قال قال: فقصدت النبي ﷺ فقلت: أعرض على ما جئت به فلما عرضه علي قلت: بأبي وأمي ما سمعت قولًا قط هو أحسن منه ولا أمرًا أعدل منه فما توقفت في أن أسلمت ثم سأل النبي ﷺ في أن يدعو له الله تعالى أن يعطيه آية يعينه بها على قومه، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته فخشي أن يظنوا أنها مثلة فدعا الله تعالى بتحويله فتحول في طرف سوطه فأعانه الله تعالى على قومه فأسلموا» .
تنبيه: في تكرير الفعل وهو قال: والتصريح بذكر الكفرة وما في لامي الذين والحق من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في لما من المفاجأة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم للقول وتعجيب بليغ منه.
ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع بين ذلك بقوله تعالى:
﴿وما﴾ أي: قالوا ذلك والحال أنا ما ﴿آتيناهم﴾ أي: هؤلاء العرب ﴿من كتب﴾ أصلًا لأنهم لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وأتى بصيغة الجمع مع تأكيد النفي قبل كتابك الجامع ﴿يدرسونها﴾ أي: يجددون دراستها كل حين فيها دليل على صحة الإشراك ﴿وما أرسلنا﴾ أي: إرسالًا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة ﴿إليهم﴾ أي: خاصة بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم فهم مقصودون بالذات لا أنهم داخلون في عموم أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف وفي جميع الزمان الذي ﴿قبلك﴾ أي: قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ﴿من نذير﴾ أي: ليكون عندهم قول منه يدعوهم إلى الإشراك أو ينذرهم على تركه وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم، ثم هددهم بقوله تعالى:
﴿وكذب الذين من قبلهم﴾ أي: من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء من التكذيب، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر ﴿وما بلغوا﴾ أي: هؤلاء ﴿معشار ما آتيناهم﴾ أي: عشرًا صغيرًا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل ﴿فكذبوا﴾ أي: بسبب ما طبعوا عليه من العناد ﴿رسلي﴾ إليهم ﴿فكيف كان نكير﴾ أي: إنكاري على المكذبين لرسلي بالعقوبة والإهلاك أي: هو واقع موقعه فليحذر هؤلاء من مثله ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير أي: فعلوا التكذيب كثيرًا فكان سببًا لتكذيب الرسل والثاني: للتكذيب أو الأول: مطلق والثاني: مقيد ولذلك عطف عليه.
﴿قل إنما أعظكم﴾ أي: أرشدكم وأنصح لكم ﴿بواحدة﴾ أي: بخصلة واحدة هي ﴿أن تقوموا﴾ أي: توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد ﴿لله﴾ أي: الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم ﴿مثنى﴾ أي: اثنين اثنين قال البقاعي: وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل ﴿وفرادى﴾ أي: واحدًا واحدًا من وثق بنفسه في رصانة عقله وإصابة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إذا نسي ويقومه إذا زاغ، ولم يذكر غيرهما من الأقسام لأن الازدحام
[ ٣ / ٣٠٦ ]
يشوش الخواطر ويخلط القول.
ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيمًا جديرًا بأن يهتم له هذا الاهتمام أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى: ﴿ثم تتفكروا﴾ أي: في أمر محمد ﷺ وما جاء به لتعلموا حقيته ﴿ما بصاحبكم﴾ أي: رسولكم الذي أرسل إليكم وهو محمد ﷺ ﴿من جنة﴾ أي: جنون يحمله على ذلك ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: المحدث عنه بعينه ﴿إلا نذير﴾ أي: خالص إنذاره ﴿لكم بين يدي﴾ أي: قبل حلول ﴿عذاب شديد﴾ أي: في الآخرة إن عصيتموه، روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: «صعد رسول الله ﷺ الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا: بلى قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله تعالى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ (المسد: ١)
ولما انتفى عنه بهذا ما تخيلوا به بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم يا أشرف الخلق ﴿ما﴾ أي: مهما ﴿سألتكم من أجر﴾ أي: على دعائي لكم من الإنذار والتبليغ ﴿فهو لكم﴾ أي: لا أريد منه شيئًا وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله تعالى أجرًا أصلًا بوجه من الوجوه فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلًا ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله تعالى الذي له الأمر كله ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أجرى﴾ أي: ثوابي ﴿إلا على الله﴾ أي: الذي لا أعظم منه فلا ينبغي لذي همة أن يطلب شيئًا إلا من عنده ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿على كل شيء شهيد﴾ أي: حفيظ مهيمن بليغ العلم بأحوالي فيعلم صدقي وخلوص نيتي، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أجرى في الوصل بفتح الياء، والباقون بالسكون.
