قال البخاري ﵀ في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم ﵇، حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتَّى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرًا لهم من الدنيا وما فيها"، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (^٢)، وكذا رواه مسلم
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "وإفراط".
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (في الكتاب والباب المذكور ح ٣٤٤٨).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب به (^١)، وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به. وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به.
ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات (^٢).
(طريق أخرى) عن أبي هريرة، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا روح، ثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليهلنّ عيسى بفج الروحاء (^٣) بالحج أو العمرة، أو ليثنينهما جميعًا" (^٤)، وكذا رواه مسلم منفردًا به من حديث ابن عيينة، والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به (^٥).
وقال أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سفيان - هو ابن حسين -، عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويُعطي المال حتَّى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما" قال: وتلا أبو هريرة ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النَّبِيّ ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة (^٦): وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري به (^٧).
(طريق أخرى) قال البخاري: حَدَّثَنَا ابن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف بكم إذا نزل فيكم
_________________
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم (ح ١٥٥).
(٢) في سنده محمد بن أبي حفصة صدوق يخطئ (التقريب ص ٤٧٤)، وقد توبع إلا في إعادة قراءة الآية ثلاث مرات فلم يُتابع عليها ولعلها من خطأ ابن أبي حفصة.
(٣) فجّ الروحاء: الفج هو الطريق الواسع كما في النهاية، وفج الروحاء: يقع بين مكة والمدينة، وكان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر وإلى مكة عام الفتح … (حاشية صحيح مسلم).
(٤) ليثنينهما: أي يقرن بينهما.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥١٣)، وفيه محمد بن أبي حفصة صدوق يخطئ ولكنه توبع إذ رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد ثلاثتهم عن الزهري به (صحيح مسلم، الحج، باب إهلال النَّبِيّ ﷺ ح ٢٥٢) وما بعده.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٨٩٠)، وصححه المحقق ولكن فيه سفيان بن حسين وفي روايته عن الزهري مقال، وقد توبع في الصحيحين فأخرجاه من طرق أخرى عن الزهري به لكن بدون العبارة: فزعم حنظلة … إلخ (صحيح البخاري، الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ح ٣٤٤٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم (ح ١٥٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الزيادة مما يدلُّ أنه تفرد بها سفيان بن حسين.
[ ٣ / ٢٦١ ]
المسيح بن مريم وإمامكم منكم؟ " تابعه عقيل والأوزاعي (^١)، وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهري به (^٢).
وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب به (^٣).
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لعلات (^٤)، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنَّهُ لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (^٥)، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتَّى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون" (^٦)، وكذا رواه أبو داود عن هُدبة بن خالد، عن همام بن يحيى (^٧).
ورواه ابن جرير ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم - وهو مولى أم برثن صاحب السقاية -، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ … فذكر نحوه، وقال: فيقاتل الناس على الإسلام (^٨).
وقد روى البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي" (^٩)، ثم رواه عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد". وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه بالمتابعة (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ ح ٣٤٤٩).
(٢) المسند ٢/ ٢٧٢، ٣٣٦.
(٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا (ح ١٥٥/ ٢٤٤ - ٢٤٦).
(٤) العلات: الضرائر (فتح الباري ٦/ ٤٨٩).
(٥) أي الثياب التي فيها صفرة خفيفة (النهاية ٤/ ٣٣٦)، ونسميه في عصرنا: اللون السكري أو العسلي.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه (المسند ١٥/ ١٥٣ - ١٥٤ ح ٩٢٧٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩٥).
(٧) سنن أبي داود، الملاحم، باب خروج الدجال (ح ٤٣٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٣٥).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.
(٩) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦، ح ٣٤٤٢).
[ ٣ / ٢٦٢ ]
هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (^١)
(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حَدَّثَنَا معلى بن منصور، حَدَّثَنَا سليمان بن بلال، حَدَّثَنَا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتَّى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق (^٢)، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتله، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتَّى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته" (^٣).
(حديث آخر) قال أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى ﵇، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليّ ربي ﷿ أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتَّى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتَّى تجوى (^٤) الأرض من نتن ريحهم، وينزل المطر فيجترف أجسادهم حتَّى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليّ ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلًا أو نهارًا" (^٥)، رواه ابن ماجة عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به نحوه (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٤٣).
(٢) بالأعماق ودابق: موضعان بالشام بقرب مدينة حلب (حاشية صحيح مسلم).
(٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الفتن، باب في فتح قسطنطينية ح ٢٨٩٧).
(٤) قال ابن الأثير: يقال: جَوِى يَجوى إذا أنتن (النهاية ١/ ٣١٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٧٥)، وسنده حسن، أخرجه الحاكم من طريق العوام به وصححه ثم قال: فأما مؤثر فليس بمجهول قد روى عن ابن مسعود والبراء بن عازب، وروى عنه جماعة من التابعين، وصححه الذهبي وقال أيضًا: ومؤثر روى عنه جماعة (المستدرك ٢/ ٣٨٤)، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٣/ ٢٦٠، ومؤثر ذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٤٦٣)، وسكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٨/ ٤٢٩).
