حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها
أما في غير الصلاة:
فأكثر القراء على الجهر بها (١)، وروي عن بعضهم إخفاؤها، منهم حمزة، ونافع (٢)، وروي عنهما الجهر بها (٣).
وأخذ بعض أهل الأداء بالتسمية جهرًا لجميع القراء وأخذ بعض أهل الأداء لهم إخفاءها (٤).
وأما في الصلاة فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول:
أنه يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، والإسرار بها في الصلاة السرية.
وهو مروي عن عمر، وعلي وعبد الله بن الزبير (٥) وابن عباس وابن
_________________
(١) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١١ - ١٢، «النشر» ١: ٢٦٥.
(٢) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١١ - ١٢.
(٣) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٥، «الكشف عن وجوه القراءات» ١: ١١ - ١٢، «النشر» ١: ٢٧١.
(٤) انظر «الإقناع في القراءات السبع «١: ١٦٢.
(٥) أخرجه عن عمر، وابن الزبير ابن أبي شيبة في «المصنف» ١: ٤١٢، وأخرجه عنهما وعن علي البيهقي- في الصلاة- باب قراءة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ٢: ٤٨ - ٤٩.
[ ١٣٧ ]
عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان (١)، وشداد بن أوس (٢) - ﵃ -.
ومن التابعين: سعيد بن جبير (٣)، ومحمد بن شهاب الزهري (٤)، ومجاهد وعطاء وطاوس (٥).
وحكاه ابن كثير - أيضًا (٦) - عن عكرمة، وأبي قلابة، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر ونافع مولى ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، وعبد الله بن معقل بن مقرن، وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية وعمرو بن دينار.
_________________
(١) أخرجه عن ابن عمر وأبي هريرة ابن أبي شيبة ١: ٤١٢، وأخرجه عن ابن عمر وابن عباس- النحاس في «القطع والائتناف» ١: ١٠٤ - ١٠٥، وأخرجه عنهم وعن معاوية- البيهقي ٢: ٤٦ - ٥٠.
(٢) أخرجه عن شداد النحاس في «القطع والائتناف» ١: ٤.
(٣) أخرجه عن سعيد بن جبير - عبد الرزاق- في الصلاة- باب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) - الأثر ٢٦١٤، وابن أبي شيبة ١: ٤١٢، والنحاس في «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.
(٤) أخرجه عن الزهري - البيهقي ٢: ٥٠.
(٥) أخرجه عن مجاهد وعطاء وطاوس ابن أبي شيبة ١: ٤١٢، وأخرجه النحاس عن مجاهد وعطاء في «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.
(٦) في «تفسيره» ١: ٣٥ - ٣٦.
[ ١٣٨ ]
وهو المشهور من مذهب الشافعي (١). ونسب لأحمد في رواية له (٢). ولكن قال ابن قدامة (٣): «ولا تختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون».
وقال ابن تيمية (٤): «وقد حكي القول بالجهر عن أحمد وغيره، بناء على إحدى الروايتين عنه، من أنها من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، وليس هذا مذهبه، بل يخافت بها عنده»، وروي عن الليث بن سعد (٥)، وأبي عبيد (٦)، وداود الظاهري (٧).
وقد سبقت الإشارة - في المبحث السادس - إلى أن أدلة القائلين بوجوب قراءة البسملة في الصلاة هي نفسا أدلة القائلين بالجهر بها ومنها ما يلي:
١ - أن الصحابة كتبوها في المصحف، مع أنهم جردوه عما ليس من القرآن (٨)، مما يدل على وجوب قراءتها والجهر بها.
والجواب عن هذا: أنه إنما تجب قراءتها لو كانت من السورة،
_________________
(١) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المهذب» ١: ٧٩، «الاعتبار» للحازمي ص ٨٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥.
(٢) انظر «الاعتبار» ص ٨٢.
(٣) في «المغني» ٢: ١٤٩.
(٤) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤٢.
(٥) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦.
(٦) انظر «الاعتبار» ص ٨١.
(٧) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٧.
(٨) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٢.
[ ١٣٩ ]
وبخاصة مع الفاتحة، والصحيح أنها آية مستقلة من القرآن - كما تقدم بيان ذلك في المبحث الثالث.
٢ - ما رواه نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. فقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -» (١).
قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، لأن قوله «فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يؤخذ منه أنه قرأها جهرًا، وإلا فكيف يعلم أن أبا هريرة قرأها، وحيث قال أبو هريرة في نهاية الحديث: «والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -». فهذا يدل على أنه - ﷺ - يجهر بها.
وقد أجاب أهل العلم من القائلين بعدم الجهر عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: من حيث صحة سنده، فقد ضعفه جمع من أهل العلم.
_________________
(١) أخرجه النسائي - في الصلاة- في الافتتاح- قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) - حديث ٩٠٥ وقال الألباني: «ضعيف الإسناد». وأخرجه ابن خزيمة- في الصلاة- باب ذكر الدليل على أن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة به جميعا مباح- حديث ٤٩٩، والدارقطني - في الصلاة- باب وجوب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) حديث ١٤، وقال: «صحيح، رواته كلهم ثقات»، والحاكم- في الصلاة- ١: ٢٣٢، وقال «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» والبيهقي ٢: ٤٦، وقال «إسناده صحيح وله شواهد «.
[ ١٤٠ ]
وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (١) في ذكر كلام الأئمة في تضعيفه، وأجاب عنه، وأعله من وجوه عدة، وكذا أعله وأجاب عنه من وجوه عدة الزبيدي (٢)، كما ضعف إسناده الألباني (٣).
الجواب الثاني أن دلالته على الجهر ليست صريحة - على فرض صحته، فيحتمل أن أبا هريرة أسر بها، ويحتمل أنه قصد تعليمهم، أو غير ذلك.
قال الجصاص (٤): حديث نعيم بن المجمر لا دلالة فيه على الجهر بها، لأنه إنما ذكر أنه قرأها، ولم ينقل عنه أنه جهر بها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) «فإن العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه فقد يكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة، وإن لم يجهر بها، وحينئذ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح وحديث عائشة الذي في الصحيح، هذا إذا كان الحديث دالًا على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين، أحدهما: أنه قال قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيحتمل أنه قرأها سرًا الثاني: أنه لم يخبر أن
_________________
(١) ١: ٣٣٥ - ٣٤١.
(٢) انظر «الرد على من أبى الحق، وادعى أن الجهر بالبسملة من سنة سيد الخلق» ١: ١٩ وما بعدها.
(٣) راجع تخريج الحديث.
(٤) في «أحكام القرآن» ١: ١٦.
(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢، ٤٢٥، وانظر أيضًا: «نصب الراية» ١: ٣٣٥ - ٣٤١، «الرد على من أبى الحق» ١: ٢١ - وما بعدها.
[ ١٤١ ]
النبي - ﷺ - قرأها، وإنما قال في آخر الصلاة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -».
وفي الحديث: أنه أمن، وكبر في الخفض والرفع، وهذا نحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله - ﷺ - من هذه الوجوه التي فيها ما فعله الرسول - ﷺ - وتركوه هم، ولعل قراءتها مع الجهر أشبه بصلاة رسول الله - ﷺ - من تركها».
٣ - ما رواه أنس بن مالك: أن معاوية لما قدم المدينة - صلى بهم، فلم يجهر بالبسملة، فأنكر عليه المهاجرون والأنصار، فأعاد بهم الصلاة وجهر بها» (١).
قالوا: فإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية ترك الجهر بالبسملة، وإعادته الصلاة بهم، والجهر بها، يدل على أن السنة الجهر.
وهذا الحديث ضعفه من حيث سنده ومتنه عدد من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، فقد ضعفه من وجوه ستة، ثم قال
_________________
(١) أخرجه -ي الصلاة- وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم والجهر بها، حديث ٣٣، وقال عن رجاله «كلهم ثقات»، والشافعي في «الأم» ١: ٩٣ - ٩٤. والحاكم ١: ٢٣٢. وقال «صحيح على شرط مسلم». قال الخطيب فيما نقله الزيلعي في «نصب الراية» ١: ٣٥٣: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب». وانظر «سنن البيهقي» ٢: ٤٩، «الاستذكار» ٢/ ١٨٠. وقد ضعف هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والزيلعي، والزبيدي، وغيرهم- كما هو مذكور بعاليه.
(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٠ - ٤٣٢.
