قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ قرأ عاصم براية أبي بكر: «بِزينَةٍ» منونة ونصب «الكواكب» وفيه وجهان:
[ ١٦ / ٢٧٥ ]
أحدهما: أن تكون الزنية مصدرًا وفاعله محذوف بأن زين الله الكواكب في كونها مضيئةً حسنةً في أنفسها.
والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به كاللِّيقَةِ اسم لما يُلاَقُ به الدَّوَاة فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار أعني أو يكون بدلًا من (ال) سَّمَاء الدُّنْيَا بدل اشتمال أي كواكبها أو من محل «بزينَةٍ» وحَمْزةُ وحفصٌ كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان به، والكواكب بدل أو بيان للزينة وهي قراءة مسروق بن الأجدع قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة كقوله: «بالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ» فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة لأنها هي كقولك: «مَرَرْتُ بأَبِي عَبْد اللَّه زَيْدٍ» والباقون بإضالة زينَة إلى الكواكب وهي تحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون إضافة أعم إلى أخص فتكون للبيان نحو: ثَوْبُ خَزَّ.
الثاني: أنها مصدر مضاف لفاعله أي بأن زَيَّنَتِ الكَوَاكِبُ السَّمَاءَ بضَوْئِهَا.
والثالث: أنه مضاف لمفعوله أي بأن زينها الله بأن جعلها مشرقة مضئية في نفسها وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها وبرفع الكواكب فإن جَعَلْتَهَا مصدرًا
[ ١٦ / ٢٧٦ ]
ارتفع الكواكب به، وإن جعلتها اسمًا لما يزان به فعلى هذا ترفتع «الكواكب» بإضمار مبتدأ أي هي الكواكب. وهي في قوة البدل ومنع الفراء إعمال المصدر المنون ورغم أنه لم يُسْمعْ وهو غلط لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] كما سيأتي إن شَاءَ اللَّهُ. قوله: «وَحِفْظًا» منصوب على المصدر، بإضمار فعل أي حَفِظْنَاهَا حِفظًا، وإما على المفعول من أجله على زيادة الواو والعامل فيه زَيَّنَّا أو على أن يكون العامل مقدرًا أي لحِفْظِهَا زَيَّنَّا أو على الحمل على المعنى المتقدم أي: إنا خلقنا السماء الدينا زينةً وحفظًا، و«مِنْ كُلّ» ويجوز أن يكون صفةً «لِحفْظًا» قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصرد فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله كقولك: أفْعَلُ وكَرَامَةً لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف فكان المعنى أفْعَل ذَاكَ واُكْرِمُكَ كَرَامَةً.
فصل
قال ابن عباس «زينا السماء الدينا» بضوء الكواكب «وحفظناها من كل شيطان مارد» متمرد يرمون بها، وتقدم الكلام على المارد عن قوله: ﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾ [التوبة: ١٠١] واعمل أنه تعالى بين أنه زين السماء لمنفعتين:
إحداهما: تحصل الزينة.
والثانية: الحفظ من الشيطان المارد.
فإن قيل: ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات السِّتَّةِ المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب؟ .
[ ١٦ / ٢٧٧ ]
فالجواب: أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدو (نَ) هَا مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ وأيضًا فكون هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن لم يتم دليل الفلاسفة عليه.
فن قيل: هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله المساء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تَبْطُل وتَضْمَحِّل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقة لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير ألبتة وأيضًا فجعلها رجومًا للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض وإن كانت هذه الشهب جنسًا آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضًا مُشْكِل لأنه تعالى قال في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] فالضمير في قوله: «وَجَعَلْنَاهَا» عائد إلى المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعينها.
فالجواب: أن الشهبَ غير تلك الكواكب الثاتبة وأما قوله تعالى: «ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين» فنقو (ل) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الأرض آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجومًا للشياطين إلى حيث يعلمون وبهذا يزول الإشكال.
فإن قيل: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة وهل يمكن أن يصدر (مثل) هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مَزِيَّة في معرفة الحِيل الدقيقة؟ .
