اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون» .
أراد الله تعالى أن يزيدهم بيانًا، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم - ﵊ ُ - ما لم يكن معلومًا لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء
[ ١ / ٥١١ ]
كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْلِه، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي.
فصل في إعراب الآية
قوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاء» هذه الجملة يجوز ألاَّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على «قَالَ رَبُّكَ» .
و«علم» متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين «علم» العِرْفَانية واليَقِينيّة في التعدية، فإن أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك «أبو علي الشّلوبين» .
وفاعل «علم» يعود على الباري تَعَالى، و«آدم» مفعوله.
وآدم - ﵊ ُ - كُنيته أبو البَشَر، وقيل: أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد.
وأصله بهمزتين، لأنه «أفعل» إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها «واوًا» فقلت: «أوادم» في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن «الأخفش» .
وفي «آدم» ستة أقوال: أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه «فَاعَلَ» كَنَظَائره نحو: «آزر» و«شالخ»، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية.
والثاني: أنه مشتقٌّ من «الأُدْمَةِ»، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم «الضَّحاك» أنها السُّمرة، وزعم «النَّضْر» أنها البياض، وأن آدم - ﵊ ُ - كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه «أَدْمٌ» و«أَوَادِمُ» ك «حُمَرٍ: و» أَحَامِرَ «، ولا ينصرف بوجه.
الثالث: أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة.
الرابع: أنه مشتقٌ من أَدِيم أيضًا على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه» آدَمُون «فيلزم قاشلو هذه المقالة صرفه.
الخامس: أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب.
السّادس: قال» الطبري «: إنه في الأصل فعل رباعي مثل:» أكرم «، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته.
والحاصل أن ادّعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف.
[ ١ / ٥١٢ ]
و«آدم» وإن كان مفعولًا لفظًا فهو فاعل معنى، و«الأسماء» مفعول ثانٍ، والمسألة من باب «أعطى وكَسَا»، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى.
وقرئ: «عُلَِمَ» مبنيًا للمفعول و«آدمُ» رفع لقيامه مقام الفاعل. و«كُلَّهَا» تأكيد للأسماء تابع أبدًا، وقد يلي العوامل كما تقدّم.
وقوله: «الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف؛ لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله: «كلها» على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ.
وقيل: ى بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، فحذف المُضاف إليه للعلم.
قال الزمخشري: وعوض منه «اللام»، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ورجّح هذا القول بقوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤلاَءِ»، «فَلَمَا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ» ولم يقل: «أَنْبِئُونِي بِهَؤُلاَءِ»، «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِهِمْ» ولكن في قوله «وعوض منه اللام» نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة عند البصريين. وقيل: تقديره: مسميات الأسماء، فحذف المُضاف، وأقيم المُضَاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله: «ثُمَ عَرَضَهُمْ» لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدلّ عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: ٤٠] .
تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، فالهاء في «يغشاه» على «ذي» المحذوف.
فصل في المراد بالأسماء في الآية
اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم - ﵊ ُ - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلّها جليلها وحقيرها.
وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحَسَنِ بن علي قال: «كنت جالسًا عند ابن عباس، فكروا اسْمَ الآنِيَةِ وَاسْمَ السّوط، قال ابن عباس: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» .
وروي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وقتادة: «علمه أسماء كلّ شيء حتى القصْعَة
[ ١ / ٥١٣ ]
والقصيعة وحتى الجَفنة والمِخْلب» وعن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم المَلائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه.
قال النَّحَّاس: «وهذا أحسن ما روي» .
وقال الطبري «علمه أسماء الملائكة وذريّته» واختار هذا، ورجّحه بقوله: «ثم عرضهم» .
وقال القتيبي «أسماء ما خلق في الأرض» .
وقيل: أسماء الأجناس والأنواع.
وقال الربيع بن أنس: «أسماء الملائكة» .
وقيل: أسماء ذريّته.
وقيل: أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وقيل: صنعة كلّ شيء.
وقال أصحاب التأويل: إن الله - ﷿ - علم آدم جميع اللُّغات، ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم بِلُغةٍ.
فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟
قال «الأشعري» و«الجبائي» و«الكعبي»: اللُّغات كلها توفيقيةٌ، بمعنى أن الله تعالى خلق علمًا ضروريًا بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعةٌ
[ ١ / ٥١٤ ]
لتلك المعاني: لقوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» .
[ ١ / ٥١٥ ]
وقال «أبو هاشم»: إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد وأن يكون مسبوقًا على الاصطلاح، واحتج بأمور:
أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللَّفظ لذلك المَعْنَى لصارت صفةُ الله معلومةً بالضرورة، مع أن ذاته معلومة بالاستدلال، وذلك مُحَال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللُّغَات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد.
وثانيعا: أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدُّم لغة على ذلك التكلم.
وثالثها: أن قوله: «وَعَلَّم آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التَّعليم، وإذا كان كذلك كانت اللُّغات حاصلةٌ قبل ذلك التعليم.
[ ١ / ٥١٦ ]
ورابعها: أن آدم - ﵊ - لما تَحَدَّى الملائكة بعلم الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقًا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات على ذلك التعليم.
فصل في بيان هل كان آدم نبيًا قبل المعصية؟
قالت المعتزلة: إن علم آدم الأسماء معجزة دالّة على نبوّته - ﵊ ُ - والأقرب أنه كان مبعوثًا إلى حَوّاء، ولا يبعد أيضًا أن يكون إلى من توجّه التحدي إليهم من الملائكة؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلًا فقد يجوز الإرْسَال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم - ﵊ ُ - إلى لُوطٍ - ﵊ - واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقصٌ للعادة، فوجب أن يكون معجزًا، وإذا ثبت كونه معجزًا ثبت كونه رسولًا في ذلك الوقت.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة؛ لأن حصول العلم باللُّغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقصٍ للعادة.
