وسمَّى الرِّياءَ شركًا.
وتأوَّل ابنُ عباسٍ على ذلكَ قولَه تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)، قال: إنَّ أحدَهُم يشركُ حتَّى يشرك بكلبِهِ: لولا
الكلبُ لسُرِقْنا الليلةَ.
قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .
وقد رُوي أنها نزلتْ في الرِّياء في العملِ.
وقيل للحسنِ: يشركُ بالله؟
قال: لا، ولكن أشركَ بذلكَ العملِ عملًا
يريدُ به اللَّهَ والناسَ، فذلك يُردُّ عليه.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) .
[ ١ / ٤٧٣ ]
قال ابنُ الجوزيِّ في "المقتبسِ ": سمعتُ الوزير يقولُ: الآياتُ اللواتي في
الأنعامِ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكمْ)، محكمات، وقد اتفقتْ
عليها الشرائعُ، وإنما قالَ في الآيةِ الأولى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي الثانية:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ)، وفي الثالثة: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ لأنَّ كلَّ آيةٍ
يليقُ بها ذلكَ، فإنَّه قالَ في الأولى: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) والعقلُ يشهدُ أنَّ
الخالقَ لا شريكَ له، ويدعُو العقلُ إلى برِّ الوالدينِ، ونهى عن قتل الولدِ.
وإتيانِ الفواحشِ؛ لأن الإنسانَ يغارُ من الفاحشةِ على ابنتِهِ وأختِهِ، فكذلكَ
هو، ينبغي أنْ يجتنبَها، وكذلك قتلُ النفسِ، فلما لاقتْ هذه الأمورُ بالعقلِ.
قالَ: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ولما قالَ في الآيةِ الثانيةِ: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ)
والمعنى: اذكُرْ لو هلكتَ فصارَ ولدُك يتيمًا، واذكُرْ عند ورثتِكَ، لو كنتَ
الموروثَ لهُ، واذكُرْ كيفَ تحبُّ العدلَ لكَ في القولِ؛ فاعدِلْ في حقِّ غيرِكَ.
وكما لا تؤثرُ أن يخانَ عهدُك فلا تخن، فلاقَ بهذهِ الأشياءٍ التذكرُ فقالَ:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقالَ في الثالثةِ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَا) .
فلاقَ بذلكَ اتقاءُ الزللِ، فلذلك قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
* * *