من خلال النظر في معنى التعقبات المتقدم، نجد أن بعض الألفاظ في اللغة قد ترادفها في المعنى، إلا أنه بعد التأمل والنظر في الدلالات اللغوية وما كتبه أهل العلم في كتبهم وتطبيقاتهم لها نجد أن بينها فرقًا، وإن كان مؤداها ينتهي إلى معنى النقد والابطال.
فمن الألفاظ اللغوية التي تدل على معنى التعقبات: النكت، والتتبع، والاستدراكات، والنقد، والرد، والنقض.
الفرق بين التعقبات، والألفاظ المقاربة لها:
التَعَقب: اسم جامع لكل ما جاء لاحقًا لنص ما أو غيره، سواء كان ذلك استدراكًا أو نقدًا أو نقضًا، ونحو ذلك، ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من أنه يدل على تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره.
وفيه كذلك تتبع لكلام الغير والنظر فيه لنقضه وإبطاله، ويتضمن بعض الألفاظ التي تدل على تحقير القول أو الانتقاص منه بوصفه بالبعد أو الشذوذ أو شدة الضعف ونحو ذلك.
وأما النُكَت: فهو من نَكت الأَرض، إذا أثّر فيها بقضيب، والنَّكات: لطعّانُ فِي الناسِ مثلُ النزّاكِ والنّكّازِ واحد، قال: والنكيت: المطعون (^١).
وتُعرّف في الاصطلاح: "الدقائق التي تستخرج بدقة النظر إذ يقارنها غالبا نكت الأرض بإصبع أو غيرها" (^٢).
وهو يُرادف التقب بالجملة إلا أنه يزيد على التعقب باستخراج الفوائد المهمة من كتاب ما، والتعليق عليه، ومن ذلك كتاب: النُكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي، وكذا للحافظ ابن حجر.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٠/ ٨٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٥/ ١٢٧).
(٢) الكليات: الكفوي (٩٠٨)، بتصرف.
[ ١ / ٥٤ ]
وأما التَتَبُع: فهو من التبع: "وهو التَلو والقَفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته" ويقال: "فلان يتتبع مساوي فلان وأثره ويتتبع مداق الأمور ونحو ذلك" (^١).
ويُعرَّف عند المنطقيين بأنه: "قول مؤلَّف من قضايا تشتمل على الحكم على الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي" (^٢).
فمعنى التتبع في اللغة يُرادف معنى التعقب إلا أن بينهما عموم وخصوص، فالتتبع أعم من التعقب، فقد يتتبع عالمٌ عالمًا بألفاظ غير صريحة بتخطأته وانتقاده ظاهرها لا يدل على التعقب
ومن ذلك: ما أورده الدارقطني في كتابه: (الإلزامات والتَتَبُع) من رواية الإمام البخاري أنه قال: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (^٣).
قال الدارقطني (^٤): "وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو وغيرهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". وقول أبي عاصم وهم وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو ابن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم عن الزهري بخلاف ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج باللفظ ذكره.
وإنما روى ابن جريج هذا اللفظ الذي ذكره أبو عاصم عنه بإسناد آخر رواه عن ابن
_________________
(١) لسان العرب: ابن منظور (٨/ ٢٨).
(٢) كشاف اصطلاح الفنون: التهاوني (١/ ١٧٢).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾، برقم: (٧٥٢٧).
(٤) وهو: الإمام، الحافظ، المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الدارقطني، المقرئ، وكان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، مات سنة ٣٨٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٤٤٩).
[ ١ / ٥٥ ]
أبي مليكة عن أبي نهيك عن سعيد قاله ابن عيينة عنه. " (^١).
فقول الدارقطني: " وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه" لا يصل إلى درجه التعقب الصريح، وإنما هو من التتبع الذي قد يُراد من التعقب غير الصريح أو يُراد منه الأولى والراجح من الأقوال، فهو أعم من التعقب، والله أعلم.
أما الاستدراك: فهو في اللغة من الدَّرَك وهو: " وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه" (^٢)، و"إِتْباعُ الشيءِ بعضِهِ على بعضٍ" (^٣). وهو يقتضي مغايرة الكلامين - يعني السابق واللاحق- نفيا وإثباتا (^٤).
أو هو: "دفع توهم يتَوَلَّد من الكلام المتقدم دفعا شبيها بالاستثناء" (^٥).
وهو كالتعقب بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه، إلا أنه يُطلق أيضًا على الزيادات والإضافات التي يُدرك بها اللاحق ما قات من السابق، ومن ذلك إذا استدرك إمام من المحدثين على إمام أحاديث لم يُخرجها وهي موافقة لشرطه أو العكس (^٦). فبين التعقب والاستدراك عموم وخصوص، إذ إن الاستدراك أعم من حيث أنه يشمل التعقب والزيادات والإضافات، وهذا ليس في مصطلح التعقب والله أعلم.
وأما النَّقد: فهو في اللغة: تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنسانًا وأخذها (^٧)، ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف، وفي حديث أبي الدرداء أنه قال: "إن نقدت الناس نقدوك وإن تركتهم تركوك" (^٨)؛ معنى نقدتهم: أي عبتهم واغتبتهم (^٩).
_________________
(١) الإلزامات والتتبع: الدارقطني (١/ ١٢٦ - ١٢٨)، حديث رقم: (٥).
(٢) مقاييس اللغة: ابن فارس (٢/ ٢٦٩).
(٣) القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٩٣٨).