وأيضًا فإما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعةً لتلك المسميات، فحينئذ تحصل المُعَارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كلّ واحد من تلك الألفاظ اسمًا لكل واحد من تلك المعاني؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السُّؤال من وجهين:
الأول: ربّما كان لكل صِنْفٍ من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان كل صنف جاهلًا بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم - ﵊ - لما عَدّ عليهم جميع تلك اللُغات بأسرها عرف كل صنف إصابته في تلك اللُّغة خاصّة، فعرفوا بهذه الطريق صدقة إلاَّ انهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزًا.
الثَّاني: لا يمتنع أن يقال: إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا سمعوا من آدم - ﵊ - أظهر فعلًا خارقًا للعادة، فَلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ وهما عندنا جائزان.
واحتج من قطع بأنه - ﵊ - ما كان نبيًا في ذلك الوَقْتِ بوجوه:
أحدها: أنه لو كان نبيًا في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد النبوة، وذلك غير جائز.
وثانيها: لو كان رسولًا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثًا إلى أحد، أو لا يكون مبعوثًا إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثًا إلى الملائكة والإنس والجن، والأوَّل باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا يجوز جعل الأدون رسولًا إلى الأشرف؛ لأن الرسول متبوع، والأمّة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا
[ ١ / ٥١٧ ]
فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] ولا جائز أن يكون مبعوثًا إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حَوّاء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن يكون مبعوثًا إلى الجن؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ، ولا جائز أيضًا أن يكون مبعوثًا إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولًا التبليغ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولًا فائدة.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة، فوجب أن يكون قبل الزِّلة غير مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب ألا يكون رسولًا؛ لأن الاجتباء والرسالة مُتَلاَزمان، لأن الاجتباء لا مَعْنَى له إلاّ التخصيص بأنواع التشريفات، وكل من جعله الله رسولًا، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
قوله: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ» .
«ثم»: حرف للتَّرَاخي كما تقدّم، والضَّمير في «عَرَضَهُمْ» للمسميات المقدّرة، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات، كما تقدم.
وقيل: يعود على الأسماء. ونقل عن ابن عباس، ويؤيده قراءة أُبيّ «عَرَضَهَا»، وقراءة ابن مسعود: «عَرَضَهُنَّ» إلا أن في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنه أطلق الأسماء، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح.
و«عَلَى المَلاَئِكَةِ» متعلّق ب «عَرَضَهُمْ» .
قال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص، لقوله تعالى: «عَرَضَهُمْ» وقوله: «أَنْبِئُونِي لأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ» .
وفي الحديث: «إنَّه عَرَضَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ» .
[ ١ / ٥١٨ ]
وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء.
فصل في بيان أول من تكلم بالعربية
اختلف في أوَل من تكلم بالعربية.
روى كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسّرياني والكتب كلها، وتكلم بالألسنة كلها آدم ﵊ ُ. فإن قيل: روى ثور بن يزيد عن خَالِدِ بن مَعْدَان عن كعب قال: أوّل من تكلّم بالعربية جبريل - ﵊ ُ - وهو الذي أَلْقَاهَا على لسان نُوحٍ ﵊ ُ، وألقاها نوح على لسان ابنه سَام.
وقال ﷺ َ: «وَعَلمً آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى القَصْعَة والقُصَيْعَة» وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلّم بالعربية من ولد إبراهيم - ﵊ ُ - إسماعيل ﵊، وكذلك إن صَحّ ما سواه فإنه يكون محمولًا على أن المذكور أول من تكلّم من قبيلته بالعربية.
وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم.
قوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ» .
«الإِنْبَاء» الإخبار، وأصل أنبأ أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر كهذه الآية، وقد يحذف حرف الجر، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ [التحريم: ٣] أي: بهذا، وقد يتضمّن معنى أعلم اليقينية، فيتعدّى تعديتها إلى ثلاثة مَفَاعيل، ومثل أنبأ: نبّأ وأخبر، وخبر وحدث.
و«هؤلاء» في محل خفض بالإضافة، وهو اسم إشارة، ورتبته دُنْيَا، ويُمَدُّ وَيُقْصَرُ؛ كقوله: [الخفيف]
٣٦٩ - هَؤُلَى ثُمَّ كُلًاّ اعْطَيْ تَ نِعَالًا مَحْذُوَّةً بِمِثَالِ
[ ١ / ٥١٩ ]
والمشهورة بناؤه على الكَسْرِ، وقد يضم، وقد ينوِّن مكسورًا، وقد تبدل همزته هاء، فيقال: هؤُلاَه، وقد يقال: هَوْلاءِ؛ كقوله: [الوافر]
٣٧٠ - تَجَلَّدْ لاَ يَقُلْ هَؤْلاَءِ: هَذَا بَكَى لَمَّا بَكَى أَسَفًا عَلَيِكَا
ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادّة واحدة، وعند المبرد أصلها ياء، وإنما قلبت همزةً لتطرفها بعد الألف الزَّائدة.
قوله: «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ» تقدّم نظيره وجوابه محذوف أي: إنْ كُنتم صادقين، فأنبئوني. والكوفيين والمبرد يرون أن الجواب هو المتقدم، وهو مردود بقولهم: «أنت ظالم إن فعلت» لأنه لو كان جوابًا لوجبت الفاء معه كما تجب معه متاخرًا.
وقال ابن عطية: إن كون الجواب مَحْذوفًا هو رأي المبرد، وكونه متقدمًا هو رأي سيبويه، وهو وهم؛ لأن المنقول عن المبرد أن التقدير: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني. وهذه الآية دالة على فضيلة العلم.
[ ١ / ٥٢٠ ]