[ ١٤٢ ]
بعدها: «فهذه الوجوه وأمثالها، إذا تدبرها العالم، قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به حجه، لكان شاذًا، لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذًا، ولا معللًا، وهذا شاذ معلل، وإن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته. . .»
كما ضعفه الزيلعي (١) والزبيدي (٢) من حيث سنده ومتنه من وجوه عدة، وذكرا كلام الأئمة في تضعيفه.
٤ - ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدا يمد (بسم الله)، ويمد بـ (الرحمن)، ويمد بـ (الرحيم)». رواه البخاري (٣).
٥ - ما روته أم سملة، قالت: «كان النبي - ﷺ - يقطع قراءته تقطيعًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديث» رواه أبو داود وغيره (٤).
_________________
(١) في «نصب الراية» ١: ٣٥٣ - ٣٥٥.
(٢) انظر «الرد على من أبى الحق» ص ٤٣.
(٣) سبق تخريج هذا الحديث في ذكر أدلة من قال: البسملة آية من الفاتحة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.
(٤) سبق تخريج هذا الحديث في ذكر أدلة من قال: البسملة آية من الفاتحة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.
[ ١٤٣ ]
قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أنه - ﷺ - كان يجهر بالبسملة. والصحيح أنه لا حجة في هذين الحديثين، لأنه ليس فيهما ما يدل صراحة على أنه - ﷺ - كان يفعل ذلك في الصلاة (١).
٦ - ما رواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: «كان رسول الله - ﷺ - يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم» (٢).
وهذا الحديث - وإن صححه الحاكم - ففيه نظر، لأنه يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس وغيره، من عدم جهر الرسول - ﷺ -، وخلفائه بها - كما سيأتي في أدلة القول التالي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «يعلم أولًا أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم بالصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم، ما قد ثبت في الصحيح خلافه ..».
إلى غير ذلك من الأحاديث التي استدلوا بها (٤) وهي بين ضعيف، أو موضوع، أو مما لا حجة لهم فيه، كما بين ذلك جمع من
_________________
(١) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٦.
(٢) أخرجه الدارقطني في الصلاة- وجوب قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» - حديث ٢٦، والحاكم ١: ٢٣٤، وقال: «رواة هذا الحديث كلهم عن آخرهم ثقات» ووافقه الذهبي.
(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٦ - ٤٣٠، وانظر «الفتاوى الكبرى» «لابن تيمية أيضًا» ١: ٩٧ - ١٠٠. «الرد على من أبى الحق» ١: ٣٩ - ٤١.
(٤) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٧.
[ ١٤٤ ]
المحققين.
قال الدارقطني (١): «كل ما روي عن النبي - ﷺ - في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف».
وقال ابن الجوزي في «التحقيق» (٢) بعد أن ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية على الجهر وبين ضعفها: «وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح. . ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها» - وبعد أن ذكر قول الدارقطني السابق قال: «ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، كما روي أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين، بعد الفاتحة أحيانًا ».
وقال ابن قدامة (٣): «وسائر أخبار الجهر ضعيفة فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدل على ضعف رواية الجهر».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن
_________________
(١) انظر «التحقيق» لابن الجوزي ١: ٣١٣.
(٢) ١: ٣١٢، وانظر ٣٠١ - ٣١٤، وانظر «التنقيح» ٢: ٧٩٨ - ٨٣١، «الرد على من أبى الحق» ص ٦٧ - ٧٢.
(٣) في «المغني» ٢: ١٥١.
(٤) في «الفتاوى» ٢٢: ٤١٥.
[ ١٤٥ ]
المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء، الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء».
وقال - أيضًا (١) - بعدما ذكر مذهب القائلين بالجهر بالبسملة: «واعتمدوا على آثار منقولة بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي - ﷺ -، فأما المأثور عن الصحابة كابن الزبير ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف، وأما المأثور عن النبي - ﷺ - فهو ضعيف، أو موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث، كالدارقطني وغيره ».
وقال - أيضًا (٢) -: «وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر، ونحو ذلك، لأن هذا من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي على ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين».
_________________
(١) في «الفتاوى» ٢٢: ٤٤١.
(٢) في «الفتاوى» ٢٢: ٤٢٣.
[ ١٤٦ ]
وقال ابن القيم (١) مشيرا إلى أحاديث الجهر: «فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح».
وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (٢) في ذكر كلاهم أهل العلم في تضعيف الأحاديث والآثار الواردة في الجهر بالبسملة، ثم قال (٣):
«وبالجملة هذه الأحاديث ليس فيها صريح، ولا صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما. وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل ».
كما ضعف أحاديث الجهر الزبيدي (٤).
القول الثاني:
أنه يسن الإسرار بالبسملة في الصلاة مطلقا، وهو قول جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء وغيرهم (٥).
وهو الثابت من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان (٦)، وعلي (٧)،
_________________
(١) في «زاد المعاد» ١: ٢٠٦.
(٢) ١: ٣٢٥ - ٣٦٣.
(٣) ١: ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٤) انظر «الرد على من أبى الحق» ص ١٨ - ٥٢.
(٥) انظر «سنن الترمذي» ٢: ١٤، «الاعتبار» للحازمي ص ٨١، «المغني» ٢: ١٤٩.
(٦) بدليل حديث أنس الآتي قريبا. وانظر «سنن الترمذي» ٢: ١٤، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٧، «الاستذكار» ٢: ١٧٧، «الاعتبار» للحازمي ص ٨١، «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٤٩.
(٧) أخرجه عن علي بن أبي طالب- عبد الرازق- في الصلاة- الأثر ٢٦٠١، وابن أبي شيبة ١: ٤١١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٨.
[ ١٤٧ ]
وعن أنس (١)، وعائشة (٢) وروي عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر وعروة بن الزبير، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي (٤)، والحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز (٥)، وعكرمة (٦)، والأوزاعي، وسفيان الثوري (٧)، وسعيد بن جبير والأعمش والشعبي (٨)، وأبو حنيفة وأصحابه (٩)،
وأحمد بن حنبل (١٠) وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه (١١)، وأبو عبيد (١٢)، وجماعة من أصحاب
_________________
(١) أخرجه عن أنس ابن أبي شيبة ١: ٤٠١، وسيأتي ص ١٤٩ ذكر روايته ذلك عن الرسول - ﷺ - وخلفائه.
(٢) سيأتي ذكر حديثها ضمن أدلة هذا القول الدليل رقم ٢.
(٣) أخرجه ابن عباس- عبد الرزاق الأثر ٢٦٠٥، وابن أبي شيبة ١: ٤١١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٤٠٢.
(٤) أخرجه عنهم جميعا ابن أبي شيبة ١: ٤١٠ - ٤١١، وانظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩.
(٥) أخرجه عن الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز- عبد الرزاق الأثر ٢٦٠٤.
(٦) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٥.
(٧) انظر «الاستذكار» ١: ١٥٤، ١٧٦ - ١٧٧، «المغني» ٢: ١٤٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٦.
(٨) انظر «زاد المسير» ١: ٨.
(٩) انظر «المبسوط» ١: ١٥، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٨، ٩، ١٥، «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١، «نصب الراية» ١: ٣٢٨ ..
(١٠) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ١: ٥٢، ٥٣، ٥٥، «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٦ «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٤٩، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٣٥٣، ٤٢٤، ٤٤٢.
(١١) انظر «سنن الترمذي» ١: ١٤، «المغني» ٢: ١٤٩.
(١٢) انظر «أحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٦.
[ ١٤٨ ]
الشافعي (١) وغيرهم كثير (٢).
واستدل أصحاب هذا القول بأحاديث صحيحة صريحة منها:
١ - ما رواه أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - وعن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - أنهم كانوا لا يجهرون بـ «بسم الله الرحمن الرحيم».
وقد أخرجه الأئمة عن أنس، منهم البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم بروايات وألفاظ متعددة فأخرجه البخاري (٣) عن أنس ابن مالك - بلفظ: «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر - ﵄ - كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين».
وأخرجه مسلم عن أنس بلفظ: «صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها».
وفي لفظ آخر عند مسلم - أيضًا (٤) - «صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم، يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤٢.
(٢) انظر «الاستذكار» ١: ١٥٤، «الرد على من أبى الحق» ص ٦٤ - ٦٦.