(٦) السنن، الفتن، باب فتنة الدجال (ح ٤٠٨١).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة، أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه فجلسنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقول: نقيم نُشامَّه (^١) (^٢) ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم التيجان، وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه فيصير أهله ثلاث فرق. فرقة تقول: نشامَّه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب الشام وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق (^٣)، فيبعثون سرحًا (^٤) لهم، فيصاب سرحهم فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتَّى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس أتاكم الغوث - ثلاثًا - فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صلِّ، فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، حتَّى إذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا راه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته (^٥) فيقتله، ويهزم أصحابه، فليس يومئذٍ شيء يواري منهم أحدًا، حتَّى إن الشجرة تقول: (يا مؤمن هذا كافر)، ويقول الحجر: (يا مؤمن هذا كافر) " (^٦). تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه المشهورة: حَدَّثَنَا علي بن محمد، حَدَّثَنَا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: "لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، وإن الله خليفتي في كل مسلم، وإنه يخرج من خَلَّة بين الشام والعراق فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا، ألا يا عباد الله، أيها الناس فاثبتوا، وإني
_________________
(١) نُشامّه: قال السندي في حاشية المسند: بتشديد الميم وضم حرف المضارعة؛ أي: نختبره وننظر ما عنده. وقال في النهاية: يقال: شاممت فلانًا إذا قاربته وتعرفت ما عنده بالاختبار والكشف.
(٢) كذا في الأصل، وفي (مح): "نشائمه".
(٣) قال السندي: قرية بين حوران والغور، أي في بلاد الشام.
(٤) قال السدي: أي ماشية.
(٥) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة (النهاية ١/ ٢٢٣).
(٦) أخرجه أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه لضعف علي بن زيد بن جدعان (المسند ٢٩/ ٤٣١ - ٤٣٣ ح ١٧٩٠٠)، وذكروا لبعضه شواهد.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتَّى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث باللّه، وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردًا وسلامًا، كما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت أمك وأباك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يُسلط على نفسٍ واحدة فينشرها بالمنشار حتَّى تلقى شقين، ثم يقول: انظر إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري، فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، واللّه ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم".
قال أبو الحسن [الطنافسي: فحدثنا المحاربي] (^١)، حَدَّثَنَا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ذلك الرجل أرفع أُمتي درجة في الجنة" قال أبو سعيد: واللّه ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتَّى مضى لسبيله.
ثم قال المحاربي: رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، فيأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتَّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعًا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب (^٢) من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتةً (^٣) حتَّى ينزل عند الظريب (^٤) الأحمر عند منقطع السبخة (^٥)، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.
فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: "هم قليل وجلهم يومئذٍ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم ﵇، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقهرى ليتقدم عيسى ﵇، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج (^٦)، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربًا، فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لم تسبقني بها، فيدركه عند باب لد (^٧) الشرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود فلا يبق شيء مما خلق الله تعلى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الطيالسي فحدثنا المجازي" وهو تصحيف.
(٢) النقب: هو طريق بين جبلين وبيان هذا الغريب من حاشية سنن ابن ماجة.
(٣) صلتة: أي مجردة، يقال: أصلت السيف إذا جرّده من غمده.
(٤) الظُّريب: تصغير ظرب وهو الجبل الصغير.
(٥) الأرض التي تعلوها الملوحة.
(٦) وهو الطيلسان الأخضر، وقيل الطيلسان المقور.
(٧) باب لد: بلدة قريبة من بيت المقدس.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
- إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله".
قال رسول الله ﷺ: "وإن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخَر حتَّى يمسي" فقيل له: كيف نصلي يا نبي الله في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا" قال رسول الله ﷺ: "فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب (^١)، ويذبح الخنزير (^٢)، ويضع الجزية (^٣)، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة (^٤) كل ذات حمة حتَّى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر (^٥) الوليدة الأسد فلا يضلها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة (^٦) وتنبت نباتها كعهد آدم حتَّى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات" قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبدًا" قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية، فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله" قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام".
قال ابن ماجة: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتَّى يعلمه الصبيان في الكُتّاب (^٧).
هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر، من ذلك ما رواه مسلم، من حديث نافع وسالم، عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ: "لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتَّى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله" (^٨). وله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون
_________________
(١) أي يكسر الصليب.
(٢) يحرم أكله أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحد.
(٣) أي لا يقبلها من أحد من الكفرة بل يدعوهم إلى الإسلام.
(٤) السَّمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة.
(٥) أي تحمله على الفرار.
(٦) الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست.
(٧) أخرجه ابن ماجة بسنده ومتنه وطوله (السنن، الفتن، باب فتنة الدجال ح ٤٠٧٦)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ولبعضه شواهد كما قال الحافظ ابن كثير، وكما سيأتي.
(٨) أخرجه مسلم في الصحيح، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتَّى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (ح ٢٩٢١).
