مسألة:
إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾
إلى آخر السورة.
[الآيات من ١٦ إلى ٣٠]
فقال ما التجافي؟، وما الدعاء؟، وما الرزق؟، وما المضجع؟
، وما معنى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؟، وما معنى: ﴿نُزُلًا﴾؟
وما العذاب الأدنى؛ وهل ينتهي العذاب إلى حد ليس فوقه أكثر منه؟ ولم كان ﴿﴾ يدل على حجة الإجماع؟، ولم يدل قوله: ﴿﴾؟،
وما معنى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾؟
، وما وجه الرد على المعتزلة من قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾؟
وما الهدى؟، وما الواجب من الهدى؟، وأين فاعل يهدي في
قوله: ﴿أولم يهد لهم﴾؟، وما معنى: يوم الفتح؟، وما يوم الفتح؟ .
الجواب:
التجافي: تعاطي الارتفاع عن الشيء.
والتجافي والنبو من النظائر.
الدعاء: طلب الفعل من المدعو.
الرزق: المنافع التي مكنوا منها.
المضجع: موضع الاضطجاع.
[ ٤٦٩ ]
والاضطجاع إلقاء النفس على جنب.
المعنى يقطعهم اشتغالهم بالدعاء لله - ﷿ - عن طيب
المضجع؛ لما يأملون به من الخير، والبركة من الله؛ لأن آمالهم.
مصروفة إليه، وأتكالهم في أمورهم عليه.
وقيل: كانوا يتنفلون بين المغرب، والعشاء عن أنس، وقتادة.
وقيل: صلاة الليل عن الحسن، ومجاهد.
وقيل: المعنى أنهم يذكرون الله بالدعاء، والتعظيم عن الضحاك.
وقال قتادة: (خَوْفَا) من عذاب الله، (وَطَمَعًا) في رحمة الله.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
في طاعة الله
[ ٤٧٠ ]
ويجوز في ما أخفي وجهان:
أحدهما: أن تكون بمعنى الذي.
والثاني بمعنى أي.
﴿نُزُلًا﴾
أي: عطاء نزوله. عن الحسن.
وقيل ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾
كادوا؛ لأنها ترفعهم بلهيبها ضربوا بمقامع حتى يهووا فيها.
عن الحسن.
قرأ (أُخْفِي) بإسكان الياء حمزة..
وقرأ الباقون (أُخْفِيَ) بفتح الياء.
العذاب الأدنى: العذاب الأصغر
وفي الأدنى معنى الأقرب، وهو عذاب الدنيا القتل، والسبي،
والقحط، والمرض، والفقر.
وقيل: العذاب الأدنى: مصائب الدنيا.
عن ابن عباس والحسن.
[ ٤٧١ ]
وقيل: القتل يوم بدر عن عبد الله.
العذاب الأكبر عذاب الآخرة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
هاهنا: يتوبون. عن عبد الله، وأبي العالية.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾
أي: من لقاء موسى ليلة الإسراء بك.
عن ابن عباس.
وقيل: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾
أي: جعلنا موسى.
وقيل: وجعلنا الكتاب. عن الحسن.
أئمة: أي: رؤساء في الخير عن قتادة
[ ٤٧٢ ]
وقيل: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾
من لقاء موسى الكتاب.
قال الحسن: فلا تكن في شك من لقاء الأذى؛ كما لقى موسى.
كأنه قيل: فلا تكن في شك من أن تلقى كما لقي.
قرأ حمزة والكسائي (لِمَا صَبَرُوا) بكسر اللام والتخفيف أي:
بصبرهم.
وقرأ الباقون (لَمَّا) بالفتح والتشديد.
فأما وجه الرد على المعتزلة من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾
فهو أن الله خلق فيهم الصفات التي كانوا بها أئمة، كما إذا قيل جعلته حيا، أو ميتًا؛ إذا خلق فيه الحياة، أو الموت.
الهدى: دلالة تبصر طريق الرشد من الغي.
يقال: هداه يهديه في الدين هدى، وهداه إلى الطريق هداية.
[ ٤٧٣ ]
الواجب من الهدى المؤدي إلى معرفة الله، وما يجوز في صفته هدى.
فاعل (يهد) مضمر فيه بتقدير (أولم يهد لهم) إهلاكنا.
السَّوقُ: الحث على السير.
والله يسوق ماء المطر إلى هذه الأرض الجرز، وهي الأرض
الأرض اليابسة؛ التي ليس فيها نبات فتنبت بذلك ضروبا من النبات
يتغذى به الإنسان، والأنعام.
ويسوق الماء بالسيول. عن ابن عباس.
وقيل متى يجيء فتح الحكم بيننا، وبينكم في الثواب، والعقاب.
ويوم الفتح: يوم القيامة. عن مجاهد.
[ ٤٧٤ ]
وقيل: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾
[الموت] الذي يؤديهم إلى ذلك.
وقيل: إنهم سيأتيهم ذلك؛ فكأنهم ينتظرونه.
[ ٤٧٥ ]