اعلَمْ: أنَّه - ﷾ - لمَّا تكلَّم في التوحيد والنُّبوَّة، تكلَّم بعدهما في ذكر المَعَاد، وبيَّن عقاب الكافر، وثواب المُطيعِ، ومن عادة الله - تعالَى - أنه إذا ذَكَرَ الوَعِيدَ، أَنْ يعقبَهُ بذكرِ الوَعْد.
وها هنا فُصُولٌ:
الأوَّلُ: هذه الآياتُ صريحةٌ في أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقَتَانِ، لأنه - تعالى -[قال] في صفَة النَّار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] وقال في صفَة الجَنَّة في آية أخْرَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال ها هنا: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وهذا إخبار عن وُقُوع هذا المُلْك وحُصُوله، وحُصُول المُلْك في الحالِ يقْتَضي حصُولَ
[ ١ / ٤٤٥ ]
المَمْلُوك في الحال؛ فَدَلَّ على أنَّ الجنَّة والنَّار مخْلُوقَتَان.
الثاني: مَجَامَعُ اللَّذَّاتِ: إما المَسْكن، أو المَطْعم، أو المَنْكَح.
فَوَصَفَ تعالى المَسْكَن بقولِهِ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ والمَطْعَمَ بقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا﴾ والمَنْكَح بقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ .
ثم هذه الأشياءُ إنْ حصَلَتْ، وقارنَهَا خوْفُ الزوالِ، كان النَّعِيمُ مُنَغَّصًا، فبيَّن - تعالى - زوالَ هذا الخَوْف بقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ فدلَّت الآيةُ على كَمَال النَّعيم والسُّرور.
الثالثُ: قولُهُ: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ﴾ هذه الجملةُ معْطُوفة على ما قَبْلها، عَطَف جُمْلَةَ ثوابِ المُؤْمنين، على جملة ثَوَاب الكافرين، وجاز ذلك؛ لأنَّ مذْهب سِيبَويهِ - وهو الصَّحيحُ -: أنَّه لا يشترطُ في عَطْفِ الجُمَلِ التَّوافُقُ معْنًى، بل تُعْطَف الطلبيَّة على الخَبَرية؛ وبالعكس؛ [بدليل] قوله: [الطويل]
٣٠٦ - تُنَاغِي غَزَالًا عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ وَكَحَّلْ أَمَاقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ
وقولِ امرِئ القَيْسِ: [الطويل]
٣٠٧ - وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ وَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وقال ابنُ الخَطِيبِ: ليس الَّذي اعتمد بالعَطْف هو الأَمْر، حتى يطلب له مشاكل من أمر ونهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة ثواب المؤمنين؛ فهي معطوفة على جملة وَصْف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب وَبَشِّرْ عمرو بالعفو والإطلاق.
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون عطفًا على «فاتَّقوا» ليعطف أمرًا على أمر، وهذا قد رده أبو حيان بأن «فاتقوا» جواب الشرط، فالمعطوف يكون جوابًا؛ لأن حكمَه حكمُه، ولكن لا يصح؛ لأن تبشيره للمؤمنين لا يترتب على قوله: «فإن لم تفعلوا» .
وقرئ: «وبُشَِّرَ» [ماضيًا] مبنيًّا للمفعول.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وقال الزمخشري: «وهو عَطْف على أعدت» .
قيل: وهذا لا يتأتى على إعراب «أعدت» حالًا؛ لأنها لا تصلح للحالية.
وقيل: عطفها على «أعدت» فاسد؛ لأن «أعدت» صلة «التي»، والمعطوف على الصلة صلة، ولا يصلح أن يقال: «الباء» التي بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنَّ لهم جنَّاتٍ، إلاَّ أن يعتقد أن قوله: «أُعِدَّتْ» مستأنفٌ، والظاهِرُ أنَّهُ من تمام الصلة، وأنَّهُ حالٌ من الضمير في «وقودها»، والمأمور بالبشارة يجوز أن يكون الرسولُ ﵇، وأن يكون كُلُّ سَامِعِ، كما قال ﵇:
«بَشِّر المَشِّائِينَ إلَى المَسَاجِدِ في الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم القِيَامِةِ»، لم يأمر بذلك أحدًا بعينه، وإنَّما كل أحدٍ مأمور به.