[ ٣ / ٢٦٦ ]
اليهود، فيقتلهم المسلمون حتَّى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (^١).
ولنذكر حديث النواس بن سمعان ههنا لشبهه بهذا الحديث:
قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حَدَّثَنَا أبو خيثمة زهير بن حرب، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثنا محمد بن مهران الرازي، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، قاضي حمص عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، عن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع (^٢) حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه، ورفعت حتَّى ظنناه في طائفة النخل، قال: "غير الدجال أخوفني (^٣) عليكم إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، صفين يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، واللّه خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط (^٤)، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة (^٥) بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله ذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا أقدروا له قدره". قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^٦) أطول ما كانت ذرى (^٧)، وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (^٨) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٩)، ثم يدعوا رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^١٠)، واضعًا كفيه على أجنحة [ملكين] (^١١)، إذا طاطأ
_________________
(١) المصدر السابق (ح ٢٩٢٢).
(٢) أي: حقر وعظّم، أو خفض صوته (مختصر من حاشية صحيح مسلم، وكذا معظم ما يلي في هذا الحديث الطويل).
(٣) قال السندي: أخوف اسم تفضيل المبني للمفعول، وأصله: أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء فاتصل بها أخوف، لكن جيء بالنون بينهما تشبيهًا بالفعل.
(٤) أي شديد جعودة الشعر، مباعد للجعودة المحبوبة.
(٥) أي الطريق بين الشام والعراق.
(٦) سارحتهم: ماشيتهم.
(٧) ذرى: جمع ذروة وهو أعلى سنام البعير.
(٨) أي: مجدبين.
(٩) أي: جماعة النحل، وقيل: ذكور النحل.
(١٠) أي لابس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.
(١١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وفي الأصل: "الملائكة".
[ ٣ / ٢٦٧ ]
رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز (^١) عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب (^٢) ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبريا (^٣) فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتَّى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مِائَة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (^٤) في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله، طيرًا كأعناق البخت (^٥)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر (^٦)، ولا وبر، فيغسل الأرض حتَّى يتركها كالزلفة (^٧) ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتَّى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام (^٨)، واللقحة من الغنم لتكفي، الفخذ عن الناس فبينما هم كذلك إذْ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمر، فعليهم تقوم الساعة" (^٩)، ورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.
وسنذكره أيضًا من طريق أحمد عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ …﴾ الآية [الأنبياء: ٩٦].
(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه أيضًا: حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ العنبري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به، تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل
_________________
(١) أي: ضمهم.
(٢) المكان المرتفع.
(٣) تقع شمال البحر الأحمر.
(٤) النغف جمع نغفة وهي الدودة تكون في أنوف الإبل والغنم.
(٥) هي جمال طوال الأعناق مفردها: بُختي.
(٦) أي: لا يمنع من نزول الماء على بيت الطين الصلب.
(٧) كالمرآة أو كالصفحة البيضاء.
(٨) أي: الجماعة.
(٩) أخرجه مسلم بسنده ومتنه وطوله (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال ح ٢١٣٧).
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير - أو إيمان - إلا قبضته، حتَّى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتَّى تقبضه" قال: سمعتها من رسول الله ﷺ "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا (^١)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض (^٢) إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال: - ينزل الله مطرًا كأنه الطلّ - أو قال: الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يومًا ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وذلك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^٣) [القلم: ٤٢] ثم رواه مسلم [والنسائي] (^٤) في تفسيره جميعًا عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن نعمان بن سالم (^٥) به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد - أو إلى جانب لد" ورواه أحمد أيضًا عن سفيان بن عيينة ومن حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية، عن رسول الله ﷺ قال: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة، وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر، وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃ (^٦).
ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال وقتل عيسى ابن مريم ﵇ له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدًّا، وهي أكثر من أن تحصى لانتشارها وكثرة روايتها في الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتَّى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج
_________________
(١) أصغى ليتا: أي أمال، والليت صفحة العنق وهو جانبه.
(٢) يطينه ويصلحه.
(٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه، الفتن، باب في خروج الدجال (ح ٢٩٤٠).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الثاني" وهو تصحيف.
(٥) المصدر السابق (ح ٢٩٤٠/ ١١٧)، والسنن الكبرى للنسائي، تفسير سورة المزمل (ح ١١٦٢٩).
(٦) المسند ٣/ ٤٢٠، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في قتل عيسى ابن مريم الدجال (ح ٢٢٤٤).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
ومأجوج، [ونزول] (^١) عيسى ابن مريم والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو تحشر - الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا" (^٢).
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات القزاز به. ورواه مسلم أيضًا من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفًا (^٣)، واللّه أعلم.
فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح، وقد بثيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضًا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى ابن مريم ﵇، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النَّبِيّ ﷺ بذلك وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] وقرئ (لعَلَم) (^٤) بالتحريك؛ أي: أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنَّهُ ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيح: "أن الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء" (^٥)، ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].