وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائمًا
_________________
(١) - رواه البخاري في العلم، باب: من ترك بعض الاختيار … برقم (١٢٦).
(٢) - صحيح مسلم، في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣).
(٣) - صحيح مسلم، في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣). == [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "حدثنا".
[ ٢ / ٨٧ ]
إلى يوم الدين.
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٨٢٥): ولما بلغ رسول الله، ﷺ، خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك، ليسقَّفوها [¬١] ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْمًا فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس: أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يُهْدَى لها كل يوم فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزَألِّتْ وكَشَّتْ وفتحت فاها، فكانوا يهابونها. فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيَّة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عَبْد بنِ عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام للوليد [¬٢] بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم.
قال: ثم إن قريش تحزّأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزُهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسَهْم. وكان شق الحِجْر لبني عبد الدار بن قُصَيّ، ولبني أسد بن عبد العزَّى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لُؤَيّ، وهو الحَطم.
ثم إن الناس هابوا هدمها، وفَرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول اللهم لم تُرَعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية
_________________
(١) - سيرة ابن هشام (١/ ١٢٤ صُبيح). [¬١]- في خ: "ليسقفونها". [¬٢]- في خ: "الوليد".
[ ٢ / ٨٨ ]
الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالا: ننظر؛ فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كفي كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.
قال: فحدّثني بعض من وروي الحديث، أن رجلًا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضًا أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقَّضَتْ مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بَنَوْها، حتى بلغ البنيان موضع الركن -يعني الحجر الأسود- فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لُؤَيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا "لَعَقَةَ الدم" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال، أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاورا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من دخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا [¬١]، فكان أوّلَ داخل رسولُ الله ﷺ؛ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ: "هَلُمّ إلَيّ ثوبًا". فأُتي به، فأخذ الركن -يعني الحجر الأسود- فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بُني عليه.
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: (الأمين). فلما فرغوا من البنيان، وبنوها على ما أرادوا: قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحيّة التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العُقَاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيشٌ … وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت … تُهَيِّبُنا البناءَ وقد تُهَابُ
فلما أن خشينا الزَّجْرَ جاءت … عُقابٌ تتلئب لها انصباب
فضمتها إليها ثم خَلَّتْ … لنا البنيان لبس لها حجاب
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٨٩ ]
فَقُمْنَا حاشدين إلى بناء … لنا منه [¬١] القواعِدُ والتراب
غداة نُرَفِّع التأسيس منه … وليس على مُسَموّينا [¬٢] ثياب
أعزّ به المليك بني لُؤَي … فليس لأصله منهم ذَهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدَّمها كلاب
فبوّأنا المليكُ بذاك عِزّا … وعند الله يُلْتَمَسُ الثواب
قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي، ﷺ، ثمانية عشرَ ذراعًا، وكانت تُكسى القباطي، ثم كسيت بَعْدُ البرود، وأول من كساها الديباجَ الحجاجُ بن يوسف.
(قلت): ولم تزل علي بناء قريش حتى احترقت [¬٣] في أول امارة عبد الله بن الزبير، بعد سنة ستين. وفي آخر [¬٤] ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل لها الحجر وجعل فيها بابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين [﵂] [¬٥]، [عن رسول الله ﷺ] [¬٦]، ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن حجاج في صحيحه (^٨٢٦): حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يُجَزئَهم [¬٧] أو يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس؛ أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهِيَ منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وَهِيَ منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها - النبي، ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول: إنّ النبي، ﷺ قال: "لولا أن الناس
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الحج برقم ٤٠٢ - (١٣٣٣). [¬١]- في خ: " لمنه" والصواب ما أُثبت. [¬٢]- في خ: "مساوينا". [¬٣]- في خ: "أحرقت". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٩٠ ]
حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني علي بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه" قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له [¬١] أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير؛ كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء [على أسّ] [¬٢] نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه فنقضه، وأعاده إلى بنائه.
وقد رواه النسائي في سننه (^٨٢٧)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵄ [¬٣]، لأنه هو الذي ودّه رسول الله، ﷺ، ولكن خشي أن تنكره [¬٤] قلوب بعض الناس؛ لحداثة عهدهم بالإِسلام، وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلكَ عن عائشة؛ أنها روت ذلك عن رسول الله، ﷺ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى.
كما قال مسلم (^٨٢٨): حدّثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا محمَّد بن بكر، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، سمعت عبد الله بن عُبَيد بن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وَفَدَ الحارث بن [عبد الله] [¬٦] على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خُبَيب -يعني: ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله، ﷺ: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فَهَلُمِّي لأرِيكِ
_________________
(١) - سنن النسائي، كتاب المناسك، باب: الحجر (٥/ ٢١٨).
(٢) - صحيح مسلم في الحج، برقم ٤٠٣ - (١٣٣٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "عنه". [¬٤]- في خ: "تنكر". [¬٥]- في الأصلين ابن جرير، والمثبت من صحيح مسلم. [¬٦]- في خ: "عبيد الله".
[ ٢ / ٩١ ]
ما تركوا منه"، فأراها قريبًا من سبعة أذرع.
هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير. وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي - صلى الله عليه. وسلم -: "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقيًّا وغربيًّا. وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: قلت: لا. قال: "تعزْزا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه حتى يرتقي، حتى إذا كان أن يدخل دفعوه فسقط". قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم. قال: وَدِدْت أني تركته وما تحَمَّل.
قال مسلم (^٨٢٩): وحدّثناه محمَّد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم (ح) [¬١] وحدّثنا عَبدُ بن حُمَيد، أخبرنا عبد الرزاق -كلاهما عن ابن جريج- بهذا الإسناد، مثل حديث ابن بكر.
قال (^٨٣٠): وحدثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قَزَعَةَ، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ: "يا عائشة، لولا حِدْثَانُ قومك بالكفر، لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحِجْرِ، فإن قومك قصروا في البنيان". فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني [¬٢] سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركنه على ما بنى ابن الزبير. فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنه [¬٣] قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة، عن الأسود بن يزيد، والحارث ابن عبد الله بنع أبي ربيعة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر الصدّيق، وعروة بن الزبير فدّل هذا على صواب ما فعل [¬٤]، ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدًا.
ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، أو أبيه المهدي، أنه سأل الإِمام مالكا عن هدم الكعبة، وردها إلى [¬٥]، ما فعله ابن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةَ للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد.
_________________
(١) - صحيح مسلم في الحج، برقم (١٣٣٣).
(٢) - صحيح مسلم في الحج، برقم ٤٠٤ - (١٣٣٣). [¬١]- في خ: "حينئذٍ". [¬٢]- في خ: "فأنا". [¬٣]- في خ: "لأنها". [¬٤]- في خ: "علي". [¬٥]- في خ: "فعله".
[ ٢ / ٩٢ ]
نقله عياض والنووي. ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين (^٨٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "يخرّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" أخرجاه.
وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "كأني به أسود أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا" رواه البخاري (^٨٣٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^٨٣٣)، أخبرنا [¬١] أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا [¬٢] محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها [¬٣] من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصَيلع أفَيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله".
الفدع: زيغ بين القدم [¬٤] وعظم الساق.
وهذا والله أعلم إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري (^٨٣٤) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليُحجَّنَّ [¬٥] البيتُ وليعتَمَرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج".
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.
_________________
(١) - رواه البخاري في الحج، باب: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ …﴾ وباب: هدم الكعبة برقم (١٥٩١، ١٥٩٦) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم ٥٧ - (٢٩٠٩).
(٢) - رواه البخاري في الحج، باب: هدم الكعبة برقم (١٥٩٥).
(٣) - المسند (٢/ ٢٢٠).
(٤) - رواه البخاري في الحج، باب: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ …﴾ برقم (١٥٩٣). [¬١]- في خ: "حدثنا"ـ. [¬٢]- في خ: "حدثنا". [¬٣]- في خ: "وتجردها". [¬٤]- في م: "القدم". [¬٥]- في خ: "لتحجن".
[ ٢ / ٩٣ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٨٣٥): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾، قال: مخلصين لك ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصة.
وقال أيضًا (^٨٣٦): حدثنا علي بن الحسين، أخبرنا [¬١] المُقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ﴾، قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت. وقال السدي: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب.
و[¬٢] قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
(قلت): وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المؤمنين المتقين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى، أن يُحب أن يكون من صُلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وهو قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقد ثبت في صحيح مسلم (^٨٣٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
_________________
(١) - ابن أبي حاتم برقم ١٢٥٥ - (١/ ٣٨٥). وإسماعيل بن رجاء: ثقة.
(٢) - ابن أبي حاتم برقم ١٢٥٣ - (١/ ٣٨٤). وسلام ثقة، في روايته عن قتادة ضعف.
(٣) - رواه مسلم في الوصية برقم ١٤ - (١٦٣١). [¬١]- في خ: "حدثنا". [¬٢]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ٩٤ ]
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج: عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لنا، وعلمناها. وقال مجاهد: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاءٍ أيضًا، وقتادة نحو ذلك.
وقال سعيد بن منصور (^٨٣٨): حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصَيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، نرفع القواعد وأتم البنيان. ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. [ثم انطلق به إلى المروة، فقال: هذا من شعائر الله] [¬١]. ثم انطلق به نحو مني، فلما كان من العقبة، إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كَبر وارمه، فكبر ورماه. ثم انطق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال [¬٢] له: كبر وارمه، فكبر ورماه. فذهب الخبيث إبلبس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات. قال: نعم.
وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك.
وقال أبو داود الطيالسي (^٨٣٩): حدثنا حماد بن سلمة عن [أبي عاصم] [¬٣] الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أرِيَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مني فقال: "هذا مُنَاخ الناس] [¬٤]. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب [ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] [¬٥]. ثم أتى به الجمرة [¬٦] القصوى [فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات] [¬٧]، حتى ذهب، فأتى به جَمعًا، فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟.
_________________
(١) - إسناده ضعيف، لضعف خصيف بين عبد الرحمن.
(٢) - مسند الطيالسي برقم (٢٦٩٧). وأبو عاصم الغنوى: أورده الذهبي في الميزان (٤/ ٥٤٢) وقال: قال أبو حاتم: لا أعرفه، ولا أعرف روى عنه غير حماد بن سلمة، وقال ابن معين: ثقة. وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "فقال". [¬٣]- في: "أبي العاصم". [¬٤]- في خ: "مناخ الناس هذا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "جمرة". [¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.
[ ٢ / ٩٥ ]
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمَّد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين، إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، كما قال الإِمام أحمد (^٨٤٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، حدثنا [¬١] سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلي بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية: قال: قال رسول الله، صدى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي، التي رأت، وكذلك أمهمات النبيين يَرَينَ".
وكذلك [¬٢] رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سُوَيد، له.
وقال الإِمام أحمد (^٨٤١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي [¬٣]، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
_________________
(١) - المسند ١٧٢٠٠ - (٤/ ١٢٧). وسعيد بن سويد الكلبي: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لم يصح حديثه -يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: "إني عبد الله وخاتم النبيين " وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه، فقال الحاكم "في المستدرك ٢/ ٤١٨": صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وعبد الأعلي بن هلال السلمي: ترجمه البخاري في الكبير (٦/ ٦٨) ولم يذكر فيه جرحًا، وكذا ابن أبي حاتم، ولم يذكر أيضًا فيه جرحًا (٣/ ١ / ٢٥) ويستدرك على الحافظ في التعجيل. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٢) حديث (٦٢٩) - (٦٣١). وقال الهيثمي في "المجمع (٨/ ٢٢٦): واحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وثقه ابن حبان.
(٢) - إسناده ضعيف من أجل الفرج بن فضالة. والحديث في المسند ٢٢٣٦١ - (٥/ ٢٦٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٥، ٢٠٦ / رقم: ٧٧٢٩) من طرق عن فرج بن فضالة، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٢) وعزاه لأحمد والطبراني وقال عن إسناد أحمد: "وإسناده حسن، وله شواهد تقويه". [¬١]- في خ: "عن". [¬٢]- في خ: "وكذا". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٩٦ ]
والمراد: أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇ - ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح به خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إني رسول الله إليكم [مصدقًا لما بين يدي من التوراة] [¬١] ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾. ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم.
وقوله: "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام! ". قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون [¬٢] الشام في آخر الزمان. معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك" (^٨٤٢)، وفي صحيح البخاري: "وهم بالشام" (^٨٤٣).
و[¬٣] قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني أمة محمَّد ﷺ. فقيل له: قد أستجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، يعني القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، يعني: طاعة الله، والإخلاص. وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه،
_________________
(١) - هذا لفظ حديث ثوبان عند مسلم في كتاب الإمارة برقم ١٧٠ - (١٩٢٠). وهو عند البخاري في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ برقم (٧٤٦٠) من حديث معاوية ﵁، وبرقم (٧٤٥٩) من حديث المغيرة ﵁. ورواه أيضًا مسلم بنحوه من حديث معاوية في كتاب الإمارة برقم ١٧٤ - (١٠٣٧)، ومن حديث المغيرة برقم ١٧١ - (١٩٢١).
(٢) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ برقم (٧٤٦٠) من حديث معاذ ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "يكون". [¬٣]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ٩٧ ]
والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوا [¬١]؛ ليستكثروا [¬٢] من طاعته، ويجتنبوا [¬٣] ما يسخطه [¬٤] من معصيته.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيمُ في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياءَ في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾
يقول ﵎ ردًّا [على الكفار] [¬٥] فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، [أو قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾] [¬٦] وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها ﴿إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه، إلى أن اتخذه الله خليلًا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، [فمن ترك] [¬٧] طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا كله [¬٨]؟؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
_________________
(١) [¬١]- في خ: "أطاعوه". [¬٢]- في خ: "واستكثروا". [¬٣]- في خ: "وتجنبوا". [¬٤]- في خ: "السخط". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: مكررة. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: "فترك". [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٩٨ ]
عَظِيمٌ﴾.
وقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا. وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي: وصى بهذه الملة -وهي الإِسلام- لله [أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬١] لحرصهم [¬٢] عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها، إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.
[كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، وقد قرأ بعض السلف: ويعقوبَ بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابنَ ابنه يعقوبَ بن إسحاق، وكان حاضرًا ذلك. وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه: أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر -والله أعلم- أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، وقد قرئ بنصب يعقوب ها هنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما؛ لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب (١) المتقدمة، وثبت في الصحيحين (^٨٤٤) من حديث أبي ذر، قلت: يا رسول الله! أيُّ مسجد وضع أولُ؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي. قال: "بيت المقدس". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" الحديث.
فزعم ابن حبان أن بين سليمان -الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضًا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب (١٠) برقم (٣٣٦٦) ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١ - (٥٢٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "لحرفتهم".
[ ٢ / ٩٩ ]
ها هنا من جملة الموصين، وقوله:] [¬١] ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه؛ وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح [¬٢]: "إن [¬٣] الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، [فيدخلها" (^٨٤٥).
لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس" (^٨٤٦)] [¬٤] وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى [¬٥] (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
يقول تعالى محتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم [¬٦] السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى
_________________
(١) - البخاري من حديث ابن مسعود في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته برقم (٣٣٣٢)، وطرفه (٦٥٩٤). ورواه مسلم في القدر (٢٦٤٣)، وأبو داود في السنة (٤٠٨٥)، والترمذي في القدر (٢١١٣) وابن ماجه (٧٦). وأحمد برقم (٣٩٢٤ إحياء التراث).
(٢) - رواه البخاري درقم (٢٨٩٨) من حديث سهل بن سعد، وطرفه (٤٢٠٢، ٤٢٠٧)، ورواه مسلم (١١٢) في الإيمان، وأحمد (٢٢٣٠٦ إحياء التراث). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "فإن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "عليه".
[ ٢ / ١٠٠ ]
بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.
[قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبًا، وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين. وبه يقول الحسن البصري وطاووس، وعطاء؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وغير واحد من السلف والخلف. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة. وحُكي ذلك عن عمر، وعثمان وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف. واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. ولتقريرها موضع آخر.
وقوله] [¬١] ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: مطيعون خاضعون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [¬٢]﴾ والإِسلام: هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمنها قوله [ﷺ] [¬٤]: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلَّات ديننا واحد " (^٨٤٧).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا [¬٥] لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم؛ فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: يعني: إبراهيم وإسماعيل،
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأولاد العلات: هم الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "ترجعون". [¬٣]- في خ: "يوحي". [¬٤]- في خ: "﵇". [¬٥]- في خ: "إذ".
[ ٢ / ١٠١ ]
وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
[ولهذا جاء في الأثر: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (^٨٤٨).] [¬١]
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾
قال محمد بن إسحاق (^٨٤٩): حدثني محمَّد بن أبي محمَّد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﵌: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمَّد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي لا نريد ما دعوتمونا [¬٢] إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا. قاله محمَّد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية [¬٣].
وقال خصيف، [عن مجاهد] [¬٤] مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: حاجًّا (^٨٥٠). وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي.
وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
وقال مجاهد، والربيع بن أنس: حنيفًا، أي [¬٥] متبعًا، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم.
وقال قتادة: الحنيفية شهادة ألَّا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرّم الله ﷿، والختان.
_________________
(١) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا برقم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (٢٩٤٥).
(٢) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ٢٠٩٠ - (٣/ ١٠١ - ١٠٢)، وابن أبي حاتم ١٣٠٠ - (١/ ٣٩٦).
(٣) - إسناده منقطع، ورواه ابن جرير ٢٠٩٧ - (٣/ ١٠٦)، وابن أبي حاتم ١٣٠١ - (١/ ٣٩٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "دعوتم". [¬٣]- في خ: "حارثة". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٠٢ ]
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾
أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وألَّا [¬١] يفرّقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية.
وقال البخاري (^٨٥١): حدّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أي هريرة؛ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﵌: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و[¬٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ " الآية.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس (^٨٥٢)؛ قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا الأسباط.
[وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط حفدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثنى عشر. وقد نقله الرازي
_________________
(١) - رواه البخاري في التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ برقم (٤٤٨٥).
(٢) - رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، برقم ٩٩ - (٧٢٧) وأبو داود في الصلاة، باب: تخفيفهما -يعني ركعتي الفجر- برقم (١٢٥٩)، والنسائي في الافتتاح (٢/ ١٥٥). ورواه أحمد في المسند برقم ٢٠٢٨، ٢٠٨٦. [¬١]- في خ: "وأنهم". [¬٢]- سقط من: ت.
[ ٢ / ١٠٣ ]
عنه وقرّره ولم يعارضه.
وقال البخاري: الأسباط قبائل في بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم. كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ قال القرطبي: وسموا الأسباط: من السبط وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصله: من السبط بالتحريك وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجرة الواحدة سبطة. وقال الزجاج: ويبين لك هذا، ما حدّثنا محمَّد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي: السبط: الجماعة والقبيلة، والراجعون إلى أصل واحد] [¬١].
وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.
وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٥٣): حدثنا محمَّد بن محمَّد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمَّل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: "آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن". ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا [بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ] [¬٢]﴾، [يعني: الكفار من أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به، يا] [¬٣] أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣١٢ - (١/ ٤٠٠)، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد متفق على ضعفه ويروي عن أبي المليح عجائب. انظر: الميزان (٣/ ٥) والتهذيب (٧/ ٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم، ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٥٤): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدّثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان [بن عفان] [¬١] ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.
وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله.
وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
[وانتصاب صبغة الله: إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدلًا مني قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾] [¬٢].
وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم (^٨٥٥)، وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق، [عن جعفر بن أبي المغيرة] [¬٣] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ، قال: "إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم: أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي. وأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ".
كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣٢١ - (١/ ٤٠٢).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣٢٣ - (١/ ٤٠٣) ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة برقم ١٣٨ - (٢/ ٤٥٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: م. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- زيادة من ابن أبي حاتم، ومن العظمة.
[ ٢ / ١٠٥ ]
مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾
يقول الله [¬١] تعالى مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾. أي: أتناظروننا في توحيد الله، والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. أي: نحن برآء منكم [ومما تعبدون] [¬٢]، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إلى آخر الآية. وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾. إلى آخر الآية. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. الآية.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿[وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] [¬٣] وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن براء منكم، كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم: إما اليهودية، وإما [¬٤] النصرانية، فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية والتي بعدها.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم؛ إن الدين الإِسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم في [¬٥] ذلك.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "أو". [¬٥]- في ت: "من".
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد، ووعيد شديد، أي إن [¬١] علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾. أي: لهم أعمالهم، ولكم أعمالكم، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغترّوا بمجرّد النسبة إليهم، حتى تكونوا [منقادين مثلهم] [¬٢] لأوامر الله، واتباع رسله الذين [¬٣] بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
[قيل: المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب، قاله الزجاج. وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد. وقيل: المنافقون، قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم] [¬٤].
قال البخاري (^٨٥٦): حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل [¬٥] البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرَّ [¬٦] على أهل المسجد، وهم راكعون،
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة البقرة، باب: قوله تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ …﴾ برقم (٤٤٨٦). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "مثلهم منفادين". [¬٣]- في خ: "الذي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "قبلة". [¬٦]- في خ: "يمر".
[ ٢ / ١٠٧ ]
فقال: أشهد بالله؛ لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت؛ وكان الذي قد [¬١] مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
انفرد به البخاري من هذ الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر (^٨٥٧).
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت [¬٢] المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فقال رجال [¬٣] من المسلمين: وددنا لو علمنا عِلْم من مات منا قبل أن نصرف [¬٤] إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس -وهم أهل الكتاب-: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾. إلى آخر الآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٥٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: فوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء في الناس-[وهم] [¬٥] اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٨٥٩): إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة؛ أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١١ - (٥٢٥).
(٢) - ابن أبي حاتم ١٣٢٨ - (١/ ٢٤٨).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى علي بن أبي طلحة ١٣٢٩ - (١/ ٢٤٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "البيت". [¬٣]- في ز، خ: "رجل". [¬٤]- في خ: "تصرف". [¬٥]- في خ: "هم".
[ ٢ / ١٠٨ ]
الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي نحوه فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون [¬١] بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس، والجمهور.
ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين: وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أنّ التوجه إلى بيت المقدس، كان باجتهاده ﵇.
والمقصود: أنّ التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] [¬٢]، واستمرّ [¬٣] الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناسَ فأعلمهم [¬٤] بذلك، وكان أوّل صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين، من رواية البراء.
ووقع عند النسائي (^٨٦٠) من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر. وقال: [كنت أنا وصاحبي أوّل من صلى إلى الكعبة.
وذكر غير واحد من المفسرين، وغيرهم، أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم، أنهم جاءهم الخبر بذلك في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكانَ الرجالِ. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] [¬٥].
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين،
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٤). [¬١]- في ز، خ: "فيكون". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "فاستمر". [¬٤]- في خ: "وأعلمهم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ٢ / ١٠٩ ]
عن ابن عمر (^٨٦١) ﵄ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ [قد أنزل عليه الليلة قرآن] [¬١]، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا دليل على أنّ الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب، والكفرة من اليهود ارتياب وزيغٌ عن الهدى، وتخبيطٌ وشكٌّ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا [¬٢]: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟! فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله: ﴿فَأَيْنَمَا [¬٣] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده، وفي تصرفه [¬٤]، وخدّامه، فحيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمَّد صلوات الله وسلامه عليه وأمّته عنايةٌ عطمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية [¬٥] على اسمه تعالى، وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في [¬٦] الأرض؛ إذ هي بناء [¬٧] إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد (^٨٦٢) عن علي بن عاصم، عن حصين [¬٨] بن عبد الرحمن، عن عُمَر [¬٩] بن قيس، عن محمَّد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ، يعني: في أهل الكتاب: "إنهم لا يحسدوننا [¬١٠] على شيء، كما يحسدوننا [¬١١] على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا
_________________
(١) - رواه البخاري في الصلاة، باب: ما جاء في القبلة برقم (٤٠٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٣ - (٥٢٦).
(٢) - المسند حديث (٢٥١٤١) - (٦/ ١٣٤). وعلي بن عاصم: صدوق يخطئ ويُصر. وعمر بن قيس: صدوق ربما وهم. ومحمد بن الأشعث: مقبول، ووهم من ذكره في الصحابة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "وحيثما". [¬٤]- في ز، خ: "تصريفه". [¬٥]- في ز، خ: "المكية". [¬٦]- في ز، خ: "و". [¬٧]- في ز، خ: "بناية". [¬٨]- في ز، خ: "فضيل". [¬٩]- في ز، خ: "عمرو". [¬١٠]- في ز، خ: "يحسدونا". [¬١١]- في ز، خ: "يحسدونا".
[ ٢ / ١١٠ ]
الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال [قريش] [¬١]: أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.
وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة البرسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمّه وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح [¬٢] المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وقال الإمام أحمد (^٨٦٣): حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته. قال: فلذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: " [الوسط] [¬٣] العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم".
رواه البخاري (^٨٦٤)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن الأعمش.
وقال الإمام أحمد أيضًا (^٨٦٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
_________________
(١) - صحيح، وهو في المسند ١١٢٩٩ - (٣/ ٣٢).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾ (٣٣٣٩)، وكتاب التفسير باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ (٤٤٨٧)، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٧٣٤٩). والترمذي في كتاب تفسير القرآن برقم (٢٩٦١). والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير برقم (١١٠٠٧) (٦/ ٢٩٢). وابن ماجه في كتاب الزهد باب: صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٢).
(٣) - صحيح، وهو في المسند ١١٥٧٤ - (٣/ ٥٨). [¬١]- في خ: في. [¬٢]- في خ: "وأصح". [¬٣]- في ز، خ: "والوسط".
[ ٢ / ١١١ ]
سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته؛ فيدعى بمحمد وأمّته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلغوا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
وقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (^٨٦٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: "عدلًا".
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٨٦٧)، وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة عن [¬٢] نهاس [¬٣]، حدثني مكاتب [¬٤] لنا، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد: أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿".
وروى الحاكم في مستدركه (^٨٦٨)، وابن مردويه أيضًا -واللفظ له- من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: والله [¬٥] يا رسول الله؛ [لنعم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان … وأثنوا
_________________
(١) - صحيح، وهو في المسند ١١٠٨٢ - (٣/ ٩).
(٢) - إسناده ضعيف لجهالة الراوي عن جابر، والحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٤٧) من طريق ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي، به.
(٣) - المستدرك (٢/ ٢٦٨) وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه مصعب بن ثابت ليس بالقوي". ومصعب بن ثابت: قال أحمد: أراه ضعيف الحديث لم أر الناس يحمدون حديثه. وقال ابن معين: ضعيف. وقال مرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الحديث ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٥٨، ١٥٩). [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز: عن. [¬٣]- في خ: "نباس". [¬٤]- في ز، خ: "مكتب". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١١٢ ]
عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: "أنت بما [¬١] تقول؟ " فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ: "وجبت"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله] [¬٢]؛ بئس [¬٣] المرءُ كان، إن كان لفظًّا غليظا، فأثنوا عليه شرًّا. فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي [¬٤] تقول"؟ فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: "وجبت". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد (^٨٦٩): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود، أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال: وجبت، وجبت. ثم مر بأخرى فأُثني عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﵌: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال [¬٥]: "وثلاثة"، قال: ففلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.
وقال [¬٦] ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه [¬٧]، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنّباوة يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض" ورواه ابن ماجه (^٨٧٠)، عن [أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٢)، والبخاري في الجنائز، باب: ثناء الناس على الميت برقم (١٣٦٨) والترمذي في الجنائز، باب: ما جاء في الثناء الحسن على الميث برقم (١٠٥٩) والنسائي (٤/ ٥٠).
(٢) - رواه ابن ماجة برقم (٤٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٠١): "إسناد صحيح، رجاله ثقات". [¬١]- في المستدرك: الذي. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬٣]- في خ: "لبئس". [¬٤]- في المستدرك: الذي [¬٥]- زيادة من: خ. [¬٦]- في خ: "قال". [¬٧]- في ز، خ: "لبيد".
[ ٢ / ١١٣ ]
هارون.
ورواه الإمام أحمد (^٨٧١)، عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمرو وسريج، عن نافع بن عمر، به] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى: إنما شرعنا [¬٢] لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، أي مرتدًّا عن دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة -وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة- أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنّ كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامّة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض؟ فإنه [¬٣] كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. ولهذا كان بن ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة. وقد ذهب لعضهم إلى أن السابقين [¬٤] الأوَّلين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.
وقال البخاري (^٨٧٢) في تفسير هذه الآية:
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء؛ إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه
_________________
(١) - لم نجد في المطبوع من المسند طريق يزيد بن هارون، وذكرها الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٦/ ٢٣١). وطريق عبد الملك في المسند (٣/ ٤١٦)، وأما طريق سريج ففي المسند (٦/ ٤٦٦).
(٢) - صحيح البخاري برقم (٤٤٨٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "شرعت". [¬٣]- في ز، خ: "فإن". [¬٤]- في ز، خ: "للسابقين".
[ ٢ / ١١٤ ]
وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة.
وقد رواه سلم (^٨٧٣) من وجه آخر، عن ابن عمر. ورواه الترمذي (^٨٧٤) من [¬١] حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه [¬٢] مسلم (^٨٧٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله. وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم لأوامر الله ﷿، ﵃ أجمعين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، لا [¬٣] [] [¬٤] يضيع ثوابها عند الله. وفي الصحيح (^٨٧٦)، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
[ورواه الترمذي (^٨٧٧)، عن ابن عباس، وصححه] [¬٥].
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ، وانصرافكم معه حيث انصرف، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي الصحيح (^٨٧٨) أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين
_________________
(١) - صحيح مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٣ - (٥٢٦).
(٢) - سنن الترمذي كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة برقم (٣٤١).
(٣) - صحيح مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٥ - (٥٢٧).
(٤) - سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) - رواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة البقرة برقم (٢٩٦٤).
(٦) - رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته برقم (٥٩٩٩). ومسلم في التوبة برقم ٢٢ - (٢٧٥٤). [¬١]- في خ: "عن". [¬٢]- في ز، خ: "روى". [¬٣]- في ت: "ما". [¬٤]- في ز، خ: كان. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ٢ / ١١٥ ]
ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي، أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها".
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٧٩): كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فارتابت [¬١] من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾.
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب [¬٢] يؤم به جبرائيل ﵇.
وروى الحاكم (^٨٨٠) في "مستدركه" من حديث شعبة، عن يعلى بن [¬٣] عطاء، عن [¬٤] يحيى
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح كاتب الليث - صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة -عن معاوية بن صالح -صدوق له أوهام- عن علي بن أبي طلحة -منقطع- عن ابن عباس به برقم ١٣٥٥ - (١/ ٢٥٣).
(٢) - المستدرك (٢/ ٢٦٩). ويعلى بن عطاء: ثقة، من رجال مسلم. ويحيى بن قمطة: أورده ابن أبي حاتم (٩/ ١٨١)، والبخاري (٨/ ٢٦٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٢٩). [¬١]- في ز، خ: "فارتاب". [¬٢]- في خ: "الميزان". [¬٣]- في خ: "عن". [¬٤]- في ز، خ: "بن".
[ ٢ / ١١٦ ]
ابن قمطة [¬١]، قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي حاتم (^٨٨١)، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم [¬٢]، عن يعلى بن عطاء، به.
وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي ﵁: إن الغرض إصابة عين الكعبة [¬٣].
والقول الآخر -وعليه الأكثرون- أن المراد المواجهة [¬٤] كما رواه الحاكم (^٨٨٢)، من حديث [أبي إسحاق] [¬٥]، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي [بن أبي طالب] [¬٦] ﵁؛ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَلَهُ. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وهذا قول أبي العالية ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. وكما تقدم في الحددث الآخر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
[وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي" (^٨٨٣)] [¬٧].
و[¬٨] قال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمرَّ
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٣٥٧ - (١/ ٢٥٣).
(٢) - المستدرك (٢/ ٢٦٩). وأبو إسحاق: مدلس، وقد عنعن. وعميرة بن زياد الكندي: ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨٠) والبخاري في التاريخ (٧/ ٦٩) وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٠٣) وابن أبي حاتم (٧/ ٢٤). ووثقه العجلي (٢/ ١٩٣).
(٣) - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢ - ١٠) من طريق عمر بن حفص، عن ابن جريج به، وقال البيهقي: (تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف لا يحتج به، وروى بإسناد آخر ضعيف، عن عبد الله بن حبشي كذلك مرفوعًا، ولا يحتج بمثله، والله أعلم". [¬١]- في حاشية (ز): قطمة. وعليها علامة (خ). [¬٢]- في ت: "هشام". [¬٣]- في ز، خ: "القبلة". [¬٤]- في ز: "الوجهة". [¬٥]- في ت: محمد بن إسحاق. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٨]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ١١٧ ]
على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت (^٨٨٤).
وقال عبد الرزاق (^٨٨٥): أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال [¬١]: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.
وروى النسائي (^٨٨٦)، عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ؛ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذٍ.
وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن [¬٢] أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر؛ ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن [¬٣] محمد السقطي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدّثني أبي، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدّثنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين؛ ونحن مستقبلون البيت الحرام؛ فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" (^٨٨٧).
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾ برقم (٤٤٨٦) عن أبي نعيم به وفيه زيادة.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به برقم ١٣٥٤ - (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٣) - سنن النسائي الكبرى (١١٠٠٤).
(٤) - إسناده صحيح، والحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٤٣) وقال الهيثمي في المجمع = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "أنها". [¬٣]- في ز، خ: "عن".
[ ٢ / ١١٨ ]
[وقال ابن مردويه أيضًا] [¬١]: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدَّثنا أحمد بن حازم، حدَّثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس، قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى [¬٢] مناد بالباب: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع نحو الكعبة (^٨٨٨).
وقوله: ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبها، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
[مسألة وقد استدل المالكية بهذه الآية على أنّ المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع [سجوده، كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة. قال المالكية: بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر الصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأمّا في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره [¬٣].
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمّته، وما خصه [¬٤] الله تعالى
_________________
(١) = (٢/ ١٤): "فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك".
(٢) - إسناده ضعيف: والحديث في طبقات ابن سعد بمعناه (٤/ ٣٨١). وقيس بن الربيع: ضعيف (المجروحين ٢/ ٢١٦). وعمارة بن أوس: أورده في الإصابة (٤/ ٥٧٧) وقال: قال البخاري له صحبة، وكذا قال ابن حبان وزاد: إني لست أعتمد على إسناده وحديثه. وأخرج ابن أبي خيثمة والبغوي من طريق قيس بن الربيع، عن زياد بن علاقة … فذكره بمعناه، وقال: تفرد به قيس وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني من رواية عبد الملك بن حسين، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن رويبة ا هـ. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٣٥) عن شبابة عن قيس عن زياد به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "أتى". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "حصه".
[ ٢ / ١١٩ ]
به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهدَّدهم [¬١] تعالى بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾
يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم، ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار [¬٢] عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم متمسكون [¬٣] بآرائهم وأهوائهم [¬٤]؛ فهو أيضًا متمسك [¬٥] بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس؛ لكونها [¬٦] قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى من مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد به [¬٧] الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في
_________________
(١) [¬١]- في ز: "يهددهم". [¬٢]- في خ: "إخبارًا". [¬٣]- في ت: "مستمسكون". [¬٤]- في ز: "وأعوانهم". [¬٥]- في ت: "مستمسك". [¬٦]- في ز، خ: "لأنها". [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغيرٌ: "ابنكَ هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (^٨٨٩).
[قال القرطبي: ويروى عن عمر، أنَّه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أُمِّه.
قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمترى في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم] [¬١].
ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان [¬٢] العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم ثَبَّت تعالى نبيه ﷺ، والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾
قال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل [] [¬٣] قبلة - رضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.
وقال أَبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها [¬٤] الأمة إلى [¬٥] القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
_________________
(١) - رواه أحمد في المسند ١٧٥٣٨، ١٧٥٣٩ - (٤/ ١٦٣)، وأَبو داود في السنن، كتاب الديات، باب: لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه، برقم (٤٤٩٥)، والنَّسائي في القسامة، باب: هل يؤخذ أحد بجريرة أحد، برقم (٤٨٣٢). والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره (٨/ ٨٧). والدارمي في الديات، باب: لا يؤاخذ أحد بجناية غيره (٢/ ١٩٨ - ١٩٩). والحميدي في مسنده بنحوه حديث ٨٦٦. وابن الجارود في المنتقى (٧٧٠). وابن حبان كما في الموارد (٥٢٢) كتاب الديات، باب: لا يجني أحد على أحد. وعبد الله بن أحمد في زوائده = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ر: الإتقان. [¬٣]- في ر: قبيلة. [¬٤]- في خ: "أيها". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٢١ ]
وقال مجاهد في الرراية الأخرى [] [¬١]: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عبَّاس وأبو جعفر الباقر وابن عامر ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾] [¬٢] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾.
وقال هاهنا: ﴿أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرّقت أجسادكم وأبدانكم.
﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾
هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.
[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عبَّاس وغيره. وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبًا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي.
وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار ورجح هذا الجواب القرطبي.
_________________
(١) = على المسند (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧). من حديث أبي رمثة ﵁. وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٣٣٢) حديث (٢٣٠٣). ورواه ابن ماجة - من حديث الخشخاش العنبري ﵁ في الديات، باب: لا يجني أحد على أحد برقم (٢٦٧١). وقال في الزوائد إسناده كلهم ثقات إلَّا أن هشيمًا كان يدلس، وليس للخشخاش سوى هذا الحديث الموجود عند ابن ماجة، وليس له في بقية الأصول الخمسة. [¬١]- في ر: والحسن. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٢٢ ]
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله، أو بعده من السياق، فقال أوّلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنَّه الحق من الله، وارتقاءه المقام الأوَّل؛ حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ، فبين أنَّه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه.
وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما كتبهم أنَّه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها.
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار. وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم] [¬١].
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، أو [¬٢] لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه الي بيت المقدس. وهذا أظهر.
قال أَبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه [¬٣] إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أَبي حاتم (^٨٩٠): وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أَنس، وقَتَادة، والسدّي نحو هذا. وقال هؤلاء في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني مشركي قريش.
ووجه بعضهم حجة الظَّلَمةِ - وهي داحضة - أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلِمَ رجع عنه؟ والجواب: أن الله
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٣٨٩ - (١/ ٢٥٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "و". [¬٣]- في خ: "الصرافة".
[ ٢ / ١٢٣ ]
تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أوّلًا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة معين، وأمَّته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي [¬١]: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت [¬٢] لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلت عنه الأم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأم وأفضلها.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾
يذّكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو [¬٣] القرآن، والحكمة: وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفَرى [¬٤]، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم [¬٥] تكلفًا، وأصدقهم [¬٦] لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [مِنْ أَنْفُسِهِمْ] [¬٧] يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
قال ابن عبَّاس: يعني [بنعمة الله] [¬٨] محمدًا ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "شرعته". [¬٣]- في خ: "وهي". [¬٤]- في خ: "الفراء". [¬٥]- في ز، خ: "وأقلها". [¬٦]- في ز، خ: "وأصدقها". [¬٧]- في ز، خ: منهم. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٢٤ ]
إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ [رَسُولًا مِنْكُمْ] [¬١]﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني.
قال عبد الله بن وَهْب: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يا رب؛ كيف أشكرك؟ قال له ربه: "تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني، فقد كفرتني".
وقال الحسن البصري، وأَبو العالية، والسدي، والربيع بن أَنس: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره.
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٩١): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، حدَّثنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر، والسارق، والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟! قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته، حتَّى يسكت.
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما أوجبت [¬٢] عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.
وعن سعيد بن جبير، اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي.
وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر [¬٣] من ذكركم إياه.
وفي الحديث الصحيح (^٨٩٢) " يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٣٩٧ - (١/ ٢٦٠)، وعمارة بن زاذان الصيدلاني - قال ابن عدي (٥/ ٨٠)؛ وهو عندي لا بأس به ممن يكتب حديثه. وفي التاريخ الكبير (٦/ ٥٠٥): ربما يضطرب في حديثه. وأورده العقيلي في الضعفاء وذكر قول البخاري. وقال الحافظ: صدوق كثير الخطأ.
(٢) - رواه البخاري في التوحيد برقم (٧٤٠٥)، ومسلم في التوبة والذكر والدعاء برقم (٢٦٧٥). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "أفترضت". [¬٣]- في ز: "أكثر".
[ ٢ / ١٢٥ ]
ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه".
قال الإمام أحمد (^٨٩٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قَتَادة، عن أَنس قال [¬١]: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: يا بن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ من الملائكة -أو قال في [¬٢] ملإ خير منه [¬٣]- وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعًا دنوت منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول".
صحيح الإسناد. أخرجه البخاري من حديث قَتَادة. وعنده قال قَتَادة: الله أقرب بالرحمة.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
وقال الإمام أحمد (^٨٩٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة، رجل من قيس - حدَّثنا أَبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين [¬٤]، وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه"، وقال روح مرة: "على عبده".
_________________
(١) - المسند ١٢٢٥٤، ١٢٤٢٧ - (٣/ ١٢٢، ١٣٨)، ورواه البخاري في التوحيد، باب: ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه حديث (٧٥٣٦).
(٢) - المسند ١٩٩٨٨ - (٤/ ٤٣٨). والفضيل بن فضالة القيسي: صدوق. والحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير": برقم: (٢٨١) (١٨/ ١٣٥)، ورقم (٤١٨)، (١٨/ ١٨١). والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم: (٦٢٠٠) (٥/ ١٦٣). وابن سعد في "الطبقات الكبرى": (٧/ ٧). من طريق الفضيل بن فضالة، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أدعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه". وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (٥/ ١٣٥) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات ا هـ. وله شاهد من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة: عن أبيه مرفوعًا: رواه أحمد (٣/ ٤٧٣). وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" برقم: (٦٢٠٢)، (٥/ ١٦٣). وذكره الشيخ الألباني (حفظه الله) في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم: (١٢٩٠)، ٣١/ ٢٨٠ - ٢٨١) من طريق مفضل بن فضالة عن أَبي رجاء العطاردي عن عمران به. وقد ضعفه من هذا الطَّرِيق فقال: قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير الفضل هذا وهو ابن أبي أمية أَبو مالك البصري، أخو مبارك ضعيف. ا هـ. وصححه بشواهده. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "منهم". [¬٤]- في خ: "الحصين".
[ ٢ / ١٢٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى [¬١] الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: "عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وإن أصابته فراء فصبر، كان خيرًا له".
وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل اللمصائب الصبر والصلاة، كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وفي الحديث أن [¬٢] رسول الله ﷺ كان [¬٣] إذا حزبه [¬٤] أمر صلى (^٨٩٥).
والصبر صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود، [] [¬٥]. كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر [¬٦] لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله.
وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ: أين الصابرون ليدخلوا الجنَّة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنَّة. فيقولون: قبل [¬٧] الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن [¬٨] الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتَّى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنَّة، فنعم أجر العاملين.
_________________
(١) - رواه أَبو داود في كتاب الصلاة باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل برقم (١٣١٩) من حديث عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة ﵁. وقال المنذري: ذكر بعضهم أنَّه روي مرسلًا. ورواه أحمد في المسند ٢٣٤٠٦ - (٥/ ٣٨٨) وتقدم الكلام عليه (٢٢٧). [¬١]- في ر: و. [¬٢]- في ز، خ: "كان". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "حزنه". [¬٥]- في ر: [وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضًا واجب كالاستغفار من المعايب]. [¬٦]- في خ: "وصبر". [¬٧]- في ز: وقبل. [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٢٧ ]
(قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا هي منه إلَّا الصبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (^٨٩٦): " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطِّلاعَةً، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتَّى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب ﷻ: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون".
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٨٩٧)، عن الإمام الشَّافعي، عن الإمام مالك، عن الزُّهْريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتَّى ورجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه".
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم، وتكريمًا، وتعظيمًا.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم ١٢١ - (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود ﵁ وساقه ابن كثير رحمه الله تعالى بمعناه.
(٢) - المسند ١٥٨٢٠ - (٣/ ٤٥٥) و١٥٨١٨، ١٥٨١٩. والحديث أخرجه النَّسائي في كتاب الجنائز، باب: أرواح المؤمنين عن قتيبة ٢٠٧٣ - (٤/ ١٠٨). وابن ماجة عن سويد بن سعيد (٢/ ١٤٢٨) حديث (٤٢٧١). كلاهما عن مالك به. وسيأتي عند تفسير (آية ١٦٩ آل عمران) وسيأتي قول الحافظ ابن كثير ﵀: وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة.
[ ٢ / ١٢٨ ]
أخبر تعالى أنَّه يبتلي عباده: أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا: ﴿بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص [¬١] الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض. والثمرات: الأولاد.
وفي هذا نظر، والله أعلم.
ثم بين تعالى مَن الصابرون الذين شكرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنَّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [¬٢]﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة [¬٣]. قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ﴾ فهذان العدلان ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول الله [¬٤]: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (^٨٩٨) [حديث قال] [¬٥]:
_________________
(١) - صحيح، والحديث في المسند ١٦٣٩٣ - (٤/ ٢٧). [¬١]- في ز، خ: "ونقص". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٢٩ ]
حدَّثنا يونس [بن محمد] [¬١]، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد [¬٢]- عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب [¬٣]، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ؛ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلملين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أَبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم؛ أجرْني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه [¬٤]، ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير [¬٥] من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألّا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيّ غيرةٌ شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أمَّا ما ذكرت من الغيرة، فسوف يذهبها الله ﷿ عنك، وأما ما ذكرت من السن. فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه - رسولَ الله ﷺ.
وفي صحيح مسلم (^٨٩٩)، عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم؛ أجرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، [إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها"] [¬٦]. قالت فلما توفي أَبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الذ عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه - رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد (^٩٠٠): حدَّثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدَّثنا هشام بن أَبي هشام،
_________________
(١) - مسلم في كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة، من طريق يحيى عن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، عن إسماعيل عن جعفر، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة - عن أم سلمة به نحوه. (٦/ ٣١٢) حديث (٣ - ٩١٨). وحديث (٤، ٥ - ٩١٨).
(٢) - إسناده ضعيف جدًّا والحديث في المسند ١٧٣٤ - (١/ ٢٠١). هشام بن أبي هشام هو هشام بن زياد: متروك، ضعفه البخاري، والنَّسائي، وابن معين. وأمه لا يعرف من هي. وقوله: حدَّثنا عباد = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "أسعد". [¬٣]- في خ: "المطلبي". [¬٤]- في ت: "منها". [¬٥]- في ز، خ: "خيرًا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٣٠ ]
[حدثنا] [¬١] عباد بن زياد، عن أمه عن فاطمة بنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ؛ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عباد: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعًا، إلَّا جدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب".
ورواه ابن ماجة (^٩٠١) في "سننه"، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن [¬٢]، زياد، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها.
وقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن [¬٣] زياد، عن أبيه (كذا) [¬٤]، عن فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد (^٩٠٢): حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان؛ قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني- فأخرجني، وقال لي [¬٥]: ألا أبشرك. قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن ابن [¬٦] عرزب، عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: يا ملك الموت؛ قبضت ولد عدي؛ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده. قال: [نعم. قال] [¬٧]: فماذا [¬٨]، قال: قال:
_________________
(١) = ابن زياد: صوابه: قال عباد: ابن زياد. أي أن عباد بن عباد حين سمى شيخه ذكر اسم أبيه لا كنيته. وأما يزيد بن هارون فذكر الكنية فقط. وانظر الحديث التالي.
(٢) - إسناده ضعيف جدًّا والحديث في سنن ابن ماجة، في الجنائز، باب: ما جاء في الصبر على المصيبة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٥٢٨): هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف، هكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، ورواه أحمد بن منيع في مسنده: حدثنا يزيد، أنبأ هشام بن أبي هشام، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين-. فذكره بإسناده ومعناه، وقد اختلف النسخ: هل هو عن أبيعه أو عن [عمه]- كذا في الزوائد- ولا يعرف لهما حال. ورواه يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن ابن علية، عن هشام بن زياد، عن أبيه، عن فاطمة، وتابعه أحمد بن أبي السرح، عن يزيد بن هارون، عن هشام.
(٣) - حسن، والحديث في المسند برقم ١٩٧٧٩ - (٤/ ٤١٥). وأخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب، حديث (١٠٢١) (٣/ ٣٤١). وعبد بن حميد (٥٥١). وابن حبان في كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصبر وثواب الأمراض، حديث (٢٩٤٨) (٧٢١٠). ونعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك (١٠٨). كلهم من طريق حماد بن سلمة به. وقال الترمذي: حسن غريب.= [¬١]- صوابه: قال: [¬٢] في ز: "عن". [¬٣]-في خ: "عن". [¬٤] سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦] في ز، خ: "عن". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٨] في ز: "فما".
[ ٢ / ١٣١ ]
حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، فذكره.
وهكذا رواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان عيسى بن سنان.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؛ قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قلت: فوالله ما على أحد جناح ألّا [¬١] يتطوّف بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا بن أختي؛ [إنها لو كانت] [¬٢] على ما أوّلتها [¬٣] عليه، كانت فلا جناح عليه ألّا [¬٤] يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا [] [¬٥] يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل [¬٦]، وكان من أهل لها يتحرَّج أن يطوّف بالصفا رالمررة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ،
_________________
(١) = وعزاه الألباني في الصحيح (٣/ ٣٩٨) للثقفي في "الثقفيات" (٣/ ١٥ / ٢). عن عبد الحكم بن ميسرة الحارثي أبي يحيى: ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مرفوعًا. وقال: غريب من حديث الثوري لا أعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب وغيره عن أبي موسى الأشعري ﵁. وحسنه الألباني بمجموع الطرق انظر الصحيحة (١٤٠٨). [¬١]- في خ: "أن" [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "أولها" [¬٤]- في خ: "أن". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "كانوا". [¬٦]- المشلل: بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى وفتحها: موضع بين مكة والمدينة. نهاية [٤/ ٣٣٤].
[ ٢ / ١٣٢ ]
فقالوا: يا رسول الله؛ إنا كنا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ] [¬١] فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما. فليس لأحد أن يدع الطواف بهما، أخرجاه في الصحيحين (^٩٠٣).
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال لي [¬٢]: [إن هذا]] [¬٣] العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
ورواه البخاري (^٩٠٤) من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم.
ثم قال البخاري (^٩٠٥): حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة .. قال: كنا نرى أنهما [¬٤] من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
[وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
(قلت) ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا] [¬٥]
_________________
(١) - المسند ٢٥٢٢٣ - (٦/ ١٤٤)، وأخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله (رقم: ١٦٤٣) وأطرافه في (١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١). ومسلم في كتاب الحج، (رقم: ١٢٧٧). وأبو داود في كتاب المناسك، باب: أمر الصفا والمروة. (٢/ ١٨١ - ١٨٢ / رقم: ١٩٠١). والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة (رقم: ٢٩٦٥). والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب: ذكر الصفا والمروة (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب: السعي بين الصفا والمروة (رقم: ٢٦٨٦). كلهم من طريق عروة به.
(٢) - صحيح البخاري (٤٤٩٥).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٤٤٩٦). [¬١]- في خ: "إلى قوله تعالى". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ز، خ: "وهذا". [¬٤]- في ز: "ذلك". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٣٣ ]
[يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفْضَي السيول من إساف ونائل] [¬١]
وفي "صحيح مسلم (^٩٠٦) " من [¬٢] حديث جابر الطويل، وفيه: أنَّ رسول الله على الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية النسائي "ابدءوا بما بدأ الله به".
وقال الإمام أحمد (^٩٠٧): حدَّثنا مريج، حدَّثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا فإن الله كتب عليكم السعي".
ثم رواه الإمام أحمد (^٩٠٨)، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عُبَيدة، عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعَوا".
_________________
(١) - مسلم، كتاب الحج، برقم ١٤٧ - (١٢١٨).
(٢) - إسناده ضعيف والحديث في المسند ٢٧٤٧٥، ٢٧٤٧٤ - (٦/ ٤٢١). ورواه الدارقطني من حديث يونس بن محمد، ومعاذ بن هانئ، عن ابن المؤمل، عن عبد الله بن الحصين، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة (٢/ ٢٥٥). والحديث رواه الشافعي، وإسحاق بن راهويه والحاكم وسكت عنه. وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين. ورواه الدارقطني من حديث الواقدي عن علي بن محمد العمري عن منصور الحجبي عن أمه عن برة بنت أبي تجزأة. والواقدى: متروك. قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٦٩): سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن سليمان، عن عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، عن صفية بنة شيبة، عن حبيبة بنة أبي تجزأة، عن النبي ﷺ في السعي بين الصفا والمروة. قال أبي: رواه غير سعيد، عن عبد الله بن المؤمل، فقال: عن عمر بن عبد الرحمن بن محيض، عن صفية بنة شيبة، عن حبيبة بنة أبي تجزأة وأما الشافعي فروى عن ابن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيض، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيية بنت أبي تجزأة، عن النبي ﷺ. والحديث رواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٢٦) برقم (٥٧٣): قال: ثنا عبد الله، ثنا أبي، عن الشافعي، ثنا عبد الله بن المؤمل به "وجعله عن صفية بنت شيبة عن حبيبة به".
(٣) - المسند ٢٧٥٧٠ - (٦/ ٤٣٧). وإسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقد استدل بهذا الحديث على مذهب [¬١] من يرى أن [¬٢] السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه، [ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك] [¬٣]. وقيل: إنّه واجب وليس بركن. [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة] [¬٤]. وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾] [¬٥]. والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجمه تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.
[وقد تقدم قوله ﵇ "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] [¬٦]، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف [¬٧] هاجر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نَفَد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس [¬٨] عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﷿ فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأتبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طُعم، وشفاء سُقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ﷿ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط [¬٩] المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر، ﵍.
[وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب؛ ثامنة وتاسعة ونحو ذلك.
وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر
_________________
(١) [¬١]- في ز: "من يذهب". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوكمبن سفط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ. [¬٧]- في ت: "طواف". [¬٨]- في ز، خ: "ليس". [¬٩]- في ز: "صراطه".
[ ٢ / ١٣٥ ]
العبادات. حكى ذلك الرازي وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
وقوله: ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ أي: يثيب على القليل بالكثير، ﴿عليم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [¬١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾
هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله.
قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ. ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
وقد ورد في الحديث المسند (^٩٠٩) من طرائق [¬٢] يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره؛ أن رسول الله على الله عليه وسلم، قال: "من سئل عن علم، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
والذي في الصحيح (^٩١٠) عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحدًا شيئًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا [¬٣] مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. الآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٩١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي
_________________
(١) - المسند (٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، ٣٥٣، ٣٤٤، ٢٩٦، ٤٩٥).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: حفظ العلم برقم (١١٨).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٤٤٤ - (١/ ٢٦٩). وإسناده ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٢]- في ز، خ: "طرق". [¬٣]- في خ: "أنزل الله".
[ ٢ / ١٣٦ ]
سليم، عن المنهال به. عمرو، عن راذان- أبي [¬١] عُمَر- عن البراء بن عازب؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "إنّ الكافر يضرب ضربة بين عينيه فيسمع صوته كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض.
[ورواه ابن ماجة (^٩١٢)، عن محمد بن الصباح، عن [عمار] [¬٢] بن محمد به] [¬٣].
وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجنّ والإنس.
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت [¬٤] البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾: [] [¬٥] يعني تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.
[وقد جاء في الحديث: "أنّ العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" (^٩١٣).
وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا وهم كل فصيح وأعجمي؛ إمّا بلسان المقال أو الحال] أو كل من كان له عقل يوم القيامة، [والله أعلم] [¬٦].
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم [وأحوالهم] [¬٧]، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه [¬٨] ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وفي هذا دلالة على أنّ الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
وقد ورد أنّ الأمم السابقة [¬٩] لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة
_________________
(١) - لم نقف عليه في سنن ابن ماجه.
(٢) - رواه الدارمي في المقدمة باب: في فضل العلم والعالم برقم (٣٤٣) ولفظه: "معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر". [¬١]- في ز: "بن". [¬٢]- في خ: عامر. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر. [¬٤]- في خ: "قال". [¬٥]- في ز: "يلعنهم". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- زيادة من ر. [¬٨]- في ز، خ: "كتموه". [¬٩]- في ر خ: "السالفة".
[ ٢ / ١٣٧ ]
في التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة التابعة [¬١]، لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ فيها، أي: لا [¬٢] ينقص عما هم فيه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف ورم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه [¬٣] الناس أجمعون.
[فصل
لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأمّا الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي. ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره لقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران، فيحدّه، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^٩١٤)، فدل على أنّ من لا حب الله ورسوله يلعن، والله أعلم] [¬٤].
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾
يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم. وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل الفاتحة [¬٥]، وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب: ما يكره من لكن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من الملة برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر ﵁. [¬١]- في ز: "البالغة". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "تلعنه". [¬٤]- ما يبن المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "السورة".
[ ٢ / ١٣٨ ]
صلى الله عليه وسدم أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [الْحَيُّ الْقَيُّوم] [¬١]﴾ (^٩١٥). ثم ذكر الدليل على تفرّده بالإلهية [بتفرده] [¬٢] بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من الخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها [¬٣] واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وههذه الأرض في كثافتها [¬٤] وانخفاضها وجبالها، وبحارها وقفارها، وَوِهَادها وعُمرانها، وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، ههذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل فهذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ومما لا يعلمون﴾.
_________________
(١) - رواه أحمد (٦/ ٤٦١) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء برقم (١٤٩٦)، والترمذي في الدعوات، باب: جامع الدعوات برقم (٣٤٧٨)، وابن ماجه في الدعاء، باب: اسم الله الأعظم حديث (٣٨٥٥) - وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٢) والدارمي (٢/ ٤٥٠) وابن أبي حاتم ١٤٦٠ - (١/ ٢٧٢) والطبراني في الدعاء (١١٣)، وفي الكبير (٢٤/ ١٧٤) - جميعهم من طريق عبيد الله بن أبي زياد القداح - ليس بالقوي- عن شهر- صدوق كثير الإرسال والأوهام- به. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من ز. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "يتعارضان"، وفي ز: "يتقارضان".
[ ٢ / ١٣٩ ]
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه [شيء من ذلك] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة [¬٢] تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، و[¬٣] تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة وتارة دبورًا وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم] [¬٤].
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: سائر بين السماء والأرض مسخر] [¬٥] إلى ما يشاء [¬٦] الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه الله [¬٧] تعالي ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي [¬٨] في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩١٦): أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الأشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد
_________________
(١) - اشعث بن إسحاق: ذكره البخاري (١/ ٤٢٨) وابن أبي حاتم (٢/ ٢٦٩» ونقل قول ابن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان (٨/ ١٢٨). وجعفر بن أبي المغيرة: ذكره ابن حبان في الثقات ونقل ابن حبان في الثقات عن أحمد بن حنبل توثيقه، وقال ابن مندة: ليس بالقوي في سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم الأصبهاني: اسم أبي المغيرة دينار وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (الجرح ٢/ ٤٩٠) (التاريخ ٢/ ٢٠٠) وفي التقريب: صدوق يهم. وأبو سعيد الدشتكي: عبد الله بن سعد قال في التقريب: صدوق. وذكره البخاري (٥/ ١٠٧) وابن أبي حاتم (٥/ ٩٤). والحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٢) من طريق يحيى الحماني عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة به نحوه. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "من ذلك شيء". [¬٢]- في ز، خ: "تارة". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "يسخر". [¬٦]- في خ: "شاء". [¬٧]- سقط في: ز. [¬٨]- في ز: "أن".
[ ٢ / ١٤٠ ]
ابن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أتت قريش محمدًا ﷺ؛ فقالوا: يا محمد؛ إنا [¬١] نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا [¬٢] لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمنن بي". فأوثقوا له، فدعا ربه فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: "رب لا، بل دعني وقومي فَلأَدْعُهم يومًا بيوم"، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية.
ورواه ابن أبي حاتم (^٩١٧) من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة به. وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٩١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن [¬٣] أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت [¬٤] على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
وقال وكيع (^٩١٩) [بن الجراح] [¬٥]: حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾.
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي- عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٤٦٥ - (١/ ٢٧٣) من حديث عبد الرحمن بن عمر الزهري الصهباني رسته، عن ابن مهدي -يعني عبد الرحمن- عن يعقوب بن عبد الله الأشعري، عن جعفر به.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٤٦٤ - (١/ ٢٧٢).
(٣) - رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه به ٢٣٩٩ - (٣/ ٢٦٩). [¬١]- في ز: "إنما". [¬٢]- في خ: "وثقوا". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "نزل". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٤١ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له [¬١] أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.
وفي "الصحيحين (^٩٢٠) عن عبد الله بن مسعود قال [¬٢]: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم، وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا؛ بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا] [¬٣]، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ يقول: لو علموا ما يعاينونه [¬٤] هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم- لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرئ المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ
_________________
(١) - البخاري في التفسير- سورة البقرة، باب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم في الإيمان برقم ١٤١ - (٨٦). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "يقنتونه".
[ ٢ / ١٤٢ ]
الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار [¬١] الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
والجن أيضًا تتبرأ منهم و[يتنصلون] [¬٢] من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.
وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل، وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة. وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح.
وقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه [وإنهم لكاذبون] [¬٣]. كما أخبر الله [¬٤] تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "دار". [¬٢]- سفط من: خ، وفي ز: "وينتصلون". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٤٣ ]
عَلَيهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية؛ ولهذا قال تعالى] [¬١]: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق [¬٢] لجميع خلقه، فذكر في [¬٣] مقام الامتنان؛ أنه أباح لهم أن يأكلوا مما [في الأرض] [¬٤] في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار [¬٥] الذي في "صحيح مسلم (^٩٢١) " عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحه عبادي فهو لهم حلال -وفيه- وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [¬٦] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت [¬٧] لهم".
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩٢٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بنٍ شيبة المصري، حدثنا الحسن [¬٨] بن عبد الرحمن [الاحتياطي، حدثنا] [¬٩] أبو عبد الله
_________________
(١) - مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٦٣ - (٢٨٦٥).
(٢) - ضعيف، والحسن الاحتياطي قال ابن عدي (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧): يسرق الحديث، منكر عن الثقات، ولا يشبه حديثه حديث أهل الصدق. والحديث رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٩٥). وقال: لا يروى عن ابن جريج إلا بهذا الإسناد تفرد به الاحتياطي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩١) وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفهم. وأشار الحافظ المنذري إلى ضعفه في الترغيب (٣/ ١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨١٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "الرزاق". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "حماد". [¬٦]- في ز، خ: "فاختالتهم". [¬٧]- في خ: "أحلت". [¬٨]- في ز، خ: الحسين [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٤٤ ]
الجوزجاني -رفيق إبراهيم بن أدهم- حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده [إن الرجل لَيقِذف] [¬١] اللقمةَ الحرامَ في جَوْفه ما [¬٢] يُتَقَبَّل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به".
وقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
وقال قتادة، والسدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان. وقال مجاهد: خطاه، أو قال: خطاياه.
وقال أبو مِجْلَز: هي النذور في المعاصي.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش. وقال: هذا من خطوات الشيطان.
وقال أبو الضحى، عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطْعَم وكَفِّر عن يمينك.
رواه [¬٣] ابن أبي حاتم (^٩٢٣).
وقال أيضًا (^٩٢٤): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري [¬٤]، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يومًا [¬٥] على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٥٠٣ - (١/ ٢٨٠).
(٢) - ابن أبي حاتم ١٥٠٢ - (١/ ٢٨٠). [¬١]- في خ: مكانها بياض. [¬٢]- في ز، خ: "لا". [¬٣]- في ز: "رواهن". [¬٤]- في خ: "البصري". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٤٥ ]
مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك. فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة. وأتيت عاصمًا [¬١] وابن عمر فقالا مثل ذلك.
وقال [عبد بن حميد] [¬٢]: حدثنا [¬٣] أبو نعيم، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
يقول تعالى: (وإذا) قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه [¬٤] من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي: وجدنا عليه آباءنا أي من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.
وروى ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية.
ثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ فقال:
_________________
(١) [¬١]- في ز: "عاصم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "عبد الله"، وفي ز: "عبد". [¬٣]- في خ: "ثنا". [¬٤]- في ز، خ: "فيه".
[ ٢ / ١٤٦ ]
﴿وَ[¬١] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي: الضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه [ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه] [¬٢] ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
هكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو هذا.
[وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، اختاره ابن جرير. والأوّل أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] [¬٣]. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوّهون به، عُمي عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه.
[كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [¬٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة [¬٥]، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٩٢٥) حدَّثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا،
_________________
(١) - المسند (٢/ ٣٢٨) ومسلم في الزكاة برقم ٦٥ - (١٠١٥) والترمذي في تفسير القرآن، سورة البقرة برقم (٢٩٨٩). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! ".
ورواه مسلم في "صحيحه"، والترمذي من حديث فضيل [¬١] بن مرزوق.
ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحزم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة، أو موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله. وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (^٩٢٦).
_________________
(١) - صحيح، أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب: الطهور للوضوء (١٢)، ومن طريقه أبو داود في الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (٨٣)، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (٦٩)، والنسائي في الطهارة، باب: ماء البحر (١/ ٥٠)، وفي التيمم، باب: الوضوء بماء البحر (١/ ١٧٦)، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب: الوضوء بماء البحر (٣٨٦)، وفي الصيد، باب: الطافي من صيد البحر (٣٢٤٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٧، ٣٦١، ٣٩٣)، والدارمي (٧٣٥، ٢٠١٧)، وابن الجارود (٤٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٢٨١)، والبيهقي في "السنن" (١/ ٣)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٧٨)، وصححه ابن حبان (١٢٤٣)، وهو في الموارد (١١٩)، وابن خزيمة (١١١)، والحاكم (١/ ١٤٠) ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٢)، والحاكم (١/ ١٤١) من طرق ثلاثة عن صفوان، به، ووقع عند أحمد: "عن أبي بردة"، بدلًا من "المغيرة بن أبي بردة". وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٣٧٨)، والبخاري في "التاريخ" (٣/ ٤٧٨)، والدارمي (٧٣٤)، والحاكم (١/ ١٤١)، والبيهقي (١/ ٣) من طريق الجلاح أبي كثير عن سعيد بن سلمة عن المغيرة، به. لكن وقع عند الدارمي عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد "عن أبيه" بين المغيرة وأبي هريرة، وسمى سعيد بن سلمة "عبد الله بن سعيد". وهذا اختلاف في اسم "سعيد بن سلمة" كما قال البيهقي في السنن (١/ ٣)، وقال أيضًا - فيما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (١/ ٩٧) -: " … وإنما لم يخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة". قلت: وتابع سعيد بن سلمة عن المغيرة -به- يزيدُ بن محمد القرشي عند الحاكم (١/ ١٤٢) والبيهقي. قال الزيلعي: ولا يضر اختلاف من اختلف عليه فيه، فإن مالكًا قد أقام إسناده عن صفوان بن سليم، وتابعه الليث بن سعد عن يزيد عن الجلاح، كلاهما عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة، ثم = [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال" (^٩٢٧) وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة.