و«البِشارةُ»: أوّل خبرٍ من خيرٍ أو شَرٍّ؛ قالوا: لأنَّ أثرها يظهرُ في البَشَرَةِ، وهي ظاهرُ جِلْدِ الإنْسَانِ؛ وأنْشَدُوا: [الوافر]
٣٠٨ - يُبَشِّرُنِي الغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وقال آخر: [الطويل]
٣٠٩ - وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أنَّ أَحِبَّتِي جَفَوْني وأّنَّ الوُدَّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ
وهذا رأى سيبويه، إلاّ أنَّ الأكثر استعمالُهَا في الخير، وإن استُعْمِلَتْ في الشَّرِّ فَبِقَيْدٍ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وإن أُطْلِقَتْ، كان للخَيْرِ.
وقال البغويُّ: «البِشَارَةُ كل خبر صدقٍ» .
وقال ابن الخطيب: إنَّها الخبرُ الذي يُظْهِرُ السرور، ولهذا قال الفقهاءُ: إذا قال لعبيده: أيُّكم يُبَشِّرُنِي بقدوم فلان فهو حرٌّ، فَبَشَّروه فُرَادَى، عَتَق أولهم؛ لأنَّهُ هو الذي أفاد خبره السرور. ولو قال مكان بَشَّرَني «: اَخْبَرَنِي عَتَقُوا جميعًا؟ لأنَّهم جميعًا أخبروه، ظاهِرُ كلام الزمخشري أنَّها تختص بالخير؛ لأنَّهُ تَأَوَّلَ» فبشِّرهم بعذابٍ «على العكس في
[ ١ / ٤٤٧ ]
الكلام الذي يقصد به الزيادة في غيظ المُسْتَهْزَأ بَهِ وتَأَلُّمِهِ، كما يقول الرَّجُلُ لِعَدوِّه: أَبْشِرْ بقتل ذريتك ونَهْبِ مالك.
والفِعْلُ منها بَشَرَ وبَشَّرَ مخففًا ومثقلًا، فالتثقيل للتكثير بالنسبة إلى البشيرة.
وقد قُرِئ المضارع مخففًا ومشدَّدًا.
وأمَّا الماضي فلم يقرأ به إلا مثقلًا نحو ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] وفيه لغةٌ أخرى: أَبْشَرَ مِثل أَكْرَمَ.
وأنكر أبو حَاتِمٍ التخفيف، وليس بصواب لمجيء مضارعه.
وبمعنى البشارة: البُشُور والتَّبْشِير والإِبْشَار، وإن اختلفت أفعالُها، والبِشَارةُ أيضًا: الجَمَالُ، والبشيرُ: الجميلُ، وتباشيرُ الفَجْرِ أَوائِلُهُ.
وكون صلة» الَّذين «فعلًا ماضيًا دون كونه اسم فاعل، دليلٌ على أنه يستحقُّ التبشير بفضل الله ممن وقع منه الإيمانُ، وتحقَّقَ به وبالأعمال الصالحة.
و» الصَّالِحَاتُ «: جمع» صالحة «، وهي من الصفات التي جَرَت مجرى الأسماءِ في إيلائِها العوامل؛ قال: [البسيط]
٣١٠ - كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ مِنْ آلِ لأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني
وعلامةُ نصبه الكَسْرَةُ؛ لأنَّهُ من باب جمع المؤنث السالم عن الفتحةِ، التي هي أصلُ النَّصْبِ.
قال معاذ:» العملُ الصالحُ الذي فيه أربعة أشياء: العِلْمُ والنِّيَّهُ والصَّبْرُ والإخْلاصُ «.
