مسألة: إن سئل عن قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾
[الآيات من ٦١ إلى ٧٠]
فقال: ما الفرق بين المتعة والمنفعة؟ وما المتاع؟ وما معنى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟
وما الإحضار؟ وما الزعم؟ وما معنى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾؟
وما معنى ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؟ ولم قيل ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾؟ وما معنى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾؟ وما معنى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؟ وما معنى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؟
الجواب: المتعة منفعة، وليس كل منفعة متعة؛ فإنه قد ينتفع بألم
يؤدي إلى لذة في العاقبة؛ فإدراك المناظر الحسنة متعة، وسماع
الأغاني المطربة متعة.
المتاع: على وجهين:
يكون [بمعنى] المتعة.
[ ٣٦٠ ]
ويكون الأثاث الذي يتمتع به من نحو الفرش والثياب وغيرهما.
والمعنى هنا متعة الحياة الدنيا.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
للجزاء بالعقاب وذلك أنه ذكر من وعد وعدًا حسنًا، فدل على أهل الثواب، ثم ذكر أنه لا يستوي أهل الثواب، وغيرهم؛ فدل على أهل العقاب؛ لبعد حال كل فريق من الفريق الآخر.
الإحضار: إيجاد ما يكون من الشيء بحيث يشاهد.
فلما كان هؤلاء القوم يوجد يوم القيامة ما به يكونون بحيث يشاهدهم الخلائق كانوا محضرين.
الزعم: القول في الأمر عن ظن، أو علم.
وقيل التقدير
[ ٣٦١ ]
يودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون.
وقيل: لو كانوا يهتدون ما رأوا العذاب.
العمى: آفة تنافي صحة البصر.
وما ينافي إدراك البصر على وجهين:
أحدهما: آفة مانعة من كل إدراك هي العمى.
ومانع من الإدراك ليس بالعمى.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾
هاهنا تشبيه بالعمى عن الإبصار، وذلك بانسداد طرق الأنباء
معنى ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
أي: وهم لانسداد طريق الأنباء عليهم لم
يجيبوا عما سئلوا عنه فيما أجبتم المرسلين؟.
ولا يسأل بعضهم بعضًا عنه؛ لانقطاعهم عن الحجة فيه
قل ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾؛ لأنه على رجاء أن يدوم على ذلك فيفلح،
[ ٣٦٢ ]
وقد يجوز أن يزل فيما بعد فيهلك فلهذا ذكر بعسى
معنى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
فيه وجهان:
الأول: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة فيدل بذلك على شرف
اختياره لهم
الثاني: أن تكون (ما) نفيًا أي ما كان لهم الخيرة على الله، وله
الخيرة عليهم؛ لأن مالك لهم حكيم في تدبيرهم فيكون الوقف على هذا
الوجه، ويختار وعلى الوجه الأول ما كان لهم الخيرة.
والخيرة بمعنى تخير الأمور على الله.
معنى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
أي: ما عظم الله حق عظمته
من أشرك في عبادته؛ لأن من تعظيمه إخلاص الإلهية له، وأنه
[ ٣٦٣ ]
الواحد فيما تَفرد به على استحقاق العبادة، وأنه لا يجوز أن يستغني
عنه بغيره فمن أشرك في عبادته فما عظمه حق تعظيمه فهذا قد قبح
فيما أتى، وضيع حق نعمه.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾
بمنزلة خفيت عليهم الأخبار إلا بمقدار البلاغة في الأول.
وقيل ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ بالأنساب، والقرابة. عن مجاهد.
وقيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ للنبوة ما كان لهم أن يتخيروا من هو أهل
لها على الله؛ لأنهم لا يعلمون بواطن الأمور وسرائرها.
والوجه المختار: أن يكون الوقف على (ويختار)
وتكون ما نفيًا بمعنى ليس لهم أن يختاروا على الله.
[ ٣٦٤ ]
وقيل: لا يسأل بعضهم بعضًا أن يحمل عنه من ذنوبه شيئًا؛ كما كانوا في الدنيا. عن الحسن.
وقيل: كل عسى في القرآن واجبة إلا ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾
وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾
؛ [وقيل في موضع: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ .
لأنها مواطن يختلف فيها حالهم؛ فمرة لا يتساءلون لاستيلاء
الحيرة عليهم، ومرة يفيقون فيسألون.
[ ٣٦٥ ]