[مسألة] ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره، لأنه جزء منها.
وقال مالك في رواية: هو طاهر، إلا أنه ينجس بالمجاورة. وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة. وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس فقال القرطبي في التفسير هاهنا: يخالط اللبن منها يسير ويُعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع.
وقد روى ابن ماجة (^٩٢٨) من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان
_________________
(١) = يزيد بن محمد القرشي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فصار الحديث بذلك صحيحًا. وقال الترمذي في "العلل" رقم (٢٣): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح. ونقل الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٢٣٠) تصحيح هذا الحديث عن ابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن مندة، والحاكم وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق.
(٢) - ترتيب المسند للشافعي (٢/ ١٧٣)، وأحمد: (٢/ ٩٧)، وابن ماجة: كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد. (٢/ ١٠٧٣ / رقم: ٣٢١٨) وكتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (٢ / ١١٠١، ١١٠٢ / رقم: ٣٣١٤). والدارقطني: (٤/ ٢٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٥٤)، ١٠/ ٧) من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر. ورواه الدارقطني من رواية سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم موقوفًا. قال: وهو أصح: وكذا صحح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم. وعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك. وقال أحمد: حديثه هذا منكر. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث أولاد زيد بن أسلم: عبد الله، وعبد الرحمن، وأسامة، وقد ضعفهم ابن معين، وكان أحمد بن حنبل يوثق عبد الله. قلت -ابن حجر-: رواه الدارقطني (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢) وابن عدي (١/ ٣٩٧) من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم، قال ابن عدي: الحديث يدور على هؤلاء الثلاثة. قلت -ابن حجر-: تابعهم شخص أضعف منهم، وهو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأبلي، أخرجه أبو مردويه في تفسير سورة الأنعام من طرف، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: "يحل من الميتة اثنان، ومن الدم اثنان، فأما الميتة: فالسمك والجراد، وأما الدم: فالكبد والطحال" ورواه المسور بن الصلت أيضًا، عن زيد بن أسلم، لكنه خالف في إسناده، قال: عن عطاء، عن أبي سعيد مرفوعًا. أخرجه الخطيب - في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٤٥) ترجمة المسور بن الصلت. وذكره الدارقطني في العلل، والمسور كذاب، نعم الرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره، هي في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا، وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع. والله أعلم.
(٣) - سيف بن هارون: قال ابن معين: سنان أوثق من أخيه سيف وهو فوقه، وسيف ليس بشيء=
[ ٢ / ١٤٩ ]
النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه"] [¬١]. وكذلك حرّم عليهم لحم الخنزير، سواء ذكي، أو مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه، إما تغليبًا، أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي، وكذلك [¬٢] حرّم عليهم ما أهل به لغير الله وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.
[وذكر القرطبي، عن ابن عطية، أنه نقل عن الحسن البصري، أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم.
وأورد القرطبي، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه المسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه وكلوا من أشجارهم] [¬٣].
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل، أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في معصيه الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا، أو عاديًا، أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطرّ إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.
_________________
(١) = وقال مرة: سنان أحسنهما حالًا. وقال مرة: سيف ليس بذاك. وقال الآجري عن أبي داود: ليسا بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف متروك. وقال أبو سعيد الأشج: ثنا أبو نعيم، ثنا سيف بن هارون وكان ثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة وفي رواياته بعض النكرة روى لا الترمذي وابن ماجة حديثًا واحد وفيه: "الحلال ما أحل الله في كتابه" وقال مهنأ عن أحمد: أحاديثه منكرة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان يروي عن الأثبات الموضوعات وصحح ابن جرير حديثه في تهذيبه. (التهذيب). والحديث رواه ابن ماجة في كتاب الأطعمة، باب: الجبن والسمن برقم (٣٣٦٧). ورواه الترمذي في اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون به وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي- عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، كأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقال سعيد في رواية عنه، ومقاتل بن حيان: غير باغ: يعني غير مستحله.
وقال السدي: غير باغ يبتغي فيه شهوته.
وقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة، عن عثمان بن] [¬١] عطاء -وهو [¬٢] الخراساني-[في قوله: غير باغ] [¬٣] عن أبيه قال] [¬٤]: لا يشوى من الميتة ليشتهيَه، ولا يطبخه ولا يأكل إلا العُلْقَة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه. [وهو قوله: ﴿ولا عاد﴾ ويقول: لا يعدو به الحلال] [¬٥].
وعن ابن عباس: لا يشبع منها. وفسره السدي بالعدوان. وعن ابن عباس ﴿غير باغ ولا عاد﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله.
وقال قتادة: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [قال: غير باغ في الميتة أي] [¬٦] في أكله أن يتعدَّى حلالًا إلى حرام. وهو يجد عنه مندوحة.
[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فمن اضطر﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره.
[مسألة] ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف -كذا قال- ثم قال: وإذا أكله والحالة هذه [هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك.
ثم أورد من سنن ابن ماجة (^٩٢٩) من حديث شعبة، عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية، سمعت عباد بن شرحبيل العنزي قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ
_________________
(١) - عباد بن شرحبيل: قال البغوي وأبو الفتح الأزدي ما روى عنه غيره -يعني جعفر- وقال ابن السكن: في صحبته نظر. والحديث رواه ابن ماجة في التجارات، باب: من مر على ماشية قومٍ أو حائطٍ، هل يصيب منه؟ برقم (٢٢٩٨). ورواه أدو داود في الجهاد، باب: في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن. ورواه أحمد ١٧٥٦٨ - (٤/ ١٦٦). والنسائي في كتاب القضاة، باب: الاستعداء (٨/ ٢٤٠). والبيهقي في كتاب الضحايا، باب: ما يحل للمضطر من مال الغير (١٠/ ٢). والحاكم في المستدرك في كتاب الأطعمة (٤/ ١٣٣). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٥١ ]
ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال للرجل: "مما أطعمته إذ كان جائعًا -[أو ساغبًا] [¬١]- ولا علمته إذ كان جاهلًا"، فأمره فردّ إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد. وله شواهد كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة يفيه غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه" الحديث (^٩٣٠)] [¬٢].
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فلا إثم عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾ فيما أكل من اضطرار، وبلغنا -واللَّه أعلم- أنه لا يزاد على ثلاث لقم.
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام. رحيم؛ إذ أحل له الحرام في الاضطرار.
وقال وكيع: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار.
[وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري- المعروف بالكيا الهراسي- رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك] [¬٣].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾
_________________
(١) - رواه أبو داود في الحدود حديث (٤٣٩٠) وفي اللقطة، باب: التعريف باللقطة، حديث (١٧١٠)، ورواه الترمذي في البيوع برقم (١٢٨٩) ورواه النسائي في قطع السارق، باب: الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين ٤٩٥٧ - (٤/ ٨٥)، ورواه ابن ماجه في الحدود (٢٥٩٦) ورواه أحمد، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقوله: خبنة: الحبنة: معطوف الإزار، وطرف الثوب، أي لا يأخذ في ثوبه. يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله ا هـ. من النهاية. [¬١]- زيادة من ابن ماجه. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ر، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ
[ ٢ / ١٥٢ ]
يقول تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم، مما يشهد [¬١] له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا -لعنهم اللَّه! - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر [¬٢] يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى، واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن اللَّه لذلك النزر [¬٣] اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللَّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل [¬٤] القاطعات، فصدَّقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللَّه في كتابه في غير [] [¬٥] موضع.
فمن [¬٦] ذلك هذه الآية الكريمة ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾، وفي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إن [¬٧] الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجَرُ في بطنه نار جهنم" (^٩٣١).
وقوله: ﴿ولا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (^٩٣٢): وابن مردويه هاهنا حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب] [¬٨] أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر".
_________________
(١) - رواه مسلم في اللباس والزينة برقم ٢ - (٢٠٦٥)، من حديث أم سلمة ﵂. ورواه البخاري في كتاب الأشربة، كتاب: آنية الفضة برقم (٥٦٣٤) - وكذا مسلم ١ - (٢٠٦٥) وابن ماجه (٣٤١٣) - مقتصرين على ذكر النهضة- من حديث أم سلمة ﵂.
(٢) - ابن أبي حاتم ١٥٣٦ - (١/ ٢٨٦). والحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه برقم ١٧٢ - (١٠٧). [¬١]- في ت: "تشهد". [¬٢]- في خ: "نذر". [¬٣]- في خ: "النذر". [¬٤]- في خ: "الدلالات". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "ما". [¬٦]- في ز: "من". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به [¬١] من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كتبهم ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب [¬٢] من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع [¬٣] شدّة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا باللَّه من ذلك.
[وقيل معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] [¬٤].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛
لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق
وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات اللَّه هزوا، فكتابهم يأمرهم لإظهار العلم ونشره، فخالفوه
وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى اللَّه تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم
يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات اللَّه المنزلة على رسله؛ فلهذا
استحقوا العذاب والنكال؛ وهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.
لَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
_________________
(١) [¬١]- زبادة من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "يعجب". [¬٣]- في ز، خ: "من". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٥٤ ]
اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعدَ عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم (^٩٣٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها [¬١] قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها [¬٢] قلبك".
وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي: حدَّثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله عما سألتني عنه [¬٣]، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول اللَّه، ﷺ، وأشار بيده: "المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" (^٩٣٤).
رواه ابن مردويه وهذا أيضًا منقطع، واللَّه أعلم.
وأئا الكلام على تفسير هذه الآية، فإن اللَّه تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب، وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة اللَّه ﷿ وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق، أو [¬٤] المغرب برٌّ ولا طاعةٌ إن لم يكن عن أمر اللَّه وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١٥٣٩ - (١/ ٢٨٧). ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد به. ورواه الحاكم (٢/ ٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي: فقال: "كيف وهو منقطع؟! ".
(٢) - ذكره ابن كثير معلقًا عن المسعودي وقد رواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن في يد المقرئ والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لإسحاق بن راهويه في مسنده، وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن. [¬١]- في خ: "أبغضها"، وفي ز: "فأحبها". [¬٢]- في خ: "أحبها". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "إلى".
[ ٢ / ١٥٥ ]
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لن ينال اللَّه لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، والحدود، فأمر اللَّه بالفرائض والعمل بها.
وروي عن الضحاك، ومقاتل نحو ذلك.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تُقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل. وروي عن الحسن، والربيع بن أنس مثله.
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة اللَّه ﷿.
وقال الضحاك: ولكن البر و[¬١] التقوى: أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.
وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان باللَّه، و[¬٢] أنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين اللَّه ورسله. ﴿والكتاب﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء [¬٣] اللَّه كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين!
وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه. نص على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرُهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين (^٩٣٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى، وتخشى الفقر".
_________________
(١) - رواه البخاري في الزكاة، باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح (١٤١٩). وفي الوصايا، باب: الصدقة عند الموت (٢٧٤٨). ومسلم في الزكاة برقم (١٠٣٢)، وهو عند أبي داود في الوصايا (٢٨٦٥). والنسائي في الوصايا (٣٦١١) وأحمد ٧١٥٦ - (٢/ ٢٣١). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "وهو". [¬٣]- في ز، خ: "أنبياء".
[ ٢ / ١٥٦ ]
وقد روى الحاكم في مستدركه (^٩٣٦) من حديث شعبة، والثوري، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشي الفقر".
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(قلت): وقد رواه وكيع، عن الأعمش. وسفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا، وهو أصح، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾. [وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [¬١]. وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله: ﴿ذوي القربى﴾ وهم قرابات الرجل، و[¬٢] هم أولى من أعطى من الصدقة، كما ثبت في الحديث: "الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك، وببرك، وإعطائك" (^٩٣٧)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز.
﴿واليتامى﴾ هم: الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم، وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا [¬٣] معمر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال [¬٤] ابن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُتْمَ بعد
_________________
(١) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٢) وهو عنده موقوفًا وليس مرفوعًا، وليس فيه "شعبة".
(٢) - رواه الترمذي في كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة برقم (٦٥٨) من حديث ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرَّباب بنت صُلَيع، عن سلمان بن عامر مرفوعًا. والنسائي في كتاب الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب ٢٥٨٢ - (٥/ ٩٢). وفي الكبرى ٢٣٦٣ - (٢/ ٤٩)، وابن ماجه ١٨٤٤ - (١/ ٥٩١)، ورواه أحمد (٤/ ١٧) (١٦٢٧٧) (٤/ ٢٤١)، والدارمي ١٦٨٠، ١٦٨١ - (١/ ٤٨٨). وابن حبان ٣٣٤٤ - (٨/ ١٣٢). وابن خزيمة ٢٠٦٧ - (٣/ ٢٧٨) و٢٣٨٥ - (٤/ ٧٧). والحاكم (١/ ٥٦٤)، والبيهقي (٤/ ١٧٤) (٧/ ٢٧). والطبراني في الكبير ٦٢٠٤، ٦٢٠٥٤، ٦٢٠٦، ٦٢٠٧، ٦٢١٠، ٦٢١١، ٦٢١٢ - (٦/ ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٦). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١١٣٦ - (٢/ ٣٦٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "أخبرنا". [¬٤]- في خ: "المنهال"، وفي حاشية ز "النزال"، وفي المتن: "المنهال".
[ ٢ / ١٥٧ ]
حُلُمٍ" (^٩٣٨).
﴿والمساكين﴾ وهم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون
_________________
(١) = وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قال شيخنا الألباني حفظه اللَّه تعالى: وليس كذلك فإن الرباب هذه إنما أخرج لها البخاري تعليقًا، ثم هي لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها كما قال الذهبي نفسه في الميزان وقد وثقها ابن حبان وصحح حديثها هذا. وهو في هذا تابع لشيخه ابن خزيمة فقد صحح الحديث أيضًا كما في بلوغ المرام وكذا صححه أبو حاتم الرازي كما في التلخيص. قال الشيخ: ولا أدري ما وجه هذا التصحيح لا سيما عن أبي حاتم؛ فإنه معروف بتشدده في التصحيح والقواعد الحديثية تأبى مثل هذا التصحيح لتفرد حفصة، عن الرباب كما تقدم، ومعنى ذلك أنها مجهولة فكيف يصحح حديثها؟! مع عدم وجود شاهد له؛ إلا حديث أنس وهو معلول بمخالفة سعيد بن عامر للثقات كما سبق بيانه. ورواه الطبراني في الكبير ٤٧٢٣ - (٥/ ١٠١) والأوسط من حديث أبي طلحة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفه. ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعًا ٧٨٣٤ - (٦/ ٢٠٨).
(٢) - إسناد ضعيف جدًّا، جويبر: متروك الحديث. ورواه أبو داود في الوصايا، باب: ما جاء متى ينقطع اليتم (٢٨٧٣) من حديث أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد المديني، عن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي بن أبي طالب: حفظت عن رسول اللَّه ﷺ: "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى اليل". ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (٦/ ٥٧). ورواه الطبراني في الأوسط ٢٩٢١ - (١/ ٢٠٢) من حديث أحمد بن صالح به. وقال: قال أحمد بن صالح: عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من كبار تابعي المدينة قد لقي عمر بن الخطاب، وهو أكبر من سعيد بن المسيب لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أحمد إلا بهذا الإسناد تفرد به أحمد بن صالح. ورواه الطبراني في الصغير من حديث محمد بن عبيد بن ميمون التبان عن أبيه، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبان بن تغلب عن إبراهيم عن علقمة عن علي (٢/ ١٥٨). وقال: ورواه عن أبان إلا موسى بن عقبة، ولا عن موسى إلا محمد بن جعفر ولا عن محمد إلا عبيد التبان تفرد به محمد بن سليمان عن محمد بن عبيد. وقد روي من حديث أنس: رواه البزار، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو ضعيف (مجمع الزوئد ٤/ ٢٢٦). ومن حديث حنظلة: رواه الطبراني (٤/ ١٤). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٢٦) وقال: ورجاله ثقات. وقد روي من حديث جابر بن عبد الله رواه الطيالسي ١٧٦٧ - (٢٤٣). والحارث ٣٥٧ - (١/ ٤٣٩) والبيهقي (٧/ ٣١٥) وفيه حرام بن عثمان. ورواه الشهاب (٢/ ٣٩) من حديث محمد بن المنكدر عن أبيه مرفوعًا.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ما تسدّ به حاجتهم، وخلتهم، وفي الصحيحين (^٩٣٩) عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ قال: "ليس المسكين [بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] [¬١] الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه".
﴿وابن السبيل﴾ وهو: المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى [¬٢] بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة، فيعطى مما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن، وقتادة، والضحاك، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
﴿والسائلين﴾ وهم: الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات [¬٣]، والصدقات كما قال الإمام أحمد (^٩٤٠):
حدَّثنا وكيع، وعبد الرحمن قالا: حدَّثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين [¬٤] عن أبيها -قال عبد الرحمن: حسين بن علي- قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "للسائل حق، وإن جاء على فرس". رواه أبو داود.
_________________
(١) - البخاري في الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا …﴾ برقم (١٤٧٩) وانظر (١٤٧٩، ٤٥٣٩) ومسلم في الزكاة برقم (١٠٣٩).
(٢) - رواه الإمام أحمد ١٧٣٠ - (١/ ٢٠١). ورواه أبو داود في الزكاة، باب: حق السائل برقم (١٦٦٥). والبيهقي (٧/ ٢٣). والطبراني في الكبير ٢٨٩٣ - (٣/ ١٣٠). قال السيوطي في مرقاة الصعود: وقد انتقد الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح أحاديث وزعم أنها موضوعة، ورد عليه الحافظ العلائي في كراسة، ثم أبو الفضل ابن حجر، منها هذا الحديث. قال العلائي: أما الطريق الأولى بأنها حسنة؛ مصعب وثقه ابن معين وغيره. قال فيه أبو حاتم: صالح، ولا يحتج به. وتوثيق الأولين أولى كالاعتماد، ويعلى بين أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، ووثقه ابن حبان فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله (*)، وقد أثبت أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سماع الحسين عن جده رسول الله ﷺ، وقال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما: كل رواياته مراسيل، فعلى هذا هي مرسل صحابي وجمهور العلماء على الاحتجاج بها. فأما على الرواية الثانية: فقد بين فيها أنه سمع ذلك من أبيه علي، عن النبي ﷺ. وزهير بن معاوية متفق على الاحتجاج به، ولكن شيخه لم يسمه والظاهر أنه يعلى بن أبي يحيى المتقدم. وبالجملة: الحديث حسن، ولا يجوز نسبته إلى الوضع انتهى. وقال المنذري: في إسناده يعلى بن أبي يحيى سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول. وقال أبو علي= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "الزكاة". [¬٤]- في ز: "حسين".
[ ٢ / ١٥٩ ]
﴿وفي الرقاب﴾ وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم.
وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس: أنها سألت رسول اللَّه ﷺ أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا عليَّ ﴿وآتى المال على حبه﴾.
ورواه ابن مَرْدُوَيه من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد كلاهما، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول اللَّه، ﷺ: "في المال حق سوى الزكاة"، ثم قرأ [¬١] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وفي الرقاب﴾.
[وأخرجه ابن ماجة، والترمذي (^٩٤١)، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، وقد رواه بيان [¬٢]، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] [¬٣]. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها [¬٤] من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾. وقول موسى لفرعون: ﴿هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة﴾.
_________________
(١) = سعيد بن السكن. قد روي من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي إلى رسول اللَّه ﷺ ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن علي، عن رسول اللَّه ﷺ فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي في محجمه نحوًا من ذلك. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع النبي ﷺ ورآه ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر واحد. انتهى. ورواه الطبراني من حديث الهرماس بن زياد ٥٣٥ - (٢٢/ ٢٠٣).
(٢) - ضعيف، والحديث رواه الترمذي في الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، برقم (٦٥٩) وابن ماجة في الزكاة، باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز برقم (١٧٨٩) وقال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة يضعف في الحديث، وقد روى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله، وهو أصح". [¬١]- في ز، خ: "تلا". [¬٢]- في ز، خ: سيار. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "وتخلصها".
[ ٢ / ١٦٠ ]
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، كما قاله سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات، والأصناف المذكورين إنما هو التطوع، والبر، والصلة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقًّا سوى الزكاة، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في [¬١]، الحديث: "آية المنافق ثلاث [¬٢]: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (^٩٤٢)، وفي الحديث الآخر "إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (^٩٤٣).
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ [¬٣] الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام وهو الضراء. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم.
وإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ [¬٤]﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الأيمان القلبي بالأقوال، والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ لأنهم اتقوا المحارم، وفعلوا الطاعات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
_________________
(١) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان، برقم ١٠٧ - (٥٩).
(٢) - رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ في كتاب الإيمان برقم ١٠٦ - (٥٨). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- سقط هن: ز، خ. [¬٣]- مكررة في خ. [¬٤]- في ز: "والصابرين".
[ ٢ / ١٦١ ]
يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ﴾ العدل في القصاص أيها المؤمنون، [فاقتلوا] [¬١] حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا، وتعتدرا كما اعتدى من قبلكم، وغيروا حكم اللَّه فيهم، وسبب ذلك قريظة، والنضير؛ كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل به، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية القرظي، فأمر اللَّه بالعدل في القصاص، ولا يُتبَع سبيل المفسدين المحرّفين المخالفين لأحكام الله فيهم، كفرًا وبغيًا، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
وذكر في سبب [¬٢] نزولها ما رواه الإمام أبو [¬٣] محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه [بن بُكيرٍ، حدثني عبد اللَّه] [¬٤] [بن لهيعة] [¬٥]، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يعني إذا كان عمدًا، الحرّ بالحرّ. وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى [¬٦] قتلوا العبيد، والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة [¬٧] منا الرجل منهم، فنزلت فيهم. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسخها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل اللَّه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَينَ بِالْعَينِ﴾ فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس، وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
[مسألة: ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة. وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة والحكم. وقال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده لعموم حديث الحسن، عن سمرة: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز، خ: "ابن أبي لهيعة". [¬٦]- في ز، خ: "قد". [¬٧]- في ز، خ: "المرأة".
[ ٢ / ١٦٢ ]
جدعناه، ومن خصاه خصيناه" (^٩٤٤). وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحرّ بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قُتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته؛ ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى. وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت في البخار (^٩٤٥)، عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر"، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا. وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يُقتل به لعموم آية المائدة.
[مسألة] قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (^٩٤٦)، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.
[مسألة] ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد. قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت. ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح ولا حجة
_________________
(١) - رواه أبو داود في الديات، باب: من قتل عبده أو مثّل به هل يقاد منه؟ برقم (٤٥١٦، ٤٥١٥) - مفرقًا- والترمذي في الديات، باب: الرجل يقتل عبده برقم (١٤١٤). والنسائي في القسامة، باب: القود من السيد للمولى، باب: القصاص في السن ٤٧٣٦، ٤٧٣٧، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤ - (٢٠/ ٨، ٢١، ٢٦). وابن ماجه في الديات، باب: هل يقتل الحر بالعبد (٢٦٦٣) ببعضه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٢) - البخاري في كتاب العلم، باب: كتابة العلم برقم (١١١)، وانظر (٣٠٤٧).
(٣) - رواه أحمد (٢/ ١٨٠)، وأبو داود في كتاب الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (رقم: ٤٥٣١)، وابن ماجة في كتاب الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم (رقم: ٢٦٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواء أبو داود في كتاب الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (رقم: ٤٥٣٠)، والنسائي في كتاب القسامة: باب: القود بين الأحرار والمماليك في النفس، وباب: سقوط القود من المسلم للكافر (٨/ ١٩ / ٢٠، ٢٤ / رقم: ٤٧٣٤، ٤٧٣٥، ٤٧٤٥، ٤٧٤٦)، والحاكم (١/ ١٤١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ورواه ابن ماجة في كتاب الديات، باب: المسلمون، تتكافأ دماؤهم برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس ﵄. ورواه ابن ماجة: باب الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم (رقم: ٢٦٨٤) من حديث معقل بن يسار. ورواه ابن حبان في صحيحه ست حديث ابن عمر. ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
لمن أباح قتل الجماعة. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر] [¬١].
[وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال مجاهد: عن ابن عباس] [¬٢] ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وكذا رُوي عن أبي العالية، وأبي الشعثاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان.
وقال [¬٣] الضحاك: عن ابن عباس ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ يعني [¬٤]: فمن تُرِكَ [¬٥] له من أخيه ﴿شَيءٌ [¬٦]﴾، يعني [¬٧]: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر، ولا مَعْك يعني: المدافعة. وروى الحاكم من حديث سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدّي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو [¬٨]، الشعثاء جابر بن زيد والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان.
[[مسألة] قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.
[مسألة] وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون] [¬٩].
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا [¬١٠]، من اللَّه عليكم، ورحمة بكم، مما [¬١١]، كان محتومًا على الأمم قبلكم من القتل، أو العفو، كما قال [¬١٢] سعيد بن منصور:
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- بياض في ز، خ. [¬٤]- في ز: "يقول". [¬٥]- في خ: تركه. [¬٦]- في ز: "بعد". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز: "أو". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: تخفيف". [¬١١]- في ز: "بما". [¬١٢]- في ز: "وقال".
[ ٢ / ١٦٤ ]
حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كُتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال اللَّه لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو: أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٩٤٧).
وقد رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان (^٩٤٨) في "صحيحه"، عن عمرو بن دينار، به، ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس، بنحوه.
وقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: رحم اللَّه هذه الأمة، وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أَرُشَ، وكان أهل الإنجيل إِنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرْشَ.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس نحو هذا.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله أليم موجع شديد.
وهكذا [¬١] روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان: أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية،
كما قال محمد بن إسحاق: عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي: أن النبي، ﷺ، قال: "من أصيب بقتل، أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها" (^٩٤٩) رواه أحمد.
_________________
(١) - سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد.
(٢) - صحيح ابن حبان (٧/ ٦٠١) "الإحسان".
(٣) - إسناده ضعيف: سفيان بن أبي العوجاء السلمي: ضعيف. والحديث في المسند ١٦٤٢٧ - (٤/ ٣١). وأخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم، من طريق موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أنا محمد بن إسحاق، عن الحارث به. حديث (٤٤٩٦). وابن ماجة في كتاب الديات، باب: من قتل له قتيل، من طريق أبي بكر وعثمان في أبي شيبة، ثنا جرير. حديث (٢٦٢٣). والدارقطني (٣/ ٩٦). وابن الجارود (٧٧٤) في المنتقى. والبيهقي (٨/ ٥٢). والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٢٤). وضعف الشيخ الألباني إسناده؛ انظر الإرواء (٧/ ٢٧٨). [¬١]- في ز، خ: "كذا".
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية" (^٩٥٠) يعني لا أقبل منه الدية بل أقتله.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس [¬١]، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال أبو العالية: جعل اللَّه القصاص حياة لكم [¬٢]، [فكم من] [¬٣] رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل.
وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل ابن حيان.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول، والأفهام، والنُّهى لعلكم تنزجرون [¬٤]، وتتركون [¬٥] محارم اللَّه، ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات، وترك المنكرات.
﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ
_________________
(١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٢١) وعزاه لسمويه في فوائده. ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٥٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن الحسن مرسلًا وروى أبو داود في كتاب الديات، باب: من قتل بعد أخذ الدية برقم (٤٥٠٧) من طريق حماد، عن مطر، قال: وأحسبه عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعًا: "لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية". -والحسن لم يسمع من جابر- ورواه البيهقي من طريق أبي داود (٨/ ٥٤). ورواه الطيالسي من حديث حماد بن سلمة، عن مطر الوراق، عن رجل، عن جابر مرفوعًا: "لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدبة". [¬١]- في ز، خ: "النفوس". [¬٢]-زيادة ش ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "في". [¬٤]- في ز: "تبرحون". [¬٥]- في ز: "فتتركون".
[ ٢ / ١٦٦ ]
عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَينَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدّرة فريضة من اللَّه، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية، ولا تحمل منة [¬١] الموصي؛ ولهذا جاء في [¬٢] الحديث الذي [¬٣] في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ، يخطب وهو يقول: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (^٩٥١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين قال: جلس ابن عباس فقرًا سورة البقرة حتى أتى هذه الآية ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية.
وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس، به.
ورواه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرطهما (^٩٥٢).
_________________
(١) - رواه أحمد ١٧٧١٤، ١٧٧١٥، ١٧٧١٦ - (٤/ ١٨٦، ١٨٧) والترمذي في الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث برقم (٢١٢١) والنسائي في الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، ٣٦٤١ - (٦/ ٢٤٧) ورواه ابن ماجة بنحوه في الوصايا، باب: لاوصية لوارث برقم (٢٧١٢). جميعهم من حديث قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو به. ورواه الدارقطني في كتاب الوصايا (٤/ ١٥٢) والبيهقي (٦/ ٢٦٤). والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢ - ٣٤) حديث (٦٠) - (٧٢). قال في البدر المنير: وشهر تركوه؛ أي طعنوا فيه. ومن جملة ما أنكر عليه ما قاله في هذا الحدث عن عمرو بن خارجة أنه كان تحت جران ناقة رسول الله ﷺ والجران بطن العنق مما يلي الأرض. وهذا مجرد استبعاد وهو ممكن. ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عمرو بن خارجة. قلت: ورواه همام والحجاج بن أرطأة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي والحسن بن دينار وغيرهم عن قتادة فلم يذكروا ابن غنم -الراوي عن عمرو بن خارجة- ا. هـ من البدر.
(٢) - سنن سعيد بن منصور برقم (٢٥٢) بتحقيق الدكتور الحميد، والمستدرك (٣/ ٢٧٣). [¬١]- في خ: "أمانة"، وفي ز: "مانة". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: الذي.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٩٥٣) في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل اللَّه آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.
وقال ابن أبي حاتم (^٩٥٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، [عن عطاء] [¬١]، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
ثم قال ابن أبي حاتم (^٩٥٥): وروي عن ابن عمر، وأبي موسى، وسعيد بن المسيب [¬٢]، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وشريح، والضحاك، والزهري: أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث.
والعجب من أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي ﵀ كيف حكى في "تفسيره الكبير" عن أبي مسلم الأصفهاني: أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى اللَّه به من توريث الوالدين والأقربين. من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قال: وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء. قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد.
(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان. ولكن على قول هؤلاء [¬٣] لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية [المواريث إنما] [¬٤] رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لايرث، فرفع [¬٥] حكم من يرث [¬٦]، بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت. فأمّا من يقول: إنها كانت واجبة - وهو الظاهر من سياق الآية - فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث. كما قاله
_________________
(١) - رواه ابن جرير بإسناده ٢٦٤٦ - (٣/ ٣٨٩).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٤ - (١/ ٢٩٩).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين في سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "أطيب". [¬٣]- في خ: "هذا". [¬٤]- في ز: "الميراث لهما". [¬٥]- في ز: "فرعت". [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٦٨ ]
أكثر المفسرين والمعتبرين [¬١] من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين [¬٢] منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند اللَّه لأهل الفروض وللعصبات رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في "الصحيحين (^٩٥٦) "، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ببيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، قال ابن عمر: ما مرّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.
والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم، كثيرة جدًّا.
وقال عبد بن حميد في "مسنده" (^٩٥٧): أخبرنا عبيد اللَّه، عن مبارك بن حسان، عن نافع قال قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ: "يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم؛ ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك".
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ أي: مالًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وقتادة، وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال، أو كثر كالوراثة، ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم (^٩٥٨):
حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقري [¬٣]، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال
_________________
(١) - البخاري في كتاب الوصايا، باب: الوصايا برقم (٢٧٣٨) ومسلم في كتاب الوصية، برقم ١ - (١٦٢٧)
(٢) - مبارك بن حسان: لين الحديث، قال أبو داود: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي في حديثه شيء. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الأزدي: متروك يرمى بالكذب وقال ابن عدي روى أشياء غير محفوظة. (التهذيب ١٠/ ٢٤).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٢ - (١/ ٢٩٩). [¬١]- في ز، خ: "المعتبرون". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "المقبري".
[ ٢ / ١٦٩ ]
: قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات، وترك ثلثمائة دينار، أو أربعمائة [دينار] [¬١] ولم يوصِ. قال: ليس بشيء، إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾.
[وقال أيضًا (^٩٥٩) [¬٢]: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عليًّا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي [¬٣]؟ فقال له علي: إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾، إنما تركت شيئًا يسيرًا، فاتركه لولدك.
وقال الحكم بن أبان (^٩٦٠): حدثني عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. قال الحكم [¬٤]: قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا. وقال قتادة: كان يقال ألفًا فما فوقها.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم (^٩٦١).
حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن يسار، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نَعَم، الوصية حق، على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر.
والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه [¬٥] وصية لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير [¬٦]، كما ثبت في "الصحيحين" (^٩٦٢) أن سعدًا قال: يا رسول اللَّه؛ إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثي مالي؟ قال: "لا"، قال: فبالشطر؟ قال: "لا"، قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٥٩٩ - (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠١ - (١/ ٢٩٩)، من رواية حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان، وحفص بن عمر العدني ضعيف -كما في التقريب.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ١٥٩٨ - (١/ ٢٩٨). وعباد بن منصور: ضعيف.
(٤) - رواه البخاري في الجنائز، باب: رثاء النبي سعد بن خولة برقم (١٣٩٦) وأطرافه (٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٦٣٧٣). ومسلم في الوصية برقم (١٦٢٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٣]- في ز، خ: "أأوصي". [¬٤]- في ز، خ: "الحاكم". [¬٥]- في خ: "أقاربه". [¬٦]- في ز: "تعتبر".
[ ٢ / ١٧٠ ]
وفي "صحيح البخاري" (^٩٦٣): أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير".
وروى الإمام أحمد (^٩٦٤): عن أبي سعيد مولى بني [¬١] هاشم، عن [ذيال بن عبيد] [¬٢] بن حنظلة، سمعت حنظة بن جذيم [¬٣] بن حنيفة: أن جدّه حنيفة: أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ. فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، [كنا نسميها] [¬٤] المطية، فقال النبي [¬٥] ﷺ: "لا، لا، لا. الصدقة خمس وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت [¬٦] فأربعون".
وذكر الحديث بطوله.
وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [¬٧]﴾ يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرّفها، فغير حكمها: زاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: وقد [¬٨] وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله الموصى إليهم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجَنَف: الخطأ. وهذا يشمل أنواع الخطإ كلها، بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إِذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إِمّا مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوّة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي -والحالة هذه- أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي.
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب الوصايا، باب: الوصية بالثلث برقم (٢٧٤٣).
(٢) - المسند ٢٠٧٢٢ - (٥/ ٦٧). [¬١]- في ز، خ: "أبي". [¬٢]- في ز: "ديال بن عتبة". [¬٣]- في ز، خ: "خديم". [¬٤]- بياض في ز، خ. [¬٥]- في خ: "الرسول". [¬٦]- في خ: "أكثرت". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٧١ ]
وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النَّهي عن [¬١] ذلك [¬٢]، ليعلم أن هذا ليس من ذلك [¬٣] بسبيل، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم (^٩٦٥): حدَّثنا العباس بن الوليد بن مزيد [¬٤] قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدّثني [] [¬٥] عروة، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ: أنَّه قال: "يُرَدُّ من صَدَقة الجانف [¬٦] في حياته ما يُرَدُّ من وصية المجنف عند موته".
وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه: من حديث العباس بن الوليد به [¬٧].
قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مؤيد [¬٨]، وهذا الكلام: إنَّما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يجاوز به عروة.
وقال ابن مردويه أيضًا (^٩٦٦): حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الجنف [¬٩] في الوصيَّة من الكبائر".
وهذا في رفعه أيضًا نظر.
وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق (^٩٦٧): حدَّثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل [¬١٠] الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر
_________________
(١) - ورواه أبو داود في المراسيل برقم (١٩٤) من طريق عباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، به. قال العباس: حدثنا به مرَّة، عن عروة، ومرَّة عن عروة، عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ، ثم رواه أبو داود برقم (١٩٥) عن عروة مرسلًا، وبرقم (١٩٦) عن الزُّهريّ مرسلًا.
(٢) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ١٥١)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٩)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق عمر بن المغيرة به نحوه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق هشيم عن داود به موقوفًا، وقال: "هذا هو الصَّحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا، وروي من وجه آخر مرفوعًا، ورفعه ضعيف.
(٣) - المصنف برقم (١٦٤٥٥) ورواه أبو داود في الوصايا، باب: كراهية الإضرار في الوصية، برقم (٢٨٦٧) والترمذي في الوصايا، باب: الضرار في الوصيَّة، برقم (٢١١٧)، وابن ماجة في = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "لذلك". [¬٣]- في ز: "ذاك". [¬٤]- في خ: يزيد". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "عن". [¬٦]- في ز: "الحايف". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "يزيد". [¬٩]- في ز، خ: الحيف". [¬١٠]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٧٢ ]
عمله، فيدخل النَّار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة". قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. الآية [¬١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾
يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمّة، وآمرًا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطَّعام والشَّراب والوقاع بنيَّة خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس [¬٢] وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط [الرديئة، والأخلاق] [¬٣] الرذيلة. وذكر [أنَّه كما] [¬٤] أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة حسنة [¬٥]، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ الآية؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّ الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت [¬٦] في "الصحيحين" (^٩٦٨): " يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له
_________________
(١) = الوصايا، باب: الحيف في الوصيَّة برقم (٢٧٠٤) من طريق أشعث بن عبد الله بن جابر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة بمعناه وفيه: "ستِّين سنة" بدل "سبعين سنة"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". والأشعث بن عبد الله بن جابر: وثقه يَحْيَى بن معين، والنسائي، وقال أحمد: لا بأس به، وقال العقيلي: في حديثه وهم. وتعقبه الذهبي في الميزان وقال: قول العقيلي: في حديثه وهم ليس بمسلم إليه، وأنا أتعجب كيف لم يخرج له البُخاريّ ومسلم. وشهر مختلف فيه على ما تقدم.
(٢) - البُخاريّ في الصوم باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزبة يرقم (١٩٠٥) وانظر (٥٠٦٥، ٥٠٦٦)، ومسلم في كتاب النكاح برقم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "النَّفس". [¬٣]- سقط من: خ، وفي ز: "الرذيلة والأخلاق". [¬٤]- في ز: "كما". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وجاء"، ثم بين مقدار الصوم، وأنَّه ليس في كل يوم لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيَّام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيَّام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان [¬١] أوَّلًا كما [¬٢] كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيَّام، عن معاذ وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضَّحَّاك بن مزاحم. وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
وقال عباد بن منصور (^٩٦٩): عن الحسن البصري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمَّة قد [¬٣] خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات: عددًا معلومًا. وروي عن السدي نحوه.
وروى ابن أبي حاتم (^٩٧٠): من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الرَّبيع -رجل من أهل المدينة- عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم" في حديث طويل اختصر منه ذلك.
وقال أبو جعفر الرَّازي (^٩٧١): عن الرَّبيع بن أنس، عمن حديثه، عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صَلَّى أحدهم [¬٤] العتمة ونام حرم عليه الطعام والشَّراب والنساء إلى مثلها.
قال ابن أبي حاتم (^٩٧٢): وروي عن ابن عباس وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني نحو ذلك.
وقال عطاء الخراساني (^٩٧٣): عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٦٢٦ - (١/ ٣٠٥) وعباد بن منصور: ضعيف.
(٢) - ابن أبي حاتم ١٦٢٥ - (٤/ ٣٠١) وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٧٨) لابن أبي حاتم وقال: "في إسناده مجهول".
(٣) - ابن أبي حاتم بإسناده ١٦٢٧ - (١/ ٣٠٥).
(٤) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٠٥).
(٥) - ابن أبي حاتم ١٦٢٨ - (١/ ٣٠٥). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من:، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٧٤ ]
بذلك أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسدي، وعطاء الخراساني، مثله.
ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من الشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيَّام آخر.
وأمَّا الصَّحيح المقيم الذي يطلق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، أن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الأطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس، ومجاهد [وطاوس، ومقاتل بن حيان] [¬١] وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
و[¬٢] قال الإمام أحمد (^٩٧٤): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا المسعودي، حدَّثنا عمرو بن مرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أحيلت الصَّلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصَّلاة: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو يصلِّي سبعة عشر شهرًا إلي بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. الآية. فوجهه الله إلى مكّة. هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. ثم إن رجلًا من الأنصار، يقال له عبد الله بن زيد [بن ثعلبة بن عبد ربه] [¬٣] أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنِّي رأيت فيما يرى النائم ولو قلت: أني لم أكن نائمًا لصدقت، أني بينا أنا بين النائم واليقظان، إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلَّا الله -مثنى- حتَّى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنَّه يزيد [¬٤] في ذلك: قد قامت الصَّلاة- مرتين [¬٥]- قال رسول الله ﷺ: "علمها بلالًا فليؤذن بها"، فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله؛ [إنه] [¬٦] قد طاف لي مثل الذي طاف به غير أنَّه سبقني، فهذان حالان [¬٧].
_________________
(١) - المسند ٢٢٢٢٣ - (٥/ ٢٤٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "مزيد". [¬٥]- في ز: "قد قامت الصَّلاة". [¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٧]- في ز: "حولان".
[ ٢ / ١٧٥ ]
قال: وكانوا يأتون الصَّلاة وقد [¬١] سبقهم النَّبيُّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل أن [¬٢] كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حاد أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النَّبيُّ ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ، قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا". فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيَّام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه.
ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فأثبت الله صيامه على المقيم الصَّحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان [¬٣].
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له صرمة، كان يعمل صائمًا حتَّى أمسى فجاء إلي أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتَّى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا [فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا] [¬٤]؟ قال: يا رسول الله؛ إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النَّبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾.
وأخرجه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث المسعودي، به (^٩٧٥).
وقد أخرج البُخاريّ ومسلم (^٩٧٦): من حديث الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصَّلاة، باب: كيف الأذان (١/ ١٣٦ - ١٣٩ / رقم: ٥٠٦، ٥٠٧). وابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٩٧، ١٩٩ / رقم: ٣٨١، ٣٨٣).
(٢) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠٢) = [¬١]- في ز: "قد". [¬٢]- في ز، خ: إذا [¬٣]- في ز: "حولان". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ٢ / ١٧٦ ]
كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض [¬١] رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وروى البُخاريّ (^٩٧٧) عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
وقوله تعالى [¬٢]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى البُخاريّ عن سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (^٩٧٨).
وروى أيضًا (^٩٧٩): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: هي منسوخة.
وقال السدي: عن مرَّة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وأن تصوموا خير لكم فكانوا [¬٣] كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقال البُخاريّ أيضًا (^٩٨٠): أخبرنا [¬٤] إسحاق، أخبرنا روح، حدَّثنا زكريا بن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشَّيخ [¬٥] الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى غير واحد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
_________________
(١) = ومسلم في كتاب الصيام برقم (١١٢٥).
(٢) حديث ابن عمر عند البُخاريّ في كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠١)، وحديث ابن مسعود في عند البُخاريّ في كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠٣).
(٣) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿ومَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ برقم (٤٥٠٧)،
(٤) - البخاري في التفسير، باب: ﴿ومَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ برقم (٤٥٠٦).
(٥) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. ..﴾ برقم (٤٥٠٥). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "فكان". [¬٤]- في خ: "حدَّثنا". [¬٥]- في خ: "الشَّيخ".
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٩٨١): حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال [¬١]: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩٨٢): حدَّثنا محمَّد بن أحمد، حدَّثنا الحسين [¬٢] بن محمَّد بن بِهرام المحرمي، حدَّثنا وهب بن بقية، حدَّثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلَّا الكبير الثَّاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر.
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصَّحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأمَّا الشَّيخ الفاني الهرم [¬٣] الذي لا يستطيع الصيام فله [¬٤] أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنَّه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] [¬٥] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إِذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنَّه ضعيف عنه لسنه فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأنّ الله لا يكلف نفسًا إلَّا وسعها، وهو أحد قولي الشَّافعي، والثَّاني: وهو الصَّحيح وعليه أكثر العلماء: أنَّه يجب عليه فدية عن كل يوم كما فسره ابن عباس، وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البُخاريّ فإنَّه قال: وأمَّا الشَّيخ الكبير إذا لم يطلق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عامًا أو عامين عن [¬٦] كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر (^٩٨٣).
وهذا الذي علقه البُخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلى في "مسنده"، فقال (^٩٨٤):
_________________
(١) - أشعث بن سوار: ضعيف أخرج له مسلم في المتابعات.
(٢) - الحسين بن محمَّد: ثقة. وكذلك وهب بن بقية.
(٣) البخاري في التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. ..﴾ قبل رقم (٤٥٠٥).
(٤) مسند أبي يعلى (٧/ ٢٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٤): "رجاله رجال الصحيح" لكنَّه منقطع. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "الحسن"، وفي ز: "الحسنى". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٧٨ ]
حدَّثنا عُبَيد الله بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم.
ورواه عبد بن حميد: عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حُدَير [¬١]- عن أيوب، به.
ورواه عبد -أيضًا-: من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] [¬٢] بمعناه.
ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين [¬٣] العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان، ويقضيان. وقيل: يفديان فقط ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران ولا فدية، ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه. ولله الحمد والمنة.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن [¬٤] لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (^٩٨٥) -: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع- أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة في [¬٥] رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان] [¬٦] والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله
_________________
(١) المسند ١٧٠٣٤ - (٤/ ١٠٧). ورواه البيهقي في الكبرى (٩/ ١٨٨). والطبراني في الكبير رقم ١٨٥ - (٢٢/ ٧٥). ورواه ابن أبي حاتم ١٦٤٩ - (١/ ٣١٠). وابن جرير ٢٨١٤ - (٣/ ٤٤٦). [¬١]- في خ: "جدير". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "من". [¬٤]- في ز، خ: "بينهم". [¬٥]- في ز، خ: "من". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٧٩ ]
القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أنَّ الزبور أنزل [¬١] لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإِنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه.
وأمَّا الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النَّبيِّ الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأمَّا القرآن فإنَّما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدُّنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم نزل بعدُ مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ.
هكذا روى من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرإئيل: عن السدي، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن مقسم عن ابن عباس: أنَّه سأل [¬٢] عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك من [¬٣] قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرّم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن عباس: إنَّه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم (^٩٨٦) وابن مردويه، وهذا لفظه.
وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدُّنيا فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة؛ لجواب كلام النَّاس.
وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدُّنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلَّا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ [¬٤] عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٦٥٠ - (١/ ٣١٠). وابن جرير ٢٨٢٢ - (٣/ ٤٤٨). [¬١]- في ز: "نزل". [¬٢]- في ز: "سألة". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "أنزل".
[ ٢ / ١٨٠ ]
لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وبينات﴾ أي: ودلائل وحجج بينة، واضحة، جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي [¬١] للضلال، والرشد المخالف للغي [¬٢]، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا: "شهر رمضان" ولا يقال: "رمضان".
قال ابن أبي حاتم (^٩٨٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القُرَظي وسعيد -هو المقبري- عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى [¬٣]، ولكن قولوا: شهر رمضان.
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس، وزيد بن ثابت،
(قلت): أبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي [¬٤] وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: "باب يقال رمضان" (^٩٨٨)، وساق أحاديث [في ذلك] [¬٥] منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (^٩٨٩) ونحو ذلك.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حَتْمٍ على من شهد استهلال الشهر -أي: كان مقيمًا في البلد حين [¬٦] دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة [¬٧] المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه. ولما حتَّم الصيام أعاد ذكر الرخصة
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١٦٤٨ - (١/ ٣١٠).
(٢) الترجمة في الصحيح (٤/ ١١٢): "باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا".
(٣) - رواه البخاري في الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان برقم (٣٨) ورواه برقم (١٩١٠، ٢٠١٤). [¬١]- في ز: "النافي". [¬٢]- في ز: "للعمسي". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- مكانها بياض في ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "حتى". [¬٧]- في ز: "للإباحة".
[ ٢ / ١٨١ ]
للمريض والمسافر [¬١] في الإِفطار، بشرط القضاء فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أوكان على سفر أي: في حال السفر [¬٢]، فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة [¬٣] ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا [¬٤] عليكم ورحمة بكم.
وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية:
(إحداها [¬٥]: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر. وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم. فإنه قد ثبتت [¬٦] السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فصام [¬٧] حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح (^٩٩٠).
(الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والصحيح قول الجمهور؛ أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (^٩٩١). فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة [¬٨] صائمًا لما ثبت في الصحيحين (^٩٩٢) عن أبي الدرداء قال [¬٩]:
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر برقم (١٩٤٤) وأطرافه (١٩٤٨، ٢٩٥٤، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩)، ومسلم في الصيام برقم (١١١٣).
(٢) رواه البخاري في الصوم من حديث أنس بن مالك، باب: لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضًا في الصوم ومسلم في الصيام من صحيحه برقم (١١١٨).
(٣) البخاري في الصوم، باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر برقم (١٩٤٥)، ومسلم في الصيام برقم (١١٢٢). [¬١]- في ز: "والمسافر". [¬٢]- في ز: "سفر". [¬٣]- في ز، خ: "بعدة". [¬٤]- في ز: "تيسرًا". [¬٥]- في ز: "أحدهما". [¬٦]- في ز: "ثبت". [¬٧]- في ت: "فسار". [¬٨]- في ز: "الحال". [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٨٢ ]
خرجنا مع رسول الله ﷺ [في شهر رمضان] [¬١] في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [من شدّة الحر] [¬٢]، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
(الثالثة) قالت [¬٣] طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار [لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت [¬٤] طائفة: بل الإفطار أفضلَ] [¬٥] أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر؛ فقال: "من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه" (^٩٩٣)، وقال في حديث آخر: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (^٩٩٤)، وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة؛ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله؛ إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ قال [¬٦] "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (^٩٩٥). وهم في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا"؟ قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، أخرجاه (^٩٩٦)، فأمّا إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة (^٩٩٧).
(الرابعه) القضاء هل يجب متتابعًا، أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرّق وإن
_________________
(١) - رواه الدارقطني وصححه عن حموة بن عمرو الأسلمي.
(٢) - رواه النسائي في الصوم، باب: العلة التي من أجلها قيل ذلك وذكر الاختلاف … (٢٢٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) رواه البخاري في الصوم برقم (١٩٤٢، ١٩٤٣) ومسلم في الصيام برقم (١١٢١).
(٤) البخاري من حديث جابر في الصوم برقم (١٩٤٦)، ومسلم في الصوم برقم (١١١٥).
(٥) حديث ابن عمر في المسند (٢/ ٧١) (٥٣٩٢) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وشيخه أبو طعمة -قال الحافظ: مقبول-. وحديث جابر لم نقف عليه. وقد روى من حديث عقبة عامر، رواه أحمد (٤/ ١٥٨) وفي إسناده أيضًا ابن لهيعة، وشيخه رزيق الثقفي: مجهول. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "قال". [¬٤]- في ز: "قال". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "فقال".
[ ٢ / ١٨٣ ]
شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر، لضرورة أدائه في الشهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا أبو [¬١] هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (^٩٩٨).
وقال أحمد أيضًا (^٩٩٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [¬٢] عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة [¬٣] بن عروة الفقيمي، حدثني [¬٤] أبي عروة قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج [] [¬٥] يقطر رأسه من وضوء أو غسلٍ فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج [¬٦] في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن دين الله في يسر" -ثلاثًا يقولها- ورواه الإِمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به.
وقال الإمام أحمد (^١٠٠٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: [] [¬٧] حدثنا أبو التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا"، أخرجاه في الصحيحين.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند برقم ١٥٩٨٢ - (٣/ ٤٧٩) ومن حديث محجن بن الأدرع برقم ١٩٠٣٠ - (٤/ ٣٣٨) و٢٠٣٩٨، ٢٠٤٠٠ - (٥/ ٣٢). وفي إسناده رجاء بن أبي رجاء، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٩٧ / ح ٧٠٤). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣١١)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء، وقد وثقه ابن حبان، ورجاء: قال الحافظ: مقبول.
(٢) إسناده ضعيف. عاصم بن هلال: قال في التقريب: فيه لين. وغاضرة: قال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في ثقاته. والحديث في المسند ٢٠٧٢٦ - (٥/ ٦٩) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٦، ١٤٧ / رقم: ٣٧٢). وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٢٧٤ / رقم: ٦٨٦٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦١، ٦٢) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى، وفيه عاصم بن هلال، وثقة أبو حاتم وأبو داود، وضعفه النسائي وغيره، وغاضرة لم يرو عنه غير عاصم، هكذا ذكر المزي".
(٣) المسند ١٣١٩٩ - (٣/ ٢٠٩)، ورواه البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل حديث ٦٩، وطرفه حديث ٦١٢٥. ورواه مسلم حديث ٨ - (١٧٣٤). والنسائي في العلم من الكبرى حديث ٥٨٩٠ - (٣/ ٤٤٩). [¬١]- في ز: "ابن". [¬٢]- في ز: "أنا". [¬٣]- في ز: "عاضره" وفي خ: عامر. [¬٤] ما بين المعكوفين مكررة في ز: "حدثني". [¬٥]- في ز: خ: رجل. [¬٦]- في ز: "خرج". [¬٧]- في ز، خ: قال.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وفي الصحيحين (^١٠٠١) أيضًا [¬١]: أن رسول الله، ﷺ، قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشرا، ولا تنفرا، ويسرا، ولا تعسرا، وتطاوعا، ولا تختلفا".
وفي السنن، والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (^١٠٠٢).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري [¬٢]، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن [¬٣] بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي [فترآه ببصره] [¬٤] ساعة فقال: "أتراه يصلي صادقًا؟ "، قال: قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تسمعه فتهلكه"، وقال: "إن الله إنما [¬٥] أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر" (^١٠٠٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر، ونحوهما من الأعذار؛ لأرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.
وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾، وقال: ﴿وَسَبِّحْ [¬٦] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* ومن
_________________
(١) البخاري في كتاب المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع برقم (٤٣٤١، ٤٣٤٢، ٤٣٤٥)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ٧ - (١٧٣٣).
(٢) - رواه الإمام أحمد ٢٢٣٩١ - (٥/ ٢٦٦)، والطبراني في الكبير ٧٨٦٨ - (٨/ ٢٥٧) كلاهما من حديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة في حديث طويل. وأورده الهيثم في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير، وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
(٣) ورواه أحمد في المسند ٢٠٣٩٨، ٢٠٣٩٩، ٢٠٤٠٠ - (٥/ ٣٢) من طرق عن عبد الله بن شقيق عن محجن نحوه. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "الحريري". [¬٣]- في ز: "محجر". [¬٤]- في ز: "فتراه بصره". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "فسبح".
[ ٢ / ١٨٥ ]
اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد، والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولتكبروا الله [على ما هداكم] [¬١]﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته [¬٢] بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾
قال ابن أبي حاتم (^١٠٠٤): حدثنا أبي [حدثنا] [¬٣] يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني [¬٤]، عن الصُلْب [¬٥] بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد [فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ] [¬٦] فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت". ورواه ابن جرير: عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] [¬٧].
ورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني: من حديث محمد بن أبي حميد، عن جرير به.
وقال ابن الرزاق (^١٠٠٥) أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ [النبي ﷺ] [¬٨]: أين ربنا؟
_________________
(١) ورواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٨٠) من طريق جرير به.
(٢) ورواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٨١) من طريق عبد الرزاق به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "طاعاته". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٤]- في ز، خ: "السختياني". [¬٥]- في ز، خ: الصلت وهو تصحيف، وفي المؤتلف والمختلف (٣/ ١٤٣٠). [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٢ / ١٨٦ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية.
وقال ابن جريج: عن عطاء أنه بلغه لما نزلت: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ قال الناس [لو نعلم] [¬١]: أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وقال الإمام أحمد (^١٠٠٦): حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدَّثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة [¬٢]، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: "يا أيها الناس اربعوا [¬٣] على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله".
أخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن ابن [مل عنه] [¬٤] بنحوه.
وقال الإمام أحمد (^١٠٠٧): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [¬٥] شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عن أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني".
وقال الإمام أحمد (^١٠٠٨) أيضًا [¬٦]: حدَّثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد
_________________
(١) المسند ١٩٦٥٣، ١٩٥٧٧، ١٩٦٢٩ - (٤/ ٤٠٢، ٣٩٤، ٣٩٩ - ٤٠٠). وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، حديث (٢٩٩٢) وأطرافه في (٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٨٣٨٦). ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث ٤٤: ٤٧ - (٢٧٠٤).
(٢) المسند ١٣٢١٦ - (٣/ ٢١٠). ورواه البخاري في التوحيد، باب: ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه (٧٥٣٦)، من طريق شعبة عن قتادة عن أنس.
(٣) كريمة بنت أبي حسحاس: قال الحافظ في التقريب: ثقة. وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٦٠٩): تفرد عنها إسماعيل بن أبي المهاجر. وذكرها ابن حبان في الثقات، وإسماعيل ثقة روى له الشيخان. = [¬١]- في ز: "له تعلم". [¬٢]- في ز، خ: "غزاة". [¬٣]- أي أرفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "زيد"، وفي ز: "بياض". [¬٥]- في خ: "عن". [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٨٧ ]
الرحمن بن يزيد بن جابر، حدَّثنا إسماعيل بن عبيد [¬١] الله، عن كريمة بنت [] [¬٢] حسحاس [¬٣] المزنية [¬٤] قالت: حدَّثنا أبو هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه رسلم يقول: "قال الله تعالى [¬٥]: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه".
(قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، كقوله [¬٦] لموسى وهارون ﵉: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داعٍ، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه [¬٧] ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال [¬٨] الإمام أحمد (^١٠٠٩):
حدَّثنا يزيد، حدثنا رجل، أنه سمع أبا عثمان- وهو [¬٩] النهدي- يحدّث عن سلمان- يعني الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ليستحي [¬١٠] أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل فقالوا: جعفر بن ميمون.
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال
_________________
(١) = وكذلك عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. والحديث في المسند (٢/ ٥٤٠). ورواه ابن حبان (٨١٥) من حديث أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل له. ورواه أحمد (٢/ ٥٤٠)، وابن ماجه في الأدب، باب: فضل الذكر (٣٧٩٢) عن محمد بن مصعب، والبغوي في شرح السنة (١٢٤٢) والحاكم (١/ ٤٩٦). كلهم من طريق الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة وصححه الحاكم. وعلقه البخاري في التوحيد (١٣/ ٤٩٩) ووصله في خلق أفعال العباد (ص ٨٧). وقال البوصيري: في إسناده محمد بن مصعب القرقساني، قال فيه صالح بن محمد: ضعيف. لكن رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أيوب بن سويد عن الأوزاعي أيضًا، وأيوب بن سويد ضعيف.
(٢) المسند ٢٣٨٢١ - (٥/ ٤٣٨). وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء (رقم: ١٤٨٨). والترمذي في كتاب الدعوات، باب: رقم (١٠٥) (رقم: ٣٥٥٦). وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجة في كتاب الدعاء، باب: رفع اليدين في الدعاء (رقم: ٣٨٦٥). كلهم من طريق جعفر بن ميمون به. [¬١]- في ز، خ: "عبد". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ت: "خشخاش". [¬٤]- في ز: "المدينية". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "قوله". [¬٧]- في ز: "وفيه". [¬٨]- في ز: "وقال". [¬٩]- في ز: "هو". [¬١٠]- في ز: "ليستحيي".
[ ٢ / ١٨٨ ]
الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه.
و[¬١] قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي [¬٢] ﵀ في أطرافه (^١٠١٠): وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي به.
وقال الإمام [¬٣] أحمد أيضًا (^١٠١١): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا علي عن [¬٤] أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصاله: إمّا أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثر [¬٥]، قال: "الله أكثر".
وقال عبد الله بن الإمام أحمد (^١٠١٢): حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدَّثنا ابن [¬٦] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم: أن النبي ﷺ قال: "ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم".
_________________
(١) تحفة الأشراف (٤/ ٢٩).
(٢) صحيح- والحديث في المسند ١١١٤٧ - (٣/ ١٨). وأخرجه البخاري في الأدب المفرد- (٧١٠). وابن أبي شيبة في المصنف -كتاب الدعاء، باب: في فضل الدعاء - (٤) - (٧/ ٢٤). وعنه عبد بن حميد في المنتخب - (٩٣٧). وأبو يعلى في مسنده - (١٠١٩) - (٢/ ٢٩٦). والحاكم في المستدرك - (١/ ٤٩٣)، وابن عبد البر في التمهيد - (٥/ ٣٤٣، ٣٤٤). من طرق عن علي بن علي الرفاعي به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجاه عن علي بن علي الرفاعي ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في "المجمع" - (١٠/ ١٥١ - ١٥٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد وأبي يعلى، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٦٨) وفي "الصغير" - (٢/ ٩٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير لاسيما في قتادة، وعنعنة قتادة وهو معروف بالتدليس.
(٣) رواه عبد الله في زوائده على المسند (٥/ ٣٢٩). وابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ وتغير بأخرة. ورواه الترمذي في الدعوات، باب: في انتظار الفرج (٣٥٦٨). ورواه الطبراني في الدعاء مطولًا برقم (٨٦)، وفيه مسلمة بن علي: متروك. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٧) وعزاه إلى أحمد والترمذي والطبراني في الأوسط (١٤٧). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "المزني". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "بن". [¬٥]- في خ: "يكثر". [¬٦]- في ز، خ: "أبو".
[ ٢ / ١٨٩ ]
ورواه الترمذي: عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال الإمام مالك (^١٠١٣): عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري ﵀، وأثابه الجنة.
وقال مسلم [في صحيحه] [¬١] (^١٠١٤): حدثني أبو الطاهر، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل"، قيل: يا رسول الله و[¬٢] ما الاستعجال؟ قال: "يقول قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر [¬٣] عند ذلك، ويترك الدعاء".
وقال الإمام أحمد (^١٠١٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو [¬٤] هلال، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا يزال العبد بخير [¬٥] ما لم يستعجل"، قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: "يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي".
وقال الإمام [¬٦] أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، عن عروة بن الزبير، عن
_________________
(١) الموطأ (١/ ٢١٣)، وصحيح البخاري برقم (٦٨٤٠)، ومسلم في الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار ٩٠، ٩١ - (٢٧٣٥).
(٢) رواه مسلم في الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار برقم ٩٢ - (٢٧٣٥).
(٣) المسند ١٣٢٢٢، ١٣٠٣١ - (٣/ ٢١٠، ١٩٣). ورواه أبو يعلى (٥/ ٢٨٦٥) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩) من طريق الربيع، عن يزيد عن أنس. وذكره في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط وفيه أبو هلال الراسبي وهو ثقة وفيه خلاف، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. [¬١]- ما بين المعكوفتين في: ز "أيضًا". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- يقال: حسر واستحسر: إذا أعيا وانقطع عن الشيء والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء. [¬٤]- في ز، خ: "ابن". [¬٥]- في خ: "حال". [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ١٩٠ ]
عائشة ﵂ أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة، فتذهب حتى تعجل [¬١] له في الدنيا، أو تؤخر [¬٢] له في الآخرة، إذا [هو] [¬٣] لم يعجل، أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أمّاه كيف عجلته وقنوطه؟ قالا: يقول: سألت فلم أعْطَ [¬٤]، ودعوت فلم أُجَبْ.
قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب قوله يقول عائشة سواء.
وقال الإمام أحمد (^١٠١٦): حدثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي [¬٥]، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه، وأنتم موقنون [¬٦] بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل".
وقال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن [¬٧] أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أُتي بن [¬٨] نافع بن [معد يكرب] [¬٩] ببغداد، حدثني [ابن أبي] [¬١٠] نافع [حدثني أبي نافع] [¬١١] بن [معد يكرب] [¬١٢] قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية [¬١٣] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: "يا رب مسألة عائشة"، فهبط جبريل فقال: "الله يقرئك [¬١٤] السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه نقي، يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته" (^١٠١٧).
_________________
(١) إسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، وبكر بن عمرو ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان: لا تُعلم عدالته، وإنما هو من الشيوخ الذين لا يعرفون بالعلم، وإنما وقعت لهم روايات أخذت عنهم، بنحو ذلك وصفه أحمد بن حنبل، فإنه سئل عنه فقال: يُروى عنه. وسئل عنه أبو حاتم فقال: شيخ، وقال الدارقطني: يعتبر به. والحديث في المسند ٦٦٥٥ - (٢/ ١٧٧). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا، إسحاق بن إبراهيم: أورده الحافظ في لسان الميزان وقال: قال الدارقطني: دجال. قلت: نقل هذا عنه حمزة بن يوسف السهمي. والحديث رواه ابن عدي. = [¬١]- في خ: "يعجل". [¬٢]- في ز، خ: "تدخر". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٤]- في ز: "أعطه". [¬٥]- في خ: "الجيلي". [¬٦]- في ز، خ: "مؤمنون". [¬٧]- في ز، خ: "بن". [¬٨]- زيادة من: ز، خ. [¬٩]- في خ: "مهدي كرب". [¬١٠]- في ز، خ: "أبي ابن". [¬١١]- ما بين المعكوفتين زيادة من خ. [¬١٢]- في خ: "مهدي كرب". [¬١٣]- في ز، خ: "الآية". [¬١٤]- في ز: "يقراوك".
[ ٢ / ١٩١ ]
وهذا [¬١] حديث غريب من هذا الوجه.
وروى ابن مردويه: من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس [¬٢]، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإِجابة؛ لبيك اللهم لبيك لبيك [¬٣] لا شريك لك لبيك، إن الحب والنعمة لك، والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حقّ ولقاءك [¬٤] حق، والجنة حق، والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" (^١٠١٨).
وقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٠١٩): وحدثنا [¬٥] الحسن بن يحيى الأرزي [¬٦]، ومحمد بن يحيى القُطَعي [¬٧] قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس: أن [¬٨] النبي، ﷺ، قال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني، لا [¬٩] تشرك بي شيئًا، وأمّا التي لك فما عملت من شيء، [أو من عمل] [¬١٠] وفقوله، وأمّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة".
_________________
(١) = ذكره ابن الأثير -نافع بن عمرو بن معد يكرب- في أسد الغابة (٥/ ٢٠٦) وقال: روى حديثه محمَّد بن إسحاق، عن إسحاق بن إبراهيم بن أُبَي بن نافع بن معد يكرب، عن جده أبي، عن أبيه نافع بن معد يكرب أنه قال … فذكر مثله. ثم قال ابن الأثير: أخرجه أبو موسى وقال: عند ابن إسحاق هذا، وعنذ غيره: عن إسحاق بن إبراهيم أحاديث.
(٢) إسناد ضعيف جدًّا: الكلبي: متروك الحديث ورواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (١٧٩٨)، وابن أبي الدنيا في الدعاء كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٤).
(٣) إسناده ضعيف، والحديث في كشف الأستار رقم (١٩) ومختصر زوائد البزار رقم (١٩) وقال البزار: تفرد به صالح المري، وصالح المري ضعفه الأئمة. ورواه أبو يعلى، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥١) وقال: رواه أبو يعلى والبزار، وفي إسناده صالح الري وهو ضعيف. وتدليس الحسن أيضًا. = [¬١]- في ز: "هذا". [¬٢]- في ز، خ: "عياش". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "ولقاؤك". [¬٥]- في ز: "حدثنا". [¬٦]- في خ: "الأزدي". [¬٧]- في خ: "القطيعي"، وفي ز: "الطعي" بدون نقط. [¬٨]- في ز، خ: "عن". [¬٩]- في خ: "ولا". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام-: إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة، بل وعند كل فطر. كما رواه الإِمام أبو داود الطيالسي في مسنده (^١٠٢٠): حدثنا أبو محمَّد المليكي، عن عمرو [-هو ابن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو- عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو] [¬١] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا.
وقال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه (^١٠٢١): حدَّثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن عبيد الله المدني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: "إن للصائم عند فطره لدعوة [¬٢] ما ترد"، قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي.
وفي مسند الإمام أحمد (^١٠٢٢)، وسنن [الترمذي، والنسائي] [¬٣] وابن ماجه عن أخبرنا هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح [¬٤] لها أبواب السماء، ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ
_________________
(١) = وقد روي من حديث سلمان أورده في مجمع الزوائد (١/ ٥١) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده حميد بن الربيع، وثقه غير واحد لكنه مدلس وفيه ضعف.
(٢) مسند الطيالسي برقم (٢٢٦٢).
(٣) رواه ابن ماجه في الصوم، باب: في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٣)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٢) عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الدباس، عن محمَّد بن علي بن يزيد، عن الحكم بن موسى، عن الوليد، حدثنا إسحاق فذكره. ورواه البيهقي من طريق إسحاق بن عبيد الله. قال عبد العظيم المنذري في كتاب الترغيب له: وإسحاق هذا مدني لا يعرف. قلت: قال الذهبي في الكاشف: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. ا هـ.
(٤) المسند (٢/ ٤٤٥)، ورواه الترمذي في الدعوات، باب: سبق المفردون برقم (٣٥٩٨)، والنسائي، وابن ماجه في الصوم، باب: في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين في هامش المخطوط. [¬٢]- في خ: "دعوة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "النسائي والترمذي". [¬٤]- في ز: "ويفتح".
[ ٢ / ١٩٣ ]
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾
هذة رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل، والشرب، والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام، أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع؛ قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن دينار، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدّي، ومقاتل بن حيان: يعني [¬١] هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
وقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم، وأنتم لحاف لهنّ، وحاصله أنّ الرجل والمرأة كل منهما. يخالط الآخر، ويماسه، ويضاجعه، فنايسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا، قال الشاعر:
إذا ما الضجيع [ثنى جيدها] [¬٢] … تداعت فكانت عليه لباسا
وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدّم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق: عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان [¬٣] يومه ذاك [¬٤] يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن [¬٥] أنطق فأُطلب لك، فغلبته عينه فَنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائمًا قال: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية:
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في: خ "مناحيدها". [¬٣]- غير: "ذلك". [¬٤]- في ز: "ذلك". [¬٥]- سقط من ت.
[ ٢ / ١٩٤ ]
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ففرحوا بها فرحًا شديدًا (^١٠٢٣).
ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله [عليهم] [¬١]: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (^١٠٢٤).
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء، والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله، عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وقال موسى بن عقبة: عن كريب، عن ابن عباس قال: أن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون، ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذ نام أحدهم لم يطعم، ولم يشرب، ولم [¬٢] يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام وجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت قال: "وما [¬٣] صنعت؟ " قال: إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنتَ خليقًا أن تفعل"، فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، رإن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه [¬٤] بعد صلاه المغرب فنام، ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ
_________________
(١) هذا الحديث رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٤٩٥).
(٢) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ …﴾ برقم (٤٥٠٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٢]- في ز: "ولا". [¬٣]- في ز: "وماذا". [¬٤]- في خ: "عينه".
[ ٢ / ١٩٥ ]
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني [¬١] تجامعون النساء، وتأكلون، وتشربون بعد العشاء ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة.
وقال هشيم: عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل من [¬٢] أهله، فقالت: إنها قد نامت فظنتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وهكذا رواه شعبة: عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى به (^١٠٢٥).
وقال أبو جعفر بن جرير (^١٠٢٦): حدّثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث، عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية.
وهكذا روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة والسدي [¬٣] وقتادة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والمام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا.
وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وشريح القاضي، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والربيع بن أنس، والسدي، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتيبة، ومقاتل بن حيان، والحسن البصري، والضحاك،
_________________
(١) رواه ابن جرير في تفسيره ٢٩٣٥ - (٣/ ٤٩٣) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة به.
(٢) تفسير الطبري ٢٩٤١ - (٣/ ٤٩٦). ورواه أحمد (٣/ ٤٦٠). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من: ز، خ.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وقتادة وغيرهم: يعني: الولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع.
وقال عمرو بن مالك البكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: قال قتادة: ابتغوا [¬١] الرخصة التي كتب الله لكم [وقال سعيد عن قتادة ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾] [¬٢] يقول ما أحل الله لكم.
وقال عبد الرزاق أيضًا أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو ﴿اتبعوا﴾؟ قال: أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى.
واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله.
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدّم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الله البخاري (^١٠٢٧): حدّثني [¬٣] ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمَّد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ [ولم ينزل] [¬٤]: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار.
قال الإِمام أحمد (^١٠٢٨): حدثنا هشيم [¬٥]، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ
_________________
(١) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥١١).
(٢) المسند ١٩٢٤٧ - (٤/ ٣٧٧). [¬١]- في ز: "وابتغوا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "حدثنا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "حثيم".
[ ٢ / ١٩٧ ]
الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت [¬١] أنظر إليهما فلا [¬٢] يتبين [¬٣] لي الأبيض من الأسود [] [¬٤]، فلما أصبحت غدوت إلى [¬٥] رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك [¬٦] بياض النهار و[¬٧] سواد الليل".
أخرجاه في الصحيحين (^١٠٢٩) من غير وجه عن عدي، ومعنى قوله إن وسادك إذًا لعريض، أي: إن كان [ليسع لوضع] [¬٨] الخيط الأبيض والأسود المرادين من هذه الآية [تحتها، فإنهما] [¬٩] بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.
وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي قال: أخذ عدي عقالًا [أبيض و] [¬١٠] عقالًا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا [¬١١]، فلما أصبح قال: يا رسول الله؛ جعلت تحت وسادتي، قال: " [إن وسادك إذا لعريض] [¬١٢] إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" (^١٠٣٠).
وجاء في بعض الألفاظ: "إنك لعريض القفا"، ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف؛ باب يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا [¬١٣]: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما [¬١٤] الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار" (^١٠٣١).
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾، وفي التفسير بوقم (١٩١٦، ٤٥٠٩)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٠).
(٢) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥٠٩).
(٣) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥١٠). [¬١]- في ز: "جعلت". [¬٢]- في ت: "فلما". [¬٣]- في ت: "تبين". [¬٤]- في ت: أمسكت. [¬٥]- في ز، خ: "على". [¬٦] في ز: "ذاك". [¬٧]- في ت: "من". [¬٨] في ر، خ. "يسع لوضع". [¬٩]- في خ: "تحتهما فإنهما". [¬١٠] زيادة من ز، خ. [¬١١]- في ز: "يتبينا". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في ح. [¬١٣]- سقط من: خ. [¬١٤] في خ: "هما".
[ ٢ / ١٩٨ ]
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "تسحروا فإن في السحور بركة" (^١٠٣٢) وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن فصل [¬١] ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور [¬٢] " (^١٠٣٣).
وقال الإِمام أحمد (^١٠٣٤): حدثنا إسحاق بن عيسى -هو ابن الطباع- حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرّع [¬٣] جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".
وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (^١٠٣٥).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان [¬٤]، عن
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب برقم (١٩٢٣)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٥).
(٢) مسلم في الصيام برقم (١٠٩٦).
(٣) المسند ١١٤١٢ - (٣/ ٤٤). وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وقد رواه أيضًا أحمد ١١١٠٠ - (٣/ ١٢) عن إسماعيل، عن هشام الدستوائي؛ قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري به. وأبو رفاعة: ويقال فيه: رفاعة بن عوف، أبو مطيع، قال في التقريب: مقبول. وذكره الذهبي في الكاشف، فيمن اسمه رفاعة، قال: رفاعة، ويقال: أبو رفاعة، ويقال: أبو مطلع، عن أبي سعيد، وعنه محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. (١/ ٣٩٧). وله ذكرٌ في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٣)، والجرح والتعديل (٩/ ٣٧١) والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٥٣) وقال: رواه أحمد وفيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) البخاري في الصوم، باب: قدر كم بين السحور وصلاة الفجر برقم (١٩٢١)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٧). [¬١]- في ز: "فضل". [¬٢]- في خ: "السخر"، وفي ز: "السحر". [¬٣]- في خ: "يجرع". [¬٤]- في ز: "عيالان".
[ ٢ / ١٩٩ ]
سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإِفطار، وأخروا السحور" (^١٠٣٦).
وقد ورد في [¬١] أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة [بن اليمان] [¬٢] قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ وكان النهار إلا أن الشمس لم [¬٣] تطع (^١٠٣٧).
وهو حديث تفرّد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك بمعروف [¬٤] أو ترك للفراق [¬٥]، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه، أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر حتى أن بعضهم ظن طلوعه، وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كبيرة [¬٦] من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هروة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كبيرة [¬٧] من التابعين منهم: محمَّد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر [¬٨] بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.
وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإِمساك من طلوع
_________________
(١) المسند ٢١٣٩٢، ٢١٥٨٩ - (٥/ ١٤٧، ١٧٢) وإسناده ضعيف، فيه سليمان بن أبي عثمان: قال في التعجيل: مجهول. ص (١٦٦). وعدي بن حاتم الحمصي، ويقال: حاتم بن عدي: مجهول، وذكره ابن حبان في ثقاته. وابن لهيعة ضعيف، تقدم مرارًا. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٤) وقال "رواه أحمد وفيه سليمان بن أبي عثمان؛ قال أبو حاتم: مجهول".
(٢) المسند ٢٣٤٦٨ - (٥/ ٣٩٦)، وأخرجه النسائي في كتاب الصيام، باب: تأخير السحور وذكر الاختلاف على زر فيه (٤/ ١٤٢) (رقم: ٢١٥٢). وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في تأخير السحور (رقم: ١٦٩٥). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "الفراق". [¬٦]- في خ: "كثيرة". [¬٧]- في ز: "كثيرة". [¬٨]- في ت: "وجابر".
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الشمس، كما يجوز الإِفطار بغروبها.
(قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (^١٠٣٨): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعنكم [¬١] أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، لفظ البخاري.
وقال الإمام أحمد (^١٠٣٩): حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر".
ورواه أبو داود، والترمذي ولفظهما (^١٠٤٠): " كلوا واشربوا ولا يهيدنكم [¬٢] الساطعُ المصعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر".
وقال [¬٣] ابن جرير [¬٤]: حدثنا محمد بن المثني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة،
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: قول النبي ﷺ: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال" برقم (١٩١٨)، وأطرافه (٦١٧، ٦٢٠، ٦٢٣، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٢). دون ذكر أوله، وأما طرفه الأول فقد رواه البخاري من حديث ابن مسعود (٦٢١) وكذلك مسلم (١٠٩٣)، وقد روي من حديث سمرة، وأنس.
(٢) محمد بن جابر: وهو ابن سيار اليمامي؛ قال البخاري في الضغفاء: ليس بالقوي". وقال في الصغير: يتكلمون فيه. وقال ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وهو ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وضعفه أبو. حاتم وأبو زرعة. وقال ابن عدي: خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. وقال ابن حجر: صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه، وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة. وهذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند، وقد استدركناه والحمد لله في طبعتنا، وقد رواه أحمد عن موسى، ثنا محمد بن جابر، عن عبد الله بن النعمان، عن قيس بن طلق، عن أبيه، ورواه أحمد عن أبي زكريا السيلحيني، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، به المسند ١٦٣٣٩، ١٦٣٤٠ - (٤/ ٢٣).
(٣) رواه أبو داود في كتاب الصوم، باب: وقت السحور، من طريق محمد بن عيسى، ثنا ملازم [¬١]- في ت: "يمنعكم" [¬٢]- في خ: "يهتد لكم". وأصل الهيد: الحركة. وقد هدت الشيء أهيده هيدًا، إذا حركته وأزعجته. [¬٣]- في ز: "بياض". [¬٤]- في ز، خ: "بن جريج".
[ ٢ / ٢٠١ ]
عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنكم نداء بلال، وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" (^١٠٤١).
ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنطة، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعنكم [¬١] من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" (^١٠٤٢).
قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض -[لعمود الصبح- حتى] [¬٢] يستطير" (^١٠٤٣).
ورواه مسلم في صحيحه (^١٠٤٤)، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو [¬٣] ابن علية- مثله [¬٤] سواء.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان [¬٥] التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره -أو قال: نداء [¬٦] بلال- فإن بلالًا يؤذن بليل -أو قال [¬٧]: ينادي
_________________
(١) = ابن عمرو، عن عبد الله بن النعمان به. (٢/ ٣٠٤) حديث (٢٣٤٨). والترمذي في كتاب الصوم باب: ما جاء في بيان الفجر (٣/ ٨٥) حديث (٧٠٥). وقال أبو عيسى: حديث طلق بن علي حديث حسن غريب.
(٢) - رواه أحمد ثنا عفان، ثنا همام، حدثني سَوَادة، قال: سمعت سمُرَة بن جندب يقول فذكره ٢٠١٤٥ - (٥/ ٩). وعن وكيع، ثنا أبو هلال، عن سوادة بن حنطة، عن سَمرَة بن جندب برقم ٢٠٢٠٦٦ - (٥/ ١٤).
(٣) رواه أحمد عن محمد بن جعفر وروح عن شعبة به برقم (٢٠١٢٧) - (٥/ ٧). وعن يزيد بن هارون، أنا شعبة، قال: سمعت سوادة القشيري يحدث، عن سَمُرَة بن جندب ٢٠٢٥٢ - (٥/ ١٨).
(٤) - ورواه أحمد في السند ٢٠١٩٧ - (٥/ ١٣).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الصوم، (رقم: ١٠٩٤). [¬١]- في ز، خ: "يمنعكم". [¬٢]- في ز: "تعمدوا الصبح حين". [¬٣]- في ز، خ: "يعني". [¬٤]- في ز، خ: "بمثله". [¬٥]- في ز، خ: "سلمان". [¬٦]- سقط من: خ، وغير واضحة في: ز. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
لينبه نائمكم، وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا أو هكذا حتى يقول [¬١]، هكذا"، ورواه من وجه آخر عن التيمي به (^١٠٤٥).
وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "الفجر فجران: فالذي كأنه ذَنب السِّرحان [¬٢] لا يحرم شيئًا، وأما [¬٣] [] [¬٤] المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام [¬٥] " (^١٠٤٦)، وهذا مرسل جيد.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال [¬٦]: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران: فأما الذي يسطع في السماء، فليس يحل: لا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير [¬٧] علي رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب.
و[¬٨] قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء -وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا- فإنه لا يحرم به شراب للصائم [¬٩]، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج [¬١٠]، ولكن إذا انتشر علي رءوس الجبال حرم الشراب للصيام وفات الحج.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.
(مسألة) ومِن جَعلِهِ تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام، والشراب لمن أراد الصيام، يستدل علي أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة
_________________
(١) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٦٢١، ٥٢٩٨)، ومسلم في صحيحه برقم (١٠٩٣١) من طريق أبي عثمان النهدي به.
(٢) تفسير ابن جرير ٢٩٩٥ - (٣/ ٥١٤). والحسن بن الزبرقان: قال أبو حاتم: شيخ. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، ثقة حافظ ثبت. ومحمد بن أبي ذئب ثقة حافظ. ومحمد بن عبد الرحمن ثقة. ورواه البيهقي (٤/ ٢١٥). ورواه الحاكم موصولًا بذكر جابر بن عبد الله (١٩١/ ١) وقال: إسناده صحيح. [¬١]- في خ: "تقول". [¬٢]- السرحان: الذئب. [¬٣]- في ز، خ: وإنما، والمثبت من تفسير ابن جرير. [¬٤]- في ت: هو. [¬٥]- ز، خ: "الصوم". [¬٦]- زيادة من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "يستبين". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز: "الصيام". [¬١٠]- في ز: "حج".
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم (^١٠٤٧).
وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي.
وفي صحيح مسلم في عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" (^١٠٤٨). فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم وأعلمكم بما أتقي".
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٠٤٩): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ" فإنه حديث جيد الإِسناد علي شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين (^١٠٥٠) عن أبي هريرة عن الفضل بن عباس [¬١] [عن النبي ﷺ.
وفي سنن النسائي عنه، عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس] [¬٢] ولم يرفعه (^١٠٥١).
فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكي هذا عن أبي هريرة، وسالم، وعطاء، وهشام بن عروة، والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا، فلا حرج [¬٣] عليه؛ لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا، فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يُحكي هذا عن عروة، وطاوس، والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه [¬٤]، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري: عن منصور، عن إبراهيم النخعي، وهو
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا برقم (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وباب: اغتسال الصائم (١٩٣٠، ١٩٣١، ١٩٣٢) ومسلم في الصيام برقم ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٠ - (١١٠٩).
(٢) مسلم في الصيام برقم ٩٧ - (١١١٠).
(٣) المسند ٨١٣٠ - (٢/ ٣١٤).
(٤) البخاري في الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا برقم (١٩٢٥)، ومسلم في الصيام برقم ٧٥ - (١١٠٩).
(٥) سنن النسائي الكبرى برقم (٢٩٣٣، ٢٩٣٤). [¬١]- في خ: "عياش". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من: خ. [¬٤]- في خ: "ويقتضيه".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
رواية عن الحسن البصري أيضًا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديث [¬١] عائشة، وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه.
وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة [¬٢] وهو بعيد أيضًا وأبعد [¬٣] إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة علي نفي الكمال، فلا صوم له؛ لحديث عائشة وأم سلمة الدالين علي الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال [¬٤] وأجمعها، والله أعلم.
وقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا، كما جاء في الصحيحين (^١٠٥٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قا: قال رسول الله- ﷺ: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضًا (^١٠٥٣).
وقال الإمام أحمد (^١٠٥٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قرة بن عبد الرحمن، عَن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يقول الله ﷿ إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا"، ورواه الترمذي من غير وجه، عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أحمد أيضًا (^١٠٥٥): حدثنا عفان، حدثنا عبيد [¬٥] الله بن إياد [¬٦]، سمعت إياد بن لقيط، [قال:] [¬٧] سمعت ليلي، امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين
_________________
(١) البخاري في الصوم باب: متى يحل فطر الصائم برقم (١٩٥٤)، ومسلم في الصيام برقم (١١٠٠).
(٢) البخاري في الصوم، باب: تعجيل الإفطار، برقم ١٩٥٧، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٨).
(٣) المسند ٧٢٤٠ - (٢/ ٢٣٨)، ورواه الترمذي في الصوم، باب: ما جاء في تعجيل الإفطار برقم (٧٠٠، ٧٠١). وأورده الألباني في ضعيف الترمذي، وضعيف الجامع برقم (٣٨٩).
(٤) ليلى امرأة بشير: ترجم لها الحافظ في التقريب: باسم: الجهدمة، امرأة بشير بن الخصاصية صحابية يقال: كان النبي ﷺ غير اسمها فجعله ليلى. وإياد بن لقيط: ثقة. وعبيد الله بن [¬١]- في ز، خ: "بحديثي". [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤] سقط من: ز، ت. [¬٥]- في خ: "عبد". [¬٦]- في ز. "زياد". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ﴿ثُمَّ [¬١] أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا".
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل [صوم يوم] [¬٢] بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا"، قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني [¬٣] "، قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل بهم [¬٤].
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (^١٠٥٦).
وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (^١٠٥٧).
وعن عائشة، ﵂، قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن الوصال رحمة لهم، فقالوا [¬٥]: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني [¬٦] " (^١٠٥٨).
فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي، ﷺ، وأنه
_________________
(١) = إياد وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان ولينه البزار وحده. والحديث في المسند ٢٢٠٥٠ - (٥/ ٢٢٥). وأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٤٤ / رقم: ١٢٣١). من طرق عن عبيد الله بن إياد بن لقيط به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٨) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير وقال: "وليلى لم أجد من ذكرها، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٢) رواه أحمد ٧٧٧٣ - (٢/ ٢٨١) والبخاري في الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال برقم (١٩٦٥)، وفي الحدود، باب: كم التعزيز والأدب برقم (٦٨٥١) وفي التمني (٧٢٤٢) وفي الاعتصام (٧٢٩٩)، ومسلم في الصيام درقم (١١٠٥).
(٣) حديث أنس عند البخاري في الصوم، باب الوصال برقم (١٩٦١)، وعند مسلم في الصيام برقم (١١٠٤)، وحديث ابن عمر عند البخاري في الصوم، برقم (١٩٦٢)، وعند مسلم في الصيام برقم (١١٠٢).
(٤) البخاري في الصوم، باب: الوصال برقم (١٩٦٤)، ومسلم في الصوم برقم (١١٠٥). [¬١]- في خ: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: يومًا. [¬٣]- في ز: "ليسقين". [¬٤]- في ت: "لهم". [¬٥]- في خ: "قال"، وفي ز: "قالوا". [¬٦]- في ز: "بسقين".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
كان يقوى علي ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من [¬١] ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد
وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلي وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساقٍ يسقيني [¬٢] "، أخرجاه في الصحيحين أيضًا (^١٠٥٩).
وقال ابن جرير (^١٠٦٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبس [¬٣]، عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرت برسول الله ﷺ، وهو يتسحر، فدعاها إلي الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: "وكيف تصومين"؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر".
وقال الإمام أحمد (^١٠٦١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (^١٠٦٢)، وغيره من السلف؛ أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم علي أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم.
ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم" فكان ابن الزبير، وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك
_________________
(١) البخاري في الصوم، باب: الوصال برقم (١٩٦٣). ومسلم ().
(٢) تفسير ابن جرير ٣٠٣٥ - (٣/ ٥٣٧، ٥٣٨). وإسناده ضعيف لضعف أبي إسرائيل العبسي، وهو إسماعيل بن خليفة الملائي.
(٣) إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، والحديث في المسند برقم ٧٠٠، ١١٩٤ - (١/ ٩١، ١٤١). ورواه عبد الأعلى في الموضع الأول عن أبي عبد الرحمن السلمي.
(٤) - تفسير ابن جرير برقم ٣٠٢٨ - (٣/ ٥٣٥). [¬١]- في خ: "في". [¬٢]- في ز: "يسقين". [¬٣]- في ت: "العنسي".
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون علي السمن والصبر؛ لئلا تتخرق [¬١] الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم.
وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل [¬٢] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال [¬٣] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو [¬٤] نهارًا حتى يقضي اعتكافه.
وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.
قال ابن أبي حاتم (^١٠٦٣): وروي [¬٥] عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يتلبث [¬٦] فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل [¬٧]، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن [¬٨] يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود [¬٩] المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه.
وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه [¬١٠]: منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة [¬١١].
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٩). [¬١]- في ز: "تتحرق". [¬٢]- في خ: "بالليل". [¬٣]- في ز: "وقال". [¬٤]- زيادة من ز. [¬٥]- في ز: "ورري". [¬٦]- في ت: "يثبت". [¬٧]- في خ: "أكل". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في خ: "تعود". [¬١٠]- في ت: "بابها". [¬١١]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه علي ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد، وتنبيه علي الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما [ثبت] [¬١] السنة عن رسول الله، ﷺ، أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿ ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه (^١٠٦٤) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.
وفي الصحيحين (^١٠٦٥) أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا -وفي رواية تواريا- أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما [النبي] [¬٢] ﷺ: "علي رسلكما إنها صفية بنت حيي" أي: [لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي] [¬٣] أي زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال [ﷺ]: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال شرّا".
قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلم أمّته التبري من التهمة في محلها؛ لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى من [¬٤] أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم، ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع، ودواعيه من تقبيل ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء، ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين (^١٠٦٦) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله، ﷺ، يدني إليّ رأسه، فأرجله، وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا
_________________
(١) البخاري في الاعتكاف، باب: اعتكاف النساء برقم (٢٠٣٣)، ومسلم في الصيام برقم (١١٧٢) واللفظ لمسلم.
(٢) البخاري في الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد برقم (٢٠٣٥) وأطرافه ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١)، ومسلم في السلام برقم ٢٤ - (٢١٧٥) من حديث صفية ﵂.
(٣) البخاري في الاعتكاف، باب: لا يدخل البيت إلا لحاجة برقم (٢٠٢٩)، ومسلم في الحيض برقم ٧ - (٢٩٧). [¬١]- في ت: "ثبت في ". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مارّة.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه، وما حرمنا، وذكرنا [¬١] غاياته، ورخصه، وعزائمه حدود الله أي: شرعها الله، وبينها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها [¬٢]، وكان الضحاك، ومقاتل يقولان في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: المباشرة في الاعتكاف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ حتى يبلغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا، ويتلونه علينا: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بين الصيام وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده، ورسوله محمد، ﷺ، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم: أنه آثم أكل حرام.
وكذا روي، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة (^١٠٦٧): أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن [¬٣] بحجته من بعض [فأقضي له] [¬٤]، فمن قضيت له، بحق مسلم، فإنما هي [¬٥] قطعة من نار، فليحملها، أو
_________________
(١) البخاري في المظالم، باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه برقم (٢٤٥٨)، وأطرافه (٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥)، ومسلم في الأقضية برقم ٤ - (١٧١٣) من حديث أم سلمة ﵂. [¬١]- في ز، خ: "وذكر". [¬٢]- في خ: "وتعتذوها". [¬٣]- أي: أعرف وأفطن بحجته من خصمه يقال: لحن فلان يلحن لحنًا إذا فطن. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٢١٠ ]
ليذرها". فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم [¬١] في الظاهر، فإن طابق [ما] [¬٢] في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه [¬٣] في كلامكم.
قال قتادة: اعلم يا بن آدم: [أن قضاء] [¬٤] القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى، وتشهد [¬٥] به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضِيَ له بباطل: أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾
قال العوفي: عن ابن عباس سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دَيْنهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.
و[¬٦] قال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دَيْنهم.
وكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا".
_________________
(١) [¬١]- في ز: "يلزم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- في خ: "ترجون"، وفي ز: "تروجون". [¬٤]- في ز: "إن قضى". [¬٥]- في خ: "ويشهد" [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٢١١ ]
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي رواد، به (^١٠٦٨). وقال: [كان ثقة] [¬١] عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه [¬٢] محمد بن جابر: عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: "جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (^١٠٦٩).
وكذا روي من حديث أبي هريرة (^١٠٧٠)، ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.
وقوله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قال البخاري (^١٠٧١): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
وكذا رواه أبو داود الطالسي (^١٠٧٢): عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم [¬٣] لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذة الآية.
وقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطة [¬٤] بن عامر [من
_________________
(١) المستدرك (١/ ٤٢٣).
(٢) رواه أحمد في المسند ١٦٣٤٢ - (٤/ ٢٣) من حديث إسحاق بن عيسى عن محمد بن جابر به. وإسناده ضعيف من أجل محمد بن جابر. ورواه أحمد ١٦٣٣٨ (٤/ ٢٣). والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٣٩٧) حديث (٢٨٣٧)، (٨٢٣٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه محمد بن جابر اليمامى وهو صدوق ولكنه ضاعت كتبه، وقبِلَ التلقين.
(٣) حديث أبي هريرة رواه البخاري في كتاب الصوم من صحيحه، باب: إذا رأيتم الهلال فصوموا … برقم (١٩٠٩) وفيه: "فأكملوا عدة شعبان"، ومسلم في كتاب الصيام من صحيحه برقم ١٩، ٢٠ - (١٠٨١).
(٤) البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا …﴾ برقم (٤٥١٢).
(٥) - مسند الطيالسي رقم ٧١٧ ص (٩٨). [¬١]- سقط من المستدرك. [¬٢]- في ت: "وقال"، وفي ز: "بياض". [¬٣]- في ز: "سفر". [¬٤]- في خ: "وطبة".
[ ٢ / ٢١٢ ]
الأنصار] [¬١] فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة [¬٢] بن عامر رجل فاجر [¬٣]، وإنه خرج معك من الباب، فقال [¬٤] له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت. فقال: إني أحمس. قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
رواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي، عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، و[¬٥] خرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه: أن يقيم، ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. الآية.
وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم [دخلوا منازلهم] [¬٦] من ظهورها، ويرون [¬٧] أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾] [¬٨].
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم [¬٩] على التمام والكمال.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "الأنصاري". [¬٢]- في خ: "وطبة". [¬٣]- في ز، خ، ت: تاجر، وليس لها معنى في هذا السياق والمثبت من تفسير الطبري وابن أبي حاتم والإصابة. [¬٤]- في ز: "فقالوا". [¬٥]- في ز، خ: "أو". [¬٦]- في خ: "يأتوا البيوت"، وفي ز: "بياض". [¬٧]- في ز، خ: "ويروى". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: [ولا يرون أن ذلك أدنى غلى البر]. [¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: "فيجزيكم بأعمالكم".
[ ٢ / ٢١٣ ]
مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾
قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [¬١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [¬٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [¬٣] همتهم منبعثة [¬٤] على [¬٥] قتالكم وعلى [¬٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [¬٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (^١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [¬٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [¬٩] [ولا أصحاب الصوامع"، رواه الإمام أحمد] [¬١٠].
_________________
(١) رواه مسلم في الجهاد والسير برقم (١٧٣١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٥). [¬١]- في خ: "فافتلوهم". [¬٢]- في ت: "لتكون". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز، خ: "إلى" [¬٦]- في خ: "إلى". [¬٧]- في ز، خ: "قال". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ت: "الوليد". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا [¬١]، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" (^١٠٧٤)، رواه الإِمام أحمد.
ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (^١٠٧٥)، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (^١٠٧٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٢] قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا [واحد، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر] [¬٣] وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف، ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة [¬٤]، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا [¬٥] إلى عدوّهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة [¬٦] " (^١٠٧٧).
_________________
(١) رواه أحمد من حديث أبي القاسم بن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعًا ٢٧٢٨ - (١/ ٣٠٠). وأورده في مجمع الزوائد (٥/ ٣١٦ - ٣١٧) وعزاه لأحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ثم قال: وفي رجال البزار إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه الجمهور. وبقية رجال البزار رجال الصحيح.
(٢) رواه أبو داود في الجهاد، باب: في دعاء المشركين من حديث حسن بن صالح، عن خالد بن الفرز عن أنس به مرفوعًا برقم (٢٦١٤). وخالد بن الفرر تفرد بالرواية عنه الحسن بن صالح، قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى عنه غير الحسن بن صالح، وقال يحيى بن معين: ليس لذاك، وقال أبو حاتم: شيخ.
(٣) رواه البخاري في الجهاد والسير، باب: كل الصبيان في الحرب، وقتل النساء في الحرب وقم (٣٠١٤، ٣٠١٥)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ٢٤ - (١٧٤٤).
(٤) قيس بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم رمانة: ذكره البخاري (٧/ ١٥٤) وابن أبي حاتم (٧/ ٩٦) وابن حبان (٧/ ٣٢٨) وقال في التعجيل (١/ ٣٤٦): وذكره ابن خلفون في الثقات. والأجلح: قال ابن سعد (١/ ٣٥٠): كان ضعيفًا جدًّا. وقال العجلي (١/ ٢١٢): جائز الحديث وليس بالقوي في عداد الشيوخ. وذكره البخاري في التاريخ (٢/ ٦٨) وقال: يقال: اسمه يحيى. وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٥) وقال: كان لا يدرك ما يقول، يجعل أبا سفيان أبا الزبير ويقلب الأسامي. وقال ابن عدي (١/ ٤٢٦): له أحاديث صالحة غير ما ذكرت يروي عنه الكوفيون وغيرهم ولم أجد له شيئًا منكرًا يجاوز الحد لا إسنادًا ولا متنًا وهو أرجو أنه لا بأس به إلا أنه يعد من شيعة الكوفة وهو = [¬١]- في ت: "تعتدوا". [¬٢]- في ز: "خراش". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٤]- في ز: "عداء". [¬٥]- في ز: "فعموا". [¬٦]- في ز: "يلقونه".
[ ٢ / ٢١٥ ]
هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم [¬١] فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا.
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكافر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله أبلغ وأشدّ، وأعظم، وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل.
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم [القيامة، ولم يحل [لي] [¬٢] إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٣]، لا يُعْضَد [¬٤] شجره، ولا يختلى [¬٥] خلاه [¬٦]، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (^١٠٧٨).
يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله [¬٧] يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم [¬٨] عند الخندمة [¬٩]، وقيل: صلحًا لقوله: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
_________________
(١) = عندي مستقيم الحديث صدوق. والحديث في المسند ٢٣٥٦٤ - (٥/ ٤٠٧). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣) وعزاه لأحمد وقال: "وفيه الأجلح الكندي، وهو ثقة، وقد ضُعف، وبقية رجاله ثقات".
(٢) البخاري في الحج، باب: لا يحل القتال بمكة برقم (١٨٣٤) وأطرافه (١٣٤٩، ١٥٨٧، ١٨٣٣، ٢٠٩٠، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣)، ومسلم في الحج برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄. [¬١]- في ز، خ: "واستعملوهم" [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- عضد الشجرة: قطعها. [¬٥]- في ز: "يختلى". [¬٦]- الخلا مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، اختلاؤه: قطعه. النهاية (٢/ ٧٥). [¬٧]- في ز، خ: "أهلها". [¬٨]- في خ: "به". [¬٩]- مكانها بياض في خ. والخندمة: جبل بمكة (معجم البلدان) (٢/ ٤٤٩).
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا [¬١] تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم دفعًا للصيال [¬٢]، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف، والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام، والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر الله [¬٣] تعالى بقتال الكفار ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (^١٠٧٩)، وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (^١٠٨٠).
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا، فقد
_________________
(١) البخاري في كتاب العلم، باب: من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا برقم (١٢٣) وانظر (٢٨١٠) ٣١٢٦، ٧٤٥٨)، ومسلم في الإمارة برقم ١٥٠ - (١٩٠٤).
(٢) البخاري في باب الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ …﴾ برقم (٢٥)، ومسلم في الإيمان برقم ٣٦ - (٢٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. [¬١]- في ز: "لا". [¬٢]- في ت: "للصائل"، والصيال: القهر والعدوان. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢١٧ ]
تخلصوا من الظلم -وهو الشرك- فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة، والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، ولهذا قال [¬١]، عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
وقال البخاري (^١٠٨١): قوله [¬٢]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ …﴾ الآية:
حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضُيَّعُوا [¬٣]، وأنت ابنُ عمر، وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال [¬٤]: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى [¬٥] يكون الدين لغير الله.
وزاد عثمان بن صالح: عن ابن وهب، [قال] [¬٦] أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر [¬٧] عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوت الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحَج البيت، قال [¬٨]: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ، وكان الإِسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة.
قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أمّا عثمان فكان [بالله عفا عنه] [¬٩]، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو [¬١٠] عنه، وأمّا علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث [¬١١] ترون.
_________________
(١) البخاري في التفسير برقم (٤٥١٣ - ٤٥١٥). [¬١]- في خ: "وقال". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "صنعوا". [¬٤]- في ز: "قال". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٧]- في ت: "وتقيم". [¬٨]- في خ: "قالوا". [¬٩]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ. [¬١٠]- في خ: "تعفوا". [¬١١]- في ز: "حين".
[ ٢ / ٢١٨ ]
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾
قال عكرمة: عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله ﷺ معتمرًا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان [¬١] معه من المسلمين، وأقصَّه [¬٢] الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى ويغزو [¬٣]، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (^١٠٨٢).
هذا إسناد صحيح، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ وهو مُخَيَّم بالحديبية أن عثمان قد [¬٤] قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة، تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان.
وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فَلُّهم [¬٥] بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس (^١٠٨٣)، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعًا إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا عام ثمان. صلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) المسند ١٤٧٥٦، ١٤٦٢٥ - (٣/ ٣٤٥، ٣٣٤). وأبر الزبير وإن كان مدلسًا إلا أن الراوي عنه الليث بن سعد، فهو محمول على السماع. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وأبو جعفر النحاس في ناسخه (ص ١٢١ - ١٢٢) من طرق عن ليث وهو ابن سعد عن أبي الزبير له. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) الحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم برقم (١٠٥٩). [¬١]- زيادة من خ. [¬٢]- أقصَّ فلانًا من غريمه مكنه من القصاص، وأخذ له بحقه. [¬٣]- في "العزو". [¬٤]- زيادة من ز، خ. [¬٥] الفلُّ المنهزم. ويطلق على الواحد والجمع.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال [¬١] بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل هذه [¬٢] الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾
قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، عن سليمان، قال [¬٣]: سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (^١٠٨٤).
ورواه ابن أبي حاتم (^١٠٨٥)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مثله، قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسططينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله، ﷺ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيّا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى
_________________
(١) البخاري في باب التفسير، باب: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ برقم (٤٥١٦).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٧٤ - (١/ ٣٣١). [¬١]- في ز: "الجهاد". [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- زيادة عن: خ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإِقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به (^١٠٨٦).
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل -[يريد] [¬١] فضالة بن عبيد-، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية.
وقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، [وإنما هذه] [¬٢] في النفقة.
رواه ابن مردويه، وأخرجه [¬٣] الحاكم في مستدركه (^١٠٨٧) من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ورواه الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء فذكره، وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ برقم (٢٥١٢)، والترمذي في تفسير سورة البقرة برقم (٢٩٧٢)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٠٢٩)، وتفسير الطبري ٣٧١٩، ٣٧٢٠ - (٣/ ٥٩٠)، وصحيح ابن حبان كما في الموارد رقم (١٦٦٧)، والمستدرك (٢/ ٢٧٥). ورواه أبو داود الطيالسي (٥٩٩). وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٠ - ٣٣١) وذكره السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته إلى الطبراني والبيهقي في سننه.
(٢) المستدرك (٢/ ٢٧٥). [¬١]- في ت: "يزيد بن" وهو تصحيف وتحريف. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "إنما هذا". [¬٣]- سقط س: ز.
[ ٢ / ٢٢١ ]
يتوب.
وقال ابن أبي حاتم (^١٠٨٨): حدَّثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث [¬١]، [حدّثني الليث] [¬٢]، حدَّثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل [¬٣]، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال اللَّه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال [¬٤]: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
وقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وقال الحسن البصري ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل.
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي! فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السَّلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني نحو قول النعمان بن بشير، إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك، ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا (^١٠٨٩): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٧ - (١/ ٣٣٢).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٦ - (١/ ٣٣١) وتفسير ابن جرير ٣١٥١ - (٣/ ٥٨٤). [¬١]- في ز، خ: "الكتب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في تفسير ابن أبي حاتم: ليستقتل. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
أبو صخر، عن القرظي [محمد بن كعب] [¬١] أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، [أنفق البائس من زاده] [¬٢] حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وبه قال ابن وهب أيضًا (^١٠٩٠): أخبرني عبد الله بن عياش [¬٣]، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أن رجالًا كانوا بخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإمّا أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالًا [¬٤]، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقيل لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل [¬٥] ذلك بأنه هلاك ودمار لمن [¬٦] لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أَعلى مقامات الطاعة فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٥ - (١/ ٣٣١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أنفقوا الباقين". [¬٣]- في خ: "عباس". [¬٤]- أي عالة يعتمدون على غيرهم في نفقاتهم. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "إن".
[ ٢ / ٢٢٣ ]
أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما؛ ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتاب [¬١] الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة.
وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة [¬٢]، عن علي أنه قال في هذه الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ قال: [أن تحرم] [¬٣] من دويرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.
وعن سفيان الثوري أنه قال [في هذه الآية: إتمامهما] [¬٤] أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق (^١٠٩١): أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: من تمامهما [¬٥] أن تفرد [كل واحد] [¬٦] منهما من الآخر، وأن تعتمر [¬٧] في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هشيم، عن ابن عون، قال [¬٨]: سمعت القاسم بن محمد يقول: أن العمرة في أشهر الحج ليست بتامّة، فقيل له [فالعمرة في المحرّم] [¬٩] قال: كانوا يرونها تامّة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: [عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة] [¬١٠] سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرراق به برقم ١٧٥٨ - (١/ ٣٣٤). [¬١]- في ت: "كتابنا". [¬٢]- في ز: "مسلمة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "ائت الحرم"، وفي ز: "أن الحرم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تمامهما". [¬٥]- في ز: "تمامها". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: "كلٌّ". [¬٧]- في خ: "يعتمر". [¬٨]- سقط من: ت. [¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: "العمرة في اليوم"، وفي ز: "العمرة في المحرّم". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
في القعدة سنة عشر، وما [¬١] اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئ [¬٢]. "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (^١٠٩٢). وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇ فاعتاقت عن ذلك بسبب الظهر [¬٣]، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها؛ والله أعلم.
وقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ أي: أقيموا الحج والعمرة.
وقال علي بن أبي [¬٤] طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ يقول من أحرم [بحج أو بعمرة] [¬٥] فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة [وطاف بالبيت] [¬٦] وبالصفا والمروة فقد حل.
وقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ قال: هي قراءة عبد الله: (وأقيموا [¬٧] الحج والعمرة [¬٨] إلى البيت) لا تجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت
_________________
(١) الحديث في صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب: حج النساء برقم (١٨٦٣) من حديث ابن عباس -مرفوعًا- أنه قال لأم سنان الأنصارية -وليس عن أم هانئ-. . . فذكره. وقد أخرج هذا الحديث مبهمًا -بدون ذكر اسم الصحابية- مالك في الحج حديث ٦٦ - (١/ ٣٤٦) عن أبي بكر بن عبد الرحمن. وكذلك رواه البخاري برقم (١٨٦٢)، ومسلم ٢٢١ - (١٢٥٦) كلاهما من حديث ابن عباس. ورواه البخاري كما ذكرنا، ومسلم في الحج ٢٢٢ - (١٢٥٦) وجاء عندهما أنها "أم سنان". ورواه ابن حبان (٦/ ٥ / رقم: ٣٦٩١). والطبراني (١١/ ١٤٨ / رقم: ١١٣٢٢). من وجه آخر، عن ابن عباس قال: جاءت أم سليم فقالت: حج أبو طلحة وابنه، وتركاني. فقال: "يا أم سليم، = [¬١]- في خ: "ولا". [¬٢]- يبدو أن إيراد اسم أم هانئ بنت أبي طالب في هذه القصة سبق قلم من المصنف؛ لأن البخاري- لم يذكر "أم هانئ" في أي طريق من طرق هذا الحديث، والصواب أنها أم سنان الأنصارية. وانظر تخريج الحديث. [¬٣]-يعني الدابة التي تحج عليها، فإن في الحديث أن النبي ﷺ سألها عما منعها من الحج؟ فقالت: "أبو فلان -تعني زوجها- حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين فِي خ "بالحج والعمرة"، وفي ش: "بالحج أو العمرة". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ "وزار البيت". [¬٧]- في خ. ر وأتموا والمثبت من تفسير الطبري (٤/ ٧). [¬٨]- في ر "إلى العمرة".
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. [وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم: أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] [¬١].
وقرأ الشعبي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) برفع العمرة وقال: ليست بواجبة، وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعدّدة، عن أنس وجماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" (^١٠٩٣).
وقال في الصحيح أيضًا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
وقد روى الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال: حدثنا
_________________
(١) = عمرة تجزيك عن حجة". فإن صح حمل على تعدد القصة، فقد رواه الطبراني (٢٢/ ٣٢٤ / رقم: ٨١٦). من حديث أبي طليق أن امرأته أم طليق قالت: يا نبي الله، ما يعدل الحج؟ قال: "عمرة في رمضان". ورواه أصحاب السنن- أبو داود: في كتاب المناسك، باب: العمرة (رقم: ١٩٨٨). والترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء في عُمرة رمضان (رقم: ٩٣٩). والنسائي في الكبرى: كتاب الحج، كتاب: فضل العمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٧). وابن ماجة: كتاب المناسك، باب: العمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩٣)، والحاكم (١/ ٤٨٢). من حديث أم معقل وهي التي يقال لها: أم الهيثم". وفي الباب عن جابر أخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك، كتاب: العمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩٥). وسنده صحيح، وعن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار وامرأته: "اعتمرا في رمضان، فإن عمرة فيه لكما كحجة". أخرجه النسائي في الكبرى- كتاب الحج، باب: فضل العُمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٤)، وعن أبي معقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر نحوه، أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب الحج، كتاب: فضل العُمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٨). أيضًا، وعن وهب بن خنبش، عن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة". أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب الحج، باب: فضل العمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٥). وأخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك، باب: العُمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩١، ٢٩٩٢). من الوجه المذكور لكن سماه هرم بن خنبش، وعن علي مثله أخرجه البزار كما في البحر الزخار- المعروف بمسند البزار: (٢/ ٢٣٨ / رقم: ٦٣٦)، وعن أنس مثله أخرجه ابن عبد البر (في التمهيد ٢٢/ ٦٠). بإسناد ضعيف.
(٢) صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء ﵂. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ر، خ.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، متضمخ [¬١] بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "أين السائل عن العمرة؟ " فقال: ها أنا ذا. فقال له: "ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] في حجتك فاصنعه في عمرتك" (^١٠٩٤).
هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق، فسكت رسول الله ﷺ ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" (^١٠٩٥).
ولم يذكر فيه الغسل، والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه [¬٢] الآية، وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست -أي عام الحديبية- حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رءوسهم] [¬٣]، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم، ﵇، بأن يحلقوا رءوسهم، وأن [¬٤] يتحللوا، فلم يفعلوا؛ انتظارًا للنسخ حتى [خرج، فحلق] [¬٥] رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال رسول الله ﷺ: "رحم الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، فقال في الثالثة: "والمقصرين" (^١٠٩٦)، وقد كانوا اشتركوا في
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.
(٢) ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به.
(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حديث عبد الله بن عمر ﵁. [¬١]- التمضخ: التلطخ بالطيب وغيره والإكثار منه. [¬٢]- سقط من ر، خ [¬٣]- سقط من ر، خ. [¬٤]- سقط من ر، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ح "خرج. بحلق" وفي ر "صرح بحلق".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره، على قولين: فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان، عن [¬١] عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [فليس الأمن حصرًا] [¬٢].
قال: وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
والقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق، أو نحو ذلك، قال [¬٣] الإِمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا حجاج [] [¬٤] الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من كسر، أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى"، قال: فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة فقالا: صدق.
وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به (^١٠٩٧)، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: "من عرج، أو كسر، أو مرض" فذكر معناه.
ورواه ابن أبي حاتم: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر.
وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول
_________________
(١) المسند (٣/ ٤٥٠)، وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢)، وسنن الترمذي برقم (٩٤٠)، وسنن النسائي (٥/ ١٩٨)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨). [¬١]- في ز، خ: "بن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "فليست الأمن حصر". [¬٣]- في خ: "وقال". [¬٤]- في ت: ابن.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الله؛ إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (^١٠٩٨).
ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله (^١٠٩٩)، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علق الإِمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد [¬١] صح، ولله الحمد.
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قال الإِمام مالك: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن.
وقال الثوري: عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كان لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل، والبقر.
قال: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير نحو ذلك.
(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية، فإنه [¬٢] لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك [¬٣] شاة، وإنما ذبحوا الإبل، والبقر، [ففي الصحيحين (^١١٠٠) عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر] [¬٤] كل سبعة منا في بقرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩)، وصحيح مسلم يرقم (١٢٠٧).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٢٠٨).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٣١٨). [¬١]- في خ: "فقد". [¬٢]- في ر: "فإنهم" [¬٣]- في ر: "ذاك". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ر.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقال العوفي: عن ابن عباس إن [¬١] كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.
وقال هشام بن عروة: عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله، ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت (^١١٠١): أهدى النبي، ﷺ، مرة غنمًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريق عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما أن كان مفردًا، أو متمتعًا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (^١١٠٢).
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام فقال [¬٢]: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ "، قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك"، فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (^١١٠٣).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٧٠١)، وصحيح مسلم برقم (١٣٢١).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٧٢٥)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٩).
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٥١٧). [¬١]- في خ: "أنه". [¬٢]- في ز، خ: "قال".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقال الإمام أحمد (^١١٠٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي، فقال: "يؤذيك هوام رأسك؟ "، قلت: نعم. قال: "فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة" قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.
وقال أحمد أيضًا (^١١٠٥): حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، على مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة [¬١] فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ "، فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
وكذا رواه عفان [¬٢] عن شعبة عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به (^١١٠٦)، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وعن شعبة، عن داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه.
ورواه الإِمام مالك (^١١٠٧): عن [حميد بن] [¬٣] قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكر نحوه.
وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، أنَّه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، رواه [¬٤] ابن مردويه، وروى أيضًا من حديث عمر بن قيس، سندل [¬٥]-وهو ضعيف- عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى
_________________
(١) المسند (٤/ ٢٤١) حديث (١٨١٥٩).
(٢) المسند (٤/ ٢٤١) حديث (١٨١٥٣).
(٣) رواية عفان لم نجدها في المسند المطبوع، وهي في أطراف المسند لابن حجر (٥/ ٢١٩).
(٤) الموطأ (١/ ٤١٧). [¬١]- الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية (٥/ ٢١٠). [¬٢]- سقط من: خ، وفي ز: "مهملة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، وفي ز: "بياض". [¬٤]- في خ: "ورواه". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الله عليه وسلم -: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة" (^١١٠٨)، وكذا روي عن علي، ومحمد بن كعب، وعلقمة [¬١]، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال ابن أبي حاتم (^١١٠٩): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة أنَّه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مُدّين مدّين لكل إنسان، أو انسك شاة، أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك".
وهكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان [أو، أو] [¬٢] فأية أخذت أجزأ عنك.
قال ابن أبي حاتم، ورُوي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك نحو ذلك.
(قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء، أنَّه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدّق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وهو مدّان، وإن شاء ذبح شاة، وتصدّق بها على الفقراء، أيَّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي، ﷺ، كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: "انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام" فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.
وقال ابن جرير (^١١١٠): حدثنا أبو كريب: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه يقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجُعل مكانها طعام، فتصدّق، وإلا صام لكل [¬٣] نصف صاع يومًا، قال إبراهيم:
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥١٥) وعزاه لابن مردويه والواحدي.
(٢) الحديث في الموطأ (١/ ٤١٧).
(٣) تفسير ابن جرير (٤/ ٧٤). [¬١]- في ز، خ: "وعكرمة". [¬٢]- في ز: "أو". [¬٣]- في ز: "بكل".
[ ٢ / ٢٣٢ ]
كذلك سمعت علقمة يذكر قال: لما [قام] [¬١] قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟ ما أظرفه [¬٢]! قال: قلت: هذا إبراهيم. فقال ما أظرفه [¬٣]! كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإِبراهيم. قال: فلما قلت يجالسنا انتفض منها.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد [¬٤] الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين [¬٥]، مكوكًا من تمر، ومكوكًا من بر، والنسك شاة.
وقال قتادة: عن الحسن، وعكرمة في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين.
وهذان القولان من سعيد بن جبير، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السّنة في حديث كعب بن عجرة بصيام [¬٦] ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب، فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا والله أعلم.
وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنَّه كان يقول: ما كان من دم، أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن.
وقال هشيم، أخبرنا حجاج، وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنَّه كان قوله: ما كان من دم فبمكة؛ وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى [¬٧] ابن جعفر قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين بن علي، فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم، وناقته عند رأسه، قال: فقلت أيها النائم [¬٨]! فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي، قال فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليَّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرّضناه [¬٩] نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين ما الذي تجد؟ قال:
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٢]- في ز، خ: "أطرفه". [¬٣]- في خ: "أطرفه". [¬٤]- في ز: "عبد". [¬٥]- المكوك: مكيال يختلف وزنه ومقداره باختلاف البلاد. [¬٦]- في خ: "فصيام". [¬٧]- غير واضحة في خ. [¬٨]- في ز، خ: " النئوم". [¬٩]- في خ: "فمرضتاه".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثمَّ دعا ببدنة فنحرها، فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنَّه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل [¬١] فواضح.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا [¬٢] تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو التمتع] [¬٣] الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع [¬٤] العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله، ﷺ. وآخر يقول قرن. ولا خلاف أنَّه ساق هديًا. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي. وأقله شاة وله أن يذبح البقر؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر.
وقال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، ذبح بقرة عن نسائه، وكن متمتعات. رواه أبو بكر بن مردويه (^١١١١).
وفي هذا دليل على مشروعية [¬٥] التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين (^١١١٢) قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله، ﷺ. ثمَّ لم ينزل قرآن يحرمها [¬٦]، ولم ينه عنها، حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به: أن عمر ﵁ كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إنْ نأخذ [¬٧] بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر [¬٨] قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به، ﵁.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك. قال
_________________
(١) ورواه أبو داود في السنن برقم (١٧٥١) من طريق الوليد عن الأوزاعي به.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥١٨)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٦). [¬١]- بياض في خ. [¬٢]- في ز، خ: "إذا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "وهو غير التمتع"، وفي ز: "وهو غير المتمتع". [¬٤]- في: "والمتمتع". [¬٥]- في ز، خ: "شرعية". [¬٦]- في ز، خ: "يحرمه". [¬٧]- في ز، خ: "يأخذ". [¬٨]- في: ز، خ. "ليكن".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء. أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوّال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا [¬١] كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة [¬٢]، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل يوم [¬٣] التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن [¬٤] جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أيضًا.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنَّه يجوز له صيامها لقول عائشة، وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (^١١١٣).
هكذا رواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وقد روي من غير وجه عنهما (^١١١٤).
ورواه سفيان، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أنَّه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق. وبهذا يقول عبيد بن عمير [¬٥] الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
والجديد من القولين: أنَّه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم (^١١١٥): عن نُبَيشَةَ الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿".
وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم [إلى رحالكم] في
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٩٩٧).
(٢) الموطأ: (١/ ٤٢٦).
(٣) صحيح مسلم برقم (١١٤١). [¬١]- في ز: "فإن". [¬٢]- بياض في ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "عمر".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الطريق؛ ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق. وكذا قال عطاء بن أبي رباح.
والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم.
قال عبد الرزاق (^١١١٦): أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله.
وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإِجماع.
وقد قال البخاري (^١١١٧): حدثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه [¬١] الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله، ﷺ، فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ، بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي، ﷺ، مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [¬٢] أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وذكر تمام الحديث.
قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة، بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين (^١١١٨) من حديث الزهري به.
وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا [¬٣] مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾.
_________________
(١) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٣).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٦٩١).
(٣) صحيح البخاري برقم (١٦٩٢)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: "ز". [¬٣]- في ز: "وعدنا".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقيل [¬١]: [معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ الأمر بإكمالها وإتمامها اختاره ابن جرير] [¬٢]، وقيل [¬٣]: معنى [¬٤] ﴿كَامِلَةٌ﴾ أي: مجزئة [¬٥] عن الهدي.
قال [¬٦] هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.
حدَّثنا ابن بشار، حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان -هو الثوري- قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة؛ لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا أو قال يجعل بينه وبين الحرم واديًا ثمَّ [¬٧] يهل بعمرة.
وقال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم. وذلك [¬٨] قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.
وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت كما قال عبد الرزاق (^١١١٩):
أخبرنا [معمر، عن] [¬٩] عطاء قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع.
وقال عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن [¬١٠] جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات.
_________________
(١) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "معناه". [¬٥]- في خ: "مخبر به". [¬٦]- في ز، خ: "قاله". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "وكذا". [¬٩]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ. [¬١٠]- في خ: "بن".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ [¬١] وعُرنة [¬٢] وضَجْنان والرجيع.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، سمعت الزهري، يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على مسافة [لا يقصر] [¬٣] فيها الصلاة، لأنَّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم و[ما نهاكم] [¬٤] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
اختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإِحرام بالحج فيها أكمل من الإِحرام [به] [¬٥] فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإِحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحْتُجَّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وبأنه أحد النسكين فصحَّ الإِحرام به في جميع السنة كالعمرة.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه، والقول بأنّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد، ﵏، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات] [¬٦]، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدلّ على أنَّه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.
_________________
(١) [¬١]- في ت: "ومزدلفة". [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "لا تقصر". [¬٤]- في ز: "وما نهاكم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي [¬١]، عن حجاج بن محمَّد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن مقسم، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: من السنة أن [¬٣] لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه (^١١٢٠): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا [¬٤] أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج] [¬٥]، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه.
وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٦]، حدَّثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي ﷺ؛ أنَّه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج".
وإسناده لا بأس به، ولكن [¬٧] رواه الشافعي والبيهقيُّ (^١١٢١): من طرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير؛ أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا.
وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال البخاري (^١١٢٢): قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري عنه [¬٨] بصيغة الجزم رواه ابن جرير (^١١٢٣)
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة برقم (٢٥٩٦).
(٢) الأم للشافعي (٢/ ١٣٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٣٤٣).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ٤١٩) "فتح".
(٤) تفسير ابن جرير (٤/ ١١٦). [¬١]- في ز، خ: "السرسي". [¬٢]- في خ: "عيينة". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "حدثنا نافع". [¬٧]- وفي ز: "لكن". [¬٨]- سقط من: ت.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
موصولا [¬١]: حدَّثنا [¬٢] أحمد بن حازم بن أبي غرزة [¬٣]، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من [¬٤] ذي الحجة.
إسناده [¬٥] صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه (^١١٢٤)؛ عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد [¬٦] الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره وقال: هو [¬٧] على شرط الشيخين.
(قلت): وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثور، ﵏. واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته [¬٨] العام، ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم [قال الله تعالى] [¬٩]: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ وإنما تعجل في يوم ونصف يوم [¬١٠].
وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعيُّ في القديم] [¬١١]: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضًا، قال ابن جرير:
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن أبي [¬١٢] مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^١١٢٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب،
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٢٧٦).
(٢) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٦٩٣) "مجمع البحرين"من طريق محمَّد بن ثواب عن حصين بن مخارق به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "حدثني". [¬٣]- في ت: "زغرة". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "إسناد". [¬٦]- في خ: "عبد". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "زرته". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: مكانه بياض. [¬١٢]- في ز، خ: "عن".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
أخبرني ابن جريج؛ قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبد الله يسمي [شوّالًا وذا القعدة وذا الحجة] [¬١]، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكي هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس وقتادة، وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه، من طريق حصين بن مخارق -وهو متهم بالوضع- عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "الحج أشهر معلومات شوّال وذو القعدة وذو الحجة".
وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة. وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.
وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج .. فقال: كانوا لا يرونها تامّة.
(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حباب فيه دلالة على لزوم إلا حرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام [¬٢].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "شوَّال وذو القعدة وذو الحجة". [¬٢]- في ز: "الالتزام".
[ ٢ / ٢٤١ ]
أو عمرة، وقال عطاء: الفرض: الإِحرام، وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم.
وقال ابن جريج: أخبرني [¬١] عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وابن الزبير ومجاهد، وعطاء وإبراهيم النخعي، وعكرمة والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، والزهري ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية.
وقوله: ﴿فلا رفث﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كذلك يحرم تعاطي دراعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال [¬٢] والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم.
قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب مثله.
قال ابن جرير (^١١٢٦): وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس؛ أنه كان يحدو وهو محرم وهو يقول:
وَهُنَّ يمشِينَ بنا همِيسا … إِنْ يصدُقِ الطيرُ نَنَكْ لميسا
قال أبو العالية: فقلت تكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.
ورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا (^١١٢٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس؛ قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاجّ [¬٣] وكنت خليلًا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه [رهو يرتجز] [¬٤] ويقول:
_________________
(١) " تفسير ابن جرير (٤/ ١٢٦).
(٢) " تفسير ابن جرير (٤/ ١٢٦). [¬١]- في خ: "حدثني جبير بن"، وفي ز: "ثنا بن حر". [¬٢]- في ز: "الرجال". [¬٣]- في خ: "الحج". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "ويرتجز".
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وهنّ يمشين بنا هميسا … إن تصدق [¬١] الطير ننك لميسا
قال: فقلت أترفث وأنت محرم؟ فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء.
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه، سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العَرَابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث.
وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار، وقال عطاء: كانوا يكرهون العَرَابة وهو التعريض [بذكر الجماع] [¬٢] وهو محرم.
وقال طاوس: هو أن يقول [¬٣] للمرأة: إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة [¬٤] والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.
وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث غشيان النساء، وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وإبراهيم وأبو العالية، وعطاء ومكحول [وعطاء الخراساني] [¬٥] وعطاء بن يسار، وعطة وإبراهيم النخعي، والربيع والزهري، والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك، والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقوله: ﴿ولا فسوق﴾، قال مقسم وغير واحد عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد، وطاوس وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن وقتادة، وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: الفسوق [ما أصيب من معاصي الله صيدًا] [¬٦] أو غيره، وكذا روى ابن وهب: عن يونس، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب قاله ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير ومجاهد،
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "يصدق" [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٣]- في ز، خ: "تقول". [¬٤]- في ز: "القبل". [¬٥]- ما بين المعكوفتين مكانه في ز، خ بياض، وبعده: "ابن أبان". [¬٦]- كذا في ز، خ، وفي ت: [ما أصيب من معاصي الله به صيدًا] وكلتا العبارتين يغلفهما الغموض واللبس.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
والسدي وإبراهيم النخعي [¬١] والحسن، وقد يتمسك لهولاءِ بما ثبت في الصحيح (^١١٢٨): " سباب المسلم فسوق وقتاله [¬٢] كفر".
[ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه (^١١٢٩)، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه (^١١٣٠)] [¬٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب.
والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو [¬٤] جميع المعاصي [معهم الصواب]، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد- ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ - وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإِحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى [¬٥]، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه" (^١١٣١).
وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان:
أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج، وفي مناسكه، وقد بينّه الله أتم كان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي
_________________
(١) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٦٠٤٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٦٣) من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل به.
(٢) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٣٤)، والنسائي في السنن (٧/ ١٢٢).
(٣) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٩٤١).
(٤) صحيح البخاري برقم (١٥٢١)، وصحيح مسلم برقم (١٣٥٠). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "وقتله". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "هي" [¬٥]- في ز: "أدنى".
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الْحَجِّ﴾ قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس.
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج] [¬١] قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمّهم الله به.
وقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع [¬٢]، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج فلا جدال فيه، وكذا قال السدي.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج، وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج والله أعلم أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاءِ: نحن أصوب، وهول هؤلاءِ: نحن أصوب، فهذا فيما نرى والله أعلم.
وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، [فقطعه الله حين] [¬٣] أعلم نبيه بالمناسك.
وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.
وقال حماد بن سلمة [¬٤]: عن جبر [¬٥] بن حبيب عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم الحج غدًا، ويقول بعضهم: الحج [¬٦] اليوم.
وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج [والله أعلم] [¬٧].
(والقول الثاني): أن المراد بالجدال هاهنا الخاصمة.
قال ابن جرير: حدَّثنا عبد الحميد بيان، حدَّثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن [¬٨] مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "ربيع". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ر: "بقطعه أنه من". [¬٤]- في ز: "مسلمة". [¬٥]- في ز: "حر". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "هو ابن".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وبهذا الإِسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي: سألت ابن عباس عن الجدال قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه. وكذا [¬١] روى مقسم، والضحاك عن ابن عباس، وكذا قال أبو العالية، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، ومكحول، والسدي، ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: الجدال] [¬٢] المراء والملاحاة حتى تُغْضب [¬٣] أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.
وقال إبراهيم النخعي ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال، وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر قال: الجدال [في الحج] [¬٤]: السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب والمراء والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن [¬٥] الزبير، والحسن، وإبراهيم، وطاوس، ومحمد بن كعب قالوا: الجدال المراء.
وقال عبد الله بن المبارك: عن يحيى بن بشير، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تُغْضب [¬٦] عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب [¬٧] مملوكًا، فتغضبه من غير أن تضربه فلا بأس عليك إن شاء الله.
(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (^١١٣٢):
حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﵌ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله، ﷺ، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة [¬٨] أبي بكر، وزمالة رسول الله، ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو [¬٩] بكر ينتظره إلى أن
_________________
(١) المسند (٦/ ٣٤٤) (٢٧٠٢٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: المحرم يؤدب غلامه= [¬١]- في ز: "وكذلك" [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٣]- في ز، خ: "يغضب". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "يغضب". [¬٧]- في ز: "تستغيب". [¬٨]- أي مركوبهما وأداتُهما وما كان معهما في السفر. النهاية (٢/ ٣١٣). [¬٩]- في خ: "أبي".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! ".
وهكذا أخرجه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن إسحاق، ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي، ﷺ، عن أبي بكر ﵁: "انظروا إلى هذا امحرم ما يصنع! " كهيئة الإِنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده (^١١٣٣): حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه".