فالجواب: أن حصول هذه الحال ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز ان يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنهم لا تصيبهم الشهب فيما كما يجوز فيمن سَلَك البَحْرَ أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه يغلب على ظنه حصول النجاة. هذا ما ذكره أبو عَلِيٍّ الجُبَّائي في الجواب عن (
[ ١٦ / ٢٧٨ ]
هذا) السؤال في تفسيره وفي هذا الجواب نظر فإن السموات ليس فيها موضع خال من الملائكة لقوله - عليه (الصلاة و) السلام -: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ سَاجِدٌ»
قال ابن الخطيب ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا إما أن يَصِلوا إلى مواضع (الملائكة) وإلى غير (تلك) المواضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصود أصلًا وعلى كلا التقديرين فالمقصود غير حاصل. وإذا كان الفوز بالمقصود محالًا وجب أن يمتنعوا عن هذا الفعل وألا يقدموا عليه أصلًا بخلاف حال المسافر في البحر فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود وأما ههنا فالشيطان الذي يسلم من الإحراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة وإذا لم يصل إلى ذلك الموضع لم يفز بالمقصود فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل البتة والأقرب في الجواب أن يقال هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب نُدْرَتِهَا فيما بين الشياطين. والله أعلم فإن قيل: دلتنا التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلًا قبل مجيء النبي - ﷺ َ - (ولذلك) فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي - ﷺ َ - بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه وإذا ثبت أن ذلك كان موجودًا قبل مجيء النبي - ﷺ َ - امتنع حمله على مجيء النبي - ﷺ َ - أجاب القاضي بأن الأقرب أنَّ هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي - ﷺ َ - ولكنها كثرت في زمان النبي - ﷺ َ - فصارت بسبب الكثرة معجزةً.
فإن قيل: الشيطان مخلوق من النار كما حكي عن قول إبليس ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقال: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: ٢٧] ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟ .
فالجواب: يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النِّيران إلا أنَّها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالًا منهم ولا جَرَمَ صار الأقوى للأضعف مبطلًا، ألا ترى أن السراج
[ ١٦ / ٢٧٩ ]
الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ فكذلك ههنان.
قوله: ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ﴾ قرأ الأخوان وَحفصٌ بتشديد السين (فالميم) والصل يَسْتَمِعُونَ فأدغم، والباقون بالتخفيف فيهما. واختار أبو عُبَيْدٍ الأولى وقال: لو كان مخففًا لم يتعد بإِلى. وأجيب عنه بأن معنى الكلام لا يسمعون إلى الملأ، وقال مكي: لأنه رجى مجرى مُطَاوِعِهِ وهو يسّمعون فكما كان يسمع يتعدى «بإلى» تعدى سَمِع بإلى، وفَعِلْتُ وافْتَعَلْتُ في التعيدي سواء فتسع مطاوع سمع واستع أيضًا مطاوع سمع فتعدى سمع تعدّي مطاوعه وهذه الجملة منقطعة عما قلها ولا يجوز فيها أن تكون صفة لشيطان على المعنى إذ يصير التقدير: مِنْ شَيْطَانٍ مَارِدٍ غير سامع أو مستمع وهو فاسد، ولا يجوز أن يكون جوابًا لسؤال سائل: لم تحفظ من الشياطين؟ إذ يفسد معنى ذلك وقال بعضهم: وأصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت «اللام وأن» فارتفع الفعل وفيه تعسف وقَدْ وَهِمَ أبو البقاء فيجوَز أن تكون صفة وأن تكون حالًا وأن تكون مستأنفة فالأولان ظاهِرَا الفساد والثَّالث إنْ غني به الاستنئاف البياني فهو فاسد أيضًا.
وإن أراد الانقطاع على ما تقدم فهو صحيح.
