عن أبي هريرةَ - ﵁ -، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:
"ما نهَيْتُكُم عنه فاجْتنبُوه، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كثْرةُ مسائِلِهِم واختلافُهم على أنبيائهم ".
رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
هذا الحديثُ بهذا اللفظِ: خرَّجه مسلمٌ وحْدَه من روايةِ الزهريِّ، عن
[ ١ / ٤٤٧ ]
سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ - كلاهُما - عن أبي هريرةَ، وخرَّجاهُ من روايةِ
أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "دعونِي ما تركتُكُم، إنَّما أهْلَكَ منْ كانَ قبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُم عن شيء، فاجتنبُوه، وإذا أمرتُكُم بأمر فأتُوا منه ما استطعتُم "
وخرَّجه مسلمٌ من طريقينِ آخرينِ عن أبي هريرةَ بمعناه.
وفي رواية له ذكرُ سببِ هذا الحديثِ من روايةِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي
هريرةَ، قالَ: خطبنا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: "يا أيها الناسُ قد فرضَ اللَهُ عليكم
الحجَّ فحجوا" فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟
فسكتَ حتَّى قالَها ثلاثًا.
فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لو قلتُ: نعم، لوجبتْ ولما استطعتُم"، ثمَّ قال: "ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبلكم بسؤالِهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكُم بشيء، فأتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكُم عن شيء، فدعُوه ".
وخرَّجَه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرا.
وقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكمْ) .
وقد رُوي من غيرِ وجه أن هذه الآيةَ نزلتْ لمَّا سالوا النبيَّ - ﷺ - عن الحجِّ، وقالُوا: أفي كل عامٍ؟
وفي "الصحيحينِ " عن أنسٍ قالَ: خطبنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فقال رجلٌ: مَن أبي؟
فقالَ: "فلانَ "، فنزلتْ هذه الآيةُ: (لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ) .
وفيهما - أيضًا - عن قتادةَ، عن أنسٍ قالَ: سألُوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - حتى
[ ١ / ٤٤٨ ]
أحْفَوهُ في المسألةِ، فغضبَ فصَعِدَ المنبرَ، فقالَ: "لا تسألُوني اليومَ عن شيء إلا بينتُه" فقامَ رجل - كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غيرِ أبيه - فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ من أبي؛ قالَ: " أبوك حُذافة"، ثمَّ أنشأ عمرُ، فقال: رضينا باللَّه ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولًا، نعوذُ باللَّه من الفتنِ، وكانَ قتادة يذكرُ عندَ هذا الحديثِ هذه الآيةَ (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وفي "صحيح البخاريِّ " عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كان قومٌ يسألونَ رسولَ
اللَّهِ - ﷺ - استهزاء، فيقولُ الرجلُ: مَنْ أبي؟ ويقولُ الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقَتِي؟ فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وخرَّج ابنُ جريرٍ الطبري في "تفسيرِ" من حديثِ أبي هريرةَ، قالْ
خرجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وهو غضبانُ مُحمارٌّ وجهه، حتى جلسَ على المنبرِ، فقامَ إليه رجلٌ فقالَ: أين أنا؟
فقال: "في النارِ" فقامَ إليه آخرُ، فقالَ: من أبي؟
قال: "أبوكَ حُذافةُ"، فقامَ عمرُ فقالَ: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إنَّا يا رسولَ اللَّه حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللَّهُ أعلمُ من آباؤنا، قال: فسكنَ غضبُه، ونزلتْ هذه الآية ُ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنوا لا تَسْألوا عَنْ أَشْيَاءَ) .
وروى - أيضًا - من طريقِ العَوْفيِّ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (يا أيهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .
قال: إنًّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أذَّن في الناسِ، فقالَ:
"يا قوم كُتِبَ عليكم الحح؟ "، فقامَ رجل، فقالَ:
يا رسولَ اللَّهِ، أفي كلِّ عامٍ؛ فأُغْضِبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - غضبًا شديدًا، فقالَ:
[ ١ / ٤٤٩ ]
"والذي نفسي بيدِهِ، لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ ولو وجبتْ ما استطعتُم، وإذن لكفرتُم، فاتركُوني ما تركتُكُم، فإذا أمرتُكُم بشيء فافعلُوا، وإذا نهيتُكم عن شيء فانتهَوا عنه "
فأنزل اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .
نهاهُم أن يسألوا مثلَ الذي سألتِ النَصارى في المائدةِ، فأصبَحُوا
بها كافرين، فنهى اللَّهُ تعالى عن ذلكَ، وقال: لا تسألوا عن أشياء، إن نزلَ
القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءَكُم، ولكن انتظرُوا، فإذا نزلَ القرآنُ فإنَّكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتُم تبيانَهُ.
فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤالِ عمَّا لا يُحتاجُ إليه مما يسوءُ
السائلَ جوابُهُ مثلَ سؤالِ السائلِ، هل هو في النارِ أو في الجنةِ، وهل أبوه من
ينتسبُ إليهِ أو غيرِه، وعلى النهي عن السؤالِ على وجهِ التعنتِ والعبثِ
والاستهزاءِ، كما كانَ يفعلُه كثيرٌ من المنافقينَ وغيرُهم.
وقريبٌ من ذلكَ سؤالُ الآياتِ واقتراحُها على وجهِ التعنت، كما كانَ
يسألُه المشركُون وأهلُ الكتابِ، وقد قالَ عكرمةُ وغيرُه: إنَّ الآيةَ نزلتْ في
ذلك.
ويقربُ من ذلكَ السؤالُ عما أخفاه اللَّهُ عن عبادِهِ، ولم يُطلعهم عليهِ.
كالسؤالِ عن وقتِ الساعةِ، وعن الروح.
ودلَّت - أيضًا - على نهي المسلمينَ عن السؤالِ عن كثيرٍ من الحلالِ والحرامِ
مما يُخشى أن يكونَ السؤالُ سببًا لنزولِ التشديدِ فيهِ، كالسّؤالِ عن الحجِّ: هل يجبُ كلَّ عامٍ أم لا؟
وفي "الصحيح " عن سعدٍ، عن النبي - ﷺ - أنه قالَ: "إنَّ أعظمَ المسلمينَ
[ ١ / ٤٥٠ ]
في المسلمينَ جُرْمًا منْ سألَ عن شيء لم يحرم، فحُرِّم من أجْلِ مسألتِهِ ".
ولما سُئلَ النبيُّ - ﷺ - عن اللِّعان كره المسائلَ وعابَهَا حتى ابتُلي السائلُ عنه قبلَ وقوعِهِ بذلكَ في أهلِهِ وكان النبيُّ - ﷺ - ينهَي عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السؤالِ، وإضاعةِ المالِ.
ولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يُرخِّصُ في المسائِل إلا للأعرابِ ونحوِهم من الوُفودِ القادمينَ عليه، يتألَّفهم بذلكَ، فأمَّا المهاجرونَ والأنصارُ المقيمونَ بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبِهِم، فنُهوا عن المسألةِ، كما في "صحيح مسلمٍ " عن النَّوَّاسِ بن سِمعانَ، قال: أقمتُ مع رسولِ اللَهِ - ﷺ - بالمدينةِ سنةً ما يمنعُني من الهجرةِ إلا المسألةُ، كانَ أحدُنا إذا هاجرَ لم يسألِ النبي - ﷺ -.
وفيه أيضًا عن أنسٍ، قال: نُهينا أن نسأل رسولَ اللهِ - ﷺ - عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أن يجيءَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ العاقلُ، فيسألُهُ ونحنَ نسْمعُ.
وفي "المسندِ" عن أبي أُمامةَ، قالَ: كانَ اللَّهُ قد أنزلَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، قالَ: فكُنَّا قد كرهنا كثيرًا من
مسألتِهِ، واتَّقيْنَا ذلك حين أنزلَ اللَّهُ على نبيِّهِ - ﷺ -
قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلِ النبيَّ - ﷺ - وذكرَ حديثًا.