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان الفبيح قولًا وفعلًا [¬١]، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال العوفي: عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وكذا رواه ابن جرير: عن عمرو -وهو الفلاس [¬٣]- عن ابن عيينة [به] [¬٤].
قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.
_________________
(١) = (٢/ ١٦٩ / رقم: ١٨١٨). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب: التوقي في الإحرام. (٢/ ٩٧٨ / رقم ٢٩٣٣). كلاهما من طريق عبد الله بن إدريس به.
(٢) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٤٨) وموسى بن عبيدة ضعيف. [¬١]- زيادة من: خ، وفي ز: "وفعالًا". [¬٢]- في ز، خ: "المصري". [¬٣]- في ز: "العالاس". [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
(قلت): قد رواه النسائي (^١١٣٤): عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وأمّا حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن [¬١] يحيى بن بشر [¬٢]، عن [¬٣]، شبابة، وأخرجه] [¬٤] أبو داود: عن أبي [¬٥] مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخرَّمي [¬٦]، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون؛ فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^١١٣٥).
ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به.
وروى ابن جرير (^١١٣٦)، وابن مردويه: من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الدقيق، والسويق، والكعك، وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
وقال سعيد بن جبير: فتزودوا [¬٧] الدقيق والسويق والكعك.
وقال وكيع [بن الجراح] [¬٨] في تفسيره حدَّثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وتزودوا﴾ قال: الخشكنانج والسويق، وقال وكيع أيضًا: حدَّثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة: عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة [¬٩].
_________________
(١) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٣٣).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٥٢٣)، وسنن أبي داود برقم (١٧٣٠).
(٣) تفسير ابن جرير (٤/ ١٥٦). [¬١]- في ز: "ثنا". [¬٢]- في ز: "بشير". [¬٣]- في ز: "ثنا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "ابن". [¬٦]- في خ: "المخزومي". [¬٧]- في خ: "يتزودوا". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٩]- في ز: "الجوذة".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة، والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.
قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: يعني زاد الآخرة.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١١٣٧): حدَّثنا عبدان، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس عن [¬١] جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة".
وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال [¬٢]: يا رسول الله ما نجد زادًا نتزوده، فقال رسول الله ﷺ: "تزوذ مما تكفّ به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى"، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.
_________________
(١) المعجم الكبير (٢/ ٣٠٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١١): "رجاله رجال الصحيح". [¬١]- في ت: "بن". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾
قال البخاري (^١١٣٨): حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو [¬١]، عن ابن عباس قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة [¬٢]، وذر المجاز أسواقًا [¬٣] في الجاهلية، فتأثموا [¬٤] أن يتَّجررا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.
وهكذا رواه عبد الرزاق (^١١٣٩)، وسعيد بن منصور، وغير واحد: عن سفيان بن عيينة، به [¬٥].
ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله، ﷺ، عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا [¬٦] رواه ابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان متَّجر الناس في الجاهلية عكاظ، ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية.
وروى أبو داود رغيره (^١١٤٠): من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
_________________
(١) - رواه البخاري في التفسير، باب: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ برقم (٤٥١٩) وأطرافه (١٧٧٠، ٢٠٥٠، ٢٠٩٨).
(٢) - تفسير عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور برقم (٣٤٧).
(٣) - رواه أبو داود في المناسك، باب: التجارة في الحج برقم (١٧٣١). ولفظه: عن عبد الله بن عباس قال: قرأ هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة وأخرج له مسلم في المتابعة. [¬١]- في ز، خ: "عمر". [¬٢]- "بلا نقط" في خ. [¬٣]- في ز، خ: "أسواق". [¬٤]- في ز: "فتأتموا". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "وكذلك".
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وقال ابن جرير (^١١٤١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).
وقال علي بن أبي طلحة (^١١٤٢): عن ابن عبَّاس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء، والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس.
وقال وكيع (^١١٤٣): حدَّثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).
ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمعت ابن الزُّبَير يقرأ [﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] [¬١] وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقَتَادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقال ابن جرير (^١١٤٤): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا شبابة بن سوار، حدَّثنا شعبة، عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل بحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعًا.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٤/ ١٦٦) رقم (٣٧٧٢).
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٢) رقم (٣٧٦١).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٧٦٨). وطلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال أحمد: لا شي متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء ضعيف. وقال الجوزجاني: غير مرضي في حديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي بين عندهم. وقال البخاري: ليس بشيء، كان يحيى بن معين سيئ الرأي فيه. وقال أَبو داود: ضعيف. وقال النَّسائي: متروك الحديث. وقال أيضًا: ليس بثقة. وروى له ابن عدي أحاديث وقال روى عنه قوم ثقات وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال الدارقطني: ضعيف. وذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنه. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب (التهذيب).
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٧٧٠). [¬١]- في ز، خ: "فذكر مثله سواء".
[ ٢ / ٢٥١ ]
قال أحمد (^١١٤٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [¬١]، عن [أَبى] [¬٢] أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون [¬٣] بالبيت، وتأتون المعروف [¬٤]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى [¬٥] النبي، صلى الله عليه رسلم، فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتَّى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: "أنتم حجاج".
وقال عبد الرزاق (^١١٤٦): أخبرنا الثَّوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا قوم نكري، ويزعمون أنَّه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قال: بلى. قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عما سألت عنه فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ورواه عبد [بن حميد في تفسيره] [¬٦]: عن عبد الرزاق، به.
وهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة: عن الثَّوري مرفوعًا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا (^١١٤٧).
فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا عباد بن العوام] [¬٧]، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا أناس نكري في هذا الوجه إلى
_________________
(١) - أسباط: ثقة، ضُعِّف في الثَّوري. والحسن بن عمرو: ثقة ثبت. وأَبو أمامة: قال المنذري: لا يعرف اسمه، روى عنه العلاء بن المسيب والفقيمي، وقال أَبو زرعة: لا بأس به. وفي التقريب: مقبول -أي عند المتابعة- والحديث في السند (٢/ ١٥٥) (٦٤٣٤). ورواه أَبو داود في المناسك، باب: الكري برقم (١٧٣٣). من طريق العلاء بن المسيب عن أبي أمامة به. ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٣٠٥١) من طريق مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، له. ورواه الطبري (٤/ ١٦٤) رقم (٣٧٦٥).
(٢) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٦٩) (٣٧٨٩) من طريق عبد الرزاق، به.
(٣) - سنن سعيد بن منصور برقم (٣٥٢). [¬١]- في ز، خ: "عمر التميمي". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "تطوف". [¬٤]- في ز، خ: "المعرف". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في خ: "الله"، وسقط من: ز. [¬٧]- في ز: "عوام".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
مكة، وإن أناسًا [¬١] يزعمون: أنَّه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى [¬٢]. قال: فأنتم حجاج، ثم قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه [¬٣]، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتَّى نزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدعا الرجل فتلاها عليه وقال: "أنتم حجاج".
وكذا رواه مسعود [¬٤] بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي: عن العلاءِ بن المسيب به مرفوعًا.
وقال ابن جرير (^١١٤٨): حدثني طليق [¬٥] بن محمد الواسطي، حدَّثنا أسباط -هو ابن محمد- أخبرنا الحسن بن عمرو - وهو الفقيمي - عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف [¬٦]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قلنا: بلى. قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ: أنتم حجاج".
وقال ابن جرير (^١١٤٩): حدثني أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أَبو [¬٧] أحمد، [حدَّثنا مندل] [¬٨]، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين! كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلَّا في الحج؟
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
إنما صرف عرفات -وإن كان علمًا على مؤنث- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سُمِّيَ به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير.
وعرفة: موضع الوقوف [¬٩] في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإِمام أحمد،
_________________
(١) - تفسير الطَّبري (٤/ ١٦٤) (٣٧٦٥).
(٢) - تفسير الطَّبري (٤/ ١٦٨) رقم (٣٧٨٨). [¬١]- في ز، خ: "ناسًا". [¬٢]- سقط من: ر. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ "ابن مسعود". [¬٥]- مهملة بدون نقط في ز. [¬٦]- في ر، خ: "المعرف". [¬٧]- في خ: "أَبوا". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ [¬٩]- في ر: "الموقف".
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وأهل السنن بإسناد صحيح (^١١٥٠): عن الثَّوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي، ﷺ، وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس وقال لنا [¬١]: "لتأخذوا [¬٢] عني مناسككم (^١١٥١).
وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك"، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي ﵏، وذهب الإِمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتج [¬٣] بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله، ﷺ، بالمزدلفة حين خرح إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من [جبلي طيئ] [¬٤] أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (*) إلا وقفت عليه فهل لي [¬٥] من حج؟ فقال رسول الله، ﷺ: "من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".
_________________
(١) - المسند (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠، ٣٣٥) (١٨٨٢٨، ١٩٠٠٧)، ورواه أَبو داود في سننه في كتاب المناسك، باب: من لم يدرك عرفة (٢: ١٩٦ / ح ١٩٤٩). والنَّسائي في سننه في كتاب مناسك الحج، باب: في من لم يدرك الصبح مع الإمام بالمزدلفة (٥/ ٢٦٤). والتِّرمِذي في سننه في كتاب الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (٣/ ٢٣٧ / ح ٨٨٩، ٨٩٠). وابن ماجة في سننه في كتاب المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٢/ ١٠٠٣ / ح ٣٠١٥) والبخاري - تعليقًا - في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٣). وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والطحاوي (٢/ ٢٠٩، ٢١٠)، والدارقطني (٢/ ٢٤٠)، والحاكم (١/ ٤٦٤) (٢/ ٢٧٨) وصححه، ووافقه الذهبي، والدارمي (٢/ ٥٩)، والطيالسي (١٣٠٩، ١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، والبغوي (٢٠٠١).
(٢) - رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢٩٧) من حديث جابر ﵁. والنَّسائي في المناسك (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/ ٣١٨). [¬١]- زيادة من: خ. [¬٢]- في خ: "خذوا". [¬٣]- في ز، خ: "واحتجوا". [¬٤]- في خ: "جبل طئ". (*) في ز، خ، ت: جبل. وهو تحريف، والحبل: المستطيل من الرمْل، وقيل. الضخم منه. [¬٥]- بياض، في ز، خ.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي (^١١٥٢).
ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق (^١١٥٣): أخبرني ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم [ﷺ] [¬١] فحج به، حتَّى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة.
وقال ابن المبارك (^١١٥٤): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة، لأن [¬٢] جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسميت [¬٣] عرفات.
وروي نحوه عن ابن عبَّاس (^١١٥٥)، [وابن عمر] [¬٤] وأبي مجلز فالله أعلم.
وتسمى عرفات: المشعر الحرام [¬٥]، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أَبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له … إلَّال إلى تلك [الشراج القوابل] [¬٦]
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا حمَّاد بن الحسن بن عنبسة، حدَّثنا أبو عامر، عن زمعة -هو
_________________
(١) - المسند (٤/ ١٥) (١٦٢٥٦)، ورواه أَبو داود في كتاب المناسك (الحج)، باب: من لم يدرك إلا عرفة، من طريق مسدد، ثنا يحيى، عن إسماعيل، ثنا عامر، عن عروة به. (٢/ ١٩٦) حديث (١٩٥٠). والترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر به. (٣/ ٢٣٨) حديث (٨٩١). وقال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والنَّسائي في كتاب مناسك الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح .. من طريق سعيد بن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن إسماعيل وداود وزكريا به. (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب - من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، في سننه (٢/ ١٠٠٤) حديث (٣٠١٦). وابن حبان كما في الموارد (١٠١٠).: ابن الجارود في المنتقى (٤٦٧). والبيهقي في الكبرى (٦/ ١١٥). والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٩) حديث (٣٧٧) - (٣٩٤). والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٠٨). وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (١٠٦٦)، وصححه في صحاح السنن المذكورة.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٣) رقم (٣٧٩٤).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٤) رقم (٣٧٩٦).
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٣) رقم (٣٧٩٥). [¬١]- في خ: "﵇". [¬٢]- في ز: "أن". [¬٣]- في خ: "فسمي". [¬٤]- في خ "وأبي عمرو". [¬٥]- في ر: "الحالال". في خ "الحلال". [¬٦]- في ر "الشرج التوابل .. خ "السرج التوابل".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ابن صالح - عن سلمة -هو ابن وَهْرام [¬١]- عن عكرمة على أبي عبَّاس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتَّى إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كأنها العمائم على رءوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله، ﷺ، الدفعة من عرفة حتَّى غربت الشمس.
ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس حتَّى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن [¬٢] الإِسناد.
وقال ابن جريج: عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله، ﷺ، وهو بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد" - وكان إذا خطب خطبة قال: "أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الاكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، [وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها] [¬٣] وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك".
هكذا رواه ابن مردويه وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه (^١١٥٦)، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬٤]، عن عبد الوارث [¬٥] بن سعيد، عن ابن جريج به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله، ﷺ، لا كما يتوهمه بعض [¬٦] أصحابنا أنَّه ممن له رؤية بلا سماع.
وقال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي [¬٧]، عن المعرور بن سويد قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه، رجلًا [¬٨] أصلع على بعير له يُوضِع (٥) وهو يقول: إنا وجدنا الإِفاضة هي الإِيضاع.
وفي حديث جابر بن عبد الله (الطويل) الذي في صحيح مسلم (^١١٥٧) قال فيه: (فلم يزل
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٧٧).
(٢) - صحيح مسلم، يب الحج، باب: حجة النبي ﷺ، الحديث (١٢١٨). [¬١]- في ز، خ: "وهدام". [¬٢]- في خ: "أحسن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "المعيشي". [¬٥]- في ز، خ: "الرزاق". [¬٦]- في ز، خ: "رعاع". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ر: "رجل". (*) يقال:، ضع البعير يضع، وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله على سرعة السَّير. النهاية [٥/ ١٩٦].
[ ٢ / ٢٥٦ ]
واقفًا -يعني بعرفة- حتَّى غربت [¬١] الشمس وذهبت [¬٢] الصفرة قليلًا حتَّى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله، ﷺ، وقد شنق [¬٣] للقصواء الزمام، حتَّى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس! السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال آرخى لها قليلًا حتَّى تصعد، حتَّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع، حتَّى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحده فلم يزل واقفا حتَّى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس).
وفي الصحيحين [¬٤] (^١١٥٨) عن أسامة بن زيد أنَّه سئل: كيف كان يسير [¬٥] رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو انبساط السير، والنص [¬٦] فوقه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أَبو محمد بن بنت الشَّافعي فيما كتب إليَّ، عن أبيه أو عمه [¬٧]، عن سفيان بن عيينة. قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا.
وقال أَبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام فسكت، حتَّى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.
وقال عبد الرزاق (^١١٥٩): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم؛ قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: السير إذا دفع من عرفة، الحديث (١٦٦٦)، وفي الجهاد، باب: السرعة في السير، حديث (٢٩٩٩)، وفي المغازي، باب حجة الوداع، حديث (٤٤١٣)، ومسلم في الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. . حديث (١٢٨٦).
(٢) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٧، ١٧٨) من طريق عبد الرزاق، به. [¬١]- في خ: "عربت". [¬٢]- في ز: "وبدت". [¬٣]- في ز، خ: "سبق". وشنق؛ أي: ضمّغ وضيَّق. [¬٤]- في ز: "الصحيح". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "والعنق". [¬٧]- في ز: "عمر".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وقال هُشَيم: عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله.
وقال عبد الرزاق (^١١٦٠): أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم؛ قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء؟ كل ما هاهنا مشعر.
وروي عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس والحسن، وقَتَادة؛ أنَّهم قالوا: هو ما بين الجبلين.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت [¬١] من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزمي [¬٢] عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس.
(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنَّما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلَّا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشَّافعي، منهم: القفال وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشَّافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟
في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك: عن سفيان الثَّوري، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله، ﷺ، قال: "عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرنة [¬٣]، وجمع كلها موقف إلَّا محسرًا". هذا حديث مرسل.
وقد قال الإِمام أحمد (^١١٦١): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان
_________________
(١) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٧، ١٧٨) من طريق عبد الرزاق، به.
(٢) - المسند (٤/ ٨٢) (١٨٨٠١، ١٨٨٠٢). والحديث أخرجه ابن حبان كما في الموارد (حديث ١٠٠٨). والطبراني (٢/ ١٨٣) حديث (١٥٨٣١). والبيهقي (٥/ ٢٣٩). وابن حزم في المحلى (٧/ ١٨٨). وسليمان بن موسى: صدوق، في حديثه بعض بين، وخلط قبل موته بقليل. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٨): رواه أحمد وروى الطبراني في الأوسط عنه: "أيام التشريق كلها ذبح" ورجال أحمد وغيره ثقات. ا هـ. وقال (٣/ ٢٥٤): ورواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير؛ إلَّا أنه قال: "وكل فجاج مكة منحر". ورجاله موثقون. ا هـ. [¬١]- في خ. "أفضيت". [¬٢]- في خ: "مأزما". [¬٣]- في ز: "عرجه"، خ: "عرفه".
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ابن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي، ﷺ، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرفة [¬١]، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة مَنْحَر، وكل أيام التشريق ذبح".
وهذا أيضًا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا - وهو الأشدق - لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد -[ابن لجبير] [¬٢]- ابن مطعم، عن أبيه، [وقال سويد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه] [¬٣]، عن النبي، ﷺ، فذكره، والله أعلم.
وقوله: " ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله [¬٤] به عليهم، من الهداية والبيان، والإِرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإِبراهيم الخليل، ﵇؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدي، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول والكل متقارب ومتلازم وصحيح.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته.
وقال البخاري (^١١٦٢): حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا محمد بن حازم، حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كانت [¬٥] قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحُمْس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله نبيه، ﷺ، أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
_________________
(١) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (٤٥٢٠). [¬١]- في ز، خ: "عرفات". [¬٢]- في خ: "عن ابن جبير". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "كان".
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وكذا قال ابن عبَّاس ومجاهد وعطاء قَتَادة والسدي وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإِجماع [﵏] [¬١].
وقال الإمام أحمد (^١١٦٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي، ﷺ واقف، قلت: إنَّ هذا من الحُمْس ما شأنه هاهنا؟.
أخرجاه في الصحيحين ثم رواه [¬٢] البخاري (^١١٦٤)، من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبَّاس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم. وحكاه ابن جرير عَن الضحاك بن مزَاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم ﵇. وفي رواية عنه: الإِمام [¬٣]. قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله، ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله [¬٤] ثلاثًا (^١١٦٥). وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين (^١١٦٦).
وقد روى ابن جرير (^١١٦٧) ها هنا حديث [العباس] [¬٥] بن مرداس السلمي في استغفاره ﷺ، لأمّته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة.
_________________
(١) - المسند (٤/ ٨٠)، وصحيح البخاري، كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة برقم (١٦٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب: في الوقوف، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (١٢٢٠).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (٤٥٢١).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته حديث (٥٩١) من حديث ثوبان.
(٤) - ورد ذلك عن جمع من الصحابة من ذلك ما أخرجه البخاري في الأذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث (٨٤٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته حديث (٥٩٥) من حديث أبي هريرة.
(٥) - تفسير الطبري (٤/ ١٩٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- في خ: "روى". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "ابن عبَّاس".
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم؛ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة" (^١١٦٨).
وفي الصحيحين (^١١٦٩) - عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ لقال [¬١]: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾
يأمر تعالى بذكره والإِكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبيه أمّه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمّه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار حديث (٦٣٠٦). وطرفه حديث (٦٣٢٣).
(٢) - صحيح البخاري كتاب التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الحديث (٧٣٨٧) ٧٣٨٨)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر حديث (٢٧٠٥). [¬١]- في ز: "قال".
[ ٢ / ٢٦١ ]
على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال ابن أبي حاتم: [وروي السدي، عن] [¬١] أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى روايتيه، ومجاهد والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا [¬٢] عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله، ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله أو أشدّ ذكرًا على التمييز: تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و"أو"هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ [¬٣] إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فليست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإِجابة، وذمّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: [﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾] [¬٤] مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] [¬٥] فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة [¬٦] فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن [¬٧] الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من [¬٨] الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "وروي عن". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في خ: "فأرسلناه". [¬٤]- في ز، خ: "ومنهم". [¬٥]- في ز: بياض، وسقط من: خ. [¬٦]- في ز: "الأخرى". [¬٧]- في خ: "وإن". [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.
وقال القاسم أبو عبد الرحمن: من أُعْطِي قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال [¬١] البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي، ﷺ، يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (^١١٧٠).
وقال الإمام أحمد (^١١٧١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب [] [¬٢] [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟ قال: يقول] [¬٣]: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه، و] [¬٤] رواه مسلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السهلام بن شداد -يعني أبا طالوت- قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم ربنا [¬٥]؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وتحدّثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال: يا أبا حمزة، إنّ إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم، فقال: أتريدون [¬٦] أن أشقق لكم [] [¬٧] الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله.
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً …﴾ الحديث (٤٥٢٢)، وأخرجه في كتاب الدعوات، باب: قول النبي ﷺ: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" حديث (٦٣٨٩) عن مسدد عن عبد الوارث به.
(٢) - المسند (٣/ ١٠١)، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء حديث (٢٦٩٠) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الاستغفار حديث (١٥١٩) من طريق إسماعيل بن علية به. [¬١]- في خ: "وقال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "عن أنس". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: م. [¬٦]- في خ: "تريدون". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: "من".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وقال أحمد أيضًا (^١١٧٢): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد [عبد الله بن بكر السهمي حدثنا حميد] [¬١] عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله، ﷺ: "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم كنت أقول: اللهم، ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه [¬٢] فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " قال: فدعا الله فشفاه.
انفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث ابن أبي عدي، به.
وقال الإِمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القدّاح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله [بن السائب] [¬٣]؛ أنه سمع النبي، ﷺ، يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: " ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^١١٧٣). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.
وروى ابن ماجة (^١١٧٤)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، نحو ذلك، [وفي سنده ضعف، والله أعلم] [¬٤].
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم في الذكر، والدعاء والتوبة حديث (٢٦٨٨)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث (٣٤٨٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣) من طريق حميد الطويل به.
(٢) - رواه البغوي في شرح السنة (٧/ ١٢٨) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠١) "موارد" من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج به نحوه.
(٣) - سنن بن ماجة كتاب المناسك، باب: أفضل الطواف حدث (٢٩٥٧)، وابن عدي في الكامل، وفي إسناده حميد بن أبي سوية، ويقال: ابن أبي سويد، قال ابن عدي: "حدث عنه إسماعيل بن عياش - منكر الحديث". وحميد هذا مكي وابن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "تستطيقه". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وقال الحاكم في مستدركه (^١١٧٥): أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم [¬١] البطين، عن سعيد بن جبير؛ قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال [¬٢]: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾
قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر.
وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير في [¬٣] أيام التشريق بعد الصلوات المكتوباب: الله أكبر الله أكبر.
وقال الإمام أحمد (^١١٧٦): حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي [¬٤] أيام أكل وشرب [] [¬٥].
وقال الإمام [¬٦] أحمد أيضًا (^١١٧٧): حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله". ورواه [¬٧] مسلم أيضًا، وتقدّم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٧٧).
(٢) - المسند (٤/ ١٥٣) وأخرجه أبو داود في الصوم، باب صيام أيام التشريق حديث (٢٤١٩)، والترمذي، في الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق حديث (٧٧٣)، والنسائي في مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة (٥/ ٢٥٢) من طريق موسى بن علي به.
(٣) - المسند (٥/ ٧٥)، صحيح مسلم، كتاب الصيام برقم (١١٤١). [¬١]- في خ: "سالم". [¬٢]- في خ: "قال". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "هي". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "وذكر الله". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "رواه".
[ ٢ / ٢٦٥ ]
التشريق كلها ذبح". وتقدم أيضًا [¬١] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
وقال ابن جرير (^١١٧٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وخلاد بن أسلم؛ قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو [¬٢] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الذ عليه رسلم، [قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر الله".
وحدثنا خلّاد بن أسلم (^١١٧٩)، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم،] [¬٣] بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: "لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ﷿".
وحدثنا يعقوب (^١١٨٠)، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري؛ قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه رسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق، فقال: "إن هذه الأيام [¬٤] أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي".
زيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هشيم (^١١٨١): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار، أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم، بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام [¬٥] أكل وشرب وذكر الله".
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٢١١) (٣٩١١)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٩) عن هشيم به، وفي (٢/ ٣٨٧) عن عفان، عن أبي عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة به، وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق حديث (١٧١٩) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به كلهم بلفظ: "أيام منى أيام أكل وشرب".
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٢١١) (٣٩١٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥١٣، ٥٣٥) والنسائي في (الكبرى)، والطحاوي (١/ ٤٢٨) عن روح به.
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ١٠١) (٣٤٧١)، (٤/ ٢١٣) (٣٩١٥) وهو مرسل وسفيان بن حسين ثقة لكن ضعفوه في الزهري.
(٤) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢١٢) (٣٩١٤) عن يعقوب عن هشيم به. وهو مرسل. وقد وصله النسائي في الكبرى من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ به. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٥)، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب: تأويل قوله ﷿: ﴿قَالتْ = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: م. [¬٥]- في ز: "الأيام".
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقال هشيم (^١١٨٢)، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة؛ قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن صوم أيام التشريق، قال: "هي [¬١] أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال محمد بن إسحاق (^١١٨٣)، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني [¬٢] أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله، ﷺ، البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار، وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله [¬٣].
وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام [¬٤] بعده.
وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، وإبراهيم النخعي، [ويحيى بن أبي كثير] [¬٥] والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، مقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم مثل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها. والقول الأوّل هو المشهور، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر.
_________________
(١) = الْأَعْرَابُ آمَنَّا. .﴾ (٨/ ١٠٤) وابن خزيمة (٢٩٦٠) من طريق عمرو بن دينار، عن نافع، عن بشر بن سحيم أن رسول الله ﷺ خطب أيام التشريق فقال: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب" وأخرجه أحمد (٥/ ٤١٣)، (٤/ ٣٣٥) والنسائي في الكبرى، وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق حديث (١٧٢٠) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن بشر به.
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢١٢) (٣٩١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢٨) من طريق أبي المليح، عن عائشة به وصحح العلامة أحمد شاكر إسناده.
(٣) - رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٢١٤) (٣٩١٦) من طريق ابن علية عن ابن إسحاق له. وأخرجه ابن خزيمة (٢١٤٧) والحاكم (١/ ٤٣٤، ٤٣٥) من طريق عبد الأعلى عن ابن إسحاق به. وأخرجه أحمد (١/ ٩٢) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم به، وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند. [¬١]- في خ: "وهي". [¬٢]- في ز، خ: "فكأني". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: م. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم أن [¬١] الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات والمطلق في سائر الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء؛ أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني (^١١٨٤) ولكن لا يصح مرفوعًا، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرًا.
ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره (^١١٨٥): " إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمى الجمار، لإِقامة ذكر الله ﷿". [ولما ذكر الله تعالى النفر الأوّل والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾] [¬٢].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله، ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه- الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في [¬٣] ذم المنافقين ومدح خبيب [¬٤]
_________________
(١) - سنن الدارقطني (٢/ ٤٩، ٥٠) من طرق عن جابر ﵁.
(٢) - سنن أبي داود كتاب المناسك، باب: في الرمل، حديث (١٨٨٨) عن عائشة، وأخرجه أحمد (٦/ ٦٤، ٧٥، ١٣٨)، والترمذي (٩٠٢)، وابن خزيمة (٢٧٣٨، ٢٨٨٢، ٢٩٧٠). [¬١]- في ز، خ: "وأن". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "خبيبًا".
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وأصحابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
[وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير (^١١٨٦): حدّثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف -وهو البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون ولي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية.
وحدّثني محمد بن أبي معشر (^١١٨٧)، أخبرني أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله، قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (ويَشهد الله) بفتح الياء وضم الجلالة، ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أن هذا لان أظهر لكم الحيل، لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ] [¬١]
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٢٣٢) (٣٩٦٥).
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٢٣١) (٣٩٦٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (^١١٨٨)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف، وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة: الأعوج. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر كما ثبت في الصحيح (^١١٨٩) عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وقال البخاري (^١١٩٠): حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان، عن ابنِ جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم".
قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدَّثنا سفيان، حدَّثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (^١١٩١).
وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم" (^١١٩٢).
وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب] [¬١]
_________________
(١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٣٠) (٣٩٦٢).
(٢) - تقدم في تفسير الآية ١٧٧.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب (وهو ألد الخصام) حديث (٤٥٢٣)، وفيه: "أبغض الرجال. .. إلى آخر الحديث دون حرف التوكيد (إن) ". وأخرجه في كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، حديث (٢٤٥٧)، وفي كتاب الأحكام، باب الألد الخصم حديث (٧١٨٨)، ومسلم في كتاب العلم، حديث (٢٦٦٨) من طريق ابن جريج به.
(٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عقب الحديث (٤٥٢٣).
(٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي ها هنا هو القصد كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلي الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار".
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار،] [¬١] والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا [¬٢] منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق- امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ [¬٣] عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال [¬٤] ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فعل، فتخلص [¬٥] منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع! فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "إفسادًا". [¬٣]- في خ: "يتلى". [¬٤]- في ز، خ: "وقال". [¬٥]- في ز: "ويخلص".
[ ٢ / ٢٧١ ]
الآية، ويروى أنّ رسول الله، ﷺ، قال له: "ربح البيع صهيب! ربح البيع صهيب! ".
قال ابن مردويه (^١١٩٣): حدَّثنا محمد بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن عبد الله [بن رسته،] [¬١] حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدَّثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلي النبي، ﷺ، قالت لي قريش: يا صهيب، قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني؟ قالو!: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي، ﷺ، فقال: "ربح صهيب! ربح صهيب! " مرتين.
وقال حماد بن سلمة (^١١٩٤)، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي، ﷺ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل (*) [¬٢] ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش؛ قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي كل [¬٣] سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي [¬٤] بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي، ﷺ، قال: "ربح البيع! ربح البيع! "، قال: ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وأمّا الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
_________________
(١) - ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٢٧) عن هوذة، عن عوف، عن أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبًا … فذكر نحوه، ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥١) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكر نحو القصة. وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٠٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٢) من طريق سعيد بن المسيب عن صهيب نحوه.
(٢) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٦٨) (١٩٣٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥١) من طريق حماد بن سلمة به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "وانتشل". [¬٣]- في ت: "بكل". [¬٤]- في ز: "وقينتى"، خ: "وفتيتي". والقنية: ما يكتسب ويدخر. (*) أي: أخرج ما فيها من سهام.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾
يقول الله [¬١] تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي: عن ابن عباس ومجاه د، وطاوس والضحاك، وعكرمة وقتادة، والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإِسلام.
وقال الضحاك -عن ابن عباس- وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْم﴾ يعني: الطاعة، وقال قتادة أيضًا: الموادعة [¬٢].
وقوله: (كافة) قال ابن عباس ومجاهد، وأبو العالية وعكرمة، والربيع [بن أنس] [¬٣]، والسدي ومقاتل بن حيان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: اي: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر [¬٤] ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله، ﷺ، في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإِسلام، والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، [إذ يبعد] [¬٥] أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإِسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم أمروا كلهم [¬٦] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإِسلام، وهي كثيرة جدًّا، ما استطاعوا منها، كما قال [¬٧] ابن أبي حاتم (^١١٩٥): أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٦٩) (١٩٤٤). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- بياض في: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "نفس". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "ويبعد". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: "وقال".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ابن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين [¬١] ببعض أمور [¬٢] التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد، صلي الله عليه رسلم، ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم الإِيمان [¬٣] بالتوراة وما فيها.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، و﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال مطرف: أغش [¬٤] عباد الله لعبيد الله الشيطان.
وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز [] [¬٥] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾
يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني يوم القيام؛ لفصل القضاء بين الأوّلين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية.
وقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير -ها هنا- حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة عن رسول الله، صلي الله عليه رسلم، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد
_________________
(١) [¬١]- في خ: "متمسكين". [¬٢]- في ز، خ: "أمر". [¬٣]- في ز، خ: "بالإيمان". [¬٤]- في خ: "الغش". [¬٥]- في ت: أي.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا [¬١] لموقفهم في العرصات، تشفعوا [¬٢] إلي ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعد [¬٣]، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ فإذا جاءوا إليه قال: "أنا لها، أنا لها"، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل [¬٤] القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشقّ السماء الدنيا، وينزل من فيها من [¬٥] الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلي السابعة، وينزل حملة [¬٦] العرش والكروبيون. قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من [¬٧] تسبيحهم يقولون: سبحان [ذي الملك والملكوت!] [¬٨] سبحان رب العرش والجبروت سبحان الحى الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه، أبدًا أبدًا (^١١٩٦).
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه -هاهنا- أحاديث فيها غرابة، والله أعلم، فمنها ما رواه: من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة [¬٩]، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: "يجمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا، شاخصة أبصارهم إلي السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (^١١٩٧).
وقال [¬١٠] ابن أبي حاتم (^١١٩٨): حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٢٦٦، ٢٦٨) (٤٩٣٩) قال: حدثنا أبو كريب، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، من رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة به مرفوعًا، وإسناده ضعيف جدًّا لضعف إسماعيل بن رافع، والراوي عن محمد بن كعب مبهم. وسيأتي الحديث مرة أخرى في تفسير الآية (٧٣) من سورة الأنعام. وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على تفسير الطبري (٤/ ٢٦٨).
(٢) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٤١٦، ٤١٧) من طريقين عن المنهال بن عمرو به مطولًا.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٢) (١٩٥٨). [¬١]- في ز، خ: "أقيموا". [¬٢]- في ز، خ: "يشفعوا". [¬٣]- في ز، خ: "بعدهم". [¬٤]- في ز: "بفصل". [¬٥]- في ز: "ما". [¬٦]- في ز: "عليه"، خ: "عليهم". [¬٧]- في ز: "في". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: "االملك ذي الملكوت". [¬٩]- في ز، خ: "مسعود". [¬١٠]- في ز، خ: "قال".
[ ٢ / ٢٧٥ ]
معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدّث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.
قال (^١١٩٩): وحدّثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام: منظوم [من الياقوت] [¬١] مكلل بالجوهر والزبرجد.
وقال ابن أبي نجيح (^١٢٠٠): عن مجاهد ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.
وقال أبو جعفر الرازي (^١٢٠١): عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات [¬٢]: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)، وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَينَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم [¬٣] شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه [¬٤] فيما جاءهم به، كـ: يده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربة الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٣) (١٩٦٢).
(٢) - أخرجه ابن جرير (٤/ ٢٦٣) (٤٠٣٤)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٢) (١٩٦١) من طريق ابن أبي نجيج به.
(٣) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٣) (١٩٦٣) بسنده إلى أبي جعفر الرازي. [¬١]- في ز، خ: "بالياقوت". [¬٢]- في ز، خ: "القراءة". [¬٣]- في ز: "قد". [¬٤]- في ز: "على صدقه".
[ ٢ / ٢٧٦ ]
منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرًا [¬١] أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها [¬٢] والإِعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تَعالي إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن [¬٣] مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه [¬٤] ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد، والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم، ومنشرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقرّوا في الدرجات في أعلي عليين، وخلد اُولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاءً كثيرًا جزيلًا بلا حصر، ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: "ابن آدم أنفق، أنفق عليك" (^١٢٠٢)، وقال النبي ﷺ: "أنفق بلال [¬٥] ولا تخش من ذي العرش إقلالًا [¬٦] " (^١٢٠٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وفي الصحيح: "أن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] [¬٧]، كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا [¬٨] خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا [¬٩]، تلفًا"، وفي الصحيح (^١٢٠٤): " يقول ابن آدم: مالي مالي،
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ حديث (٤٦٨٤)، وفي التوحيد باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. .. حديث (٩٦٧٤)، ومسلم في كتاب الزكاة حديث (٩٩٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٢) من طريق يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥١).
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق حديث (٢٩٥٩) من حديث عبد الله بن الشخير. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٤، ٢٦)، والترمذي في كتاب الزهد حديث (٢٣٤٢)، وفي كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التكاثر حديث (٣٣٥٤). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- في خ: "من". [¬٤]- في ز: "وبذلوا". [¬٥]- في ز: "بلالًا". [¬٦]- في ت: "إجلالًا". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز: "منفق". [¬٩]- في ز: "ممسك".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
[وهل لك من مالك] [¬١] إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس".
وفي مسند الإِمام أحمد عن النبي، ﷺ، أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (^١٢٠٥).
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾
قال ابن جرير (^١٢٠٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم علي شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا).
ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث بندار، [] [¬٢] محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإِسناد [¬٣] ولم يخرجاه.
وكذا روى أبو جعفر الرازي (^١٢٠٧): عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).
_________________
(١) - المسند (٦/ ٧١) (٢٤٥٣٠) من حديث حسين بن محمد، قال: ثنا دويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عائشة ﵂. وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٨) لأحمد وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة".
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٢٧٥) (٤٠٤٨)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٦، ٥٤٧) عن أبي نصر الخفاف، عن أحمد بن سلمة، عن محمد بن بشار به.
(٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٧، ٢٧٨) (٤٠٥٤). [¬١]- في ز، خ: "وإن مالك من مالك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "عن". وهي زيادة مقحمة. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وقال عبد الرزاق (^١٢٠٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ فكان أوّل نبي بُعِثَ نوحًا، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولًا.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأوّل عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇ حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم [¬١] على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال عبد الرزاق (^١٢٠٩): حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [في قوله]: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية، قال: قال النبي، ﷺ: "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [¬٢]، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى".
ثم رواه عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقال ابن وهب (^١٢١٠): عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ
_________________
(١) - تفسير عبد الرازق (١/ ٩٩) ومن طريقه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٦) (٤٩٤٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٦) (١٩٨٥).
(٢) - أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٧٤)، عن عبد الرزاق به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٤٩)، ومسلم في كتاب الجمعة حديث (٨٥٥) من طريق الأعمش به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٤) والنسائي في الكبرى من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه البخاري في الجمعة، باب: هل على من لم يشهد الجمعة الغسل. . الحديث (٨٩٦) وفي أحاديث الأنبياء باب: ٥٤ حديث (٣٤٨٦).
(٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٨٤) (٤٠٦١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٨) = [¬١]- في ز: "بعض". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾: فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا [¬١]، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، للحق من ذلك.
وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأوّل الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
وفي قراءة أبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم [وبما هداهم] [¬٢] له؛ قاله [¬٣] ابن جرير ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة [¬٤] والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم [¬٥] عن عائشة (^١٢١١): أن رسول الله، ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات
_________________
(١) = (١٩٩٤) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب به.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٧٧٠)، ولم أقف على هذا الحديث في صحيح البخاري. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "بإهداهم". [¬٣]- في خ: "قال". [¬٤]- في ز: "الحكم". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا".
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾
يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا، وتختبروا، وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض، والأسقام، والآلام، والمصائب، والنوائب.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومرّة الهَمداني [¬١]، والحسن [¬٢] وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الففر [] [¬٣] ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت (^١٢١٢) قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا فقال: "إن من كان قبلكم [كان أحدهم] [¬٤]، يوضع المنشار [¬٥] علي مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، [ويمشط بأمشاط] [¬٦]، الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم قال [¬٧]: "والله، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٦١٢)، وفي مناقب الأنصار باب: ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة حديث (٣٨٥٢)، وفي كتاب الإكراه، باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر حديث (٦٩٤٣) من حديث قيس عن خباب به. [¬١]- في ت: "الهمذاني". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "قال ابن عباس". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "الميشار". [¬٦]- في خ: "ويوشر بميشار". [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨١ ]
غنمه، ولكنكم قوم [¬١] تستعجلون".
وقال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقد حصل من هذا جانب عطيم للصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في يوم الأحزاب كما قال
الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ الآيات.
ولما سأل هرقل أبا سفيان (^١٢١٣): هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت [¬٢] الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة [¬٣].
وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج، والمخرج عند ضيق الحال والشدّة. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، [وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقُرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب" (^١٢١٤) - الحديث] [¬٤].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى
_________________
(١) - حديث هرقل رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي برقم (٧) من حديث ابن عباس.
(٢) - رواه أحمد (٤/ ١١، ١٢) (١٦٢٣٥) (١٦٢٤٩) وأخرجه ابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٤) حديث (١٨١) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد به. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٧) حديث (٤٦٩). وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد فيه مقال، وكيع ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره الذهبي في الميزان، وباقي رجاله احتج بهم مسلم. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "كان". [¬٣]- في خ: "العافية". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾
قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوّع، وقال السدي: نسختها الزكاة وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس، ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: اصرفوها في هذه الوجوه، كما جاء في [¬١] الحديث: "أمّك، وأباك، [وأختك، وأخاك] [¬٢] ثم أدناك أدناك" (^١٢١٥) وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدًا [¬٣] مثقال ذرة.
﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإِسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب [¬٤] علي كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.
(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو - مات ميتة جاهلية" (^١٢١٦)، وقال ﵇ يوم الفتح: "لا هجرة [بعد الفتح] [¬٥]،
_________________
(١) - جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٦) من طريقين عن أبي رمثة التميمي. وجزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٦٤)، (٥/ ٣٧٧) عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع.
(٢) - أخرجه مسلم في الإمارة حددث (١٩١٠)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، حديث (٢٥٠٢)، والنسائي في الجهاد، باب: التشديد في ترك الجهاد (٦/ ٨) من حديث أبي هريرة. [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ت: "وجب". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (^١٢١٧).
وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك؛ فإنه إما أن يقتل، أو يجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم وذراريهم، وأولادهم.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاءُ العدو علي البلاد والحكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
قال ابن أبي حاتم (^١٢١٨): حدَّثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن رسول
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة حديث (١٨٣٤)، وفي الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير حديث (٢٧٨٣)، وفي باب: وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية، حديث (٢٨٢٥)، ومسلم في كتاب الحج، حديث (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٤) (٢٠٢٢)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧) (٤٠٨٤)، والبيهقي في سننه (٩/ ١١، ١٢) من طريق المعتمر به.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الله، ﷺ، بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [¬١]، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله، ﷺ، فجلس [فحبسه] [¬٢]، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك"، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.
وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله، ﷺ، بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي [¬٣] حليف لبني [¬٤] نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل [¬٥]، فلما نزل بطن ملل [¬٦] فتح الكتاب، فإذا فيه: "أن سر، حتى تنزل بطن نخله (*) "، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلي الله عليه رسلم، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا بحران [¬٧] يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] [¬٨] وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب [النبي] ﷺ.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين [¬٩] وما أصابوا من المال أراد [¬١٠] أهل مكة أن يفادرا الأسيرين [فقال النبي ﷺ: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر] [¬١١] عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله،
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "الحارث". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "السليمي". [¬٤]- في ز، خ: "أبي". [¬٥]-[¬٦]- في ت: "نخلة". وملل: موضع بين مكة والمدينة، على بعد سبعة عشر ميلًا من المدينة. (*) بطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة. معجم البلدان [١/ ٥٥٣]. [¬٧]- في ز: "بحوبان". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز: "بأسيرين". [¬١٠]- في خ: "أرادوا". [¬١١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: [¬١] في أول [ليلة من] [¬٢] رجب وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، فأنزل [¬٣] الله يعير اُهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد، ﷺ، وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا، ﷺ، وأصحابه [¬٤] أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي: عن ابن عباس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدّوا رسول الله، ﷺ، وردوه عن المسجد في شهر حرإم، قال [¬٥]: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون علي رسول الله، ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا، ﷺ وبعث سرية، فلقوا عمرو [¬٦] بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد، ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد، ﷺ، والشرك أشد منه.
وهكذا روى أبو سعيد البقال [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلي آخر الآية.
وقال عبد الملك بن هشام -راوي السيرة- عن زياد بن عبد الله البكائي [¬٨]، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀ في كتاب السيرة له أنه قال: وبعث [¬٩] رسول الله، صلي الله
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "وقتل". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "وأنزل". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، وبياض في خ. [¬٦]- في ز: "عمر". [¬٧]- في ز، خ: "المنهال". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في ز: "يعني".
[ ٢ / ٢٨٦ ]
عليه وسلم، عبد الله بين جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية [¬١] رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش [] [¬٢] من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرْثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني [¬٣] زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني [كعب بن عدي بن] [¬٤]، عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز [¬٥] ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين [¬٦] بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه [¬٧] فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع! فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي [-واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصَّدِف-] [¬٨]، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد
_________________
(١) [¬١]- في ز: "ثماني". [¬٢]- في ز، خ: "خمس." [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "عدي بن كعب". [¬٥]- في خ: "غير". [¬٦]- في خ: "عزير". [¬٧]- سقط من خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به [¬١]، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهُمْ في الشهر الحرام، فتردّد القوم وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على [¬٢] قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان [وأفلت القوم نوفل بن عبد الله] فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير، والأسيرين حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله، ﷺ، مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله [¬٣] الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله، ﷺ، خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله، ﷺ، قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله، ﷺ، أسْقِط في أيدي القوم، وظنوا [¬٤] أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت اليهود [¬٥]- تفاءلوا بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، [عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله] [¬٦] وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله علي رسول [¬٧] الله ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن [¬٨] دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "فظنوا". [¬٥]- في ز، خ: "يهود". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ز، خ: "رسوله". [¬٨]- في ت: "في".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
أكبر عند الله من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدّة [¬١]، قبض رسول الله، ﷺ، [وآله وسلم] العير والأسيرين، وبعثت [¬٢] إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله، ﷺ: "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا" -يعني: سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان- "فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم"، فقدم سعد وعتبة، ففداهما [¬٣] رسول الله، ﷺ، منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله، ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش، وأصحابه ما كانوا [¬٤] [فيه حين] [¬٥] نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أنّ تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فوضعهم [¬٦] الله من ذلك على أعظم الرجاء، قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة.
وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه نحو ذلك.
وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (^١٢١٩).
ثم قال ابن هشام: عن زياد، عن ابن [¬٧] إسحاق، وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن الله
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٨، ١٩). [¬١]- في ز: "الشفق"، وسقط من: خ. [¬٢]- في ز: "وبعث". [¬٣]- في خ: "وأفداهما". [¬٤]- في ت: "كان". [¬٥]- بياض مكانها في ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "فوضع". [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماسه [¬١] لمن أفاءه وخُمسًا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (^١٢٢٠).
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (^١٢٢١).
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.
تعدون [¬٢] قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلٌّ من القِدِّ [¬٣] عاند [¬٤]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾
قال الإِمام أحمد (^١٢٢٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا،
_________________
(١) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٠٥).
(٢) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٠٥).
(٣) - المسند (١/ ٥٣) (٣٧٨)، وأخرجه أبو داود في الأشربة، باب: في تحريم الخمر= [¬١]- في ز، خ: "أخماس". [¬٢]- في خ: "يمدون". [¬٣]- في ت، خ: "القيد". [¬٤] في خ: "عايد".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَي﴾، فكان منادي رسول الله، ﷺ، إذا أقام الصلاة نادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا.
وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن [] [¬١]، قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم.
وقال علي بن المديني: هذا إسناد [¬٢] صالح صحيح [¬٣]. وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: (انتهينا): إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآيات.
فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل؛ كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم المام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا ينهنهها [¬٤] اللقاء
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كانُ يقمِّشُه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه، أو
_________________
(١) = حديث (٣٦٧٠)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٤٩)، والنسائي في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر (٨/ ٢٨٦) من طرق عن إسرائيل به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩) (٢٠٤٤) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند. [¬١]- في ت: "قد". [¬٢]- في ز، خ: "الإسناد". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ت: ينهنهنا.
[ ٢ / ٢٩١ ]
عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين؛ ولهذا قال [الله تعال] [¬١]: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وسيأتي الكلام علي ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال ابن عمر والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن [¬٢] هذه أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم [نزلت الآية] [¬٣] التي في [سورة] [¬٤] المائدة فحرمت الخمر.
وقوله: ﴿[] [¬٥] يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب.
قال ابن أبي حاتم (^١٢٢٣): حدثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبان، حدَّثنا يحيي: أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله، ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾.
وقال الحكم [¬٦] عن مقسم، عن ابن عباس ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ما يفضل عن أهلك.
وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد أنهم قالوا في قوله: ﴿قل العفو﴾: يعني الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٣) (٢٠٦٨). وإسناده منقطع، بين يحيي ومعاذ مفاوز. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز. [¬٥]- في خ: "و". [¬٦]- في ز: "الحاكم".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هوذة بن خلمِفة، عن عوف، عن الحسن، [في الآية] [¬١] ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ذلك ألا تجهد [¬٢] مالك ثم تقعد تسأل الناس.
ويدل علي ذلك ما رواه ابن جرير (^١٢٢٤): حدَّثنا علي بن مسلم، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: "أنفقه علي نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي أهلك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "فأنت أبصر".
وقد رواه مسلم في صحيحه.
وأخرج [¬٣] مسلم أيضًا عن جابر (^١٢٢٥): أنّ رسول الله، ﷺ، قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا".
وعنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، واليد العليا خير من اليد [¬٤] السفلي، وابدأ بمن تعول" (^١٢٢٦).
وفي الحديث أيضًا: "ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٣٤٠) (٤١٧٠)، وأخرجه الحميدي (١١٧٦)، وأحمد (٢/ ٢٥١، ٤٧١)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٧)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب: في صلة الرحم حديث (١٦٩١)، والنسائي في كتاب الزكاة، (٥/ ٦٢)، من طرق عن ابن عجلان به. وقول المصنف: "وقد رواه مسلم في صحيحه". وهم، وكذا قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه علي تفسير الطبري، وانظر تحفة الأشراف (٩/ ١٣٠٤١).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (٩٩٧)، وأخرجه أبو داود في كتاب العتق، باب في بيع المدبر حديث (٣٩٥٧) والنسائي في الزكاة، كتاب: أي الصدقة أفضل (٥/ ٦٩، ٧٠)، وفي البيوع، باب بيع المدبر (٧/ ٣٠٤) من حديث أبي الزبير عن جابر.
(٣) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى الحديث (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة، وأطرافه في (١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦)، وليس الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وإنما رواه مسلم في الزكاة (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢] في خ: "يجهد". [¬٣]- في ت: "وأخرجه". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
تلام على كفاف" (^١٢٢٧).
ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني، والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده ووعيده لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يعني: في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢٢٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن محمد الطنافسي، حدَّثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي قال: شهدت الحسن، وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها؛ ليعلم أن الدنيا دار بلاءٍ ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.
وهكذا قال قتادة، وابن جريج وغيرهما.
وقال عبد الرزاق (^١٢٢٩)، عن معمر، عن قتادة: لتعلموا [¬١] فضل الآخرة علي الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن جرير (^١٢٣٠): حدَّثنا سفيان بن وكيع، حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ انطلق
_________________
(١) - أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، حديث (١٠٣٦)، والترمذي في كتاب الزهد، باب: (٣٢) حديث (٢٣٤٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٢)، من حديث أبي أمامة.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٤) (٢٠٧٦).
(٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٤٨) (٤١٧٩)، ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٩٤) (٢٠٧٧) من طريق عبد الرزاق به.
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ٣٥٠) (٤١٨٣)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٥) (٣٠٠٢)، وأبو داود في = [¬١]- في ز، خ: "ليعلموا".
[ ٢ / ٢٩٤ ]
من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.
وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب، به.
وكذا رواه علي بين أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية؛ كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع [بن الجراح] [¬١] (^١٢٣١): حدَّثنا هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرَّة (*) [¬٢] حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.
فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: علي حدة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإِفساد أو الإِصلاح.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله [¬٣] لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطهم بالتي هي أحسن، [كما] [¬٤] قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف؛ إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر أو مجانًا كما سيأتي بيانه في
_________________
(١) = كتاب الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام حديث (٢٨٧١)، والنسائي في كتاب الوصايا، باب: ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه (٦/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٩٥) (٢٠٨١)، والحاكم (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي (٥/ ٢٥٨، ٢٥٩)، (٦/ ٥) من طريق عطاء بن السائب به.
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٥٥) (٤٢٠٠) عن أبي كريب، عن وكيع به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. (*) قال في النهاية: "هي القَذَر وعَذِرة الناس" [٣/ ٢٠٥]. [¬٢]- في ز: "عدة". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
سورة النساء إن شاء الله وبه الثقة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾
هذا تحريم من الله ﷿ علي المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن [¬١] كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ] [¬٢]﴾.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثني الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال [¬٣] مجاهد، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقيل: بل المراد بذلك المشركون [¬٤] من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.
فأمّا ما رواه ابن جرير (^١٢٣٢): حدّثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدَّثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله، ﷺ، عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات والمهاجرات، وحرّم كل ذات دين غير الإِسلام. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى هم أن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، لكني أنتزعهن منكم صَغَرة قَمَأة.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٤) (٤٢٢١)، وفي إسناده شهر بن حوشب وقد تكلم فيه. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "محصنات غير مسافحات". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "المشركين".
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر [غريب عن عمر] [¬١] أيضًا.
قال أبو جعفر بن جرير (^١٢٣٣) ﵀ بعد حكايته الإِجماع علي إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في السلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، حدَّثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، [فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟] [¬٢] فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات [¬٣] منهن.
وهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت نحوه.
وقال ابن جرير (^١٢٣٤): حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٤]، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان [¬٥] بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب [¬٦] قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.
قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول.
ثم قال (^١٢٣٥): وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرقي [¬٧]، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا".
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة [علي صحة القول] [¬٨] به، كذا قال ابن جرير ﵀.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٦) برقم (٤٢٢٣) وأخرجه البيهقي (٧/ ١٧٢) من طريق سفيان عن الصلت به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٦) (٤٢٢٢)، وأخرجه البيهقي في (٧/ ١٧٢) من طريق سفيان به.
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٧) (٤٢٢٤)، وإسناده فيه مقال؛ فإن الحسن مختلف في سماعه من جابر بن عبد الله، انظر جامع التحصيل ص (١٩٧). وتعليق الشيخ شاكر علي تفسير الطبري. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "عن عمر غريب". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "المؤمنات". [¬٤]- في ز: "المروي"، خ: "المروزي". [¬٥]- في ز: "شقيق". [¬٦]- في ز، خ: "وهيب". [¬٧]- في ز: "الأزرق". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر ابن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
[وقال البخاري (^١٢٣٦): وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى] [¬١].
وقال [أبو بكر] [¬٢] الخلال الحنبلي: حدَّثنا محمد بن [أبي] [¬٣] هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ح.
وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام [¬٤].
وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله، ﷺ، فأخبره خبرها [¬٥]، فقال له: "ما هي؟ "، قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: "يا [] [¬٦]، عبد الله، هذه مؤمنة"، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمته [¬٧]، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
وقال عبد بن حميد (^١٢٣٧): حدَّثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، عن [عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو] [¬٨]، عن النبي ﷺ قال: "لا
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول الله نعالي: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. . ..﴾ الحديث (٥٢٨٥).
(٢) - المنتخب من مسند عبد بن حميد (٣٢٨)، وأخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: تزويج ذات الدين حديث (١٨٥٩) من طريق عبد الرحمن المحاربي وجعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن زياد = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "الأوثان". [¬٥]- في ز، خ: "خبرها". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: "أبا". [¬٧]- في ز: "أمة". [¬٨]- في ز: عبد الله بن عمرو.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ولا تنكحوهن على أموالهن؛ فعسي أموالهن أن تطغيهن [¬١]، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل"، والإِفريقي ضعيف.
وقد ثبت في الصحيحين (^١٢٣٨)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، [ولحسبها، ولجمالها] [¬٢]، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" ولمسلم عن جابر مثله (^١٢٣٩)، وله عن [¬٣] ابن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (^١٢٤٠).
وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدًا حبشيًّا- خير من مشرك [¬٤]، وإن كان رئيسًا سريًّا، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطهم تبعث عل حب الدنيا، واقتنائها، وإيثارها علي الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشوعه، وما أمر به، وما نهي عنه ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
_________________
(١) = الأفريقي به. وإسناده ضعيف لضعف الأفريقي، وانظر زوائد ابن ماجة للبوصيري (٢/ ٧١).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين، حديث (٥٠٩٠)، ومسلم في كتاب الرضاع، حديث (١٤٦٦) من حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة به.
(٣) - أخرجه مسلم في كتب الرضاع حديث (٧١٥) (٥٤)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٢)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء أن المرأة تنكح على ثلاث خصال حديث (١٠٨٦)، والنسائي في باي النكاح، باب: علي ما تنكح المرأة (٦/ ٦٥)، وابن ماجة في كتاب النكاح باب: تزويج الأبكار حديث (١٨٦٠) من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر به.
(٤) - صحيح مسلم كتاب الرضاع حديث ٦٤ - (١٤٦٧) (١٠/ ٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو. [¬١]- في ز: "يطغيهن". [¬٢]- في ز: "وحسبها وجمالها". [¬٣]- في ز: "في". [¬٤]- في ز: "المشرك".
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾
قال الإِمام أحمد (^١٢٤١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا [¬١] إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي، ﷺ، النبي، ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله، ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله، ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما [¬٢] هدية من لبن إلى رسول الله، ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم بجد عليهما.
رواه مسلم من حديث حماد [] [¬٣] بن سلمة.
فقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: يعني الفرج؛ لقوله: "اصنعوا [¬٤] كل شيء إلا الجماع [¬٥] "، ولهذا ذهب كثير من العلماء -أو أكثرهم- إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.
قال أبو داود (^١٢٤٢) [] [¬٦]: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ: أن النبي، ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقي علي فرجها ثوبًا.
وقال أبو داود (^١٢٤٣) أيضًا [¬٧]: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله -يعني ابن عمر بن
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٣٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢).
(٢) - سنن أبي داود برقم (٢٧٢).
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢٧٠). [¬١]- في ز: "كانت" [¬٢]- في ز: "فاستقبلهما". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: ت: "بن يزيد". وهي زيادة مقحمة. [¬٤]- في خ: "افعلوا" [¬٥]- في خ: "النكاح". [¬٦]- في خ، ت: "أيضًا". [¬٧]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
غانم [¬١]- عن عبد الرحمن -يعني: ابن زياد- عن عمارة بن غُرَاب، أن [عمة له] [¬٢] حدّثته: أنها سألت عاشة فقالت [¬٣]: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ: دخل فمضى إلى مسجده -قال أبو داود: تعني مسجد بيتها- فما انصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد فقال: "ادني مني"، فقلت: إني حائض، فقال: "اكشفي عن فخذيك"، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه [حتى دفئ] [¬٤] ونام، ﷺ
وقال أبو جعفر بن جرير (^١٢٤٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهله. فقالت عائشة: [مرحبًا مرحبًا] [¬٥]. فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك، وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: له كل شيء إلا فرجها.
ورواه أيضًا (^١٢٤٥): عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن [¬٦]، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعكرمة.
وروى ابن جرير أيضًا (^١٢٤٦): عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار.
(قلت) [¬٧]: ويحل [¬٨] مضاجعتها، ومؤاكلتها بلا خلاف.
قالت عائشة (^١٢٤٧): كان رسول الله، ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه، وأنا
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٨) (٤٢٤٥).
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٧) (٤٢٤٢).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٨) (٤٢٤٦).
(٤) - أخرجه البخاري في كتاب الحيض، (٢٩٧). وطرفه في (٧٥٤٩). ومسلم في كتاب الحيض، (رقم: ٣٠١). [¬١]- بياض في ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ. [¬٣]- في ز: "قالت". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "بردتي". [¬٥]- في ز: "ابنَ عائشة". [¬٦]- في ز، خ: "حرس". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في ز: "وتحل".
[ ٢ / ٣٠١ ]
حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن.
وفي الصحيح (^١٢٤٨) عنها قالت: كنت أتعرق (٥) العِرْقَ، وأنا حائض، فأعطيه النبي، ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب، فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه [¬١].
وقال أبو داود (^١٢٤٩): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، [] [¬٢] سمعت خلاسًا [¬٣] الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار (**) الواحد، وأنا [¬٤] حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه [¬٥]-يعني ثوبه- شيء [¬٦] غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه.
فأما ما رواه أبو داود (^١٢٥٠): حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن أبي اليمان، عن أم ذرة [¬٧]، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال [¬٨] على الحصير، فلم نَقْرُبْ [¬٩] رسول الله، ﷺ، ولم نَدْنُ [¬١٠] منه حتى نطهر [¬١١]- فهو محمول على التنزه والاحتياط.
وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي، ﷺ، إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (^١٢٥١). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة
_________________
(١) - صحيح مسلم برقم (٣٠٠). (*) العرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. وتعرقت العظم وعرقته واعترقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
(٢) - سنن أبي داود برقم (٢٦٩). (**) الاعار: ما ولي جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب.
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢٧١).
(٤) - صحيح البخاري برقم (٣٠٣)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٤). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٣]- في ز: "خلاس". [¬٤]- في ز: "وإني". [¬٥]- في ز: "أصاب". [¬٦]- في ز: "شيئًا". [¬٧]- في خ: "درة". [¬٨]- بياض في ز، خ. [¬٩]- في ز، خ: "يقرب". [¬١٠]- في ز، خ: "يدن". [¬١١]- في ز، خ: "يطهر".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
نحوه (^١٢٥٢).
وروى الإِمام أحمد (^١٢٥٣)، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري: أنه سأل رسول الله، ﷺ: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: " [] [¬١] ما فوق الإِزار".
ولأبي داود أيضًا (^١٢٥٤) عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله، ﷺ، عما يحل لي من امرأتي وهي حائض. قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل"، وهو رواية عن عائشة كما تقدم، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وشريح.
فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل [] [¬٢] ما فوق الإِزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم. ومأخذهم [¬٣]: أنه حريم الفرج، فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر [¬٤] الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:
(أحدهما): نعم، لما رواه الإِمام أحمد (^١٢٥٥)، وأهل السنن: عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار، أو نصف دينار. وفي لفظ الترمذي: "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا [¬٥] كان دمًا أصفر فنصف دينار".
وللإمام أحمد أيضًا عنه: أن رسول الله، ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن [أصابها وقد] [¬٦] أدبر الدم [¬٧] عنها ولم تغتسل فنصف دينار.
_________________
(١) - صحيح البخاري حديث (٣٠٠)، وصحيح مسلم حديث (٢٩٣).
(٢) - المسند (٤/ ٣٤٢)، وسنن أبي داود برقم (٢١٢)، سنن الترمذي برقم (١٣٣)، وسنن ابن ماجة حديث (٦٥١).
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢١٣).
(٤) - المسند (١/ ٢٣٠)، وسنن أبي داود برقم (٢٦٦)، وسنن الترمذي برقم (١٣٦)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٨٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "لك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "له". [¬٣]- في ز "ومأخذه". [¬٤]- في ز: "ويستغفر". [¬٥]- في ز: "وإن". [¬٦]- في خ: "العلاء بن الحارث". [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث؛ فإنه قد روي مرفوعًا، كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع.
[] [¬١].
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب، وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول: منهم من يقول: إنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاءِ يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإِباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر. والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، [فإذا كان] [¬٢] واجبًا فواجب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو مباحًا فمباح كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرّد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.
وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم.
وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج،
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين جاء في ز، في هذا الموضع ما نصه [قال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ﴾ الآية، الطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله ﷺ في شعاره، دل ذلك على إنه إنما أراد الجماع]. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "فإن".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ولا تعدوه [¬١] إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك هذا [¬٢] فقد اعتدى.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: أن تعتزلوهن. وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا [إن شاء الله تعالى] [¬٣].
وقال أبو رَزين، وعكرمة، والضحاك، وغير واحد. ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى.
وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي [¬٤]: [كيف شئتم] [¬٥] مقبلة، ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.
قال البخاري (^١٢٥٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر [¬٦] قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ورواه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان الثوري به [¬٧].
وقال ابن أبي حاتم (^١٢٥٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك ابن أنس، وابن جريج، وسفيان بن سعيد الثوري: أنّ محمد بن المنكدر [¬٨] حدثهم: أن [¬٩] جابر بن عبد الله أخبره: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾، الحديث (٤٥٢٨)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، الحديث (١٤٣٥) من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر به.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥) (٢١٣٣)، وقد تقدم الحديث من طريق سفيان، وأخرجه الدارمي في كتاب النكاح، باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن حديث (٢٢٢٠) من طريق مالك به. وأخرجه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٣٠٦٤) من حديث ابن جريج به. [¬١]- في ز: "يعدوه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "المكندر". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في خ: "المكندر". [¬٩]- في ز، خ: "عن".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ: "مقبلة، ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج".
وفي [¬١] حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير ألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في المبيت"، الحديث (^١٢٥٨) رواه أحمد وأهل السنن.
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم (^١٢٥٩): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش [¬٢] بن عبد لله، عن عبد الله بن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله، ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب (*) النساء، فكيف ترى [في ذلك] [¬٣]؟ فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ] [¬٤] [أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
ورواه الإِمام أحمد (^١٢٦٠): حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا، رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: "ائتها على كل حال إذا كان في الفرج"] [¬٥].
(حديث آخر): قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد
_________________
(١) - أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣، ٥)، وأبو داود في النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها حديث (٢١٤٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٦٠) من طريق بهز بن حكيم به. وأخرجه أحمد (٤/ ٤٤٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١٣٩٥)، وابن ماجة (١٨٥٠) من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه به، دون قوله: "حرثك أئت حرثك أنَّى شئت".
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٤) (٢١٣٠)، ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٤١٣) (٤٣٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٣٧) من طريق ابن لهيعة به. (*) التجبية: هي أن يأتي الرجل المرأة منكبة على وجهها.
(٣) - مسند أحمد (١/ ٢٦٨) (٢٤١٤)، وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد. [¬١]- في ز: "ففي ". [¬٢]- في خ: "حس". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله [¬١]: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، ورواه ابن جرير، عن [يونس و] [¬٢] عن يعقوب به (^١٢٦١).
[ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١٢٦٢) عن الحارث بن سريح، عن عبد الله بن نافع، به] [¬٣].
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة بنت [¬٤] عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت: إني سائلك عن أمر، وإني أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستح يا ابن أخي. قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبَّى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله، ﷺ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله، ﷺ، فلما جاء رسول الله، ﷺ، استحيت الأنصارية أن [تسأل رسول ﷺ] [¬٥]، فخرجت فحدثت أمّ سلمة رسول لله، ﷺ، فقال: "ادعي الأنصارية"، فدعتها [¬٦]، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا".
