ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، حين رجع من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج فى بقية المحرم إلى خيبر.
واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب ﵁، وكانت بيضاء.
ويقول أنس بن مالك: وكان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذائا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار.
فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله ﷺ، حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبى طلحة، وإن قدمى لتمس قدم
[ ١ / ٢٢٨ ]
رسول الله ﷺ، واستقبلنا عمال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرابا،
فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين!
وتدنى «١» رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا حصنا، وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن: صفية بنت حيى بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وبنتى عم لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه.
وكان دحية بن خليفة الكلبى قد سأل رسول الله ﷺ صفية، فلما اصطفاها لنفسه، أعطاه ابنتى عمها، وفشت السبايا من خيبر فى المسلمين.
وأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بنى النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسول الله ﷺ رجل من يهود، فقال لرسول الله ﷺ: إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك: أأقتلك؟ قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده
، فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.
_________________
(١) تدنى: أخذ الأدنى فالأدنى.
[ ١ / ٢٢٩ ]
فلما اطمأن رسول الله ﷺ، أعدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية «١»، وقد سألت: أى عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله ﷺ، تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها،
وأما رسول الله ﷺ فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم، ثم دعا بها، فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت:
بلغت من قومى ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، ومات بشر من أكلته التى أكل.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر، قذف الله الرعب فى قلوب أهل فدك، حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ ويصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر، أو بالطائف، أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
وقدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر جعفر بن أبى طالب ﵁، فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال:
ما أدرى بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم يقدوم جعفر؟
_________________
(١) مصلية: مشوية.
[ ١ / ٢٣٠ ]