وفي "مسندِ أبي يعْلى الموصليِّ " عن البراءِ بن عازبٍ قال: إنْ كان لتأتِي
[ ١ / ٤٥١ ]
عليَّ السنةُ أريدُ أن أسألَ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن شيء، فأتهيبُ منه، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ.
وفي "مسند البزارِ" عن ابنِ عباسٍ، قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من
أصحابِ محمَّدٍ - ﷺ - ما سألوه إلا عن اثنتي عشرةَ مسألةً، كلُّها في القرآنِ:
(يَسْاَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)، (يَسْاَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الْحَرَامِ)، (وَيَسْاَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)، وذكر الحديثَ.
وقد كانَ أصحابُ النبيّ - ﷺ - أحيانًا يسألونَهُ عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعِهَا، لكن للحملِ بِهَا عند وقوعِها، كما قالُوا لهُ: إنَّا لاقُو العدوِّ غدًا، وليسَ معنا مُدًى، أفنذبحُ بالقصَبِ؛ وسألُوه عن الأُمراءِ الذين أخبر عنهم بعدَه، وعن
طاعتِهِم وقتالِهِم، وسألهُ حذيفةُ عن الفتن، وما يصنعُ فيها.
فهذا الحديثُ، وهو قولُهُ - ﷺ -:
"ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنَّما هلَكَ من كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالِهِم واختلافِهِم على أنبيائِهِم " يدلُّ على كراهةِ المسائلِ وذمِّها، ولكن
بعضَ الناسِ يزعمُ أنَّ ذلكَ كان مختصًا بزمنِ النبيِّ - ﷺ - لما يخشى حينئذٍ من تحريمِ ما لم يُحرَّم، أو إيجابِ ما يشقُّ القيامُ به، وهذا قد أُمِنَ بعد وفاتِهِ - ﷺ -.
ولكن ليسَ هذا وحده هو سببَ كراهةِ المسائلِ، بل له سببٌ آخرُ، وهو
الذي أشارَ إليه ابنُ عباسٍ في كلامِهِ الذي ذكرنا بقوله: ولكن انتظرُوا، فإذا
نزلَ القرآنُ، فإنكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانَهُ.
ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يحتاجُ إليه المسلمونَ في دينهم لا بدَّ أن يُبينه اللَّهُ في كتابِهِ العزيزِ،
[ ١ / ٤٥٢ ]
ويبلِّغُ ذلكَ رسولُهُ عنه، فلا حاجةَ بعد هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ اللَّهَ تعالى
أعلمُ بمصالح عبادِهِ منهم، فما كانَ فيه هدايتُهم ونفعُهُم فإنَّ اللَه لا بدَّ أن
يُبيَّنه لهُم ابتداءً من غيرِ سؤالٍ، كما قالَ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) .
وحينئذٍ، فلا حاجةَ إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعِهِ
والحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فَهْم ما أخبرَ اللَّهُ به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ
ذلكَ والعملُ به، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُسأل عن المسائلِ، فيُحيلُ على القرآنِ، كما سألَهُ عمرُ عنِ الكلالةِ فقال: "يَكفيك آيةُ الصيف ".
وأشارَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في هذا الحديثِ إلى أنَّ في الاشتغال بامتثال أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلًا عن المسائلِ، فقال:
"إذا نهيتُكُم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكُم بأمر، فأتوا منه ما استطعتُم ".
فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثْ عمَّا جاء عن اللَّهِ
ورسولِهِ - ﷺ -، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوفِ على معانيهِ، ثم يشتغلُ بالتصديقِ بذلكَ إنْ كان من الأمورِ العلميَّةِ، وإن كان من الأمور العمليّة، بذل وسْعهُ في الاجتهادِ في فعلِ ما يستطيعُهُ من الأوامرِ، واجتنابِ ما يُنْهى عنهُ، وتكونُ همَّتُهُ مصروفةً بالكليَّة إلى ذلكَ، لا إلى غيرِه.