(٣) حديث ٧٨٢، والنسائي حديث ٨٦٧، والترمذي حديث ٢٤٦، وابن ماجه حديث ٤٩١ - كلهم بنحوه إلا عندهم «يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين».
(٤) في الصلاة- حجة من قال: لا يجهر بالبسملة- حديث ٣٩٩.
[ ١٤٩ ]
وأخرجه النسائي (١) عن أنس بلفظ: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلى بنا أبو بكر وعمر، فلم نسمعها منهما».
وفي لفظ آخر للنسائي (٢) عن أنس قال: «صليت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ - فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤)، وابن خزيمة (٥) أيضا بهذا اللفظ، إلا أنه قال: «فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه الإمام أحمد (٦) بلفظ: «صليت مع رسول الله - ﷺ - ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأخرجه بلفظه ابن خزيمة (٧)، وفي رواية له (٨) وللدارقطني (٩) بهذا اللفظ، وزادا
_________________
(١) حديث ٨٧٠.
(٢) حديث ٨٧١.
(٣) في «سننه كتاب الصلاة- اختلاف الروايات في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث (١).
(٤) ١: ٢٠٢.
(٥) حديث ٤٩٤.
(٦) المسند ٣: ٢٦٤.
(٧) حديث ٤٩٧.
(٨) حديث ٤٩٥.
(٩) في الباب السابق حديث ٣، ٤، ٥.
[ ١٥٠ ]
«وعثمان». وفي لفظ لابن خزيمة (١): «أن النبي - ﷺ - لم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان» وفي لفظ له - أيضًا (٢) -: «أن رسول الله - ﷺ - كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة وأبو بكر وعمر». وفي لفظ للطحاوي (٣): «لم يكن رسول الله - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر - ﵄ - يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
فحديث أنس هذا برواياته كلها، يدل على أن الثابت من فعل الرسول - ﷺ - وخلفائه الاسرار بالبسملة، وعدم الجهر بها (٤).
قال الدارمي في «سننه» (٥) مبوبًا: «باب كراهية الجهر بـ .. ثم أخرج حديث أنس بلفظ «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين». قال الدرامي: وبهذا نقول ولا أرى الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
وقال ابن خزيمة في «صحيحه» (٦) مبوبًا: باب ذكر الدليل على أن أنسا إنما أراد بقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: أي لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) حديث ٤٩٦.
(٢) حديث ٤٩٨.
(٣) في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٣٠، وانظر «نصب الراية» ١: ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٤) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٨، «المغني» ٢: ١٥٠.
(٥) ١: ٢٨٣.
(٦) ١: ٢٤٩.
[ ١٥١ ]
الرَّحِيمِ﴾، وأنهم كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة».
وقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١) بعد أن ذكر روايات حديث أنس: «ففي ذلك دليل على أنهم يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى، فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو حديث صريح لا يحتمل هذا التأويل (٣)، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه، فقال فيه: «صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها» وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع.
واللفظ الآخر في صحيح مسلم «صليت خلف النبي - ﷺ -، وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ
_________________
(١) ١: ٢٠٣، ٢٠٤.
(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٠: ٤١٣.
(٣) وهو حمل قول أنس «فلم أسمع أحدًا منهم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم» على عدم السماع لا أنهم لا يجهرون بها».
[ ١٥٢ ]
لم يجز تأويله بأن النبي - ﷺ - كان يقرأ جهرًا، ولا يسمع أنس، لوجوه - وبعد أن ذكر ابن تيمية هذه الوجوه - قال: فتبين أن هذا تحريف لا تأويل، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو يفضل هذه الرواية الأخرى، وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: «يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» أنه أراد السورة، فإن قوله: «يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة، ولا في آخرها «صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة، التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه».
وقال - أيضًا (١) -: «وأما اللفظ الآخر» لا يذكرون» فهو إنما ينفي ما يمكن العلم بانتفائه، وذلك موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا يؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل (٢).
_________________
(١) ٢٢: ٤١٤، ٤١٥، وانظر «الفتاوى الكبرى» ١: ٨٨.
