هي آخرُ ما نزل، ولها أسماء أُخر منها سورة التَّوبة.
وعن حذيفة ﵁: إنَّكم تسمُّونها سورة التَّوبة، وإنَّها سورة العذاب، والله ما تركَتْ أحدًا إلا نالَتْ منه (^٢).
قيل: كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه آيةٌ أو سورةٌ يبيِّن موضعها، وتوفي ولم يبيِّن موضع هذه السُّورة، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال وتُناسبها؛ لأن في الأنفال ذكرَ العهود وفي البراءة نبذَها قرن بينهما (^٣).
وأمَّا أنَّها لم تنضم إليها فلأنَّ الصحابة ﵃ اختلفوا في أنهما (^٤) سورة واحدة - وهي سابعة السَّبع الطِّوال - أو سورتان، فتركت بينهما فرجة، ولم تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) (^٥)؛ رعاية للاحتمالين.
_________________
(١) في (ف): "سورة التَّوبة"، وبياض في (م) و(ك)، والصواب المثبت.
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٢٧٤)، وصححه. وانظر: "الكشاف" (١/ ٢٤١).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٠). وهذا مأخوذ من حديث عثمان ﵁ الذي رواه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، دون ما ذكر من قصة العهود ونبذها.
(٤) في (م): "أنها".
(٥) "الرحمن الرحيم": ليست في (م) و(ك).
[ ٤ / ٣٠٩ ]
ومن قال: إنما تُرِكَتِ التَّسمية بينهما لأنها نزلت لرفع الأمان و(بسم الله) أمانٌ، فكأنه غافلٌ عن أنها توقيفية، لا دخل للرأي في إثباتها وتركها.
* * *
(١) - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿بَرَاءَةٌ﴾ مبتدأ؛ لأنها موصوفة بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: حاصلة منهما، خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: واصلةٌ إليهم، ويجوز أن تكون ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه براءة، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير حاصلة، بل يكفي تقدير: واصلة (^١)؛ أي: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾.
والعهد: الذي يُتقدَّم به لتوثيق الأمر به.
وإظهار ما (^٢) ذكر في صورة الإخبار - وهو أمر في الحقيقة - للمبالغة في مبادرته ﵇ إلى الامتثال للأوامر الواردة.
وذكرُ الله تعالى تمهيدٌ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]؛ تعظيمًا لشأنه ﵇، وإشعارًا بأنَّه مِنَ الله تعالى بمكانٍ يوجب إجلالَه (^٣)، وإنما نَسَبَ البراءةَ إلى الرَّسول ﷺ والمعاهدة إلى المسلمين؛ لشركتهم في الثانية دون الأولى.
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من أهل مكَّة وغيرهم من العرب، فإنهم نكثوا العهد إلا
_________________
(١) "بل يكفي تقدير واصلة" سقط من (ف)، وكلمة "تقدير" سقطت من (ك).
(٢) في (م): "لما"، وهو خطأ.
(٣) في هامش (ف): "ولولا قصد التمهيد لأعيد ﴿مِنَ﴾ كما أعيد ﴿عِندَ﴾ في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ دفعًا لاحتمال التمهيد".
[ ٤ / ٣١٠ ]
ناسًا منهم من بني ضمرة وبني كنانة، فأمر الله تعالى المسلمين بنبذ العهد إلى النَّاكثين منهم.
* * *
(٢) - ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
﴿فَسِيحُوا﴾ السَّيح: السَّير على مَهَلٍ، والجريُ على انبساط، ولا يخفى حسنُ موقعه هنا.
وفيه تلوين الخطاب من صورة الخبر إلى الأمر الظَّاهر، ونقلُه من مخاطَبٍ إلى آخر بلا فصلٍ بينهما بأداة النِّداء، وهذا جائز عند عدم الاشتباه (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، فلا حاجةَ إلى تقدير القول، ولا بُعْدَ في ترتُّبِ (^٢) الثَّاني على الأوَّل كما في قول الحماسة:
لا تَقْبِرُونِي إِنّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ … عَلَيْكُمْ ولكِنْ أَبْشِرِي أُمَّ عَامِرِ (^٣)
وإنما زيد قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تعميمًا للإذن، وإلَّا فمعلومٌ أنَّ السَّيح لا يكون إلا في الأرض (^٤).
_________________
(١) في هامش (ف): "قائله سعد الدين ذكره في تفسير قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من سورة البقرة".
(٢) في هامش (ف): "وما قيل عطف لام المخاطب على الأمر الآخر من غير تصريح بالنداء مما منعه النجاة لا ينبغي أن يلتفت إليه".
(٣) البيت للشنفرى الأزدي كما في "الحماسة" مع شرح التبريزي (ص: ١٨٨). وانظر: "الأغاني" (١٠/ ١٨٨)، و"محاضرات الأدباء" (٢/ ٥١٨).
(٤) في هامش (ف): "كان زيد في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ".
[ ٤ / ٣١١ ]
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أمهِلْهم أربعة أشهر ليسيروا فيها على مهلٍ آمنين أين شاؤوا، وهي الأشهر المرادة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ على ما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.
وقيل: هي شوَّال، وذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرم؛ لأنها نزلَتْ في شوَّال سنة تسعٍ من الهجرة، كان صيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها واجبة، فوافقها النُّزول.
وقيل: عشرون من ذي الحجَّة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر؛ لأنَّ التَّبليغ كان يوم النَّحر، وكانت حرمًا؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرِّم قتلهم وقتالهم، أو على التَّغليب لأن ذا الحجَّة والمحرَّم منها.
وَيرِدُ عليه: أنَّه لا دلالة في كون التَّبليغ العام على رؤوس الأنام يوم النَّحر على ما ذُكِرَ؛ إذ يجوز أن يكون النُّزول قبله، وتحصل فائدة التبليغ بالإعلان والإشاعة.
روي أنه لمَّا ضَرب لهم مدَّة قالوا: نسيح في المدَّة على أمان، ثم نحتال فنمتنع (^١)، فنزلَ قولُه:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه وإنْ أَمهَلكم، وزيادةُ: ﴿اعْلَمُوا﴾ للتَّشديد.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ الإخزاء: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار؛ أي: مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا، والعذابِ في الآخرة، ووضع الظَّاهر موضع الضمير في الموضعين: أمَّا في الأول فلتفخيم أمر الخزي، وأمَّا في الثاني فللدلالة على أن الكفر هو الموجِبُ له، وكذا في: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* * *
_________________
(١) في (ك): "ثم نمتنع".
[ ٤ / ٣١٢ ]
(٣) - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان (^١): فعَال بمعنى الإفعال، كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، قيل: معناه النِّداء بالأمر الذي يُسمَع بالأذان.
ورفعُه كرفع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على الوجهين، والواو عاطفة للجملة على الجملة.
﴿إِلَى النَّاسِ﴾ لما كانت البراءةُ مخصوصةً بالمعاهَدين، والإيذانَ بها للعموم، علَّق الإخبارَ بالبراءة بالمعاهَدين (^٢)، والإخبارَ بالإيذان بذلك بالناس.
﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم العيد؛ لأن فيه تمامَ الحج ومعظَمَ أفعاله، ولأنَّ التَّبيلغ كان فيه، ولِمَا روي أن النبي ﷺ وقفَ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: "هذا يوم الحجِّ الأكبر" (^٣).
وتوصيفُه بالأكبر لأن العمرةَ حجٌّ أصغر، أو لأنَّ المراد من الحجِّ أعمالُه، وما يقع فيه أكبر من سائر باقي الأعمال، أو لأنَّه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ الكافرين.
وأما الموافَقة لأعياد سائر الملل فلا ينبغي أن يُعبأ بها (^٤) في تعظيم حجِّنا، ثمَّ إنَّ التَّوصيف المذكور قد ورد في حجَّة الوداع أيضًا، ولا موافقه ثمَّة.
_________________
(١) من قوله: "بما فيه الفضيحة والعار .. " إلى هنا سقط من (ك).
(٢) "والإيذان بها للعموم علق الإخبار بالبراءة بالمعاهدين" سقط من (ك).
(٣) رواه أبو داود (١٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٥٨) من حديث ابن عمر ﵄. وعلقه البخاري بعد الحديث (١٧٤٢).
(٤) في (م): "به".
[ ٤ / ٣١٣ ]
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: بأنَّ الله، حُذِفَتِ الباء التي هي صلة الأذان تخفيفًا. وقرئ: (إنَّ اللهَ) بالكسر (^١)، إجراءً للأذان مجرى القول.
﴿بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويندرج فيها عهودهم اندراجًا أوَّليًّا.
﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ عطف على المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ من غير تأكيدٍ للفصل، أو على محل (إنَّ) المكسورة واسمها (^٢) بلا فصلٍ بأداته.
وقرئ بالنصب (^٣)؛ عطفًا على اسم ﴿أَنَّ﴾، أو على أنَّ الواو بمعنى: مع.
ويجوز (^٤) أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: ورسولُه كذلك.
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ تفريعٌ على ما فُهِمَ ممَّا تقدَّم مِن كون المشركين وآثاره (^٥) سببًا للبراءة المذكورة، وفي هذا التفريع غنًى عن ذكر متعلَّق التَّوبة.
﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتَوب ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدُّنيا والآخرة.
_________________
(١) نسبت للحسن وجماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥١).
(٢) قوله: "على محل إن واسمها" هذه عبارة الزمخشري، وعبارة الآلوسي: (على محل اسم إنَّ)، والمؤدى من العبارتين واحد كما أشار إليه الآلوسي بقوله: (ووقع في كلامهم: محل إنَّ مع اسمها، والأمر فيه هين). وقال الطيبي في شرح كلام الزمخشري: (لأن المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه) وهذا بعينه كلام الآلوسي في تعليل العطف المذكور، وزاد عليه: (أي: على محلٍّ كان له قبل دخولها، فإنه كان إذ ذاك مبتدأ). انظر: "فتوح الغيب" (٧/ ١٧٢)، و"روح المعاني" (١٠/ ٢١٧).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٧)، و"زاد المسير" (٣/ ٣٩٧)، و"البحر المحيط" (١١/ ١٨٥).
(٤) أي: على القراءة بالرفع.
(٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "الشرك وآثاره".
[ ٤ / ٣١٤ ]
﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: أعرضتم عمَّا دُعيتم إليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ﴾ قد مَرَّ أنَّ إقحام (اعلموا) إلى (^١) مثل هذا المقام للتَّهديد في الوعيد.
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه طلبًا، ولا تتخلَّصون منه هربًا.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأمرُ بالبشارة عامٌّ لكلِّ مَنْ يقدِر عليها، وفيه تلوينُ الخطاب.
﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة.
* * *
(٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ استدراك من قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلخ، بحسب المفهوم، كأنه قيل: لا تُمهلوا النَّاكثين للعهد غيرَ أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم فلا تجعلوهم في حكم النَّاكثين الذين لا رخصة في إمهالهم عن المدَّة المذكورة، ولا يضرُّه تخلُّل الفاصل؛ أعني قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلخ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ بالكليَّة، لكونه أمرًا بالإعلام معنًى، كأنَّه قيل: واعلموا أنَّ الله بريءٌ منهم.
قيل: استثناء من ﴿فَسِيحُوا﴾. ومبناه على تقدير القول بين الفاء ومدخوله، وقد عرفْتَ أنَّه تكلُّفٌ مستغنًى عنه.
وقيل: استثناء من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾. ورُدَّ بأنَّه يلزم حينئذ تخلُّل الفاصل بالأجنبي مع منافاته لعموم المشركين في قوله (^٢): ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
_________________
(١) "إلى" سقط من (ك).
(٢) في (ف): "وفي قوله"، ومن قوله: "أن الله بريءٌ منهم، قيل: استثناء … " إلى هنا سقط من (ك).
[ ٤ / ٣١٥ ]
والعدول في قوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من المضمَر إلى الظَّاهر لطول العهد، والتَّنبيهِ على أن الشرك (^١) إذا قارنه الوفاء بالعهد لا يؤثر في النَّبذ. ولا يخفى ما فيه من التَّفخيم لشأن الوفاء.
﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من (^٢) شرائط العهد، وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنهم لم يفعلوا ذلك مع تمادي العهد.
﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم.
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم، وبيانٌ للمراد من عدم جعلِهم في حكم النَّاكثين.
وإنما قال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ تضمينًا لمعنى الإرسال؛ أي: أتمُّوا عهدهم إلى مدَّتهم مرسِلين إليهم؛ يعني: أمرَ الإتمام، وذلك لَمَّا اعتبر الإعلام في قرينه السابق ذكرُه كان المناسب اعتبارها هاهنا أيضًا.
وفيه دفعُ وهم (^٣) تعميم حكم النَّبْذِ لهم أيضًا، وأمَّا تضمُّن أدُّوا ففيه التزامُ للجمع بين معنيين أحدهما مغنٍ (^٤) عن الآخر.
﴿عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ المدَّة: زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مَدَدْتُ له في الأجل المهلة، والمراد منتهاها، بقرينة ﴿إِلَى﴾ التي لانتهاء الغاية، فلا حاجة إلى تقدير المضاف.
_________________
(١) في (ك): "المشرك".
(٢) في (ف) و(ك): "هي".
(٣) في (ف): "وهمهم".
(٤) في (ك): "يغني".
[ ٤ / ٣١٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليلٌ وتنبيهٌ على أنَّ قضيةَ التَّقوى إتمامُ العهد، والتَّسوية بين الوفي والغادر.
النَّبذ مخالفة التَّقوى، وإنْ كان الأوَّل مشتركًا (^١).
وفيه تتميمٌ لِمَا قصد بقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من التَّفخيم لشأن الوفاء بالعهد.
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ الانسلاخ: انفصالُ الشَّيء عمَّا يلابِسه ملابَسةَ الْتِحام، مِن سلخ الشَّاة، وإذا كان الانفصال عمَّا يلابسه ملابَسةَ مجاوَرةٍ أو الْتصاقٍ دون الْتحامٍ يقال: انخلع، ولا يقال: انسلخ.
ثم الخلع والسلخ مشتركان في التعلُّق بما يحتوي الشَّيء، وبه يفارقان النَّزْع؛ فإنه يتعلَّق بما يحويه الشَّيء، مثلًا يقال: نزعْتُ المسمار، ولا يقال: خلعتُه، ولا: سلختُه، وإنَّما يقال لآخِر الشَّهر: يوم السَّلْخ؛ استعارةً لعبارة السَّلخ لإزالة النُّور.
﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي تسعة أشهر لبني كنانة، وأربعةُ أشهر لسائر المعاهَدين
_________________
(١) قوله: "والتسوية بين الوفي … " كذا وقعت العبارة في النسخ، وهي عبارة قلقة غير واضحة، ويفسرها كلام حقي والآلوسي، ولفظهما: (تعليل لوجوب الامتثال، وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى، وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركًا). انظر: "روح البيان" لإسماعيل حقي الإستانبولي الخلوتي (٣/ ٣٨٦) و"روح المعاني" (١٠/ ٢٢٢).
[ ٤ / ٣١٧ ]
المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ومَن قال (^١): التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها؛ فكأنَّه غفل عن عموم الحكم لبني كنانة.
وقيل: هي رجبٌ وذو القَعدة وذو الحجة والمحرَّم، ويأباه ترتيب الكلام على ما تقدَّم بالفاء.
وأمَّا ردُّه بأنَّه مخالفٌ للإجماع لأنَّه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما ينزل (^٢) بعدُ ما ينسخها، فليس بتامٍّ؛ لأنَّ ناسخ الكتاب لا يلزم أن يكون من الكتاب، وعلى تقدير لزومه كما هو مذهب الشافعي يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة.
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ النَّاكثين عهدهم ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في حلٍّ أو حرمٍ.
ولمَّا كان التَّعريف في الموضعين للعهد لم يكن لمسألة جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم تعلُّق بهذا (^٣) المقام، كما سبق إلى بعض الأوهام.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾ الأخذ: الأسر، ومنه: الأَخيذ، للأسير (^٤).
وليس أسرُهم للاسترقاق؛ لأنَّه لا يجوز في حقِّ المشرك (^٥)، ولهذا أَمر بالحبس، والمراد منه: الإمهال في تخييرهم بين السَّيف والإسلام (^٦).
_________________
(١) هو الزمخشري وتابعه البيضاوي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٤٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٧١).
(٢) "ينزل" من (م).
(٣) في (ف) و(م): "لهذا".
(٤) في (ك): "الأسير".
(٥) لعل الصواب تقييده بمشركي العرب كما فعل الآلوسي انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٢٢٥).
(٦) في (م) زيادة: "هذا في حق الحاضر والذي في حق الغائب ما ذكر بقوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾ … إلخ".
[ ٤ / ٣١٨ ]
﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾؛ أي: واحبسوهم، ويجوز أن يكون المراد من الحصر المنعُ من التَّبسُّط في البلاد، ويدخل فيه دخولًا أوَّليًّا منعُهم من المسجد الحرام.
﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾؛ أي: مواضعَ الغِرَّة (^١)، قال النَّابغة:
أعاذلُ إن الجهل مِنْ لَذَّةِ الْفَتَى … وَإِنَّ الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ (^٢)
وقيل: هي كلُّ ممرٍّ ومجازٍ، يرصدونهم كيلا يتبسَّطوا في البلاد، وعلى هذا يكون من قَبيل التأسيس، والتَّأكيدُ خير منه، وانتصابه على الظَّرف.
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من المعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوليًّا الرُّجوع عن الكفر، فهي متضمنة للإيمان، ثم قرن به إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ تنبيهًا على مكانهما من الشرع، ويجوز أن يكون من قَبيل الاكتفاء بذكر أمَّي العبادات البدنية والمالية عن جميع العبادات الواجبة.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: التزموا لتينك العبادتين البدنية والمالية، وذلك يتضمَّن التَّصديق بنبوَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ، وهو المقصود الأصلي، فمضمون الكلام المذكور منطوق كلمَتي الشَّهادة.
﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ تأمينٌ لهم؛ أي: فدعُوهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء من ذلك.
ولا دلالة فيه على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يُخلَّى سبيله؛ لمَا عرفْتَ أنَّ الشَّرط التزامها كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
_________________
(١) في (ف): "الغزاة"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٨)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١١١).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٨)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١١١). ونسب في "الحماسة البصرية" (٢/ ٤٨) لعدي بن زيد العبادي.
[ ٤ / ٣١٩ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ تعليل لِمَا تقدَّم؛ أي: لأنَّ الله غفور يغفر لهم ما سلف ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يكلِّفهم المشاقَّ.
ولا يخفى حسنُ انتظامه مع المساق؛ لتضمُّنه الإشارة إلى وجه الاكتفاء بالالتزام لِمَا أمر به.
* * *
(٦) - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ فاعل فعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعدَه لوجود حرف الشرط، وإنما قال: ﴿أَحَدٌ﴾ لعدم الرخصة لإجارة الجماعة؛ لأنها مظنَّةُ الفساد، ولا يتوقَّف عليها تمام المصلحة.
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يقل: (منهم) لعدم اختصاص الحكم بهم على ما يأتي بيانه.
﴿اسْتَجَارَكَ﴾: سألك أن تؤمِّنه وتكون جارًا له ليَسمع كلام الله تعالى، ويتبيَّن ما تدعو إليه.
﴿فَأَجِرْهُ﴾: فأجبْه إلى ذلك ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ تعالى خاصَّة، أي: يفهمَه ويتدبَّره، فيعلمَ أنه معجِزٌ من عند الله تعالى، وذلك يقتضي مهلةً، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يعني: إنْ لم يؤمن وطلب الرجوع إلى موضع أمنه.
والتعبير عن الفهم بالسمع لأنَّهم من أهل اللِّسان، فيفهمون المعنى كما يسمعون اللفظ.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
﴿ذَلِكَ﴾ الحكم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنَّهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى لطف المعاملة معهم في الإجارة وتبليغ المأمن؛ أي: لا يعلمون حقيقة ما تدعون إليه، فلا بدَّ من الأمان زمانًا حتى يسمعوا ويفهموا الحقَّ فيُذعنوه.
ويجوز أن يكون ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ منزَّلًا منزلة اللازم؛ أي: ليسوا من أهل العلم والمعرفة، وهذا الحكم عام ثابتٌ أبدًا.
* * *
(٧) - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ استفهام على جهة التَّعجب والاستبعاد، ومرجعه إلى الإنكار على وجه الأغلب.
﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يأمنون به من عذابه في الآخرة (^١) ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ يأمنون به عذاب الدُّنيا من القتل والأخذ، وتكرار ﴿عِنْدَ﴾ للتَّنبيه على اختلاف المراد، وفيه سدٌّ لباب التَّمهيد (^٢).
وقيل: إنكار واستبعاد لأنْ يكون لهم عهدٌ ولا ينكثوه مع وغرَة (^٣) صدورهم، أو لأنْ يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه.
_________________
(١) في (ك) و(م): "من عذاب الآخرة".
(٢) وقد جرى التنبيه عليه في حاشية (ف) في أول السورة.
(٣) في النسخ: "ولا ينكثون مع غرة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٢) وهو صاحب هذا القيل. والوغرة: شدة توقد الحرّ، ومنه قيل: في صدره عليّ وغر بالتسكين؛ أي: ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٣٠٢).
[ ٤ / ٣٢١ ]
ولا يذهبْ عليك أنَّ ما ذكر معنى قولنا: كيف يكون لله ورسوله عهد عند المشركين، لا معنى ما قاله.
﴿كَيْفَ﴾ حال عن اسم ﴿يَكُونُ﴾ مقدَّمة للاستفهام، و﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ خبره، و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿عَهْدٌ﴾، أو ظرفٌ لـ ﴿يَكُونُ﴾.
أو ﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدَّم، و﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حال مبيِّنة للعهد، أو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ نصبٌ على الاستثناء، أو جرٌّ على البدل، أو رفعٌ على أنَّه كلام مستدرَك، بمعنى: لكن الذين عاهدتم.
﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هم المستثنون قبله.
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عليه، والفاء الأولى على الوجهين الأوَّلَيْن (^١) عاطفة الجملة على مقدَّر؛ أي: فتربصوا أمرهم فما استقاموا لكم، وعلى الثَّالث فاء الجزاء؛ لتضمين الموصول معنى الشَّرط، و(ما) شرطيَّة، وجزاء الشرط: ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾، أو مصدرية على معنى: فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، والفاء الثانية مكرَّرة للتَّأكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليل للأمر بالاستقامة، وإشعار بأنَّ المحافظة على العهد من لوازم التَّقوى.
* * *
(٨) - ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
_________________
(١) "الأولين" من (م).
[ ٤ / ٣٢٢ ]
﴿كَيْفَ﴾ إعادة للاستبعاد المذكور على وجه الاختصار، على طريقة الاقتصار على ذكر أوَّل الكلام عند انفهام التَّمام بمعونة المقام.
وأمَّا التَّنبيه على العلَّة فحاصلٌ بدون إعادة ﴿كَيْفَ﴾.
والمعنى: كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ولا عهد لله ولرسوله عندهم، وقد عبَّر عن هذا على طريقة إقامة دليل الشيء مقامه بقوله:
﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. أصل الظُّهور: العلوُّ بالغلبة.
﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: لا يراعوا ﴿فِيكُمْ﴾ أصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرَّقيب، ثم قيل: لكل مَن حافظ على الشَّيء (^١) وراعاه: راقبه وارتقبه.
﴿إِلًّا﴾ حلفًا (^٢)، وقيل: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾: عهدًا أو حقًّا يعاب على إغفاله.
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان حالهم المنافية للثَّبات على العهد، وتقديرِ (^٣) عدم مراعاتهم حقَّ الميثاق للحلف (^٤) أو القرابة، والإرضاءُ بالأفواه عبارةٌ عن معاذيرهم الكاذبة ومواعيدهم الباطلة، وإنما ذكر الأفواه لأنها الظاهرة (^٥).
﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ عن الإرضاء حقيقةً بما فيها من العزائم على خِلاف ما قالوا، وإنما قال:
_________________
(١) في (ك): "شيء".
(٢) في (ف) و(م): "خلفًا".
(٣) كذا في النسخ ولعل الصواب: "وتقرير".
(٤) في النسخ: "للخلف"، والصواب المثبت.
(٥) في (ف) و(ك): "المظاهر".
[ ٤ / ٣٢٣ ]
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ لما في بعضهم من التفادي عن الغدر، والتعفُّفِ (^١) عما يجرُّ إلى أحدوثة السُّوء.
وتوصيفُهم بالفسقِ مع أنَّ الشِّركَ أشدُّ منه؛ لرفع شأن الفسقِ في الذَّمِّ، كما أن توصيف الأنبياء ﵈ بالإيمان لرفع شأن الإيمان في المدح، فلا حاجة إلى التَّكلُّف في صرف الفسق عن ظاهره.
* * *
(٩) - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استئنافٌ لبيان فسقِهم، وقد مرَّ تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿فَصَدُّوا﴾؛ أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو منعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا.
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أراد بالسَّبيل: الدِّينَ الحقَّ، والإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف.
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المخصوصُ بالذَّم محذوف، أو ما دلَّ عليه قوله:
* * *
(١٠) - ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [فهو] (^٢) تفسير لـ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا تكرير.
_________________
(١) في النسخ: "التعنت"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٣).
(٢) من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٣).
[ ٤ / ٣٢٤ ]
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: المجاوزون الغايةَ في الظُّلم والشّرارة، والواو للعطف من جهة المعنى على ما تقدم من الجملة الإنشائية.
* * *
(١١) - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، أي: بعد هذا كلِّه إن رجعوا عن الكفر إلى الإيمان ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قد مرَّ تفسيره.
﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.
﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ اعتراضٌ للتَّحريض على تدبُّر ما فُصِّلَ من الآيات، وما بُيِّنَ من أحكام المشركين المعاهدين والتَّائبين، والحثِّ على المحافظة عليه ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيه إشعار بأنَّ العالِمَ مَن تأمَّل تفصيلها، والواو للعطف على مقدَّر، أي: ننزِّل القرآن ونفصِّل الآيات.
* * *
(١٢) - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾.
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ النَّكثُ: النَّقْضُ، وأصله فيما يُفتَلُ ثم يُحَلُّ، فهي في الأيمان والعهود مُستعارَة، وإنَّما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إظهارًا لقبح حال النَّاكثين، حيث عاهدوا ثمَّ أكَّدوا عهدهم بالأيمان.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وأفردَ العهد وجمع الأيمان لأنَّ الأوَّل يكون بالنِّيابة، فعهدُ (^١) مقدَّمِ جماعةٍ يكون عهدًا لهم، دون الثَّاني فلا بُدَّ مِنْ صدور اليمين من كلِّ واحد منهم.
﴿وَطَعَنُوا﴾ الطَّعنُ: هو الاعتماد بالعيب، وأصله (^٢): الاعتماد بالرمح.
﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بصريح التَّكذيب وتقبيح الأحكام؛ أي: أظهروا النَّقض المذكور بالقول، ولا بُدَّ من إظهاره في إباحة القتال، وتخصيصُ الإظهار الأدنى بالذِّكرِ ليُعْلَم الحكم في الإظهار الأعلى، وهو ما يكون بالفعل بالطَّريق الأولى.
ولَمَّا كانَ ذِكْرُ الطَّعنِ في صددِ بيانِ أنَّ نقضَ العهد إنَّما يبيحُ القتل والقتال إذا كان ظاهرًا قولًا أو فعلًا (^٣) لم يكن في الآية دلالة على أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طعنَ في الدِّين يُنكَثُ عهدُه ويُباحُ قتلُه (^٤).
﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وضع الظَّاهر موضع الضَّمير للدلالة على أنَّ سياقَ الكلام في رؤسائهم، بناءً على أنَّ المعاهدة إنَّما تكون لهم (^٥) بحسب العادة، فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ تمهيدٌ له.
ولك أنْ تقول: إنَّ الجزاءَ في الحقيقة: فاقتلوهم، ولَمَّا كان قتلهم مسبوقًا بمقاتلة مقدَّميهم، ودفع مدافعة رؤسائهم من البين، نزَّلها منزلةَ الجزاء على طريقة الكناية بذكر الملزوم عن اللازم.
_________________
(١) كتب فوقها في (م): "فهو" ومعه علامة التصحيح.
(٢) في (ف): "أصله".
(٣) في (ك) و(م). "وفعلا".
(٤) في هامش (ف): "ومن لم يتنبه لهذ قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال".
(٥) في (ف) و(م): "بهم".
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وقرئ: ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين، والأفصح جعل الثَّانية بينَ بين (^١)، وأمَّا التَّصريح بالياء فلحنٌ صريحٌ (^٢).
﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ تعليلٌ لِمَا ذكر على طريقة تنزيل الشيء الخالي عن التأثير منزلة العدم (^٣)؛ أي: لا أثرَ لعهودهم في المنع عن قتلهم بعد النَّكث، فلا دلالة فيه على أن يمين الكافر ليس بيمين.
وقرئ: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ بالكسر (^٤)؛ يعني أنَّ المانعَ عن قتلهم أخذُ العهد - وقد نقضوه - والإيمانُ، ولا وجود له.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، أي: ليكن غرضُكم في قتالهم
_________________
(١) أي: بين مخرج الهمزة والياء، وقد قرأ بتحقيق الهمزتين حيث وقع حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر، وأدخل هشام بينهما ألفًا، أما قراءة بين بين فقد قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو كما في "التيسير" (ص: ١١٧)، لكن ذكر في "النشر" (١/ ٣٧٩) خلافًا بين الرواة عمن قرأ بين بين، فذهب الجمهور من أهل الأداء إلى أنها تجعل بين بين، وذهب آخرون إلى أنها تجعل ياء خالصة، وهذا الوجه الثاني لم يذكره الداني في "التيسير" لكنه أشار إليه في "جامع البيان" كما ذكر ابن الجزري. وانظر: "جامع البيان في القراءات السبع" للداني (٢/ ٥١١).
(٢) هذا كلام الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٢٥١)، وتابعه البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٧٣). وقد ردَّ الأئمة على الزمخشري، فقال أبو حيان في "البحر المحيط" (١١/ ٢٠٩): وذلك دأبه في تلحين المقرِئين، وكيف يكون ذلك لحنًا وقد قرأ به رأس البصريين النُّحاة أبو عمرو بن العلاء، وقارئ مكَّة ابن كثير، وقارئ مدينة الرسول ﷺ نافع؟! وانظر أيضًا في الرد عليه كلام الآلوسي في "روح المعاني" (١٠/ ٢٤٤).
(٣) في هامش (ف): "ومن لم يتنبه لهذ قال ما قال. منه".
(٤) وهي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٧).
[ ٤ / ٣٢٧ ]
انتهاءَهم (^١) عمَّا هم عليه من الكفر والوِزْرِ وسائر العظائم، لا إيصالَ الأذية بهم، كما هو طريق المُؤْذِين.
* * *
(١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ معنى الهمزة الدَّاخلة على نفي القتال: الإنكار والتَّوبيخ، فيفيد المبالغة في الحثِّ والتَّحريض عليه، وتعديدُ الصفات الموجبة له من نكثِ الأيمان، والهمِّ بإخراجه ﵇، والبدء بالقتال، تقويةٌ وتأكيدٌ لذلك (^٢).
﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ التي حلفوها مع الرَّسول ﵇ والمؤمنين على أن لا (^٣) يعاونوا عليهم، فعاوَنوا بني بكر على خزاعة.
﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ حين تشاوَروا بمكَّة في أمره، حتى أذِنَ الله تعالى له ﵇ في الهجرة.
﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة والمقاتَلة؛ لأنَّه ﵇ بدأهم بالدَّعوة، وتحدَّاهم بالكتاب، وألزمهم بالحجَّة، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة، فهم البادون بالقتال.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتتركون قتالهم خشيةَ أنْ ينالكم منهم مكروه (^٤)، والخشيةُ:
_________________
(١) في النسخ: "انتهاؤهم"، والصواب المثبت.
(٢) في (م): "وتأكيدًا بذلك".
(٣) "لا" من (ك)، وفي هامش (م): "لعل لفظ (لا) ساقط".
(٤) في (ف) و(ك): "ينال مكروه".
[ ٤ / ٣٢٨ ]
انزعاجُ النَّفس لتوقُّع ما لا يُؤمَن مِنَ الضَّرر، وإدخال الهمزة إنكارٌ للخشية، وإيماءٌ إلى منافاتها للإيمان، على ما صرَّح به بعدَه بقوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ الإيمان يستلزم تخصيصَ الخشيةِ باللهِ تعالى، وعدمَ المبالاة بغيره.
وفيه جمعٌ بينَ التَّقريع والتَّشجيع، وهو أبلغ في التَّحريك.
ولَمَّا بالغَ في التَّوبيخ على ترك القتال وبيَّن موجباته، جرَّدَ لهم الأمرَ به صريحًا، ووعَد لهم النَّصر والغلبة، وتعذيبَ الكفار بأيديهم؛ ليكون أوقعَ في نفوسهم، وأشدَّ تثبيتًا لقلوبهم، وتقويةً لعزائمهم، فقال:
* * *
(١٤) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ قتلًا ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ الخزيُ: ذلٌّ يُستحيى منه.
﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّصرُ: المعونةُ بدفع الضَّرر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى التَّغليب.
﴿وَيَشْفِ﴾ الشِّفاءُ: ملاءمةُ النَّفس بما يزيل عنها الأذى.
﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وهم خزاعة، وجه تخصيصهم: أنَّهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان فيهم مؤمنون كثير، وتخصيص المؤمنين منهم بالذِّكر لأنَّ المقصودَ أصالةً شفاءُ صدورِهم.
* * *
[ ٤ / ٣٢٩ ]
(١٥) - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِمَا لقوا منهم من المكروه الغيظ (^١).
أمرَهم بالقتال، ووعدَ عليه هذه الأشياء، وأنجزَ ما وعدَ، فكان الإخبار بذلك من المعجزات.
﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كلامٌ مبتدأٌ، وإخبارٌ بأنَّ بعضَ أهل مكَّة يتوبُ ويقبلُ الله توبته لصدقها. وكان ذلك أيضًا منفصلًا عمَّا قبله لفظًا، ولكنَّه متَّصلٌ به معنى (^٢)؛ أي: ومن فوائد القتال أنَّه يتوبُ بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه.
وقرئ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ بالنَّصب (^٣)، على إضمار (أن)، وعلى دخول التَّوبة في جملة ما أجيب به الأمر من حيث المعنى.
﴿وَاللَّهُ﴾ العدول عن الضمير للتَّفخيم ﴿عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يلحقه خطأٌ.
* * *
(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) قوله: "الغيظ" كذا في النسخ، ولا يظهر لها ارتباط بسابقها ولا بلاحقها، ولعل كلامًا سقط من النسخ، أو أراد أن يذكر شيئًا ثم سها عنه، وقد قال في "البحر" (١١/ ٢٣١): (وإذهابُ الغيظِ بما نال الكفارَ من المكروه، وهذه الجملةُ كالتأكيدِ للَّتي قَبْلها؛ لأنَّ شفاءَ الصدرِ من ألم الغيظِ هو إذهابُ الغيظِ).
(٢) "معنى" سقط من (ك).
(٣) رويت عن أبي عمرو ويعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ١٧٨).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ تتضمَّن إضرابًا عن اللفظ الأوَّل، لا عن معناه، واستفهامًا فهي تسدُّ مسدَّ (بل) والألفِ للاستفهام، والاستفهامُ (^١) هنا للتَّوبيخ على حسبانهم.
﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ بحالكم (^٢)؛ أي: أخطأتم في ظنِّكم أنَّكم تُترَكون على ما أنتم عليه دون اختبارٍ وامتحان؛ فإنَّكم لا تُترَكون حتى يتميَّز الخُلَّصُ الذين جاهدوا منكم في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا بطانةً من الذين يضادُّون رسول الله والمؤمنين (^٣) يوالونهم ويُفشون إليهم (^٤) أسرارهم، من غيرهم (^٥).
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: وما في ﴿وَلَمَّا﴾ مِنْ معنى التَّوقُّع منبِّهٌ (^٦) على أنَّ تبيُّن ذلك متوقَّع؛ أي: لم يتبيَّنِ الخُلَّصُ منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، لِمَا لنفي العلم مع التوقُّع، والمراد به المبالغة في نفي المقاوم على طريق البرهاني؛ لأنَّه لو وقع لكان معلومًا له، فلمَّا لم يُعلَم لزم عدمُ وقوعه.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطفٌ على ﴿جَاهَدُوا﴾، داخل في الصلة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: بطانةً من الولوج، وهو الدُّخول، ووَلِيْجُكَ: صديقُكَ الذي تُطلعُه على ما في داخلِ قلبِك.
_________________
(١) في (ف): "وألف الاستفهام".
(٢) في النسخ: "بحالهم"، والصواب المثبت.
(٣) في (ف) و(ك): "يتعادون رسول الله والمؤمنون"، وفي (م): "ينقادون رسول الله والمؤمنون". والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢٥٣).
(٤) "إليهم" سقط من (ك) و(م).
(٥) "من غيرهم"، متعلق بـ "يتميز".
(٦) في (م): "مبني".
[ ٤ / ٣٣١ ]
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيعلم عملَ المجاهدين المخلصين قبلَ وقوعه، فهو كالمُزيح لِمَا يقعُ في الوهم من الشُّبهة في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾.
* * *
(١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾: ما صحَّ لهم ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: شيئًا منها، فضلًا عن المسجد الحرام، والمراد هو، وإنما جُمع لأنَّه قِبْلَةُ المساجد كلِّها وإمامُها، فعامرُه كعامر الجميع.
وقراءتها بالتوحيد في الموضعين (^١) يوافق المعنيَيْن؛ لأن تعريفه يحتمل العهد والجنس.
﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ حال من الواو، وفيه إشارة إلى حالهم المنافية؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةِ بيت الله تعالى، وعبادةِ غيره.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التي يفتخرون بها من العمارة والحجابة والسِّقاية وفكِّ العُناة؛ لأنَّ الكفر الطَّارئ يهدِمُ الأعمال، فكيف بالمقارِن؟
﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ لكفرهم، دون العصاة من المؤمنين.
* * *
_________________
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب الأولَ على التوحيد، وباقي العشرة على الجمع، ولا خلاف على الجمع في الثاني بينهم، إلا رواية ذكرها ابن مجاهد عن ابن كثير في غير المشهور عنه أنه قرأ بتوحيد الثاني. انظر: "السبعة" (ص: ٣١٣)، و"التيسير" (ص: ١١٨)، و"النشر" (٢/ ٢٧٨).
[ ٤ / ٣٣٢ ]
(١٨) - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ أي: لا يستقيم ولا يصحُّ عمارة مساجد الله تعالى إلَّا ممَّن آمن، وجمعَ بين الكمالات العلميَّة والعمليَّة.
والإيمان باليوم الآخر المتضمِّنُ للتَّصديق بالمعاد الجسماني لا يكون إلا بطريق السَّمع، فهو بهذا الاعتبار يشمل الإيمان بنبيِّنا ﵇؛ لأنَّ المعاد الجسماني لم يُذكَر في غير القرآن من الكتب السَّماوَّية (^١)، هذا هو الوجهُ لعدم ذكر الإيمان به ﵇، وأمَّا قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فلم يغنِ عنه؛ لأنهما يجوز أنْ يُؤخَذا من سائر الشَّرائع.
والعمارةُ تتناول رمَّ ما استَهدمَ منها، وتنظيفَها، وتنويرها بالمصابيح، وتمهيدَ الفُرُش، وإقامةَ الصلوات، وإقامةَ الذِّكر وتلاوة القرآن ودراسة العلوم، وصيانتَها مما لم تُبْنَ له كحديث الدُّنيا وسائر الفضول.
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ المراد من الخشية: هو الرَّهبة والهيئة والانقماعُ اللَّازمة من تصوُّر عظمة الله تعالى، لا الانفعالُ الجِبِلِّيُّ الذي هو الخوف؛ فإنه ليس بإراديٍّ، وأمَّا هذه فإنَّه من لوازم التَّقوى؛ لأنَّ عِظَمَ الخالق في قلب المؤمن يصغِّرُ المخلوق في عينه، فلا خشية له من غيره.
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ في ذكره بصيغة التَّوقُّع قطعٌ لأطماع
_________________
(١) لم أقف على هذا التعليل عند أحد من المفسرين، وهو غريب فكيف لا يذكر في الكتب السماوية مثل هذا الأمر العظيم الذي هو من أركان الإيمان التي اتفقت عليها الشرائع كلها.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
المشركين في الاهتداء، وتبعيدٌ لهم عن مظانِّه؛ لأن الموحِّدين المخلِصين في الأعمال إذا كان اهتداؤهم دائرًا بعسى ولعلَّ، فكيف يطمع فيه المشركون بأعمالهم المبنيَّة على الافتخار والرِّياء والمباهاة، والتَّقرب بها إلى العُزَّى واللَّات؟ ومنعُ (^١) المؤمنين أن يغترُّوا بأحوالهم، ويتَّكلوا عليها.
* * *
(١٩) - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: السقاية والعمارة مصدران، والحدَث لا يُشَبَّهُ بالجثَّة، فلا بُدَّ مِنْ مُضْمَرٍ مَدلولٍ عليه بقرينةِ الفعلِ (^٢) محذوفٍ للإيجاز، تقديرُه: أجعلتم أهلَ سقاية الحاجِّ وعمارةِ المسجد الحرام كمَن آمن، ويعضدُه قراءة: ﴿سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ﴾ (^٣)، أو: سقايةً كإيمانِ مَنْ آمنَ.
والمعنى: إنكار أنْ يتشبَّه المشركون وأعمالُهم المحبَطةُ بالمؤمنين وأعمالِهم المثبَتةِ (^٤).
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تقريرٌ لذلك وتأكيدٌ له، وبيَّن عدمَ تساويهم بقوله:
_________________
(١) "ومنع"، معطوف على "قطعٌ".
(٢) في (ف) و(ك): "العقل".
(٣) نسبت لأبي وجزة السعدي. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٨).
(٤) في (ك): "المسة"، وفي (ف): "المشية"، وفي (م): "المشبة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٥).
[ ٤ / ٣٣٤ ]
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفرةُ ظَلَمَةٌ بالشِّركِ ومعاداةِ الرَّسول ﵇، منهمِكون في الضَّلالة، فكيف يساوون الذين هداهم اللهُ تعالى ووفَّقهم للحقِّ والصَّواب؟
وقيل: المرادُ بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: الذين يسوُّون بينهم وبين المؤمنين، وإنَّما قال: ﴿لَا يَهْدِي﴾ تنزيلًا للهداية الواقعة في حقِّهم منزلةَ العدم؛ لعدم ترتُّب الأثر عليها.
* * *
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ من أهل السقاية والعمارة عندكم أو ممَّن ليس كذلك، فيندرج فيه أهلهما اندراجًا أوَّليًّا لكونهم مشركين.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: المختصُّون بالفوز دونكم، أو دون مَن عداهم.
والفوزُ: بلوغُ البغية؛ إمَّا في نيلِ مرغوبٍ أو نجاةٍ عن مكروهٍ، والمراد هنا: الفوزُ الكاملُ، فينتظِمُهما.
* * *
(٢١) - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا﴾: في الجنَّات (^١) ﴿نَعِيمٌ﴾ النَّعيم: لينُ العيشِ ورَغدُه ﴿مُقِيمٌ﴾: دائمٌ.
_________________
(١) في هامش (م): "ويحتمل أن يكون المذكور مشرَّكًا بين المعطوفين، كما في قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ".
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وتنكيرُ المبشَّرِ به للتَّعظيم، وكونِه فوقَ وصفِ الواصفِ وتعريفِ المعرِّف.
وفي إسنادِ البِشارة إلى ربهم زيادةُ (^١) تعظيمٍ للمُبَشَّرِ به وتكريمٍ للمُبَشَّرِ.
وبيانُ كونِ الرَّحمة منه تعالى مع كونه معلومًا لا يخلو عن قصدِ التَّعظيم لها، وإنَّما أطلق الرِّضوان لينتظمَ نوعيه المذكورين في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
* * *
(٢٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أكَّد الخلودَ بالتَّأبيد؛ لآنَّه قد يُستَعمل للمُكثِ الطَّويل.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُستحقَر دونه (^٢) الأجور الدنيوية.
* * *
(٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عن ابن عباس ﵄: هي في المهاجرين خاصَّة (^٣). كان قبلَ فتح مكَّة (^٤) مَنْ آمنَ لم يتمَّ إيمانُه إلَّا بأنْ يُهاجِر، ويُصارِمَ أقاربَه الكفرةَ، ويقطع موالاتهم.
ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب في البشر أنَّ الأبناء هم التَّبع للآباء.
_________________
(١) "زيادة" من (م).
(٢) في (ف): "عنده".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٧٧)، و"الكشاف" (٢/ ٢٥٦).
(٤) في (ك): "الفتح".
[ ٤ / ٣٣٦ ]
والمعنى: لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان ويصدونكم عن الطاعة؛ لقوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾؛ أي: اختاروه وآثَروه ﴿عَلَى الْإِيمَانِ﴾ فتعديتُه ب ﴿عَلَى﴾ لتضمينه معنى الاختيار والإيثار (^١).
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم (^٢) الموالاةَ غيرَ موضعها، على خلاف أمر الله تعالى (^٣).
لمَّا ورد التشديد في أمر المهاجرة قالوا: يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا مَن خالفَنا في الدِّين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخَرِبت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت (^٤).
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ ذُكر الأبناء في هذه الآية لمَّا جلبَتْ (^٥) ذكرَهم المحبَّةُ، والأبناءُ صدرٌ في المحبَّة.
﴿وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: أقرباؤكم، مأخوذ من العِشْرة، وقيل: من العَشَرة؛ فإنها جماعة ترجع إلى عقدٍ واحدٍ، كعَقْدِ العَشَرةِ.
_________________
(١) في هامش (ف): "لا لاعتبار التحريض بما يوهم عبارة القاضي".
(٢) في (ك): "بوضعهم".
(٣) في هامش (ف): "لا بد من هذه الزيادة حتى يتجاوز الظلم عن حده اللغوي إلى حده الشرعي".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٧٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٥)، و"الكشاف" (٢/ ٢٥٦).
(٥) في (م): "جبلت".
[ ٤ / ٣٣٧ ]
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: اكتسبْتُموها، وأصل الاقتراف: اقتطاعُ الشَّيءِ من مكانه إلى غيره.
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ يعني: ما اشتريتُموه طلبًا للربح تخافون وقوفها وخسرانها بفواتِ وقت نَفاقها.
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: منازلُ تعجبكم الإقامة فيها.
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ أرادَ الحبَّ الاختياريِّ دونَ الطبيعيِّ؛ فإنه لا يدخل تحتَ التَّكليف والتَّحفظ.
﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ فيه دلالةٌ ظاهرة على أن سياق الكلام في الحضِّ على الهجرة.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ جوابٌ ووعيدٌ. والتَّربُّصُ: التَّوقُّف على الانتظار.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بعقوبةٍ (^١) عاجلةٍ وآجلةٍ، وفي العدول عن: حتى يأتيَ أمرُ الله، إلى ما ذكر تفخيمٌ للأمر.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فيه تنزيلٌ لوجود الهداية في حقِّهم (^٢) منزلةَ العدم؛ لعدم الأثر.
وفي الآية تشديد عظيم، وقلَّما يُتخلَّص عنه (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "وبعقوبة".
(٢) "في حقهم" سقط من (ك).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٦) وفيه: (وقل من يتخلص منه)، وفي "روح المعاني" (١٠/ ٢٧٠): (والآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه).
[ ٤ / ٣٣٨ ]
(٢٥) - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الموطنُ: موضعُ الإقامة، ومواطن الحروب: مواقفها، وهي المراد هنا.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، أي: وموطنَ يومِ حنين، أو التقدير: في أيامِ مواطن كثيرةٍ ويومِ حنين، لتناسُب الأمكنة والأزمنة (^١)، فيقع حرف النَّسق موقعه، ويجوز أن يُرَاد بالموطن: الوقت، كـ: مقتل الحسين.
﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، ولا يَمنَعُ إبدالَه منه عطفُه على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾؛ إذ لا يقتضي العطفُ اشتراكَهما فيما أضيف إليه المعطوف، فلا يلزم أن يكون إعجابها إيَّاهم في جميع المواطن.
وحنين: وادٍ بين مكَّة والطَّائف، قيل: انهزم المسلمون يومئذ وهم اثنا عشر ألفًا، وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلَّا عمُّه العبَّاس وابنُ عمِّه أبو سفيان ﵄ (^٢).
وليس الأمر (^٣) كما قِيل، فإنَّ الثَّابتين معه ﵇ كانوا عشرة رجال (^٤)،
_________________
(١) في (ف) و(م): "أو الأزمنة".
(٢) رواه مسلم (١٧٧٥) من حديث العباس ﵁، وفيه: "فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه". لكن لا يعني ذكر هذين الصحابيين الجليلين في الحديث عدم وجود غيرهم ممن ثبت مع رسول الله ﷺ كما سيرد التنبيه عليه لاحقًا.
(٣) "الأمر" سقط من (ك).
(٤) عدهم القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٤) فقال: (وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي =
[ ٤ / ٣٣٩ ]
وقد أفصح عنه العبَّاس ﵁ في قوله:
نَصَرْنا رسولَ اللهِ في الحربِ تسعةً … وقدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ منهم وأَقْشَعوا
وعاشرُنا لاقى الحِمامَ بنفسِهِ … بما مَسَّهُ في اللهِ لا يتوجَّعُ (^١)
وذلك العاشر أيمنُ ابنُ أم أيمن ﵁.
قال البراء بن عازب ﵁: لقد رأيته ﵇ وإنه على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها، والنبيُّ ﵇ (^٢) يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب" (^٣)، أوَّلُ قوله تثبيتُ المسلمين عامَّة، وآخرُه تثبيتُ عمِّه وابنِ عمِّه خاصَّة؛ فإنَّ في ذِكْرِ جدِّه إشعارًا بأنَّ مَنْ كان من نسله حقُّه القَرار دونَ الفِرار (^٤)، وهذا آيةُ غايةِ الشجاعة، حيث لم يُخْفِ اسمَه ونسبَه (^٥) في تلك الحالة، ولم يَخَفِ الكفَّارَ على نفسِه.