وهكذا كانَ حال أصحابِ النبيِّ - ﷺ - والتابعينَ لهم بإحسانٍ في طلبِ العلمِ النافع منَ الكتابِ والسنةِ.
فأمَّا إنْ كانتْ همةُ السامِع مصروفةً عند سماع الأمرِ والنهي الى فرضِ
أمورٍ قد تقعُ، وقد لا تقعُ، فإن هذا مما يدخلُ في النَّهي ويثبِّطُ عن الجِدِّ في
[ ١ / ٤٥٣ ]
متابعةِ الأمرِ. وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ، فقال له: رأيتُ
النبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُهُ، فقال له الرجلُ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إن زُوحِمْتُ؟
فقال له ابنُ عمرَ: اجعلْ "أرأيتَ" باليمنِ، رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُهُ.
خرَّجه الترمذيُّ.
ومرادُ ابنِ عمرَ: أن لا يكونَ لكَ همٌّ إلا في الاقتداءِ بالنبيِّ - ﷺ -، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلكَ أو تعسرِه قبلَ وقوعِهِ، فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ عن التَّصميمِ على المتابعةِ، فإنَّ التَّفْقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلْم إنَّما يُحمَدُ إذا كانَ للعملِ، لا للمراءِ والجدالِ.
وقد رُوي عن على - ﵁ -، أنه ذكرَ فتنًا تكونُ في آخرِ الزمان، فقال له عمرُ: متى ذلك يا علي؟
قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتَعُلِّم لغيرِ العملِ، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.
وعن ابنِ مسعود أنه قال: كيف بكُم إذا لبِستكم فتنةٌ يربُو فيها الصغيرُ.
ويهْرَمُ فيها الكبيرُّ، وتُتَّخَذُ سُنَّةً، فإن غُيرَتْ يومًا قيل: هذا منكرٌ؟
قالُوا: ومتى ذلك؟ قالَ: إذا قلَّتْ أمناؤُكُم، وكثرتْ أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤُكُم، وكثر قُرَّاؤُكُم، وتُفُقّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.
خرَّجهما عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ.
ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يكرهونَ السؤالَ عن الحوادثِ
قبلَ وقوعِها، ولا يُجيبونَ عن ذلكَ، قالَ عمرُو بنُ مُرَّةَ: خرج عمرُ على
[ ١ / ٤٥٤ ]
الناسِ، فقال: أُحرِّجُ عليكُم أن تسألونا عن ما لم يكنْ، فإنَّ لنا فيما كان
شغلًا.
وعن ابنِ عمرَ، قالَ: لا تسألوا عما لم يكنْ، فإنِّي سمعتُ عمرَ لعنَ
السَّائلَ عمَّا لم يكنْ.
وكان زيدُ بنُ ثابت إذا سُئلَ عن الشَّيْء يقولُ: كانَ هذا؛ فإن قالُوا: لا.
قالَ: دعُوه حتى يكونَ.
وقال مسروقٌ: سألتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ عن شيءٍ، فقالَ: أكانَ بعدُ؟
فقلتُ: لا، فقال: أجِمَّنا - يعني: أرِحْنا - حتى يكونَ فإذا كان اجتهدْنا لك رأيَنا.
وقال الشعبيُّ: سئلَ عمَّارٌ عن مسألةٍ فقال: هل كان هذا بعدُ؟
قالُوا: لا، قال: فدعُونا حتى يكونَ، فإذا كان تجَشَّمْنَاهُ لكم.
وعن الصَّلتِ بنِ راشدٍ، قال: سألتُ طاووسًا عن شيءٍ، فانتهرني.