وقال عثمان بن عَفَّان:» أخلصوا الأعمال «.
فَصْلٌ
قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن الأعمالَ غير داخلةٍ في الإيمان؛ [لأنَّهُ لمَّا ذكر الإيمان]، ثمَّ عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل.
قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ .
»
[ ١ / ٤٤٨ ]
جنَّاتٍ «: اسم:» أنَّ «. و» لهم «خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
ولا يجوز تقديم خبر «أنَّ وأخواتها إلاَّ ظرفًا أو حرف جرٍّ، و» أنَّ «وما في حيِّزها في محل جرٍّ عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفرَّاء؛ لأنَّ الأصل: وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحذف حرف الجرِّ مع» أنَّ «، وهو حذفٌ مطَّرِدٌ معها، ومع» أنَّ «الناصبة للمضارع، بشرط أَمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلةِ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرَِّ، جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليلُ والكسائيُّ يقولان:» كأنَّ الحرف موجود، فالجرُّ بَاقٍ «.
واستدلَّ الأخفشُ لهما بقول الشاعر: [الطويل]
٣١١ - وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ
فَعَطْفُ» دَيْنٍ «بالجرِّ على محلِّ» أنْ تَكُونَ «يُبَيِّنُ كونَها مجرورةً.
قيل:» ويحتملُ أن يكون من باب عطفِ التَّوَهُّمِ، فلا دليل فيه «.
والفرَّاءُ وسيبويه يقُولاَن: وجَدْنَاهُمْ إذا حذفوا حرفَ الجرِّ، نَصَبُوا؛ كقولِهِ: [الوافر]
٣١٢ - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلاَمُكُمْ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ
أي: بالدِّيار، ولا يجوزُ الجَرُّ إلاَّ في نادرِ شِعْرٍ؛ كقوله: [الطويل]
٣١٣ - إِذَا قِيلَ: أيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ؟ أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ
أي: إلى كُلَيْبٍ؛ قول الآخر: [الكامل]
٣١٤ - . حَتًَّى تَبْذَّخَ فَارْتَقَى الأعْلاَمِ
أي: إلى الأَعْلاَم.
[ ١ / ٤٤٩ ]
و» الجَنَّةُ «: البُسْتَانُ.
وقيل: الأرضُ ذات الشَّجرِ، سمّيت بذلك لسترها من فيها، ومنه» الجَنِينُ «لاستتاره، و» المِجَنُّ «: التُّرْسُ، وكذلك» الجُنَّةُ «لاستتارهم عن أَعْيُنِ النَّاسِ.
قال الفرَّاءُ:» الجنَّةُ «ما فيه النخيل، و» الفردوس «: ما فيه الكرم.
فإن قيل: لم نُكِّرت» الجنَّاتُ «وعُرِّفت» الأنهار «؟ فالجواب: أنَّ» الجنَّة «اسم لدار الثَّواب كلها، وهي مشتملةٌ على جنّات كثيرة مُرَتَّبةٌ مراتبَ على استحقاقات العاملين، لكل طبقةٍ منهم جنةٌ من تلك الجنَّات.
وأمَّا تعريف» الأنهار «، فالمرادُ به الجنس، كما يقال: لفلان بستانٌ فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشيرُ إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى أنهاٍ مذكورةٍ في قوله: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] .
قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ هذه الجملة في محلّ نصبٍ، لأنَّها صفةٌ ل» جنَّات «.
و» تَجْري «مرفوع لتجرُّدِه من الناصب والجازم، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدرةٌ في» الياء «استثقالًا، وكذلك تقدَّرُ في كُلٍِّ فَعْلٍ مُعْتَلٍّ نحو:» يَدْعو «، و» يَخْشَى «، إلاَّ أنَّها تُقَدَّرُ في» الأَلِفِ «تعذُّرًا.
» من تحتها «أي: من تحت أَشْجَارها ومساكنها.
وقيل: من تحتها أي: بأمرهم.
