ولما بلغ محمد رسول الله ﷺ أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وبشيرا للناس كافة.
وكان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من النبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله ﷺ رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده.
ومكث رسول الله ﷺ كذلك إلى أن جاءه جبريل ﵇ بما جاءه من كرامة الله، وهو بحراء فى شهر رمضان، وكان رسول الله ﷺ يعتكف فى حراء ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاء من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ اعتكافه من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته.
حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر رمضان،
خرج رسول الله
[ ١ / ٣٦ ]
ﷺ إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل ﵇ بأمر الله تعالى فقال: اقرأ، قال:
ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى «١» حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال:
اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زملونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها- وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ. فقال ورقة:
والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر، الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له: فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.
فلما قضى رسول الله ﷺ اعتكافه وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال:
يابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ.
فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس
_________________
(١) غطنى: عصرنى عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة. []
[ ١ / ٣٧ ]
الأكبر الذى جاء موسى، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه.
ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله.