ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم فى الحجر إذ أمر بحفر زمزم، فلما بين لعبد المطلب شأنها، ودل على موضعها، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركك تحفر عند وثنينا هذين اللذين فنحر عندهما إساف ونائلة. فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عنى حتى أحفر، فو الله لأمضين لما أمرت به.
فلما عرفوا أنه غير نازع خلّوا بينه بين الحفر، وكفّوا عنه. فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدائه الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق.
وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة:
حفر عبد شمس بن عبد مناف «الطوى»، وهى البئر التى بأعلى مكة، عند دار محمد بن يوسف الثقفى.
وحفر هاشم بن عبد مناف «بذر»، وهى البئر التى على فم شعب أبى طالب.
وحفر أمية بن عبد شمس «الحفر» لنفسه.
وحفرت بنو أسد بن عبد العزى «سقية» .
وحفرت بنو عبد الدار «أم أحراد» .
[ ١ / ٢٠ ]
وحفرت بنو جمح «السنبلة» .
وحفرت بنو سهم «الغمر» .
فعفت زمزم على البئار التى كانت قبلها، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها، وعلى سائر العرب.