ورواه الترمذي: عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن خثيم، به (^١٢٦٣)، وقال: حسن.
(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن ابن [¬٧] خثيم [¬٨]، عن
_________________
(١) - مشكل الآثار برقم (٦١١٨).
(٢) - مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٢): رواه أبو يعلى عن شيخه الحارث بن سريج القفال، وهو ضعيف كذاب. قلت: تابعه يعقوب بن كاسب كما تقدم قريبًا.
(٣) - المسند (٦/ ٣٠٥)، وأخرجه أحمد (٦/ ٣١٠، ٣١٨)، والدارمي في الطهارة، باب: إتيان النساء في أدبارهن حديث (١١٢٤)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- بياض في خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "بنة". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تسأله". [¬٦]- في ز، خ: "فدعيت". [¬٧]- في ز: "أبي". [¬٨]- في خ: "أبي خثيم".
[ ٢ / ٣٠٧ ]
يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين: أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة، فكرهته. فبلغ ذلك [رسول الله] [¬١] ﷺ فقال: "لا بأس إذا كان في صمام واحد" (^١٢٦٤).
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب -يعني القُمِّي- عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "ما الذي أهلكك؟ " قال: حوّلت رحلي البارحة، قال [¬٢] فلم يردّ عليه شيئًا، [] [¬٣] فأوحى الله إلى رسول الله، ﷺ، هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، "أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة".
و[¬٤] رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب، به (^١٢٦٥). وقال: حسن غريب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن، عن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافرى، عن حنش [¬٥]، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: "ائتها [¬٦] على كل حال إذا كان في الفرج" (^١٢٦٦).
وقال الحافظ أبو يعلى (^١٢٦٧): حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: أثفر رجل امرأته
_________________
(١) = حديث (٢٩٧٩) من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم هـ.
(٢) - مسند أبي حنيفة برقم (١٠٢)، وفي إسناده حماد بن أبي حنيفة ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه، ميزان الاعتدال (١/ ٥٩٠).
(٣) - المسند (١/ ٢٩٧) (٢٧٠٣)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٨٠) من طريق عبد بن حميد، عن الحسن به، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٤٦٩) من طريق يونس بن محمد، عن يعقوب القمي به.
(٤) - المسند (١/ ٢٦٨).
(٥) - مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٩): "شيخه الحارث بن سريج، ضعيف كذاب" ولكنه توبع، تابعه يعقوب بن حميد، فرواه عن عبد الله بن نافع، عن هشام، عن زيد = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "النبي". [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "حس". [¬٦]- في ز، خ: "آتها".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: أثفر [¬١] فلان امرأته، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وقال أبو داود (^١٢٦٨): حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد -يعني: ابن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، إنما كان أهل [¬٢] هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرًا [¬٣] من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنّ [¬٤] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك [¬٥] [رسول الله] [¬٦]، ﷺ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني: بذلك موضع الولد.
تفرّد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم [] [¬٧] من الأحاديث، ولا سيما رواية أمّ سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٢٦٩) من طريق [¬٨] محمد بن إسحاق،
_________________
(١) = ابن أسلم به، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٦١١٨) وقد سبق.
(٢) - سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: في جامع النكاح حديث (٢١٦٤)، وأخرجه الدارمي في الطهارة، حديث (١١٢٥)، والطبري في تفسيره (٤/ ٤٠٩) (٤٣٣٧)، (٤٣٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ١٩٥) وصححه الحاكم على شرط مسلم.
(٣) - المعجم الكبير (١١/ ٧٧). [¬١]- كذا في ز، خ، ت. وفي مسند أبي يعلى: أبعر وهو تحريف، ولعل الصواب (أثفر) بالثاء والفاء كما هاهنا، فقد جاء في القاموس المحيط (ص ٤٥٨): الثَّفر -ويضم- للسباع والمخالب: كالحياء للناقة أو مسلك القضيب منها، والاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بينه فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، وأثغرتُه بيعة سوء، أي: ألزقتها باسته". ا هـ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "كثيرًا". [¬٤]- في خ: "منهن". [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "الرسول". [¬٧]- في ز، خ: "له". [¬٨]- في خ: "حديث".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه [] [¬١] عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهنّ … فذكر القصة بتمام سياقها.
وقول [¬٢] ابن عباس: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، كأنه [¬٣] يشير إلى ما رواه البخاري (^١٢٧٠): حدثنا إسحاق، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه [¬٤]، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى.
وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن [¬٥] يأتيها في. [. …] [¬٦].
هكذا رواه البخاري (^١٢٧١)، وقد تفرّد به من [هذا الوجه] [¬٧].
وقال ابن جرير (^١٢٧٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ.
وحدثني أبو قلابة (^١٢٧٣)، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب،
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٦).
(٢) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٧)، وعزاه الحافظ في الفتح، لإسحاق في مسنده، وفي تفسيره بالإسناد المذكور.
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٤) (٤٣٢٦)، وانظر فتح الباري (٨/ ١٩٠)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٨٤).
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٦) (٤٣٣١)، وأخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "عليه". [¬٢]- في ت: "وقال". [¬٣]- في ز، خ: "وكأنه". [¬٤]- في ز: "عنه". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- بياض في جميع النسخ، وفي فتح الباري (٨/ ١٣٠): "كذا وقع في جميع النسخ، لم يُذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في الفرج. وهو من عنده بحسب ما فهمه". [¬٧]- في خ: "هذه الوجوه".
[ ٢ / ٣١٠ ]
عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر.
روي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ولا يصح (^١٢٧٤).
وروى النسائي (^١٢٧٥): عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس [¬١]، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال أبو حاتم الرازي (^١٢٧٦): لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع. وهذا تعليل منه لهذا الحديث.
وقد رواه عبد الله بن نافع، [الصائغ] [¬٢] عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر فذكره. وهذا الحديث [¬٣] محمول على ما تقدّم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي أيضًا، عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر: أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى [¬٤] النساء في أدبارهنّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال: يا نافع، هل تعلم [¬٥] من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهنّ مثلما كنا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١٢٧٧).
_________________
(١) = لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٧) عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به.
(٢) - انظر فتح الباري (٨/ ١٩٠)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٨٤).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨١).
(٤) - العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٠٨، ٤٠٩) (١٢٢٥).
(٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٨). [¬١]- في ز: "ابن أويس". [¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ، وأكملناه من العلل [١/ ٤٠٩]. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "يؤتى". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣١١ ]
وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه: عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب [¬١] العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره.
وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإِمام مالك في كتاب السر [¬٢]، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة (^١٢٧٨):
حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "استحيوا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا يحل [أن تأتوا] [¬٤] النساء في حشوشهن".
قال الإِمام أحمد (^١٢٧٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شدّاد [¬٥]، عن خزيمة بن ثابت أنّ رسول الله، ﷺ، نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.
(طريق أخرى): قال أحمد (^١٢٨٠): حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه، أن هرمي بن عبد الله الواقفي [¬٦] حدثه، أن خزيمة بن ثابت الخطمي حدثه، أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا يستحى الله من الحق، لا يستحيى الله من الحق -ثلاثًا- لا تأتوا
_________________
(١) - ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٨٨) من طريق الحسن بن عرفة به.
(٢) - المسند (٥/ ٢١٣) (٢١٩٤٣)، وأطرافه (٢١٩٤٨، ٢١٩٤٨، ٢١٩٥١، ٢١٩٤٨، ٢١٩٦٧). وأخرجه النسائي في الكبرى: كتاب عشرة النساء باب ذكرا اختلاف الناقلين لخبر خزيمة بن ثابت في إتيان النساء في أعجازهن. (٥/ ٣١٦، ٣١٧ / رقم ٨٩٨٢ - ٨٩٨٨). وباب ذكر الاختلاف على عبد الله بن علي بن السائب (٥/ ٣١٨، ٣١٩ / رقم: ٨٩٩٨ - ٨٩٩٥). وابن ماجة: كتاب النكاح باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (١/ ٦١٩ / رقم: ١٩٢٤). كلاهما من حديث خزيمة بن ثابت.
(٣) - المسند (٥/ ٢١٥)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٨٥، ٨٩٨٦)، وابن ماجة في النكاح = [¬١]- في ت: "الكاتب". [¬٢]- في ز، خ: "السير". [¬٣]- في ز، خ: "سهل". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في: ز "مأتى"، وفي خ: "أن تأتى". [¬٥]- في ز، خ: "سداد". [¬٦]-: "الواقعي".
[ ٢ / ٣١٢ ]
النساء في أعجازهن"، ورواه النسائي، وابن ماجة من طرق عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده اختلاف كثير.
(حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي والنسائي (^١٢٨١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى. الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر"، ثم قال الترمذي [¬١]: هذا حديث حسن غريب.
وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه ابن حزم أيضًا.
ولكن رواه النسائي (^١٢٨٢) أيضًا [¬٢]، عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا.
وقال [] [¬٣]: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال [¬٤]: تسألني عن الكفر؟!
[إسناده صحيح] [¬٥]، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك، عن عكرمة به [¬٦] نحوه.
[وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لُكَع، إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن، لا تعدوا ذلك إلى غيره] [¬٧].
_________________
(١) = باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهم حديث (١٩٢٤) من طرق. عن خزيمة بن ثابت به، وانظر الاختلاف في إسناده في السنن الكبرى للنسائي (٥/ ٣١٦، ٣١٩) والتلخيص الحبير (٣/ ١٧٩، ١٨٠) (١٢٠)، وأخرجه الترمذي في كتاب الرضاع، باب: ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن حديث (١١٦٥)، والنسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٦٣٦٣) - وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٦٣)، وابن حبان في صحيحه -كما في موارد الظمآن (١٣٠٢، ١٣٠٣) - من طريق أبي خالد الأحمر به.
(٢) - سنن الترمذي برقم (١١٦٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠١، ٩٠٠٢). وابن حبان برقم (١٣٠٢) "موارد".
(٣) - سنن النسائي الكبرى (٩٠٠٢)، وانظر تحفة الأشراف (٦٣٦٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "عبد الله". [¬٤]- في خ: "قال". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣١٣ ]
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٨٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام [¬١]، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي، ﷺ، قال: "الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى".
وقال عبد الله بن أحمد (^١٢٨٤): حدثني هدبة، حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي أمرأته في دبرها، فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "هي اللوطية الصغرى".
قال قتادة: وحدثني عقبة بن وَسَّاج، عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟.
وقد روى هذا الحديث (^١٢٨٥): يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي [¬٢] أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من [¬٣] قوله. وهذا أصح، والله أعلم.
وكذلك رواه عبد بن حميد (^١٢٨٦)، عن [¬٤] يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا من قوله.
(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي [¬٥] (^١٢٨٧): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح
_________________
(١) - في المسند (٢/ ٢١٠).
(٢) - زوائد عبد الله على المسند (٢/ ٢١٠) (٦٩٦٧)، وأخرجه الطيالسي كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٢) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٩٨)، أحمد (٢/ ١٨٢، ٢١٠)، والنسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٨٧٧٥) - من طريق همام به.
(٣) - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٣٦٣) عن عبد الأعلى عن قتادة به.
(٤) - أخرجه النسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٨٧٢٠) من طريق سفيان، عن حميد الأعرج به.
(٥) - ورواه أبو الشيخ في مجلس من حديثه (٦٢/ ١، ٢)، وابن بشران في الأمالي (٨٦/ ١، ٢) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي به. ا. هـ مستفادًا من إرواء الغليل للألباني (٨/ ٥٩). [¬١]- في خ: "هشام". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "أنا"، خ: "أخبرنا". [¬٥]- في خ: "العرياني".
[ ٢ / ٣١٤ ]
البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي [¬١] جاره حتى يلعنه".
ابن لهيعة وشيخه ضعيفان.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٨٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان [¬٢]، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله، ﷺ، أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحيي من الحق.
وأخرجه أحمد أيضًا (^١٢٨٩)، عن أبي معاوية. وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول، به. وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن.
ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإِمام أحمد بن حنبل (^١٢٩٠)، والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٢٩١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ] [¬٤]: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه".
_________________
(١) - هذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند الميمنية، وأورده الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد، والحافظ ابن حجر في الأطراف (٤/ ٣٨٤).
(٢) - هذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند الميمنية، وأورده الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد، والحافظ ابن حجر في الأطراف (٤/ ٣٨٤). ورواه الترمذي حديث ١١٦٤. وقال الترمذي: حديث حسن. وقال: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ. ورواه الدارمي حديث ١١٤١، من حديث عبد الواحد بن زياد عن عاصم، به- نحوه ..
(٣) - المسند (١/ ٨٦).
(٤) - المسند (٢/ ٢٧٢)، وأخرجه في (٢/ ٣٤٤) عن عفان، عن وهيب، عن سهل به، وأخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن حديث (١٩٢٣) عن ابن أبي الشوارب عن عبد العزيز بن المختار، عن سهل بن أبي صالح به. [¬١]- في خ: "ومؤذى". [¬٢]- في ز: "حطانى". [¬٣]- في ز: "سهل". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "عن النبي ﷺ قال].
[ ٢ / ٣١٥ ]
[وقال أحمد أيضًا] [¬١] (^١٢٩٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن الحارث ابن [¬٢] مخلد، عن أبي هريرة ورفعه [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها".
[وكذا رواه ابن ماجة من طريق سهيل] [¬٤].
[وقال أحمد أيضًا (^١٢٩٣)] [¬٥]: حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ملعون من أتى امرأته [¬٦] في دبرها"] [¬٧].
و[¬٨] هكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع، به.
"طريق أخرى": قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني [¬٩]: أخبرنا أحمد [بن القاسم] [¬١٠] بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل [¬١١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ملعون من أتى امرأة في دبرها".
ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه [عن سهيل] [¬١٢]، عن الحارث بن مخلد، كما تقدم.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه، وقد ضعفوه.
_________________
(١) - المسند (٢/ ٣٤٤).
(٢) - المسند (٢/ ٤٤٤، ٤٧٩)، وأخرجه أبو داود في النكاح، باب: في جامع النكاح حديث (٢١٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩٠١٥)، من طريق وكيع به، وانظر تحفة الأشراف (١٢٢٣٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "عن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "سهل". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "امرأة". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- سقط من: ز. [¬٩]- في ز، خ: "الأصفهاني". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١١]- في ز، خ: "سهل". [¬١٢]- في ز، خ: "سهل".
[ ٢ / ٣١٦ ]
(طريق أخرى): رواها [¬١] مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "ملعون من أتى النساء في أدبارهن".
ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم.
(طريق أخرى) رواها الإمام أحمد وأهل السنن (^١٢٩٤): من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا لصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد".
وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث. والذي قاله البخاري في حديث [¬٢] الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع [¬٣] في حديثه (^١٢٩٥).
(طريق أخرى): قال النسائي (^١٢٩٦): حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن أبي سلمة ﵁ عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ".
تفرَّد به النسائي من هذا الوجه.
قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري، ومن حديث أبي سلمة، ومن حديث سعيد، فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاط، وقد رواه الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، فلا، انتهى كلامه (^١٢٩٧).
_________________
(١) - أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٤٠٨، ٤٧٦)، والدارمي في كتاب الطهارة، باب: من أتى امرأته في دبرها حديث (١١٤١)، وأبو داود في كتاب الطب، باب: في الكاهن، حديث (٣٩٠٤)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية إتيان الحائض حديث (١٣٥)، والنسائي في الكبرى الحديث (٩٠١٦)، وابن ماجة في الطهارة، باب: النهي عن إتيان الحائض، حديث (٦٣٩) من طرق عن حماد بن سلمة به.
(٢) - التاريخ الكبير (٣/ ١٧).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٠).
(٤) - انظر تحفة الأشراف (١١/ ٢٥) (١٥١٣٩). [¬١]- في خ: "ورواه". [¬٢]- في ز، خ: "حكيم". [¬٣]- في خ: "تتابع".
[ ٢ / ٣١٧ ]
وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك [بن محمد] [¬١] الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم، وأبو حاتم، وابن حبان وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله [¬٢] أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين، عن أبي سلمة، ولا يصح منهما شيء.
(طريق أخرى): قال النسائي (^١٢٩٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهنّ كفر.
ثم رواه عن بندار، عن عبد الرحمن، به، قال: من أتى امرأة [¬٣] في دبرها ملك كفره (^١٢٩٩).
هكذا رواه النسائي (^١٣٠٠): من طريق الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.
وكذا رواه من طريق علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.
ورواه بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" (^١٣٠١).
والموقوف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.
(حديث آخر): قال محمد بن أبان البلخي (^١٣٠٢): حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٣) من طريق حفص عن ليث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٧٢) إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبيهقي.
(٢) - سنن النسائي الكبرى يرقم (٩٠١٩).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٢١).
(٤) - رواه العقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ١٤٩).
(٥) - أخرجه وكيع، والبراز -كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٢)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد= [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "فالله". [¬٣]- في ز: "امرأته".
[ ٢ / ٣١٨ ]
في أدبارهن".
وقد رواه النسائي (^١٣٠٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: لا تأتوا النساء في أدبارهنّ.
وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم (^١٣٠٤)، حدَّثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. و[¬١] الموقوف أصح.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٣٠٥): حدثنا غندر، ومعاذ بن معاذ قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد، -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههنّ".
وكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق: عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم.
(حديث آخر): قال أبو بكر الأثرم في سننه (^١٣٠٦): حدثنا أبو مسلم الحَرَمي، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "محاش النساء حرام".
وقد رواه إسماعيل بن علية (^١٣٠٧)، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم: عن أبي عبد الله
_________________
(١) = (٤/ ٣٠١، ٣٠٢) وعزاه إلى أبي يعلى، والطبراني في الكبير، والبراز ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا يعلى بن اليمان وهو ثقة. وانظر الكلام على طرق الحديث العلل لأبي الحسن الدارقطني (٢/ ١٦٧).
(٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٨).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٩).
(٤) - ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف السند (٤/ ٣٨٤) من طريق غندر في مسند علي بن طلق، ولا أدري كيف وقع هنا يزيد بن طلق، وقد بين الحافظ الصواب في ذلك، والله أعلم.
(٥) - ورواه الدولابي في الكنى (٢/ ٨٥).
(٦) - أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٣)، والدارمي في الطهارة، باب: من أتى أمرأته في دبرها حديث= [¬١]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣١٩ ]
الشقري -واسمه: سلمة بن تمام، ثقة- عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح.
(طريق أخرى): قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن يزيد [¬١] بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تأتوا [¬٢] النساء في أعجازهن" (^١٣٠٨).
محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال:
وقد روي من حديث أبي بن كعب (^١٣٠٩)، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (^١٣١٠)، وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.
وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليًّا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت سفل الله بك! ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾.
وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما [¬٣]، أنه يحرمه.
قال أبو محمد (^١٣١١) [عبد الله بن عبد الرحمن] [¬٤] [الدارمي] [¬٥] في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب
_________________
(١) = (١١٤١)، والبيهقي في سننه (٧/ ١٩٩) من طريق أبي عبد الله الشقري به.
(٢) - الكامل لابن عدي (٢٠٦١٣) وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ١٨١): "إسناد واهٍ".
(٣) - حديث أبي بن كعب رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٤٥٧) من طريق أبي قلابة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به.
(٤) - حديث عقبة بن عامر رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة به.
(٥) - سنن الدارمي، كتاب الطهارة، باب: من أتى امرأته في دبرها حديث (١١٤٨)، وانظر الدر المنثور (١/ ٤٧٤). [¬١]- في ز: "زيد". [¬٢]- في خ: "تأتون". [¬٣]- في خ: "عنه". [¬٤]- في ت: "عبد الرحمن بن عبد الله". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "بن الدارمي".
[ ٢ / ٣٢٠ ]
قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمص [¬١] لهنّ؟ قال: وما التحميض [¬٢]؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!.
وكذا رواه ابن وهب وقتيبة [¬٣]، عن الليث به، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه [¬٤] مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم [¬٥].
وقال ابن جرير (^١٣١٢): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد [أحمد ابن] [¬٦] عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي [عبد الله] [¬٨]، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب [¬٩] سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نشتري الجواري أفنحمض [¬١٠] لهنّ؟ فقال: وما التحميض [¬١١]؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف! أف! [وهل يفعل] [¬١٢] ذلك مؤمن -أو قال: مسلم-؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني، عن أبي الحباب [¬١٣]، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع.
وروى النسائي (^١٣١٣): عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال [¬١٤]: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٥) (٤٣٢٩)، وقع هنا خطأ في إسناد هذا الحديث في اسم ابن أبي الغمر نبه عليه العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري، والصواب أن اسمه عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر، وهو مترجم في تهذيب الكمال. ورواية الحارث بن يعقوب عن أبي الحباب أخرجها الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٣/ ٤١).
(٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٩). [¬١]- في خ: "أنحمص". [¬٢]- في خ: "التحميص". [¬٣]- في خ: "قتيبية". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز، خ: "الحكم". [¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٧]- في ز، "المعمر"، خ: "معمر". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في خ: "الخباب". [¬١٠]- في خ: "أنحمض". [¬١١]- في خ: "التحميص". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أيفعل". [¬١٣]- في خ: "الخباب". [¬١٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٢١ ]
فَنُحمِّض [¬١] لهن، قال: وما التحميض [¬٢]؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف! أف! أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني [¬٣] عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به
وروى النسائي أيضًا (^١٣١٤) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عمر] [¬٤]: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها.
وروى معمر بن عيسى عن مالك: أن ذلك حرام.
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدّثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسماعيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي.
فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء أهل المدينة حتى حكوه عن الإِمام مالك، وفي صحته عنه نظر.
قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك [في] [¬٥] أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإِمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك.
ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.
وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي، ﷺ، في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨٠). [¬١]- في خ: فنحمص. [¬٢]- في خ: "التحميص". [¬٣]- في خ: "حدثني". [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول، فذكره. قال أبو نصر بن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشافعي في ذلك؟ لأن [¬١] الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم [¬٢] عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها [¬٣].
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
وقال ابن جرير (^١٣١٥): حدَّثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد [¬٤]، عن عطاء قال: أراه عن ابن عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول [¬٥] باسم الله، التسمية عند الجماع.
وقد ثبت في صحيح البخاري (^١٣١٦)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدكم [¬٦] إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا".
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٤١٧) (٤٣٥٠).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع حديث (١٤١)، وأطرافه عند البخاري في (٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦). وأخرجه مسلم في النكاح، حديث (١٤٣٤) من حديث ابن عباس. [¬١]- في ز، خ: "فإن". [¬٢]- في ز: "نهاكم". [¬٣]- في ز، خ: "جميعًا". [¬٤]- في خ: "وافر". [¬٥]- في ز: "يقول". [¬٦]- في ز: "أحدهم".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فالاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخررج منها بالتكفير. كما قال البخاري:
حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وقال رسول الله ﷺ: "والله، لأن يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه".
وهكذا رواه مسلم (^١٣١٧)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به، ورراه أحمد عنه، به.
ثم قال البخاري (^١٣١٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية -هو ابن سلام-، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم: "من استلج في أهلة بيمين فهو أعظم إثما، ليس تغني [¬١] الكفارة".
وقال علي بن [أبي] [¬٢] طلحة، عن ابن عباس [¬٣] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير. ولكن كفر عن يمينك واصنع [¬٤] الخير.
وكذا [¬٥] قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي [﵏] ويؤيد ما قاله
_________________
(١) - صحيح البخاري في الأيمان، والنذور باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾، (٦٦٢٤، ٦٦٢٥)، وأخرجه مسلم في الأيمان حديث (١٦٥٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٨، ٣١٧) عن عبد الرزاق به. وأخرجه ابن ماجة في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر حديث (٢١١٤)، من طريق محمد بن حميد المعمري، عن معمر به.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الأيمان، والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾ حديث (٦٦٢٦) وأخرجه ابن ماجة في الكفارات، باب: النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر حديث (٢١١٤) عن محمد بن يحيى، ثنا ابن صالح الوحاظي به. [¬١]- في خ: "يعني". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "أو اصنع". [¬٥]- في ز: "وهكذا".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين (^١٣١٩)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها"، وثبت فيهما أيضًا (^١٣٢٠): أن رسول الله، ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن [¬١] غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك".
وروى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمنه، وليفعل الذي هو خير" (^١٣٢١).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فَتَرْكُها كفارتها" (^١٣٢٢).
ورواه أبو داود بن طريق عبيد [¬٢] الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها" (^١٣٢٣).
ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي، ﷺ، كلها: "فليكفر عن
_________________
(١) - أخرجه البخاري، في كتاب فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين الحديث (٣١٣٣)، ومسلم في كتاب الأيمان حديث (١٦٤٩) من حديث زهدم الجرمي عن أبي موسى به.
(٢) - أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾ حديث (٦٦٢٢)، وفي كتاب الأحكام، باب: من لم يسال الإمارة أعانه الله عليها حديث (٧١٤٦)، وباب: من سأل الإمارة وكل إليها حديث (٧١٤٧)، ومسلم في الأيمان حديث (١٦٥٢) من حديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة.
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الأيمان: حديث (١٦٥٠)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٦١)، والترمذي في كتاب النذور، باب: ما جاء في الكفارة قبل الحنث، حديث (١٥٣٠)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٢٧٣٨) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة.
(٤) - المسند (٢/ ١٨٥).
(٥) - سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب: فيمن حلف على طعام لا يأكله، حديث = [¬١]- في خ: "من". [¬٢]- في ز: "عبد".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
يمينه"، وهي الصحاح.
وقال ابن جرير (^١٣٢٤): حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "من حلف على يمين قَطِيعَة رحم أو معصية، فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن [¬١] يمينه".
وهذا حديث ضعيف؛ لأن حارثة هذا [¬٢] هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، متروك الحديث، ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن جبير، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي: أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها.
وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين (^١٣٢٥) من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله". فهذا قاله لقوم حديثي عهد [¬٣] بجاهلية، قد أسلموا، وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإِخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الآية، وفي [¬٤] الآية الأخرى [في المائدة] [¬٥] ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾.
قال أبو داود (^١٣٢٦): (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان -
_________________
(١) = (٣٢٧٤) عن المنذر بن الوليد، عن عبد الله بن بكلر، عن عبيد الله بن الأخنس به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٤٤٢)، وأخرجه ابن ماجة في الكفارات، باب: من قال: كفارتها تركها حديث (٢١١٠) عن علي بن محمد، عن عبد الله بن نمير، عن حارثة بن أبي الرجال به.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] حديث (٤٨٦٠)، وفي الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا حديث (٦١٠٧)، وفي كتاب الاستئذان، باب: كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله … حديث (٦٣٠١)، وفي الأيمان والندور، باب: لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت، حديث (٦٦٥٠)، ومسلم في كتاب الأيمان، حديث (١٦٤٧) من طريق الزهري به.
(٤) - سنن أبي داود كتاب الأيمان، والنذور، الحديث (٣٢٥٤). [¬١]- في خ: "من". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "أعهد". [¬٤]- في ز: "كما قال". [¬٥]- زيادة من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
يعني ابن إبراهيم -حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ - عن عطاء: في [¬١] اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إنّ رسول الله، ﷺ، قال: " [] [¬٢] هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى [¬٣] والله".
ثم قال أبو داود: رواه داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري، وعبد الملك، ومالك بن مغول كلهم، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، أيضًا
(قلت): وكذا رواه ابن جريج، وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير (^١٣٢٧): عن هناد [¬٤]، عن وكيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٥]: لا والله، وبلى [¬٦] والله.
ثم رواه: عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها. وبه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عنها. وبه عن سلمة [¬٧]، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عنها.
وقال عبد الرزاق (^١٣٢٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٨]: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله وكلا والله. يتدارءون في الأمر: لا تعقد عليه قلوبهم.
وقد قال ابن أبي حاتم (^١٣٢٩): حدَّثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدَّثنا عبدة -يعني ابن
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٤٢٨) (٤٣٧٧).
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٢٩) (٤٣٨٣) بسنده إلى عبد الرزاق وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨٠) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجه البخاري في صحيحه في التفسير، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ حديث (٤٦١٣)، وفي الإيمان والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ حديث (٦٦٦٣)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٧٣١٦) من حديث هشام بن عروة عن أبيه كه بمعناه.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٢). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "اللغو في اليمين". [¬٣]- في خ: "بلى". [¬٤]- في ز: "عباد". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في خ: "بلى". [¬٧]- في خ: "إسحاق". [¬٨]- في ز: "قال".
[ ٢ / ٣٢٧ ]
سليمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله.
وحدَّثنا أبي (^١٣٣٠)، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله.
ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وابن عباس -في أحد أقواله- والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعطاء، والقاسم بن محمد، ومجاهد في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، نحو ذلك.
(الوجه الثاني): قُرئ على يونس بن عبد الأعلى (^١٣٣١)، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثفة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو [¬١] الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه.
ثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس. ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^١٣٣٢): حدثنا محمد بن موسى الحرَشي [¬٢]، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن ميمون المرادي [¬٤]، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون [¬٥]-يعني يرمون- ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى [¬٦] رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله! فقال الذي مع النبي، ﷺ، للنبي، ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله. قال: "كلا، أيمان
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٣).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٤).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٤٤٤) (٤٤٥٨)، وضعف إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه = [¬١]- في ز: "هذا". [¬٢]- في ز، خ: "الجرشي". [¬٣]- في ز، خ: عبد. [¬٤]- في خ: "المراي". [¬٥]- في ز: "يتنضلون"، خ: "ينتصلون". [¬٦]- في ز: "فعلى".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة". هذا مرسل حسن عن الحسن.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا.
حدثنا عصام بن رواد (^١٣٣٣)، أخبرنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله: بلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك.
(أقوال أخر): قال عبد الرزاق (^١٣٣٤): عن هُشَيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل: يحلف على [¬١] الشيء ثم ينساه.
وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله [¬٢] بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي [¬٣] إن لم آتك غدًا؛ فهو هذا.
قال ابن أبي حاتم (^١٣٣٥): وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد [] [¬٤]، حدثنا خالد، أخبرنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.
وأخبرني أبي (^١٣٣٦)، أخبرنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة. وكذا روي عن سعيد بن جبير.
وقال أبو داود (^١٣٣٧): (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من
_________________
(١) = على الطبري، والحديث لم يعزه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) لغير الطبري.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٥٥).
(٣) - تفسير عبد الرازق (١/ ١٠٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٥٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) إلى عبد بن حميد.
(٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٦١)، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٤٣٨) (٤٤٣٤)، والبيهقي (١٠/ ٤٩) من طريق طاوس عن ابن عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٠) (٢١٦٣).
(٦) - سنن أبي داود، كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين في قطيعة الرحم، حديث (٣٢٧٢). ووقع فيه: "باب اليمين في قطيعة الرحم". [¬١]- في ز، خ: "عن". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "حالي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "بن خالد".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال [¬١]: إن عدت تسألني عن [¬٢] القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال [له عمر] [¬٣]: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ﷿ ولا في قطيعة الرحم، وفيما لا تملك".
وقوده: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء ومحو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ الآية.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي غفوو لعباده حليم عليهم [¬٤].
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾
الإِيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدّة، فلا يخلو: إما أن تكون [¬٥] أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين (^١٣٣٨) عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ وآلي من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر [يكون] [¬٦] تسع وعشرون"، ولهما (^١٣٣٩) عن عمر بن الخطاب نحوه.
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر. إما أن يفيء -أي: يجامع-، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا، أو هذا، لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم. فيه دلالة على أن الإِيلاءَ يختص بالزوجات دون الإِماء، كما هو مذهب الجمهور. ﴿تَرَبُّصُ
_________________
(١) - أخرجه مسلم في الصيام، حديث (١٠٨٣) من حديث الزهري عن عائشة، ولم أقف عليه في صحيح البخاري من حديث عائشة.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب الظالم، حديث (٢٤٦٨)، وفي النكاح، باب: موعظة الرجل ابنته حال زواجها حديث (٥١٩١)، ومسلم في كتاب الطلاق حديث (١٤٧٩) من حديث ابن عباس عن عمر. [¬١]- في ز: "قال". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "ابن عمر". [¬٤]- في خ: "عنهم". [¬٥]- في خ: "يكون". [¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر [¬١] الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة [¬٢] أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي- أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في [الحديث عند] [¬٣] الآية التي قبلها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها". كما رواه أحمد (^١٣٤٠)، وأبو داود، [] [¬٤] والذي عليه الجمهور وهو الجدبد من مذهب الشافعي-: أن عليه الكفارة؛ لعموم وجوب التكفير على كل حافط، كما تقدّم أيضًا في الأحاديث الصحاح. والله أعلم.
[وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فيه دلالة على [أن الطلاق لا يقع] [¬٥] بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور [من المتأخرين] [¬٦]، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة [¬٧] أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين، ومسروق [¬٨]، والقاسم، وسالم، والحسن، وأبو سلمة، وقتادة،: شريح القاضي، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن طرخان التيمي، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسدي.
ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومكحول، وربيعة، والزهري، ومروان [¬٩] بن الحكم. وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء، وجابر [¬١٠] بن زيد، ومسروق، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم، وقبيصة ابن ذؤيب، وأبو حنيفة،
_________________
(١) - المسند (٢/ ١٨٥)، وسنن أبي داود برقم (٣٢٧٤). [¬١]- في خ: "ينظر". [¬٢]- بياض في خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "والترمذي". [¬٥]- في ز: "أنه لا يقع الطلاق". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- في خ: "أربعة". [¬٨]- سقط من: ز. [¬٩]- في ز: "ومسروق". [¬١٠]- في ز: "ومحمد".
[ ٢ / ٣٣١ ]
والثوري، والحسن بن صالح، فكل [¬١] من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدّة، إلا ما روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء: إنها أن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدّة عليها وهو قول الشافعي. و[¬٢] الذي عليه الجمهور من [¬٣] المتأخرين [¬٤]: أنه يوقف فيطالب إمّا بهذا، وإمّا بهذا، ولا يقع عليها [¬٥] بمجرد مضيها طلاق.
و[¬٦] روى مالك (^١٣٤١)، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليها [¬٧] طلاق، وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإمّا أن يفيء. وأخرجه البخاري.
وقال الشافعي ﵀ (^١٣٤٢): أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار [¬٨] قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ، كلهم يوقف المولي. قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر.
ورواه الشافعي عن علي ﵁ (^١٣٤٣): أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وعثمان، وزيد بن ثابت، وبضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ. هكذا قال الشافعي، ﵀.
قال ابن جرير: حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.
ورواه الدارقطني (^١٣٤٤) من طريق سهيل [¬٩].
_________________
(١) - الموطأ (٢/ ٥٥٦)، ومن طريقه أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب: قول اللَّه تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾ حديث (٥٢٩١).
(٢) - الأم (٥/ ٢٤٧) ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٣٧٦).
(٣) - الأم (٥/ ٢٤٧) ومن طريقه البيهقي في السق (٧/ ٣٧٧) وانظر مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٧، ٩٨).
(٤) - وأخرجه الدارقطني في سننه (٤/ ٦١)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٧٧). [¬١]- في ز: "وكل". [¬٢]- في ز: "وبل". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "عليه". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في خ: "عليه". [¬٨]- في ز: "بشار". [¬٩]- في ز: "سَهْل".
[ ٢ / ٣٣٢ ]
(قلت): وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، زألي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين، وابن
عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس،
ومحمد بي كعب والقاسم، وهو مذهب مالك، والشافي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم
﵏. وهو اختيار ابن جرير أيضًا. وهو قول الليث، وإسحق بن راهويه، وأبي
عبيد، وأبي ثور، وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالصلاق، فإن لم يطلق طلق
عليه الحاكم، والطقة تكون رجعية، له رجعتها في العدة.
[وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة] [¬١]، وهذا غريب
جدًّا] [¬٢].
وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه الإمام مالك ابن
أنس ﵀ في الموطأ، عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع
امرأة تقول.
تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني ألا خليل ألاعبه
فو اللَّه، لولا الله أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عمر (^١٣٤٥) ابنته حفصة ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن
زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر
من ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير -مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب
النبي، صلى اللَّه عليه وصلم، قال: ما زلت أسمع حديث عمر: أنه خرج ذات ليلة يطوف
بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ [¬٣] مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها [وهي] [¬٤] تقول:
تطاول هذا الليل وازورّ جانبُهْ … وأرَّقَنِي ألُّا ضجيعَ أُلاعِبُهْ
أُلاعِبُه طورًا وطورًا كأنَّما … بدا [قمرًا في] [¬٥] ظلمة الليل حاجبُهْ
يسز به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربُهْ
فواللَّه لولا اللَّه لا شيء غيره … لنتض من هذا السرير جوانبُهْ
_________________
(١) - ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢)، ونقله القرطبي في التفسير (٣/ ١٠٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- مما بين المعكوفتين يأتي في المخطوط قبل الآيات البادية ب"والمطلقات يتربصن. ". [¬٣]- في ز: "و". [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "الموالى".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبُهْ
[مخافةَ رَبِّي والحياءُ يصدُّني … وإكرام بعلي أن تُنَال مراكبُهْ] [¬١]
ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه (^١٣٤٦). وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات [¬٢].
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
هذا أمر من اللَّه ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت. وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرءين؛ لأنها على النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض، فكمل [¬٣] لها قرءان، ولما رواه ابن جرير، عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة: أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها [¬٤] حيضتان".
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة (^١٣٤٧)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية. وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح [¬٥] أنه من قول القاسم بن محمد نفسه.
_________________
(١) - ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢).
(٢) - أخرجه أبو داود في الطلاق، باب: في سنة طلاق العبد، حديث (٢١٨٩)، والترمذي في الطلاق، باب: ما جاء آية طلاق الأمة تطليقتان حديث (١١٨٢)، وابن ماجة في الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها حديث (٢٠٨٠) والدارمي في الطلاق، باب: طلاق الأمة حديث (٢٢٩٩) والدارقطني (٤/ ٣٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠)، والبيهقي (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠) من طريق مضاهر بن أسلم به. وقال أبو داود: حديث مجهول. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرف مرفوعًا ألا من حديث مظاهر بن أسلم. ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- [¬٣]- في ز: "فكلمت"، خ: "تكلمت". [¬٤]- في ز، خ: "وعليها". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ورواه ابن ماجة من طريق عطية العوفي، عن ابن عمر مرفوعًا (^١٣٤٨). قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع، عن ابن عمر قوله. وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف.
وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء [والله أعلم] [¬١]. حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين، وبعض أهل الظاهر، وضعفه.
وقد قال ابن أبي حاتم (^١٣٤٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش- عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه: أن أسماء بنت نريد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول اللَّه، ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل اللَّه ﷿، حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والحلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو؟ على قولين:.
(أحدهما): أن المراد بها [¬٢] الأطهار، وقال مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللَّه تعالى يقول في كتاب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (^١٣٥٠).
وقال مالك: عن ابن شهاب، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك- يريد قول عائشة. وقال مالك: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ
_________________
(١) - أخرجه ابن ماجة في الطلاق، باب: خيار الأمة إذا أعتقت حديث (٢٠٧٩)، والدارقطني (٤/ ٣٨)، والبيهقي (٧/ ٣٦٩) من طريق عمر بن شبيب. عن عطية العوفي به. قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٢١٢، ٢١٣): في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٤) (٢١٨٦)، وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب: في عدة المطلقة، حديث (٢٢٨١)، والبيهقي (٧/ ٤١٤) من طريق إسماعيل بن عياش به.
(٣) - الموطأ (٢/ ٥٧٧). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "بهما".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
منها. و[¬١] قال مالك: وهو الأمر عندنا. وروي مثله عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم والقاسم، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعطاء بن أبي رباح وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي [وغير واحد وداود وأبي ثور وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي في الأطهار. ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاءِ: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأتل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] [¬٢].
واستشهد أبو عبيدة وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى:
ففي كل عام أنت جاشِمُ غزوة … تشد لأقصاها عَزِيمَ عزائكا
مُوَرِّثة عدًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها.
(والقول الثاني): أن المراد بالأقراء: الحيض فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: تغتسل منها. وأقل وقت تصدق [¬٣] فيه المرأة [¬٤] في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة. قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين، فجاءني [وقد وضعت مائي] [¬٥] وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي. فقال عمر لعبد اللَّه يعني [¬٦]: بن مسعود-: [ما ترى؟ قال:] [¬٧] أراها امرأته، ما دون أن تحل لها الصلاة، قال عمر [¬٨]: وأنا أرى ذلك (^١٣٥١).
وهكذا روي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري،
_________________
(١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٠٢، ٥٠٣) (٤٦٨٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤١٥) (٢١٨٨) بسنديهما إلى سفيان الثوري به. وأخرجه عبد الرزاق -كما في الدر النثور (١/ ٤٩٠) - ومن طريق البيهقي في سننه (٧/ ٤١٧) عن الثوري به. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤٦٧٥، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧) من طرق عن عمر به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد أيضًا. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "يصدق". [¬٤]- في ز: "المراد". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- زيادة من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، والشعبي، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، ومكحول والضحاك، وعطاء الخراساني، أنهم قالوا: الأقراء: الحيض.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ، يقولون: الأقراء: الحيض. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن صالح بن حَيّ [¬١] وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه.
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي (^١٣٥٢): من طريق المنذر بن المغيرة [¬٢]، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لها: "دعي الصلاة أيام أقرائك". فهذا لو صح لكان صريحًا، في أن القرء هو الحيض، [ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. وذكره ابن حبان في الثقات].
وقال ابن جرير (^١٣٥٣): أصل القرء في كلام العرب: الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم. وهذا قول الأصمعي: إن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاءِ: العرب تسمى الحيض: قرءًا، وتسمي الطهر: قرءًا، وتسمي الطهر والحيض جميعًا قرءًا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب، والفقهاء أن القرء يراد به: الحيض، ويراد به: الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو؟ على قولين.
_________________
(١) - لم أقف عليه بهذا اللفظ عند أبي داود أو النسائي وأخرجه أبو داود في الطهارة، باب: في المرأة تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض حديث (٢٨٠)، والنسائي في الطهارة، باب: ذكر الأقراء (١/ ١٢١)، وفي الحيض، باب: ذكر الأقراء (١/ ١٨٣، ١٨٤)، وفي الطلاق، باب: الأقراء (٦/ ٢١١) وفي الكبرى (٢١٢) من طريق بكير بن عبد اللَّه الأشج عن المنذرين المغيرة، عن عروة بن الزبير: أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول اللَّه ﷺ: فشكت إليه الدم، فقال لها رسول اللَّه ﷺ: "إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". وقد ورد الحديث من طرق أخرى. ينظر تخريجها في التلخيص الحبير (١/ ٣٢٩ وما بعدها).
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥١١). [¬١]- في خ: "حييّ". [¬٢]- في خ: "المعتبر".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل، أو حيض. قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عُتَيبَة، والربيع بن أنس، والضحاك وغير واحد.
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على قول خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر [¬١] إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر [¬٢] بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: و[¬٣] زوجها الذي طلقها أحق بردتها [¬٤] ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها [¬٥] الإِصلاح والخير. وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطقة بائن، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات [¬٦]، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف [¬٧] ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصًا [¬٨] لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟ -: بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق [¬٩] لما ذكروه، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (^١٣٥٤)، عن جابر، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع: "فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان [¬١٠] اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، ولكم عليهنّ ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مرح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف".
_________________
(١) - صحيح مسلم كتاب الحج، حديث (١٢١٨)، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ وقد تقدم. [¬١]- في ز، خ: "وتتعذر". [¬٢]- في خ: "تخبرن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ت: "بردها". [¬٥]- في ت: "بردها". [¬٦]- في ت: "تطليقات". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في خ: "تخصيصًا". [¬٩]- في ت: "مطلق". [¬١٠]- في ت: "بأمانة".
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وفي حديث بهز بن حكيم، بن [¬١] معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: "أن [¬٢] تطعهما إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (^١٣٥٥).
وقال وكيع: عن بشير بن سليمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (^١٣٥٦).
وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: فما الفضيلة، وفي الخَلْق والخُلق، والمنزلة، وطاعة
الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
هذه الآية الكريمة [¬٣] رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجال كان أحق برجعة امرأته، وإن حلقها [مائة مرّة] [¬٤] ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات
_________________
(١) - رواه أبو داود في السنن برقم (٢١٤٣).
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٢) (٤٧٦٨)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤١٧) (٢١٩٦)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (١/ ٣٩٣) إلى وكيع، وسفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، وابن المنذر. [¬١]- في ت. "عن". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
قصرهم اللَّه ﷿ إلى ثلاث طلقات [¬١]، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة: فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال أبو داود ﵀ في سننه (^١٣٥٧): (باب: [] [¬٢] نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث) حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية.
ورواه النسائي: عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين- به.
وقال ابن أبي حاتم (^١٣٥٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عمدة -يعني: ابن سليمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا، ولا أؤويك [¬٣] أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللَّه، ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره: من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس.
ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار تغضب [¬٤] على امرأته فقال: واللَّه لا أؤويك [¬٥] ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول اللَّه، ﷺ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، [] [¬٦] عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير- عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- فذكره بنحو ما تقدم.
_________________
(١) - سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث حديث (٢١٩٥). وسنن النسائي (٦/ ٢١٢).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٨) (٢٢٠٦)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٩، ٥٤٠) (٤٧٧٩، ٤٧٨٠)، والترمذي في الطلاق، باب: حديث (١١٩٢) من طريق عبد اللَّه بن إدريس عن هشام به. ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٨٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، به مرسلًا. [¬١]- في خ: "تطليقات". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "في". [¬٣]- في ز: "أورثك"، خ: "أوريك". [¬٤]- في ت: "غضب". [¬٥]- في ز: "أورثك"، خ: "أوريك". [¬٦]- بياض في خ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب - به. ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه - مرسلًا. وقال: هذا أصح.
ورواه الحاكم في مستدركه (^١٣٥٩): من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب [¬١]، عن يعلى بن شبيب به وقال: صحيح الإِسناد.
ثم قال ابن مردويه: [حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله] [¬٢]، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض [¬٣] ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت [¬٤] العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقَّت الطلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلًا.
وذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية [¬٥].
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإِصلاح بها والإِحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضارَّ بها.
و[¬٦] قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله [في ذلك أي] [¬٧] في الثالثة، فإمّا أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان، فلا يظلمها من حقها شيئًا.
وقال ابن أبي حاتم (^١٣٦٠): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع قال: سمعت أبا رَزين يقول: جاء رجل إلى النبي،
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٧٩) وعنه البيهقي في السنن (٧/ ٣٣٣) وتعقب الذهبيُ الحاكمَ بأن يعقوب بن حميد ضعفه غير واحد.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٩) (٢٢١٠) والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٩٥) = [¬١]- في ز، خ: "حاسب". [¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "كانت". [¬٥]- في خ: "الأقوال". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٤١ ]
ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان".
ورواه عبد بن حميد في تفسيره (^١٣٦١)، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن [¬١] أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة".
ورواه الإمام أحمد أيضًا (^١٣٦٢)، وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، و[¬٢] [إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية [¬٣] عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين - به.
وهكذا [¬٤] رواه [ابن مردويه أيضًا: من طريق] [¬٥] قيس بن الربيع، عن إسماعيل ابن سميع، عن أبي رزين - به مرسلًا.
ورواه ابن مردويه أيضًا [¬٦] (^١٣٦٣): من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ، فذكره.
ثم قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن [¬٧] عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك
_________________
(١) = إلى وكيع، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه، والبيهقي، وهو مرسل فإن أبا رزين تابعي لا صحبة له.
(٢) - ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٤٥) (٤٧٩٢، ٤٧٩٣) من طريق يحيى بن سعيد وابن مهدي، كلاهما عن سفيان. الثوري به.
(٣) - عزاه المصنف هنا للمسند وكذا السيوطي في الدر لكن وهمه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (٤/ ٥٤٦) فقال: (ووهم الحافظ ابن كثير ﵀ وهمًا شديدًا، إذ نسب هذا الحديث المرسل لرواية المسند). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٤٠) من طريق سعيد بن منصور به، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٥٩) عن أبي معاوية به.
(٤) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٤) من طريق ليث بن حماد، عن عبد الواحد بن زياد به، وقال: = [¬١]- في ز: "سمعت". [¬٢]- في ت: "عن". والصواب ما أثبتناه، لأن إسماعيل بن زكريا ومحمد بن خازم الضرير - أبا معاوية - من شيوخ سعيد بن منصور. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "كذا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "أبو".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (^١٣٦٤).
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته [¬١]، ولم تقدر على معاشرته - فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له [¬٢]، [ولا حرج] [¬٣] عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية.
فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير (^١٣٦٥):
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب ح [¬٤]. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، [عمن حدثه] [¬٥]، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها [في غير ما بأس] [¬٦]، فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه الترمذي (^١٣٦٦): عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - به.
_________________
(١) = "كذا قال عن أنس، والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسل عن النبي ﷺ".
(٢) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٣، ٤) من طريق عبد الله بن جرير بن جبلة به، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإبهام، وانظر كلامه في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/ ١٤٢).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٩) (٤٨٤٣)، وأخرجه الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في المختلعات حديث (١١٨٧)، عن بندار بالإِسناد الذي ذكره المصنف عقب هذا الحديث وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، عن إسماعيل في أيوب به.
(٤) - سنن الترمذي برقم (١١٨٧). [¬١]- في ز: "أو بغضته". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "ولا"، وسقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "عن جدته". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "في غير ما بأس".
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقال: حسن. قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإِسناد، ولم يرفعه.
وقال الإِمام أحمد (^١٣٦٧): [حدثنا عبد الرحمن] [¬١] حدثنا حماد بن زيد، عن أبوب، عن أبي قلابة قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير [ما] [¬٢] بأس، فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن جرير من حديث حماد بن زيد - به.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (^١٣٦٨): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة". وقال: "المختلعات هنّ المنافقات".
ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا (^١٣٦٩): عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد [¬٣] بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث -[هو ابن أبي سليم] [¬٤]- عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "المختلعات هنّ المنافقات". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٣٧٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا
_________________
(١) - المسند (٥/ ٢٨٣)، والدارمي في الطلاق، باب: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها حديث (٢٢٧٥)، وأبو داود في الطلاق، باب في الخلع حديث (٢٢٢٦)، وابن ماجة في الطلاق، باب: كراهية الخلع للمرأة حديث (٢٠٥٥)، والطبري في تفسيره (٤ /، ٥٧، ٥٧١) (٤٨٤٤) والحاكم (٢/ ٢٠٠)، والبيهقي (٧/ ٣١٦) من طريق حماد به، وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٨٢) عن أبي أسامة عن أيوب به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٨) (٤٨٤٠)، وهو عبارة عن حديثين: الأول تقدم من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان، والثاني يأتي بعد هذا.
(٣) - أخرجه الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في المختلعات حديث (١١٨٦)، والطبري في تفسيره (٤/ ٥٦٨) (٤٨٤١) بالإسناد المذكور، قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي" قلت: زواد بن علبة، وليث ضعيفان، وأبو الخطاب، وأبو زرعة مجهولان.
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٨، ٥٦٩) (٤٨٤٢)، وإسناده ضعيف، ذكره الهيثمي في مجمع = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط هن: خ. [¬٣]- في خ: "داود". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: عن "ابن سليم"، خ: "ابن ابن أبي سليم".
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات". غريب من هذا الوجه ضعيف.
[(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٣٧١): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال [¬١]: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات"] [¬٢].
(حديث آخر): قال ابن ماجة (^١٣٧٢): حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه [¬٣] فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".
ثم قد [¬٤] قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، قالوا: فلم يشرع الخلع [¬٥] إلا في هذه الحالة [¬٦]، فلا [يجوز في غيرها] [¬٧] إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن [¬٨] والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعيًّا.
_________________
(١) = الزوائد (٨/ ٥) وقال: (رواه الطبري وفيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح). وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري.
(٢) - المسند (٤/ ٤١٢)، وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٨)، والبيهقي (٧/ ٣١٦) من طريق وهيب بن خالد به. وعند النسائي: قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، وقال النسائي الحسن لم أسمع من أبي هريرة شيئًا. وانظر ذلك في جامع التحصيل (ص ١٩٦ - ١٩٧).
(٣) - سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب: كراهية الخلع للمرأة حديث (٢٠٥٤)، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣٣). [¬١]- زيادة من: ز، خ. (*) أي: لا يمكن الاجتماع بيننا، والبد من أن تفترق. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: موضعه بعد الفقرة التي تليها. [¬٣]- في خ: "كهه". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "الخلق". [¬٦]- في خ: "الآية". [¬٧]- في في ز: "يجوز في غيره"، خ: "تجور في غيره". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له، في بكر بن عبد الله المزني أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾.
ورواه ابن جرير عنه (^١٣٧٣). وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله.
وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس [¬١] وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها [¬٢] واختلاف ألفاظه.
قال الإِمام مالك في موطئه (^١٣٧٤): عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس [¬٣]، وأنّ رسول الله، ﷺ، خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟ "، قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: "ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (*) - لزوجها - فلما جاء زوجها [¬٤] ثابت بنن قيس قال له رسول الله ﷺ: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر"، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ: "خذ منها"، فأخذ منها، وجلست في أهلها.
وهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده مثله.
ورواه أبو داود (^١٣٧٥)، عن القعنبي، [عن مالك. والنسائي] [¬٥] عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك - به.
(حديث آخر): عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير (^١٣٧٦). حدَّثنا محمد بن معمر،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٥٨٠) (٤٨٧٧، ٤٨٧٨).
(٢) - الموطأ (٢/ ٥٦٤)، ومن طريق أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٣٣)، وأبو داود في الطلاق، باب في الخلع حديث (٢٢٢٧) والنسائي في الطلاق، باب ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٩)، وابن حبان (١٣٢٦ - موارد)، والبيهقي ٧/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢٢٢٧)، وسنن النسائي (٦/ ١٦٩).
(٤) - سنن أبي داود في الطلاق، باب: في الخلع حديث (٢٢٢٨) وتفسير الطبري = [¬١]- في ز، خ: "الشماس". [¬٢]- في خ: "حديثهما". [¬٣]- في ز، خ: "الشماس". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا أبو عمرو السدوسي، عن [عبد الله] [¬١] يعني: ابن أبي بكر - عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نُغْضَها (*) [¬٢]، فأتت [رسول الله] [¬٣] ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله، ﷺ، ثابتًا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها". قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم"، قال: فإني [¬٤] أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: "خذهما وفارقها"، ففعل.
وهذا لفظ ابن جرير. وأبو عمرو السدوسي -هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام-.
(حديث آخر) فيه، عن ابن عباس ﵁.
قال البخاري (^١٣٧٧): حدثنا أزهر بن جميل [¬٥]، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أعْتِبُ [¬٦] عليه في خلق ولا دين، ولكني [¬٧] أكره الكفر في الإِسلام. فقال [¬٨] رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
وكذا رواه النسائي (^١٣٧٨) عن أزهر بن جميل [¬٩] سناده مثله.
ورواه البخاري (^١٣٧٩) أيضًا به [¬١٠] عن إسحاق الواسطي، عن خالد -هو ابن عبد الله
_________________
(١) = (٤/ ٥٥٤) (٤٨٠٨)، وأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٥) من طريق عبد الله بن رجاء عن أبي عمر والسدوس سعيد بن سلمة بن أبي الحسام به. (*) النُّغْض - ويفتح - والناغض: أعلى الكتف. وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه.
(٢) - صحيح البخاري في الطلاق، باب الخلع، وكيف الطلاق فيه؟ حديث (٥٢٧)، وهو عند النسائي في الطلاق باب: ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٩) عن أزهر بن جميل به. وأخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب: المختلعة تأخذ ما أعطاها حديث (٢٠٥٦) من طريق عكرمة به.
(٣) - سنن النسائي (٦/ ١٦٩).
(٤) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٤). [¬١]- في ز، خ: "عبيد الله". [¬٢]- في ز، خ وسنن أبي داود: "بعضها". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "الرسول". [¬٤]- في ت: "إني". [¬٥]- في خ: "جبل". [¬٦]- في ز، خ: "أعيب". [¬٧]- في ز، خ: "ولكن". [¬٨]- في ز، خ: "قال". [¬٩]- في خ: "جبل". [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
الطحان - عن خالد -هو ابن مهران الحذاء - عن عكرمة، [عن ابن عباس] [¬١] به نحوه.
وهكذا رواه البخاري أيضًا (^١٣٨٠) من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به، وفي بعضها أنها قالت: (لا أطيقه) تعني: بغضًا. وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه.
ثم قال (^١٣٨١): حدثنا سليمان بن [¬٢] حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن جميلة ﵂ كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول [¬٣] أتت النبي، ﷺ، فقالت: والله، ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني [¬٤] أكره الكفر بعد الإسلام، ولا أطيقه بغضًا. فقال النبي ﷺ: "تردين [¬٥] عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ، أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد.
وهكذا رواه ابن ماجة (^١٣٨٢) عن أزهر بن مروان بإسناده - مثله سواء، وهذا إسناد جيد مستقيم، ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي، عن عبيد الله القواريري عن عبد الأعلى - مثله.
لكن قال ابن جرير (^١٣٨٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت [عبد الله بن] [¬٦] أبي ابن سلول: أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي، ﷺ فقال: "يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ "، قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: "أتردين عليه [¬٧] الحديقة؟ "، قالت: نعم، فردت الحديقة،
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٥، ٥٢٧٦).
(٢) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٧).
(٣) - أخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب: المختلعة تأخذ ما أعطاها حديث (٢٠٥٦) عن أزهر بن مروان به، وأخرجه البيهقي (٣١٣/ ٧) من طريق همام، عن قتادة ص ٢٣٦.
(٤) - تفسير الطبري (٤/ ٥٥٦) (٤٨١٠). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط س: ز. [¬٣]- في ز: "السلول". [¬٤]- في ز: "ولكنى". [¬٥]- في ز، خ: "تردى". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وفرق بينهما.
و[¬١] قال ابن جرير أيضًا (^١٣٨٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال قرأت على فضيل، عن أبي جرير: أنه سأل عكرمة: هل [¬٢] كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد [¬٣] أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامه، وأقبحهم وجهًا. فقال [¬٤] زوجها: يا رسول الله، إني قد [¬٥] أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما.
(حديث آخر): قال ابن ماجة (^١٣٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت [¬٦] في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق رسول الله، ﷺ، بينهما.
وقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال [¬٧] ابن جرير (^١٣٨٦): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كَثِير مولى سَمُرَةَ، أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزِّبل، ثم دعا بها فقال:
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٥٥٢) (٤٨٠٧).
(٢) - سنن ابن ماجة، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها برقم (٢٠٥٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٤): "هذا إسناد ضعيف؛ لتدليس الحجاج وهو ابن أرطاة".
(٣) - تفسير الطبري (٥٧٦١٤) (٤٨٦٠)، وأخرجه عبد الرازق -كما في الدر المنثور ١/ ٥٠٢ - ومن طريقه ابن جرير - (٤٨٦١) عن معمر بالإسناد الذي ذكره المصنف عقب هذا، وأخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٥) من طريق سفيان عن أيوب به. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر إلى عيد بن حميد. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "أنه". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "قال". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "بسقت". [¬٧]- في ز: "قال".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي [¬١] التي كنت [¬٢] حبستني. فقال لزوجها: اخلعها ولو من قُرْطِها.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن كثير [مولى سمرة] [¬٣] فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه [¬٤] ثلاثة أيام.
وقال [¬٥] سعيد بن أبي عروبة (^١٣٨٧)، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: إن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف [¬٦] وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة، فقال: خذ ولو عِقَاصها.
وقال البخاري (^١٣٨٨): وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.
وقال [¬٧] عبد الرزاق (^١٣٨٩): أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء حدّثته قالت: كان لي زوج يُقلّ [¬٨] [علي الخير] [¬٩] إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة [¬١٠] يومًا، فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه؟ قال: نعم. قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان [بن عفان] [¬١١]، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وبه يقول ابن عمر وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتّيّ، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي
_________________
(١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٦) عن ابن بشار ومحمد بن يحيى عن عبد الأعلى عن سعيد به.
(٢) - صحيح البخاري في الطلاق، باب الخلع، وكيف الطلاق فيه (٩/ ٣٠٦ - الفتح).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٧٨) (٤٨٧٠) عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٥) من طريق روح عن عبد الله بن محمد به بمعناه. [¬١]- في ت: "الليلة". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ر، خ: "مولى ابن سمرة". [¬٤]- سقط من: ز، خ: "له". [¬٥]- في ت: "قال". [¬٦]- في ت: "وكيف". [¬٧]- في خ: "قال". [¬٨]- غير واضحة بالأصل. [¬٩]- في ز: "علمه الحر". [¬١٠]- في ز، خ: "وله". [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز فى القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها [¬١] أكثر مما أعطاها. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري وطاوس، والحسن والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدّم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله، ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد (^١٣٩٠) حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي، ﷺ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها -يعني: المختلعة- وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك.
وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (^١٣٩١)، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(فصل)
قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فى رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوّجها إن
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٤) من طريق أبى نعيم، وقبيصة عن سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٢٨) ومن طريقه البيهقي عن سفيان عن ابن جريج به. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٤) (٤٨٤٨) من طريق مؤمن عن سفيان به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٧٣) (٤٨٤٥). [¬١]- سقط من: ت.
[ ٢ / ٣٥١ ]
شاء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. قال الشافعي، وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق.
وروى غير الشافعي (^١٣٩٢): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أيتزوّجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ [¬١] من [¬٢] أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة.
والقول الثاني في الخلع أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك. قال مالك (^١٣٩٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان [¬٣] مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان فى ذلك فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت. قال الشافعي: ولا أعرف جُمْهان [¬٤]. وكذا ضعف أحمد [ابن حنبل] [¬٥] هذا الأثر، والله أعلم.
وقد روي نحوه [¬٦] عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن، وعطاء وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعي، وعثمان البتي [¬٧]، والشافعي في الجديد، غير أن
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٦) بسنده إلى سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠١) إلى عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر.
(٢) - أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ١٨١) ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٦) عن مالك عن هشام به. وأخرجه ابن أبى شيبة في المصنف (٤/ ٨٤) عن وكيع عن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠١) أيضًا لمالك وعبد الرزاق. [¬١]- في ز، خ: "عنه". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "جهان". [¬٤]- في ز: "جهان". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "غيره". [¬٧]- فى ز، خ: "الليثي".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق -فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث. وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية- فليس هو بشيء بالكلية.
[مسألة]
وذهب [مالك] [¬١] وأبو حنيفة، والشافعي وأحمد، وإسحاق [بن راهويه] [¬٢] في رواية عنهما، وهي المشهورة إلى أن المختلعة عدّتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك. عن عمر وعلي وابن عمر. وبه يقول سعد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخِلَاس بن عمرو [¬٣]، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتدّ كسائر المطلقات.
والقول الثاني أنها تعتدّ بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها.
قال ابن أبي شيبة (^١٣٩٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع؛ أن الرُّبَيِّع اختلعت من زوجها، فأتى عمُّها عثمانَ، ﵁؛ فقال: تعتد بحيضة [¬٤]، قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا.
وحدثنا عبدة (^١٣٩٥)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: عدّة المختلعة حيضة.
وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [¬٥] (^١٣٩٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: عدّتها حيضة. وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان، وكل من تقدم ذكره ممن يقول: "إن الخلع فسخ" يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي (^١٣٩٧)؛ حيث قال
_________________
(١) - المصنف لابن أبى شيبة (٥/ ١١٤).
(٢) - مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٨٧)، وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب: في الخلع (٢٢٣٠) من طريق مالك عن نافع به.
(٣) - مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٨٧).
(٤) - سنن أبو داود في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، حديث (٢٢٢٩)، والترمذي في = [¬١]- فى خ: "أبو مالك". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- فى خ: "عمر". [¬٤]- فى ز: "حيضة". [¬٥]- فى ز، خ: "البخاري".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي، ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ، أن تعتد بحيضة. ثم قال الترمذي [¬١]: حسن غريب.
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا.
(حديث آخر): قال الترمذي (^١٣٩٨): حدّثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن -وهو مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء؛ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.
(طريق أخرى): قال ابن ماجة (^١٣٩٩): حدّثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن [] [¬٢]، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت فسألت [] [¬٣]: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون [¬٤] حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي [¬٥] حيضة. قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله، ﷺ، في مريم
_________________
(١) = الطلاق باب ما جاء في الخلع حديث (١١٨٥ م). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٠٦) وعنه البيهقي فى السنن (٧/ ٤٥٠) من طريق على بن بحر به. لكن روى هذا الحديث عبد الرزاق عن معمر فأرسله أخرجه الحاكم وعنه البيهقي بسنده إلى عبد الرزاق.
(٢) - سنن الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع حديث (١١٨٥). وأخرجه البيهقي (٧/ ٤٥٠) من طريق الفضل بن موسى به. ثم رواه البيهقي من طريق وكيع عن سفيان به فذكره وليس فيه من أمرها ولا أن ذلك كان على عهد النبي- ﷺ وقال البيهقي: وهذا أصح وقد روينا في كتاب الخلع أنها اختلعت من زوجها زمن عثمان بن عفان ﵁.
(٣) - سنن ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب عدة المختلعة حديث (٢٠٥٨) = وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: عدة المختلعة (٦/ ١٨٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين خ، سنن ابن ماجة: عن عبادة بن الصامت. وهو تحريف وزيادة مقدمة في السند. راجع تحفة الأشراف [١١/ ١٥٨٣٦]. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "عثمان". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "تحيضين".
[ ٢ / ٣٥٤ ]
المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيسٍ، فاختلعت منه.
وقد روى ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن أبى سلمة. وعن [¬١] محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع [¬٢] بنت معوذ [¬٣]؛ قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة.
[مسألة]
وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب والزهري؛ أنهم قالوا: إن ردّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي [¬٤] ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمَّى [¬٥] طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة. وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوّجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فِرْقَةٍ أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.
[مسالة]
وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
(أحدها [¬٦] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه. وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور.
(والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقًا [¬٧] من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما لم يقع. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁.
(والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعى، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء،
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "ربيع". [¬٣]- في خ: "مسعود". [¬٤]- في ز: "أبو". [¬٥]- في ت: "يسمى". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "فطلاقًا".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (^١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [¬١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [¬٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (^١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [¬٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [¬٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [¬٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.
_________________
(١) - رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١١٥) ومن طريقه البيهقي في السنن (١٠/ ١٢) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ به مرفوعًا، وتصحيح الحافظ له هنا متعقب، فإن الحديث فيه انقطاع واختلاف ذكرهما الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٥٠) ط. الرسالة.
(٢) - سنن النسائي في الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٢). [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز، خ: "جميع". [¬٣]- في ز، خ: "عن". [¬٤]- في ز: "يمينى". [¬٥]- في ز: "بأنه".
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (^١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها".
هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (^١٤٠٣)؛ فقال:
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [¬١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [¬٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ: "حتى تذوق [¬٣] العسيلة".
وهكذا رواه النسائى (^١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [¬٤]، كلاهما عن محمد [بن] [¬٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم.
وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [¬٦] هذا الحديث (^١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم
_________________
(١) - تفسير الطبرى (٤/ ٥٩٦) (٤٩٠٢)، وهو بإسنادين آخرين عنده برقم (٤٩٠٣، ٤٩٠٤) وأسانيده كلها ضعيفة كما قال العلامة أحمد شاكر. وانظر التالي.
(٢) - المسند (٢/ ٨٥) وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا والنكاح الذى يحلها به (٦/ ١٤٨ - ١٤٩)، وابن ماجة فى النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتزوج … حديث (١٩٣٣)، من طريق محمد بن جعفر به. وانظر التالي.
(٣) - سنن النسائي (٦/ ٤٨١)، وسنن ابن ماجة برقم (١٩٣٣).
(٤) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٥، ٦٢)، والنسائي، في الطلاق، باب إحلال المطلق ثلاثًا (٦/ ١٤٩)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٥٩٦) (٤٩٠٤). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "يطلقها". [¬٣]- في ز: "يذوق". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "ماجة".
[ ٢ / ٣٥٧ ]
يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق [¬١] العسيلة".
وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [¬٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا، حتى يكون [¬٣] الآخر قد [¬٤] ذاق [من] [¬٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته".
وهكذا [¬٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره.
(قلت): ومحمد بن دينار "بن صندل" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [¬٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وذكر [¬٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق [] [¬٩] عسيلتها".
ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٨٤)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٤) (٥٩٠٠)، والطبراني في الأوسط (٢٣٧٢) والبيهقي (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) من طريق محمد بن دينار به، وانظر مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٣).
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٣) (٤٨٩٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٨) عن الحسين بن موسى الأشيب، والطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٣) (٤٨٩٨) من طريق سعد بن حفص الطلحي، كلاهما عن شيبان به. [¬١]- في ز، خ: "يذوق". [¬٢]- في خ: "الهمداني". [¬٣]- فى خ: "تكون". [¬٤]- في ز، خ: "حتى". [¬٥]- سقط من: ت. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "الطائي". [¬٨]- في ز: "وقال". [¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: "الآخر".
[ ٢ / ٣٥٨ ]
(حديث آخر): قال ابن جرير:
[حدثنا ابن مثنى] [¬١] حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله، ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: "لا حتى يذوق من عسيلتها، كما ذاق الأول".
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (^١٤٠٨) من طرق عن عبيد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة، به.
(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله [¬٢] بن إسماعيل الهَبَّاري، وسفيان ابن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل النبي، ﷺ، عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته".
وكذا رواه أبو داود، عن مسدد، والنسائي (^١٤٠٩)، عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- به.
(طريق أخرى): قال مسلم في صحيحه (^١٤١٠): حدثنا محمد بن العلاءِ الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا آخر [¬٣] فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها".
_________________
(١) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٢) (٤٨٩٦)، وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا (٦/ ١٤٨) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد (٦/ ١٩٣)، والبخاري في الطلاق، باب: من جوز الطلاق الثلاث، حديث: (٥٢٦١)، ومسلم في النكاح، حديث (١٤٣٣) (١١٥) من طريق عبيد الله بن عمر به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٨٩) (٤٨٨٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٧)، وأحمد (٦/ ٤٢)، وأبو داود في الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره حديث (٢٣٠٩)، والنسائي في الطلاق، كتاب: الطلاق للتي تنكح زوجًا ثم لا يدخل بها (٦/ ١٤٦) من طريق أبي معاوية به.
(٣) - صحيح مسلم في النكاح، برقم (١٤٣٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن [¬١] فضيل (ح [¬٢]. وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، جميعًا عن هشام بهذا الإِسناد.
وقد رواه البخاري (^١٤١١) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام، به.
وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين.
وهكذا رواه ابن جرير (^١٤١٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه، -أو مثله- وهذا إسناد جيد.
وكذا رواه ابن جرير أيضًا، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة، عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بمثله (^١٤١٣).
وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدّثنا يحيى، عن هشام [بن عروة] [¬٣]، حدثني أبي، عن عائشة [] [¬٤] عن النبي، ﷺ.
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن [عروة] [¬٥]، عن أبيه، عن عائشة: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، [فتزوجت آخر] [¬٦] فأتت النبي، ﷺ، فذكرت له [¬٧] أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (^١٤١٤).
تفرد به من هذين الوجهين [] [¬٨].
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب الطلاق، باب من قال لامرأته: أنت على حرام حديث (٥٢٦٥)، وأخرجه في باب: إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها حديث (٥٣١٧) من طريقين عن هشام به.
(٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٠) (٤٨٨٩).
(٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٢) (٤٨٩٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٩٦) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد به.
(٤) - صحيح البخاري برفم (٥٣١٧). [¬١]- فى ز: "أبو". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "مرفوعًا". [¬٥]- فى ز، خ: "عبدة". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: "هذا الوجه".
[ ٢ / ٣٦٠ ]
(طريق أخرى): قال الإمام أحمد (^١٤١٥): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي، وأنا وأبو بكر عند النبي، ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، كان عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهُدبَة، وأخَذَتْ هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تحهر به بين يدي [رسول الله ﷺ؟] [¬١]، فما زاد رسول الله، ﷺ، على التبسم، وقال [¬٢] رسول الله ﷺ: "كأنك تريدين أن ترجعي إلى، رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
وهكذا رواه البخاري (^١٤١٦) من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن مَعْمَر، به.
وفي حديث عبد الرزاق عند [¬٣] مسلم: أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطيقات.
وقد رواه الجماعة (^١٤١٧) إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق ورنس بن يزيد [وعنده: آخر ثلاث تطيقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] [¬٤] كلهم [¬٥]، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، به.
_________________
(١) - المسند (٦/ ٣٤)، وأخرجه الحميدي (٢٢٦)، وأحمد (٦/ ٣٧، ٢٢٦)، والدارمي في كتاب الطلاق، باب: ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها حديث (٢٢٧٢)، والبخاري في الشهادات، باب: شهادة المختبئ، حديث ٢٦٣٩)، وفي الطلاق، باب: من جوز الطلاق الثلاث حديث (٥٢٦٠)، وفي اللباس، باب الإزار المهدب حديث (٥٧٩٢)، وفي الأدب، باب؛ التبسم والضحك حديث (٦٥٨٤)، ومسلم في النكاح في حديث (١٤٣٣)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثًا، حديث (١١١٨)، والنسائي في النكاح، باب: النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا لمطقها (٦/ ١٤٦)، وباب: إحلال المطلقة ثلاثًا (٦/ ١٤٨)، وابن ماجه في النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا حديث (١٩٣٢) من طرق عن الزهريّ به.
(٢) - صحيح البخاري برقم (٦٠٨٤)، وصحيح مسلم برقم (١٤٣٣)، وسنن النسائي (٦/ ١٤٦).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٢٦٣٩)، وصحيح مسلم برقم (١٤٣٣)، سنن الترمذي برقم (١١١٨)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٦٠٤)، وسنن ابن ماجة برقم (١٤٣٣) من طريق يونس بن يزيد. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "فقال". [¬٣]- في ز: "عن". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وقال مالك (^١٤١٨): عن المسِوَر بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله، ﷺ، ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض [¬١] عنها، فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة [ابن سموال] [¬٢] أنْ ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله، ﷺ، فنهاه عن تزويجها وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".
هكذا [¬٣] رواه أصحاب الموطأ [¬٤]، عن مالك، وفيه انقطاع.
وقد رواه إبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن وهب، عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير، ابن عبد الرحمن [بن الزبير] [¬٥]، عن أبيه فوصله.
[فصل]
والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط [¬٦] الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئًا مباحًا، فلو وطئها وهي مُحْرمة أو صائمة، أو معتكَفة، أو حائض، أو نُفَساء، أو والزوج صائم، أو محرم، أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء. وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًّا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري -فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر- أن يُنتزِلَ الزوجُ الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة [¬٧] والسلام: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، ويلزم على هذا أن تنزل [¬٨] المرأة أيضًا. وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ، قال [¬٩]: "ألا إن العسيلة الجماع" (^١٤١٩).
_________________
(١) - الموطأ (١/ ٥٣١)، وعنه الشافعي في الأم (٥/ ٢٢٩) والبيهقي في السنن (٧/ ٣٧٥). وأخرجه البيهقي (٧/ ٣٧٥) بسنده إلى ابن وهب عن مالك عن المسور عن الزبير بن عبد الرحمن عن أبيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠٦) من حديث عبد الرحمن بن الزبير إلى البزار، والطبراني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٣): رجاله ثقات.
(٢) - مسند أحمد (٦/ ٦٢) من حديث أبي عبد الملك المكي، عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٤): وفيه أبو عبد الملك المكي، ولم أعرفه بغير هذا الحديث= [¬١]- في ز، خ: "فأعرض". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "كذا". [¬٤]- في خ: "الموطات". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "واشترط". [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في خ: "ينزل". [¬٩]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فأما إذا كان الثاني إنما قَصدُه أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
(الحديث الأول) عن ابن مسعود ﵁، قال الإمام أحمد (^١٤٢٠): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل [¬١]، عن عبد الله قال: لعن رسول الله، ﷺ، الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة [¬٢]، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله.
ثم رواه أحمد والترمذي، والنسائي من غير وجه (^١٤٢١)، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي قيس-واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي [¬٣]- عن هزيل بن شرحبيل الأودى [¬٤]، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ به [¬٥]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس.
(طريق أخرى): عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد (^١٤٢٢): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ، قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
(طريق أخرى): روى الإمام أحمد (^١٤٢٣)، والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله ابن
_________________
(١) = وبقية رجاله رجال الصحيح). ولم أقف على الحديث عند النسائي.
(٢) - المسند (١/ ٤٤٨). (*) الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكُحْل فيزرقّ أثره أو يخضرُ والمستوشمة: التي يفعل بها ذلك. وأما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بشعر آخر زُورٍ والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك.
(٣) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦٢) والدارمي (٢٢٦٣، ٢٥٣٨)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء في المحل والمحلل له (١١٢٠)، والنسائي في الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٩) من طرق عن سفيان به.
(٤) - المسند (١/ ٤٥٠).
(٥) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦٤)، والنسائي في سننه في الزينة، باب: المتوشمات وذكر الاختلاف= [¬١]- في ز، خ: "الهذيل". [¬٢]- في خ: "الموصولة". [¬٣]- في ز، خ: "الأزدي". [¬٤]- في خ: "الأزدي". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
مرة، عن الحارت الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: أكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي (٥) الصدقة والمتعدي [¬١] فيها، والمرتد على [¬٢] عقبيه إعراضًا [¬٣] بعد هجرته، والمحلل والمحلل له ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.
(الحديث الثاني) عن علي ﵁ قال الإمام أحمد (^١٤٢٤):
حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحُسن، ومانع الصدقة، والمحلل [¬٤] والمحلل له، وكان ينهى عن النوح.
وكذا رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن جابر -وهو ابن يزيد الجعفي-، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، به. وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي به.
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث الشعبي، به (^١٤٢٥).
ثم قال أحمد (^١٤٢٦): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، صاحب الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، والمحلل، والمحلل له.
(الحديث الثالث) عن جابر ﵁، قال الترمذي (^١٤٢٧):
_________________
(١) = على عبد الله بن مرة والشعبي في هذا (٨/ ١٤٧) وابن حبان (١١٤٥ - موارد) كان طريق الأعمش به. (*) اسم فاعل كان "لواه" بمعنى: صرفه. والمقصود: مانع الصدقة.
(٢) - المسند (١/ ١٠٧) (٨٤٤)، وأخرجه أحمد (١/ ٨٣، ٨٧، ١٠٧، ١٢١، ١٥٠، ١٥٨)، وأبو داود في النكاح، باب: في التحليل حديث (٢٠٧٦، ٢٠٧٧)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء في المحلل والمحلل له، حدث (١١١٩)، والنسائي في الزينة، باب: المتوشمات، وذكر الاختلاف على عبد الله بن مرة عن الشعبي في هذا (٨/ ١٤٧)، وابن ماجه في النكاح، باب المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٥) من طرق عن الشعبي به.
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢٠٧٦)، وسنن الترمذي (١١١٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٣٥).
(٤) - المسند (١/ ٨٨)، وأخرجه في (١/ ٩٣) عن خلف بن الوليد عن إسرائيل به.
(٥) - سنن الترمذي، كتاب النكاح رقم (١١١٩). [¬١]- في خ: "المعتدي". [¬٢]- في ت: "عن". [¬٣]- في ز، خ: "إعراضًا". وهو تصحيف [¬٤]- في ز: "المحل". [¬٥]- في خ: "عن".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زُبَيد اليَامِي [¬١]، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله، ﷺ، لعن المحلل والمحلل له. ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح.
(الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر ﵁، قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^١٤٢٨):
حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشْرَح [¬٣]-هو ابن هاعان-: قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل [¬٤]، لعن الله المحلل [¬٥] والمحلل له".
تفرد به ابن ماجة، وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث- به. ثم قال: كانوا ينكرون [¬٦] على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.
(قلت): عثمان هذا أحد الثقات روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريالي: عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به، فبرئ من عهدته،] [¬٧] والله أعلم.
(الحديث الخامس) عن ابن عباس ﵄، قال ابن ماجة (^١٤٢٩):
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة به. صالح، عن سلمة بن وَهْرَام [¬٨]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل والمحلل له.
_________________
(١) - سنن ابن ماجه في النكاح، باب: المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٦)، وأخرجه الحاكم (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق الليث به، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٩): إِسناده مختلف فيه من أجل أبي مصعب.
(٢) - سنن ابن ماجه في النكاح، باب: المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٤)، وضعف البوصيري= [¬١]- في ز: "الأيامى"، خ: "إلامامي". [¬٢]- في ز، خ: "مجاهد". [¬٣]- في ز، خ: "سرّح". [¬٤]- في ز، خ: "المحل". [¬٥]- في ز، خ: "المحل". [¬٦]- في ز، خ: "منكرون". [¬٧]- مكانها بياض في ز، خ. [¬٨]- في و، خ: "وهدام".
[ ٢ / ٣٦٥ ]
(طريق أخرى): قال الإمام الحافظ خطب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني [¬١] السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل [بن أبي حبيبة] [¬٢]، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله، ﷺ، [عن نكاح المحلل] [¬٣]، قال: "لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دُلْسَة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها" (^١٤٣٠).
ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^١٤٣١): عن حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي، ﷺ، بنحو من هذا. فيتقوى كل من هذا المرسل، والذي قبله بالآخر، والله أعلم.
(الحديث السادس) عن أبي هريرة ﵁، قال الإِمام أحمد (^١٤٣٢):
حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عبد الله -هو ابن جعفر- عن عثمان بن محمد عن المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل [¬٤] والمحلل له.
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي (^١٤٣٣) من طريق عبد الله بن جعفر القرشيّ وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه.
(الحديث السابع) عن ابن عمر ﵄، قال الحاكم في مستدركه (^١٤٣٤): حدَّثنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا
_________________
(١) = إسناده في مصباح الزجاجة (٢/ ١٠٢) لضعف زمعة بن صالح ..
(٢) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٢٦) من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن إبراهيم بن أبي حبيبة به.
(٣) - مصنف ابن أبي شيبة في النكاح، باب في الرجل يطلق امرأته فيتزوجها رجل ليحلها له. (٣/ ٣٩٢).
(٤) - المسند (٢/ ٣٢٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٩٢)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق عبد الله بن جعفر به.
(٥) - المصنف لابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٦)، وسنن البيهقي الكبرى (٧/ ٢٠٨).
(٦) - المستدرك (٢/ ١٩٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٢٠٨). [¬١]- في خ: "الجورجاني". [¬٢] ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ابن أبي حنيفة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "المحل".
[ ٢ / ٣٦٦ ]
أبو غسان [¬١] محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله، ﷺ. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقد رواه الثوري: عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر- به. وهذه الصيغة مشعرة بالرفع، وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني، وحرب الكرماني، وأبو بكر الأثرم، من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل [¬٢] ولا محلل له إلا رجمتهما (^١٤٣٥).
وروى البيهقي من حديث ابن لَهِيعة، عن بُكَير بن الأشج، عن سليمان بن [¬٣] يسار [¬٤]: أن عثمان بن عفان رُفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما. وكذا روي عن علي وابن عباس، وغير واحد من الصحابة، ﵃.
وقوله: ﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف. [قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] [¬٥]. ﴿وتلك حدود الله﴾ أي شرائعه وأحكامه ﴿يبينها﴾ أي: يوضحها ﴿لقوم يعلمون﴾.
وقد اختلف الأئمة، ﵏، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر فدخل بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃؟ أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏؟ وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ
_________________
(١) - أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٩١)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (١/ ٥٠٧) إلى عبد الرزاق، وأبي بكر الأثرم. [¬١]- في ز، خ: "أبو يمان". [¬٢]- في ز، خ: "بمحل". [¬٣]- سقط من: ز، خ [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾
هذا أمر من الله ﷿ للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يسرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق [¬١]، ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ أي: بمخالفته أمر الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية (^١٤٣٦):
أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي [¬٢]، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى أنّ رسول الله، ﷺ، غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: "يقول أحدكم (قد طلقت قد راجعت) ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل (*) عدتها".
ثم رواه من وجه آخر، عن أبي خالد الدالاني [¬٣]- وهو-يزيد بن عبد الرحمن- وفيه كلام.
وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كُنْهِه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها، لتطول عليها العدة.
وقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ١٤). (*) أي في أول عدتها حتى يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها فتكون لها محسوبة. النهاية [٤/ ٩]. [¬١]- في ز، خ: "شنان". [¬٢]- في خ: "الأزدي". [¬٣]- في ز، خ: "الدلال".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
ويقول: كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فألزم الله بذلك.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدَّثنا أبو أحمد الصيرفي، حدّثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب، لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. فألزمه رسول الله، ﷺ الطلاق.
وقال ابن أبي حاتم (^١٤٣٧): حدَّثنا عصام بن رَوّاد، حدَّثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، ويعتق ويقول: كنت لاعبًا. وينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: "من طلق، أو أعتق، أو نكح أو أكح، جادا أو لاعبًا، فقد جاز عليه".
وكذا رواه ابن جرير: من طريق الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن- مثله. وهذا مرسل.
وقد رواه ابن مردويه، من طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء- موقوفًا عليه. وقال أيضًا (^١٤٣٨):
حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ، يقول للرجل: زوّجتك بنتي، ثم يقول: كنت لاعبًا. ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح".
والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (^١٤٣٩): من طريق عبد
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٥) (٢٢٤٨)، والطبري (٥/ ١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٨١) من طريق آخر، فرواه عن عيسى بن يونس، عن عمرو، عن الحسن، به.
(٢) - ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده برقم (٥٠١) "زوائده" من طريق آخر، فرواه من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت به مرفوعًا.
(٣) - أخرجه أبو داود في الطلاق، باب في الطلاق على الهزل حديث (٢١٩٤)، والترمذي في =
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الرحمن بن حبيب بن أَرْدك [¬١]، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هروة قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "ثلاث [¬٢]، جدّهن جد، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة". وقال الترمذي: حسن غريب.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم ﴿واتقوا الله﴾: فيما تأتون وفيما تذرون ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^١٤٤٠): نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له [أن يتزوجها] [¬٣] وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.
وكذا روى العوفي، عنه (^١٤٤١)، [أيضًا] [¬٤].
وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري، والضحاك: إنها نزلت في ذلك (^١٤٤٢).
_________________
(١) = الطلاق باب: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق حديث (١١٨٤)، وابن ماجه في الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاهيًا حديث (٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٤٠ - ٣٤١) من طريق عبد الرحمن بن حبيب به.
(٢) - رواه ابن جرير (٥/ ٢٢) رقم (٤٩٤٠)
(٣) - تفسير ابن جرير (٥/ ٢٢) (٤٩٤١)
(٤) - تفسير الطبري (٤٩٤٢، ٤٩٤٣، ٤٩٤٤، ٤٩٤٥). [¬١]- في خ: "أدرك". [¬٢]- في خ: "ثلاثة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "تزويجها". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك [أن تزوّج] [¬١] نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: "لا تزوّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (^١٤٤٣).
وفي الأثر الآخر (^١٤٤٤) " لا نكاح إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل".
وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرَّر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني [¬٢] وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند [¬٣] تفسير هذه الآية (^١٤٤٥): حدَّثنا عبيد [¬٤] الله بن سعيد، حدَّثنا أَبو عامر العَقَدي [¬٥]، حدَّثنا عبَّاد بن راشد، حدَّثنا الحسن قال [¬٦]: حدثني مَعْقل بن يسار قال: كانت لي [¬٧] أخت تخطب إليَّ.
قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، حدثني [¬٨] معقل بن يسار (ح) [¬٩].
وحدثنا أَبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتَّى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
_________________
(١) - ورواه ابن ماجة في السنن برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا به، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٨٤): "هذا إسناد مختلف فيه".
(٢) - الشافعي في الأم (٥/ ٢٢). والبيهقي في الكبرى (٧/ ١١٢، ١٢٤). من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس موقوفًا.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٢٩). وسنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: في العضل حديث (٢٠٨٧)، وسنن التِّرمِذي، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة حديث (٢٩٨١)، وتفسير الطبري (٥/ ١٧، ١٨) (٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٤٩٣٠، ٤٩٣١) ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف لسنن ابن ماجة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "عن". [¬٤]- في ز: "عبد". [¬٥]- في ز، خ: "العبدي". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في خ: "إلى". [¬٨]- في خ: "عن". [¬٩]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٧١ ]
وهكذا رواه أَبو داود، والتِّرمِذي، [وابن ماجة] وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه من طرق متعددة، عن الحسن، عن معقل بن يسار - به.
وصححه التِّرمِذي أيضًا، ولفظه عن معقل بن يسار: أنَّه زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتَّى انقضت العدة [¬١]، فهويها وهَوِيته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لُكَع [بن لكع] [¬٢]، أكرمتك بها، وزوَّجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوِّجك وأُكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني.
وروى ابن جرير (^١٤٤٦)، عن ابن جريج قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت [¬٣] تحت [¬٤] أبي البَدّاح.
وقال سفيان الثَّوري (^١٤٤٧): عن أبي إسحاق السبيعي قال: هي فاطمة بنت يسار.
وهكذا ذكر غير واحد من السلف: أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته.
وقال السدي (^١٤٤٨): نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له. والصحيح الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه مِن منْع الولايا أن يتزوّجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أي الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾] [¬٥] أي: يؤمن بشرع الله ويخاف وعِيد الله وعذابه في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في ردّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٠/ ٥) رقم (٤٩٣٣).
(٢) - تفسير الطبري (٤٩٣٦).
(٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢١) رقم (٤٩٣٩). [¬١]- في ت: "عدتها". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. وكذا سنن التِّرمِذي. [¬٣]- في خ: "كاتب". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى [¬١] أنَّه لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما [¬٢] لم يحرم.
قال التِّرمِذي (^١٤٤٩): (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلَّا في الصغر دون الحولين) حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا أَبو عوانة، عن هشام بن عروة [¬٣]، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلَّا مما [¬٤] فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام".
وقال [¬٥] هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلَّا ما [¬٦] كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا. وفاطمة بنت المنذر [بن الزُّبَير] [¬٧] بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.
(قلت): تفرَّد التِّرمِذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: "إلَّا مما كان في الثدى" أي: في محل [¬٨] الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي
_________________
(١) - سنن الترمذي، كتاب الرضاع برقم (١١٥٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "فوقها". [¬٣]- في بعض نسخ التِّرمِذي: "عن أبيه". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "من". [¬٧]- في خ: "بن أبي الزبير". [¬٨]- في ز: "حال".
[ ٢ / ٣٧٣ ]
رواه أحمد (^١٤٥٠)، عن وكيع وغُنْدَر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعًا في الجنَّة".
وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة.
وإنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم [﵇] [¬١] مات وله [¬٢] سنة و[¬٣] عشرة أشهر، فقال: "إن له مرضعًا في الجنَّة" يعني [¬٤]: تكمل رضاعه.
ويؤيده ما رواه الدارقطني (^١٤٥١) من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يُحرّم من الرضاع إلَّا ما كان في الحولين"، ثم قال: و[¬٥] لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.
(قلت): وقد رواه الإِمام مالك في الموطأ (^١٤٥٢)، عن ثور بن يزيد [¬٦]، عن ابن عبَّاس - مرفوعًا. ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن [¬٧] عبَّاس [¬٨] و[¬٩] زاد: "وما كان بعد الحولين فليس بشيء"، وهذا أصح.
وقال أَبو دواد الطالسي (^١٤٥٣)، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْمَ بعد احتلام [¬١٠] "، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مروى [¬١١] عن علي وابن عبَّاس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة [وابن عمر] [¬١٢] وأُمّ سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب
_________________
(١) - المسند (٤/ ٣٠٠)، وصحيح البخاري، كتاب الجنائز برقم (١٣٨٢).
(٢) - سنن الدارقطني (٤/ ١٧٤).
(٣) - الموطأ (٢/ ٦٠٢).
(٤) - مسند الطيالسي حديث (١٧٦٧) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: زيد. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- في ز، خ: "أحلام". [¬١١]- في ت: "يروى". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك في رواية، و[¬١] عنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر.
وقال أَبو حنيفة: سنتان وستة أشهر.
وقال زُفَر بن الهُذَيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي.
قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين فأرضعته امرأة بعد فصاله لم يحرم، لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور، سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل، كقول مالك، والله أعلم.
وقد روي في الصحيح [¬٢] عن عائشة (^١٤٥٤) ﵂: أنَّها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبي ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور.
وحجة الجمهور - منهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج [¬٣] رسول الله ﷺ سوى عائشة - ما ثبت في الصحيحين (^١٤٥٥)، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "انظْرنَ من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة".
وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير عند قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف، ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ
_________________
(١) - صحيح مسلم حديث ٣٠ - (١٤٥٥).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الشهادات، كتاب: الشهادة على الأنساب … حديث (٢٦٤٧)، صحيح مسلم، كتاب الرضاع حديث (١٤٥٥). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "الصحيحين". [¬٣]- في خ: "أصحاب".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال الضحاك: إذا طلَّق زَوْجَته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا [¬١] ولدته حثى تسقيه اللَّبَأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا [¬٢] شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ بولده أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقَتَادة والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه [¬٣] قاله مجاهد والشعبي، والضحاك.
وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإِنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإِضرار بها، وهو قول الجمهور.
وقد استقصى [¬٤] ذلك ابن جرير في تفسيره. وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويُرَشَّح ذلك [¬٥] بحديث الحسن عن سَمُرة مرفوعًا: "من ملك ذا رَحِم مَحْرَمٍ عتق عليه" (^١٤٥٦).
وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد؛ إما في بدنه، أو عقله.
و[¬٦] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنَّه رأى امرأة ترضع بعد
_________________
(١) - رواه أَبو داود في كتاب العتق، باب: فيمن ملك ذا رحمٍ محرم حديث (٣٩٤٩)، والتِّرمِذي في الأحكام، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم حديث (١٣٦٥) من طريق عاصم الأحول عن الحسن به، ورواه النَّسائي في الكبرى (٣/ ١٧٣)، ورواه ابن ماجة في العتق، كتاب: من ملك ذا رحيم حديث (٢٥٢٤) وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قَتَادة عن الحسن، عن عمر شيئًا من هذا". ولفظه عندهم: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". [¬١]- في خ: "إن". [¬٢]- في ز: "إن". [¬٣]- في خ: "تقريبه". [¬٤]- في ز: بياض، خ: "روى". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "وقد".
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الحولين فقال: لا ترضعيه.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا [¬١] الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك واجتمعا [¬٢] عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثَّوري وغيره.
وهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه [¬٣]، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد؛ إما لعذر [¬٤] منها أو عذر [¬٥] له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. قاله غير واحد.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم واقوالكم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾
هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن: يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإِجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وصححه التِّرمِذي (^١٤٥٧): أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم
_________________
(١) - المسند (٤/ ٢٨٠) (١٨٥١٢)، ورواه أَبو داود (٢/ ٢٣٧) حديث (٢١١٤) في كتاب النكاح = [¬١]- في خ: "والد". [¬٢]- في ت: "وأجمعا". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "بعذر". [¬٥]- في ت: "لعذر".
[ ٢ / ٣٧٧ ]
يفرض لها؛ فترددوا إليه مرارًا [¬١] في ذلك، فقال: أقول فيها برأي، فإن يك [¬٢] صوابًا فمن الله، وإن يك [¬٣] خطأ فمني ومن الشيطان، [والله ورسوله بريئان منه] [¬٤]: لها الصداق كاملًا.
وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَطَ (*)، وعليها العدّة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت وَاشِق؛ ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا.
وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق.
ولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة العموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وكان ابن عبَّاس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سُبَيعة الأسلمية المخرَّج في الصحيحين من غير وجه (^١٤٥٨): أنَّها [¬٥] توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب (**) أن وضعت حملها بعد وفاته. وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ (* * *) من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أَبو السنابل بن بَعْكَك
_________________
(١) = باب: فيمن تزوج ولم يسم طلاقًا حتَّى مات. والتِّرمِذي (٣/ ٤٥٠) حديث (١١٤٥) في كتاب النكاح، وباب: ما جاء في الرجل يزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يطرص لها. والنَّسائي (٦/ ١٢١ - ١٢٢) في كتاب النكاح، باب: إباحة التزويج بغير طلاق. وابن ماجة (١/ ٦٠٩) حديث (١٨٩١) في كتاب النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك. والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣١ - ٢٣٢) حديث (٥٤٢ - ٥٤٦). وصححه الشيخ الألباني انظر الإرواء (١٩٣٩). (*) الوكس: النقص. والشطط: الجور.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٣١٩)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث (١٤٨٤). (**) أي: لم تلبث. (* * *) أي ارتفعت وطُهرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ منها. أي خرجت من نفاسها وسلمت. (النهاية ٣/ ٢٩٣). [¬١]- في ز: "شهرًا". [¬٢]- في خ: "يكن". [¬٣]- في خ: "يكن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "أنَّه".
[ ٢ / ٣٧٨ ]
فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟! والله ما أنت بناكح حتَّى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابِي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ حملي [¬١]، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.
قال أَبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عبَّاس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني: لما احْتُجَّ عليه به. قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.
وكذلك يُستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أَمَةً، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، [شهران وخمس ليال، على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة] [¬٢] في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها [¬٣] في العدّة.
ومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإِماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَّة التي تستوي فيها الخليقة.
وقد ذكر سعيد بن المسيب وأَبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما (^١٤٥٩): " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا [¬٤]، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملكُ فينفخ فيه الروح"، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.
وقال الربيع بن أَنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق حديث (٣٢٠٨)، وأطرافه (٣٠٨٥، ٦١٠٥، ٦٩٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٤٣). ورواه أَبو داود في القدر حديث (٤٧٨١)، والترمذي في القدر حديث (٢٠٦٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "من الحرة". [¬٤]- في ت: نطفة.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
رواهما ابن جرير، ومن هاهنا ذهب الإِمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا؛ لأي صارت فِراشا كالحرائر [¬١]، وللحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٤٦٠)، عن زيد في هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنَّه قال: لا تَلبِّسُوا (٥) علينا سنة نبيِّنا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر.
ورواه أَبو داود عن قتيبة [¬٢]، عن غندر، وعن ابن المثنى [¬٣]، عن عبد الأعلى، وابن ماجة عن عليِّ بن محمد، عن الربيع [¬٤]، ثلاثتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص فذكره.
وقد روي عن الإِمام أحمد أنَّه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأَبو عياض، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقال طاوس وقَتَادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة، شهران وخمس ليال.
_________________
(١) - المسند (٤/ ٢٠٣) (١٧٨٥٥). والحدث أخرجه أَبو داود (٢/ ٢٩٤) حديث (٢٣٠٨) في كتاب الطلاق، باب: في عدة أم الولد. وابن ماجة (١/ ٦٧٣) حديث (٢٠٨٣) في كتاب الطلاق، باب: عدة أم الولد. وابن حبان كما في موارد الظمآن (١٣٣٣). والحاكم (٢/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. والبيهقي (٧/ ٤٤٧)، باب: استبراء أم الولد. وقال البيهقي: ورواه سليمان عن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو موقوفًا أيضًا، ورفعه قَتَادة ومطر، والموقوف أصح. وقبيصة لم يسمع من عمرو. ورواه الدارقطني حديث ٢٤٦ (٣/ ٣٠٩). وأَبو يعلى حديث ٧٣٤٩، و٧٣٣٨، ورواه ابن أبي شيبة في الطلاق (٥/ ١٦٢). وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٠٤). وقال البيهقي: وأخبرنا أَبو بكر بن الحارث الفقيه قال: قال أبو الحسن الدارقطني الحافظ: قبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا - موقوف -. والحديث ذكره عبد الله في العلل قال: حدثني أبي، قال: حدَّثنا الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذئيب، عن عمرو ابن العاص قال: عدة أم الولد عدة الحرة. قال عبد الله: قال أبي: قلت للوليد: من حدثكم؟ قال: سعيد. قال أبي: هذا حديث منكر. وروى البيهقي عن أحمد أنَّه قال: هذا حديث منكر. (*) اللبس: اختلاط الأمر. [¬١] في خ: "للحرائر". [¬٢] في ز، خ: "مثنى". [¬٣]- في خ: "حذيفة". [¬٤]- في ز، خ: "وكيع".
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حِيَض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي، ومكحول والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور.
قال الليث: ولو مات وهي حائض أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثةٌ أحبُّ إلي. والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه (^١٤٦١) أعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، أمي المؤمنين] [¬١]، من رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة (^١٤٦٢)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال: "لا"، كل ذلك يقول: "لا"، مرتين أو ثلاثا - ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية يمكث سنة"، قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا (*)، ولبست شر [¬٢] ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض له، فقلما تفتض بشيء إلا مات.
ومن هاهنا ذهب كثيرون [¬٣] من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.
والغرض أن الإِحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج، من
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، حديث (٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث (١٤٨٦) من حديث زينب بنت جحش ﵂، وصحيح البخاري، كتاب الطلاق برقم (٥٣٣٤)، وصحيح مسلم برقم (١٤٨٦) من حديث أم حبيبة ﵂.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق رقم (٥٣٣٦)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق رقم (١٤٨٨). (*) - أي بيتًا صغيرًا حقيرًا قريب السقف. [¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٢]- مكانها في ز، خ: بياض. [¬٣]- في خ: "كثير".
[ ٢ / ٣٨١ ]
ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة [¬١] الوفاة، قولًا واحدًا، ولا يجب [¬٢] في عدة الرجعية قولا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن؟ فيه قولان:
ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة، والحرة، والأمَة، والمسلمة، والكافرة، لعموم الآية [¬٣].
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد [¬٤] على الكافرة. وبه يقول أشهب، وابن [¬٥] نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه و[¬٦] الثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمَةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.
[وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني: النساء التي انقضت عدتهن، قال العوفي، عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزوبج، فذلك المعروف.
وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: هو النكاح الحلال الطيب. وروي عن الحسن والزهري والسدى نحو ذلك] [¬٧].
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن
_________________
(١) [¬١]- في ز: "هذه". [¬٢]- في ز: "تجب". [¬٣]- مكانها في ز: بياض. [¬٤]- في ت: "حداد". [¬٥]- مكانها في ز: بياض. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
من غير تصريح.
قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول [¬١]: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة، من أمرها، ومن [¬٢] أمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف.
[وفي رواية: وددت إن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا] [¬٣] ينصب [¬٤] للخطبة [¬٥]. وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك أن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب [¬٦] لها ما دامت في عدتها.
ورواه البخاري تعليقًا (^١٤٦٣) فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لَمِنْ حاجتي، ولوددت أن [¬٧] يُيَسَّرَ لي امرأة صالحة.
وهكذا قال مجاهد وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي والحسن، وقتادة، والزهري، ويزيد بن قسيط، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها [¬٨] بالخطبة، وهكذا حُكْمُ المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس - حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها -: "فإذا حللت فآذنيني"، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه فزوجها إياه (^١٤٦٤). فأمّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا [¬٩] التعريض لها، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من [¬١٠] خطبتهن، وهذا كقوله [¬١١]، تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا [¬١٢] أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي:
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب النكاح رقم (٥١٢٤).
(٢) - رواه مسلم في كتاب الطلاق حديث (١٤٨٠). [¬١]- في ز: "تقول". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. ونصب الشيء: أظهره. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز، خ: "ينصب". [¬٧]- في ز: "أنه". [¬٨]- سقط من: ز. [¬٩]- سقط من خ. [¬١٠]- سقط من: ز. [¬١١]- في خ: "قوله". [¬١٢]- في ز: "ما".
[ ٢ / ٣٨٣ ]
في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مجلز وأبو الشعثاء -جابر بن زيد- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنى، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير [¬١].
وقال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٤٦٥): ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تقل [¬٣] لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا.
وهكذا رُوي عن سعيد بن جبير والشعبي، وعكرمة وأبي الضحى، والضحاك والزهري، ومجاهد والثوري: هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره، وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك.
وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة والقول بالمعروف.
وقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يتزوجها في العدة سرًّا [¬٤]، فإذا حلت أظهر ذلك.
وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، ولهذا قال ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدى والثوري، وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض، كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.
وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تُزَوِّجْها حتى تُعْلِمَنِي. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.
قال ابن عباس ومجاهد، والشعبي وقتادة، والربيع بن أنس، وأبو مالك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، والزهري وعطاء الخراساني، والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: [ولا تعقدوا العقد بالنكاح] [¬٥] حتى تنقضي العدة.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ١٠٧) (٥١٥٤). [¬١]- في ز: "خزيمة". [¬٢]- في ت: "قاله". [¬٣]- في ز: "يقل". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم [¬١] عليه أبدًا؟ على قولين: الجمهور [على] [¬٢] أنها لا تحرم عليه؛ بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه علي التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار (^١٤٦٦): أن عمر ﵁ قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان [¬٣] زوجها الذي [تزوج بها] [¬٤] لم يدخل بها فرق [¬٥] بينهما، [ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدّت بقية عدتها من زوجها الأول] [¬٦]، ثم اعتدّت من الآخر ثم لم ينكحها أبدًا.
وقالوا [¬٧]: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أَجَّلَ الله عُوقب بنقيض قصده فحرمت عليه على التأبيد، كالقاتل يحرم الميراث، وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم، ورجع عنه في الجديد؛ لقول علي: إنها تحل له.
(قلت): [] [¬٨]: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق؛ أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ توعدهم على مما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم [¬٩] من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾
أباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس، وإبراهيم والحسن البصري: المس: النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها أن كانت مفوضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى لإمتاعها، وهو تعويضها عما
_________________
(١) - الموطأ، كتاب النكاح، باب: جامع ما لا يجوز من النكاح (٢/ ٥٣٥) (١١٣٧). [¬١]- في خ: "يحرم". [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "تزوجها". وفي الموطأ: زوجها. [¬٥]- في ز: "وفرق". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "قالوا". [¬٨]- في ت: قال: [¬٩]- في خ: "يوسيهم".
[ ٢ / ٣٨٥ ]
فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره.
وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس (^١٤٦٧)؛ قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٤٦٨): إن كان موسرًا متعها بخادم أو شبه [¬١] ذلك، وإن كان معسرًا متَّعها [¬٢] بثلاثة أثواب.
[وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب،] [¬٣] قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (^١٤٦٩).
وقال عبد الرزاق (^١٤٧٠): أخبرنا معمر، [عن أيوب، عن ابن سيرين] [¬٤]؛ قال: كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة، أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويُروى أن المرأة قالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقٍ.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على [¬٥] أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وَأحَبُّ ذلك إلى أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة، وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرًا [¬٦] إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄ [¬٧].
وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة [¬٨] لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:
أحدها: أنها تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا
_________________
(١) - ورواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٢٣) (٥٢٠٢) من طريق عبد الرزاق له.
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٣).
(٣) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٦).
(٤) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٧). [¬١]- في ت: "نحو". [¬٢]- في ز: "أمتعها". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ت، ز: "عن أيوب بن سيرين". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "وقتًا". [¬٧]- في ز، خ: "عنه". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن] [¬١]، وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله ﷾ أعلم.
(القول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسخت هذه الآيةُ التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.
وقد روى البخاري في صحيحه (^١٤٧١)، عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل [¬٢]، فلما أدْخِلَتْ عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (*).
(والقول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها [¬٣] عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، وهذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٤]﴾ ومن العلماء من يقول: أنها مستحبة مطلقًا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني: ابن أبي قيس- عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة: أيحبس [¬٥] فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٥٧). (*) - الرازقية: ثياب كتان بيض. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "شرحبيل". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "المحسنين".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾
وهذة الآية الكريمة [¬١]، مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض، إذا [¬٢] طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثَمَّ واجب آخر من متعة لَبَيَّنَها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من إختصاص المتعة بتلك الآية [¬٣]، والله أعلم.
وتشطير الصداق [¬٤]- والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمَّى لها صداقًا، ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمّى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة: أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون. لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس، أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس [لها] [¬٦] إلا نصف الصداق، لأن [¬٧] الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ قال الشافعي: هذا أقوى، وهو ظاهر الكتاب.
قال البيهقي: وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به فقد رويناه [¬٨] من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ فهو يقوله.
وقوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.
قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها.
_________________
(١) [¬١]- في خ: "الحبس". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "الحالة" [¬٤]- في ز: "الطلاق". [¬٥]- في ز، خ: "جرير". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٧]- في ز، خ: "ولأن". [¬٨]- في ز: "روينا".
[ ٢ / ٣٨٨ ]
قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة ومجاهد، والشعبي والحسن، ونافع وقتادة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، والضحاك والزهري، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي، فقال: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الرجال، وهو قول شاذ، لم يتابع عليه. انتهى كلامه.
وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال [¬١]: "ولي عقدة النكاح الزوج".
وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، به (^١٤٧٢).
[وقد أسنده ابن جرير (^١٤٧٣)، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب] [¬٢]؛ أن رسول الله ﷺ فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم ﵀ (^١٤٧٤): وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جرير [¬٣]-يعني: ابن أبي [¬٤] حازم- عن عيسى -يعني: ابن عاصم- قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح. فقلت له: هو ولي المرأة. فقال علي: لا؛ بل هو الزوج.
ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، وعكرمة ونافع، ومحمد بن سيرين، والضحاك ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبي مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج.
(قلت): وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً
_________________
(١) - ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٧٩) من طريق قتيبة عن ابن لهيعة به، وذكر البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٥١) وقال: "هذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به، والله أعلم".
(٢) - تفسير الطبري (١٥٧١٥) (٥٣٥٥).
(٣) - ورواه ابن جرير (٥/ ١٥١) (٥٣١٦، ٥٣١٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ت: "جابر". [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الزوجُ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق.
قال: والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح- قال: ذلك أبوها، أو أخوها، أو من لا تُنكح إلا بإذنه.
وروي عن علقمة والحسن، وعطاء وطاوس، والزهري وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي، وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها اياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.
وقال ابن جرير (^١٤٧٥): حدَّثنا سعيد بن الرببع الرازي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأيُّ امرأةٍ عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّتْ وضنَّت عفا وليها، وجاز عفوه.
وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن جرير؛ قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء.
حدثني يونس (^١٤٧٦)، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدّث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو.
وكذا روي عن الشعبي وغيره، وقال مجاهد والنخعي، والضحاك ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والثوري: الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شَطْرِها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف: يعني: لا تهملوه [بل استعملوه] [¬١] بينكم.
وقد قال أبو بكر بن مودويه (^١٤٧٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة [¬٢] بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ١٥٠) (٥٣١٢).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ١٦٢) (٥٣٦١).
(٣) - وقد جاء من وجه آخر، رواه أحمد في المسند (١/ ١١٦)، وأبو داود في البيوع حديث (٣٣٨٢) من طريق أبي عامر المزني، عن شيخ من بني تميم، عن علي موقوفًا عليه بنحوه. وقال المنذري: فيه رجل مجهول. [¬١]- زيادة من ز .. [¬٢]- في خ: "عتبة".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
عن عبد اللَّه بن عبيد، عن علي بن أبي طالب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن [¬١] على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾، شرار يبايعون كل مضطر" وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه؛ فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه.
وقال سفيان عن أبي هارون؛ قال: رأيت عون بن عبد اللَّه في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا - ولحيته ترش من البكاء - ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكرهم هَمًّا حين رأيتهم أحسن [¬٢] ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا [¬٣]، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا [¬٤] تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله] [¬٥].
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
يأمر اللَّه [¬٦] تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود (^١٤٧٨) قال: سألت رسول اللَّه ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قال: حدثني بهنَّ رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها حديث (٥٢٧، ٥٩٧٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (٨٥). [¬١]- في ز: "المؤمنين". [¬٢]- في خ: "أكثر". [¬٣]- في ز، خ: "بركًا مني". [¬٤]- في خ: "لا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٩١ ]
وسلم، ولو استزدته لزادني.
وقال الإِمام أحمد (^١٤٧٩): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدَّته أم أبيه الدنيا [¬١]، عن جدّته أمّ فروة - وكانت [¬٢] ممن بايع رسول الله ﷺ
-[أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ] [¬٣] وذَكرَ الأعمال فقال: "إن أحب الاعمال إلى اللَّه تعجيل الصلاة لأوّل وقتها".
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث.
وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها: أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم، عن [¬٤] عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير (^١٤٨٠).
ورواه أيضًا (^١٤٨١) من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء. وقال ابن جرير (^١٤٨٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها اللَّه في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وقال أيضًا (^١٤٨٣): حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة [¬٥] صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب وسول اللَّه ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة.
_________________
(١) - المسند (٦/ ٢٧٤)، وسنن أبي داود برقم (٤٢٦)، وسنن الترمذي برقم (١٧٠).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٥، ٢١٦) (٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦).
(٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨) (٥٤٨١).
(٤) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٦، ٢١٧) (٥٤٧٨).
(٥) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٧) (٥٤٨٠). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "كانت". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "من". [¬٥]- في ز: "بالمعرة"، خ: "بالمعدة".
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وروى (^١٤٨٤) من طريق أخرى [¬١]، عن الربيع، عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قال [¬٢] قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسط؟ قالوا: التي صليتَها قبل.
وقال أيضًا (^١٤٨٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.
وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس، [. …] [¬٣] ورواه ابن جرير (^١٤٨٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀ محتجًّا بقوله [تعالى]: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح.
ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي [¬٤] بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد [¬٥] المغرب. وقيل: لأنها بين صلاتي ليل [¬٦] جهريتين وصلاتي نهار سريتين.
وقيل: إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده (^١٤٨٧): حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان -يعني: ابن عمرو- عن زهرة -يعني: ابن معبد- قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهجير.
وقال أحمد (^١٤٨٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاةً أشد على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨) (٥٤٨٢).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨، ٢١٩) (٥٤٨٣).
(٣) - تفسير ابن جرير (٥٤٨٨).
(٤) - مسند الطيالسي (٦٢٨).
(٥) - المسند (٥/ ١٨٣) (٢١٦٧٨) والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: في وقت صلاة العصر (١/ ١١١ / رقم: ٤١١). والنسائي في الكبرى في كتاب الصلاة الأول، باب: تأويل قوله جل ثناؤه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١/ ١٥٢ / رقم: ٣٥٧). كلاهما من طريق محمد بن المثنى به. [¬١]- في ز، خ: مكانها بياض. [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- في خ: مكانها بياض. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "وتروى". [¬٦]- في ز، خ: "ليلتين".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
عليه وسلم - منها فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به.
وقال أحمد أيضًا (^١٤٨٩): حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب [¬١] عن الزبرقان: أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي [] [¬٢] العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم؛ فأنزل اللَّه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ: "لَينتهيَّن رجال أو لأحرِّقن بيوتهم".
و[¬٣] الزبرقان: هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير.
وقال شعبة وهمام: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.
وقال أبو داود الطيالسي وغيره: عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطى هي الظهر".
ورواه ابن جرير عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان به عن زيد بن ثابت في حديث رفعه قال: "الصلاه الوسطى صلاة الظهر".
وممن رُوي عنه أنها الظهر: ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.
_________________
(١) - المسند (٦/ ٢٠٥) (٢١٨٨٣). وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب الصلاة الأول، باب: تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. . . .﴾ (١/ ١٥١، ١٥٢ / رقم: ٣٥٦). وابن ماجة في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في التخلف من الجماعة (١/ ٢٦٠ / رقم:٧٩٥). كلاهما من طريق ابن أبي ذئب به. [¬١]- في ز، خ: "وهب". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وقيل: إنها صلاة العصر، قال الترمذي والبغوي -رحمهما اللَّه-: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية [في تفسيره] [¬١]: وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ "كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى": وقد نص فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأمّ حبيبة، وأمّ سلمة، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن أبي [¬٢] مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل، قال القاضي الماوردي: والشافعي. قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن [أبي حنيفة، و] [¬٣] أبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏.
(ذكر الدليل على ذلك)
قال الإِمام أحمد (^١٤٩٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش [عن مسلم، عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ اللَّه قلوبهم وبيوتهم نارًا"، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء.
وكذا رواه مسلم (^١٤٩١) من حديث أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما، عن الأعمش] [¬٤]، [عن مسلم] [¬٥] بن صبيح، [] [¬٦] أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله.
_________________
(١) - المسند (١/ ٨١).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٧)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ت: عن ..
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وقد رواه مسلم أيضًا (^١٤٩٢) من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة [¬١]، عن يحيى بن الجزار، عن علي [بن أبي طالب] [¬٢]، به.
وأخرجه الشيخان (^١٤٩٣) وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق [¬٣] يطول ذكرها عن عبيدة السلماني عن علي به.
ورواه الترمذي والنسائي (^١٤٩٤) من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن [زر قال] [¬٤]: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى. فسأله فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة [¬٥] الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم و[¬٦] بيوتهم نارًا". ورواه ابن جرير (^١٤٩٥)، عن بندار، عن ابن مهدي به.
وحديث يوم الأحزاب وشغلُ المشركين رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه عن أداء صلاة العصر يومئذ مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضًا (^١٤٩٦) من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٤٩٧): حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٧).
(٢) - صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير حديث (٢٩٣١) وطرفه (٤١١١)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حدث (٦٢٧)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة حديث (٤٠٩)، وسنن الترمذي، كتاب التفسير حديث (٢٩٨٤)، وسنن النسائي (١/ ٢٣٦).
(٣) - لم أقع على هذا الطريق ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف.
(٤) - تفسير الطبري (٥/ ١٨٤).
(٥) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٨) من حديث ابن مسعود ﵁، وحديث (٦٣٠) من حدث البراء ﵁.
(٦) - المسند (٥/ ٢٢) (٢٠٣٠٤). [¬١]- في ز، خ: "عيينة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "طريق". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "زرقا". [¬٥]- في ز: "صلاة". [¬٦]- في ت: "أو".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة [¬١] الوسطى صلاة العصر".
وحدثنا بهز وعفان (^١٤٩٨) قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا: أنها هي صلاة العصر.
وحدثنا محمد بن جعفر وروح (^١٤٩٩) قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "هي العصر". قال ابن جعفر: سُئل عن صلاة الوسطى.
ورواه الترمذي (^١٥٠٠) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. وقال: حسن صحيح. وقد سمع منه.
[حديث آخر] [¬٢] وقال ابن جرير (^١٥٠١): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
(طريق أخرى بل حديث آخر): و[¬٣] قال ابن جرير (^١٥٠٢): حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الحَرَشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها؛ ونحن بفناء بيت رسول اللَّه ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول اللَّه ﷺ فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر. غريب من هذا الوجه جدًّا.
_________________
(١) - المسند (٥/ ٨) (٢٠١٣٩).
(٢) - المسند (٥/ ٧) (٢٠١٣٠).
(٣) - سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (١/ ٣٤٠ - ٣٤٢ / رقم: ١٨٢). وقال: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح. وفي كتاب تقسيم القرآن، باب: ومن سورة البقرة (٥/ ٢١٧ / رقم:٢٩٨٣). وقال: هذا حديث حسن صحيح من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن به.
(٤) - تفسير الطبري (٥/ ١٨٩).
(٥) - الطبري (٥/ ١٩١). [¬١]- في خ: "الصلاة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٥٠٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس [¬١]: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصغير فقال: "هذه [] [¬٢]، الفجر"، وقبض التي تليها فقال: "هذه الظهر"، ثم قبض الإبهام فقال: "هذه المغرب"، ثم قبض التي تليها فقال: "هذه العشاء"، ثم قال: "أَيُّ أصابعك بقيتْ؟ " فقلت: الوسطى فقال: "أيَّ الصلاة بقيتْ؟ " فقلت: العصر. [فقال: "هي العصر"] [¬٣]. غريب أيضًا جدًّا [¬٤].
(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٥٠٤): حدَّثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" إسناده [¬٥] لا بأس به.
(حديث آخر): قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^١٥٠٥): حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر".
وقد روى الترمذي (^١٥٠٦) من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، [عن زبيد اليامي] [¬٦]، عن مرة الهمْداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "صلاة
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ١٩٦).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ١٩٨) وقول الحافظ: إسناده لا بأس به، متعقب؛ فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا.
(٣) - صحيح ابن حبان (١٧٤٦) "الإحسان".
(٤) - سنن الترمذي في أبواب الصلاة حديث (١٨١). وفي التفسير (٢٩٨٥). [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ت: صلاة. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "إسناده". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الوسطى صلاة العصر"، ثم قال: حسن صحيح.
وأخرجه مسلم في صحيحه (^١٥٠٧) من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" الحديث.
فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح، من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من فاتته [¬١] صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (^١٥٠٨).
وفي الصحيح أيضًا (^١٥٠٩)، من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ قال: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".
وقال الإِمام أحمد (^١٥١٠): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نضرة الغفاري قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في واد من أوديتهم يقال له المخمص- صلاة العصر فقال: "إن هذه الصلاة [صلاة العصر] [¬٢] عُرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضُعِّفَ له أجره مرتين، أَلا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد".
ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن خير [¬٣] بن نعيم، عن عبد اللَّه بن هبيرة به.
وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث.
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٨).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٦)، والنسائي (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، وابن ماجه (٦٨٥)، وأحمد (٢/ ٨٠، ١٣٤، ١٤٥).
(٣) - ليس في شيء من الصحيحين، وإنما هو في سنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب: ميقات الصلاة في الغيم حديث (٦٩٤). وأحمد (٥/ ٣٦١) وانظر تحفة الأشراف (٢/ ٩٥، ٤/ ٢٠) وجامع المسانيد (٢/ ١٥١، ٢٥٢). وأخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: من ترك العصر حديث (٥٥٣) وطرفه (٥٩٤) من طريق أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بالصلاة فإن النبي ﷺ ققال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله".
(٤) - المسند (٦/ ٣٩٧) (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث (٨٣٠). والنسائي (١/ ٢٥٩). [¬١]- في و، خ: "فاته". [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- في ز، خ: "جبير".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يريد بن أبي حبيب كلاهما، عن خير [¬١] بن نعيم الحضرمي، عن عبد اللَّه ابن هبيرة السبائي به.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا (^١٥١١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا قالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذنِّي، فلما بلغتها آذنتُها فَأَمْلَتْ عليَّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين) قالت: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به.
وقال ابن جرير (^١٥١٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري: أن رسول اللَّه ﷺ قرأها كذلك.
وقد روى الإمام مالك أيضًا (^١٥١٣)، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين).
وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار (^١٥١٤) فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي، ونافع مولى ابن عمر، أن عمرو [¬٢] بن رافع قال … فذكر مثله، وزاد: كما حفطها من النبي ﷺ.
(طريق أخرى عن حفصة): قال ابن جرير (^١٥١٥): حدثنا محمد بن بشار [¬٣]، حدثنا
_________________
(١) - المسند (٦/ ٧٣)، وهو في الموطأ (١/ ١٣٨) ومن طريق مالك رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٩).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ١٧٥) (٥٣٩٧).
(٣) - الموطأ (١/ ١٣٩) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٤٦٢).
(٤) - روراه أبو يعلى في مسنده (٧١٢٩) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٧٢٢) موارد والبيهقي (١/ ٤٦٢، ٤٦٣).
(٥) - تفسير الطبري (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩) (٥٤٦١). [¬١]- في خ: "جبير". [¬٢]- في ز: "عمر". [¬٣]- في ز، خ: "يسار".
[ ٢ / ٤٠٠ ]
محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله: أن حفصة أمرت [¬١] إنسانا أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذَنها فقالت: اكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر).
(طريق أخرى): قال ابن جرير (^١٥١٦): حدثني ابن المثني [¬٢]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا [عبيد الله] [¬٣]، عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أُمْلِيَها عليك، كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأتُ ذلك المصحف فرأيت فيه الواو.
وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس، [وعبيد بن عمير] [¬٤] أنهما قرآ كذلك.
وقال ابن جرير (^١٥١٧): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عبدة، حدَّثنا محمد بن عمرو، [] [¬٥] حدّثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال: كان في مصحف حفصة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين).
وتقرير المعارضة: أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي [¬٦] تقتضي [¬٧] المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب علي [¬٨] ذلك بوجوه؛
(أحدها): أن هذا إنْ روي علي أنه خبر؛ فحديث عليٍّ أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ [¬٩] الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٢٠٩) (٥٤٦٢).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٢١١) (٥٤٦٤). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "مثني". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "عبد الله". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "وعبيد الله بن عمر"، خ: "وعبد الله بن عمر". [¬٥]- في ز، خ: "و" [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "يقتضي". [¬٨]- في ز: "عن"، خ: "تحت". [¬٩]- في ز: "نصرف".
[ ٢ / ٤٠١ ]
أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات كقوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَي (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّي (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَي (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَي﴾، وأشباه ذلك كثيرة.
وقال الشاعر:
إلى الملك القَرْم وابن الهُمام … ولَيثُ الكتيبة في المزدحم
وقال أبو دؤاد [¬١] الإيادي:
سُلط الموتُ والمنونُ عليهم … فلهم في صَدى المقابر هام (^١٥١٨)
والموت هو المنون، و[¬٢] قال [عدي بن زيد العبادي] [¬٣]:
فَقَدّمت الأديمَ لراهشَيْهِ … فألفى [¬٤] قولها كذبًا ومَيْنا (*) (^١٥١٩)
والكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة علي جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم.
وأمّا إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر، فلا [¬٥] يثبت بمثل خبر الواحد قرآن؛ ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، الإمام ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من [¬٦] غيرهم. ثم قد روي ما يدل علي نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث.
قال مسلم (^١٥٢٠): أخبرنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿ فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر -رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿؟
_________________
(١) - البيت في اللسان، (٣/ ٤١٧) مادة "منن" (١٢/ ٦٢٥) (هوم) (١٤/ ٤٥٤) صدى.
(٢) - البيت لعدي بن ثابت، انظر لسان العرب لابن منظور، مادة "مين" (١٣/ ٤٢٥).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٣٠). [¬١]- في ز، خ: "داود" [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "زيد بن عدي العقادي". [¬٤]- في خ: "فألقى". [¬٥]- في ت: "فلم". [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق.
(قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم. فعلي هذا تكون هذه التلاوة -وهي تلاوة الجادة- ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة، ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فللفظها فقط، والله أعلم.
وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم (^١٥٢١) عن ابن عباس، وفي إسناده نظر؛ فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهر [¬١]، عن سعيد بن بشير [¬٢]، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكي هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب، وحكي أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطي في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضيلة، والله أعلم.
وقيل: إنها العشاء الأخيرة، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر أو العشر، ويحكي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.
وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (^١٥٢٢)، وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدي الكبر؛ إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا أثر.
وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل: صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. ليقيل: بل صلاة عيد [¬٣] الأضحي. وقيل: الوتر. وقيل: الضحي. وتوقف فيها آخرون لَمَّا تعارضت عندهم الأدلة ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإِجماع علي قول واحد؛ بل لم يزل التنازع فيها موجودًا من زمان [¬٤] الصحابة وإلى الآن.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٨) (٢٣٧٥).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٨). [¬١]- في خ: "الجماهير". [¬٢]- في ز، خ: "مسعر". [¬٣]- زيادة من: خ. [¬٤]- في خ: "زمن".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
قال ابن جرير (^١٥٢٣): حدّثني محمد بن بشار [¬١] وابن المثنى [¬٢]، قالا: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ، مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.
وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها.
وقد روى الإِمام [] [¬٣] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب فضائل الشافعي ﵀ حدَّثنا أبي، حدثنا حرملة بن يحيى التُجيبي [¬٤] يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ خلاف [¬٥] قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ، أولى ولا تقلدوني.
وكذا روى الربيع، والزعفراني، وأحمد بن حنبل، عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود، عن الشافعي: إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي، وقائل بذلك. فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة، ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ﵀: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره: أنها الصبح؛ لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.
ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر [مذهبًا للشافعي] [¬٦]، وصمموا علي أنها الصبح قولا واحدا. قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين، ولتقرير [¬٧] المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين [¬٨] بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من [¬٩] الرد على ابن مسعود حين سلم عليه، وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك، وقال: "إن في الصلاة
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٢٢١) (٥٤٩٢). [¬١]- في خ: "يسار". [¬٢]- في خ: "مثني". [¬٣]- في خ: أحمد. [¬٤]- في ت: بخلاف. [¬٥]- في ت: "اللخمي". [¬٦]- في ت: "مذهب الشافعي". [¬٧]- في ز، خ: "ولتقرر". [¬٨]- في ز، خ: "مستكنين". [¬٩]- في ز: "في".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
لشغلا".
وفي صحيح مسلم (^١٥٢٤): أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي [¬١] حين تكلم في الصلاة: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله".
وقال الإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] (^١٥٢٥): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدّثني الحارث بن شُبيل [¬٣]، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ، في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت. رواه الجماعة سوى ابن ماجة به من طرق عن إسماعيل به.
وقد أشكل هذا الحديث علي جماعة من العلماء، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلي المدينة وبعد الهجرة إلي أرض الحبشة، كما دل علي ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح قال: كنا نسلم علي النبي ﷺ قبل أن [¬٤] نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا، قال: فلما قَدِمْنَا سلمت عليه فلم يرد عليَّ فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فلما سلَّم قال: "إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة" (^١٥٢٦).
وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلي الحبشة، ثم قدم منها إلي مكة مع من قدم
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٣٧).
(٢) - المسند (٤/ ٣٦٨) (١٩٣٣٣)، ورواه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب: "ما يُنهي من الكلام في الصلاة" (٣/ ٧٢). حديث ١٢٠٠، حديث ٤٥٣٤ ورواه أيضًا في كتاب التفسير باب: "وقوموا لله قانتين" (٨/ ١٩٨). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، وباب: "تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة" (٥/ ٣٦) ٣٥ - ٥٣٩. والترمذي في كتاب السهو، باب: "ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة" (٢/ ٢٥٦). ٤٠٥، ٢٩٨٦، ٢٩٨٦ م. وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: "النهي عن الكلام في الصلاة" (١/ ٢٤٩) ٩٤٩. والنسائي في التفسير الكبرى كتاب التفسير باب (٤٣) قوله: جل ثناؤه ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦/ ٣٠٤) (١١٠٤٧). ورواه ابن خزيمة حديث ٨٥٦، و٨٥٧.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب العمل في الصلاة حديث (١١٩٩، ٣٨٧٥)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٣٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "شبل". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم- بقوله [¬١]: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة- الإِخبار عن [جنس الناس] [¬٢]، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه [¬٣] منها، والله أعلم.
وقال [¬٤] آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى (^١٥٢٧): حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق [بن يحيى] [¬٥]، عن المسيب، عن ابن مسعود قال: كنا نسلم [¬٦] بعضنا علي بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضي النبي ﷺ صلاته قال: "وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من [¬٧] أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا".
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لما أمر تعالى عباده بالمحافظة علي الصلوات، والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتاكيدها ذكر الحال التي [¬٨] يشتغل الشخص فيها عن أدائها علي الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا علي أي حال كان رجالا أو ركبانا، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبلهما، كما قال مالك (^١٥٢٨): عن نافع: أن [¬٩] ابن عمر كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفَهَا، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا علي أقدامهم، أو ركبانا؛ مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أري ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ. ورواه البخاري، وهذا لفظه ومسلم. ورواه البخاري أيضًا [¬١٠] من وجه آخر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
_________________
(١) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٣٧) من طريق عاصم عن المسيب عن ابن مسعود به نحوه.
(٢) - الموطأ (١/ ١٨٤) ومن طريقه البخاري حديث (٤٥٣٥). وطرفه حديث (٩٤٣). ورواه مسلم حديث (٨٣٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "جنس الكلام". [¬٣]- في خ: "فهم". [¬٤]- في خ: "قال". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "ابن يحيى بن يحيى". [¬٦]- في ت: "يسلم". [¬٧]- في خ: "في". [¬٨]- في ت: "الذي". [¬٩]- في ز: "عن". [¬١٠]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ نحوه، أو قريبًا منه. ولمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فَصَلِّ راكبًا، أو قائمًا تومئ إيماء.
وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرنة [¬١] و[¬٢] عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء … الحديث بطوله، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد (^١٥٢٩)، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده، ووضعه الآصار (*) والأغلال عنهم.
وقد روى ابن أبي حاتم (^١٥٣٠) من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في هذه الآية: يصلي الراكب على دابته، والراجل علي رجليه.
قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول، والسدي، والحكم، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح نحو ذلك، وزاد: ويوميء برأسه أينما توجه.