﴿قل﴾ أي: لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر ﴿إن ربي﴾ أي: المحسن إليّ بأنواع الإحسان ﴿يقذف بالحق﴾ أي: يلقيه إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل إلى أقطار الآفاق فيكون وعدًا بإظهار الإسلام وإفشائه ﴿علام الغيوب﴾ أي: ما غاب عن خلقه في السموات والأرض.
تنبيه: في رفع علام أوجه: أظهرها: أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ مضمر، أو بدل من الضمير في يقذف وقال الزمخشري: رفع محمول على محل أن واسمها أو على المستكن في يقذف يعني بقوله محمول على محل إن واسمها النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم، ويريد بالحمل على الضمير في يقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي، وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم.
﴿قل﴾ لهؤلاء ﴿جاء الحق﴾ أي: الإسلام وقيل: القرآن وقيل: كل ما ظهر على لسان النبي ﷺ وقيل: المعجزات الدالة على نبوة محمد ﷺ وقيل: المراد من جاء الحق أي: ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر وأكد تكذيبًا لهم في ظنهم أنهم يغلبون بقوله تعالى: ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿يبدئ الباطل﴾ أي: الذي أنتم عليه من الكفر ﴿وما يعيد﴾ أي: ذهب فلم تبق منه بقية مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلًا في الهلاك ومنه قول عبيد:
[ ٣ / ٣٠٧ ]
*أقفر من أهيله عبيد أصبح لا يبدي ولا يعيد*
والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ (الإسراء: ٨١)
وعن ابن مسعود: «دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعود ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: ٨١)
﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ (سبأ: ٤٩)
وقيل: الباطل إبليس أي: ما ينشئ خلقًا ولا يعيده، والمنشئ والباعث هو الله تعالى، وعن الحسن لا يبدئ لأهله خيرًا ولا يعيده أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة وقال الزجاج: أي: شيء ينشئه إبليس ويعيده فجعله للاستفهام وقيل: للشيطان الباطل لأنه صاحب الباطل، ولأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك وحينئذ يكون غير منصرف وإن جعلته من شطن كان منصرفًا.
ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادًا أنت ضال ليس بك جنون ولا كذب، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن الجمعة قال تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الإنصاف وتعليم الأدب ﴿إن ضللت﴾ أي: عن الطريق على سبيل الفرض ﴿فإنما أضل على نفسي﴾ أي: إثم إضلالي عليها ﴿وإن اهتديت فبما﴾ أي: فاهتدائي إنما هو بما ﴿يوحى إلي ربي﴾ أي: المحسن إلي من القرآن والحكمة لا بغيره فلا يكون فيه ضلال لأنه لاحظ للنفس فيه أصلًا، فإن قيل: أين التقابل بين قوله تعالى: ﴿فإنما أضل على نفسي﴾ وقوله تعالى: ﴿فيما يوحي إلى ربي﴾ وإنما كان يقال: فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدى لها كقوله تعالى ﴿من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ (فصلت: ٤٦)
وقوله تعالى: ﴿فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ (الزمر: ٤١)
أو يقال فإنما أضل نفسي أجيب: بأنهما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس كل ما عليها فهو بسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ربه وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلاله محله وسداد طريقه كان غيره أولى به، وفتح الياء من ربي عند الوصل نافع وأبو عمرو الباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد، ثم علل الضلال والهداية بقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: ربي ﴿سميع﴾ أي: لكل ما يقال ﴿قريب﴾ أي: يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله وإن أخفاه.
ولما أبطل تعالى شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه عطف على ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ .
﴿ولو ترى﴾ أي: تبصر يا أشرف الخلق ﴿إذ فزعوا﴾ أي: عند الموت أو البعث أو يوم بدر، وجواب لو محذوف نحو: لرأيت أمرًا عظيمًا ﴿فلا﴾ أي: فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا ﴿فوت﴾ أي: لهم منا لأنهم في قبضتنا، ثم حقر أمرهم بالبناء للمفعول بقوله تعالى: ﴿وأخذوا﴾ أي: عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء أكان قبل الموت أم بعده ﴿من مكان قريب﴾ أي: القبور أو من الموقف إلى النار، أو من صحراء بدر إلى القليب وقال الكلبي: من تحت أقدامهم، وقيل: أخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها وحيثما كانوا فهم من الله تعالى قريب لا يفوتونه، والعطف على فزعوا أو لا فوت.
﴿وقالوا﴾ أي: عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب ﴿آمنا به﴾ أي: القرآن الذي قالوا: إنه أفك
[ ٣ / ٣٠٨ ]
مفترى أو محمد ﷺ الذي قالوا: إنه ساحر ﴿وأنى﴾ أي: وكيف ومن أين ﴿لهم التناوش﴾ أي: تناول الإيمان تناولًا سهلًا ﴿من مكان بعيد﴾ أي: عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا، ولا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل وهذا تمثيل لحالهم في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال من أراد أن يتناول شيئًا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولًا سهلًا لا تعب فيه، فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿من مكان بعيد﴾ وقد قال تعالى في كثير من المواضع أن الآخرة من الدنيا قريب، وسمى الله تعالى الساعة قريبة فقال ﴿اقتربت الساعة﴾ (القمر: ١)
﴿اقترب للناس حسابهم﴾ (الأنبياء: ١)
﴿لعل الساعة قريب﴾ (الشورى: ١٧)
أجيب: بأن الماضي كالأمس الدابر وهو من أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي بعد الألف بهمزة مضمومة والباقون بعد الألف بواو مضمومة فمعناه على هذا: كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد كان قريبًا في الدنيا فضيعوه، وأما من همز فقيل معناه هذا أيضًا.
وقيل: التناؤش بالهمز من التنؤش الذي هو حركة في إبطاء يقال: جاء منئشًا أي: مبطئًا متأخرًا والمعنى: من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه قال ابن عباس: يسألون الرد فيقال: وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي: من الآخرة إلى الدنيا وأمال أنى محضة حمزة والكسائي، وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح.
﴿وقد﴾ أي: كيف لهم ذلك والحال أنهم قد ﴿كفروا به﴾ أي: بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به محمد ﷺ أو القرآن أو البعث ﴿من قبل﴾ أي: في دار العمل ﴿و﴾ الحال أنهم حال كفرهم ﴿يقذفون﴾ أي: يرمون ﴿بالغيب﴾ ويتكلمون بما يظهر لهم في الرسول ﷺ من المطاعن وهو قولهم: ساحر وشاعر وكاهن، وفي القرآن سحر شعر كهانة وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار ﴿من مكان بعيد﴾ أي: ما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة وهذا تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئًا ولا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه.
﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ أي: من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار والفوز بالجنة، أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم ﴿أرجعنا نعمل صالحًا﴾، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم الحاء وهو المسمى بالإشمام والباقون بكسرها ﴿كما فعل﴾ أي: بأيسر وجه ﴿بأشياعهم﴾ أي: أشباهم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم ﴿من قبل﴾ أي: قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم بل كان كلما كذب أمة رسولها أخذناها فإذا أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا فلم يقبل منهم ذلك ولا نفعهم شيئًا لا بالكف عن إهلاكهم ولا لإدراكهم شيئًا من الخير بعد إهلاكهم ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: ٣٧)
ثم علل عدم الوصول إلى قصدهم بقوله تعالى: مؤكدًا لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم ﴿إنهم كانوا﴾ أي: في دار القبول ﴿في شك﴾ أي: في جميع ما تخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء والبعث وغير ذلك ﴿مريب﴾ أي: موقع في الريبة فهو بليغ
[ ٣ / ٣٠٩ ]
في بابه كما يقال: عجب عجيب أو هو واقع في الريب كما يقال: شعر شاعر أي: ذو شعر فهو اسم فاعل من أراب أي: أتى بالريب أو دخل فيه أي: أوقعته في الريب، ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز قال الزمخشري: إلا أن بينهما فرقًا وهو أن المريب من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريبًا من الأعيان إلى المعني، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر انتهى، وقول البيضاوي تبعًا للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقًا ومصافحًا» حديث موضوع.