(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)
أي: ورثكم من قبلكم وجعلكم خلفاء عنهم.
وقيل: معناه يخلف بعض عن بعض، ولا يبقى لأحد، وفي معناه:
١٢٤٦ - الرمح لا أملأ كفي به واللبد لا [أ] تبع تزواله
١٢٤٧ - والدرع لا أبغي به ثروة كل امرئ مستودع ماله
[ ٣ / ١٤٦٦ ]
ومثله لتميم بن مقبل:
١٢٤٨ - فأتلف وأخلف إنما المال عارة وكله مع الدهر الذي هو آكله
١٢٤٩ - فأيسر مفقود وأهون هالك على الحي من لا يبلغ الحي نائله.
فقوله: عارة، كالقول: خلفة.
(ولله ميراث السموات والأرض)
أي: فيم لا تنفقون، وأنتم ميتون وتاركون ما تجمعون.
(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح)
أي: هم على سبقهم لغيرهم متفاوتون في الدرجات.
(من ذا الذي يقرض الله)
[ ٣ / ١٤٦٧ ]
كل عمل خير أو شر، إذا كان بمثابة الجزاء، فهو قرض عند العرب، فلذلك وصفه بالحسن، [إذ] كان فيما يجزى ما ليس بحسن. قال الشنفري:
١٢٥٠ - جزينا سلامان بن مفرج قرضها بما قدمت أيديهم وأزلت
١٢٥١ - سقينا بعبد الله بعض غليلنا وعوف لدى المعدى أوان استهلت.
(يسعى نورهم بين أيديهم)
نور أعمالهم المقبولة.
أو نور الإيمان.
(وبأيمانهم)
وهو نور آخر عن أيمانهم بما أنفقته أيمانهم.
[ ٣ / ١٤٦٨ ]
(بشراكم اليوم)
أي: النور بشراهم بالجنات.
(انظرونا)
انتظرونا كما شوى واشتوى، وحفر واحتفر.
قال الشاعر فجمع بين اللغتين:
١٢٥٢ - ما زلت مذ أشهر السفار أنظرهم مثل انتظار المضحي راعي الغنم.
(قيل ارجعوا وراءكم)
[إذ] لم يتقدم بهم الإيمان.
(فضرب بينهم بسور)
وهو الأعراف.
[ ٣ / ١٤٦٩ ]
قال عبد الله بن عمرو [بن] العاص: "هو سور بالمسجد الأقصى، وراءه وادي جهنم".
وعن كعب: "أن السور هو الباب الذي يسمى باب الرحمة في المسجد الأقصى".
(فتنتم أنفسكم)
أهلكتم وأضللتم.
يقال: فتنه وأفتنه. قال الشاعر -فجمع بين اللغتين-:
[ ٣ / ١٤٧٠ ]
١٢٥٣ - لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيدًا فأمسى قد قلى كل مسلم.
وقيل: فتنتم: ادعيتم الفتنة، لتقعدوا عن الجهاد، أي: قلتم: إئذن لي ولا تفتني.
(وتربصتم)
قلتم: (نتربص به ريب المنون).
(الغرور)
الشيطان.
وقيل: الدنيا.
[ ٣ / ١٤٧١ ]
(هي مولاكم)
أولى بكم.
(ألم يأن)
يقال: أنى يأني، وآن يئين، بمعنى: حان. فجمع بين اللغتين:
١٢٥٤ - ألم يأن لي أن تجلى [عما يتي] وأقصر عن ليلى؟ بلى قد أنى ليا.
(إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله)
أي: الذين تصدقوا، وأقرضوا الله بتلك الصدقة، [فلذلك] عطف بالفعل.
[ ٣ / ١٤٧٢ ]
ومن خفف الصاد، كان المعنى قوله تعالى: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات)، لأن التصديق إيمان، وإقراض الله من العمل الصالح.
(أعجب الكفار)
الزراع.