ثم قال (^١٥٣١): حدَّثنا أبي، حدثنا [¬٣] [أبو غسان] [¬٤]، حدثنا [ذَوَّاد -يعني: ابن عُلية-] [¬٥] عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فرجالا أو ركبانا﴾.
وروي عن الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية، والحكم، وحماد، وقتادة نحو ذلك. وقد ذهب الإِمام أحمد -فيما نص عليه- إلى أن صلاة الخوف تُفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلي ذلك يُنَزَّلُ الحديث الذي رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح [¬٦] بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ، كلاهما، عن بكير بن الأخنس
_________________
(١) - المسند (٣/ ٤٩٦) (١٦٠٩٥)، والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: صلاة الطالب (٢/ ١٨) حديث (١٢٤٩). وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٩٢٩١) حديث ٩٨٢، ٩٨٣. وأبو يعلى في مسنده حديث ٩٠٥. البيهقي (٣/ ٢٢٢). والحديث ضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٥٨٩). وضعفه في ضعيف أبي داود حديث ٢٧١.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠) (٢٣٨٢).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠) (٢٣٨٣). [¬١]- في خ: عرفة. [¬٢]- في خ: "و". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "أبو نحسان"، وسقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: داود بن علية. وهو تحريف. [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس (^١٥٣٢) قال: فرض الله الصلاة علي لسان نبيكم ﷺ في الحَضَر أربعًا، وفي [¬١] السفر ركعتين، وفي [¬٢] الخوف ركعة، وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.
[وقال ابن جرير (^١٥٣٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة فقالوا: ركعة. وهكذا روي الثوري عنهم سواء] [¬٣].
وقال ابن جرير أيضًا (^١٥٣٤): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير.
وقال البخاري (^١٥٣٥): باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفس، فإن لم يقدروا علي الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، و[¬٤] يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم [¬٥] التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول وقال أنس مالك: حضرت مناهضة حصن تسْتر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
هذا لفظ البخاري. ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق؛ لعذر [¬٦] المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٦٨٧)، وسنن أبي داود كتاب الصلاة (١٢٤٧)، وسنن النسائي، كتاب الصلاة (١/ ٢٢٦، ٣/ ١١٨، ١١٩، ١٦٩)، وسنن ابن ماجة برقم (١٠٦٨)، وتفسير الطبري (٥/ ٢٤٧).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٢٤٢) (٥٥٥٥).
(٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢٤٣) (٥٥٦٣).
(٤) - صحيح البخاري (٢/ ٥٠٣) "فتح". [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢] سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "أو". [¬٥]- في ز: "يجزئهم". [¬٦]- في ز، خ: "بعذر".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
قريظة" (^١٥٣٦). فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِدْ منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصلِّ إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم [¬١] يعنف واحدًا من الفريقين، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي [¬٢] جواز ذلك؛ لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا؛ بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تسْتر، وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم فأتموا [¬٣] ركوعها وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم، وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾
قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال البخاري (^١٥٣٧): حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة،
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الخوف (٩٤٦)، وكتاب المغازي حديث (٤١١٩).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٣٠). [¬١]- في خ: "ولم". [¬٢]- في ز، خ: "ينافي ". [¬٣]- في ز: "وأتموا".
[ ٢ / ٤٠٩ ]
قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى فَلِمَ تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يا بن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه.
ومعني هذا الإِشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر [¬١] فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها؛ فأثبتها حيث وجدتها.
قالي ابن أبي حاتم (^١٥٣٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير، ومجاهد وإبراهيم وعطاء [¬٢] والحسن وعكرمة، وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم والسدي، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس-: أنها منسوخة.
وروي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال (^١٥٣٩): كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ فعدتها أن تضع ما في بطها وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة.
قال: وروي عن مجاهد والحسن، وعكرمة وقتادة، والضحاك والربيع، ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال: وروي عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسختها التي في الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، (قلت): وروي عن مقاتل [¬٣] و[¬٤] قتادة أنها منسوخة بآية الميراث.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٤٥٢) (٢٣٩٠).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٢) (٢٣٩١). وتفسير الطبري (٥٥٧٤). [¬١]- في ز، خ: "أشهر". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤١٠ ]
وقال البُخاريّ (^١٥٤٠): حدَّثنا إسحاق بن منصور [¬١]، حدَّثنا روح، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله [لها] [¬٢] تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀، وقال عطاء: قال ابن عباس: [نسخت هذه الآية] [¬٣] عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البُخاريّ عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا [¬٤] القول الذي عَوَّل عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة -كما زعمه الجمهور- حتَّى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنَّما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا أن اخترن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وقوله [¬٥]: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا [¬٦] بهن وصية، وقرأ آخرون بالرَّفع: ﴿وَصِيَّةً﴾ (*)، على معنى: كتب عليكم وصية، واختارها ابن جرير، ولا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر [¬٧] أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك؛ لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية، ورده آخرون منهم: الشَّيخ أبو عمر بن عبد البر.
وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، أن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر
_________________
(١) - صحيح البُخاريّ، كتاب التفسير حديث (٤٥٣١). [¬١]- مكانها بياض في: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "فهذا". [¬٥]- في ز: "وقال". [¬٦]- في ز، خ: "فليتوصوا". [¬٧]- في ت: "عشر".
[ ٢ / ٤١١ ]
والعشر فَمُسَلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر والعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي، ﵀.
وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه (^١٥٤١)، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة؛ عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُرَيعَة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها أنَّها جاءت إليَّ رسول الله ﷺ تسأله [¬١] أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أبقوا (*)، حتَّى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة؛ فإن زوجي لم يتركني في منزل [¬٢] يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: "نعم". قالت: فانصرفت حتَّى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ -أو أمر بي- فنوديت له فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: "اسكني [¬٣] في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفَّان أرسل إليَّ فسألنِي عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به.
وكذا رواه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ من حديث مالك به.
ورواه النَّسائيّ أيضًا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
وقوله: ﴿[وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ] [¬٤] بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: [﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن شئتُ
_________________
(١) - الموطأ (٢/ ٥٩١). أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل. (٢/ ٣٠٠ / رقم: ٢٣٠٠). والترمذي في كتاب الطلاق، باب: ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها. (٣/ ٤٩٩ - ٥٠١ / رقم: ١٢٠٤). والنَّسائيُّ في كتاب الطلاق، باب: مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتَّى تحل. (٦/ ١٩٩، ٢٠٠ / رقم: ٣٥٢٨ - ٣٥٤٠). وباب: عدة المتوفى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر. (٦/ ٢٠٠، ٢٠١ / رقم: ٣٥٣٢). وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾. (٦/ ٣٠٣ / رقم: ١١٠٤٤). وابن ماجة في كتاب الطلاق، باب: أين تعتد المتوفى عنها زوجها. (١/ ٦٥٤، ٦٥٥ / رقم: ٢٠٣١). ورواه أحمد (٦/ ٣٧٠، ٤٢٠). (*) أبق العبد. هرب. [¬١]- في ز، خ: "فسألته". [¬٢]- في ت: "مسكن". [¬٣]- في ت: "أمكني". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "متاعًا".
[ ٢ / ٤١٢ ]
أحسنتُ ففعلتُ، وإن شئتُ لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية] [¬١]: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٢]﴾، [] [¬٣] وقد أستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة [¬٤] قبل المسيّس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشَّافعي رحمة الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وأجاب الأولون: بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور [¬٥]، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في احلاله وتحريمه، وفروضه وحدوده، فيما أمركم به [¬٦]، ونهاكم عنه، وبينه [¬٧] ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)
روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه: كانوا ثمانية آلاف، وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا. وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "المحسنين". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. [¬٤]- في خ: "مطلقًا". [¬٥] في خ: "المنصوص". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "بينه".
[ ٢ / ٤١٣ ]
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَلِ واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مَثَل، وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل ذاوردان [¬١]؛ قرية على فرسخ من قبل [¬٢] واسط.
وقال وكيع بن الجرَّاح في تفسيره: حدَّثنا سفيان، عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتَّى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية.
وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاءِ القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها [¬٣] وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت هاربين [¬٤] إلى البرية، فنزلوا وأديا أفيح، فملئوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين؛ أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة؛ فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبُني عليهم جدران وفنوا [¬٥] وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها [¬٦] العظام البالية، إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها [¬٧] العظام، أن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، أن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله [¬٨] بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلَّا أنت.
وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٩]: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة [¬١٠]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون
_________________
(١) [¬١]- في خ: "داوردان". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "فيها". [¬٤]- سقط من: ز، خ [¬٥]- في ز: "وقبور". [¬٦]- في ز: "أيها". [¬٧]- في ز: "أيها". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- سقط من: ز. [¬١٠]- في خ: "الواضحة".
[ ٢ / ٤١٤ ]
بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنَّه لن يغني حَذَرٌ من قَدر، وأنَّه لا ملجأ من الله إلَّا إليه، فإنّ هؤلاءِ خرجوا [¬١] فرارًا من الوباء طلبًا [¬٢] لطول الحياة، فَعُوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ.
ومن هذا القبيل الحديث الصَّحيح الذي رواه الإمام أحمد (^١٥٤٢): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك.
وعبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل] [¬٣]، عن عبد الله بن عباس؛ أنّ عمر بن الخطاب خرج إليَّ الشَّام، حتَّى إذا كان بسرغ [¬٤] (*) لقيه أمراء الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته، فقال: أن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كان بأرض وأنتم بها [¬٥] فلا تخوجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" فَحَمِدَ الله عمر ثم انصرف.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزُّهريّ، به.
طريق أخرى لبعضه: قال أحمد (^١٥٤٣): حدَّثنا حجاج ويزيد العمي [¬٦]؛ قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشَّام، عن النَّبيِّ ﷺ: "أن هذا السقم عُذبَ به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها [¬٧] فلا تخرجوا فرارًا منه [¬٨] ". قال: فرجع عمر من الشَّام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزُّهريّ بنحوه [¬٩].
_________________
(١) - المسند (١/ ١٩٤) (١٦٨٣)، وصحيح البُخاريّ، كتاب الطب حديث (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب السَّلام حديث (٢٢١٩). (*) قرية بوادي تبوك.
(٢) - المسند (١/ ١٩٣) (١٦٧٨)، وصحيح البُخاريّ، كتاب الطب، حديث (٥٧٣٠)، وصحيح مسلم، كتاب السَّلام، حديث (٢٢١٩). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "وطلبًا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "بسوغ". [¬٥]- في خ: "فيها". [¬٦]- في ز، خ: "العني". [¬٧]- في ز، خ: "فيها". [¬٨]- سقط من: ت. [¬٩]- في ز: "نحوه".
[ ٢ / ٤١٥ ]
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده [¬١]؛ بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدّر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ إنَّه قال وهو في سياق الموت (^١٥٤٤): لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وهأنذا [¬٢] أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين [¬٣] الجبناء. يعني: أنَّه يتألم لكونه [¬٤] ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزولَ [¬٥]: " [من يقرض] [¬٦] غير عديم ولا ظلوم؟ ".
وقد قال ابن أبي حاتم (^١٥٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال [¬٧] أبوالدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟ قال: "نعم، يا أبا الدحداح". قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإنّي قد اقرضت ربي ﷿ حائطي. قال [¬٨]: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأمّ الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح
_________________
(١) - انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٨/ ٢٦).
(٢) - جزء الحسن بن عرفة برقم (٨٧) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٤١٧) تحقيق الدكتور الحميد، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠١) عن خلف بن خليفة به نحوه، وحميد الأعرج ضعيف، لكم للحديث شواهد من حديث أنس وعمر ﵄. [¬١]- في خ: "يبعده". [¬٢]- في خ: "وهذأنا". [¬٣]- في ز: "عين". [¬٤]- في ز: "الذي". [¬٥]- مكانها في خ: بياض. [¬٦]- في خ: "من تعرض". [¬٧]- كررت في: ز، خ. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤١٦ ]
فناداها: يا أمَّ الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجى، فقد أقرضته ربي ﷿.
وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه.
وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله.
وقيل: هو النفقة على العيال. وقيل: هو التسبيح والتقديس.
وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وسيأتي الكلام عليها.
وقال الإمام أحمد (^١٥٤٦): حدَّثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي؛ قال: أتيت أبا هريرة ﵁ فقلت له: إنَّه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. فقال: وما أعجبك من ذلك؟ لقد سمعته من النَّبيِّ ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة".
هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال:
حدَّثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدّب، حدَّثنا يونس بن محمَّد المؤدب، حدَّثنا محمَّد بن عقبة الرباعي [¬١]، عن زِياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر
_________________
(١) - " المسند" (٢/ ٥٢١، ٥٢٢) وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٤٨) وقال: "رواه أحمد بإسنادين، والبزار بنحوه وأحد إسنادي أحمد جيد" في الإسنادين على من زيد بن جدعان وهو ضعيف، واختلف عليه فيه فقال أبو الحسن الدارقطني في "العلل" (٨ / س ١٥٥٨): "يرويه علي بن زيد بن جدعان، واختلف عنه فرواه سفيان بن حسين- عند البزار في مسنده (٢٤٢/ ٢٠١) مستفاد من هامش "العلل" -ومبارك بن فضالة- عند أحمد (٢/ ٢٩٦) وابن جرير (٥/ ٩٥١٠) - وسليمان بن المغيرة عن عليّ بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة ورفعوه إلى النَّبيِّ ﷺ ووقفه شعبة وغيره- كذا وابن أبي هند عند ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ١٨٧) - عن عليّ بن زيد عن أبي عثمان عن أبي هريرة قوله. ورواه زياد الجصاص- عند ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٠٣٠) ومن أحد طرقه سيذكره المصنف عند آية رقم ٣٨ / سورة التوبة وزياد ضعيف- عن أبي عثمان، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مرفوعًا وتابعه أبان بن أبي عياش عند عبد الرَّزاق في تفسيره (١/ ١٦٠) وأبان متروك- عن أبي عثمان عن أبي هريرة = [¬١]- كذا في ز، خ. وجاء في الجرح والتعديل (٨/ ٣٦): محمَّد بن عقبة روى عن زياد الجصاص، روى عنه يونس بن محمَّد المؤدب. حدَّثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ. قلت: فإن يونس بن محمَّد يقول: الرفاعي، قال: ليس هو الرفاعي هو من قبيلة أخرى. ا هـ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
مجالسة لأبي هريرة مني، فَقَدِمَ قبلي حاجًّا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة"، فقلت: ويحكم! والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أُريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًّا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: أن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة. قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا؟ والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقوله: ﴿فَمَا [¬١] مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة".
وفي معنى هذا الحديث ما رواه التِّرمذيُّ وغيره (^١٥٤٧) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة" الحديث.
وقال ابن أبي حاتم (^١٥٤٨): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ: "رَبِّ زِد أُمَّتي"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: "رَبِّ زِد أُمَّتي"؛ فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
_________________
(١) = عن النَّبيِّ ﷺ مرفوعًا من رواية أبي سليم عبيد بن يحيى الكوفي وقع إلى الرقة -ثقة- عن أبي بكر بن عياش عن أبان وقال محمَّد بن إشكاب عن سعيد بن عامر عن أبان عن أبي عثمان عن أبي هريرة موقوفًا، وقيل: عن ثابت البناني عن أبي عثمان النهدي عن أبي ذر عن النَّبيِّ ﷺ" والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥٥٤) (٢/ ٢٩١)، (٣/ ١٢١) وعزاه إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه.
(٢) - سنن التِّرمذيِّ، كتاب الدعوات حديث (٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥) وأحمد (١/ ٤٧) وقال التِّرمذيُّ: "عمرو بن دينار شيخ بصري ليس بالقوي في الحديث، وقد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث".
(٣) - ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦٤٨) "موارد" من طريق حفص المقرئ، عن أبي إسماعيل المؤدب به. [¬١]- في ز، خ: "وما".
[ ٢ / ٤١٨ ]
أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وروى ابن أبي حاتم أيضًا [¬١]، عن كعب الأحبار، أنَّه جاء رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرَّة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنَّة، أفأصدّق بذلك؟ قال: نعم، أوَعجبتَ من ذلك؟ قال: نعم (*). وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا [¬٢] يحصي ذلك إلَّا الله، ثم قرأ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرَّزاق يضيق على من يشاء [من عباده] [¬٣] في الرزق، ويوسعه على آخرين، و[¬٤] له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾
قال عبد الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة: هذا النَّبيُّ هو يوشع بن نون.
قال ابن جرير: يعني: ابن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وهنا القول بعيد؛ لأنَّ هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل ﵇، وكذا قال محمَّد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام [¬٥]، ابن إليهو [¬٦] بن
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- في ز، "نزخام" خ: "ترخام". [¬٦]- في ز، خ: "اليهو".
[ ٢ / ٤١٩ ]
تهو [¬١] بن [¬٢] صوف [¬٣]، بن [¬٤] علقمة بن ماحث [¬٥]، بن عموصا [¬٦] بن عزريا بن صفينيه [¬٧] بن علقمة من أبي يوسف [¬٨] بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇.
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدّة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعدائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلفًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة ولم يكن أحد يقاتلهم إلَّا غلبوه؛ وذلك أنهم كان عندهم حكم [¬٩] التوراة والتابوت الذي كان في قديم [¬١٠] الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم ابن موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتَّى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من حفظها فيهم إلَّا القليل، وانقطعت النبوّة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلَّا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها، لعل الله يرزقها غلامًا كون نبيًّا لهم، ولم تنزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا؛ فسمع الله لها ووهبها غلامًا فسمته شمويل [أي: سمع الله] [¬١١] دعائي [¬١٢]، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه، وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النَّبيُّ: فهل عسيتم أن أقام الله لكم ملكًا ألا [تقاتلوا و] [¬١٣] تفوا بما التزمتم من القتال معه؟! ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: و[¬١٤] قد أخذت [¬١٥] منا البلاد، وسبيت الأولاد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
_________________
(١) [¬١] حتى ز، خ: "بهرض". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "ماحب"، خ. "أحب". [¬٦]- في ز، خ. "عمرصا". [¬٧]- في ز، خ: "صفية". [¬٨]-في ز، خ. "ياشف". [¬٩]- زيادة من: خ. [¬١٠]- في خ: "فيه". [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٤]- سقط من: خ. [¬١٥]- في ز، خ: "أخذ".
[ ٢ / ٤٢٠ ]
بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا؛ بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.
﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾
أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من آحادهم [¬١]، ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك [فيهم] [¬٢] كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا﴾ [أي: كيف يكون ملكًا علينا] [¬٣] ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم كالملك. وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء. وقيل: دباغًا. وهذا اعتراض منهم علي نبيهم، وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشدّ قوةً وصبرًا في الحرب، ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه. [ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل.
ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، ورأفته بخلقه ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه].
﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾
_________________
(١) [¬١]- في خ: "أجنادهم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٢١ ]
يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار.
وقال الربيع: رحمة. وكذا روى عن العوفي، عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما تعرفون من آيات الله، فتسكنون إليه. [وكذا قال الحسن البصري] [¬١].
وقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ﵇ فوضع فيها الألواح، [] [¬٢] رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي ريح [¬٣] هفافة.
وقال ابن جرير (^١٥٤٩): حدثني [ابن] [¬٤] المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج (*)، ولها رأسان.
وقال مجاهد: لها جناحان، وذَنَب. وقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرّة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم [¬٥] ببيان [¬٦] ما يريدون.
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير (^١٥٥٠): أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه ورضاض الألواح.
وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة. وقال أبو صالح:
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٣٢٧) حديث (٥٦٧١). (*) ريح خجوج: أي شديدة المرور في غير استواء. النهاية (٢/ ١١).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٣٣١) حديث (٥٦٨٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٢]- في ز: "و". [¬٣]- في ت: "روح". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "فأخبرهم". [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين [¬١] [من التوراة، والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون] [¬٢] وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح.
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ فقال: منهم من يقول قفيز من منٍّ، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان.
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون. وقال السدى: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق، عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على [¬٣] عجلة على بقرة. وقيل: على بقرتين.
وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسر القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبَلَ لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى [¬٤] فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل، حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين، ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود ﵇، وأنه لما قام إليهما حَجَل (*) من فرحه بذلك. وقيل: شابان منهم. فالله أعلم.
وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين [يقال لها] [¬٥]: أزدرد.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُم﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا
_________________
(١) (*) - الحجل: أن يرفع رجلًا ويقف على الأخرى من الفرح. [¬١]- في ز: "ولوحان"، وسقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "القرايا". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملإ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ -فيما ذكره السدي- ثمانين ألفًا. فالله أعلم. أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر. قال ابن عباس، وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين. يعني: نهر الشريعة المشهور.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَويَ، ومن شرب منه لم هو وكذا رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة، وابن شوذب.
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه [¬١] ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف. كذا قال:
وقد روى ابن جرير (^١٥٥١) من طريق إسرائيل، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثماثة وبضعة عشر، علي عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جاز [¬٢] معه إلا مؤمن.
ورواه البخاري (^١٥٥٢) عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس بن [¬٣] أبي إسحاق، [عن جده]، عن البراء قال: كنا - أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٣٢٧).
(٢) - صحيح البخاري برقم (٣٩٥٨). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "جازه". [¬٣]- في ت: "عن".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة".
ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير عن أبي إسحاق [] [¬١] عن البراء بنحوه (^١٥٥٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوّهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم العالمون [¬٢]؛ بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾
أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ أي [¬٣]: [أنزل علينا صبرًا] [¬٤] من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده أن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب المغازي حديث (٣٩٥٧) من حديث زهير ورقم (٣٩٥٩) من حديث سفيان. [¬١]- في ت: عن جده. [¬٢]- في ز، خ: "العالمين". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: [لولا الله] [¬١] يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. الآية.
وقال ابن جرير (^١٥٥٤) ﵀ حدثني أبو [¬٢] حميد الحمصي -أحمد بن المغيرة- حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
وهذا إسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن سعيد هذا [¬٣] هو أبو زكريا [¬٤] العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا [¬٥].
ثم قال ابن جرير (^١٥٥٥): حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿ ما دام فيهم".
وهذا أيضًا غريب ضعيف؛ لما تقدم أيضًا.
وقال أبو بكر بن مردويه (^١٥٥٦): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب [¬٦]، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٣٧٤) (٥٧٥٣). والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٠٤)، وابن عدي (٣/ ٢٧٤).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٣٧٥) (٥٧٥٤).
(٣) - ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠٤٥٧) عن معمر، عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لولاه". [¬٢]- في ز، خ: "ابن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "الخباب".
[ ٢ / ٤٢٦ ]
-رفع الحديث- قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله".
[وقال ابن مردويه أيضًا (^١٥٥٧) [¬١] ": وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ -[نهار بن] [¬٢] عثمان الليثي- أخبرنا زيد بن الحباب [¬٣]، أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخوّاص، عن قتادة، عن أي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون [¬٤]، وبهم تنصرون [¬٥] " قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ أي: مَنٍّ عليهم، ورحمةٍ بهم؛ يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالواقع الذي كان [الأمر عليه]، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل.
﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا
_________________
(١) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق محمد بن الفرج، عن زيد بن الحباب به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٣): "رواه الطبراني من طريق عمرو البزار، عن عنبسة الحواص، وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح،. ورواه أحمد (٥/ ٣٢٢) من طريق الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بنحوه. وقال الإمام أحمد: منكر. فائدة: قال الإمام ابن القيم في المنار المنيف (ص ١٣٦): "أحاديث الأبدال والأقطاب، والأغواث، والنقباء، والنجباء، والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله ﷺ، وأقرب ما فيها: "لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلًا آخر" ذكره أحمد، ولا يصح أيضًا، فإن منقطع". وانظر المقاصد الحسنة (٣٢ - ٣٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "الخباب". [¬٤]- في ز، خ: "يمطرون". [¬٥]- في ز، خ: "ينصرون".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: موسى، ومحمدًا صلي الله عليهما وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿. (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين (^١٥٥٨) عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفي موسى علي العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي: خبيث! وعلى محمد ﷺ. فجاء اليهودي إلي النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: "لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟ فقال [¬١]: "فلا [¬٢] تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء". فالجواب من وجوه:
(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر.
(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه [¬٣] الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
(الرابع) [¬٤]: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الخصومات حديث (٣٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل حديث (٢٣٧٣). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "لا". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "والرابع".
[ ٢ / ٤٢٨ ]
(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلي الله ﷿ وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.
وقوله: ﴿وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات علي صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره. ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾
يأمر تعالى [عباد] [¬١] بالإنفاق مما رزقهم في سبيله -سبيل الخير- ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد -يعني صداقته- بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين. وقوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: [ولا ظالم] [¬٢] أظلم ممن وافى اللهَ يومئذ كافرًا.
وقد روى ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار، أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز، خ: "والظالم".
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، قد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله.
[] [¬١] قال الإِمام أحمد (^١٥٥٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبي -هو ابن كعب- أن النبي، ﷺ سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا، ثم قال أبي: آية الكرسي. قال: "ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش". وقد رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن الجريري، به. وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده … " إلخ.
(حديث آخر عن أُبي أيضًا، في فضل آية الكرسي).
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي، حدَّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدَّثنا مبشر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة [¬٢] بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أنّ أباه أخبره، أنه كان له جرن فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، قال: فسلمت عليه [¬٣]، فردّ السلام.
قال [¬٤]: فقلت: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: قلت: ناولني يدك. قال: فناولني يده [¬٥]، فإذا يد كلب، وشعر كلب. فقلت: هكذا خلق الجنّ؟ قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشدّ مني، قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي. ثم غدا إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: "صدق الخبيث".
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه (^١٥٦٠)، من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٤١)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٨١٠).
(٢) - المستدرك (١/ ٥٦٢) وفيه انقطاع، وقد جاء من طريق آخر، فرواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٧٢٤) "موارد" من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابنٍ لأبي بن كعب، عن أبيه كعب أنه أخبره … فذكر نحوه. [¬١]- في خ: "و" .. [¬٢]- في ت: "عبيدة". [¬٣]- سقط س: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمَّد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جدّه به. وقال الحاكم [¬١]: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^١٥٦١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثر [¬٢] عليه، فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ: "أي آية في القرآن أعظم؟، فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت يردها بين ثديي -أو قال: فوضع يده بين ثديي، فوجدت بردها بين كتفي- وقال: "ليهنك العلم يا أبا المنذر".
(حديث آخر) عن الأسقع البكري، قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٥٦٢): حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى الشيخ الأسقع -رجل صدق- أخبره عن الأسقع البكري: أنه سمعه يقول: أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجر كان فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ حتى انقضت الآية.
(حديث آخر) عن أنس، قال الإمام أحمد (^١٥٦٣): حدثنا عبد الله بن الحارث [¬٣]، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك حدثه، أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا من صحابته فقال: "أي فلان، هل تزوجت؟ " قال: لا وليس عندي ما أتزوّج به. قال: "أو ليس معك " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]؟ ". قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال [¬٤]: "أليس معك الله " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معك " ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ "؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال [¬٥]: "أليس معك " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ "؟ ". قال: بلى. قال: (ربع القرآن). قال [¬٦]: "أليس معك "آية الكرسي
_________________
(١) - المسند (٥/ ٥٨).
(٢) - المعجم الكبير (١/ ٣٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٢١): "فيه راوٍ لم يسم وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
(٣) - المسند (٣/ ٢٢١). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "يكثروا". [¬٣]- في خ: "الحريث". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٣١ ]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن".
(حديث آخر) عن أبي ذر -جندب بن جنادة- قال الإمام أحمد (^١٥٦٤): حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [¬١]، بن أبي ذر، ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ " قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست. فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت: يا رسول الله؛ أو [¬٢] للإنس شياطين؟! قال: "نعم". قال: قلت: يا رسول الله؛ الصلاة؟ قال: "خير موضوع [¬٣] من شاء أقل ومن شاء أكثر". قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: "فرض مجزئ وعند الله مزيد". قلت: يا رسول الله؛ فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله؛ فأيها أفضل؟ قال: "جهد من مقل أو سِر إلى فقير". قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أوّل؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله؛ ونبي كان؟ قال: "نعم، نبي مكلم". قال [¬٤] قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا" وقال مرة: "وخمسة عشر". قال [¬٥]: قلت: يا رسول الله؛ أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " [ورواه النسائي] [¬٦] [] [¬٧].
(حديث آخر) عن أبي أيوب -خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، قال الإِمام أحمد (^١٥٦٥): [حدثنا أبو أحمد] [¬٨] حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه [عن] (*) عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي [¬٩] أيوب، أنه كان في سَهْوَة [¬١٠] (*) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: "إذا [¬١١] رأيتَها فقل باسم الله أجيبي رسول الله" قال: فجاءت فقال لها، [. ..] [¬١٢] فأخذها فقالت: إني لا أعود.
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٧٨)، وسنن النسائي (٨/ ٢٧٥).
(٢) - المسند (٥/ ٤٢٣)، وسنن الترمذي برقم (٢٨٨٠). (*) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض سبيه بالخزانة. [¬١]- في ز، خ: "الحسحاس". [¬٢]- في ز، خ: "و". [¬٣]- في ز: "موضع". [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- سقط من ت. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "عن". [¬٨]- زيادة من المسند، والأطراف (٦/ ٥٥). [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- في ز، خ: "سهرة". [¬١١]- في ت: "فإذا". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين بياض في خ.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
فأرسلها. فجاء، فقال له النبي ﷺ: "ما فعل أسيرك؟ " قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود. فأرسلتها. فقال: "إنها عائدة" فأخذتها مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك تقول [¬١]: لا أعود. وأجيء [¬٢] إلى النبي ﷺ فيقول: "ما فعل أسيرك؟ ". فأقول [¬٣]: أخذتها فتقول: لا أعود. فيقول: "إنها عائدة". فأخذتها [¬٤]، فقالت: أرسلني وأعلمك شيئًا تقوله، فلا يقربك شيء: آية الكرسي. فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "صدقت وهي كذوب".
ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري، به. وقال: حسن غريب. [والغول في لغة العرب الجان إذا تبدى في الليل] [¬٥].
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة (^١٥٦٦)، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم -أبو عمرو-: حدثنا عوف، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ. قال: دعني [¬٦] فإني [¬٧] محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة، مما فعل أسيرك البارحة؟ " قال: قلت يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا [¬٨] فرحمته وخليت سبيله.
قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود". فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ: "إنه سيعود"، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعليَّ عيال، لا أعود. فرحمته، وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارح؟ ". قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالًا فرحمته، فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود". فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: [وما
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٢٣١١، ٣٢٧٥، ٢٣١١). [¬١]- في خ: "يقول". [¬٢]- في ز، خ: "ويجيء". [¬٣]- في ز: "فيقول". [¬٤]- في ز، خ: "فأخذها". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "إني". [¬٨]- في خ: "وعياله".
[ ٢ / ٤٣٣ ]
هُنَّ] [¬١]؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله؛ زعم أنّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: "ما هي؟ " قال: قال لي: إذا أويت ابن فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي، ﷺ: "أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال بها أبا هريرة؟ ". قلت [¬٢]: لا. قال: "ذاك شيطان".
كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.
وقد رواه النسائي في اليوم والليلة (^١٥٦٧)، عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم … فذكره.
وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، فشكى ذلك أبو هريرة ابن النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا". قال: نعم. قال: "فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك محمَّد! ". فذهب ففتح الباب، فقال: سبحان من سخرك محمَّد. فإذا هو قائم بين يديه. قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟ قال: نعم، دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذا [¬٣] إلا لأهل بيت من الجن فقراء. فخلى عنه، ثم عاد الثانية، ثم عاد الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك ابن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات، إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى. قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٩٥). [¬١]- في ز، خ: "ما هي". [¬٢]- في خ: "قال". [¬٣]- في ز: "آخذ".
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه، فذهب، [فلم يعد] [¬١]. فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "أما علمت أن ذلك كذلك؟ ".
وقد رواه النسائي (^١٥٦٨)، عن أحمد بن محمَّد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، به.
وقد تقدّم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه [¬٢] أيضًا. فهذه ثلاث وقائع.
(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب (^١٥٦٩): حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإِنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني، فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟ فصارعه، فصرعه. فقال: إني أراك ضئيلًا شِخّيتًا كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني، فصارعه، فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خَبَجٌ كخبج الحمار. فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيد: الشخّيت [¬٣] الضئيل النحيف الجسم، والخبج [¬٤] بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء [¬٥] المهملة [¬٦]: الضراط.
(حديث آخر) عن أبي هريرة؛ قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه (^١٥٧٠): حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثني حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي".
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى رقم (١٠٧٩٤).
(٢) - غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٦٣).
(٣) - المستدرك (٢/ ٢٥٩). [¬١]- في ز، خ: "فأبعد". [¬٢]- في ز: "هذا". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "والخبج". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "بالمهملة".
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة (^١٥٧١)، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. كذا قال: وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظ: "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة، وضعفه.
(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي.
(حديث آخر): قال ابن مردويه (^١٥٧٢): حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬١]، أخبرنا عيسى بن محمَّد المروزي، أخبرنا عمر بن محمَّد البخاري، أخبرنا أبي، أخبرنا عيسى بن موسى -غنجار- عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى، أخبرنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (*) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
(حديث آخر): في اشتمالها على اسم الله الأعظم.
قال الإمام أحمد (^١٥٧٣): حدثنا محمَّد بن بكر [¬٢]، أنبأنا عبيد الله بن أبي زداد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: "إن فيهما اسم الله الأعظم".
وكذا رواه أبو داود عن مسدد، والترمذي عن علي بن خشرم، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، له.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٥٩).
(٢) - ورواه الجوزقاني في الأباطيل برقم (٧١٢) من طريق عيسى بن موسى غنجار به. (*) منه أي: جماعات.
(٣) - المسند (٦/ ٤٦١). وسنن أبي داود برقم (١٤٩٦)، وسنن الترمذي يرفم (٣٤٧٨)، وسنن = [¬١]- في ز، خ: نافع. [¬٢]- في ت: "بكير".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
(حديث آخر) في معنى هذا عن أبي أمامة ﵁. قال ابن مردويه (^١٥٧٤): أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبر [¬١]، أنه سمع القاسم ابن [¬٢] عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه". و[¬٣] قال هشام -وهو ابن عمار خطب دمشق-: أما البقرة، فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
(حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمَّد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمَّد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر -بطرسوس- أخبرنا محمَّد بن حمير، أخبرنا محمَّد بن زياد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (^١٥٧٥)، عن الحسين بن بشر، به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمَّد بن حمير -وهو الحمصي- من رجال البخاري أيضًا.
فهو إسناد على شرط البخاري. وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي: أنه حديث موضوع (^١٥٧٦)، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه من حديث علي (^١٥٧٧)، والمغيرة بن شعبة (^١٥٧٨)، وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث.
_________________
(١) = ابن ماجه برقم (٣٨٥٥).
(٢) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٨٢)، والطحاوي في مشكل الآثار برقم (١٧٦) من طرق عن هشام بن عمار به نحوه.
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٩٢٨).
(٤) - الموضوعات (١/ ٢٤٤).
(٥) - حديث علي رواه أيضًا البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٣٩٥ من طريق نهشل عن أبي إسحاق الهمداني عن حبَّة العرني عن علي ﵁.
(٦) - حديث المغيرة رواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢١) من طريق عمر بن إبراهيم، عن محمَّد = [¬١]- في ز، خ: زيد [¬٢]- في ز، خ: "أبا". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ولكن في إسناد كل منهما ضعف.
وقال ابن مردويه أيضًا (^١٥٧٩): حدثنا محمَّد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين [¬١] وأعمال الصدّيقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قنبه للإِيمان، أو أريد قتله في سبيل الله".
وهذا حديث منكر جدًّا.
(حديث آخر) في [¬٢] أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل.
قال أبو عيسى الترمذي (^١٥٨٠): حدثنا يحيى بن المغيرة -أبو سلمة المخزومي المديني- أخبرنا ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن المُليكي، عن زُرارة بن مُصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ: حم، المؤمن إلى ﴿إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾، وآية الكرسي حين يصبح - حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح". ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المُليكي من قِبَلِ حفظه.
وقد ورد في فضلها أحاديث أخر تركناها اختصارًا، لعدم صحتها وضعف أسانيدها: كحديث علي في قراءتها عند الحجامة أنها تقوم مقام حجامتين، وحديث أبي هريرة في [¬٣] كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردوية وغير ذلك.
وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة
فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإِلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
_________________
(١) = ابن كعب، عن المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) - وفيه محمَّد بن الحسن النقاش، قال البرقاني كل حديثه منكر. وقال الخطيب: حديثه مناكير. وروى نحوه من حديث جابر ﵁ لكنه ضعيف.
(٣) - سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩). [¬١]- في ز، خ: "المنيبين". [¬٢]- في خ: "وفي ". [¬٣]- بياض في خ.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم [¬١] لغيره. وكان عمر يقرأ: القيام. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾.
وقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم. فقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة؛ وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السِّنة.
وفي الصحيح (^١٥٨١)، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
وقال عبد الرزّاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ - سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده؛ في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى، فكسرهما. قال معمر: إنما هو مثل ضَرَبَهُ الله ﷿. يقول: فكذلك السموات والأرض في يديه [¬٢].
وهكذا رواه ابن جرير (^١٥٨٢)، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، فذكره. وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿ وأنه منزه عنه.
وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير (^١٥٨٣):
_________________
(١) - صحيح مسلم برقم (١٧٩).
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٣).
(٣) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٤) وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة أمية بن شبل: "له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا قال "وقع في نفس موسى ﵇: هل = [¬١]- في خ: "المقيم". [¬٢]- في خ: "يده".
[ ٢ / ٤٣٩ ]
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي عكرمة عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وكادت [¬١] يداه تلقيان [¬٢] فيستيقظ [¬٣] فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، قال: "ضرب الله ﷿ له [¬٤] مثلًا، إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض". وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي، لا مرفوع، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، [عن سعيد بن جبير] [¬٥]، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه ﷿: يا موسى؛ سألوك: هل ينام ربك؟، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع [¬٦] لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت [¬٧] الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى؛ لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن [¬٨] كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل [¬٩] الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي.
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده، وفي [¬١٠] ملكه وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد [¬١١] عنده إلا [أن يأذن] [¬١٢]
_________________
(١) = ينام الله؟ " الحديث رواه هشام بن يوسف وخالفه معمر، عن الحكم، عن عكرمة فوقفه، وهذا أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى ﵇، وإنما روى أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك". [¬١]- في ز: "وكاد". [¬٢]- في ز، خ: "يلتقيان". [¬٣]- في ز، خ: "يستيقظ". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "فرفع". [¬٧]- في ز: "فسقط". [¬٨]- في ز: "لهلكن". [¬٩]- في خ: "وأنزل". [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- سقط من: ز، خ. [¬١٢]- في خ: "بأذنه".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة (^١٥٨٤): " آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن [¬١] يدعي، ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع [¬٢]، واشفع تشفع. (قال): فيحدَّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة".
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم اللَّه على شيء إلا بما أعلمه اللَّه ﷿ وأطلعه عليه.
ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفائه إلا بما أطلعهم اللَّه عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه.
وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد اللَّه بن إدريس، وهشيم؛ كلاهما عن مطرف بن طريف به. قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله.
ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين.
ثم رواه عن أبي موسى، والسدي، والضحاك، ومسلم البطين.
وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي، ﵌، عن قول اللَّه ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: "كرسيه: موضع قدميه، والعرش: لا يقدر قدره إلا اللَّه ﷿".
كذا أورد هذا الحديث الحافظ ألو بكر بن مردويه (^١٥٨٥) من طريق شجاع بن مخلد الفلاس
_________________
(١) - حديث الشفاعة مخرج في الصحيحين من حديث أنس ﵁ وسيأتي سياقه وذكر طرقه عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.
(٢) - ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٥١) من طريق شجاع بن مخلد به. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "كسمع".
[ ٢ / ٤٤١ ]
فذكره؛ وهو غلط. وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [] [¬١] الكرسي: موضع القدمين، والعرش: لا يقدر أحد قدره.
وقد رواه [¬٢] الحاكم في مستدركه (^١٥٨٦)، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان -وهو الثوري- بإسناده عن ابن عباس، موقوفًا مثله. وقال: صحيح عن شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد رواه ابن مردويه، من طريق الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي -وهو متروك- عن السدي، [عن أبيه] [¬٣] عن أبي هريرة، مرفوعًا. ولا يصح أيضًا.
وقال السدي: عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش. وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (^١٥٨٧): حدثني يونس، أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني [¬٤] فلاة من الأرض".
وقال أبو بكر بن مردويه (^١٥٨٨): أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب الغزَّى،
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٨٢) ورواه ابن أبي شيبة في صفة العرش يرقم (٦١) من طريق أبي عاصم عن سفيان به موقوفًا.
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٩) وهو منقطع، وقد جاء موصولًا، فرواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (٥٨) من طريق المختار بن غسان، عن إسماعيل بن سلم، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري ﵁ مرفوعًا بنحوه. وسيأتي أيضًا موصولًا من طريق آخر وهو الذي يليه من رواية ابن مردويه.
(٣) - وفي إسناده محمد بن أبي السري العسقلاني، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن معين، وقال ابن عدي: كثير الغلط. [¬١]- في خ: موضع. [¬٢]- في ز: "روى". [¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٤]- في ت: "ظهراني".
[ ٢ / ٤٤٢ ]
أخبرنا محمد بن أبي السَّرِيِّ العسقلانى، أخبرنا محمد بن [عبد اللَّه] [¬١] التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي. فقال رسول اللَّه ﷺ: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (^١٥٨٩): حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول اللَّه ﵌ فقالت: ادع اللَّه أن يدخلني الجنة.
قال: فعظم الرب ﵎ وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد [¬٢] من ثقله".
وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور (^١٥٩٠)، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيريهما والطبراني، وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد اللَّه بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من هويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من هويه [عن عمر] [¬٣] مرسلًا (^١٥٩١)، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها.
وأغرب [¬٤] من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش.
كما رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه (^١٥٩٢)، واللَّه أعلم.
وقد روى ابن مردويه وخيره أحاديث عن بريدة، وجابر، وغيرهما، في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء. والظاهر [أن ذلك] [¬٥] غير المذكور في هذه الآية.
وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإِسلاميين: أن الكرسي عندهم: هو الفلك
_________________
(١) - ورواه من طريقه الضياء المقدسي في المختارة برقم (١٥١).
(٢) - مسند البزار برقم (٣٩) "كشف الأستار"، وتفسير الطبري (٥/ ٤٠٠)، والسنة لابن أبي عاصم برقم (٥٧٤) والمختارة للضياء المقدسي برقم (١٥١ - ١٥٤).
(٣) - الرواية المرسلة في تفسير الطبري (٥/ ٤٠٠).
(٤) - سنن أبي داود برقم (٤٧٢٦). [¬١]- في ز، خ: "عبيد اللَّه". [¬٢]- في خ: "الحديد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "عنه". [¬٤]- في ز، خ: "وأعرف". [¬٥]- في ز، خ: "أن ذاك".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
الثامن، وهو فلك الثوابت، الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير. ويقال له: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم آخرون.
وروى ابن جرير، من طريق جويبر، عن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي: هو العرش. والصحيح: أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء؛ فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ الْكَبيرُ الْمُتَعَال﴾.
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح: الأجود فيها طريقة السلف الصالح؛ إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإِسلام فإنه [¬١] بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا حتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإِسلام وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا [¬٢]، وقد ذكروا أن [¬٣] سبب نزول هنه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.
_________________
(١) [¬١]- سقط عن: ز. [¬٢]- في ز: "متسورًا". [¬٣]- سقط عن: ز، خ.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
فقال [¬١] ابن جرير: حدثنا ابن [¬٢] بشار [¬٣] حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا (*) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وقد رواه أبو داود، والنسائي، جميعًا عن بندار به (^١٥٩٣). ومن وجوه أخر عن شعبة، به نحوه.
وقد رواه ابن أبي حاتم (^١٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه، من حديث شعبة به. وهكذا ذكر مجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري، رغيرهم: أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي [¬٤] مولى (*) زيد بن ثابت، عن عكرمة -أو عن سعيد- عن ابن عباس، قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار -من بني سالم بن عوف يقال له الحصين- كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: إلا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل اللَّه فيه ذلك.
رواه ابن جرير. وروى [¬٥] السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على أيدي [¬٦] تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا [¬٧]، فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول اللَّه ﷺ أن يبعث في آثارهما. فنزلت هنه الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال، عن أُسَقِ، قال: كنت [] [¬٨] مملوكًا نصرانيًّا لعمر في الخطاب، فكان يعرض على الإسلام، فآبى فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ويقول: يا أُسَقُ؛ لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
_________________
(١) (*) - المقلات من النساء التي لا يحيق لها ولد.
(٢) - تفسير الطبري (٥/ ٤٠٧، ٤٠٨)، وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٢)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٨).
(٣) - صحيح ابن حبان برقم (١٧٢٥) "موارد". (*) - في ز، خ: عن. [¬١]- في خ: "وقال". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "يسار". [¬٤]- في ز، خ: "الحرشي". [¬٥]- في ز: "وروي عن". [¬٦]- في ز: "يدي". [¬٧]- في خ: "زبيبًا". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: في دينهم.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وقد ذهب طائفة كبيرة [¬١] من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قل النسخ والتبديل؛ إذا بذلوا الجزية.
وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، فإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف -دين الإِسلام- فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له، أو [¬٢] يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل.
وهنا معنى الإكراه. قال اللَّه تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وفي الصحيح (^١٥٩٥): " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل". يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإِسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٥٩٦): حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ، قال لرجل: "أسلِم". قال: إني أجدني كارهًا. قال: "وإن كنت كارهًا".
فإنه [¬٣] ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هنا القبيل فإنه لم يكرهه النبي، ﷺ، على الإِسلام، بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له [¬٤]: "أسلم. وإن كنت كارهًا" فإن اللَّه سيرزقك حسن النية والإِخلاص.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان، من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه، ووحد اللَّه، فعبده وحده، وشهد أنه [¬٥] لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم.
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) - المسند (٣/ ١٨١) (١٢٨٩١). [¬١]- في ز، خ: "كثيرة". [¬٢]- في ز، خ: "و". [¬٣]- في ز، "فأتِهْ". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "أن".
[ ٢ / ٤٤٦ ]
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص -سلام بن سليم- عن أبي إسحاق، عن حسان هو -ابن فائد العبسي- قال: قال عمر ﵁: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمَّن لا يعرف، ويفر الجبان عن [¬١] أمه، وإن كرم الرجلِ دينه، وحَسَبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نَبَطيًّا.
وهكذا رواه ابن جرير (^١٥٩٧)، وابن أبي حاتم، من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر، فذكره.
ومعنى قوله في الطاغوت (إنه الشيطان). قوي جدًّا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.
وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم [¬٢] فهي [¬٣] في نفسها، محكمة مبرمة قوية، ربطها قوي شديد؛ ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. الآية.
قال مجاهد: العروة [¬٤] الوثقى: يعني الإيمان. وقال السدّي: هو الإِسلام. وقال سعيد بن جبير، والضحاك: يعني لا إله إلا اللَّه. وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد، قال: هو الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: [أي] [¬٥] لا انقطاع لها دون دخول الجنة.
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وقال الإمام أحمد (^١٥٩٨): أنبأنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد عن
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٤١٧).
(٢) - المسند (٥/ ٤٥٢) (٢٣٨٩٤). [¬١]- في ت: "من". [¬٢]- في خ: "تنقصم". [¬٣]- في خ: "هي". [¬٤]- في ز: "فقد استمسك بالعروة". [¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
قيس بن عُبَاد قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل [¬١] فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه، فحدثته، فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان اللَّه! ما ينبغي لأحد أن [¬٢] يقول ما لا يعلم، وسأحدّثك لِمَ: إني رأيت رؤيا على عهد رسول اللَّه ﷺ فقصصتها عليه؛ رأيت كأنني [¬٣] في روضة خضراء -قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها- وفي [¬٤] وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل لي: اصعد عليه. فقلت: لا أستطع. فجاءني منصف -قال ابن عون هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعرلية، فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت، وإنها لفي يدي، فأتيت رسول اللَّه، ﷺ، فقصصتها عليه، فقال: "أمّا الروضة لروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأمّا العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإِسلام حتى تموت".
قال: وهو عبد اللَّه بن سلام، أخرجاه في الصحيحين (^١٥٩٩)، من حديث عبد اللَّه بن عون، وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به (^١٦٠٠).
(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإِمام أحمد (^١٦٠١): حدثنا حسن بن موسى، وعفان [¬٥]، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحز، قال: قدمت المدينة، فجلست إلى مشيخة [¬٦] في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقمت إليه، فقلت له [¬٧]: قال بعض القوم كذا وكذا. فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، كتاب: مناقب عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ (١/ ١٦٧ / رقم: ٣٨١٣) وطرفاه في (٧٠١٠، ٧٠١٤). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد اللَّه بن سلام ﵁ (٤/ ١٩٣٠، ١٩٣١ / رقم: ٢٤٨٤).
(٢) - صحيح البخاري يرقم (٧٠١٠).
(٣) - المسند (٥/ ٤٥٢، ٤٥٣) (٢٣٨٩٧). [¬١]- سقط ش: ز، خ. [¬٢]- سقط ش: ز. [¬٣]- في ز، خ: "كأني". [¬٤]- سقط ش: ز. [¬٥]- في ز، خ: "عثمان". [¬٦]- في ز، خ: "أشيخة". [¬٧]- سقط عن: ز، خ.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وسلم رؤيا؛ رأيت كأنّ رجلًا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه، فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق [¬١] عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق (*)، فأخذ بيدي، فزجل [¬٢] بي، فإذا أنا على ذروته فلم أتقار (*)، ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فَزَجل (*) [¬٣] بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك. فقلت: نعم. فضرب العمود برجله. فاستمسكت بالعروة. فقصصتها على رسول اللَّه ﷺ فقال: "رأيت خيرًا أمّا المنهج العظيم: فالمحشر، وأمّا الطريق التي عرضت عن يسارك: فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأمّا الطريق التي عرضت عن يمينك: فطريق أهل الجنة، وأمّا الجبل الزلق: فمنزل الشهداء، وأمّا العروة التي استمسكت بها: فعروة الإِسلام، فاستمسك بها حتى تموت". قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد اللَّه بن سلام.
وهكذا رواه النسائي (^١٦٠٢)، عن أحمد بن سليمان، عن عفان، وابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به، نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه (^١٦٠٣) من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ الفزاري، به.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)
_________________
(١) (*) أي: لا تثبت عليه قدم. (*) أي: لم أثبت. (*) زجل به: رفعه ورماه.
(٢) - النسائي في الكبرى في كتاب التعبير، باب: صعود الجبل الزلق (/ ٤/ ٣٨٤، ٣٨٥ رقم: ٧٦٣٣). وابن ماجة في كتاب تعبير الرؤيا، باب: تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٩١، ١٢٩٢ / رقم: ٣٩٢٠).
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ (٤/ ١٩٣١، ١٩٣٢ / رقم: ٢٤٨٤). [¬١]- في خ: "طريقًا". [¬٢]- في ز: "فدحا"، خ: "فدحى". [¬٣]- في ز، خ: "فدحى".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر، والشك، والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما أولياؤهم [¬١] الشياطين، تُزَيّنُ لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طرين الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمَع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما [¬٢] قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرّد الحق، وانتشار الباطل، وتفرّده [¬٣]، وتشعبه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث [¬٤] أهل الأهواء -أو [¬٥] قال: يبعث أهل الفتن- فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة. ثم قرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل: نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح. ويقال: نمروذ بن فالخ بن عابد بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. والأوّل قول مجاهد وغيره.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "وليهم". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، "وتفرقه"، خ: "وتفررقه". [¬٤]- في خ: "تبعث". [¬٥]- في خ: "و".
[ ٢ / ٤٥٠ ]
قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها، ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين. والكافران: نمروذ وبختنصر، والله أعلم.
ومعنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثَمَّ إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبرُهُ، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكأنه طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما [¬١] الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ-: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.
قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر [¬٢] بالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإِحياء والإِماتة.
والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير [¬٣] مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام، عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته، وتسخير كواكبه وحركاته- فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما تدعي [¬٤] فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت، أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "ادعيت تحيي وتحيت"، خ: "دعيت".
[ ٢ / ٤٥١ ]
وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأوّل إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديَّة وليس كما قالوه، بل المقام الأوّل يكون كالمقدمة للثاني. ويبين [¬١] بطلان ما ادعاه نمروذ في الأوّل والثاني، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر السدي، أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أن النمروذ كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت إليهم [¬٢]، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت [منه] [¬٣] طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه. فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعلم [¬٤] أنه رزق رزقهموه الله ﷿. قال [¬٥] زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار مَلكًا يأمره بالإِيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى. وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في [منخريه] [¬٦] أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة كلها [¬٧] حتى أهلكه الله بها.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "وتبين"، خ: "ويتبين". [¬٢]- في ز: "عليهم". [¬٣]- ما بين المعكوفين زيادة من ز. [¬٤]- في ز: "فعرف". [¬٥]- بياض في ز، خ. [¬٦]- في ت: "منخرى الملك". [¬٧]- زيادة من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾
تقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو في قوة [¬١] قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه. ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ اختلفوا في هذا المار، من هو؟ فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن روَّاد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عزيز.
ورواه ابن جرير، عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة. وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير هو إرميا بن حلفيا. قال محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، أنه قال: وهو اسم الخضر ﵇.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: سمعت سليمان بن محمد اليسارى [¬٢] الجاري -من أهل الجار [¬٣] ابن عم مطرف- قال: سمعت رجلًا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا.
وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل. وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خَاويَةٌ﴾ أي: ليس فيها أحد؛ من قولهم: خوت الدار تخوى خَواء وخُويًا.
وقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها، وجدرانها على عرصاتها. فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع [¬٤] بنو إسرائيل إليها.
فلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "السيارى". [¬٣]- في ز: "الجاري". [¬٤]- في ز: "تراجعت".
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الله فيه، كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًّا، قال الله له -أي: بواسطة الملك- ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالوا؛ وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في [آخر النهار] [¬١]، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب، وتين، وعصير، فوجده كما فقده، لم يتغير منه شيء لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلًا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفعها، فتركب [¬٢] بعضها على بعض.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" (^١٦٠٤)، من حديث نافع بن أبي نعيم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه رسلم قرأ ﴿كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي. ثم قال: صحيح [الإِسناد ولم يخرجاه] [¬٣].
وقرأ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ أي: نحييها. قاله مجاهد. ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
وقال [¬٤] السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه، حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله [¬٥] ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق إذن الله ﷿ وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته [¬٦] عيانًا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك. وقرأ آخرون: "قال اعلم" (* * *) على أنه أمر له بالعلم.
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٢٤٣) وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه إسماعيل بن قيس من ولد زيد بن ثابت وقد ضعفوه". (*) وبها قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. (**) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو. (* * *) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو وابن عامر: "أعلم" بهمزة قطع، وضم الميم. وقرأ حمزة والكسائي: "واعلم" بهمزة وصل وإسكان الميم. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "آخرها"، خ: "آخر نهار". [¬٢]- في خ: "فيركب". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- مكانها بياض في ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "رأيت".
[ ٢ / ٤٥٤ ]
﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
ذكروا لسؤال إبراهيم ﵇ أسبابًا، منها أنه لما قال لنمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقَّى من علم [¬١] اليقين [في ذلك] [¬٢] إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
فأما الحديث الذي رواه البخاري (^١٦٠٥) عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب، به. فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، أحدها: [… … …] [¬٣].
وقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة، ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم [¬٤] لنص عليه القرآن. فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة، وعنه أيضًا، أنه أخذ وزًّا ورألا -وهو فرخ النعام- وديكًا، وطاوسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكًا، وطاوسًا، وغرابًا.
وقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أي: و[¬٥] قطعهنّ. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الديلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهنّ، ونتف
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٤٥٣٧)، وصحيح مسلم برقم (١٥١). [¬١]- في ز: "عالم". [¬٢]- في خ: "بذلك". [¬٣]- بياض في: ز، خ. [¬٤]- في ز: "مهما". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ريشهنّ، ومزقهنّ، وخلط بعضهنّ في بعض [¬١]، ثم جزأهنّ أجزاء، وجعل على كل جبل منهنّ جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رءوسهنّ بيده، ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهنّ، فدعاهن كما أمره الله ﷿ فجعل ينظر إلى الريش، يطير إلى الريش، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇ فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدّم له رأسه تركب مع بقية جثته [¬٢] بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز، لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا مانع، لأنه [العظيم] [¬٣] القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.
وقال ابن جرير (^١٦٠٦): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: اتَّعد [¬٤] عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو [بن العاص] [¬٥] أن يجتمعا قال: ونحن شَبَبَة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى [] [¬٦] لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: [قول الله تعالى: ﴿قُلْ] [¬٧] يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. الآية. فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول [إنها] [¬٨]: وإن أرجى منها لهذه الآمة قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث- حدثني ابن [¬٩] أبي سلمة عن محمد [¬١٠] بن المنكدر، أنه قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٤٨٩). [¬١]- في ت: "بعض". [¬٢]- في ت: "جسده". [¬٣]- زيادة من ز. [¬٤]- في ت، "اتفق"، خ: "سحر". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: عندك. [¬٧]- سقط من ز، خ. [¬٨]- سقط من ز، خ، وأثبتناه من الطبري. [¬٩]- في خ: محمد بن، والصواب ما أثبتناه وابن أبي سلمة هو عبد العزيز الماجشون. [¬١٠]- في ز، خ: "عمر".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ قال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. الآية. فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿بَلَى﴾. قال: فهذا لما يعترض في النفوس، ويوسوس به الشيطان.
وهكذا رواه الحاكم في المستدرك (^١٦٠٧)، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، بإسناده مثله. ثم قال: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.
هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله، وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به الإِنفاق في الجهاد، من رباط الخيل، وإعداد السلاح، وغير ذلك. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد، والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف. ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.
وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿ لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. وقد وردت السنة لتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
قال الإِمام أحمد (^١٦٠٨): حدثنا زياد بن الربيع أبو خَداش، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غُطَيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة [بن الجراح] [¬١] نعوده من شكوى أصابه [¬٢] [] [¬٣] وامرأته تُحَيْفَةُ قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بت بأجر. وكان
_________________
(١) - المستدرك (١/ ٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعًا.
(٢) - المسند (١/ ١٩٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "أصابته". [¬٣]- في ت: بجنبه.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ [¬١] أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حِطَّةٌ".
وقد روى النسائي في الصوم بعضه (^١٦٠٩) من حديث واصل به، ومن [¬٢] وجه آخر موقوفًا.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني، عن أبي [¬٣] مسعود، أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: "لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة".
ورواه مسلم، والنسائي (^١٦١٠)، من حديث سليمان بن مهران، عن الأعمش، به. ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله. فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة".
(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١١): حدثنا عمرو بن مُجَمَّع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري [¬٤]، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن الله ﷿ جعل حسنة ابن آدم بعشر [¬٥] أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاوه، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء [¬٦] الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند
_________________
(١) - سنن النسائي (٤/ ١٦٧، ١٦٨).
(٢) - صحيح مسلم برقم (١٨٩٢)، وسنن النسائي (٦/ ٤٩).
(٣) - المسند (١/ ٤٤٦).
(٤) - المسند (٢/ ٤٤٣). [¬١]- في ت: "مازه". [¬٢]- في خ: "من". [¬٣]- في ز، خ: "ابن". [¬٤]- في ز، خ: "المهجري". [¬٥]- في ز: "عشر". [¬٦]- في ز: "يشاء".
[ ٢ / ٤٥٨ ]
فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه الصائم [¬١] أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة".
وكذا رواه مسلم (^١٦١٣)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع به.
(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١٤): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين عن يُسَيرِ [¬٢] بن عميلة، عن خُريم بن فاتك [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة [¬٤] ضعف".
(حديث آخر) قال أبو داود (^١٦١٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان [¬٥] بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الصلاة والصيام والذكر، يضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة [¬٦] ضعف".
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم (^١٦١٦): حدثنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله، صلى الله علية وآله وسلم، قال: "من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكل درهم [سبعمائة درهم يوم القيامة] [¬٧]، [ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم] [¬٨] [سبعمائة ألف درهم] [¬٩]. ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا حديث غريب.
_________________
(١) - صحيح مسلم برقم (١١٥١).
(٢) - المسند (٤/ ٣٤٥).
(٣) - سنن أبي داود برقم (٢٤٩٨).
(٤) - ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٧٦١) عن هارون بن عبد الله به. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "بشير". [¬٣]- في خ: "وائل". [¬٤]- في خ: "سبعمائة". [¬٥]- في ز: "زيان بن"، خ: "زريان". [¬٦]- في خ: "بسبعمائة". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "يوم القيامة سبعمائة ألف درهم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [¬١].
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ قال [النبي ﷺ] [¬٢]: "رب زد أمّتي". قال: فأنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال: "رب زد أمّتي". قال: فأنزل الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وقد رواه أبو حاتم (^١٦١٧) بن [¬٣] حبان في "صحيحه"، عن حاجب بن أركين، عن أبي [¬٤] عمر، حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري عن أبي إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وقوله هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: فضله واسع كثير، أكثر من خلقه، علهم بمن يستحق، ومن لا يستحق، [سبحانه وحمده] [¬٥].
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
_________________
(١) - صحيح ابن حبان برقم (١٦٤٨) "موارده". [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "وإن". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.
يمدح الله [تبارك و] [¬١] تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله [¬٢] ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على من أعطوه، فلا يمنون به على أحد، ولا يمنون به، لا بقول، ولا فعل [¬٣].
وقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ أي: ولا [¬٤] يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به [¬٥] ما سلف من الإحسان. ثم وعدهم الله [¬٦] تعالى الجزاء الجزيل على ذلك فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله. لا على أحد سواه. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم [¬٧] القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، و[¬٨] ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: [عفو، و] [¬٩] غفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، قال: قرأت على معقل بن عبيد [¬١٠] الله، عن [¬١١] عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف [¬١٢] ألم تسمع إلى قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [أي] [¬١٣] عن خلقه ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عنهم.
وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة؛ ففي "صحيح مسلم"، من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "سبيل الله". [¬٣]- في ت: "بفعل". [¬٤]- في ت: "لا". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في خ: "ولا". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬١٠]- في ز، خ: "عبد". [¬١١]- في ز، خ: "بن". [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.
[ ٢ / ٤٦١ ]
الكاذب" (^١٦١٨).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر".
وروى أحمد وابن ماجة من حديث يونس بن ميسرة، نحوه (^١٦١٩).
ثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في "مستدركه" والنسائي، من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن [¬١] عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله، ﷺ: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى" (^١٦٢٠).
وقد روى النسائي (^١٦٢١)، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة عن عتاب ابن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان".
وقد رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس [قوله].
ورواه النسائي (^١٦٢٢)، من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري [¬٢]، عن مجاهد، قوله. وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه (^١٦٢٣).
ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فأخبر أنّ الصدقة تبطل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنّ والأذى.
_________________
(١) - صحيح مسلم برقم (١٠٦).
(٢) - المسند (٦/ ٤٤١)، وسنن ابن ماجة رقم (٣٣٧٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٠٣): "هذا إسناد حسن، سليمان بن عتبة مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات".
(٣) - المستدرك (٤/ ١٤٦)، وسنن النسائي (٥/ ٨٠).
(٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢١).
(٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠).
(٦) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٢). [¬١]- في ز، خ: "عن". [¬٢]- في ز: "الحورى".
[ ٢ / ٤٦٢ ]
ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحة [¬١] الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه -قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًّا أو أذى- فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم [¬٢] من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس ﴿عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو [¬٣]: المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابلُ [¬٤] ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس، كالتراب؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾
وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات [¬٥] الله عنهم في ذلك ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون ومتثبتون [¬٦] أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ونظير هذا في المعنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح [¬٧] المتفق على صحته: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا … " أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.
قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقًا ويقينًا [¬٨]. وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد، والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي: كمثل بستان بربوة. وهو عند الجمهور: المكان المرتفع
_________________
(١) [¬١]- في ت: "مدح". [¬٢]- في ز، خ: "ومنهم". [¬٣]- في خ: "هو". [¬٤]- في ز: "اليابل"، في خ: "البابل". [¬٥]- في ز: "مراضى". [¬٦]- في ز، خ: "مثبتون". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "تيقينًا".
[ ٢ / ٤٦٣ ]
المستوي من الأرض. وزاد ابن عباس، والضحاك: وتجري فيه الأنهار.
قال ابن جرير ﵀: وفي الربوة ثلاث لغات، هنّ ثلاث قراءات؛ بضم الراء وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس.
وقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد. كما تقدم. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي [¬١]: ثمرتها [¬٢] ﴿ضِعْفَينِ﴾ [¬٣] أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر. أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيامًا كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله، ويكثره، وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيءٌ.
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
قال البخاري عند تفسير هذه الآية (^١٦٢٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام -هو ابن يوسف- عن ابن جريج، سمعت عبد [¬٤] الله بن أبي مليكة يحدّث عن ابن عباس -وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير [¬٥]- قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا بن أخي؛ قل ولا تحقر نفسك. فقال [¬٦] ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا لعمل [¬٧]
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٤٥٣٨). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "عبيد"، خ: "عيد". [¬٥]- في ز، خ: "نمير". [¬٦]- في ز. "قال". [¬٧]- في ز: "بعمل".
[ ٢ / ٤٦٤ ]
قال عمر. أي عمل؟ قال ابن عباس [: لعمل] [¬١]. [قال عمر] [¬٢]: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله.
ثم رواه البخاري (^١٦٢٥) عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره وهو من أفراد البخاري ﵀.
وفي [هذا] [¬٣] الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأَبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدّم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها، وأباد أشجارها. فأي حال يكون حاله؟.
