قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ (الآية) لما وصف الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيم فيها وصف الدنيا بصفة توجب (اشتداد) النفرة عنها، وذلك أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾ أي يعونًا ومسالك وَركَايَا في الأرض ومجاري كالعروق في الأجساد ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من خُضْرَة وحُمْرة، وصُفرة وبَيَاض وغير ذلك مختلفًا أصنافه من بُرِّ وشَعير وسِمْسِم «ثُمَّ يَهِيجُ» أي يَبْيَسُ «فَتَراهُ مُصْفَرًّا» لأنه إذا تم جفافه جازَ (له) أن ينفصل عن منابته وإن لم تَتَفَرَّق أجزاؤه فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم تصير حُطَامًا فُتَاتًا متكّسرًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ يعني من شاهد هذه الأحوال في النبات يصير مُصْفَرَّ اللون متحطم الأعضاءِ والأجزاء ثم يكون عاقبته الموت، فإذا كانت مشاهدة فحينئذ تعظم نُفْرتُهُ عن الدنيا ولذاتها.
قوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾ العامة على رفع الفعل نَسَقًا على ما قبله، وقرأ أبو بشر ثم يَجْعَلَهُ منصوبًا.
[ ١٦ / ٤٩٧ ]
قال أبو حيان: قال صاحب الكامل - يعني الهُذَلِي -: وهو ضعيف ولم يبين هو ولا صاحبُ الكامل وجهَ ضعفه ولا تخريجه فأما ضعفه فواضحٌ حيث لم يتقدم ما يقتضي نصبه في الظاهر، وأما تخريجُهُ فذكر أبو الباقء فيه وجهين:
أحدهما: أن ينتصب بإضمار «أَنْ» ويكون معطوفًا على قوله: ﴿أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ في أول الآية والتقدير: ألم تر إنزالَ اللَّه ثم جَعْلَهُ.
والثاني: أن يكون منصوبًا بتقدير: ترى أي ثم ترى جَعْلَه حُطَامًا يعني أنه ينصب «بأَن» مضمرةً وتكون أن وما في حيِّزها مفعولًا به بفعل مقدر وهو «ترى» لدلالة: «أَلَمْ تَرَ» عَلَيْهِ.
قوله (تَعَالَى) ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ الآية، لما بين الدلائل الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله ووجوب الإعراض عن الدنيا وذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا تكمل إلا إذا شُرحَ الصدر ونُوِّر القلب، والكلام في قوله (تعالى): ﴿أَفَمَن شَرَحَ﴾ وقوله: «أَفَمَنْ يتقي» كالكلام في «أَفَمَنْ حَقَّ» والتقدير: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لْلإسْلاَم كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ، أو كالقَاسِي المُعْرِضِ لدلالة: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عليه وكذا التقدير في: «أَفَمَنْ يتقي» أي كمن أمن العذاب، وهو تقدير الزمشخري، أو: كالمُنعمِينَ في الجنة وهو تقدير ابن عطيَّةَ.
فصل
معنى شرح الله صدره للإسلام أيْ وسعه لقبول الحق ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ كمن أقسى الله قلبه ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ قال مالك بن دينار: ما ضرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوةِ وَمَا غضب الله على قوم إلا نَزَعَ منهم الرحمة.
فإن قيل: إن ذكر الله - عزّ جلّ - سبب لحُصُول النور والهداية وزيادة الاطمئنان قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] فكيف جعله في هذه الآية مبينًا لحصول القسوة في القلب؟ .
[ ١٦ / ٤٩٨ ]
فالجواب: أن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العُنْصر بعيدةً عن مناسبة الرُّوحَانِيَّات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمة والأخلاق الذَّميمة فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوةً وكُدُورةً مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس تسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقِد الملح وقد نرى إنسانًا (واحدًا) يذكر كلامًا واحدًا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وعمر بن الخطاب حاضر وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله - ﷺ َ - إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال كل (واحد) منهما: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] فقال رسول الله - ﷺ َ -: اكتب فكذا نزلت فازْدَادَ عمرُ إيمانًا على إيمان، وازداد ذلك الإنسان (كفرًا على كُفْرٍ) وإذا عرف هذا لم يبعد أن يكون ذكر الله - ﷿ - يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة.
[ ١٦ / ٤٩٩ ]