وقالَ: أكان هذا؟ قلتُ: نعم، قال: آللَّه؟ قلتُ: آللَّه. قال: إنَّ أصحابنا أخبرُونا عن معاذِ بنِ جبلٍ أنه قالَ: أيها النَّاسُ، لا تعجلُوا بالبلاء قبْلَ نزولِه فيذهبُ بكُم هَاهُنا وهَاهُنا، فإنَّكم إنْ لم تعجلُوا بالبلاء قبلَ نزولِه لم ينفكًّ المسلمونَ أن يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّق.
وقد خرَّجه أبو داودَ في كتابِ: "المراسيلِ " مرفوعًا من طريقِ
[ ١ / ٤٥٥ ]
ابنِ عجلانَ عن طاووسٍ عن معاذٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:
"لا تعجَلُوا بالبليَّةِ قبل نزولِهَا فإنَّكم إن لم تفعلُوا لم ينفكَّ المسلمونَ منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وقق، وإنَّكم إن عجِلتُم، تشَّتتْ بكمُ السّبلُ هاهُنا وهَاهُنا". ومعنى إرساله أن طاووسًا لم يسمعْ من معاذ.
وخرَّجه - أيضًا - من روايةِ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن
النبيِّ - ﷺ - بمعناه مرسلًا.
وروى الحجاجُ بنُ منهال حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ سمعتُ الزبيرَ بنَ سعيدٍ -
رجلًا من بني هاشم - قال. سمعتُ أشياخَنا يحدثون: أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال:
"لا يزالُ في أُمَّتِي مَن إذا سُئلَ سُدِّد وأُرْشِدَ حتى يتساءلوا عن ما لم ينزلْ تبيينُهُ، فإذا فعلوا ذلك، ذُهِبَ بهم هاهُنا وهاهُنا".
وقد رُوي عن الصَّنابحيِّ عن معاويةَ عن النبيِّ - ﷺ - إنه نهى عن الأغْلُوطاتِ، خرَّجه الإمامُ أحمد، وفسَّرها الأوزاعيُّ، قال: هي شدادُ المسائِلِ.
وقالَ عيسى بنُ يونسَ: هي ما لا يُحتاجُ إليه من كيفَ وكيفَ.
ويُروى من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:
"سيكونُ أقوامٌ من أمتي يُغَلِّطُون فقهاءَهُم بِعُضَلِ المسائِلِ، أولئك شرارُ أُمَّتِي ".
وقال الحسنُ: شرارُ عبادِ اللَّهِ الذين يتبعونَ شرارَ المسائلِ يَغُمُّون بها عبادَ
اللَّه.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وقال الأوزاعيُّ: إنَّ اللَّهَ إذا أراد أن يحرِمَ عبدَه بركةَ العلم، ألقى على
لسانِهِ المغاليطَ، فلقد رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا.
وقال ابنُ وهب عن مالكٍ: أدركتُ هذه البلدةَ، وإنَّهم ليكرهُون هذا
الإكثارَ الذي فيه الناسُ اليومَ، يريدُ المسائلَ.
وقال أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا، ثم قالَ:
يتكلَّمُ كأنه جملٌ مُغْتَلِمٌ يقولُ: هو كذا، هو كذا يَهْدِرُ في كلامِهِ.
وقال: وسمعتُ مالكًا يكرهُ الجوابَ في كثرةِ المسائلِ، وقال: قال اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: (وَيَسْأَئونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، فلم يأتِهِ في
ذلكَ جوابٌ.
وكان مالكٌ يكرهُ المجادلةَ عن السُّنن أيضًا. قال الهيثمُ بنُ جميلٍ: قلتُ
لمالكٍ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّن يُجادِلُ عنها؟
قالَ: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإن قُبِلَ منه، وإلا سكتَ.
وقال إسحاقُ بنُ عيسى: كان مالكٌ يقولُ: المِراءُ والجِدالُ في العلم يذهبُ
بنورِ العلم من قلبِ الرجلِ.
