قوله: «نُزُلًا» فيه أوجه:
أحدها: أنه منصوب على الحال من الموصول، أو من عائده، والمراد بالنزل الرزق المعدّ للنازل كأنه قيل ولكم فيهنا الذي تدعونه حال كونه معدًّا.
الثاني: أنه حال من فاعل «تَدَّعُونَ» أو من الضمير في «لَكُمْ» على أن يكون نزلًا جمع نازل كصَابِر وصُبُرٍ وشَارِفٍ وشُرُفٍ.
[ ١٧ / ١٣٨ ]
والثالث: أنه مصدر مؤكد، وفيه نظر، لأن المصدر «نزل» النزول لا النزل. وقيل: هو مصدر أنزل.
قوله: ﴿من غفور رحيم﴾ يجوز أن يكون تعلقه بمحذوف على أنه صفة «لنزلًا» في «لكم» من الاستقرار أي استقر لكم من جهة غفور رحيم، وأن يتعلق بما تعلق به الظرف في «لكم» من الاستقرار أي استقر لكم من جهة غفورٍ رحيمٍ.
قال اأبو البقاء: فيكون حالًا من ما. قال شهاب الدين: وهذا البناء منه ليس بواضح بل هو متعلق بالاستقرار فَضلةً كسائر الفضلات، وليس حالًا من «ما» .
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله ﴾ الآية قال ابن سيرين والسُّدِّيُّ: هو رسول الله ﷺ َ دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحًا في إجابته وقال إنَّني من المسلمين. وقالت عائشة ﵂ إن هذه الآية نزلت في المؤذِّنين. وقال عكرمة: هو المؤذن. وقال أبو أمامة الباهليّ: وعمل صالحًا: ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال قيس بن أبي حازمٍ: هو الصلاة بين الأذان والإقامة.
قوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين﴾ العامة على إنيي بنونين. وابن أبي عبلة وابن نوحٍ بنون واحدة. قوله تعالى: «ولا السيئَةُ» في «لا» هذه وجهان:
أحدهما: أنها زائدة للتوكيد، كقوله: ﴿وَلاَ الظل وَلاَ الحرور﴾ [فاطر: ٢١] وكقوله: ﴿وَلاَ المسياء﴾ [غافر: ٥٨]، لأن استوى لا يكتفي بواحد.
والثاني: أنها مؤسسة غير مؤكِّدة؛ إذ المراد بالحسنة والسيئة الجنس، أي لا تستوي الحسنات في أنفسنا فإنها متفاوته، ولا تستوي السيئات أيضًا، فربَّ واحدةٍ أعظم من أخرى، وهو مأخوذ من كلام الزمخشري، وقال أبو حيان: «إن أخذت الحسنة والسيئة جنسًا لم يكن زيادتها كزيادتها في الوجه الذي قبل هذا» . قال شهاب الدين: «فقد جعلها في المعنى الثاني زائدة، وفيه نظر لما تقدم» .
[ ١٧ / ١٣٩ ]
فصل
قال المفسرون: المراد بالحسنة الصَّبر، وبالسيئة الغضب. وقيل: الحلم والجهل.
وقيل: العفو والإساء. قال بان الخطيب: لما حكى الله تعالى عنهم قولهم: «قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ» وإصرارهم الشديد على دينهم، وعد التأثّر بدلائل محمد صلى الله عليه سولم ثم أطنب في الجواب عن شبهاتهم ثم رغّب محمدًا ﷺ َ في أن لا يترك الدعوة إلى الله بقوله:
﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠] فلهم الثواب العظيم، ثم تَرَقَّى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى، وهي أن الدعوة إلى الله تعالى أعظم الدرحات، ثم كأن سائلًا (سأل ف) قال: إن الدعوة إلى الله، وإن كانت طاعةً عظيمةً، إلا أنَّ الصبر على سفاهة الكفَّار شديدةً، فذكر الله تعالى ما يصلحُ لأ، يكون دافعًا لهذا الإشكال فقال: ﴿ولا تستوي الحنسة ولا السيئة﴾ .
والمراد بالحسنة دعوة الرسول ﷺ َ إلى الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام وترك الالتفات إليهم؛ والمراد بالسيئة ما أظهروا من الجلافة في قولهم: «قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ» وقوله: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فكأنه قال: يا محمد فعلُك حسنة، وفعلُهم سيئة، ولا تستوي الحسنة (ولا السيئة) أنت إذا أتيت بهذه الحسنة استوتجبت التعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة، وهم بالضِّدِّ من ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعًا لك من الاشتغال بهذه الحسنة. ثم قال ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني ادفع ستاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي أحسن الطُّرق. قال ابن عباس ﵄ أمر بالصبر عند الغضب، وبالحِلْم عند الجهل، وبالعفو عن الإساءة. والمعنى أنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرةً بعند أخرى ولم تقابل سفاهتهم بالغضب استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا أفعالهم القبيحة، وانقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغضاء إلى المودَّة فقال: ﴿فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ يعني إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي كالصديق القريب، قال مقاتل بن حيَّان: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وذلك لأنه لان للمسلمين شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبيّ ﷺ َ، ثم أسلم فصار وليًّا بالإسلام وحميمًا بالقرابة.
قوله: كأنه ولي «في هذه الجملة التَّشبيهيَّة وجهان:
أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والموصول متبدأ، و» إذا «التي
[ ١٧ / ١٤٠ ]
للمفاجأة خبره والعامل في هذا الظرف من الاستقرار هو العامل في هذا الحال. ومحطُّ الفائدة في هذا الكلام (هي الحال والتقدير: فالبحضرة المعادي مشبهًا القريب الشفوق.
والثاني: أن الموصول مبتدأ) أيضًا، والجملة بعد خبره، و» إذَا «معمولة لمعنى التشبيه والظرف يتقدم على عامله المعنوي. هذا إن قيل: إنها ظرف.
فإن قيل: إنَّها حرف فلا عامل.
قوله:» وَمَا يُلَقَّاها: العامة على يُلَقَّاها من التَّلْقِيَة. وابن كثير في رواية وطلحة بن مصرف يُلاَقَاها من المُلاَقَاةِ، فالضمير للخصلة أو الكلمة، (أو الجنة أو شهادة التوحيد.
فصل
لما أرشد الله تعالى إلى الطريق النافع في الدين والدنيا) قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ﴾ (قَالَ الزَّجاج: «وَمَا يُلَقَّى هذه الفِعْلَةَ إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) على تحمل المكاره وتجرح الشدائد وكظم الغيظ، وترك الانتقام. ﴿يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ من الفضائل النفسانية. وقال قتادة الحظ العظيم الجنة، أي وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
[ ١٧ / ١٤١ ]