فصل
واحتجوا لقراءة التخفيف بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون وللأولين أن يجيبوا فيقولوا التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضًا عن التسمع بدلالة هذه الآية بل هذا أقوى في رَدْع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء فإن الذي منع من الاستماع بأن يكون ممنوعًا
[ ١٦ / ٢٨٠ ]
عن السمع أولى واعلم أن الفرق بين قوله: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلاَن وبين قولك: سمِعْتُ إلى حَدِيثه أنّ قولك: سِمِعْتُ حديثَه يفيد الإدراك وسمعت إلى حديثه يفيد الإصفاء مع الإدراك وفي قوله: «لا يسمعون إلى الملأ الأعلى» قولان أشهرهما: أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب صار كقوله: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قال الزمخشري: حذف اللام وإن كل واحد منهما جائز بانفراده وأما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صون القرآن عنها، قال الزمخشري: إنه كلام منقطع عما قبله وهو حكاية المُسْتَرِقِينَ السمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن المقصود. والملأ الأعلى هم الملائكة الكتبة سكان السموات ومعنى يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ من كل جانب من آفاق السماء.
قوله: ﴿دُحُورًا﴾ العامة على ضم الدال وفي نصبه أوجه:
أحدهما: المفعول له أي لأجل الطرد.
الثاني: مصدر ليقذفون أي يُدْحَرُونَ دُحُورًا أو يُقْذَفُون قذفًا فالتجوز إما في الأول وإما في الثاني.
الثالث: أنه مصدر لمقدر أي يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
الرابع: أنه في موضع الحال أي ذَوِي دُحُورٍ أو مَدْحُورِينَ وقيل: هو جمع دَاحِر قَاعِد وقُعُودٍ فيكون حالًا بنفس من غير تأويل قال مجاهد: دحورًا مطرودين. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ويَقْذِقُونَ مبنيًا للفاعل وقرأ علِيُّ والسُّلَمِّي وابنُ أَبِي عَبْلَةَ دَحْورًا بفتح الدال وفيها وجهان:
[ ١٦ / ٢٨١ ]
أحدهما: أنه صفة لمصدر مقدر أي قَذْفًا دَحُورًا. وهو كالصَّبُور والشَّكُورِ.
والثاني: أنه مصدر كالقبُول والوَلُوع وقد تقدم أنه محصور في ألفظ، والدُّحُور قال المبرد: أشد الصغار والذل. وقال ابن قتيبة: دَحَرْتُهُ دُحُورًا ودَحْرًا أي دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ وتقدم في الأعراف عند قوله: ﴿مَذْءُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] .
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى وتقدم في سورة النحل في قوله: ﴿وَلَهُ الدين وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] .
قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلًا من ضمير «لا يَسَّمَّعُونَ» وهو أحسن لأنه غير موجب.
والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون «من» شرطية وجوابها: «فَأَتْبَعَهُ» أو موصولة وخبرها «فَأَتْبَعَهُ» وهو استثناء منقطع وقد نصوا على أن مثل هذه الجملة تكون استثناء منقطعًا كقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣] والخَطْفَةُ مصدر معرف بأل الجنسية أو العهدية، وقرأ العامة خَطِفَ بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة، وقتادةُ والحسنُ بكسرهما وتشديد الطاء وهي لغة تميم بن مُرة وبكرة بن وائل وعنهما أيضًا وعن عيسى: بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة وعن الحسن (أيضًا) خطف كالعامة وأصل القراءتين اختطف
[ ١٦ / ٢٨٢ ]
فلما أريد الإدغام سكنت التاء وقبلها الخاء ساكنة فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين ثم كسرت الطاء إتبعًا لحركة الخاء وهو مفقود وقد وجه على التَّوَهُّم وذلك أنهم لما أرادوا الإدغام نقوا حركة التاء إلى الخاء ففتحت وهم يتوهمون أنهم مكسورة لالتقاء الساكنين - كما تقدم تقريره - فاتبعوا الطاء لحركة الخاء المتوهمة، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في مقتضيات الإعراب فلأن يَفْعَلُوه في غيره أولى. وبالجملة فهو تعليل شذوذ وقرا ابنُ عَبَّاسٍ خِطِفَ بكسر الخاء والطاء خفيفةً وهو إتباع كقولهم: نِعِمْ بكسر النون والعين وقرئ فاتَّبعه بالتشديد.