وقال ابنُ وهبٍ: سمعتُ مالكًا يقولُ: المراءُ في العلم يُقسَي القلوبَ
ويورِّث الضغنَ.
وكان أبو شريح الإسكندرانيُّ يومًا في مجلسِهِ، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد
دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقومُوا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا
قلوبكم، وتعلَّموا هذه الرغائبَ، فإنَها تُجَدِّدُ العبادةَ، وتُورثُ الزهادةَ، وتجرُّ الصداقةَ، وأقلُّوا المسائلَ إلا ما نزلَ، فإنها تقسِّي القلوبَ، وتورثُ العداوةَ.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبدِ اللَهِ - يعني أحمدَ - يُسأل عن مسألةٍ.
فقال: وقعَتْ هذه المسألةُ؟ بُليتم بها بعدُ.
وقد انقسمَ الناسُ في هذا البابِ أقسامًا:
فمن أتباع أهلِ الحديثِ منْ سدَّ بابَ المسائلِ حتَى قل فقهُهُ وعلمه بحدودِ
ما أنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، وصارَ حامِلَ فقهٍ غيرَ فقيه.
ومن فقهاءِ أهلِ الرأي من توسَّع في توليدِ المسائلِ قبلَ وقوعِها، ما يقعُ في
العادةِ منها وما لا يقعُ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجوابِ عن ذلكَ، وكثرة
الخصوماتِ فيه، والجدالِ عليه حتَى يتولدَ منْ ذلكَ افتراقُ القلوبِ، ويستقرًّ
فيها بسببهِ الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترنُ ذلكَ كثيرًا بنيّةِ
الغالبةِ، وطلبِ العلوِّ والمباهاةِ، وصرفِ وجوهِ الناسِ، وهذا ممَّا ذمَّه العلماءُ
الربانيونَ، ودلَّتِ السّنَةُ على قبحِهِ وتحريمِهِ.
وأما فقهاءُ أهلِ الحديثِ العاملُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني
كتابِ اللَّهِ ﷿، وما يُفسِّره من السننِ الصحيحةِ، وكلام الصحابةِ
والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وعن سُنَةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ومعرفةِ صحيحِهَا وسقيمِهَا، ثم التفقهُ فيها وتفهمُها، والوقوفُ على معانِيها، ثم معرفةُ كلامِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ في أنواع العلومِ من التفسيرِ والحديثِ، ومسائلِ الحلالِ والحرامِ، وأصولِ السنةِ والزهدِ والرقائقِ، وغير ذلك، وهذا هو طريقةُ الإمامِ أحمدَ ومَنْ وافقه من علماءِ الحديث الرّبَانيينَ، وفي معرفةِ هذا شغل شاغلٌ عن التشاغُلِ بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ولا يقعُ، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه كثرةَ الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيلِ والقالَ.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وكان الإمامُ أحمدُ كثيرًا إذا سُئلَ عن شيءٍ من المسائلِ المولداتِ التي لا تقعُ يقولُ: دعونا منْ هذه المسائلِ المحدثةِ.
وما أحسن ما قالَهُ يونسُ بنُ سليمانَ السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر، فإذا هو
الحديثُ والرأيُ، فوجدتُ في الحديثِ ذكرَ الربِّ ﷿، وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرشِ وصفةَ الجنةِ والنارِ، وذكرَ النبيينَ والمرسلين، والحلالِ والحرامِ، والحثَّ على صلةِ الأرحامِ، وجماعَ الخيرِ فيه، ونظرتُ في الرأي، فإذا فيه المكرُ والغدرُ، والحيلُ، وقطيعةُ الأرحامِ، وجماعُ الشَّرِّ فيه.
وقال أحمدُ بن شبويه: من أرادَ علمَ القبرِ فعليه بالآثارِ، ومن أراد علم
الخُبْزِ فعليه بالرأي.
ومن سلكَ طريقَه لطلبِ العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهمِ جوابِ
الحوادثِ الواقعةِ غالبًا، لأن أصولَها تُوجدُ في تلكَ الأصولِ المشارِ إليها.
