تعددت العبارات في تعريف الترجيح، فبعضها يعتمد على فعل المُرجِّح الناظر في الأدلة، وبعضها يُظهِر معنى الرجحان الذي هو وصفٌ قائمٌ بالدليل أو مضافٌ إليه، فيكون الظن المستفاد منه أقوى من غيره (^١).
فمن الأول قولهم: "الترجيح هو تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل" (^٢)، وقولهم: "هو بيان القوة لأحد المتعارضين على الآخر" (^٣).
ومن الثاني قولهم: "الترجيح هو اقتران الأمارة بما تقوى به على مُعارِضها" (^٤)، وقولهم: "هو ما أيّد به العلة والخبر إذا قابله ما يعارضه" (^٥).
وهذه العبارات غالبها مأخوذ من الأصوليين في تعاملهم مع الأقوال الفقهية التي يظهر منها التعارض، ولم يكن للمفسرين تعريفٌ محددٌ للترجيح، مع أنهم عملوا به في الأقوال التفسيرية، وخصَّص بعض المعاصرين الترجيحَ عند المفسرين بأنه "تقوية أحد الأقوال في تفسير الآية على غيره لدليلٍ أو تضعيف ما سواه من الأقوال" (^٦).
ويظهر من العبارات كلها أن القولَ الراجح هو ما حظي بالقوة والتأييد، ويبقى الأمر في الترجيح هل هو تقويةٌ له على الحقيقة أو بيانٌ لتلك القوة، فالذي يظهر أن المُرجِّح لا يُكسِب القولَ قوةً، لأن قوةَ القول موجودةٌ فيه أصالةً، وإنما يُظهِر فضلَ قوته على غيره من الأقوال، وتبيينُ الحقيقة في التعريف أولى من التجوُّز في العبارة.
ثم بالنظر في التعريف الأخير المختص بعلم التفسير، نجد أنه يرِد عليه أمرٌ لا يدخل في الترجيح، وهي مسألة الرد على التفاسير المخالفة، فإن الذي يذكر التفسير الصحيح للآية ويُظهِر قوَّته ثم يتعرَّض للتفاسير المبتدعة ويبيِّن ضعفها لا يسمى فِعلُه ترجيحًا، بل تقريرًا، فالترجيح إنما يقع بين الأقوال المتقاربة في القوة، المتوافقة فيما بينها على أصلٍ من الأصول
_________________
(١) ينظر في تحقيق مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٤/ ٦١٦) حاشية رقم (٦) بتحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد.
(٢) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٤/ ٦١٦).
(٣) الكليات لأبي البقاء الكفوي (ص: ٣١٥).
(٤) منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب (ص: ٢٢٢).
(٥) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري (ص: ٧٩).
(٦) منهج الإمام ابن جرير الطبري في الترجيح بين الأقوال التفسيرية للدكتور حسين بن علي الحربي (١/ ٧٢).
[ ٢٩ ]
المعتبرة، وأما الأقوال المتنافرة المتباينة فلا موازنة بينها حتى يقال بالترجيح، وإنما المقام مقامُ إثباتٍ وتقريرٍ للقول الصحيح، وردٍّ للأقوال الباطلة، وهذه المسألة تظهر جليَّةً في الأمور العقديَّة التي قد تقرَّر فيها القول المعتمد عند المفسِّر من قبل، فإذا تعرَّض للأقوال المخالفة له فهو لا يطلب الترجيح، فينبغي إضافة قيد التقارب بين الأقوال في تعريف الترجيح (^١).
وأمرٌ آخر في التعريف أنه أفاد أن الترجيح يقع بأحد أمرين، إما تقوية القول الراجح على غيره أو تضعيف ما سوى القول الراجح من الأقوال، لكن لم يذكر الأصل الجامع لهذين الأمرين، وبالرجوع إلى معنى الترجيح في اللغة يتبيَّن أن الأصل الذي يجمع بينهما هو الفضل، لأن الترجيح مبنيٌ على الزيادة والفضل، فالذي يذكر قولًا في التفسير ثم يضعِّف ما سواه من الأقوال قد أنبأ عن فضل ذلك القول.
ويتبين أيضًا من معنى الترجيح في اللغة أن الترجيح يُعرَّف بحسب فعل المُرجِّح لا بحسب معنى الرجحان، لأن الترجيح مصدر للفعل (رجَّح).
وعليه فقد ظهر لي أنه يمكن تعريف الترجيح عند المفسرين بأنه بيان فضل قولٍ في التفسير على ما يقابله بذكر ما يقوِّيه أو يضعِّف ما عداه.
فالمراد بالمقابلة: الأقوال الجارية على الأصول المعتبرة في التفسير عند المُرجِّح، ثم يبقى بيان أوجه القوة والضعف للأقوال في التفسير خاضعًا لأصول التفسير وقواعد الترجيح عند المفسرين في العموم، وقواعد الترجيح عند كل مفسر بحسبه (^٢).
_________________
(١) وقد ذكرت بعض التعريفات الأصولية للترجيح لفظ المماثلة والمقابلة، وجاءت الإشارة إلى المعنى المذكور عند الكلام عن التعارض الذي يقبل الترجيح؛ ينظر في البحر المحيط للزركشي (٨/ ١٤٥ – ١٤٨)، وينظر فيما علل به الدكتور محمد بن عبد الله بن جابر القحطاني في اختيارات ابن القيم وترجيحاته في التفسير (١/ ١٠١)، ففيه إشارة إلى طرفٍ من المعنى المذكور، حيث لم يُدخِل الرد على التفاسير الباطلة في الدراسة.
(٢) وسيأتي إن شاء الله بيان قواعد الترجيح عند السمين الحلبي في مبحث مستقل.
[ ٣٠ ]