فينجم عن هذا درس أن النبي ﵊ حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم، ولا نبي بعده ولا أمة بعدنا.
وهذا النبي خصه الله جل وعلا بأمور منها ما يشترك فيه مع إخوانه من النبيين، ومنها ما هو خصيصة له صلوات الله وسلامه عليه، فمما يشترك فيه مع النبيين أنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وأنه يخير عند الموت، وأنه يدفن حيث مات، وأنه مؤيد بالوحي، فهذا كله يشترك فيه النبي ﵊ مع غيره من الأنبياء.
ثم خصه الله جل وعلا بخصائص عدة صلوات الله وسلامه عليه، منها هذه الخصيصة، وهي أن الله جل وعلا أخذ العهد والميثاق من النبيين من قبل أنه متى ظهر صلوات الله وسلامه عليه في زمانهم فعليهم أن يتبعوه، وقد ظهر ﵊ وليس هناك نبي، وآخر الأنبياء قبله ﵊ هو عيسى ابن مريم، وبين عيسى ونبينا ﵊ قرابة ستة قرون.
يقول ﵊: (لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا أن يتبعني)، ولذلك فإن الذين قالوا: إن الخضر صاحب موسى المعروف حي نرد عليهم بأن من أعظم الأدلة على أن الخضر غير حي أن النبي ﵊ وقف في لواء يوم بدر، ويوم بدر جمع الله جل وعلا فيه على أرض بدر خيرة خلقه، وذلك اللواء كان تحته النبي ﵊ وجبرائيل، فلو أن الإنسان صنع ما صنع من الدين والمناقب والعطايا والإمامة وغير ذلك فإنه لا يمكن أن يصل إلى الدرجة التي أعطاها الله جل وعلا أهل بدر يوم بدر، فإن الله جل وعلا أخرجهم من بيوتهم ليكونوا مع نبيه ﷺ، وقد قال حسان بن ثابت مفتخرًا في شطر بيت لم تعرف العرب فخرا أعظم منه: جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا لوجب عليه شرعًا أن يكون مع النبي ﷺ يوم بدر؛ لأن النبي ﵊ كان يومها في أعظم الحاجة إلى النصرة، ولذلك قال ﵊ وهو ينظر إلى أهل بدر من أصحابه: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا) وقال ﵊ لـ عمر في قصة حاطب: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) فلا يعدل مقام النبي ﵊ في يوم بدر وأصحابه أي مقام لأي أحد بعدهم من أهل الدنيا، لا من الصحابة ولا من غير الصحابة، فمن باب أولى أن كل ما يصنعه الناس بعد جيل الصحابة لا يمكن أن يرقى إلى صنيع المسلمين الثلاثمائة والأربعة عشر الذين كانوا مع النبي ﵊ يوم بدر.
ومن خصائصه ﵊: أن الرسول يبعث إلى قومه خاصة وهو ﵊ بعث إلى الناس عامة.
ومن خصائصه ﵊ بعث إلى الجن ولما كان ﵊ في وادي نخلة بعد خروجه من الطائف وأخذ يقرأ القرآن ويقوم الليل يتلو آيات ربه جاء الجن فاجتمعوا عليه، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، يعني أن نبينا ﷺ يدعو ربه ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، واللبد: الشيء إذا تجمع.
فالجن لما سمعت قراءته ﷺ وتوسله إلى ربه في ظلمة الليل في وادي نخلة أقبلت رغم شدة جبروتها فأحاطت به ﷺ وأخذت تسمع ما يتلوه ويقرؤه ﷺ في ظلمة الليل رغم أنه ﵊ لم يكن يعلم ولم ير الجن وهم يستمعون إليه، ولذلك قال الله له: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١]، أي: أنا لا أدري ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، فاجتمعوا حوله وسمعوا قراءته وتلاوته وتهجده وتعبده لربه ودعاءه لله وهو لا يعلم عنهم شيء فلما مضى صلوات الله وسلامه عليه أخبره ربه بأن الجن كانت تستمع إليه.
ومن خصائصه ﷺ: رحلة الإسراء والمعراج، وهذه أشهر من أن تعرف.
ومن خصائصه صلوات الله وسلامه عليه أن الله يعطيه يوم القيامة مقام الوسيلة، وهو المقام المحمود قال ﵊: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد صالح، وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه، فالوسيلة حق له صلوات الله وسلامه عليه من ربه، وهذا من خصائصه ﵊.
والمقام يطول، ولكن الذي يعنينا أن يكون الفرد محبًا متبعًا لنبيه ﷺ.
[ ٤ / ٢٠ ]