(٢) حديث عبد الله بن مغفل رواه عنه ابنه يزيد، قال: «سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول:» بسم الله الرحمن الرحيم «فقال: أي بني، محدث، إياك والحدث- قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه- قال: وقد صليت مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: «الحمد لله رب العالمين». وهذا الحديث أخرجه- النسائي- في الافتتاح- باب ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٩٠٨، والترمذي- في الصلاة- ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٢٤٤، وابن ماجه في الصلاة- افتتاح القراءة- حديث ٨١٥، وأحمد ٤: ٨٥، وهذا الحديث ضعيف عند أكثر أهل العلم، فقد ضعفه ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٥، فقال: «حديث ضعيف، لأنه لم يعرف ابن عبد الله بن مغفل». وقال الزيلعي في «نصب الراية» ١: ٣٣٢ - ٣٣٣: «قال النووي في الخلاصة: وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول». وضعفه الألباني في «ضعيف سنن النسائي» و«ضعيف سنن الترمذي»، و«ضعيف سنن ابن ماجه» في المواضع السابقة. ولو صح هذا الحديث فهم محمول- كما أشار ابن تيمية- على ما حمل عليه حديث أنس وهو ترك الجهر. وانظر «الرد على من أبى الحق» ص ٥٩ - ٦٣.
[ ١٥٣ ]
ويؤيد قول ابن تيمية ما أخرجه الدارقطني (١) عن أبي مسلمة سعيد ابن يزيد قال: سألت أنس بن مالك، أكان رسول الله - ﷺ - يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك. قلت: أكان رسول الله - ﷺ - يصلي في النعلين؟ قال: نعم».
وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٢) بعد أن ذكر حديث أنس، من رواية البخاري ومسلم، وبعد أن أشار إلى أن في رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة «لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»، وإلى الرواية الأخرى لابن خزيمة: «كانوا يسرون» قال: «وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم». يعني قوله «لا يذكرون اسم الله في أول قراءة، ولا في آخرها».
٢ - حديث عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) في الصلاة- اختلاف الروايات في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - حديث (١٠) وإسناده صحيح.
(٢) ص ٥٦، حديث ٢٩٧ - ٣٠٠.
[ ١٥٤ ]
يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ..» رواه مسلم (١).
٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت». رواه مسلم (٢).
ووجه الدلالة من هذين الحديثين - كما تقدم في حديث أنس - هو أنهم يسرون بقراءتها، ولا يجهرون بها، لا أنهم يتركونها.
٤ - حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد «الحمد لله رب العالمين» قال الله: حمدني عبدي الحديث». رواه مسلم (٣).
قال ابن قدامة (٤): «وهذا يدل على أنه لم يذكر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يجهر بها»
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) - بعد أن أشار إلى حديث أبي
_________________
(١) في الصلاة- باب ما يجمع صفة الصلاة- حديث ٤٩٨، وأبو داود- في الصلاة- باب من لم ير الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٧٨٣.
(٢) في المساجد ومواضع الصلاة- حديث ٥٩٩.
(٣) سبق تخريجه في ذكر قول من قال: إن البسملة آية مستقلة من القرآن، لا آية من الفاتحة، ولا من كل سورة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.
(٤) في «المغني» ٢: ١٥٠.
(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢ - ٤٢٣.
[ ١٥٥ ]
هريرة هذا: «فيه دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة المقسومة»، فهذا يدل على أن البسملة ليست من السورة، فلا يجهر بها».
إلى غير ذلك من الأدلة الصحيحة الصريحة على أن السنة الإسرار بالبسملة وقد اختار هذا أكثر المحققين:
قال الجصاص (١) «والإخفاء أولى من وجهين: أحدهما ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، وقول إبراهيم الجهر بها بدعة. والوجه الآخر: أن الجهر بها لو كان ثابتًا لورد النقل به مستفيضًا متواترًا، كوروده في سائر القراءة، فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر، علمنا أنه غير ثابت إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها، كهي إلى معرفة الجهر في سائرفاتحة الكتاب».
وقال القرطبي (٢): «وهذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس، ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية (٣): «لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح، ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة، بل موضوعة،
_________________
(١) في «أحكام القرآن» ١: ١٧
(٢) في «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٦.
(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٥ - ٢٧٦.
