يا بني لا تقصص رؤياك! !
[ ١٥٥ ]
وبعد أن انتهينا من الوقوف على رموز رؤيا يوسف ﵇ نعرج على نصيحةٍ مهمّةٍ قالها يعقوب ﵇ لابنه، وتتمثل في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ (^١)، كانت تلك النصيحة في غاية الرحمة والشفقة والحكمة من يعقوب ﵇ مخافة وقوع الضرر على يوسف ﵇ أو الحسد الذي سوف يأتي بما بعده من حقدٍ عليه وأذية له (^٢)، مع العلم أيضا أن بداية هذه الآية دليل قاطع على جواز قص الرؤيا على من يحسن التعبير وتتوفر فيه شروط المعبر المحسن.
وفي الحقيقة هذه النصيحة ليست خاصة ليوسف ﵇ فقط، بل هي نصيحة لكل من كان عنده رؤيا ويريد أن يتحدث عنها.
وإذا علمنا أن التحذير من الحسد في هذا الجانب جاء مع أول آية رؤيا في القرآن الكريم، وأنه كان أول ما أجاب عنه يعقوب ﵇ فنصح وحذر.
وكل أمر يأتي في البداية له أهمية تفوق ما سواه، بل إنه - ﵇- لم يعبر الرؤيا ولكن نصح وحذر، ومن هذا الموقف يتضح لنا أهمية هذه النصيحة النبوية، وألا نقص الرؤيا على أي أحد، وبالأخص من كان فيه داء الحسد، حتى وإن كان بارعًا في باب التعبير.
_________________
(١) سورة يوسف الآية (٥).
(٢) انظر زاد المسير (٤/ ١٨٠).
[ ١٥٧ ]
ولو بحثنا في الأحاديث النبوية الشريفة لوجدنا أن رسول الله ﷺ حذرنا كثيرًا من قص الرؤيا على أي أحد.
وميراثنا النبوي اهتم بهذا الجانب والتنبيه عليه:
فقال ﵇ في الحديث الشريف: (لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح) (^١).
وفي حديث آخر: (ولا يَقُصُّهَا إِلا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ) (^٢).
وقال ﵇ أيضًا: (فلا تحدث بها إلا عالمًا، أو ناصحًا، أو حبيبًا) (^٣).
وقال: (وَلا يُحَدِّثُ بِهَا إِلا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا) (^٤).
فالرؤيا الحسنة يحسد عليها المرء؛ لأنها لا تكون لأي أحد، ولا تأتي لأي إنسان، فهي من الله يرسلها لمن يشاء من عباده، يقول رسول الله ﷺ: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله ) (^٥)، فدل الحديث على أنها من الله، وكأنها هبة وهدية لعباده، فعلى
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح حديث رقم [٢٢٨٠].
(٢) أبو داود حديث رقم ٥٠٢٠، صححه الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الجامع حديث رقم ٣٥٣٥.
(٣) صحيح ابن حبان برقم [٦٠٥٥].
(٤) رواه الترمذي حديث رقم [٢٢٧٨].
(٥) صحيح البخاري برقم [٦٩٨٥] (٩/ ٣٠).
[ ١٥٨ ]
المرء أن يحافظ عليها وكأنها سر من أسراره، لا يخرجه إلا لأمين، فموضوع قص الرؤيا والتعامل معها موضوع في غاية الحساسية، والكثير يتهاون في أمر قص الرؤيا فيقصها على جاهل أو حاسد، وهذا خطأ كبير.
بل وحتى من يفسرون الرؤى يُحْسَدُون على ذلك؛ لأنهم أُعطوا ما لم يأخذه غيرهم، فالرؤيا وتفسيرها محاطة بالحسد فليتنبه لذلك.
[ ١٥٩ ]