_________________
(١) = والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد - وهو أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ بحنين - وربيعة بن الحارث والفضل بن عباس، وقيل في موضع جعفر بن أبي سفيان: قثم بن العباس). وفي عددهم خلاف، أنقص بعضهم عمن ذكر وزاد آخرون حتى أوصلوهم إلى مئة رجل. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٨/ ٣٠).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٨/ ٣٠). وانظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ١٦٤)، و"الاستيعاب" (٢/ ٨١٣)، و"أسد الغابة" (١/ ١٨٩)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٤٥)، والأول في "العمدة" لابن رشيق (ص: ٣٦)، وفيها جميعًا عدا القرطبي: (سبعة) و(فر عنه) و(وثامننا)، بدل: "تسعة" و"فر منهم" و"عاشرنا".
(٣) "والنبي ﵇" من (م).
(٤) رواه البخاري (٢٨٧٤)، ومسلم (١٧٧٦).
(٥) "دون الفرار" من (م).
(٦) "اسمه ونسبه": ليست في (م).
[ ٤ / ٣٤٠ ]
﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: تلك الكثرة ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء، أو: من أمر العدو.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: بِرُحْبِهَا؛ أي: من الخوف، كما قال الشاعر:
كَأنَّ بِلادَ اللهِ وَهيَ عَرِيْضَةٌ … عَلَى الخَائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ (^١)
والرُّحب بالضم: السَّعة، وبالفتح: الواسع.
والجار والمجرور في محلِّ الحال؛ أي: مُلْتبسة بِرُحْبِها، ومعنى ضيق الأرض عليهم مع سعتها: أنهم لا يجدون فيها مَنجًى ولا مَهربًا يرتضونها (^٢)؛ لِفرْطِ الرُّعب، فكأنها ضاقت عليهم، أو (^٣) لا يثبتون فيها كمَن لا يسعه مكانُه.
﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ الكفَّارَ ظهورَكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾: منهزمين، والإدبار: الذَّهاب إلى خِلاف الإقبال.
* * *
(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي سكنوا بها وأمنوا ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
_________________
(١) نسب للبيد في "ثمار القلوب" (ص: ٦٣٠)، و"محاضرات الأدباء" (٢/ ٣٧٠)، ولرزين العروضي الشاعر في "معجم الأدباء" (٣/ ٣٣٥).
(٢) "يرتضونها" سقط من (ك).
(٣) في (ك): "و".
[ ٤ / ٣٤١ ]
الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين انهزموا، وقيل: الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الهرب، وتكرير ﴿عَلَى﴾ تنبيه على اختلاف الحال (^١).
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأعينهم، والجنودُ: الجموعُ التي تصلح للحرب، والمراد هنا: الملائكة.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتلِ والأسرِ والسَّبي.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ما فُعل بهم جزاءُ كفرهم في الدنيا.
* * *
(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: الجريمة العظيمة ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَّوفيق للإسلام، وهم ناس منهم (^٢).
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يتجاوز عنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يتفضَّلُ عليهم.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ مصدر، والأفصح أن يجعل ﴿نَجَسٌ﴾ خبرًا على أنهم النَّجاسة بعينها، والمعنى: أنه يجب أن يُجتنَبَ عنهم كما
_________________
(١) في (م): "وتكرير الجار على اختلاف الحال"، وصحح في هامشها إلى المثبت.
(٢) في هامش (ف): "روي أنهم جاؤوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا … إلخ".
[ ٤ / ٣٤٢ ]
يُجتنبُ عن النَّجاسة، إلَّا أنَّه بُولِغَ في وصفهم بها، فجُعلوا عينَها للتَّنفيرِ وبيانِ وجوب تبعيدهم عن المسجد.
وقرئ: (نِجْس) بكسر النون وسكون الجيم (^١)، وهو تخفيفُ نَجِسٍ نعتًا، وأكثر ما جاءه تابعًا لرِجْسٍ، وعلى هذه القراءة لا بُدَّ من تقدير موصوفٍ (^٢) كـ: جِنْسٌ، أو ضَرْبٌ.
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الفاء للسببية، أي: فلا يَقْرَبوه بسبب أنهم عينُ النَّجاسة، والنَّهيُ عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم، وهو مذهب عطاء، والمراد من نهيهم أن يقربوه: نهيُ المسلمين عن تمكينهم منه، ولهذا صدِّر الكلام بالخطاب لهم، فلا دلالة فيه على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالفروع.
وقيل: المراد: المنع عن الحج والعمرة، وعليه أبو حنيفة، ويؤيِّده قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فإنَّه لولا هذه الإرادةُ لكان مقتضَى التفريع المذكور انتظامُ النَّهي لبقية أيام هذا العام أيضًا.
والإشارة إلى سنة عشرٍ، وقيل: إلى سنة تسع.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: فقرًا. وسببُ وروده: أنَّ المسلمين حين مَنعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذفَ الشَّيطان في نفوسهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله تعالى أن يُغنيَهم من فضله (^٣).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٢).
(٢) في (م): "موصوف له".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢١).
[ ٤ / ٣٤٣ ]
قال الضَّحَّاك: ففتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] (^١).
وقرئ: (عائلةً) (^٢)، وهو مصدرٌ كالعاقبة، أو نعتٌ لمحذوفٍ؛ أي: حالًا عائلة.
﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: من عطائه أو تفضُّلِه بوجهٍ آخر، وقد أنجز وعدَه بأن فتحَ عليهم بابَ أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة، وأخذِ الغنيمة من دار (^٣) الحرب، أو وفَّق (^٤) أهل تَبالةَ وجُرَشَ فأسلموا وامتاروا لهم.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ قيَّده بالمشيئة لا ليُتنبَّه على (^٥) أنه متفضِّل في ذلك؛ لأن قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ صريحٌ في ذلك، بل لتنقطعَ الآمال إليه، ويُتنبَّه على وجه اختلاف الأحوال والأعوام والأشخاص والأقوام.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكمَ وأرادَ.
* * *
(٢٩) - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٠٢)، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٧٧٧)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٨).
(٢) نسبت لابن مسعود. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٢)، و"المحتسب" (١/ ٢٨٧).
(٣) في (م): "من أهل درب".
(٤) في (ك): "ووفق".
(٥) "على" سقط من (م).
[ ٤ / ٣٤٤ ]
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: لا يؤمنون بهما على وجهٍ يصحُّ ويُقبَلُ، على ما مَرَّ بيانُه في أوائل سورة البقرة، وإنما قال: ﴿قَاتِلُوا﴾ دون (اقتلوا) إشارة إلى اختصاص الجزية التي ينتهي عندها القتال بمن (^١) تَحتمِل بِنيتُه الحرابَ، فلا جزية على المرأة والصَّبي والشَّيخ الفاني.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لم يقل: (أو رسوله) لأنَّه ﵇ لم يحرِّم شيئًا إلا بالوحي على المذهب الصحيح، فليس المعنى: ما حرَّمَ اللهُ بالكتاب ورسولُه بالسُّنَّة؛ لِمَا في هذا التوزيع من إيهام استقلاله ﵇ في التَّحريم.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثَّابت، الذي هو ناسخٌ سائرَ الأديان ومبطلُها.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وتأكيدٌ للحجَّة التي لا بُدَّ من تقديمها على القتال؛ لأنهم كانوا يجدونه ﵇ في التَّوراة والإنجيل، فلا دلالة فيه من جهة المفهوم على اختصاص قَبول الجزية بأهل الكتاب، كما لا دلالة فيه على اختصاص وجوب القتال بهم.
بيَّنَ في الآية السَّابقة قتالَ المشركين وبيَّنَ في هذه الآية (^٢) قتال اليهود والنصارى، ولو قال: قاتِلوا أهل الكتاب، لكفى، وإنما أَطنب بذكر هذه الأوصاف الذَّميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنها صفات توجب البراءة منهم والعداوة لهم (^٣).
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: إلى أن يَقبلوها، وهي عطيةُ عقوبةٍ جزاءً على الكفر،
_________________
(١) في (ك): "ممن".
(٢) "الآية" من (م).
(٣) في هامش (ف): "وجه التفريع هو أن مبنى المفهوم على أن لا يكون للقيد فائدة أخرى".
[ ٤ / ٣٤٥ ]
على ما وظَّفه رسول الله ﷺ على أهل الذِّمَّة، وهي على وزن جِلْسَة وفِقْرَة لنوعٍ من الجزاء.
وقيل: من جزى يجزي: إذا كان أهدى إليه، كأنهم أُعطوها جزاءَ ما مُنِحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
يَجْزِيكَ أو يُثْنِي عليكَ وإنَّ مَن … أَثْنَى عليكَ بما فَعَلْتَ كمَن جَزَى (^١)
مَدَّ وجوبَ القتالِ إلى هذه الغاية، وهذا حكمُ أهل الكتاب بالنَّصِّ، وحكمُ المجوس كذلك بالخبر، وهو قوله ﵇: "سُنُّوا بالمجوسِ سُنَّةَ أهلِ الكتابِ غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبائِحهم" (^٢).
_________________
(١) أحد أبيات ثلاثة أنشدتها أم المؤمنين عائشة ﵂ أمام النبي ﷺ كما روى ذلك الطبراني في "الأوسط" (٣٥٨٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩١٣٨). واختلف في نسبة هذه الأبيات: فنسبت لورقةَ بن نوفل كما في "نسب قريش" للزبيري (٦/ ٢٠٧)، و"قضاء الحوائج" لابن أبي الدنيا (٧٥). ونسبت لابن غريضٍ اليهوديِّ كما في "قضاء الحوائج" لابن أبي الدنيا (٧٦)، و"المجروحين" لابن أبي حاتم (رقم: ٤٤٩). ونسبت لزهير بن جناب الكلبي كما في "العقد" لابن عبد ربه (١/ ٢٢٦)، و"المجالسة وجواهر العلم" (١/ ١١٩). قال الأصبهاني في "الأغاني" (٣/ ١٠٨): الشعر لغريض اليهودي وهو السمو أل بن عادياء، وقيل: إنه لابنه سعية بن غريض، وقيل: إنه لزيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: إنه لورقة بن نوفل، وقيل: إنه لزهير بن جناب، وقيل: إنه لعامر بن المجنون الجرمي، الذي يقال له: مدرج الريح، والصحيح أنه لغريض أو لابنه.
(٢) روى بمعناه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٦٣٢٥) عن الحسن بن محمد يرفعه، وهو مرسل. وشطره الأول دون الاستثناء رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٢٧٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁. وفي سنده انقطاع كما نبه على ذلك ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١١٤) قال: لكن معناه متصل من وجوه حسان. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ٣٥٤): (تبين أن الاستثناء في حديث عبد الرحمن مدرج). وانظر كلامه على الحديث ثمة.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ولا يجوز هذا في مشركي العرب؛ لقوله ﵇: "لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف" (^١).
ويجوز في الهنود (^٢) والأتراك والدَّيلم (^٣) عندنا، خلافًا للشافعي، وعند مالك (^٤): يُؤْخَذْ مِنْ كلِّ كافرٍ إلَّا المرتدَّ.
﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ من الضمير، واليدُ مجازٌ عن القوَّة والقدرة، والمراد قدرة المعطي، وفائدته الإشارةُ إلى أنَّه لا جزيةَ على الفقير العاجز عن الكسب، وإن كان بنيتُه بنيةَ الحراب، وهذه الإشارة من مقتضيات المقام، فلا وجه لتفويتها (^٥) بحمل القيد المذكور على معنًى آخر، كمعنى الإنعام عليهم، ومعنى الطَّاعة والانقياد، ومعنى التسليم بنفسه، على أنَّ هذين المعنَيَين الأخيرَيْن من لوازم القيد الآتي ذكرُه، فلا حاجة لإفادته إلى زيادة قيدٍ آخرٍ.
ومن هنا تبيَّنَ أنَّه لا وجهَ لأنْ يكون المرادُ من القدرة على تقدير الحمل عليها: قدرةَ الأخذِ.
وأما معنى: نقدًا مسلَّمةً عن يدٍ إلى يدٍ، على أنه حال من الجزية، فلا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن الغاية حقيقةً (^٦) هي التَّقبُّل والالتزام، دونَ العطاءِ بالفعلِ.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: الصَّغارُ: الذُّلُّ والنَّكال الذي يصغِّر قدرَ صاحبه؛ أي: وهم
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١١٧ - ١١٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في هامش (م): في نسخة: "اليهود".
(٣) "والديلم" سقط من (م).
(٤) في (م) زيادة: "اليهود والديلم"، ولا معنى لها.
(٥) في (ك) و(م): "لتقويتها"، ولعله تحريف.
(٦) في "حقيقة" من (م).
[ ٤ / ٣٤٧ ]
أذلَّاء، يأتون لأداء الجزية مشاةً لا ركبانًا، ويؤدُّون قيامًا والآخذ قاعدًا، ويؤخَذ بِلُببهِ عند الأخذِ، ويُحرَّك ويُقال: أدِّ الجزية يا يهوديُّ، أو يا نصرانيُّ.
والجزيةُ على ثلاثِ مراتبَ: على المعتمِل بالسَّنة اثنا عشر درهمًا، وعلى وسط الحال أربعةٌ وعشرون درهمًا، وعلى كامل الحال ثمانية وأربعون درهمًا. كذلك وظَّفها عمر ﵁ (^١).
وبهذه الجزية أغناهم الله تعالى عن العَيلة، وهو وجه اتِّصال هذه الآية بالأولى.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ إنما (^٢) قال بعضهم من متقدِّميهم، أو ممَّن كان بالمدينة: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، وسقط التَّنوين بمنع الصَّرف للعُجمة والعَلَميَّة، ومَنْ نوَّنه من القرَّاء جعله عربيًّا (^٣)، أو لأنَّ ﴿ابْنُ﴾ صفةٌ له، وعلى هذا يكون الخبر متروكًا غيرَ ملفوظٍ ولا ملحوظٍ، وقَصْرُ النقل على هذا القَدْرِ من كلامهم لتجريد الإنكار للتوصيف المذكور، وفيه إيهامُ التبعيد لكلامهم عن حيِّز التَّمام، وتمهيدٌ للمقصودِ من زيادة قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ على أحد الوجهَيْن الآتي ذكرُهما (^٤).
_________________
(١) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (٤/ ٢٩٠)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٥/ ٣٣١)، و"المبسوط" للسرخسي (١٠/ ٧٨).
(٢) في (م): "وإنما".
(٣) قرأ بالتنوين عاصم والكسائي، والباقون بتركه. انظر: "التيسير" (ص: ١١٨).
(٤) في هامش (ف): "من قال: والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا =
[ ٤ / ٣٤٨ ]
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهو أيضًا قولُ بعضِهم.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؛ يعني: أنَّهم يذكرونه صريحًا؛ لأنَّه يفهم بطريق الاستدلال من بعض أفعالهم، فهو لرفع التَّجوُّز في المسند، فغنه أهمُّ من رفع التَّجوُّز في الإسناد.
ونسبة القول إلى الأفواه دون الألسنة لأنَّ النسبة أولى وأشمل وأكمل (^١)؛ فإنَّ مِنَ الأقوال ما لا حاجة في التَّلفظ به إلى اللِّسان.
ويجوز أن يكون المراد: أنَّه قولٌ لا حقيقةَ له ولا معنى، كالمهملات الملفوظة التي تخرج من الأفواه ولا معنى لها في القلوب.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تقديره: يضاهي قولُهم قولَ الذين كفروا، فحذف المضاف وأُقِيمَ المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا، هذا ما قالوا، وعندي أنَّه على طريقة: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهديهم في الكيد، فالمعنى: يضاهونهم (^٢) في القول، والمضاهاةُ: المشابهةُ.
وقرئ بالهمزة (^٣)، من قولهم: امرأة ضَهياءُ، وهي التي ضاهأتِ الرِّجال في أنها لا تحيض.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قَبْلِهم، والمراد: المشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
_________________
(١) = مع تهالكهم على التكذيب، فقد استضاء بالمصباح عند طلوع الصباح؛ حيث لم يقنع بما نطق به الكلام، وتمسك بشكوكة العاجز".
(٢) في (م): "دون الألسنة لا أن الآية الأولى أشمل وأكمل".
(٣) في (ك): "يضاهئونهم".
(٤) وهي قراءة عاصم، والباقون بضم الهاء من غير همز. انظر: "التيسير" (ص: ١١٨).
[ ٤ / ٣٤٩ ]
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم بالإهلاك، فإنَّ مَنْ قاتله الله هلكَ، ويُفهَم التَّعجُّب من السِّياق؛ لأنَّه كلمة لا يُفاه بها إلا في موضع التَّعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم، ولهذا تعجَّبَ بعده من اعتقادهم وتلفُّظهم بالكلمة الشَّنعاء بقوله:
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرَفون عن الحقِّ إلى الباطل، فلا مانع عن الجمع بينهما قصدًا.
(٣١) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّخذوا علماءَ اليهود وعُبَّاد النَّصارى كالأرباب، حيث أحلُّوا لهم الحرام فاستحلُّوه وحرَّموا عليهم الحلال فحرَّموه، فقوله: ﴿أَرْبَابًا﴾، كقوله: ﴿نَارًا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦].
قال ابنُ السِّكِّيْتِ: الحِبرُ بالكسر: المداد، وبالفتح: العالم والرَّاهب، مأخوذ من الرَّهْبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يُخلص له النِّيَّة دون النَّاس.