[ ١٥٦ ]
ولهذا لما صنف الدارقطني في ذلك مصنفًا قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي - ﷺ - فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النبي - ﷺ - يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك، بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون، ثم خلفاء بني أمية، وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة- وهم أعلم أهل المدائن بسنته- ينكرون قراءتها بالكلية سرًا وجهرًا.
وقال- أيضًا (١) -: «فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان النبي - ﷺ - يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة، لم يكن في العادة، ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما، إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه».
القول الثالث:
التخيير بين الجهر والإسرار، وهذا القول يروى عن الحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهويه (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).
_________________
(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٥، وانظر: ٤٠٨، ٤١٧ - ٤٢٠.
(٢) انظر «القطع الائتناف» ١: ١٠٦.
(٣) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٥، «الاستذكار» ١: ١٥٤.
(٤) انظر «المحلى» ١: ٢٥١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٦.
[ ١٥٧ ]
والذين روي عنهم هذا القول، كأنهم أرادوا الجمع بين أدلة الجهر، وأدلة الإسرار علمًا أن أدلة الجهر لا تكافئ أدلة الإسرار، بل وليس فيها دليل واحد صحيح النقل صريح الدلالة على الجهر- كما تقدم ذكر كلام الأئمة في ذلك.
فالقول بالتخيير للمصلي بين الجهر والإسرار بالبسملة ليس بصحيح، وفرق بين هذا، وبين أن يقال: يجوز الجهر بها لحاجة كتعليم ونحوه، فهذا لا بأس به، أو أن يقال: تصح صلاة من أسر بها ومن جهر، فهذا- أيضًا- صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «فإن الجهر بها والمخافتة سنة، فلو جهر بها المخافت صحت صلاته بلا ريب».
وقال الحافظ ابن كثير (٢): «أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة، ومن أسر بها، ولله الحمد والمنة».
أما أن يكون المصلي مخيرًا بين هذا وهذا على حد سواء فليس بصحيح فالجهر إنما يجوز أحيانًا لعارض، كتعليم المأمومين ونحو ذلك.
كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) أنه يستحب الجهر بها لمصلحة
_________________
(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢، وانظر «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٥١، «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.
(٢) في «تفسيره» ١: ٣٦.
(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٠٧، وانظر ٤٢٤.
[ ١٥٨ ]
راجحة، وذكر عن أحمد أنه يستحب الجهر بها في المدينة، لأنهم ينكرون على من لم يجهر بها. ثم ذكر ابن تيمية- أيضًا- أنه يجوز الجهر بها لبيان أن قراءتها سنة، ثم قال: «ولهذا نقل عن أكثر من روي عنه الجهر بها المخافتة ».
وقال- أيضًا (١) -: «وكون الجهر بها لا يشرع بحال- مع أنه قد ثبت عن غيره واحد من الصحابة- نسبة للصحابة إلى فعل المكروه، وإقراره مع أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض».
وقال- أيضًا (٢) -: «ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة أحيانًا، لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا (٣)، ويسوغ- أيضًا- أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة خوفًا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي - ﷺ - بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك (٤)، ورأى أن مصلحة
_________________
(١) في «المصدر السابق» ٢٢: ٤٠٨.
(٢) في «المصدر السابق» ٢٢: ٤٣٦ وانظر ٢٧٤،٢٧٥.
(٣) روى النيسابوري في «مسائل الإمام أحمد» ١: ٥٣: «وسئل عن الرجل يصلي بالقوم، فيجهر ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أيصلى خلفه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، إذا لم يكن يجهر به شديدًا، قد فعله الصالحون، لا يجهر به شديدًا».
(٤) أخرج البخاري - في كتاب الأنبياء- حديث ٣٣٦٨، وفي التفسير- باب (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) حديث ٤٤٨٤، ومسلم في الحج- باب نقض الكعبة وبنائها- حديث ١٣٣٣ - عن عائشة﵂- زوج النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال: «ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة، اقتصروا على قواعد إبراهيم، فقلت، يارسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت».
[ ١٥٩ ]
الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم».
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (١): «وكان - يعني النبي - ﷺ - يجهز ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهز بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا، في كل يوم وليلة، خمس مرات، أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده، فيالأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى يحتاج إلى التثبيت فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح».
****
_________________
(١) ١: ٢٠٦.
[ ١٦٠ ]