كقول فرعون: ﴿تَجْرِي مِن تحتيا﴾ [الزخرف: ٥١] أي: بأمري.
و«الأنهارُ» جمعُ نَهْرٍ بالفتح، وهي اللُّغةُ العالية، وفيه تسكين «الهاء» ولكن «أفعال» لا ينقاس في «فَعْل» السَّاكن العين، بل يحفظ نحو: «أَفْراخ»، و«أَزْنَاد»، و«أفراد.
و» النَّهرُ «: دونَ البحرِ، وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماءِ، أو الماء الجاري نفسُه؟
والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنًَّه مشتقٌّ من» نَهَرَُ «أي: وَسَّعْتُ.
قال قَيْسُ بن الخطِيمِ يصفُ طَعْنَةً: [الطويل]
٣١٥ - مَلَكْتُ بِهَا كَفَِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا
[ ١ / ٤٥٠ ]
أي: وَسَّعْتُ.
ومنه:» النَّهارُ «لاتِّساع ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماء مجازًا إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ.
ومنه قوله ﵇:» ما أَنْهَرَ الدَّمَ «معناه: ما وسَّعَ الذَّبْحَ؛ حَتَّى يجري الدَّم كالنَّهْرِ، وجمعُ النَّهرِ: نَهَرٌ وأَنْهَارٌ، وَنَهْرٌ نَهِرٌ: كثير الماء.
قال أبو ذُؤَيب: [المتقارب]
٣١٦ - أَقَامَتْ بِهِ وَابْتَنَتْ خَيْمَةً عَلَى قَصَبٍ وَفُرَاتٍ نَهِرْ
ورُوِيَ أنَّ أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنَّما تجري على سطح الجنَّةِ منبسطة بالقدرة، والوقفُ على» الأنهار «حَسَنٌ وليس بتامٍّ و» من تَحْتِهَا «متعلقٌ ب» تجري «، و» تحت «مكانٌ لا يتصرَّفُ، وهو نقيض» فوق «، إذا أُضِيفَا أُعْرِبَا، وإذا قَطِعَا بنيا على الضَّمِّ. و» مِنْ «لابتداء الغاية.
وقيل: زائدةٌ.
وقيل: بمعنى» في «، وهما ضعيفان.
واعلم أنَّهُ إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذاتُ الشَِّجرِ، فلا بُدَّ م حَذْفِ مضاف، أي: من تحت عَذْقِها أو أَشْجَارها.
وإن قيل: بأنَّها الشَّجَرُ نفسه، فلا حَاجَةَ إلى ذلك.
وإذا قيل: بأنَّ الأنهار اسمٌ للماء الجاري فَنِسْبَةُ الجَرْي إليه حقيقة، [وإن قيل بأنَّهُ اسمٌ للأُخْدُودِ الذي يَجْرِي فيه، فنسبةُ الجَري إليه] مجازٌ، كقول مهلهل: [الكامل]
[ ١ / ٤٥١ ]
٣١٧ - نُبِّئْتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتِ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
قال أبو حيِّان: وقد ناقض ابن عطية كلامه هنا، فإنَّه قال:» والنهارُ: المياهُ في مجاريها المتطاولةِ الواسعةِ «ثمَّ قال: نُسِبَ الجريُ إلى النَّهْرِ، وإنَّمَا يجري الماءُ وحدّث توسُّعًا وتجوُّزًا، كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وكما قال: [الكامل]
٣١٨ - ب - نُبِّئْتُ أنَّ النَّارَ .
والألف واللاَّمُ في» النهار «للجنس.
وقيل: للعَهْدِ لذكرها في سورةِ القتالِ.