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اتَّخذوه ربًّا معبودًا، والرَّبُّ هنا على الحقيقة، ولهذا فصَله عمَّا قبله، مُخرِجًا له عن زمرتهم، مفرِدًا له بالإخبار عنه.
وإنما ذكره بنسبته إلى أمه إظهارًا لعدم صلاحيته للرُّبوبيَّة، وفي التَّعبير عنه بلقبه المشعِر بالربوبية نوعُ تمهيدٍ لذلك المقصود، ولا يخفى ما فيه من النَّعي عليهم.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾؛ أي: وما أمر المُتَّخِذونَ.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
قيل: يجوز أن يكون المعنى: وما أُمِرَ المتَّخذون أربابًا، فيكون كالبرهان على بطلان الاتِّخاذ.
وكأنَّ هذا القائل غافل من أنَّ الرَّبَّ في غير المسيح ﵇ لم يُتَّخذ على الحقيقة.
﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الله تعالى، ولا حاجة إلى صرف العبادة عن معناها إلى معنى الإطاعة حتى تحتاج إلى أن يُقال: طاعةُ الرَّسول ﵇ وسائرِ مَن أَمرَ اللهُ تعالى بطاعته فهو طاعة الله تعالى في الحقيقة.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةٌ ثانية، أو استئنافٌ مقرِّر للتَّوحيد ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وتنزيهٌ له عن الإشراك به.
(٣٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ الإطفاءُ: إذهابُ نور النَّارِ، ثم استُعمِلَ في إذهاب (^١) كلِّ نورٍ، وفي سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]؛ أي: يقومون لذلك الأمر، والتَّجوُّز عن إرادة أمر بالقيام له مجاز (^٢) شائع، فكذا عكسه سائغ، والقيامُ لأمرٍ عبارةٌ عن الاهتمام بشأنه.
﴿نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إطفاءُ نورِ الله بأفواهم تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا السحر، مُثِّلَتْ حالُهم بحال مَن ينفخ في نور الشَّمس بفيهِ ليطفئه.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "استعمال".
(٢) "مجاز" زيادة من (م).
[ ٤ / ٣٥١ ]
ويجوز أن يكون المراد من ﴿نُورَ اللَّهِ﴾: القرآنُ والإسلامُ والحججُ الدَّالة على حقيقته، ويكون المراد من (^١) (أفواههم): أقوالهم التي لا صحَّة لها؛ فإنها لا تتجاوز عن الأفواه إلى فهم السامع، وعلى هذا يكون الإطفاء ترشيحًا لاستعارة النور (^٢).
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعزاز الإسلام وإعلاء كلمة التَّوحيد، وإنما جاز الاستثناء المفرَّغ من الكلام الموجَب؛ لأن قوله: ﴿يَأْبَى اللَّهُ﴾ أوقعُ من (^٣) موقع (لا يريد الله)؛ ألا ترى كيف قابل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾؟.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ حذف جواب ﴿وَلَو﴾؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: ولو كره الكافرون إتمامَ نورِ الله أبى إلَّا إتمامه (^٤).
(٣٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾؛ أي: محمدًا (^٥) ﵇ ﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن، كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: الإسلام.
_________________
(١) "نور الله القرآن والإسلام والحجج الدالة على حقيقته ولكون المراد من" من (م).
(٢) في هامش (ف): "وما روينا أبلغ كافية من الإيماء إلى أنهم لم يتجاوزوا عن الإرادة إلى مباشرة المراد. فافهم".
(٣) "من" من (ك).
(٤) في (ف): "تمامه".
(٥) في النسخ: "محمد" والصواب المثبت.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: دينِ الحق، أو الرسول ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ كالبيان لقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، ولذلك كرر قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ بوضع (المشركين) موضع (الكافرين)؛ للدلالة على أنهم ضَمُّوا الكفرَ بالرَّسول إلى الشِّرك بالله تعالى.
والتعريف في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، والظهورُ على الجنس إنما يكون بالظُّهور على جميع أفراده، وجميعُ أفراده وقت إرساله ﵇ إنما هو سائر الأديان، وظهورُ الدِّين على الدِّين إنَّما يكونُ بنسخه وإبطاله.
وعلى تقدير رجوع الضَّمير إلى الرَّسول ﵇ يكون المراد: ظهوره ﵇ على أهل سائر الأديان، على تقدير المضاف.
(٣٤) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المراد بهذه الآية: بيانُ نقائص المذكورين فيها، وفي ضمنه نهيُ المؤمنين عن تلك النَّقائص، لمَّا ذكر الله تعالى أنَّهم اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دونِ اللهِ، ذكرَ ما هو عليه كثيرٌ منهم تنقيصًا في شأنهم وتحقيرًا، وأنَّ مِثل هؤلاء لاينبغي تعظيمهم فضلًا عن اتخاذهم أربابًا.
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يأخذونها بالرُّشا، والتَّخفيفِ في الشرائع. وأطلق الأكل على أخذ المال مجازًا؛ لأنَّه معظمُ الغرض منه، أو لكونه سبب الأكل.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
﴿وَيَصُدُّونَ﴾ صَدَّ يُستعمَل واقعًا ومجاوزًا (^١)، فالمعنى: يصدُّون غيرهم.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن دينِ الإسلام وشريعةِ محمَّدٍ ﵇، أو يصدُّون عنه في أكلهم الأموال بالباطل؛ أي: لا تتوهَّموا في كثير من الأحبار والرُّهبان صلاحًا، ولا تغترُّوا بظاهر زِّيهم وسكونهم؛ فإنَّ ذلك كلَّه (^٢) مصائدُ للمطامع، واستجلابٌ للرِّئاسة، ومكائدُ للصدِّ عن سبيلِ الله والجرِّ إلى الضَّلالة. قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسدَ النَّاسَ إلَّا الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (^٣)
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾؛ أي: يجمعونهما ويحفظونهما في الأوعية، ومنه قولهم: رجل مُكتنِزُ؛ أي: مجتمِعُ اللحم. وليس من شرطِ الكنزِ الدَّفنُ، ولكن كثُر في حفظ (^٤) المال أن يُدفَنَ حتى تُعورِفَ اسمُ الكنز في المدفون.
وإنَّما خُصَّا بالذِّكر لأنهما قانون التَّموُّل وأثمانُ الأشياء، فالاحتياج إليهما فيما بين النَّاس أكثر، ولا يجوز كنزهما ومنع الناس عن فائدتهما.
﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ اسم موصول ضُمِّنَ معنى اسم الشرط، فلذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
_________________
(١) لعله يريد: لازمًا ومتعديًا، وقد تقدم التمييز بينهما عند تفسير قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد جزم المؤلف - كما سيأتي - بالتعدية فيه، وأجاز غيره الوجهين. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٣٠٤).
(٢) "كله "سقط من (ك).
(٣) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٧٩)، والبيهقي في "الشعب" (٧٣٠٠).
(٤) في (ف): "حفظة".
[ ٤ / ٣٥٤ ]
ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والفصلُ يقوم مقام التأكيد.
وأن يكون محلُّ الموصول منصوبًا عطفًا على اسم (إنَّ) في قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا (^١) مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذِ الرُّشا، وكنزِ الأموال والضَّنِّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.
وأُورد عليه أنه لو أريد أهل الكتاب خاصَّة لقيل: (ويكنزون)، بغير ﴿وَالَّذِينَ﴾، فلمَّا زيدَ ﴿وَالَّذِينَ﴾ فقد استُؤْنِفَ معنًى آخرُ، تبيَّن أنه عطفُ جملة على جملة.
وأمَّا تسويته تعالى (^٢) للمسلمين الكانزين غيرِ المنفقين بالمرتَشين من أهل الكتاب باقترانهم بهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم؛ تغليظًا ونهيًا عن الكنز، وبعثًا على الإنفاق، ويدل على هذا أنه لما نزل كبُر على المسلمين، فذكر عمر ﵁ لرسول لله ﷺ فقال: "إنَّ اللهَ لم يفرضِ الزَّكاةَ إلَّا ليطيِّبَ بها ما بقيَ مِنْ أموالِكُمْ" (^٣)، فعُلِمَ أنَّ المرادَ بتركِ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ منعُ الزَّكاةِ.
وقوله ﵇: "ما أُدِّيَ زكاتُه فليسَ بكنزٍ وإنْ كانَ باطنًا، وما بلغَ أنْ يُزَكَّى فلم يُزَكَّ فهوَ كنزٌ وإنْ كانَ ظاهرًا" (^٤) معناه: ليس بكنزٍ أُوْعِدُ عليه؛ فإنَّ الوعيد على
_________________
(١) في (م) زيادة: "وهو إشارة إلى الكثير".
(٢) في (ف): "شبهه"، وفي (م): "تسوية"، وفي (ك): "نعته تعالى"، والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.
(٣) رواه أبو داود (١٦٦٤)، والحاكم في "المستدرك" (١٤٨٧) و(٣٢٨٢)، وصححه، وفي إسناده عثمان أبو اليقظان وهو ضعيف. انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٨٣).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٦٦)، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٨٣) من طريق محمد بن جبير عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان=
[ ٤ / ٣٥٥ ]
الكنز مع عدم الإنفاق فيما أمرَ اللهُ تعالى أليقُ فيه، على ما فُهِمَ من قوله:
﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والضَّمير للفضَّة وحدها، إحالةً للحكم في قرينها على الدِّلالة، وإنما لم يعكس مع ما فيه من اعتبار جانب التَّذكير؛ رعايةً لجهة القُرْبِ، وعلى هذه الطَّريقة سلكَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] أيضًا.
وأما قوله ﵇: "مَنْ تركَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوِيَ بها" (^١) أو نحوه، فالمراد
_________________
(١) = مدفونًا تحت الأرض، وكل ما لا يؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا" قال البيهقي: ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٨٢٧٩) وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٢٦) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: "كل مال وإن كان تحت سبع أرضين يؤدى زكاته فليس بكنز، وكل مال لا يؤدى زكاته وإن كان ظاهرا فهو كنز" قال ابن عدي: رفعه سويد إلى النبي ﷺ وغيره يرويه موقوفًا. والموقوف رواه الشافعي في "مسنده" (ص: ٨٧)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٧١٤٠) و(٧١٤١). وفي الباب عن أم سلمة قالت: "كنتُ ألبَسُ أوضاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فقلت: يا رسولَ الله، اكنزٌ هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه، فزُكِّيَ، فليس بكَنزٍ" أخرجه أبو داود (١٥٦٤) واللفظ له، والحاكم في "المستدرك" (١٤٣٨)، من طريق عطاء عن أم سلمة. ورجاله ثقات إلا أن عطاء - وهو ابن أبي رباح - لم يسمع من أم سلمة فيما قاله علي بن المديني. ومع ذلك فقد صححه ابن القطان، وجودَّ إسناده الحافظ العراقي، فيما نقله عنهما الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٢٧٢). وروى البخاري في "صحيحه" (١٤٠٤): عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن هذه الآية فقال: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. وقد ترجم له البخاري بقوله: (باب ما أدي زكاته فليس بكنز).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٤٨٠)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٥٩) - وقال: فيه نظر -، من حديث أبي ذر ﵁. وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته. ويشهد له ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٤٦١) بإسناد صحيح من حديث أبي ذر ﵁ أيضا، ولفظه: "أيُّما ذهبٍ أو=
[ ٤ / ٣٥٦ ]
منها ما لم يؤدِّ حقَّها؛ لقوله ﵇: "ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يؤدِّي منهما حقَّهما إلَّا إذا كانَ يومَ القيامة صفِّحَتْ له صفائح من نارٍ، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه" (^١).
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هو الكَيُّ بهما.
(٣٥) - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أصله: تُحمَى النَّارُ عليها؛ أي: تُوْقَدُ النَّار ذاتَ (^٢) حَميٍ شديد، من قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١] فحذفت النَّار لقوله: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وأُسند الفعل إلى الجارِّ والمجرور فلزم تذكيرُه؛ كما يقال: رُفعتِ القصَّةُ إلى فلان، فإذا حذفت قيل: رُفِعَ إلى فلان.
وفي جعل الإحماء للنَّار، والإبهامِ بإسناد الفعل إلى الظَّرف ثم التفصيلِ وجعلِ نار جهنم مكانًا للإحماء، من المبالغة ما ليس في قولك: تُحمى بالنار، وأمَّا الاكتفاء بضمير القصَّة فقُدِّمَ (^٣) وجهُه.
﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ الكي: إلصاقُ الشَّيء الحارِّ بالعضوِ (^٤).
_________________
(١) =فضةٍ أُوكِيَ عليه، فهو كَيٌّ على صاحبه حتى يُفْرِغَهُ في سبيلِ اللهِ إفراغًا".
(٢) رواه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (٩٨٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في النسخ: "ذات النار"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢٦٨) و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٧٩).
(٤) في (ك): "فقد مرّ".
(٥) في النسخ: "بالفضة"، والمثبت من هامش (م).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
﴿جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ إنَّما خُصِّصَتْ هذه المواضع بالكيِّ لأنَّه في الجبهة أشنعُ، وفي الجنب والظهر أوجعُ لوصول الحرِّ إلى الجوف، بخلاف اليد والرِّجل.
وقيل: لأنَّ الغنيَّ المانعَ للزكاة إذا رأى الفقير انقبضَ وجهه، وإذا ضمَّه والفقيرَ مجلسٌ ازْوَرَّ عنه فعارضه بجنبه، وإذا أمَّله قام وولَّاه ظهرَه.
﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ على إرادة القول.
﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ توبيخٌ لهم وتهكُّم بهم؛ أي: كنزتُموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذَّ بها، فكانت عينَ مضرَّتها وسببَ تعذيبِها.
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾؛ أي: وَبالَ ما كنزْتُم (^١)، أو: ما تكنزونه.
(٣٦) - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ مَبلغَ عدِّها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرفُ ﴿عِدَّةَ﴾ لأنَّها مصدر.
﴿عَشَرَ شَهْرًا﴾ شهور السَّنة شمسيَّةً كانت أو قمريَّةً كذلك، إلَّا أنَّ المراد هنا الشُّهور القمريَّة.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللَّوح المحفوظ، أو فيما أثبته وأوجبه في حكمه، صفة لـ ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: مثبتة فيه، وقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أمرٌ
_________________
(١) في (ف): "وبال كنزكم".
[ ٤ / ٣٥٨ ]
ثابتٌ في نفس الأمر مذ خلقَ الله تعالى الأجرام والأزمنة، متعلِّق بما فيه من معنى الثُّبوت، أو بالكتاب إن جعل مصدرًا.
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحدٌ فردٌ، وهو رجبٌ، وثلاثةٌ سَرْدٌ، وهي (^١): ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تحريم الأشهر الأربعة ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: دينُ إبراهيم وإسماعيل ﵉، وكانت العرب ورثوه منهما.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ لمَّا كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.
﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بهتك حرمتها، وعن عطاء: ما يحلُّ للنَّاس أن يغزوا في الحَرم ولا في الأشهر الحرم إلَّا أنْ يُقَاتَلوا، وما نُسِخَتْ (^٢).
والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهنَّ منسوخة، وأوَّلوا الظُّلم بارتكاب المعاصي فيهنَّ فإنَّه أعظم وزرًا، كارتكابها في الحرم، وحالَ الإحرام.
وقيل: يؤيده ما روي أنَّه ﵇ غزا هوازن بحُنَين وحاصر الطَّائف في شوال وذي القعدة.
وفيه نظر؛ لأنَّ غزوَ هوازن بحنين كان في شوَّال فلا تأييد فيه (^٣)، وأما محاصرةُ الطَّائف فقيل: إنَّه ﵇ حاصره بقيَّة الشَّهر المذكور، فلما دخل ذو القعدة انصرف عنه وأتى الجِعْرانةَ وأَحرم منها للعمرة.
_________________
(١) "وهي" ليست في (ف).
(٢) رواه الجصاص في "أحكام القرآن" (١/ ٤٠١)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٤٣)، و"الكشاف" (٢/ ٢٦٩).
(٣) في هامش (ف): "التفصيل يطلب من "التيسير" في تفسير قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: جميعًا، من الكفِّ بمعنى المنع (^١)، كأنهم كُفُّوا أن يخرج منهم أحدٌ باجتماعهم (^٢)، وقع موقع الحال.
﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أي: كونوا على ثقةٍ ويقينٍ ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بشارةٌ لهم، وضمانٌ بالنَصر، وبيانٌ أنَّ تقوُّلهم سببٌ لنصرهم.
(٣٧) - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ مصدر نَسَأه: إذا أخَّره؛ أي: تأخيرُ حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنهم كانوا أصحابَ حروبٍ وغاراتٍ، فإذا جاء الشهر (^٣) وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا خصوصَ الأشهر، واعتبروا مجرد الورود، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، وهي الأربعة، وربَّما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر ليتَّسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: من غير زيادةٍ زادوها.
﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأنهم لَمَّا أحلُّوا ما حرَّم اللّه تعالى وحرَّموا ما أحلَّه زادوا كفرًا على كفرهم.
