مسألة:
وإن سأل عن قوله - سبحانه ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَة ِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَة ِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ .
[الآيات من ١١ إلى ٢١]
فقال: ما معنى أعتدنا؟ وما إسعار النار؟ ولم قيل ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وإنما يرونها؟ وما التغيظ؟ وما معنى: مُقَرَّنِينَ؟ وما الثبور؟
وما معنى: قل أذلك خير؟ وما الفتنة؟ وما معنى: كان على
ربك وعدًا مسئولًا؟ وما الثبور؟ وما معنى: فقد كذبوكم بما تقولون؟
وما معنى: وكان ربك بصيرًا؟ وما معنى: فلا يستطيعون نصرًا؟
الجواب:
معنى اعتدنا أعددنا قلبت الدال تاء؛ لأنها من مخرجها قربت
منها بالانفتاح مع كراهة التضعيف من أجل اجتماع هذه الأسباب جاز
قلب الدال بتهجها لِشدة الإبعاد.
أسعرها إسعارًا وسعرها تسعيرًا ومنه أخذ السعير.
وقيل إذا رأتهم على تقدير كأنها تراهم رؤية الغضبان يزفر غيضًا؛ لأنه أبلغ.
فهم يرونها على الصفة ويسمعون منها تلك الحال الهائلة
[ ١٧٦ ]
التغيظ: انتفاض الطبع بشدة نفور النفس.
والمعنى صوت التغيظ من التلهب والتوقد.
ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ﴾
مغللين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال.
[وفي التنزيل ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ .
الثبور: الويل عن ابن عباس.
والهلاك عن الضحاك.
وقيل أصله الهلاك من قولهم ثبر الرجل إذا هلك.
وقيل معناه وانصرافاه عن طاعة الله
[ ١٧٧ ]
وقيل واهلاكاه
الساعة معروفة على الإطلاق وهي يوم القيامة كما أن الجنة معروفة على الإطلاق وهي جنة الخلد.
وقيل ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾
مع الشياطين في السلاسل والأغلال.
وقيل إذا رأتهم الملائكة الموكلون بالنار سمعوا للملائكة تغيظًا
وزفيرًا للحرص على عذابهم.
وهذا عدول عن الظاهر وإنما شبهت النار بمنزلة تلك الحال، وهو في نهاية الحسن على هذا المعنى.
وقيل ﴿قل أذلك خير﴾
للتنبيه على بُعْدِ ما بين الحالين.
وقيل يقرن الإنسان والشيطان الذي كان يدعوه إلى الضلال.
الفتنة: إخلاص الشيء بإحراق ما فيه من الفساد من قولهم فتنت
الذهب بالنار إذا أخلصته من الغش بإحراقه
[ ١٧٨ ]
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ يحرقون.
وقيل معنى الفتنة هاهنا شدة في التعبد تظهر ما في العبد من خير أو
شر.
معنى ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾
ففيه قولان:
الأول: أن المؤمنين يسألون الله - ﷿ - ثناؤه الرحمة لهم.
في قولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩.
وقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَة ِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ .
والثاني: أنه بمنزلة قولك لك ما تمنيت أي متى ما تمنيت شيئًا فهو لك فكذلك متى سألوا شيئًا فهو لهم بوعد الله - ﷿ - إياهم.
الثبور: الفاسد ومنه بارت السلعة تبور بورا إذا بقيت لا تشتري
بقاء الفاسد الذي لا يراد والبائر الباقي على هذه الصفة.
وقال مجاهد: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
عيسى وعزير.
وقيل البور مصدر كالزور لا يثنى ولا يجمع
[ ١٧٩ ]
وقيل هو جمع البائر
ومعنى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾
فيه قولان:
الأول: حديثكم الملائكة والرسل في كذبكم عن مجاهد
والثاني: كذبكم أيها المؤمنون المشركون بما تقولون من نبوة.
محمد وغيره من أنبياء الله - ﵈ - عن ابن زيد
وقيل: فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صرف العذاب عن أنفسهم ولا نصر.
أنفسهم من عذاب الله عن مجاهد
وقيل: فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لكم يا محمد صرفًا عن الحق ولا نصر
أنفسهم من البلاء الذي هم فيه من التكذيب لكم
وكسرت الهمزة في ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ لأنه موضع ابتداء كأنه
قال إلا هم يأكلون الطعام كما تقول ما قدم علينا أمير إلا إنه
[ ١٨٠ ]
مكرم لي ولا يجوز أن يكون كسرها لأجل اللام لأن دخولها
وخروجها واحد في هذا الموضع.
وقيل من محذوفة منه بتقدير إلا
من أنهم يأكلون الطعام نحو.
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾
بمن يصبر ممن يجزع عن ابن جريج.
وقيل ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾
أي لهم أن يسألوني ما وعدتهم.
وقيل: فما يستطيعون نصرًا من بعضهم لبعض.
وقيل ﴿وكان ربك بصيرًا﴾ للعداوة التي كانت بينهم في الدين
قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم.
(وَيَومَ يَحْشُرهم وما يعبدون فيقول) بالياء جميعًا.
وقرأ الباقون: (وَيَومَ نَحْشُرهم) بالنون.
(فَيَقُولُ) بالياء.
وقرأ ابن عامر (وَيَوْمَ نَحُشُرُهُمُ فَنَقُوُل) جميعًا بالنون
وقرأ عاصم في رواية حفص.
(فَقَدُ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسُتَطِيعُونَ) بالتاء جميعًا.
[ ١٨١ ]
وقرأ الباقون.
(فَقَد كذَّبُوكُم بِمَا يقُولُونُ فَمَا يُستَطِيعُونَ) بالياء جميعًا.
وقرأ ابن كثير في رواية ابن أبي بزة بالياء جميعًا.
[ ١٨٢ ]