وقال الزمخشري: يجوز أن تكون عوضًا من الضَّمير كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] أي:» أَنْهَارُها «يعني أنَّ الأصل: واشتعل رأسي، فَعَوَّضَ» أل «عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البَصَريين، بل قال به بعضُ الكوفيِّين؛ وهو مردود بأنَّهُ لو كانت» أَلْ «عوضًا من الضمير، لَمَا جُمِعَ بينهما، وقد جُمِعَ بينهما؛ قال النَّابغةُ: [الطويل]
٣١٨ - ب - رَحِيبٌ قِطَابٌ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ بجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ
فقال: الجيب منها، وأمَّا ما ورد، وظاهره ذلك، فيأتي تأويله في موضعه.
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ﴾
تقدَّم القولُ في «كُلَّمَا» وهذا لا يخلو إمَّا أن يكون صفة ثانيةِ ل «جنَّاتٍ تجري»، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ لأنَّه لَمَّا قيل: «أنَّ لهم جنَّاتٍ» لم يَخْلُ قَلْبُ السَّامِعِ أنْ يقع فيه أنَّ ثمار تلك الجنَّات تُشبهُ ثِمَارَ الدُّنْيَا أم لا؟
والعامِلُ في «كُلَّما» هاهنا «قالوا» .
و«مِنْهَا» متعلِّقٌ ب «رُزِقُوا»، و«مِن» لابتداء الغاية، وكذلك «من ثَمَرَةٍ»، لأنَّها بدلٌ من قوله: «منها» بدلُ اشتمالٍ بإعادة العاملِ.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وإنَّما قلنا: إنه بدل اشتمال؛ لأنَّهُ لا يتعلّق حرفان بمعنى واحدٍ بعاملٍ واحد، إلاَّ على سبيل البدلية، أو العطف.
وأجاز الزَّمخشري أنَّ «مِنْ» للبيان كقولك: «رأيتُ منك أسدًا»؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ من شرط ذلك أن يَحِلَّ مَحَلَّها موصولٌ، وأن يكون ما قبلها مُحَلَّى ب «أل» الجنسية، وأيضًا فليس قبلها شيء يَتَبَيَّنُ بها، وكونُها بيانًا لما بعدها بعيدٌ جِدًا، وهو غير المصطلح.
«رِزْقًا» مفعولٌ ثانٍ ل «رُزِقُوا»، وهو بمعنى «مَرْزُوقٍ»، وكونُهُ مصدرًا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، والمصدر لا يؤتى به متشابهًا، وإنما يؤتى بالمرزوق كذلك.
قوله: ﴿قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ .
«قالوا»: هو العاملُ في «كلما» كما تقدّم، و«هَذَا الَّذِي رزِقْنَا» مبتدأ في محل نصب بالقول، وعائِدُ الموصول محذوفٌ؛ لاستكماله الشُّروط، أي: رُزِقْناه.
و«مِنْ قبلُ» متعلِّقٌ به.
و«مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قطعت «قَبْلُ» بُنِيَتْ [وإنما بنيت] على الضَّمَّةِ؛ لأنها حركة لم تكنْ لها حالَ إعرابها.
واختلف في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلَّ لها من الإعراب؟ لأنَّها استئنافيةٌ، فإنَّهُ قيل: لَما وصفت الجَنَّاتُ ما حالها؟
فقيل: كُلَّمَا رُزِقُوا قالوا.
وقيل: لَهَا محلٌّ، ثُمَّ اختلف فيه، فقيل: رَفْعٌ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، واختلف في ذلك المبتدأ، فقيل: ضمير «الجنَّات»، أي: هي كلَّما وقيل ضمير «الَّذين آمنوا» أي: هم كُلَّما رُزِقوا قالوا.
وقيل: مَحَلُّها نَصْبٌ على الحالِ، وصاحبُها: إمَّا «الذين آمنوا»، وإمَّا «جنات»، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة؛ لأنها تخصصت بالصفةِ، وعلى هذين تكون حالًا مُقَدَّرة؛ لأنَّ وقت البشارة بالجَنَّاتِ لم يكونوا مرزوقين ذلك.
وقيل: مَحَلُّهَا نَصبٌ على أنَّها صفة ل «جنات» أيضًا.
فَصْلٌ في المشبه به في الآية
الآية تَدُلُّ على أنَّهُمْ شَبَّهُوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنَّة بِرِزْقهم قبل ذلك، فالمُشَبَّهُ بِهِ أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الآخرة؟ ففيه وجهان:
[ ١ / ٤٥٣ ]
أحدهما: أنَّه من أَرْزَاق الدنيا، وفيه وجهان:
أحدهما: هذا الذي وَعَدنَا به في الدُّنيا.
والثَّاني: هذا الذي رُزِقنا في الدنيا، لأنَّ لونه يشبهُ ثمار الدُّنيا، فإذا أكلوا وجدوا طَعْمَهُ غير ذلك.
الوجه الثاني: أنَّ المُشَبَّهُ به ثمار الآخرة، واختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين:
الأول: المراد تساوي ثوابهم في كُلِّ الأوقات في القدر والدرجة؛ حَتَّى لا يزيدَ ولا ينقص.
الثاني: المراد المُشَابهة في المنظر، فيكون الثاني كأنَّه الأوّل على ما رُوِيَ عن الحسن، ثمَّ هؤلاء اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباهُ كما يقع في المنظر يقع في الطَّعمِ. ومنهم من يقول: وإن حصل الاشتباه في اللَّون، لكِنَّها تكون مختلفةً في الطَّعْم.
قال الحَسَنُ: يؤتى أَحَدُهُمْ بالصّحفة فيأكل منها، ثُمَّ يُؤْتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُوتِينَا به من قَبْلُ: فيقول الملك: «كُل فاللَّونُ واحدٌ، والطعمُ مختلفٌ» .
فإن قيل: قوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا﴾ مع قوله: «قالُوا: هذا الذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ» - هذا صيغةُ عموم، فيشمل كُلُّ الأوقاتِ التي رُزِقوا فيها، فيدخل فيه أوّل مَرّة رُزِقوا في الجنَّة، فلا بُدَّ وأن يقولوا: «هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ» فما الجواب على قولنا بَأَنَّ المشبَّه به ثِمَارُ الآخِرة؟ والجواب أنَّ عمل ذلك على ما وعدوا به في الدُّنْيَا، أو يكون تقدير الكلام: هذا الَّذِي رُزِقْنَا في الأَزَلِ.
قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الظاهِرُ أنَّها جملةٌ مستأنفة.
وقال الزمخشريُّ فيها: هو كقولك: «فلانُ أَحْسِن بِفُلانٍ» ونِعْمَ ما فعل، ورأى من الرَّأي كذا، وكان صوابًا.
ومنه: ﴿وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] .
وما أشْبَه ذلك من الحُمَلِ التي تُسَاقُ في الكلام معترضةً للتقرير، يعني بكونها معترضة، أي من أحوال أَهْلِ الجنَّةِ، فإنَّ بَعْدَهَا: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ﴾، وإذا كانت معترضةً فلا محلَّ لها. وقيل: هي عَطْفٌ على «قالوا» .
وقيل: مَحَلُّها النَّصبُ على الحالِ، وصاحبُها فاعل «قالوا» أي: قالوا هذا الكلام في
[ ١ / ٤٥٤ ]
هذا الحال، ولا بُدَّ من تقدير «قد» قبل الفعل، أي: «وَقَدْ أُتُوا»، وأَصْلُ أُتُوا: أُتِيُوا مِثْل: ضُرِبوا، فأُعِلَّ كَنَظَائِرِهِ.
[وقرأ هارون] الأعور: «وأَتوا» مبنيًّا للفاعل، والضَّمير للولدان والخدم للتصريح بهم في غير موضع، والضميرُ في «به» يعود على المرزوق الذي هو الثمرات، كما أن هذه إشارة إليه. وقال الزمخشري: «يعود إلى المرزوق في الدُّنْيَا والآخرة؛ لأنَّ قوله: ﴿الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ انطوى تحته ذكر ما رُزِقُوه في الدَّارَيْنِ.
ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]» .