_________________
(١) في النسخ: "بمعنى منع"، والمثبت هو الأنسب بالسياق.
(٢) في هامش (ف): "وأما ما قيل: فإن الجمع مكفوف عن الزيادة فليس بشيء".
(٣) في (م): "جاء أشهر حرم".
[ ٤ / ٣٦٠ ]
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضلالًا زائدًا.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ الضمير للمنسوء الدَّالِّ عليه النَّسيء.
﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾؛ أي: إذا أحلُّوا منها شهرًا عامًا (^١) رجعوا فحرَّموه في العام القابل، والجملتان تفسير للضَّلال، أو في موقع الحال.
﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليوافقوا عدَّة الأربعة، واللَّام متعلقة بـ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾، أو بما دَلَّ عليه مجموع الفِعْلَين.
﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بمواطأة العِدَّة وحدها من غير مراعاةِ وقت.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ خذلهم الله وأضلَّهم حتى حسبوا قبيحَ أعمالهم حسنًا.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ على طريقة تنزيل وجودِ ما لا يترتَّب عليه أثره بمنزلة العدم (^٢).
﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضعَ المضمر؛ للدّلالة على أنَّ كفرَهم مانعٌ مِن قَبول الهداية وترتُّب الأثر.
(٣٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ هو حرف استفهام بمعنى التوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النَّفْرُ: التَّنقُّل بسرعةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ لأمرٍ يحدث.
_________________
(١) "عامًا" سقط من (م).
(٢) في هامش (ف): "من لم يتنبه لهذا […] التقدير فقال: هداية موصلة إلى الاهتداء".
[ ٤ / ٣٦١ ]
و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طلب رضا الله تعالى.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: تباطأتم وتقاعدتم، وقرئ: (تَثاقَلْتُم) على الأصل (^١)، وقرئ: (أَثَّاقَلْتُم) على الاستفهام (^٢)، ومعناه: الإنكار والتَّوبيخ، ضمَّنه معنى الميل والإخلاد فعُدي بـ (إلى)؛ أي: مِلْتُم إلى الدُّنيا ولذَّاتها، أو مِلْتُم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكرهتم مشاقَّ السَّفر والجهاد.
وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ إذا لم يُستفهم به (^٣)، وإذا استُفهم به منع الاستفهامُ عمله فيما قبله، فالعاملُ حينئذ ما دلَّ عليه، أو معنى الفعل في ﴿مَالَكُمْ﴾ كما يعمل في الحال إذا قيل: ما لك قائمًا؟ كأنه قيل: ما تصنعون؟
وما ذكر عبارةٌ عن تخلُّفِهم عن رسول الله ﷺ، وتركهِم الغزوَ، واختيارِهم سكنى ديارهم، والتزامِ نخلهم وظلالهم، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمِروا بها بعد رجوعهم من الطَّائف في وقت عُسْرَةٍ وقيظٍ، مع بُعْدِ الشُّقَّة وكثرة العدو فشقَّ عليهم (^٤).
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: بدلَ الآخرةِ ونعيمها.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فما التَّمتُّع بها (^٥) ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنب الآخرة ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: مستحقَرٌ.
_________________
(١) نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٣).
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٧١).
(٣) "به" من (م).
(٤) "فشق عليهم" من (م).
(٥) في (ك): "في التمتع فيها".
[ ٤ / ٣٦٢ ]
(٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾: إنْ لا تنفروا إلى ما استُنفرتم إليه ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ الله ﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إظهارُ سخطٍ عظيم على ترك النَّفْرِ والتَّثاقل، حيث أوعدهم عليه بعذابٍ مطلَقٍ متناوِلٍ لعذابِ الدُّنيا (^١) والآخرة، ونكَّره ووصفه بالإيلام وأنَّه يهلكهم ويستبدل بهم قومًا خيرًا منهم وأطوعَ، كأهل اليمن (^٢) وأبناء فارس.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾؛ أي: إنَّه غنيٌّ عنهم في نصرة دينه، وفي كلِّ أمرٍ لا يقدح تثاقلُهم فيها شيئًا.
وقيل: الضَّمير للرَّسول ﵇، أي: ولا تضروه لأنَّ الله تعالى وعدَه بالعصمة والنصرة (^٣)، ووعدُه حقٌّ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة، كما قال:
(٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: إن لم تنصروه فسينصره مَن نصره
_________________
(١) في (ك): "العذاب في الدنيا"، وفي (م): "للعذاب في الدنيا".
(٢) في (م): "يمن".
(٣) "والنصرة" سقط من (ك).
[ ٤ / ٣٦٣ ]
حين لم يكن معه إلَّا رجلٌ واحدٌ، فدلَّ بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ في الماضي على أنَّه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت وأقامه مقامه، أو: فقد حكم الله بنصره وأوجبه على نفسه حين نصره في ذلك الوقت، فلم يكن ليخذله في غيره أبدًا.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إسنادٌ مجازيٌّ؛ لأن هَمَّ الكفرة بإخراجِه أو قتلِه سببٌ لإذن الله تعالى بالخروج، فكأنهم أخرجوه.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، ولا يخفى ما في التَّعبير المذكور من التَّعظيم للصدِّيق ﵁؛ إذ المعنى: أحدَ اثنين، والعدول إلى ما ذكر للإشعار بأنه ﵇ كان تاليًا له في دخولهما الغار، وقد كان كذلك.
﴿إِذْ هُمَا﴾ بدل من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بدلَ البعض؛ إذ المراد بزمان الإخراج: زمانٌ متَّسِع.
﴿فِي الْغَارِ﴾: هو الثُّقب العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكَّة يُقال له: ثور، مأخوذ من غار يغور: إذا دخلَ في عمق.
﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ﴿ثان﴾ أو ظرف لـ ﴿ثان﴾.
﴿لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر ﵁ (^١): ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ الحزن: الغم (^٢) الذي يغلظ على النَّفس، ومنه: الحَزَن، للأرض الغليظة.
_________________
(١) في هامش (ف): "قال أبو بكر ﵁: حين انتهينا إلى باب الغار قلت: يا رسول الله، الغار موضع المكاره فدعني أدخل قبلك، فإن كان منه شيء مكروه كان لي دونك، فدخل فيه؛ أي: حجره، وكان عليه برد سابري [] تلك الحجرة، وبقي حجران فسدهما بعقبه، وقال: ادخل يا رسول الله، فدخل. منه".
(٢) "الغم" من (م).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالحفظ والعون.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: أَمْنَه الذي تسكن عنده القلوب، والفاء للتعقيب بلا مهلة، وفيه نوع دلالة على أنَّ توكُّله ﵇ على الله تعالى (^١) كان سببًا للنُّزول المذكور.
﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على أبي بكر ﵁؛ فإنَّه هو الخائف المحتاج إلى الأمن، فأمَّا النَّبيُّ ﷺ فقد كان آمنًا ساكنًا بما وعد له من النَّصر.
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والمراد من الجنود: الملائكة ﵈، والتأييدُ بهم كان في حرب بَدْرٍ وحُنين.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: دعوتَهم إلى الكفر ﴿السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّه﴾؛ أي: دعوتُه إلى الإسلام ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ وتغييرُ الأسلوب للدِّلالة على أن الأُولى أَولى بالتَّغيير والتَّبديل، بخلاف الثَّانية؛ فإنها المستمرة الثَّابتة.
وقرئ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب (^٢)، عطفًا على ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾، والرفعُ أبلغُ؛ لِمَا فيه على وفق ما قدَّمناه من الإشعار بأن كلمة الله تعالى عاليةٌ في نفسها، فإنْ فاق غيرُها فلا ثبات (^٣) لتفُّوقه ولا اعتبار، ولذلك وسَّط الفصل.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه.
_________________
(١) "على الله تعالى" ليس في (ك).
(٢) وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٧٩).
(٣) في (ف) و(ك): "يناسب".
[ ٤ / ٣٦٥ ]
(٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الخفَّة والثِّقل مستعاران لمن يمكنه السَّفر بسهولة ومَن يمكنه بصعوبة، وما ذكر في تفسيرهما من المعاني فلا وجه لتخصيص بعضها دون بعضٍ بالإرادة، بل هي معانٍ متفقة، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاس أُمِروا جملة، وتلك الأقوال إنما هي على وجه المثال للثِّقل والخفَّة.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر أكمل ما يكون من الجهاد وأنفعَه عند الله تعالى، وقُدِّمَتِ الأموال في الذِّكر (^١) لأنَّها أوَّل مصروفٍ وقت التَّجهيز، فرتِّب الأمرُ كما هو في نفسِه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ من الجهاد بأحدهما، ومَن قال: مِن تَرْكه، فلم يُصِب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخيرَ علمتُم أنه خير.
(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾ العَرَضُ: خلافُ النَّقد، وقد عَبَّر به عن الغنيمة لأنَّه الغالب فيها؛ أي: لو كان ما دعوا إليه غُنمًا (^٢) ﴿قَرِيبًا﴾: سهلَ المأخذ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: متوسطًا، سُمِّي قصدًا (^٣) لأنَّه ممَّا يُقْصَد.
_________________
(١) "في الذكر" سقط من (ك).
(٢) في (ك): "مغنمًا".
(٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (قاصدا). انظر: "تفسير الرازي" (١٦/ ٥٦).
[ ٤ / ٣٦٦ ]
﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ فيما قصدْتَ إليه.
﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: المسافة التي تُقْطَع بمشقَّة، وهي القطعة من الأرض التي يَشُقُّ ركوبها على صاحبها.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّه﴾؛ أي: المتخلِّفون عند رجوعك من غزوة تبوك معتذِرين.
﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾: لو كان لنا استطاعةُ الخروج من جهةِ البدن والمال.
والشَّرطيَّة محكيَّة على أن الحَلِف من جنس القول، فلا حاجة إلى تقديره؛ لأنَّ التعدية باعتبار التَّضمين من خارجٍ جائزةٌ، فجوازها باعتبار ما في ضمنها بالطَّريق الأَولى.
﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُم﴾ سادٌّ مسدَّ جوابي القسم والشرط.
وقرئ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ بضم الواو (^١)؛ تشبيهًا لها بواو الضمير في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦].
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُم﴾ بدل من (سيحلفون)؛ لأنَّ الحَلِف الكاذب إيقاعٌ للنَّفس في العذاب، أو حالٌ بمعنى: مهلِكين، والإخبار بهذا قبل وقوعه قد كان من المعجزات.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك؛ لأنهم كانوا مستطيعين للخروج.
(٤٣) - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الإخبار عن العفو مقصودٌ بالإفادة، فلا يكون كنايةً عن
_________________
(١) نسبت للأعمش. انظر: "المحتسب" (١/ ٢٩٢).
[ ٤ / ٣٦٧ ]
الخطأ، نعم يفهم منه وجود الخطأ بطريق الاقتضاء، وهذا من لطيف المعاتبة، ولو لم يفتح باب المخاطبة بالعفو لما كان ﵇ يتحمَّل لقوله (^١) تعالى:
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما (^٢) يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ (^٣)، ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِنْ قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
والإذنُ: رفعُ التَّبعة في الفعل.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الاعتذار، متعلِّق بما تقدَّم باعتبار المفهوم لا باعتبار المنطوق؛ فإنه استفهام إنكاري في معنى: هلَّا توقَّفت (^٤).
فحاصل المعنى: لِمَ أذنْتَ على الفور، فمرجع الإنكار إلى كيفية الإذن لا إلى نفسه.
﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه، قيل: إنَّما فعل رسول الله ﷺ شيئين لم يُؤْمَرْ بهما؛ أخذه للفداء، وإذنه للمنافقين، فعاتبه الله تعالى عليهما.
وكأن هذا القائلَ غافلٌ (^٥) عن ثالثهما، وهو تحريمه ﵇ ما أحلَّ الله تعالى ابتغاءً لمرضاة أزواجه.
_________________
(١) في (ف) و(م): "بقوله".
(٢) في (ك): "على ما"، وفي (م): "على ما ذكر ما".
(٣) القائل لهذا هو الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٢٧٤)، وقد رد عليه العلماء وعده بعضهم من سوء الأدب، وقد ذكرنا في المقدمة بعضًا مما قيل في الرد عليه.
(٤) في (م): "توقفته"، وفي (ف) و(ك): "توقف"، والصواب المثبت.
(٥) في (ف) و(م): "وقد كان هذا القائل غافلًا".
[ ٤ / ٣٦٨ ]
ثمَّ إنَّ العِتاب ليس على الإذن؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه بالاجتهاد، والخطأُ فيه لا يتعلَّقُ به العِتاب، بل على عدم التَّوقف على نزول الوحي في بيانِ شأنهم، على ما نبَّهْتُ عليه آنفًا.
(٤٤) - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، فضلًا أن يستأذنوك في التخلُّف عنه، وكان الخُلَّصُ من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذنُ رسولَ الله ﷺ، ولنجاهدنَّ معه بأموالنا وأنفسنا.
أو: كراهة أن يجاهدوا.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ شهادةٌ لهم بالتَّقوى وعِدَةٌ لهم بثوابه.
(٤٥) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التَّخلُّف ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تخصيصُ الإيمان بالله واليوم الآخر بالذِّكْرِ في الموضعين إشعارٌ بأنَّ الباعثَ على الجهاد وبذلِ النَّفس والمال للّه تعالى هو الإيمانُ بهما، والوازع عنه عدمه.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: يتحيرون.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
(٤٦) - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ أي: معكم للغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾؛ أي: للخروج ﴿عُدَّةً﴾ العدَّةُ: ما يُعَدُّ للأمر ويُهيَّأ له.
وقرئ: (عِدَّةً) بكسر العين (^١)؛ أي: جماعةً من الآلات.
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾: انطلاقهم للخروج، استدراكٌ عن مفهوم قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ لأن معناه نفيُ إرادة الخروج، كأنه قيل: ما أرادوا الخروج، وتنزيلٌ لعلَّةِ الشيء منزلتَه؛ فإنَّ المعنى: ولكن تثبَّطوا عنه؛ لأن الله تعالى كره انبعاثهم.
هذا ما قيل في توجيه ما ذُكِرَ، وفيه وقوع (لكنْ) بينَ متَّفقين (^٢) من جهة المعنى، فالوجه أن يكون ذلك من قَبيل حذف الجملة من الكلام لدلالة الباقي عليه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية [النمل: ١٥]، وذلك أنه لمَّا احتمل أن يُتوهم أن عدم خروجهم للغزو لعدم تنبُّههم له قبله حتى يتهيَّؤوا (^٣) له، تُدورك دفعه بما ذُكر محذوفَ الصَّدر، فكأنَّه قيل: ليس هذا من تقصيرك في بعثهم للخروج، ولكن كره الله انبعاثهم.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التَّثبيط: التَّوقيف عن الأمر بالتَّزهيد فيه.
_________________
(١) نسبت لزر بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (٥٣).
(٢) في (ف): "النعتين"، وكذا وقع رسمها في (ك) لكن دون نقط، وفي (م): "المعنيين"، والصواب المثبت. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٣٣٠)، و"روح المعاني" (١٠/ ٣٥٩).
(٣) في (ك) و(م): "تهيؤوا"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ تمثيل لإلقاء الله تعالى في قلوبهم التَّثبيط وكراهةَ الانبعاث، أو وسوسةِ الشيطان بآمرٍ أمرَ بالقعود عنه، أو حكاية قولِ (^١) بعضهم لبعض، أو إذن الرسول ﵇ لهم. وقوله: ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ذمٌّ لهم، وإلحاقٌ بالذين شأنُهم القعودُ ولزومُ البيت للعجز عن القيام بمصالح الغزو من النِّساء والصِّبيان والزَّمنى.
(٤٧) - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ لم يقل: (معكم)؛ لأن إضرارهم على تقدير خروجهم مختلِطين معهم، لا منفردِينَ عنهم.
﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ شيئًا ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ الخَبَال: الفسادُ في الأشياء المؤتلِفة الملتحِمة.
والزِّيادةُ لَمَّا كانت باعتبار أعمِّ العام الذي وقعَ منه الاستثناء، لم يلزم أن يكون لهم خَبالٌ حتى لو خرجوا فيهم زادوه.
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ الإيضاعُ: تهييجُ المركوب على الإسراع؛ أي: لِيَسْعَوا بينَكم بالنَّميمة وإفساد ذاتِ البَيْن، وهو مجازٌ يفيدُ المبالغة في السَّعي بالنَّمائم؛ لأنَّ الرَّاكِبَ أسرعُ من الماشي، ويقوِّيه حذف المفعول؛ لِمَا في التَّعميمِ مِن زيادة المبالغة بتقدير السَّامع كلَّ ما شاء من الرَّاكب، كأنَّه قيل: لأوضعوا كلَّ ما وجدوا مِنَ الرَّكائبِ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حالٌ من ضمير (أوضعوا)؛ أي: يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، والرُّعبِ في قلوبكم.
_________________
(١) "قول" من (م).
[ ٤ / ٣٧١ ]
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: نمَّامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو: ضَعَفةٌ مطيعون لهم، يسمعون ما يأمرونهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعلم ضمائرهم وما يتأتَّى منهم، وعيدٌ لهم من باب وضع الظَّاهر موضع المضمَر؛ للتسجيل عليهم بالظُّلم، وإيجاب الظُّلم للوعيد.