وقد روى [¬٤] ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس [¬٥]، قال: ضرب الله [له] [¬٦] مثلًا حسنًا، وكل أمثاله حسن قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقول: ضيعه في شبيبته [¬٧] ﴿وَأَصَابَهُ [¬٨] الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ فأحرق [¬٩] بستانه، فلم يكن عنده قوّة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون [¬١٠] يوم القيامة إذا رد إلى الله ﷿ ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرًا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنة الله، عند [ما كان] [¬١١] أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.
وهكذا روى الحاكم في "مستدركه" (^١٦٢٦)، أن رسول الله ﷺ كان يقول
_________________
(١) - لم أجده على هذا الطريق في صحيح البخاري، ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف،
(٢) - المستدرك (١/ ٥٤٢) من طريق سعيد بن سليمان، عن عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة ﵂ مرفوعًا، وقال الحاكم: "هذا حديث حسن الإسناد والمتن غريب في الدعاء= [¬١]- في خ: "بعمل". [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- زيادة من ز. [¬٤]- في ت: "رواه". [¬٥]- سقط من: خ [¬٦]- زيادة من ز. [¬٧]- في خ: "شيبته" [¬٨]- في ز: "فأصابه". [¬٩]- في ت. "فاحترق". [¬١٠]- سقط من: ر، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط ر.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
في دعائه: "اللهم؛ اجعل أوسع رزقك علي عند [كبر سني] [¬١] وانقضاء عمري". ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون، وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق -والمراد به الصدقة هاهنا. قاله ابن عباس- من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها -قال مجاهد: يعني التجارة- بتيسيره إياها لهم.
وقال علي والسدي: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض. قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه؛ وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ أي: تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.
وقيل معناه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٦٢٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا أبان بن
_________________
(١) = مستحب للمشايخ إلا أن عيسى بن ميمون لم يحتج له الشيخان" قال الذهبي: قلت: "عيسى متهم".
(٢) - المسند (١/ ٣٨٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "كبري".
[ ٢ / ٤٦٦ ]
إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطى الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطى الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه". قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: "غَشَمُه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إنّ الله لا يمحو السيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث".
والصحيح القول الأول. قال ابن جرير (^١٦٢٨) ﵀: حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَّزِي [¬١]، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ في قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. الآية. قال: نزلت في الأنصار؛ كانت [¬٢] الأنصار إذا كان [¬٣] أيام جذاذ (*) النخل أخرجت من حيطانها أقناء (**) البُسر (* * *)، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحَشَف (* * **) فيدخله مع أقناء البسر، بظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ثم رواه ابن جرير، وابن ماجة، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري [¬٤]، ومسلم ولم يخرجاه.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إِسرائيل، عن السدي،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٥/ ٥٥٩، ٥٦٠)، وسنن ابن ماجة برقم (١٨٢٢)، والمستدرك (٢/ ٢٨٥) وقال البوصيري في الزوائد ٢/ ٥٨): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وله شاهد من حديث عوف بن مالك رواه أصحاب السنن الأربعة". (*) - جذ النخل جذًّا وجذاذًا: قطع ثمره وجناه. (**) - الأقناء جمع قنو وهو العرجون بما فيه من الرطب. (* * *) - البُسر: ثمر النخل قبل أن يرطب. (* * **) - الحشف: أردأ التمر، وهو الذي يجف ويصلب ويتقبض قبل نضجه، فلا يكون له نوى ولا لحاء ولا حلاوة، ولا لحم. [¬١]- في خ: "السري". [¬٢]- في خ: "كان". [¬٣]- في ز: "كانت". [¬٤]- بياض في خ.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
عن أبي مالك، عن البراء ﵁: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال [¬١]: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي [من نخله بقدر] [¬٢] كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة [¬٣] ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، [فيسقط منه] [¬٤] البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه [¬٥] الحشف والشيص، ويأتي [¬٦] بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا [¬٧] بصالح ما عنده.
وكذا رواه الترمذي (^١٦٢٩) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله -هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي- وهو إسماعيل بن عبد الرحمن- عن أبي مالك الغفاري-واسمه غزوان- عن البراء، فذكر نحوه. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب.
وقال ابن أبي حاتم (^١٦٣٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهي عن لونين من التمر: الجُعْرُور (*)، ولون الحبيق [¬٨]، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ورواه أبو داود (^١٦٣١)، من حديث سفيان بن حسين، عن الزهري. ثم قال: أسنده أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري. ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور، ولون الحبيق، أن يؤخذا في الصدقة.
وقد روى النسائي هذا الحديث (^١٦٣٢)، من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن
_________________
(١) - سنن الترمذي برقم (٢٩٨٧).
(٢) - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٧٦) من طريق أبي الوليد الطيالسي به، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط البخاري".
(٣) - سنن أبي داود برقم (١٦٠٧).
(٤) - سنن النسائي (٥/ ٤٣). [¬١]- في خ: "قالت". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "الصدقة". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "فسقط في". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "فيأتي". [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في خ: "الحبيرة".
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الزهري، عن أبي أمامة. ولم يقل: عن أبيه. فذكر نحوه. وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن مَعْقِل في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق كالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه.
وقال الإمام أحمد (^١٦٣٣): حدثنا أبو سعيد، حدَّثنا حماد بن سلمة عن حماد -هو ابن سليمان- عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتي رسول الله، ﷺ، بضب، فلم يأكله، ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله؛ نطعمه المساكين. قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون".
ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة، به. فقلت: يا رسول الله؛ ألا أطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم مما [¬١] لا تأكلون".
وقال الثوري: عن السدى، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه. رواه ابن جرير.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه. قال: فذلك قوله: ﴿إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ثم روى من طريق العوفي وغيره عن ابن عباس، نحو ذلك، وكذا ذكر غير واحد.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات، وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير. كقوله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد [¬٢] ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم
_________________
(١) - المسند (٦/ ١٠٥) (٢٤٨٤٨). ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٤٩، ٥٠ / رقم: ١٤٠٩) من طريق محمد بن هشام بن أبي الدميك، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد= [¬١]- في خ: "ما". [¬٢]- في خ: "ينذر".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
جواد، [] [¬١] سيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وقوله: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للشيطان لَلَمَّة بابن آدم وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان". ثم قرأ ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. الآية.
وهكذا رواه الترمذي، والنسائي في كتابي التفسير من "سُنَنَيهِما" (^١٦٣٤) جميعًا عن هناد بن السري.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد، به (^١٦٣٥).
وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص -يعني سلام بن سليم- لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه. كذا قال.
وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته عن هارون الفروي [¬٣]، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود، مرفوعًا نحوه.
ولكن رواه مسعر، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص -عوف بن مالك بن نضلة- عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن
_________________
(١) = (٣/ ١١٣) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثفون".
(٢) - سنن الترمذي برقم (٢٩٨٨)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٥١).
(٣) - صحيح ابن حبان برقم (٤٠) "موارد". [¬١]- في خ: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "القروي".
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الإِنفاق خشية الإِملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي [¬١]: في مقابلة ما خوّفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يعني المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.
وروى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، مرفوعًا: "الحكمة القرآن" (^١٦٣٦). يعني: تفسيره. قال ابن عبَّاس فإنه قد [¬٢] قرأه البر والفاجر. رواه ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإِصابة في القول.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوَّة، ولكنه العلم، والفقة، والقرآن. وقال أَبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.
وقد رواه [¬٣] ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود، مرفوعًا: "رأس الحكمة مخافه الله" (^١٦٣٧).
وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة السنة. وقال ابن وَهْب عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقة في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا ذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به و[¬٤] يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقة في دين الله. وقال السدي: الحكمة النبوة.
والصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور- لا تختص بالنبوّة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض
_________________
(١) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٦) لابن مردويه في تفسيره وإسناده ضعيف جدًّا.
(٢) - ورواه البيهقي وضعفه في شعب الإيمان برقم (٧٤٤) من طريق محمد بن مصفى، عن بقية، به، ورواه البيهقي أيضًا من وجه آخر موقوفًا على ابن مسعود. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "روى". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٧١ ]
الأحاديث: "من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنَّه لا يوحى إليه" (^١٦٣٨). رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو [¬١]. قوله.
وقال الإِمام أحمد (^١٦٣٩): حدَّثنا وكيع ويزيد قالا: حدَّثنا إسماعيل -يعني ابن أبي خالد عن قيس- وهو ابن أبي حازم - عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله، ﵌، يقول -: "لا حسد إلَّا في اثتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها".
وهكذا رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به (^١٦٤٠).
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلَّا من له لب وعقل، يعي [¬٢] به الخطاب ومعنى الكلام.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾
يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم [¬٣] من عذاب الله ونقمته.
_________________
(١) - وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني ضعفه أحمد وابن معين والنَّسائي وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر.
(٢) - المسند (١/ ٤٣٢).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٧٣)، وصحيح مسلم برقم (٨١٦)، وسنن النَّسائي الكبرى برقم (٥٨٤٠)، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٠٨). [¬١]- في خ: "عمر". [¬٢]- في ت: "يعني". [¬٣]- في ز، خ: "ينقذهم".
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلَّا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال رسول الله ﷺ: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة" (^١٦٤١).
والأصل أن الإِسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يرجع إليه، [ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه] [¬١] ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (^١٦٤٢).
وقال الإِمام أحمد (^١٦٤٣): حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العرام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أَنس بن مالك، عن النبي ﵌، قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يارب؛ هل [¬٢] في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قالا: نعم الحديد. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من
_________________
(١) - رواه أحمد في السند (٤/ ١٥١) (١٧٤١٧)، وأَبو داود في الصلاة حديث (١٣٣٣). والتِّرمِذي في فضائل القرآن: حديث (٢٩١٩). والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع والنهار، باب: فضل السر على الجهر (٣/ ١٢٥) (٥/ ٨٠). وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٤) حديث (٩٢٣)، (٩٢٤). من حديث عقبة بن عامر ﵁ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٢) - صحيح البخاري برقم (١٤٢٣، ٦٦٠)، وصحيح مسلم برقم (١٠٣١).
(٣) - المسند (٣/ ١٢٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "فهل".
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله".
وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ [أي الصدقة أفضل؟] [¬١] قال: "سر إلى فقير أو جهد من مقل" (^١٦٤٤). رواه أحمد.
ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: ثم نَزَع [¬٢] بهذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ الآية. وفي الحديث المروي: "صدقة السر تطفيء غضب الرب ﷿" (^١٦٤٥).
وقال ابن أبي حاتم (^١٦٤٦): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن زياد المحاربي مؤدّن محارب أخبرنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي، في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر ﵄ أمّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ ". قال: خلفت لهم نصف مالي. وأمّا أَبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وواءك لأهلك يا أبا بكر؟ ". فقال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمّي [¬٣]، يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقًا (^١٦٤٧).
وهذا الحديث مروي [¬٤] من وجه آخر عن عمر (^١٦٤٨) ﵁ وإنَّما أوردناه ها هنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك. ثم إن الآية عامَّة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة.
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٧٨) (٢١٦٢٩). وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٣، ٩٤ / رقم: ١٦٠). والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحر" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ / رقم: ٣١٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال (رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النَّسائي طرف منه، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط، وفي طريق الطبراني زيادة تأتي في باب: التاريخ".
(٢) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٦٩) من طريق خالد بن أبي يزيد، عن علي بن يزيد به.
(٣) - رواه التِّرمِذي في السنن حديث (٢٣٨٦) من حديث أَنس ﵁ وروى عن جماعة من الصحابة.
(٤) - ورواه الألباني في الترغيب والترهيب حديث (١٦٤٣) من طريق محمد بن الصباح عن موسى بن عمير عن الشعبي به.
(٥) - رواه أَبو داود في السنن حديث (١٦٧٨)، والترمذي في السنن حديث (٣٦٧٥) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "شرع". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ت: "روي".
[ ٢ / ٤٧٤ ]
لكن روى ابن جرير، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس، في تفسير هذه الآية قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال [¬١]: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال [¬٢]: بخمسة وعشرين ضعفًا.
وقوله ﴿وَيُكَفِّرُ [¬٣] عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرًّا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات، ويكفر عنكم السيئات. وقد قرئ: (ويكفر عنكم) بالضم، وقرئ: [(ونكفر)] [¬٤] بالجزم، عطفًا على جواب الشرط (*)، وهو قوله: (فنعما هي) كقوله: (فأصدّق وأكون)، (وأكن).
وقوله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.
﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾
_________________
(١) (*) قرأ ابن عامر وعاصم - في رواية حفص -: "ويكفرُ" بالياء وبالرفع. وقرأ ابن كثير، وأَبو عمرو وعاصم -في رواية أبي بكر-: "ونكفرُ بالنون والرفع أيضًا وقرأ نافع وجمزة والكسائي: "ونكفرْ" بالنون وجزم الراء. [¬١]- في ز، خ: "فقال". [¬٢]- في ز، خ: "فقال". [¬٣]- في ز: "ونكفر"، خ: "وتكفر". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قال أَبو عبد الرحمن النسائي (^١٦٤٩): أخبرنا محمد بن [عبد الله] [¬١] بن عبد الرحيم، أخبرنا الفريابي، حدَّثنا سفيان، عن الأعمَش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (*) لأنسبائهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
وكذا رواه أَبو حذيفة، وابن المبارك، وأَبو أحمد الزبيري، وأَبو داود الحفري [¬٢] عن سفيان - وهو الثَّوري - به.
وقال ابن أبي حاتم (^١٦٥٠): أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن -يعني الدشتكي- حدثني أبي، عن أبيه، حدَّثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النبي، ﷺ، أنَّه كان يأمر بأن لا يتصدق إلَّا على أهل الإِسلام، حتَّى نزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلَّا ابتغاء وجه الله.
وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده. ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرّج في الصحيحين (^١٦٥١) من طريق أَبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هريرة قال: قال
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٢). (*) - رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه.
(٢) - وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٨٦) لابن مردويه والضياء المقدسي.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، حديث (١٤٢١) = [¬١]- في ز، خ: "عبد السلام". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
رسول الله، ﷺ: "قال رجل: لأتصدقن الليلة [¬١] بصدقة. فخرج بصدقه، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على زانية! فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة [فخرج بصدقته]. فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني. فقال [¬٢]: اللَّهم، لك الحمد على غني، لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته [¬٣] فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأُتي، فقيل له: أمّا صدقتك فقد قُبِلَتْ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن [¬٤] يستعف بها عن سرقته".
وقوله: (﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم [¬٥] سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض هو السفر. [قال الله تعالى] [¬٦]: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ و] [¬٧] قال [¬٨] [] [¬٩] تعالى [¬١٠]: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.
وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة (^١٦٥٢) قال: قال رسول الله ﵌: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، [واللقمة واللقمتان] [¬١١] والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا". وقد رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا (^١٦٥٣).
_________________
(١) = وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٢٢).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن (٤٥٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة (١٠٣٩).
(٣) - المسند (١/ ٣٨٤) (٢٦٢٩، ٤٣٨٤). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- سقط من ت. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: "الله". [¬١٠]- سقط من: خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وفي الحديث الذي في السنن (^١٦٥٤): " اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر نور الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: لا يلحون في المسألة [¬١]، ويكلفون الناس ما لا بحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال [¬٢] فقد ألحف في المسألة. قال البخاري (^١٦٥٥): حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة بقول: قال رسول الله ﷺ: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم -يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وقد رواه مسلم (^١٦٥٦)، من حديث إسماعيل بن جعفر المديني [¬٣] عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار - وحده - عن أبي هريرة به.
وقال أَبو عبد الرحمن النَّسائي (^١٦٥٧): أخبرنا علي بن حُجر، حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا شريك - وهو ابن أبي نمر - عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما [¬٤] المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وروى البخاري (^١٦٥٨) من حديث شعبة، عن محمد بن [] [¬٥] زياد، عن أبي هريرة، عن
_________________
(١) - رواه التِّرمِذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر، حديث (٣١٢٧) من طريق عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد ﵁ به مرفوعًا. وأخرجه البخاري في التاريخ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأَبو نعيم، وابن مردويه، والخطيب. وقال التِّرمِذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه". وإسناده ضعيف جدًّا لضعف عطية العوفي. وأخرجه الحكيم التِّرمِذي والطبراني وابن عدي، عن أبي أمامة. وأخرجه ابن جرير عن ابن عمر، وعن ثوبان.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٥٣٩).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٣٩).
(٤) - سنن النَّسائي الكبرى حديث (١١٠٥٣).
(٥) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة حديث (١٤٧٦). [¬١]- في ت: "السؤال". [¬٢]- في ت: "المسألة". [¬٣]- في ز: "الذي". [¬٤]- في ز: "إن". [¬٥]- في خ: "أبي" وهي زيادة مقحمة.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
النبي ﵌ نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن [¬١] عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا".
وقال ابن جرير: حدثني معتمر، عن الحسن بن مالك [¬٢] عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة قال: ليس المسكين بالطواف [¬٣] الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا، تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [¬٤]﴾.
وقال الإِمام أحمد أيضًا [¬٥] (^١٦٥٩): حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، أنَّه قالت له أمّه: ألا تنطقُ فتسألَ رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائمًا يخطب وهو يقول: "من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سأل [¬٦] الناس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل الناس إلحافًا". فقلت بيني وبين نفسي: - لناقة [له] (*) لهي [¬٧] خير من خمس أواقٍ، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواقٍ، فرجعت ولم أسأل.
وقال الإِمام أحمد (^١٦٦٠): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غَزِيَّة [¬٨]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: سرحتني أمي [إلى رسول الله] [¬٩] ﷺ، أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: "من استغنى أغناه الله، [ومن استعف أعفه الله] [¬١٠]، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية
_________________
(١) - المسند (٤/ ١٣٨) (١٧٢٨٦). أخرجه النَّسائي (٥/ ١٩٨). والدارقطني (٢/ ١١٨). والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦١٢)، (٤/ ٣٧٢). وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٥٨٩٨). وعزاه لسلسلته الصحيحة (٢٣٤١).
(٢) - المسند (٣/ ٩) (١١٠٧٤)، ورواه أحمد (١١٠٥٨) وعمارة بن غزية وثقة أحمد وأَبو زرعة والدارقطني والعجلي وابن سعد. وقال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقًا. وقال النَّسائي: ليس به بأس [انظر تهذيب الكمال (٢١، ٢٥٨) ت (٤١٩٥). وقال = [¬١]- في ز: "عن". [¬٢]- في ز: "ماتك". [¬٣]- في ز، خ: "الطواف". [¬٤]- في ز، خ: "شيئًا". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ت: "يسأل". [¬٧]- في خ: "لي". [¬٨]- في ز، خ: "عرفة". [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فقد ألحف". قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية. فرجعت. ولم أسأله.
وهكذا رواه أَبو داود والنَّسائي، كلاهما عن قتيبة - زاد أَبو داود: وهشام بن عمار - كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا أَبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزِيَّة [¬١]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: [قال أَبو سعيد الخدري] [¬٢]: قال
_________________
(١) = الحافظ في التقريب التقريب ت (٤٨٥٨): لا بأس به. وأما عبد الرحمن بن أبي الرجال: فوثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وقال أَبو حاتم: صالح، وقال أَبو داود: لا بأس له. وقال الحافظ في التقريب (٣٨٥٨): صدوق ربما أخطأ. والحديث أخرجه أَبو داود -كتاب الزكاة -باب مَن يعطى من الصدقة؟؟ وحد الغنى (١٦٢٨). والنَّسائي -كتاب الزكاة -باب "من الملحف" - (٥/ ٩٨). وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٧) (٤/ ١٠٠). والبيهقي في "السنن" -كتاب الصدقات -باب لا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين - (٧/ ٢٤) وابن حبان في صحيحه (٣٣٩٠) (٨/ ١٨٤ - ١٨٥). ويأتي أيضًا - (١١٠٧٤، ١١٠٧٥) - (٣/ ٩). كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال به مطولًا ومختصرًا. وللحديث شاهد. أخرجه مالك في الموطأ -كتاب الصدقة -باب ما جاء في التعفف عن المسألة ص ٧٦٣، ومن طريقه أَبو داود -كتاب الزكاة- باب من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى (١٦٢٧) (٢/ ١١٦)، والنَّسائي - كتاب الزكاة - إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها - (٥/ ٩٨ - ٩٩). من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد -فذكر الحدكث وفيه قصة. وقال النبي ﷺ "من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا". وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر كما هو معلوم. وتابع مالكًا سفيانُ الثَّوري عند أحمد مختصرًا جدًّا (٤/ ٣٦، ٥/ ٤٣٠). وله طريق أخرى عند أحمد (٤/ ١٣٨) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة فذكره وفيه: "من سأل الناس وله عدل خمس أواق … قال الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ٢٩٧): هذا إسناد صحيح على ضعف يسير في عبد الحميد ولعله أخطأ في قوله "عدل خمس أواق"، ويبدو أن هذا الرجل المزني هو أَبو سعيد الخدري. ا هـ وفي الباب أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن. عند النَّسائي (٥/ ٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٨) (٤/ ١٠١) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٤) وعزاه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٣) إلى أحمد. وعند الطبراني في الكبير (١٦٣٠) (٢/ ١٥٠)، وأبي نعيم في الحلية (١/ ١٦١). من طريق محمد بن سيرين. "بلغ الحارث رجل من الشام من قريش أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه ثلاث مائة دينار؛ فقال: ما وجد عبدًا لله هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره وهذا إسناد جيد مرسل؛ لأن ابن سيرين لم يلق أبا ذر كما قال أَبو حاتم. [¬١]- في ز: "غرنه"، خ: "عرفة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
رسول الله، ﷺ: "من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف".
والوقية أربعون درهمًا.
وقال أحمد (^١٦٦١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا".
وقال الإِمام أحمد (^١٦٦٢) أيضًا [¬١]: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، ﷺ: "من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا، أو كدوحًا في وجهه". قالوا: يا رسول الله؛ وما غناه؟ قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب".
وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي.
وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء [¬٢] هذا الحديث.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٦٦٣): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بلغ الحارث -رجلًا كان بالشام من قريش- أن أبا ذر كان به عَوز، فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبدًا لله [] [¬٣] هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل وله أربعون فقد ألحف". ولآل أبي ذر أربعون درهمًا، وأربعون شاة، وماهنان. قال أبو بكر [بن عياش] [¬٤]: يعني خادمين.
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن
_________________
(١) - المسند (٤/ ٣٦).
(٢) - المسند (١/ ٣٨٨)، وسنن أبي داود حديث (١٦٢٦)، وسنن الترمذي حديث (٦٥٠)، وسنن النسائي (٥/ ٩٧)، وسنن ابن ماجة حديث (١٨٤٠).
(٣) - المعجم الكبير (٢/ ١٥٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٣٩): "رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة". [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "جري". [¬٣]- في ز: رجلًا. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٨١ ]
النبي ﷺ قال: "من سأل وله أربعون درهمًا فهو ملحف، وهو مثل سف الملة". يعني: الرمل.
ورواه النسائي (^١٦٦٤)، عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بإسناده نحوه.
و[¬١] قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفي عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سرٍّ أو [¬٢] جهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في "الصحيحين" (^١٦٦٥) أَنَّ رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح -وفي رواية عام حجة الوداع-: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها [¬٣] درجة ورفعة، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك".
وقال الإِمام أحمد (^١٦٦٦): حدَّثنا محمد بن جعفر، وبهز، قالا: حدَّثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، يحدث عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة". أخرجاه من [¬٤] حديث شعبة به.
وقال ابن أبي حاتم (^١٦٦٧): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى حديث (٢٣٧٥). وفي الزكاة من الصغرى (٢٥٩٤).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان (٥٦)، وفي الجنائز (١٣٩٦)، وفي المغازي، باب: حجة الوداع (٤٤٠٩)، وانظر (٣٩٣٦، ٥٣٥٤، ٦٣٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٨).
(٣) - المسند (٤/ ١٢٢)، وصحيح البخاري، كتاب الإيمان (٥٥)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (١٠٠٢).
(٤) - ورواه أبو الشيخ في العظمة حديث (١٢٨٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن به، وفي إسناده سعيد بن سنان متروك. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "و". [¬٣]- في ز، خ: "به". [¬٤]- في ز: "في".
[ ٢ / ٤٨٢ ]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل".
وقال حنش [¬١] الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله.
رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر [¬٢]، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا، ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا علانية.
فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، لكن رواه ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، علي ما فعلوا من الإِنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾
لما ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات [¬٣] لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأنات [¬٤]، شرع في ذكر أكلة الربا، وأموال الناس بالباطل، وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم، ونشورهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "حبش". [¬٢]- في خ: "جبير". [¬٣]- في ت: "الصدقات". [¬٤]- في ت: "الآوقات".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا، قال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق.
رواه ابن أبي حاتم. قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة [¬١]، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وحكي عن عبد الله بن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: لا يقومون يوم القيامة. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك، وابن زيد.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حنيف عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يوم القيامة.
وقال ابن جرير: حدّثني المثنى، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا ربيعة بن كلثوم، حدَّثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال [¬٢]: وذلك حين يقوم من قبره.
وفي حديث أبي سعيد في الإِسراء، كما هو مذكور في سورة "سبحان" أنه، ﵇، مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولًا.
وقال ابن ماجة (^١٦٦٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتيت ليلة أسري بي علي قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا".
_________________
(١) - سنن ابن ماجة حديث (٢٢٧٣)، والمسند (٢/ ٣٥٣). وإسناده ضعيف؛ علي بن زيد هو ابن جدعان: ضعفوه، وأبو الصلت: مجهول. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ورواه الإِمام أحمد، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة له، و[¬١] في إسناده ضعف.
وقد روي البخاري عن سمرة بن جندب (^١٦٦٩) - في حديث المنام الطويل-: "فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم- وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح [ما يسبح] [¬٢] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده، فيغفر له فاه، فليقمه [¬٣] حجرًا. وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم علي أحكام الله في شرعه. وليس [¬٤] هذا قياسًا [¬٥] منهم للربا على البيع، لأن المشركين [¬٦] لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع. وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلمَ حُرّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم علي الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا.
و[قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾] [¬٧] يحتمل أن يكون من [تمام الكلام] [¬٨] ردا عليهم، أي: على ما قالوه [¬٩] من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حُكمًا، وهو العليم الحكيم، الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم محنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة؛ لقوله: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" (^١٦٧٠). ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، حديث (٧٠٤٧).
(٢) - رواه مسلم في الحج (١٢١٨)، وأبو داود في المناسك (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤). = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "فألقمه"، سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "ولبس". [¬٥]- في خ: "قياس". [¬٦]- في خ: "المشركون". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز وخ: "كلام". [¬٩]- في ز، خ: "قالوا".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَي اللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير والسدّي: (فله ما سلف) أي [¬١]: ما كان أكل من الربا قبل التحريم.
وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد المحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس -يعني امرأته العالية بنت أيفع: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أم محبة -أم ولد لزيد بن أرقم-: يا أم المؤمنين، أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته عبدًا إلي العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة. فقالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. قالت: فقلت: أرأيتِ إن تركتُ المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ [¬٢] جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَي فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
وهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العِينة؛ مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة [¬٣] المقرّرة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغه نهي الله له [¬٤] عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقد قال أبو داود (^١٦٧١): حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم [¬٥]، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ: "من لم يذر [¬٦] المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله".
ورواه الحاكم في "مستدركه" (^١٦٧٢) من حديث ابن [¬٧] خُثَيم [¬٨]، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه [¬٩].
_________________
(١) = وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ.
(٢) - سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب: في المخابرة حديث (٣٤٠٦).
(٣) - المستدرك (٢/ ٢٨٦). [¬١]- في ز، خ: "فله". [¬٢]- في خ: "من". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "خيثم". [¬٦]- في ز: "يدري"، خ: "يذري". [¬٧]- في خ: "أبي". [¬٨]- في خ: "خيثم". [¬٩]- في ز، خ: "يخرجه".
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وإنما حرمت المخابرة: وهي المزارعة ببعض [¬١] ما يخرج من الأرض، والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر علي وجه الأرض؛ والمحاقلة: وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل، بالحب علي وجه الأرض- إنما حرمت هذه [¬٢] الأشياء وما شاكلها [حسمًا لمادة الربا] [¬٣]، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف؛ ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرّموا أشياء بما فهموه [¬٤] من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم. وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ، عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد [¬٥]، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (^١٦٧٣) - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا.
والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما أفضي إِلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد ثبت في "الصحيحين" (^١٦٧٤) عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يفول: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه".
وفي "السنن" (^١٦٧٥)، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وفي الحديث الآخر: "الإِثم ما حاك في القلب، وتردّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (^١٦٧٦). وفي رواية: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك".
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب الأشربة حديث (٥٥٨٨)، ومسلم في التفسير حديث (٣٠٣٢).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان حديث (٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٩٩).
(٣) - سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، حديث (٢٥١٨)، وسنن النسائي في الأشربة (٨/ ٣٢٧).
(٤) - رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٢٨) من طريق الزبير بن عبد السلام، عن أيوب، عن وابصة ﵁. [¬١]- مكررة في ز. [¬٢]- في خ: "هذه الآية". [¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ. [¬٤]- في ت: "فهموا". [¬٥]- في خ: "الحد".
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: آخر ما نزل على رسول الله، ﷺ آية الربا. رواه البخاري [¬١]، عن قبيصة، عنه (^١٦٧٧).
وقال أحمد (^١٦٧٨): حدثنا [¬٢] يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله، ﷺ، قُبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.
رواه [¬٣] ابن ماجة، وابن مردويه.
وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من [¬٤] آخر القرآن نزولًا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.
وقد قال ابن ماجه (^١٦٧٩): حدَّثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد [¬٥]، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- عن النبي، ﷺ، قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا".
ورواه الحاكم في مستدركه (^١٦٨٠)، من حديث عمرو بن علي الفلاس، بإسناد مثله. وزاد: "أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم". وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٤٤).
(٢) - المسند (١/ ٣٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا، حديث (٢٢٧٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٨): "هذا إسناد صحيح ورجاله موثقون؛ إلا أن سعيدًا وهو ابن أبي عروبة اختلط بآخره".
(٣) - سنن ابن ماجة كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا (٢٢٧٥)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٨): "هذا إسناد صحيح، وابن أبي عدي: هو محمد بن إبراهيم، وهو ثقة، وقد انفرد برواية هذا الحديث عن شعبة".
(٤) - المستدرك (٢/ ٣٧). [¬١]- مكانها بياض في ز، خ. [¬٢] في ت: عن. [¬٣]- في ز، خ: وقال: [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "زيد".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وقال ابن ماجة (^١٦٨١): حدثنا عبد الله بن سعيد، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "الربا سبعون حُوبًا [¬١]، أيسرها أن ينكح الرجل أمه".
وقال الإِمام أحمد (^١٦٨٢): حدَّثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن -منذ نحوٍ من أربعين أو خمسين سنة- عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، قال: "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا". قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: "من لم يأكله منهم ناله من غباره [¬٢] ". وكدا رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به.
ومن هذا القبيل: [وهو] [¬٣] تحريم [¬٤] الوسائل المفضية إلى المحرمات- الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٦٨٣)، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة [¬٥] البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهنّ، فحرم التجارة في الخمر.
وقد أخرجه الجماعة -سوى الترمذي- من طرق، عن الأعمش به. [وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية: فحرم التجارة] [¬٦].
وفي لفظ له عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله، ﷺ، علي الناس، ثم حرم التجارة في الخمر.
قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله؛ حرم الخمر وما
_________________
(١) - سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا حديث (٢٢٧٤)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٧): "هذا إسناد ضعيف، أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن متفق على تضعيفه، والمتن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، من حديث أبي هريرة أيضًا، ورواه ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سعيد -وهو واهٍ- عن أبيه، عن أبي هريرة به". (*) أي سبعون ضربًا من الإثم.
(٢) - المسند (٢/ ٤٩٤)، وسنن أبي داود، كتاب البيوع حديث (٣٣٣١)، وسنن النسائي (٧/ ٢٤٣) (٤٤٥٥)، وسنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا حديث (٢٢٧٨).
(٣) - المسند (٦/ ٤٦)، وصحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٤٠، ٤٥٤١)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٨٠)، وسنن أبي داود، كتاب البيوع حديث (٣٤٩٠)، وسنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٥)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأشربة حديث (٣٣٨٢). [¬١]- في ز: "حرسا"، خ: "جزءًا". [¬٢]- سقط ز، خ: "عباده". [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- في خ: "وهو". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه (^١٦٨٤): " لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها [¬١] (*) فباعوها وأكلوا أثمانها".
وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما [¬٢]، عند لعن المحلل في تفسير قوله [¬٣] ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ - قوله ﷺ: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". قالوا: وما يشهد [¬٤] عليه ويكتب؛ إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا [¬٥]، فالاعتبار بمعناه لا بصورته؛ لأن الأعمال بالنيات. وفي الصحيح (^١٦٨٥): " إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
وقد صنف الإِمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفي، [فرحمه الله ورضي عنه] [¬٦].
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه [¬٧] بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى:
_________________
(١) (*) جمَّلت الشحم، وأجملته: إذا أذبته واستخرجت دُهنه.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه حديث (٢٢٢٣، ٣٤٦٠)، ومسلم في صحيحه حديث (١٥٨٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وهو متفق عليه من حدث جابر، وأبي هريرة أيضًا.
(٣) - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، والآداب (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁. [¬١]- في خ: "فحملوها". [¬٢]- في خ: "وغيرهم". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "شهد". [¬٥]- في خ: "كاسدًا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "يذهب".
[ ٢ / ٤٩٠ ]
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [¬١].
وقال ابن جرير: في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهذا نظير الخبر الذي روي عن [¬٢] عبد اللَّه بن مسعود، [عن النبي ﷺ] [¬٣] أنه قال: "الربا وإن كثر فإلى [¬٤] قل".
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده (^١٦٨٦) فقال: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير [¬٥] إلى قل".
وقد [¬٦] رواه ابن ماجة (^١٦٨٧)، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبه أمره إلى قل".
وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإِمام أحمد (^١٦٨٨): حدثنا أبو سعيد -مولى بني [¬٧] هاشم- حدثنا الهيثم بن نافع [¬٨] الطاطري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة- عن فروخ مولى عثمان، أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- خرج إلى [¬٩] المسجد فرأى طعامًا منثورًا فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا قال: بارك اللَّه فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين؛ إنه قد احتكر. قال: ومن [¬١٠] احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فدعاهما [¬١١] فقال: ما حملكما على
_________________
(١) - المسند (١/ ٣٩٥).
(٢) - سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، كتاب: التغليظ في الربا، حديث (٢٢٨٩)، وقال البوصيري الزوائد (٢/ ١٩٩): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ورواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، من طريق شريك، عن الركين بإسناده ومتنه سواء، وأبو يعلى … ".
(٣) - المسند (١/ ٢١) (١٣٦)، وسنن ابن ماجة حديث (٢١٥٥). وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح رجاله موثقون: أبو يحيى المكي وشيخه فروخ ذكرهما ابن حبان في الثقات. والهيثم بن رافع = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "فإن عاقبته يصير إلى قل". [¬٥]- في ز، خ: "يصير". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في ز: "ابن". [¬٨]- في ت: "راق". [¬٩]- في خ: "إلى". [¬١٠]- في ت: "من". [¬١١]- سقط من: ز، خ.
[ ٢ / ٤٩١ ]
احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالإفلاس أو بجذام" فقال فروخ عند ذلك: أعاهد اللَّه، وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا. وَأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا.
ورواه ابن ماجة، من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه اللَّه بالإِفلاس والجذام".
وقوله ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قرىُ بضم الياء والتخفيف (*)، من ربا الشيء يربو وأربا [¬١] يربيه، أي: كثره ونماه ينميه. وقريء (يُرَبِّي) بالضم والتشديد من التربية".
كما قال البخاري (^١٦٨٩): حدَّثنا عبد اللَّه بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح، عن أبي هرهة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يعقبلها [¬٢] بيمينه ثم يربيها لصاحبه [¬٣] كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون [¬٤] مثل الجبل".
كذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار، فذكر بإسناده نحوه.
وقد رواه مسلم في كتاب [¬٥] الزكاة (^١٦٩٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره. قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هرهة، عن النبي، ﷺ.
قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم
_________________
(١) = وثقه ابن معين وأبو داود. وأبو بكر الحنفي واسمه عبد الكبير بن عبد الحميد احتج به الشيخان، وشيخ ابن ماجه: يحيى بن حكيم؛ وثقه أبو داود والنسائي وغيرهما. ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية وضعفه لجهالة أبي يحيى وفيه نظر؛ فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما تقدم. ورواه الطيالسي في مسنده عن الهيثم به. ورواه عبد بين حميد بزيادة".
(٢) = صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: الزكاة من كسب طيب، حديث (١٤١٠) وطرفه (٧٤٣٠).
(٣) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤). [¬١]- في ز: "رباه"، خ: "أرباه". [¬٢]- في خ: "ليتقبلها". [¬٣]- في ز: "لصاحبها". [¬٤]- في خ: "يكون". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن [¬١] وهب، عن هشام بن سعد [¬٢]، عن زيد بن أسلم به (^١٦٩١).
وأما حديث سهيل فرواه مسلم (^١٦٩٢)، عن قتيبة [¬٣]، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل به، واللَّه أعلم.
قال البخاري (^١٦٩٣): وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد [¬٤] بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ.
وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر [¬٥]- هاشم بن القاسم- عن ورقاء- وهو ابن عمر اليشكري- عن عبد اللَّه بن دكار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال النبي [¬٦]، ﷺ: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى اللَّه إلا الطيب- فإن اللَّه يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها [¬٧] كما يربي أحدكم فلوه (*)، حتى تكون [¬٨] مثل أحد" (^١٦٩٤).
وهكذا روى هذا الحديث مسلم (^١٦٩٥) والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة [¬٩]، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري.
وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن
_________________
(١) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤).
(٢) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤).
(٣) - صحيح البخاري، كتاب الوحيد حديث (٧٤٣٠)، وكتاب الزكاة حديث (١٤١٠). (*) الفَلُو: المُهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر.
(٤) - السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٧٦).
(٥) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (١٠١٤)، وسنن الترمذي، كتاب الزكاة حديث (٦٦١)، وسنن النسائي الكبرى حديث (٧٧٣٥). [¬١]- في ز، خ: "أبي". [¬٢]- في ز، خ: "سعيد". [¬٣]- في خ: "قبيصة". [¬٤]- في خ: "ابن سعيد". [¬٥]- في ز: "الزبا"، خ: "الزناد". [¬٦]- في خ: "رسول اللَّه". [¬٧]- في ز، خ: "لصاحبه". [¬٨]- في خ: "يكون". [¬٩]- في خ: "قبيصة".
[ ٢ / ٤٩٣ ]
النبي ﷺ فذكره.
وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي [¬١]، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه، ﷺ: "إن اللَّه ﷿ يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد". وتصديق ذلك في كتاب اللَّه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
وكذا رواه أحمد (^١٦٩٦) عن وكيع -[وهو في تفسير وكيع] [¬٢]- ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح. وكذا رواه الثوري، عن عباد بن منصور به.
ورواه أحمد (^١٦٩٧) أيضًا [¬٣]، عن خلف بن الوليد، عن المبارك [¬٤]، عن عبد الواحد بن ضمرة، وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة [عن القاسم به] [¬٥].
وقد رواه ابن جرس (^١٦٩٨)، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق [¬٦]، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هروة، قال: قال رسول اللَّه، ﵌: "إن العبد إذا تصدق من طيب، يقبلها اللَّه منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد اللَّه -أو قال في كف اللَّه- حتى تكون مثل أحد، فتصدّقوا".
وهكذا رواه أحمد (^١٦٩٩)، عن عبد الرزاق. وهذا طريق غريب صحيح الإِسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم.
وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإِمام أحمد (^١٧٠٠): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال:
_________________
(١) - المسند (٢/ ٤٧١)، وسنن الترمذي، كتاب الزكاة حديث (٦٦٢).
(٢) - المسند (٤/ ٤٠٢).
(٣) - تفسير الطبري (٦/ ١٩) (٦٢٥٦).
(٤) - المسند (٢/ ٢٦٨).
(٥) - المسند (٦/ ٢٥١) (٢٦٢٤٥). وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٤٤١ / رقم: ٩٣١) = [¬١]- في ز، خ: "الأزدي". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ت: ابن المبارك. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "إسحاق به".
[ ٢ / ٤٩٤ ]
"إنّ اللَّه ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد". تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال البزار (^١٧٠١): حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فيتلقاها [¬١] الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه -أو قال: فصيله-". ثم قال: لا نعلم أحدًا [¬٢] رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة إلا أبا [¬٣] أويس.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل. ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم اللَّه له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب [¬٤] المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدّين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
_________________
(١) = والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٥١/ رقم /: ١٤١٢). وابن حبان في الإحسان (٨/ ١١١، ١١٢ / رقم: ٣٣١٧). كلهم من حديث عائشة ﵂. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين ولم يذكر فيهما أحمد الأول: في (٣/ ١١١) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، ولعائشة حديث يأتي بعد هذا". والثاني: في (٣/ ١١٢) وقال: "رواه البزار ورجاله ثقات".
(٢) - مسند البزار حديث (٩٣١) "كشف الأستار" وقال الحافظ ابن حجر: "أبو أويس ليِّن، وقد ذكر البزار أنه تفرد به". [¬١]- في ز، خ: "فيتلقاه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "أبو". [¬٤]- في ز، خ: "التكسب".
[ ٢ / ٤٩٥ ]
أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا مالكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإِنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع اللَّه لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.
وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي؛ أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير بن [¬١] ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا [¬٢]، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام. فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول اللَّه ﷺ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول اللَّه، ﷺ إليه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى اللَّه ونذر ما بقي من الربا. فتركوه كلهم.
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي البربا بعد الإنذار. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي: استيقنوا بحرب من اللَّه ورسوله. وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: يقال [¬٣] يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، [كان حقًّا] [¬٤] على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الأعلى،
_________________
(١) [¬١]- في ت: "عن". [¬٢]- في ز: "فتشاروا". [¬٣]- في خ: "يقام". [¬٤]- في ز، خ: "يحق". [¬٥]- في ز، خ: "يسار".
[ ٢ / ٤٩٦ ]
حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، وابن سيرين، أنهما قالا: والله أن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من اللَّه ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح. وقال قتادة: أوعدهم اللَّه بالقتل كما تسمعون [¬١]، وجعلهم بهرجًا أينما أتوا، فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا، فإن اللَّه قد أوسع الحلال وأطابه، فلا تلجعنكم [¬٢] إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الربيع بن أنس: أوعد [¬٣] اللَّه آكل الربا بالفتل. رواه ابن جرير.
وقال السهيلي: ولهذا [¬٤] قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل [¬٥] إلا أن يتوب. فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره كثير. قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ثم قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول اللَّه، ﷺ في حجة الوداع، فقال: "ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأوّل ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله". كذا وجدته: سليمان بن الأحوص.
وقد قال ابن مردويه (^١٧٠٢): حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ يقول: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون".
وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمرو -هو ابن خارجة- فذكره.
_________________
(١) - ورواه أبو داود في البيوع حديث (٣٣٣٤) عن مسدد به، والترمذي في التفسير (٣٠٨٧)، ورواه ابن ماجة في المناسك حديث (٣٠٥٥) من طريق أبي الأحوص به. [¬١]- في خ: "يسمعون". [¬٢]- في خ: "يلجئنكم". [¬٣]- في خ: "وعد". [¬٤]- في خ: "لهذا". [¬٥]- في خ: "أبطل".
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي [¬١]: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي.
ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وإن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعدّدة عن النبي ﷺ بذلك.
(فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال الطبراني (^١٧٠٣): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شعيب الرّجاني [¬٢]، حدثنا يحيى بن حكيم المقوّم [¬٣]، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد اللَّه، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة - قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من سره أن يظله اللَّه يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه".
(حديث آخر) عن بريدة، قال الإمام أحمد (^١٧٠٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة". قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة". قلت: سمعتك يا رسول اللَّه، تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله [¬٤] صدقة". ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة". قال: "له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة".
(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد (^١٧٠٥): [حدثنا
_________________
(١) - المعجم الكبير (٤/ ٣٠١)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٣٤): "عاصم ضعيف ولم يدرك أسعد بن زرارة".
(٢) - المسند (٥/ ٣٦٠) (٢٣١٥٢) وطرفه (٢٣٠٧٦) وأخرجه ابن ماجة في كتاب الصدقات، باب: إنظار المعسر (٢/ ٨٠٨ / رقم: ٢٤١٨). من طريق أحمد الثاني. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٥) وقال: "روى ابن ماجة طرفًا منه، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح" ..
(٣) - المسند (٥/ ٣٠٨) (٢٢٧٢٧) وطرفه (٢٢٦٦٢). وأخرجه مسلم بمعناه: كتاب المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر (٣/ ١١٩٦ / رقم: ١٥٦٣). من طرق عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير= [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز: "المرجاني". [¬٣]- في ز: "الموم". [¬٤]- في خ: "مثلاه".
[ ٢ / ٤٩٨ ]
عفان] [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت جمل خزهة. فناداه فقال [¬٢]: يا فلان؛ اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا. فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء [¬٣]. قال: آللَّه إنك معسر؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من نفس عن غريمه -أو محا عنه- كان في ظل العرش يوم القيامة". ورواه [¬٤] مسلم في صحيحه.
(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس -أحمد بن عمران- حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "أتي اللَّه بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرّة في الدنيا أرجوك بها -قالها ثلاث مرات- قال العبد عند آخرها: يا رب؛ إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز؛ فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول اللَّه ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة! ".
وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة من طرق (^١٧٠٦)، عن ربعي [بن حراشي] [¬٥]، عن حذيفة. زاد مسلم: وعقبة بن عامر، وأبي مسعود البدري، عن النبي ﷺ بنحوه. ولفظ البخاري: [حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي، ﷺ، قال "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل اللَّه أن يتجاوز عنا فتجاوز اللَّه عنه"] [¬٦].
(حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه (^١٧٠٧): حدثنا أبو عبد اللَّه
_________________
(١) = عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب أحادث الأنبياء حديث (٣٤٥١)، وطرفاه (٢٣٩١، ٢٧٠٧)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٦٠). وابن ماجه في الأحكام (٢٤٢٠).
(٣) - المستدرك (٢/ ٢١٧)، وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: قلت: "بل فيه عمرو بن ثابت= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- مكانها بياض في: ز، خ. [¬٤]- في خ: "رواه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، وبياض في: خ.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
محمد بين يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللَّه بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه؛ أن رسول اللَّه، ﷺ قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل اللَّه أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته، أظله اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله". ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(حديث آخر) عن عبد اللَّه بن عمر [¬١]، قال الإمام أحمد (^١٧٠٨): حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر". انفرد به أحمد.
(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة [¬٢] بن عمرو، قال الإمام أحمد (^١٧٠٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش [¬٣]، عن حذيفة: أن رجلًا أتي به اللَّه ﷿ فقال: "ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرّة من خير [أرجوك بها] [¬٤]. فقال له ثلاثًا، وقال في الثالثة: [أي رب] [¬٥]؛ كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر [¬٦] على الموسر وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له". قال أبو [¬٧] مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ.
وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به.
(حديث آخر) عن عمران بن حصين، قال الإمام أحمد (^١٧١٠): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من كان له على رجل حق فأخره [¬٨] كان له بكل يوم صدقة".
_________________
(١) = وهو رافضي متروك".
(٢) - المسند (٢/ ٢٣).
(٣) - المسند (٤/ ١١٨)، وصحيح مسلم حديث (١٥٦٠).
(٤) - المسند (٤/ ٤٤٣) (٢٠٠٣١). وهو حديث ضعيف لضعف أبي داود الأعمى؛ قال الحافظ= [¬١]- في خ: "عمرو". [¬٢]- في خ: "وعقبة". [¬٣]- في ز، خ: "خراش". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "إني". [¬٦]- في ز: "أتيسر". [¬٧]- في ز، خ: "ابن". [¬٨]- في ز، خ: "فمن آخره".
[ ٢ / ٥٠٠ ]
غريب من هذا الوجه. وقد تقدّم عن بريدة نحوه.
(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو، قال الإِمام أحمد (^١٧١١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثني أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
وقد أخرجه مسلم في صحيحه (^١٧١٢) من وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت؛ قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة (*) من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري [¬١] (**) وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم؟ إني أرى في وجهك سفعة من غضب. قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرامي [¬٢] مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا. فخرج عليَّ ابنٌ له جفر (* * *). فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرج إليَّ فقد علمت أين أنت. فخرج، فقلت: ما حملك علي أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو [¬٣] أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: الله؟
_________________
(١) = في ترجمته في التقريب برقم (٧١٨١) ص (٥٦٥): نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى، مشهور بكنيته، كوفي، ويقال له: نافع، متروك وقد كذبه ابن معين. ا هـ. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" برقم (٦٠٣)، (١٨/ ٢٤٠)، بنحوه مطولًا. من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي داود عن عمران بن حصين، به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٣٨). عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان للرجل على رجل حق فأخره إلى أجله كان له صدقة فإن أخره بعد أجله كان له بكل يوم صدقة" ا. هـ. ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو داود الأعمى وهو كذاب ا هـ ولم ينسبه الهيثمي إلى أحمد في مسنده.
(٢) - المسند (٣/ ٤٢٧) (١٥٥٦٣).
(٣) - صحيح مسلم حديث (٣٠١٤)، كتاب الزهد والرقائق. وانظر حديث (٣٠٠٦). (*) ضمامة: أي رزمة يضم بعضها إلى بغض. (**) نوع من الثياب يعمل بقرية تسمى معافر. (* * *) نسبة إلى بني حرام. (* * **) الجفر: هو الذي قارب البلوغ، وقيل: هو الذي قوي على الأكل. [¬١]- في خ: "ومغافري". [¬٢]- في ز، خ: "الرامي". [¬٣]- في ز، خ: "وأن".
[ ٢ / ٥٠١ ]
قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. ثم [¬١] قال: فأتى بصحيفته [¬٢] فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قصاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع أصبعيه على عينيه- وسمع أذُنَيَّ هاتين ووعاه قلبي-وأشار إلي مناط قلبه- رسول الله ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله … ". وذكر تمام الحديث.
(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإِمام أحمد (^١٧١٣): حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم [¬٣] الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله من [¬٤] أنظر معسرًا أو ترك لغارم".
(حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد (^١٧١٤): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني [¬٥]، عن مقَاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: خرج رسول الله، ﷺ، إلي المسجد وهو يقول بيده هكذا. وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلي الأرض: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثًا- ألا إن عمل النار سهل بسَهْوة [¬٦]، والسعيد من وُقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا". تفرّد به أحمد.
(طريق آخر) قال الطبراني (^١٧١٥): حدَّثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحَدِيثَة من ديار ربيعة، حدَّثنا الحسين [¬٧] بن علي الصدائي، حدَّثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد، خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته".
_________________
(١) - زوائد المسند (١/ ٧٣).
(٢) - المسند (١/ ٣٢٧).
(٣) - المعجم الكبير (١١/ ١٥١)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٣٥): "وفيه الحكم بن جارود ضعفه الأزدي، وشيخ الحكم وشيخ شيخه لم أعرفهما". [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "بصحيفة". [¬٣]- في خ: "مسلم". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "خراساني". [¬٦]- في ز، خ: "بشهوة". [¬٧]- في ت: "الحسن".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه علي ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم.
فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. رواه ابن أبي حاتم.
وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقد رواه النسائي (^١٧١٦) من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وكذا رواه الضحاك، والعوفي عن ابن عباس [وروى الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس] [¬١]، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا.
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. الآية. قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الإثنين. رواه ابن جرير، ورواه عطية [¬٢]، عن أبي سعيد، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- في ت: ابن عطية.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾
هذه الآية الكريمة [أطول آية في القرآن العظيم] [¬١] وقد قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^١٧١٧):
حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.
وقال الإمام أحمد (^١٧١٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ: "إن أول من جحد آدم ﵇ أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ [¬٢] إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر [¬٣] (*)،
_________________
(١) - التفسير (٦/ ٤١) (٦٣١٦). وهو حديث -له حكم الرفع- إلا أنه ضعيف لإرساله، إذ لم يذكر ابن المسيب من حدثه به.
(٢) - المسند (١/ ٢٥١، ٢٥٢). (*) أي: يضيء، والأزهر: الأبيض المستنير. [¬١]- في خ: "أطول في القرآن آية العظيم". [¬٢]- في ز: "ذارٍ". [¬٣]- في ت: "يزهو".
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هو ابنك داود. قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: رب، زد في عمره. قال: لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة".
وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها [¬١] لآدم ألف سنة".
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن [أبي حبيب] [¬٢]، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة.
هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه (^١٧١٩)، بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب [¬٣]، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام [¬٤] بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه.
فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه [على هذا في آخر الآية] حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلي أجل معلوم.
وقال قتادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. رواه البخاري.
_________________
(١) - المستدرك (١/ ٦٤، ٢/ ٥٨٦). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "أبي خبيب". [¬٣]- في ز، خ: "وثاب". [¬٤]- في ز، خ: "تمام".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وثبت في الصحيحين (^١٧٢٠) من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار [السنة و] [¬١] السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّا أمة أمة لا نكتب ولا نحسب" (^١٧٢١). فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظَهُ علي الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهِد.
وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صَحِبَ كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد [¬٢] عصى ربه.
وقال أبو سعيد والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا، ولم ينكر عدم الكتابة والإِشهاد.
قال الإِمام أحمد (^١٧٢٢): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب السلم حديث (٢٢٤٠)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة (١٦٠٤).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الصوم حديث (١٩١٣)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام (١٠٨٠).
(٣) - المسند (٢/ ٣٤٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت! فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر ثم قال: اللَّهم، إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا. فرضي بذلك. وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني أستودعكها [¬١]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا.
وهذا إسناد صحيح، وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (^١٧٢٣)، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره. ويقال: إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق" (^١٧٢٤). وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (^١٧٢٥).
_________________
(١) - صحيح البخاري حديث (١٤٩٨، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٤٤، ٦٢٦١، ٢٠٦٣).
(٢) - رواه البخاري في العتق، حديث (٢٥١٨)، ومسلم في الإيمان (٨٤) من حديث أبي ذر ﵁.
(٣) - رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁. [¬١]- في خ: "أستودعتكها".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وقال مجاهد، وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب.
وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا﴾ أي: لا يكتم منه شيئًا. ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي، أو جهل بموضع صواب ذلك [من خطئه] [¬١] ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمرٌ بالإِشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه (^١٧٢٦): حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "يا معشر النساء؛ تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن".
قالت [¬٢]: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين".
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة علي اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط. وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة [¬٣] علي أن يكون الشاهد عدَلًا مرضيًّا.
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر [¬٤] بما وقع به من [¬٥] الإِشهاد. ولهذا [¬٦] قرأ آخرون (فتذّكر) بالتشديد من التذكار. ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر. فقد أبعد والصحيح الأول، والله أعلم.
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (٨٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "قلت". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "ذكرى". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "بهذا".
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإِجابة. وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية وقيل -وهو مذهب الجمهور-: المراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة [¬١] قوله الشهداء والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.
وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب.
وقد ثبت في صحيح مسلم (^١٧٢٧)، والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها".
فأما الحديث الآخر في الصحيحين (^١٧٢٨): " ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا [¬٢] ". وكذا قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم". وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون". فهؤلاء شهود الزور. وقد روي عن ابن عباس والحسن البصىري أنها تعم الحالين: التحمل، والأداء.
وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإِرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا. أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق علي أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله أي: أعدل. وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الأقضية، حديث (١٧١٩)، وسنن أبي داود، كتاب الأقضية حديث (٣٥٩٦)، وسنن الترمذي، كتاب الشهادات حديث (٢٢٩٦، ٢٢٩٥)، وسنن النسائي الكبرى حديث (٦٠٥٩)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأحكام حديث (٢٣٦٤).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق حديث (٦٤٢٨)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة حديث (٢٥٣٥). [¬١]- في خ: "حقيقة". [¬٢]- في ز، خ: "يستشهدون".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلي عدم الريبة، بل ترجعون [¬١] عند التنازع إلي الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.
وقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإِشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل، أو لم يكن [فيه أجل] [¬٢]، فأشهدوا على حقكم على كل حال. قال: وروي عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك نحو ذلك.
وقال الشعبي، والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
وهذا الأمر محمول عند الجمهور علي الإِرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل علي ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد (^١٧٢٩): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب عن الزهري، حدّثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي- ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: "أو ليس قد ابعته منك؟ " قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ: "بل قد ابتعته منك". فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمة
_________________
(١) - المسند (٥/ ٢١٦)، وأخرجه أبو داود: كتاب الأقضية باب شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧ / رقم: ٣٦٠٧). والنسائي: كتاب البيوع باب التسهيل في ترك الإشهار على البيع. (٧/ ٣٠١، ٣٠٢ / رقم: ٤٦٤٧). كلاهما من طريق الزهري به. [¬١]- في ز، خ: "يرجعون". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٥١٠ ]
فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك [¬١] قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بمَ تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزهري به نحوه.
ولكن الاحتياط هو الإِشهاد، لما رواه الإِمامان: الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه (^١٧٣٠)، من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﵌، قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشْهِدْ".
ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط الشيخين. قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإِسناد: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملى، ويشهد هذا بخلاف مما سمع أو يكتمها بالكلية. وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما.
وقيل: معناه لا يضر بهما، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن حفص- حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة. فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا. فليس له أن يضارهما.
ثم قال: وروي عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطية، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه [¬٢].
_________________
(١) - المستدرك (٢/ ٣٠٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "منه".
[ ٢ / ٥١١ ]
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور، ومصالحها، وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.
* ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ يكتب لكم. قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا [¬١] قرطاسًا، أو دواة، أو قلمًا ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة، أي [¬٢]: في يد صاحب الحق.
وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي، والجمهور. واستدل بها آخرون على أنه لابدّ أن [¬٣] يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وذهب إليه طائفة.
واستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس (^١٧٣١)، أن رسول الله ﷺ تُوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله. وفي رواية: من يهود المدينة (^١٧٣٢). وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي (^١٧٣٣). وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الرهن حديث (٢٥٠٨).
(٢) - الرواية في سنن النسائي (٧/ ٢٨٨).
(٣) - مسند الشافعي (ص ٢٥١). [¬١]- في ز: "يجد". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "وأن".
[ ٢ / ٥١٢ ]
وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: هذه نَسَخَتْ ما قبلها.
وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا.
وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٧٣٤) وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه".
وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض؛ وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ والآيات في هذا [¬١] كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه
_________________
(١) - المسند (٥/ ٨) (٢٠١٣٤)، و(٥/ ١٢) (٢٠١٧٩)، أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب: في تضمين العارية (٣/ ٢٩٤ / رقم: ٣٥٦١). والترمذي في كتاب البيوع، باب: ما جاء في العارية مؤداة (٣/ ٥٥٧ / رقم: ١٢٦٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب العارية، باب: المنيحة (٣/ ٤١١ / رقم: ٥٧٨٣). وابن ماجة في كتاب الصدقات، باب: العارية (٢/ ٨٠٢ / رقم: ٢٤٠٠). كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة به. [¬١]- في ت: "ذلك".
[ ٢ / ٥١٣ ]
بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃ وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإِمام أحمد (^١٧٣٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -يعني العلاء- عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله، ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت [¬١] عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما [أقرّ بها] [¬٢] القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله [¬٣]: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره [¬٤].
ورواه مسلم [] [¬٥] متفردًا [¬٦] به (^١٧٣٦) من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله، ولفظه: فلما [¬٧] فعلوا ذلك [¬٨] نسخها الله فأنزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم.
_________________
(١) - المسند (٢/ ٤١٢).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٥). [¬١]- في ز: "أنزل". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "افترأها". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "آخرها". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "به". [¬٦]- في خ: "منفردًا". [¬٧]- في خ: "ولما". [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥١٤ ]
(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإِمام أحمد (^١٧٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء قال: فقال رسول الله ﷺ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا" فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع به وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.
(طريق أخرى) عن ابن عباس قال الإِمام أحمد (^١٧٣٨): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد؛ قال: دخلت على ابن عباس، ففلت: يا أبا عباس؛ كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أيَّة آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين [¬١] أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني وقالوا: يا رسول الله هلكنا! إنا كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا [¬٢]: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.
(طريق أخرى) عنه قال ابن جرير (^١٧٣٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٦).
(٢) - المسند (١/ ٣٣٢).
(٣) - تفسير الطبري (٦/ ١٠٦) (٦٤٥٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "قالوا".
[ ٢ / ٥١٥ ]
ابن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ] [¬١]﴾. الآية. فقال والله لئن واخذنا [¬٢] الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع [¬٣] نشيجه. قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن؛ لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله ابن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه للوسوسة [¬٤] مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
(طريق أخرى) قال ابن جرير (^١٧٤٠): حدّثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ: ﴿وَإِنْ [¬٥] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس (*). وقد ثبت عن ابن عمر، كما ثبت عن ابن عباس.
قال البخاري (^١٧٤١): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ [¬٦] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها.
وهكذا روي عن علي وابن مسعود، وكعب الأحبار والشعبي، والنخعي ومحمد بن كعب القرظي، وعكرمة [¬٧] وسعيد بن جبير وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة (^١٧٤٢) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٦/ ١٠٨) (٦٤٦٢). (*) قد تكلم أهل العلم في رواية سفيان بن حسين عن الزهري، وضعفوها.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٥٤٦).
(٣) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "آخذنا". [¬٣]- في ز: "يسمع". [¬٤]- في خ: "الوسوسة". [¬٥]- في ز، خ: "إن". [¬٦]- في ز، خ: "إن". [¬٧]- في خ: عن عكرمة".
[ ٢ / ٥١٦ ]
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: ["إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل".
وفي الصحيحين (^١٧٤٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ] [¬١]: "قال الله: إذا هم عبدي [¬٢] بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا". لفظ مسلم.
وهو في أفراده (^١٧٤٤) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له [¬٣] عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة".
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه [¬٤]، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال [] [¬٥]: "قال الله: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا [¬٦] عملها فأنا أكتبها له بمثلها". وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: رب، ذاك [¬٧] عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما [¬٨] تركها من جراي".
وقال رسول الله ﷺ (^١٧٤٥): " إذا أحسن [¬٩] أحدكم إسلامه [¬١٠] فإن له
_________________
(١) = (١٢٧)، وسنن أبي داود كتاب الطلاق حديث (٢٢٠٩)، وسنن الترمذي، كتاب الطلاق واللعان حديث (١١٨٣)، وسنن النسائي كتاب الطلاق (٦/ ١٥٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق (٢٠٤٠).
(٢) - صحيح مسلم حديث (١٢٨)، ورواه البخاري من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به نحوه.
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٨).
(٤) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "عبد". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "منيه". [¬٥]- في ز: "قال رسول الله ﷺ". [¬٦]- في خ: "فإن". [¬٧]- في ز، خ: "وإن". [¬٨]- في ز، خ: "إنما". [¬٩]- في خ: "أخر". [¬١٠]- بياض في خ.
[ ٢ / ٥١٧ ]
بكل حسنة يعملها تكتب له [¬١] بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿".
تفرّد به مسلم (١٧٤٦)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، بهذا السياق واللفظ. وبعضه في صحيح البخاري.
وقال مسلم أيضًا (١٧٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنةٍ فعملها كتبت له عشرًا [¬٢] إلى سبعمائة ضعف، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب.
و[قال مسلم أيضًا (١٧٤٨)] [¬٣]: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد -أبي [¬٤] عثمان- حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له [¬٥] عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها [كتبها الله عنده حسنة كاملة] [¬٦]، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده [¬٧] سيئة واحدة".
ثم رواه مسلم (١٧٤٩)، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، في هذا الإِسناد بمعنى حديث عبد الوارث [¬٨]، وزاد: "ومحاهما الله، ولا يهلك على الله إلا هالك".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١٧٥٠)؛ قال: جاء ناس من أصحاب رسول
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٠).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٠).
(٣) - (^١٧٤٩) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣١).
(٤) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٢). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "بن". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "لم تكتب عليه". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "الرَّزاق".
[ ٢ / ٥١٨ ]
الله ﷺ فسألوه، فقالوا [¬١]: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإِيمان". لفظ مسلم.
وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ به.
وروى مسلم (^١٧٥١) أيضًا [¬٢] من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة. قال: "تلك صريح الإِيمان".
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأمّا [¬٣] المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول يخبركم، وأمّا أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من هذا.
وروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك نحوه. وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة [¬٤] لم تنسخ. واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا [¬٥] (^١٧٥٢):
حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام [¬٦]، (خ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [¬٧] علية، حدثنا [] [¬٨] هشام، قالا جميعًا في حديثهما [¬٩]؛ عن قتادة، عن صفوان بن محرز [¬١٠]، قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٣).
(٢) - تفسير الطبري (٦/ ١١٩، ١٢٠) (٦٤٩٧). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "محمكة". [¬٥]- في ز: "قابالًا". [¬٦]- في خ، ز: سعيد بن هشام، والمثبت من الطبري. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في ز، خ: ابن. [¬٩]- في ز: "حديثيهما". [¬١٠]- في ز: "مجوز".
[ ٢ / ٥١٩ ]
عرض له رجل، فقال: يا بن عمر؛ ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال [¬١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له [¬٢]: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف (*) -مرتين- حتى إذا بلغ به [¬٣] ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا [¬٤] أغفرها لك اليوم. قال: فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه- بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما (^١٧٥٣) من طرق متعددة عن قتادة به.
وقال ابن أبي حاتم (^١٧٥٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمَّى والنكبة والبضاعة يضعها في يد كمه فيفتقدها [¬٥] فيفزع لها ثم يجدها في ضِبْنِه (**) [¬٦]، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [من الكبِر] [¬٧].
وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به (^١٧٥٥). وقال الترمذي: غريب [¬٨] لا نعرفه إلا من حديثه.
(قلت): وشيخه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، كتاب التوبة حديث (٢٧٦٨).
(٢) - زيادة من تفسير الطبري (٦/ ١١٧) (٦٤٩٥)، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد.
(٣) - سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن حديث (٢٩٩١). [¬١]- في خ: "فقال". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- في ت: "وأين". [¬٥]- في ت: "فيفقدها". [¬٦]- في ز: "ضبنته"، خ: "صحيفته". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "وقال غريب".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