أي: بجنسي الغنيِّ والفقير المدلول عليهما بقوله: ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا﴾
[النساء: ١٣٥] ويعني بقوله: «انطوى تحته ذِكْرُ ما رُزُِقوه في الدَّارَيْنِ» اَنَّهُ لَمَّا كان التقديرُ: مِثْلَ الَّذي رُزِقْناه كان قد انطوى على المرزوقين معًا، كما أنَّ قَوْلَكَ: «زَيْدٌ مثلُ حاتمٍ» مُنْطَوٍ على زيدٍ وحاتمٍ.
قال أبو حيَّان: «وما قاله غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ الظاهِرِ عَوْدُه على المرزوقِ في الآخرة فقط؛ لأنَّه هو المُحَدّثُ عنه، والمشبَّهُ بِالَّذِي رُزقوه من قبلُ، لا سيما إذا فسِّرت القبلية بما في الجنَّةِ، فَإِنَّهُ يتعيّنُ عَوْدُ على المرزوق في الجنَّةِ فقط، وكذلك إذا أعربت الجملة حالًا؛ إذ يصير التقديرُ: قالوا: هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ وقد أتوا به؛ لأنه الحامل لهم على هذا القول، كأنَّه أُتُوا به مُتَشَابِهًا وعلى تقدير أن يكون معطوفًا على قالوا، لا يَصِحُّ عوده على المرزوق في الدَّارين؛ لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضيًا معنىً؛ لأنَّ العامل في» كُلَّما «أو ما في حيزها يحتمل هُنا أن يكون مستقبل المَعْنَى؛ لأنها لا تخلو من معنى الشرط، وعلى تقدير كونها مستأنفة لا يظهر ذلك أيضًا، لأنَّ هذه محدَّث بها عن الجَنَّةِ وأحوالها» .
قوله: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ حالٌ من الضَّمير في «به»، أي: يشبه بعضه في المنظر، ويختلف في الطعمِ، قاله بان عبَّاس ومجاهد، والحسن وغيرهم رضي الله - تعالى - عنهم.
وقال عكرمة: «يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنيا، ويباينه في جل الصَّفات» .
[ ١ / ٤٥٥ ]
قال ابن عبَّاس: «هذا على وَجْه التَّعَجُّبِ، وليس في الدُّنْيَا شيءٌ مما في الجَنَّةِ سِوَى الأسماء، فكأنَّهم تَعَجَّبُوا لِمَا رأوه من حُسْنِ الثَّمَرَةِ، وعِظم خالقها» .
وقال قتادةُ: «خيارًا لا رَذلَ فيه، كقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه؛ لأنَّ فيها خيارًا وغير خِيَار» .
قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ «لهم» خبر مُقَدَّم، وأزواج مبتدأ، و«فيها» متعلّق بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر.
قال أبو البقاء: «لا يكون فيها الخبر، لأنَّ الفائدة تقل؛ إذ الفائدة في جَعْلِ الأَزواج لهم» .
وقوله: «مُطَهَّرةٌ» صفة، وأتى بها مفردة على حدِّ: النساءِ طَهُرَتْ ومنه بيت الحماسة: [الكامل]
٣١٩ - وَإِذَا العَذَارَى بَالدُّخَانِ تَلَفَّعَتْ وَاسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ
وقرأ زيد بن عليّ: «مُطَهَّراتٌ» على حَدِّ: النساءُ طَهَرْنَ.
وقرأ عبيد بن عمير: «مُطَهَّرة» يعني: متطَهِّرة.
والزوج ما يكون معه آخر، ويقالُ زوج للرَّجل والمرأة، وأمَّا «زَوْجَةٌ» فقليلٌ. قال الأَصْمَعِيُّ: لا تكاد العربُ تقول: زوجة، ونَقَلَ الفرّاءُ أنّها لغة «تميم»، وأنشد للفرزدق: [الطويل]
٣٢٠ - وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَسَاعٍ إلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
[ ١ / ٤٥٦ ]
وفي الحديث عن عمَّار بن ياسرِ في حقِّ عائشة ﵄: «إنِّي لاَعْلَمْ أنَّها زَوْجَتَهَ في الدُّنيا والآخرة»
ذكره البُخَاري ﵁، واختاره الكسائيُّ. والزَّوجُ أيضًا: الصِّنْفُ، والتثنية: زوجان.