ولابدَّ أن يكونَ سلوكُ هذا الطريقِ خلفَ أئمةِ أهلِهِ المجمَع على هدايتهِم
ودرايتِهِم كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ ومن سلكَ مسلكَهم، فإنًّ مَنِ
ادَّعى سلوكَ هذا الطريقِ على غيرِ طريقِهِم، وقعَ في مفاوزَ ومهالكَ، وأخذَ
بما لا يجوزُ الأخذُ به، وتركَ ما يجبُ العملُ به.
ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أن يقصِدَ بذلكَ وجهَ اللَّهِ، والتقرُّبَ إليه، بمعرفةِ ما أنزلَهُ
على رسولِهِ، وسلوكِ طريقه، والعملِ بذلكَ، ودعاءِ الخلقِ إليه، ومَنْ كان
كذلكَ، وفَّقه اللَّهُ وسدَّده، وألهمَهُ رشدَهُ، وعلَّمه ما لم يكنْ يعلمُ، وكان من العلماءِ الممدوحينَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادهِ الْعُلَمَاءُ)، ومن الراسخينَ في العلم.
[ ١ / ٤٥٩ ]
فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديثِ أبي الدرداءِ أنَ رسولَ اللَّهِ
- ﷺ - سُئلَ عن الرَّاسخينَ في العلم، فقالَ: "من برَّت يمينُه، وصدقَ لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلكَ منَ الرَّاسخينَ في العلم".
قال نافعُ بنُ يزيدَ: يقالُ: الرَّاسخون في العلم: المتواضعونَ للَّهِ، المتذلِّلون
للَّهِ في مرضاتِهِ، لا يتعاطُون من فوقَهُم، ولا يحقرونَ من دونَهُم.
ويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ - ﷺ -:
"أتاكُم أهلُ اليمنِ، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً.
الإيمانُ يمانٍ، والفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيَّة".
وهذا إشارةٌ منه إلى أبي موسى الأشعريِّ، ومن كان على طريقِهِ من
عُلَماءِ أهلِ اليمنِ، ثمَّ إلى أبي مسلم الخولانيِّ، وأُويسٍ القرَنيِّ، وطاووس.
ووهبِ بنِ منبهٍ، وغيرِهم من علماءِ أهلِ اليمن، وكل هؤلاءِ من العلماء
الرَّبانيينَ الخائفينَ للَّه، وكلُّهم علماءُ باللَّهِ يخشونَه ويخافونَه، وبعضهم أوسعُ
علمًا بأحكامِ اللَّه وشرائع دينِه من بعضٍ، ولم يكنْ تميّزهم عن الناسِ بكثرةِ
قيل وقال، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.
وكذلك معاذُ بنُ جبلٍ - ﵁ -، أعلمُ الناسِ بالحلالِ والحرامِ، وهو الذي يُحشر يومَ القيامةِ أمامَ العلماءِ برَتْوةٍ، ولم يكنْ علمهُ بتوسعةِ المسائلِ وتكثيرِها، بل قد سبقَ عنه كراهةُ الكلامِ فيما لم يقعْ، وإنما كان عالما باللَّهِ وعالمًا بأصولِ دينِهِ.
وقد قيلَ للإمامِ أحمدَ: منْ نسألُ بعدَك؟
قال: عبدُ الوهَّابِ الورَّاق.
قيلَ له: إنه ليس له اتِّساعٌ في العلم، قال: إنه رجلٌ صالح، مثلُه يوفَّقُ
[ ١ / ٤٦٠ ]
لإصابةِ الحقِّ.
وسئل عن معروفٍ الكرخيِّ، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشيةُ اللَّهِ.
وهذا يرجعُ إلى قولِ بعضِ السلفِ: كفى بخشية اللَّه علمًا، وكفى بالاغترارِ
باللَّه جهلًا.
وهذا بابٌ واسعٌ يطولُ استقصاؤه.
* * *