ويجوز الكافرين، لأن [الدنيا] أفتن لهم وأعجب عندهم.
(من قبل أن نبرأها)
نخلقها، أي: الأرض والأنفس، ولما حمل سعيد بن جبير إلى الحجاج، بكى بعض أصحابه، فسلاه سعيد بهذه الآية.
(لكيلا تأسوا على ما فاتكم)
أي: أعلمناكم بذلك لتسلوا عن الدنيا، إذا علمتم أن ما ينالكم في كتاب قد سبق، لا سبيل إلى تغييره.
[ ٣ / ١٤٧٣ ]
قال ابن مسعود: "لجمرة على لساني تحرقه جزءًا جزءًا، أحب إلي من أن أقول لشيء كتبه الله: ليته لم يكن".
وحدث قتيبة [بن] سعيد قال: هبطت واديًا، فإذا أنا بفضاء مملوء من جيف الإبل، لا يحصى عددًا، وشيخ على تل كأفرح ما يكون، فقلت: أكانت كلها لك؟
فقال: كان باسمي فارتجعها مالكها، وأنشد:
١٢٥٥ - لا والذي أنا عبد في عبادته والمرء في الدهر نصب الرزء والمحن
١٢٥٦ - ما سرني أن إبلي في مباركها وأن شيئًا قضاه الله لم يكن.
[ ٣ / ١٤٧٤ ]
(فإن الله هو الغني)
"هو" في مثل هذا الموضع فصل في عبارة البصريين، [وعماد] في عبارة الكوفيين.
قال سيبويه: إنما يدخل، ليعلم أن الاسم قبله قد تم، ولم يبق نعت ولا بدل، فينتظر الخبر. ومثله: (إني أنا ربك)، (أنهم هم الفائزون)، (إنا نحن نزلنا الذكر)، فكلها فصول مؤكدة لا موضع لها من الإعراب.
وهذا أصوب وأقرب ممن قال: إنه مبتدأ، و"الغني": خبره، و"الحميد": خبر بعد خبر، والجملة من المبتدأ والخبر، خبر، لأن كونهما خبري إن من
[ ٣ / ١٤٧٥ ]
غير واسطة أقصد [وأقسط] من أن [يجعلا خبرا] مبتدأ، ثم "هو" وهما: خبر "إن".
(وأنزلنا الحديد)
قيل: إن آدم هبط إلى الأرض بالسندان والمطرقة والكلبتين. وقيل: إنها من الأرض، ومعنى الإنزال: الإظهار، [فالماء] ينزل من السماء، ثم يغور في الأرض، ثم ينعقد في المعادن جواهر، مثل: الكبريت والزئبق، فيكون بامتزاجهما على الأيام الحديد ونحوه، ومثلها قوله: (وأنزل لكم [من] الأنعام).
[ ٣ / ١٤٧٦ ]
(وليعلم الله من ينصره ورسله)
أي: أزيحت العلل في خلق الأشياء وتيسير المنافع والمصالح، ليعلم الله من ينصره.
(بالغيب)
أي: سره مثل علانيته.
(رهبانية)
تقديره: وابتدعوا رهبانية.
(ما كتبناها عليهم)
[أي: ما كتبنا عليهم] غير ابتغاء رضوان الله.
(كفلين من رحمته)
نصيبين، أحدهما لإيمانهم بالرسل الأولين، والثاني لإيمانهم بخاتم النبيين.
(لئلا يعلم أهل الكتاب)
قيل: إن يعلم هنا بمعنى: "يظن" كما جاء "الظن" في مواضع بمعنى "العلم".
[ ٣ / ١٤٧٧ ]
وقيل: معناه: لأن يعلم، قال الراجز:
١٢٥٧ - ولا ألوم البيض ألا تسخرا
١٢٥٨ - وقد رأين الشمط [ا] لقفندرا
[تمت سورة الحديد]
[ ٣ / ١٤٧٨ ]