كفعل رجل واحد، ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها، و﴿استوقد﴾ بمعنى أوقد كما قال الشاعر:
وداعٍ دعا يا من يُجيب إلى النَّدى فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيبُ (١)
يريد: فلم يجبه، وهذا المسلك الذي سلكناه أولى ببلاغة الكتاب العزيز، وبعض المفسرين سلك في الآية مسلكًا، ارتكب به نقل الكلمة عن معناها الذي هو الأغلب في استعمال العرب إلى غيره، من غير حجة ولا برهان، ولا موجب يقتضي ذلك، فجعل ﴿الذي﴾ بمعنى "الذين"، ولم يدر أن التشبيه إذا كان للذوات لزم تشبيه المتعدد بالمتعدد، فتقول: كأن أجسام هؤلاء النخل، ولا تقول كأن أجسامهم النخلة، وإذا كان التشبيه للأخلاق والأفعال، كان الأفصح تشبيه أخلاق الجماعة أو أفعالهم بالواحد، كما أشرنا إليه، فتقول: إن أخلاق هؤلاء كطعم الحنظلة، وإن فعلهم كمثل الذي اقتدى بفرعون.
وأما النار فعلى مصطلح أهل اللغة هي: جوهر لطيف، مضيء حار محرق والنور ضوؤها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة، واصطلح الحكماء على أن الضوء: ما يكون للشيء لذاته، كما للشمس، والنور: ما يكون من غيره، كما للقمر، فإن نوره مستفاد من نور الشمس، وهذا مما يشهد له الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وفي قوله: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾ لأن ضوء النار ما يكون لها لذاتها، والمعنى: أن ذلك المستوقد لما أوقد النار، وأراد أن ينتفع بضوئها في إبصار ما يريد إبصاره، ﴿ذهب الله﴾ الذي له كمال العلم والقدرة ﴿بنورهم﴾ المستفاد من النار، ولا نور لهم سواه، ﴿وتركهم﴾ أي: صيرهم ﴿في ظلمات لا يبصرون﴾ يخبطون في ظلمة، ويتورطون في حيرة، وما أصعب سلب الشيء بعد الوصول إليه، وأسند تعالى الإضاءة إلى النار، على سبيل المجاز العقلي على نمط أنبت
_________________
(١) والبيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو من قصيدة أصمعية جيدة، يرثي بها أخاه أبا المغوار، قال الأصمعي: ليس في الدنيا مثلها. ينظر "زاد المسير في علم التفسير" ١/ ١٨٩، ٥٠٤. طبع المكتب الإسلامي. وسيكرره المصنف عند تفسيره الآية ١٨٦ من سورة البقرة.
[ ١ / ٨٣ ]
الربيع البقل، ثم بيّن بقوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، أنه هو الفعال المطلق، والقادر الذي لا يعجزه شيء، إن شاء سلب الأشياء خصائصها، والملزومات لوازمها، فيسلب النار ضوءها إذا شاء، ويهبها إياه إذا أراد.
لما فرغ من المثل، كشف المراد بظلماتهم، بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير، الناشئ عن عدم الإدراك، الناشئ عن عمى البصائر، وفساد الضمائر والسرائر، وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار، وعلى بصائرهم من الأغطية المنافية للادّكار، فقال:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.
هذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحق مهتدين؛ بل هم ﴿صم﴾ عن السماع النافع الموصل إليهما، فلا يسمعون بها لغلبة خذلان الله عليهم، ﴿بكم﴾ عن النطق بهما، فلا ينطقون بهما لأن قلوبهم مختوم عليها، فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة؛ والبكم الخرس، وهو جمع أبكم. ﴿عمي﴾ عن أن يبصروهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون، وقد سبق لي أثناء الكلام على تفسير هذه الآية في الدرس، أن قلت: إن السمع والبصر ينقسمان إلى قسمين؛ الأول: سمع وبصر طبيعيان موجودان من أصل الخلقة والفطرة، وهذان يشترك فيهما جميع الحيوانات إلا النادر؛ والثاني: سمع وبصر موهوبان من الله تعالى، وبهما يطلع صاحبهما على أسرار الكون واستجلاء الحقائق، ولهما مَعين، وهو الفكر المستنير بنور من الله تعالى، المستمد من حكمة آثار الكون وعجائبه بواسطة البصر، ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بواسطة السمع.
فإذا اهتدت النفس الناطقة، بسبب هذه الثلاثة، انطلق اللسان بالحق، وأنبأ عن تفجر ينابيع الحكمة في القلب، وإلا أصبح اللسان أبكم عن النطق بتلك المواهب، والأعين عميًا عن رؤية الآثار الإلهية في الكون، والآذان صمًّا عن سماع كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء.
فالمنافقون وإن وُهبوا القسم الأول فإنهم لم يوهبوا القسم الثاني، كما أخبر
[ ١ / ٨٤ ]