في صدقةِ السِّرِ، وفي فضلِهَا، نصوصٌ كثيرة، فمن القُرآنِ:
قولُهُ: (وَإِن تخْفُوهَا وَتؤْتوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكمْ) .
ومن السنة: حديثُ:
"رجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفَاهَا، حتى لا تعلمَ شمالُه، ما تُنفق يمينُه ".
وحديثُ: "الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهرِ بالصدقةِ، والمسرُّ بالقرآنِ كالمُسِر
بالصدقةِ".
وحديثُ أنسٍ: "لمَّا خلقَ اللَّهُ الأرضَ، جعلَتْ تميدُ فخلقَ الجبالَ.. "
الحديثَ، وفي آخره: "قيلَ: فهل منْ خلقِكَ شيء أشدُّ من الريحِ؛ قالَ: نعمْ، ابنُ آدمَ يتصدقُ بيمينِه فيُخفِيهَا عنْ شمالِهِ ".
وحديثُ أبي ذر، وزادَ: ثمَّ نزعَ بهذه الآية: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) .
[ ١ / ١٩٢ ]
وحديثُ: "صدقة السرِّ، تُطفئُ غضبَ الربَ ﷿، وتدفعُ مِيتةَ السوءِ"
خرَّجه الترمذيُّ، وابنُ حبانٍ.
وحديثُ أبي طلحةَ، لمَّا تصدَّقَ بحائِطِه، وقالَ: "لو استطعتُ أن أُسره، لم
أعلنْه " خرَّجه الترمذيُّ في "تفسير".
واختلفُوا في الزكاةِ: هلِ الأفضلُ إسرارُها أم إظهارُها؟
فرُويَ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قالَ: جعلَ اللَّهُ صدقةَ الفريضة علانيتَها أفضلَ من سرِّها، يُقالُ: بخمسةٍ وعشرينَ ضعفًا، خرَّجه ابنُ جريرٍ.
وفي روايةٍ، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها.
وقال سفيانُ الثوريّ في هذه الآيةِ: هذا في التطوع.
وعن يزيد بنِ أبي حبيب: إنَّما نزلتْ هذه الآية ُ في اليهودِ والنصارى وكان
يأمرُ بِقَسم الزكاةِ في السرِّ، قالَ ابنُ عطيةَ: وهذا مردود، لا سيَّما عند
السلفِ الصالح، فقد قالَ ابنُ جريرٍ الطبريِّ: أجمعَ الناسُ، أنَّ إظهارَ
الواجبِ، أفضلُ.
قال المهدويُّ: وقيل المُرادُ بالآيةِ فرضُ الزكاةِ والتطوعُ، وكان الإحفاءُ فيها
أفضلَ في مدّة النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ ساءتْ ظنونُ الناسِ، بعد ذلك، فاستحسنَ العلماءُ، إظهارَ الفرائضِ، لئلا يُظن بأحدٍ المنعُ.
قال ابنُ عطيةَ: وهذا القولُ مخالف للآثارِ، قالَ: ويشبه في زمنِنا أنْ
[ ١ / ١٩٣ ]
يحسنَ التسترُ بصدقةِ الفرضِ، فقد كثر المانعُ لها، وصار إخراخها عُرضةً
للرِّياءِ.
وهذا الذي تخيَّله ابنُ عطيةَ ضعيف، فلو كانَ الرجلُ في مكانٍ يتركُ أهلُه
الصلاةَ، فهل يُقال: إن الأفضلَ أنْ لا يُظهرَ صلاتَه المكتوبة؟!.
وقال النَّقاشُ: إنَّ هذه الآيةَ نسخَها قولُهُ تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقونَ أَموَالَهُم
بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) الآية. انتهى ما ذكرَهُ.
ودعوى النسخ ضعيف جدًّا، وإنَّما معْنى هذه الآيةِ، كمَعْنى التِي قبلها:
إنَّ النفقةَ تُقبلَ سرًّا، وعلانيةً.
وحُكي عن المهدويِّ أنَّ قولَه تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِن اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)، رخَّصتْ في صدقةِ الفرضِ، على أهلِ القراباتِ المشركين.
قال ابنُ عطيةَ: وهذا عندي مردود.
وحكي عن ابنِ المنذرِ نَقْلُ إجماع من يحفظُ: أنَّه لا يُعْطَى الذِمِّيُّ من
صدقةِ المالِ شيئًا.
قلتُ: رُوي عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ): أن المساكينَ: أهلُ الكتابِ، وإسنادُهُ لا يثبتُ.
وروى الثعلبيُّ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ سُويدٍ الكلبيِّ يرفعُه، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سئل عن الجهرِ بالقراءة، والإخفاءِ فقالَ -: هي كمنزلةِ الصدقةِ (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تخْفوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) .
وروى الثعلبيُّ في "تفسيره"، عن أبي جعفرٍ في قولِهِ تعالى: (إِن تُبْدُوا
الضَدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) قال: هي الزكاةُ المفروضةُ، (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ)
[ ١ / ١٩٤ ]