فصل
ومعنى الخطف أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقةً «فأتبعه» أي لحقه شهاب ثاقب كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقلته أو يحرقه قيل: سمي ثاقبًا لأنه يَثْقُبُ بنوره سَبْع سمواتٍ. وقال عطاء: سمي النجم الذي يرمي به الشياطين ثاقبًا لأنه يَثْقُبُهُمْ وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعًا في السلامة ونيل المراد كراكب البَحْر.
قوله: ﴿فاستفتهم﴾ يعني كفار مكة أي سَلْهُمْ «أهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا» يعني السموات والأرض والجبال. وهو استفهام بمعنى التقرير أي هذه الأشياء أشد خلقًا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: ٥٧] وقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السمآء بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] (وقيل: معنى) أَمَّنْ خَلَقْنَا (يعني): من الأمم الخالية لأن مَن تذكر لمن يعقل والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكَم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم في ذنوبهم فما الذين يُؤمِّنُ هؤلاء من العذاب.
قوله: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ العامة على تشديد الميم الأصل أَمْ مَنْ وهي «أَمْ» المتصلة
[ ١٦ / ٢٨٣ ]
عطفت «من» على «هم» وقرأ الأعمش بتخفيفها وهو استفهام ثانٍ فالهمزة للاستفهام أيضًا و«مَنْ» مبتدأ وخبره محذوف أي الذين خلقناهم أشد، فهما جملتان مستلقتان وغلب من يعقل على غيره ولذلك أتى «بمن» قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ أي جيّد حر لاصق يعْلِقُ باليد. واللازبُ والازمُ بمعنى وقد قرئ: لاَزمٌ لأنه يلزم اليد، وقيل: اللازِبُ اللَّزج.
وقال مجاهد والضحاك: مُنْتِن، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم.
فصل
وجه النظم: أنه قد تقرر أن المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيّات والمَعَاد والنُّبُوة وإثبات القَضَاء والقدر فافتتح تعالى هذه السورة بإثبات ما يدل على وُجُود الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته وهو خالق السموات والأرض وما بينهما وَربّ المشارق، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن نم قدر على ما هو أصعب وأشق وجب أن يقدر على ما هو دونه وهو قوله: ﴿فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ فمن قدر على ما هو أشد وأصعب فبِأن يكونَ قادرًا على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى. وأيضًا فقوله: «إنا خلقناهم من طين لازب» يعني أن هذه الأجساد قابلة للحياة إذ لو تكن قابلةً للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والمراد بقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ يعني أصلهم وهو آدم - عليه (الصلاة و) السلام - رُوِيَ أنَّ القوم قالوا: كيف يعقل تولد الإنسان لا من أبوين ولا من نطفة؟ فكأنه تعالى قال لهم: إنكم لما أقررتم بحُدوثِ العَالَم واعترفتم بأن السموات والأرض وما
[ ١٦ / ٢٨٤ ]
بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن يعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين فإن اعْتَرَفْتُمْ به فقد سقط قولكم: إن الإنسان كيف يحث من غير نطفة ومن غير الأبوين؟ وأيضًا فقد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من طين لازب ومن قدر على خلق الحياة من الطين اللازب كيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات ويمكن أن يكون المراد بقوله: «إنا خلقناهم من طين لازب» أي كل الناس ووجهه أن الحيوان إنما يتولد من المَنِي ودَم الطَّمْثِ والمني إنما يتولد من الدَّم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغِذَاء، والغذاء إما حيوانيّ وإما نباتيّ، وأما تولد الحيوان الذي صرا غذاءً فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما تولد من امتزاد الأرض بالماء وهو الطين اللازب فظهر أن كل الخلق (منه) مُتَوَلِّدُونَ من الطِّينِ اللازب وهو قابل للحياة والله تعالى قادر عليها. وهه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصفة في كل الأوقات، وهذه بيانات ظاهرة.
[ ١٦ / ٢٨٥ ]