(٤) دستور العلماء: القاضي الأحمد نكري (١/ ٧٧).
(٥) الكليات: الكفوي (ص: ١١٥).
(٦) مثل استدراك الحاكم على الصحيحين، واستدراك ابن رجب على الترمذي.
(٧) العين: الفراهيدي (٥/ ١١٨).
(٨) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٧/ ٢٠٨) برقم: (٣٦٦٤)، ورجَّح أنه موقوف.
(٩) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (٩/ ٥١). وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٣/ ٤٢٥).
[ ١ / ٥٦ ]
ويُعَرَّف النقد عند أهل الأدب بأنه: عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة (^١).
فالتعقب يُرادف كذلك النقد بالجملة فكلاهما فيه تمييز جيد الكلام من رديئه، وصحيحه مِنْ فاسده، إلا أن الفرق في ذلك أن عمل الناقد في الكتابة يختلف عن عمل المتعقب، وذلك أن المتعقب يتميز بالألفاظ والأوصاف على الأقوال أو الاستنباطات التي تدل على ضعفها دون أن يعتد بها، أو يذكر لها احتمال وجه، بينما الناقد يزيد على المتعقب بذكر بعض المحاسن لهذا القول أو لهذا الاستنباط ونحو ذلك، ويكون الكلام فيه أكثر عمومًا من التعقبات، والله أعلم (^٢).
وأما الرَّد: فهو " صَرْفُ الشَّيْءِ ورَجْعُه " (^٣)، ويُقال: "ورد إليه جوابا أي رجع" (^٤)، ورد عليه الشيء، إذا لم يقبله، وكذالك إذا خطأه (^٥). فالردود العلمية هي نوع من المراجعات التي يُقصد بها التخطأة والرفض، ولا تأتي إلا عقبها، وفيهما يتعقب اللاحق على السابق، فهي تُرادف التعقبات بالجملة.
إلا أن الفرق بين الردود والتعقبات:
- أن التعقبات قد تكون صريحة وغير صريحة إذا قيل أن هذا قول فيه نظر، أو فيه بُعد، بخلاف الردود العلمية التي تكون صريحة في رد القول بتخطأة صاحبه أو تضليله.
- وفي التعقبات قد يكون الصواب مع المُتعقب وقد يكون مع المُتَعقب له، بخلاف الردود العلمية التي في الغالب يكون الحق مع صاحب الرد لأن صاحب الرد يكون ردّه مبنيًا على التتبع والدقة وتحري الحق، ومن ذلك كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، وكتاب الرد على بشر المريسي للدارمي، وكتاب الاستغاثة في الرد على البكري لابن تيمية،
_________________
(١) منهج النقد الحديث: أماني الأنصاري (ص: ٢).
(٢) انظر مثلا عمل الدكتور ضيف الله الزهراني في كتابه، مصادر السيرة النبوية دراسة تحليلة نقدية. وانظر مثلا: عمل الباحث عادل مقرني في رسالته العلمية: اختلاف المفسرين دراسة تحليلية نقدية.
(٣) لسان العرب: ابن منظور (٣/ ١٧٢).
(٤) لسان العرب: ابن منظور (٣/ ١٧٣).
(٥) تاج العروس: الزبيدي (٨/ ٨٩)، وانظر: الكليات: الكفوي (ص: ٤٧٦).
[ ١ / ٥٧ ]
وغيرها كثير، والله أعلم.
وأما النَّقض: فهو "نكثُ الشيء" (^١)، ويقال: ناقضني ناقضته: أَي يَنْقُضُ قَوْلِي وأَنْقُضُ قَوْلَهُ، وناقضَه فِي الشَّيْءِ مُناقَضةً ونِقاضًا: خالَفَه (^٢).
ويُعرّف في الإصطلاح بأنه: "إبطال دليله المعلل بعد تمامه متمسكا بشاهد يدل على عدم استحقاقه للاستدلال به لاستلزامه فسادا" (^٣).
وهو يُرادف التعقب من حيث الجملة، إلا أنه يزيد على التعقب مرتبة في الشدة، لأن النقض إبطال الشيء من أصله وأساسه، بخلاف التعقب الذي يدور حول معنى الابطال إلا أنه لا يصل إلى درجة النقض، كأن تكون المسائل المُتعقب عليها توصف بأن فيها نظر أو توصف أو أنها ضعيفة، ونحو ذلك من الألفاظ.
ومما يُمثّل عليه بالنقض: ما ألفه بعض الأعلام في نقض أصول أهل البدع كنقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي (^٤)، ونقض التأسيس المُسمى ببيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (^٥)، ففي هذين الكتابين وغيرهما اتيان على أصول أهل البدع من الجهمية وغيرهم ونقضها عروة عروة.
فالملاحظ أن هذه الألفاظ تدور حول محور واحد في استعمالها العلمي، فكل لفظ منهن يأتي تبعًا للنص، وفيها تعقب اللاحق السابق، سواء أكان ذلك بتتبع واستدراك أو نقد أو نقض.
_________________
(١) مقاييس اللغة: ابن فارس (٥/ ٤٧٠).
(٢) لسان العرب: ابن منظور (٧/ ٢٤٢).
(٣) دستور العلماء: القاضي الأحمد نكري (٣/ ٢٨٩).
(٤) وهو مطبوع في جزأين بتحقيق: رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع.
(٥) وهو مطبوع في عشرة أجزاء بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
[ ١ / ٥٨ ]