والطّهارة: النظافة، والفِعْلُ منها طَهَرَ بالفتح، ويَقِلُّ الضَّمُ، واسم الفاعل منها «طاهر» فهو مقيسٌ على الأوَّلِ، شاذّ على الثَّاني، ك «خاثر» و«حامِض» من خَثُرَ اللبنُ وحَمُضَ بضمِّ للعين. فإن قيل: طاهرة، الجوابُ: في المُطَهَّرةِ إشعارٌ بأنَّ مُطَهِّرًا طَهَّرَهُنَّ، وليس ذلك إلاَّ الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أهل الثواب، كأنَّهُ قيل: إنَّ الله - تعالى - هو الَّذي زَيَّنَهُنَّ.
قال مُجَاهد: «لا يَبُلْنَ ولا يَتَغَوَّطْنَ وَلاَ يلِدْنَ وَلاَ يَحِضْنَ، وَلاَ يُبْغَضْنَ» .
وقال بعضه: «مُطَهَّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأَبْلَغ» .
[ ١ / ٤٥٧ ]
قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هم مبتدأ، وخالدون خبره، وفيها متعلّق به.
وقال القرطبيُّ: «والظرفُ مَلْغِيٌّ، وقُدِّم ليوافق رؤوس الآي» وأجازوا أن يكون «فيها» خبرًا أول، و«خالدون» خبر ثانٍ، وليس هذا بِسَدِيدٍ، وهذه الجملة والتي قبلها عطفٌ على الجملةِ قبلهما حسب ما تقدَّم.
وقال أبو البقاء: «وهاتان الجملتان مستأنفتان، ويجوز أن تكون الثانية حالًا من الهاء والميم في» لهم «، والعامِلُ فيها معنى الاستقرار» .
قال القرطبي: «ويجوز في غير القرآن نصب» خالدين «على الحال» .
و«الخلود»: المكث الطويل، وهل يُطْلَقُ على ما لا نهاية له بطريق الحقيقة أو المجاز؟ قولان.
قالت المعتزلة: «الخلد»: هو الثباتُ اللاَّزم، والبقاء الدائمُ الذي لا يقطع، واحْتَجُّوا بالآية، وبقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤] فنفى الخلد عن البَشَرِ مع أنَّه - تعالى - أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفيّ غير المثبت، فالخلدُ هو البقاءُ الدَّائمُ؛ وبقول امرئ القيس: [الطويل]
٣٢١ - وَهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعيدٌ مُخَلَّدٌ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأَوْجَالِ
قال ابن الخطيب: وقال أصحابنا: الخلدُ هو الثّباتُ الطويل، سواء دام أو لم يَدُم؛ واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٠] ولو كان التأبيد داخلًا في مفهوم الخلد، لكان ذلك تكرُّرًا، واستدلّوا أيضًا بالعرفِ؛ يقال: حَبَسَ فلانٌ فُلاَنًا حَبْسًا مُخَلَّدًا، ويكتبُ في الأوقاف: وقَفَ فلانٌ وَقْفًا مُخَلَّدًا.
وقال الآخرون: «العقلُ يَدُلُّ على دوامه؛ لأنه لو لم يجب الدوام، لجوّزوا انقطاعه، فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة، لأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّمَا كانت أعظم كان خوفها انقطاعها أعظم وقعًا في القَلْبِ، وهذا يقتضي ألا ينفك أهل الثواب [ألبتة] من الغم والحسرةِ، وقد يجابُ عنه بأنَّهم عرفوا ذلك بقرينة قوله:» أبدًا «.
[ ١ / ٤٥٨ ]