(٤٨) - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ بالسَّعي في تشتيت أمرك وتفريق أصحابك.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: يومَ أُحُدٍ حين انصرف عبد الله بن أُبَيٍّ بِمَن معه.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: ودبَّروا لك الحِيَل والمكائد، ودوَّروا الآراء في إبطال أمرك.
﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: النَّصر والتَّأييد الإلهي ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ على دينه.
﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: غلبَ أمرُ الله وشرعُه على رغم منهم.
والآيتان لتسلية الرَّسول ﵇ والمؤمنين على تخلفهم، وبيانِ ما ثبَّطهم (^١) اللهُ لأجله، وكره انبعاثهم له، وهتكِ أستارهم، وكشفِ أسرارهم، وإزاحةِ (^٢) اعتذارهم؛ تداركًا لِمَا فوَّت الرَّسول ﷺ بالمبادرة إلى الإذن.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "ما ثبط".
(٢) في (ك) و(م): "وإذاعة".
[ ٤ / ٣٧٢ ]
(٤٩) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾؛ أي (^١): في القعود.
﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا تُوْقِعني في الفتنة، وهي المعصية والإثم، فإنِّي إنْ لم تأذن لي وتخلَّفْتُ بغير إذنك أَثِمْتُ؛ إذ لا يمكنني الخروج معك، فلا بُدَّ لي من التَّخلُّف، أذنتَ أو لم تأذنْ.
أو: لا تُلْقِني في الهَلَكَة؛ فإنِّي إنْ خرجْتُ معك هلك مالي وعيالي؛ إذ لا كافلَ لهم.
أو: لا تفتنِّي ببناتِ الأصفر؛ لِمَا رويَ: أنَّ جدَّ بنَ قيسٍ قال: قد علمَتِ الأنصارُ أني مستَهْتَرٌ (^٢) ببنات الأصفر - يعني: نساء الرُّوم - فلا تفتنِّي بهنَّ، ولكن أُعِيْنُك بمالٍ (^٣) فاتركني (^٤).
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ تقديم الظَّرف بعد حرف التَّنبيه إيذانٌ بعِظَمِ ما وقعوا
_________________
(١) "أي" ليست في (ك).
(٢) "مستهتر" سقطت من (ف)، وفي (ك): "قد علمت الأنصار افتتاني"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٢٧٧)، وفي "تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٣): (أني مولع). والمعنى في الكل واحد.
(٣) في (ك): "بمالي".
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٦٥٤) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده يحيى الحماني وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٠). وانظر: "سيرة ابن هشام" (٥/ ٥١٦)، و"تفسير الطبري" (١١/ ٤٩٢)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٠٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (٢٤٦).
[ ٤ / ٣٧٣ ]
فيه وتخصيصٌ له؛ أي: ما الفتنة إلَّا التي وقعوا فيها، وهي التَّخلُّف، لا ما احترزوا عنه، وما وقعوا إلَّا فيما زعموا أنهم محترِزون عنه.
وفي عبارة: ﴿سَقَطُوا﴾ إشارةٌ إلى أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه (^١) من غفلةٍ وعدمِ تدارُك.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وعيدٌ لهم من بابِ وضع الظَّاهر موضِعَ المضمَر للتَّسجيل عليهم بالكفر، والإشارةِ إلى سبب الإحاطة بهم.
والمراد: إحاطةُ أسبابها بهم، فوُضع المسبَّب موضِعَ السَّبب إشعارًا بشدَّة (^٢) إيجابه له، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
(٥٠) - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.
﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعض غزواتك ﴿حَسَنَةٌ﴾: ظفرٌ وغنيمةٌ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لفرط حسدهم.
﴿وَإِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعضها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ هي آفَةٌ في النَّفس أو الأهل أو المال، وأصلُه الصَّوب (^٣)، وهو الجري إلى الشيء، ومنه صوَّب الإناء: إذا ميَّله.
والإصابةُ: وقوع الشَّيء بما قُصد به. والصَّوابُ: إصابةُ الحقِّ.
_________________
(١) من قوله: "وهي التخلف" إلى هنا سقط من (ك).
(٢) في (ف) و(م): "الشدة".
(٣) في (ف): "وأصلها الصواب"، وفي (م): "وأصل الصوب".
[ ٤ / ٣٧٤ ]
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ الذي نحن متَّسمون (^١) به من التيقُّظ والحذر والعمل بالحزم.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبلِ ما وقع؛ أي: يتبجَّحون بانصرافهم، ويستحمدون (^٢) رأيهم في التَّخلف.
﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عن مقام التَّحدث بذلك إلى أهليهم، أو عن الرَّسول ﷺ.
﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون.
* * *
(٥١) - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يعني: في اللَّوح المحفوظ.
أمرَ اللهُ تعالى نبيَّنا ﵊ أنْ يردَّ على المنافقين بأنْ يُعْلمهم أنَّ الشيء الذي يعتقدونه مصيبةً ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما كتبه الله تعالى للمؤمنين؛ فإمَّا أن يكون ظفرًا أو سرورًا في الدُّنيا، وإما أن يكون (^٣) ذخرًا للآخرة، يرشدك إلى هذا قوله:
﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: الذي يتولَّانا، فإنَّه لتأكيد ما سبقَ مِن الاختصاص.
وأمَّا ما قيل: إنَّ المعنى: إلَّا ما كتبَ اللهُ في اللَّوح وجفَّ به القلم فلا يتغير
_________________
(١) في النسخ: "مسمون"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٢٧٨).
(٢) في النسخ الثلاث: "ويستمدون"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٤)، ولفظه: (… تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا …).
(٣) "ظفرًا أو سرورًا في الدنيا وإما أن يكون" سقط من (ف) و(ك).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
بموافقتكم ولا بمخالفتكم؛ فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّه لا يَصلح ردًّا لهم، ثمَّ إنَّ ما ذَكَرَ على وفقِ ما قاله الجبْريَّة.
وقرئ: (هل يصيِّبُنا) بشديد الياء (^١)، وهو يُفَيْعِلُ من فَيْعَلَ [لا] (^٢) من فَعَّلَ؛ لأنَّه من بنات الواو؛ لقولهم: صاب السَّهمُ يَصُوبُ.
﴿وَعَلَى اللَّه﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّ حقَّهم أن لا يتوكلوا إلَّا عليه، جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة؛ لتقدُّم (^٣) العلَّة للاختصاص، كأن الواو للعطف والفاءَ لإفادة التَّسبب.
والتَّوكُّلُ: تفويضُ الأمر إلى الله تعالى، والرِّضا بتدبيره، والثِّقةُ بحسن اختياره.
(٥٢) - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ التَّربُّصُ: التَّمسُّكُ بما يُنتَظر به مجيءُ حينه.
﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إحدى العاقبتين اللَّتين كلُّ واحدة منهما حُسْنَى العواقب: النُّصرة والشَّهادة.
_________________
(١) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ١٢٢)، و"الكشاف" (٢/ ٢٧٨). وفي "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٣) عن طلحة بن مصرف: (لن يصيبنَّا) بـ (لن) بدل (هل)، وبتشديد النون كما قيدها ابن خالويه. وذكرها النحاس عن أعين قاضي الري وردها بقوله: وهذا نحن، لا يؤكّد بالنون ما كان خبرًا، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز.
(٢) من "الكشاف" (٢/ ٢٧٨)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٤)، و"روح المعاني" (١٠/ ٣٦٨).
(٣) في (ك): "لتقديم".
[ ٤ / ٣٧٦ ]
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السُّوءتَيْن من العواقب: ﴿يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: قارعةٍ من السَّماء كما نزلت على عاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ وهو القَتْلُ على الكفر.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بنا ما ذكرْنَا من عاقبتنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقبتكم.
(٥٣) - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: طائعين أو كارهين.
﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ أمر في معنى الخبر؛ أي: لن يُتقبَّل منكم نفقاتُكم، أنفقتم طوعًا أو كرهًا، وفائدتُه المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القَبول، كأنهم أُمروا بأنْ يمتحنوا فينفقوا في الحالين وَينظروا هل يُتقبَّلُ منهم؟ وهو جوابُ قول جدِّ بن قيس: وأُعِينك بمالي.
ونفيُ التَّقبُّل يَحتمِلُ أنْ لا يَتقبَّلَ الرَّسولُ ﵇ ولا يأخذَ منهم، وأنْ لا يتقبَّلَ اللهُ تعالى منهم ولا يُثيبَ عليها.
و﴿كَرْهًا﴾ يحتمِل الإلزامَ والإكراه فيؤيِّد الثَّاني، والكراهةَ من المنفقِين فلا يَرْجَح أحدُهما.
ولعَمْري إنهم لا ينفقون إلَّا كراهةً، كما أخبر عنهم (^١) في الآية التي بعدها، وأمَّا التَّطوُّع فهو على سبيل الفَرْضِ؛ لمساواةِ الكُره في عدم القَبول، أو أن يُعطُوا (^٢) من غير إلزامٍ وإكراه وفي أنفسهم الكراهة.
_________________
(١) في (ك): "أخبرهم".
(٢) في (م): "يطيعوا".
[ ٤ / ٣٧٧ ]
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ لردِّ إنفاقهم على سبيل الاستئناف؛ إذ الفسق هنا هو التَّمرُّد والعتوُّ في الكفر، فيوجِبُ ردَّ كلِّ عمل، وفيه تنفير للمسلمين عن الفسق، وما بعده بيان وتقرير به.
(٥٤) - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من حُسْنِ التَّصوير لقَبولِه النَّفقة بصورةِ أمرٍ مرغوبٍ مطلوبٍ، كأنهم طلبوه بالطَّبع؛ فإنَّ كرام العرب مجبولون على حبِّ الإنفاق، ومنَعهم إيَّاه ما بهم من الكفر والنِّفاق.
﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾؛ أي: وما منعهم قَبولَ نفقاتهم إلَّا كفرُهم.
وإعادة الجارِّ للتَّنبيه على أن كفرهم به ﵇ أصالة لا تبعًا لكفرهم بالله تعالى.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾: متثاقلين، ذمُّهم على الكسل في الصَّلاة ذمٌّ على النِّفاق الذي يبعث على الكسل، وفقدِ الإيمان (^١) الذي يبعث على النشاط.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ لأنهم لا يَرجون بفعلها ثوابًا، ولا يخافون بتركها عقابًا.
_________________
(١) "وفقد الإيمان" مكرر في (ك).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
(٥٥) - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الإعجاب بالشَّيء: أنْ يُسَرَّ به سرورَ متعجِّبٍ من حسنِه، راغبٍ فيه، والتَّفريعُ (^١) على ما تقدَّم باعتبار أنَّ كونَ المال مرغوبًا يؤدِّي إلى كراهة الإنفاق، التي سياق الكلام في ذمِّها.
﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ أي: فلا يَسرُّك أموالهم ولا أولادهم، مستحسِنًا إيَّاها، متعجِّبًا منها؛ فإنَ ذلك استدراجٌ لهم ووَبالٌ، كما قال:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: بسبب ما يتكابدون (^٢) منها، من كُلَفِ الجمعِ والحفظِ، وما ينوبهم من الشَّدائد والمصائب، وآفات النَّهب والسَّبي، وما كلَّفهم الله تعالى من الإنفاق في سبيل الخير على كراهتهم إيَّاه.
ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف، تقديره: يريد إيتاءهم من الأموال والأولاد.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ الزُّهوق: الخروجُ بصعوبة وشدَّة.
﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: في حالة كفرهم، متحسِّرين لاهين بالتَّمتُّع بها عن النَّظر في العاقبة، متألِّمين بالتَّعلّقِ بها وحبِّها، متعذِّبين بفراقها.
لَمَّا قطعَ رجاءَهم عن جميع منافع الآخرة بيَّنَ أنَّ الأشياء التي يظنّونها من باب منافع الدُّنيا جعلَها الله تعالى أسبابًا لتعذيبهم بها في الدُّنيا والآخرة.
_________________
(١) في (ك): "والتقريع".
(٢) في (ك): "يتكادون"، ولفظ البيضاوي: (يكابدون لجمعها)، وكله محتمل.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
(٥٦) - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ عطف على مُقدَّر تقديره: ينافقون ويحلفون بالله ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: لَمِن جملة المسلمين، منصوب بـ (يحلفون) لتضمُّنه معنى القَول.
﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ لكفرهم الباطن.
﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم على أنفسهم إن أظهروا لكم ما في قلوبهم، فلهذا يحلفون أنهم منكم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦].
والفَرَقُ في الأصلِ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّررِ، فلا يستعمل إلَّا في الخوف الشَّديد.
(٥٧) - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حصنًا يلجؤون إليه ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة، من غارَ يغير (^١).
وقال ابن عباس ﵄: المغارات: الغِيران والسَّراديب (^٢)، وهي المواضع التي يُسْتَتر فيها.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: مُفْتَعَلٌ من الدُّخول؛ أي: مَسلكًا يُتترَّس (^٣) بالدُّخول فيه.
﴿لَوَلَّوْا﴾ وجوهَهم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: لأقبلوا نحوه، والضمير لأحد الثلاثة.
_________________
(١) في (م): "يغور" وقال في الهامش: "يغير".
(٢) في (ك): "المغارات السراديب"، والمثبت موافق لما في "تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٤١) والكلام منه، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨١٤).
(٣) في (ك): "يندس".
[ ٤ / ٣٨٠ ]
﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون إسراعًا لا يردُّه شيء، من جمحَ الفرسُ: إذا لم يردُّه اللِّجام.
(٥٨) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾: يَعيبك. قال الزُّجاج: اللَّمزُ: التَّعييب مسارَّةً، والهمزُ: التَّعييب مجاهرةً (^١).
﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ في قِسْمتها، و﴿فِي﴾ هنا بمعنى الباء السَّببية كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ وذكروه بالجميل ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة، ناب مناب الفاء الجزائية.
وما أحسنَ مجيءَ جواب هذين الشَّرْطَين؛ لأنَّ الأوَّل لا يلزم أن يقارنه ولا أن يَعتقِبه، بل قد يجوز أن يتأخَّرَ، نحو: إن أسلمْتَ دخلْتَ الجنَّة، وأمَّا جواب الشَّرط الثَّاني فإنَّما جاءَ بـ (إذا) الفجائيَّة ليدلَّ على أنَّه إذا لم يُعطَوا فاجأهم (^٢) سخطهم، ولم يُمْكنْ تأخُّره؛ لِمَا جُبِلُوا عليه من محبَّة الدُّنيا والشَّرَهِ في تحصيلها.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٥٦). وظاهر كلامه اختيار عدم الفرق بينهما، وكذا في تفسير سورة الهمزة (٥/ ٣٦١).
(٢) قوله: "فاجأهم" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (فاجؤوا)، أو: (فاجأه)؛ أي: النبي، والمذكور قد يكون له وجه على معنى: فاجأ المعطين.
[ ٤ / ٣٨١ ]
(٥٩) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ذِكْرُ ﴿اللَّهُ﴾ تعالى تمهيدٌ للتَّنبيه على أن إعطاءه ﵇ بأمره تعالى، فهو المعطي في الحقيقة، قال ﵇: "والله المعطي وأنا القاسم" (^١).
ومفعول ﴿رَضُوا﴾ محذوف؛ أي: رضوا ما أعطاهم الرَّسول ﵇، وطابت به أنفسهم، وإنْ قل نصيبهم، وليس (^٢) المعنى: رضوا عن الرَّسول ﵇؛ لأنهم منافقون، ولأنَّ رضاهم (^٣) وسخطهم لم يكن إلَّا لأجْل الدُّنيا.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿رَضُوا﴾ في حيِّز الشَّرط، والجواب محذوفٌ تقديرُه: لكان خيرًا لهم.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾؛ أي: لكان كافيَنا ورازقَنا من حيث يشاء، فيعطينا كفايتنا وإن تأخرَتْ.
﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ من صدقةٍ أخرى، وإنَّما قال: ﴿مِنْ فَضْلِه﴾؛ لأنَّ ما آتاه الله فضلٌ منه، سواءٌ بكسبِ العبد (^٤) أو بدونه.
﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: ويؤتينا رسوله ﵇ بأمره (^٥) ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى
_________________
(١) رواه البخاري (٣١١٦) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٢) في (ف): "وأنَّه ليس".
(٣) "ولأن رضاهم" ليس في (ك).
(٤) "العبد" ليس في (ف).
(٥) "بأمره" سقط من (ك).
[ ٤ / ٣٨٢ ]
رضائه تعالى ﴿رَاغِبُونَ﴾: لا رغبةَ لنا إلى زخارف الدُّنيا، فتقديم الجار والمجرور للتَّخصيص.
(٦٠) - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قَصر جنسَ الصَّدقات المشتمِلة على الأنواع المختلفة - المشارِ إليه بصيغةِ الجمع - على الأصناف المعدودة تصويبًا لِمَا فعله الرَّسول ﵇، ورغمًا لأنوف المنافقين، وردعًا لهم عن اللَّمز، وحسمًا لأطماعهم بإثبات استحقاق غيرهم لها دونهم، وأنَّهم ليسوا منها في شيءٍ، فما لهم (^١) والتكَلُّمَ فيها وفيمَن قاسمها (^٢).
فإيرادها استطرادٌ ساقَ إليه الكلام في مثالبهم ورذائلهم، وظهورِ ما أضمروا من معاداة الرَّسول ﷺ والمؤمنين مِن فَلَتاتِ لسانهم، ولهذا توسَّطتْ بين ذكر المنافقين (^٣)، ومعناه: إنَّما هي لهم لا لغيرهم، وهو دليل على أنَّ اللَّمزَ (^٤) في قسمة الزَّكاة لا في الغنائم.
والقصرُ المذكور يفيد اختصاصها بالأصناف الثمانية، وعدمَ تجاوزها إلى
_________________
(١) في (م): "هم".
(٢) في (ك): "قسمها".
(٣) في (م) زيادة: "ومن أيديهم".
(٤) في (ك): "الأمر".
[ ٤ / ٣٨٣ ]
غيرهم؛ لا إيجابَ شمولها لهم (^١) وقسمتِها (^٢) على جميعهم، فيحتمِل استيعابُ الجميع (^٣) الصرفَ إلى بعضهم؛ فأبو حنيفة اختار الثَّانيَ، وعن عمر وابن عباس وحذيفةَ وكثير من الصحابة ﵃ والتابعين (^٤) جوازُ صرفها إلى واحد ومنهم.
والشَّافعي اختار وجوب الصَّرْف إلى كلِّ واحدٍ منهم، والتَّسويةِ بينهم، على قضية الاشتراك.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ المسكين: مَن له مال أو كسبٌ ولكن لا يكفيه. والفقير: مَن ليس له واحدٌ منهما، ولهذا قدَّمه.
ورُوِيَ أنَّه ﵇ سأل المسكنةَ وتعوَّذ من الفقر (^٥).
﴿وَالْعَامِلِينَ﴾: السُّعاةِ في جمع (^٦) الصَّدقات وقبضِها، وإنما قال: ﴿عَلَيْهَا﴾ لتضمين معنى القيام، كأنَّه قيل: القائمين على جميع مصالحها، وكلُّ مَنْ يُبعث
_________________
(١) "لهم" من (م).
(٢) في (ك): "وقسمها".
(٣) في (م): "الجمع ".
(٤) "والتابعين" من (م). وانظر الصحابة - ومنهم المذكورون - والتابعين الذين روي عنهم هذا القول في "أحكام القرآن" للهراسي (٣/ ٢٠٦)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٥) وذلك في أحاديث، منها دعاؤه ﷺ: "اللهم أحيني مسكينًا وتوفني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين"، رواه الترمذي (٢٣٥٢) من حديث أنس ﵁، وقال الترمذي: غريب، وابن ماجه (٤١٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. أما تعوذه ﷺ من الفقر فرواه البخاري (٦٣٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، من حديث عائشة ﵂. ورواه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٥٤٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) في (ك): "جميع".
[ ٤ / ٣٨٤ ]
معهم مِنْ عَوْنٍ لا يُستغنى عنه فهو منهم؛ لأنَّه يحثُّ (^١) النَّاس عليهم.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم كانوا أصنافًا ثلاثة: صنفٌ كان النَّبيُّ ﵇ يتألَّفهم ليسلموا، وصنفٌ يعطيهم لدفع شرِّهم، وصنفٌ كانوا أسلموا وفي إسلامهم ضعفٌ، فيزيدهم بذلك تقريرًا على الإسلام.
كلُّ ذلك كان جهادًا منه ﵇ لإعلاء كلمة الله تعالى؛ لأنَّ الجهادَ تارةً يكون بالسِّنان، وتارةً يكون (^٢) بالبَيان، وتارةً بالإحسان.
واختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الرِّقاب بأنْ يُعَانَ المكاتَب بشيءٍ منها على أداء النُّجوم، وقيل: بأنْ يُبتاعَ الرِّقاب فيُعتق، وقيل؛ بأن يُفدى الأُسارى.
والعدول من اللَّام إلى (في) للدّلالة على أنَّ الاستحقاق في الجهة لا في الرِّقاب، أو للإيذان بأنَّهم أحقُّ بها وأقوى استحقاقًا؛ لأنَّ (في) للظَّرفية؛ أي: هم مواضعُها التي يوضع فيها؛ لِمَا فيها من الفَكِّ والإنقاذ من الرِّقِّ والغرم والأسر، وحفظِ بيضة الإسلام، والتَّخليصِ من الإشراف على الهلاك.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الذين يَدينون لأنفسهم من غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم وفاءٌ، أو لإصلاح ذات بَيْنٍ بتحمُّل الحمالات وإن كانوا أغنياءَ؛ لقوله ﵇: "لا تَحِلُّ الصَّدقةُ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لغارمٍ، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو رجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتصدَّق على المسكين فأهدى المسكينُ للغنيِّ، أو لعاملٍ عليها" (^٣).
_________________
(١) في (ك) و(م): "يحشر".
(٢) "يكون": ليست في (ك) و(م).
(٣) رواه بمعناه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الجهاد بالإنفاق (^١) على المتطوِّعة (^٢)، وابتياعِ الكُراع والسِّلاح، وقيل: في بناء القنطرة والمصانع (^٣).
وإعادة الجارِّ؛ لأنَّه من نوعٍ آخر.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أخَّره عن سبيل الله تعالى مع أنَّه من قَبيل ما سبقَ؛ رعاية لظاهر الكلام؛ فإنَّ ابنَ السَّبيل يناسبه أن يُذْكرَ بعد السَّبيل، والمراد منه المسافر المنقطِع عن ماله، وابنُ السبيل كالعَلَم، فلذلك لم يُجْمَعْ.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾: فرضَ اللهُ الصَّدقات لهم، أو حالٌ من الضَّمير في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.
وقرئ: (فريضةٌ) بالرفع (^٤)، أي: تلك الفريضة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمواضع الاستحقاق ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها.
(٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ أي: من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ روي أنَّ جماعة منهم
_________________
(١) في (ك): "بالإنفاع"، وفي هامش (م): "بالإيقاع".
(٢) في (ف): "المطوعة"، وفي (م): "المتطوع".
(٣) في (ف): "والمضائق".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٨٣)، ونسبها القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٢) لابن أبي عبلة. قال الزجاج في "معاني القرآن" (٢/ ٤٥٧): ولا أعلمه قرئ به. وقال الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٤٤٤): والرفع في (فريضة) جائز لو قرئ به.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
ذمُّوه ﵇ وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم، فقال بعضهم: لا عليكم إنما هو (^١) أُذُن سامعةٌ، قد سمع كلام المبلِّغ فتأذَّى، ونحن نأتيه فنعتذرُ فيسمع عذرنا أيضًا فيرضى (^٢).
وهذا ما ذكره بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الأُذُنُ مَنْ إذا قيل له شيءٌ سمعه، وحُدِّثَ بشيءٍ لا ينكرُه، فإن الأُذُن الذي هو جارحةُ السَّماع كذلك؛ أي: ليس فيه وراء الاستماع تمييزُ الحقِّ من الباطل.
وأرادوا ذمَّه ﵇، فَما ذُكِرَ مِنْ قَبيلِ التَّشبيه، والغرضُ: المبالغة في الذَّمِّ.
وأمَّا إطلاق العين على الجاسوس فمن قَبيل المجازِ العقلي، كإطلاق العَدْل على العادل، والغرضُ منه المبالغة في المدح، فأين هذا من ذاك؟!
كان النَّبيُّ ﷺ يستمعُ إلى كلامِ كلِّ مَنْ يحدِّثُه بشيءٍ؛ لِكرمِه وحُسنِ خُلقه، فظنَّ أولئك أنَّه لسلامة قلبه وغفلته.
ولقد أحسن مَن قال: عابَه الجُهَّالُ بما هو آيةُ غايةِ كرمه، وعلامةُ حُسنِ شِيمِه (^٣)، قال ﵇: "المؤمن غِرٌّ كريمٌ، والمنافقُ خِبٌّ لئيمٌ" (^٤).
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أضاف الأذن إلى ﴿خَيْرٍ﴾ للمبالغة، كقولك: رجلُ صِدْقٍ، تريد وصفه بالجَودة والصَّلاح، كأنَّه مطبوعٌ منه ولا يتبيَّن إلَّا به، نحو: خاتم
_________________
(١) في (ك): "هي".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢١٧)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٢). وانظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٢١).
(٣) في (م): "سمته".
(٤) رواه أبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: "والفاجر" بدل "والمنافق". وقال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
[ ٤ / ٣٨٧ ]
فضَّة، أو مختصٌّ بذلك المعنى، أراد الوصفَ بالخيريَّة، كأنّه قيل: نعم، هو أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأُذُن، أو: أُذُنٌ في الخير وفيما يجبُ سماعه وقَبوله، لا في كلِّ شيء على الوجه الذي ذمَمتُموه به.
والدَّليل عليه قراءة: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالجر (^١)؛ أي: هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرهما ولا يقبلُه.
وقرئ: (أذنٌ خيرٌ لكم) برفعهما منوَّنَيْن (^٢)، على أن (خيرٌ) صفةٌ له، أو خبرٌ ثانٍ، أو كلًّا منهما (^٣) خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أذنٌ (^٤) خيرٌ لكم؛ لأَنه يقبل معاذيركم، ولا يكافيكم (^٥) على سوء ظنِّكم (^٦).
ثم فسَّره بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصدِّق به لِمَا قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يسلِّم لهم ما يقولون، فالاختلاف في التعدية للاختلاف في المعنى.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: هو رحمة، أُريْدَ المبالغة في رحمته لهم، فسلك مسلَك: رجلٌ عَدْلٌ.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: أظهروا الإيمان ﴿مِنْكُمْ﴾ حيث يقبله ولا يكشف سرَّه.
_________________
(١) قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١١٨).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٥٣)، و"البحر المحيط" (١١/ ٣٣٤).
(٣) في (م): "كلاهما".
(٤) في (م) زيادة: "منهما" في الهامش.
(٥) في (ك): "يكافئكم".
(٦) في (ك): "دخلتكم".
[ ٤ / ٣٨٨ ]
وفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ ليس يقبلُ قولهم جهلًا بحالهم، بل يقبل ترحُّمًا لهم ورفقًا بهم.
وقرئ: (ورحمةً) بالنَّصب (^١)، تعليلًا لِمَا تقدم من جهة المعنى، فإنَّ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ في معنى: يأذنُ لكم رحمةً.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إظهارُ ذِكْرِ رسولِ اللهِ تعظيمٌ وإيذانٌ بأنَّ الإيذاءَ (^٢) الذي هذا شأنُه يوجب استيجابَهم العذابَ الأليم.
(٦٢) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾؛ أي: يحلفون على معاذير عند الاعتذار إليكم في التَّخلُّف عن الجهاد والتَكلُّم بالمطاعن والإيذاء؛ لتَعذُروهم وترضَوا عنهم.
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيمِ الرَّسولِ ﵇، وبيانٌ أن إرضاءه إرضاءُ الله تعالى؛ أي: ورسولُ الله أحقُّ بالإرضاء بالطَّاعة والموافَقة.
﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كما يزعمون؛ لأنَّ الإيمان يقتضي ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ولو بسخطِ مَن سواه.
_________________
(١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٨٥)، و"البحر المحيط" (١١/ ٣٣٥).
(٢) في (م): "إيذاء".
[ ٤ / ٣٨٩ ]
(٦٣) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: الشَّأن ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ المحادَّةُ: مفاعَلةٌ من الحدِّ، كالمشاقَّة من الشقِّ؛ لأن المتخالفَينِ كلٌّ منهما في حدٍّ.
وذِكْرُ اللهِ تعالى هنا أيضًا تمهيدٌ.
﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد.
قيل (^١): يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَنْ يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب.
وهذا الذي قرَّره لا يصح (^٢)؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا (^٣) بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًابـ (لم)، وذلك إن (^٤) جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب.
_________________
(١) القائل الزمخشري وتابعه البيضاوي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٨٥)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٧).
(٢) في (ف): "يصلح". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في "البحر" (١١/ ٣٣٩)، والكلام منه.
(٣) في (ف): "مقرونًا". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
(٤) في (ك): "أن ما"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
﴿ذَلِكَ﴾ الهلاكُ الدائم.
﴿الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ الخزيُ: الهوانُ بما يُستحَى مِن مثلِه.
(٦٤) - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ خبرٌ عن حذرِهم، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: ليحذَرِ المنافقون.
﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾: على المنافقين، والنَّازل فيهم كالنَّازل عليهم من حيث إنه مقروءٌ محتجٌّ به عليهم.
﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾: تخبرهم ﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لم يكن ذلك الإخبار لإعلام المخبَر به، بل لإعلام أنَّه لا يخفى على الله تعالى ولا يخفيه عن رسوله ﵇.
وفيه هَتْكُ أستارِهم، وإظهارُ أسرارهم للمؤمنين، ولا يخفى ما في هذا المعنى من شدَّة الالتئام بين أجزاء الكلام، واعتبارٌ (^١) لطيفٌ يناسب المقام، بل التزامٌ لانتشار الضمائر.
ثمَّ إنَّ ما ذكر على تقديرِ الأمرِ ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير الخبر فنقول: لكثرة ما كان يُطْلعُ اللهُ تعالى رسولَه (^٢) ﵇ كانوا يحذرون ذلك، ولخبثِ باطنهم وشدَّة كفرهم كانوا يؤذونه ﵇ ويستهزءون به، وذلك قوله تعالى:
_________________
(١) في (ف) و(ك): "واعتذار".
(٢) في النسخ: "ورسوله"، والصواب المثبت.
[ ٤ / ٣٩١ ]
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ صيغةُ أمر، وهو للتَّهديد، ودليله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ من لكُمُونِ إلى البروزِ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾؛ أي: ما تحذرونه من نزول السُّورة في (^١) أسراركم وهَتْك أستاركم، أو من إظهار مساوئكم (^٢).
(٦٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ رُويَ أنَّ ركبَ المنافقين مَرُّوا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرَّجل، يريد أن يفتح قصور الشَّام وحصونه، هيهات هيهات، فأخبر الله تعالى به (^٣) نبيَّه ﵇، فدعاهم فقال: قلتُم كذا وكذا؟ فقالوا: لا والله ما كنَّا في شيء من أمرك وأمر أصحابك، ولكن كنَّا في شيء مما يخوض فيه الرَّكب، ليقصر بعضنا على بعضٍ السَّفر، فنزلَتْ (^٤).
فما ذكر من السؤال والجواب كان مع بعضِهم، إلَّا أنَّه أسند إلى الكلِّ لاتِّحادهم في المنشأ.
﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الخوضُ في الأصلِ: دخولُ القَدَم فيما كان
_________________
(١) في (م): "نزول السورة وإظهار".
(٢) في هامش (ف): "فلا دلالة فيه على ترددهم في كفرهم".
(٣) "به" من (م).
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٧) وعنه نقل، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٣٠)، عن قتادة، وعزاه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٥٠) لزيد بن أسلم ومحمد بن كعب، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢١٩)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٥٥).
[ ٤ / ٣٩٢ ]
مائعًا من الماء والطِّين، ثم شاعَ (^١) وكثرَ حتى صارَ في كلِّ دخولٍ فيه أذًى (^٢).
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ تقرير للاستهزاءِ، وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم لمن (^٣) يجب تعظيمه ولا يصحُّ الاستهزاء به؛ لأن إيلاءَ المستهزَءِ به حرفَ الاستفهام إنما يصح بعد وقوع الاستهزاء، فلم يعبأ باعتذارهم للعلم بكذبهم في ذلك.
وذِكْرُ اللهِ تمهيدٌ لتعظيمِ آياته، والتَّنبيهِ على أنَّ استهزاءَها راجعٌ إلى الله تعالى.
(٦٦) - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾؛ أي: لا تشتغِلوا بأعذاركم؛ فإنَّها معلومةُ الكذبِ لا تنفعُكم بعد ظهور أسراركم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ بالاستهزاء والإيذاء ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمانَ.
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ لتوبتهم وإخلاصهم، أو لاجتنابهم عمَّا كانوا يفعلونه من الإيذاء والاستهزاء.
﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بكونهم مجرمين مصرِّين على النِّفاق وما كانوا عليه.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ثم كان".
(٢) في (م) زيادة: "وموت".
(٣) في (ك): "من"، ولعل الأحسن: (بمن).
[ ٤ / ٣٩٣ ]
(٦٧) - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: جنسٌ واحد كأبعاض الشَّيء الواحد، غيرُ مماثل لجنس المؤمنين.
تعريضٌ بأنَّهم ليسوا من المؤمنين، وتكذيبٌ لهم في حَلِفهم بالله إنهم لمنكم، وتقريرٌ لقوله (^١) تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾، وما بعده كالدَّليل عليه ببيانَ (^٢) منافاةِ حالهم لحال المؤمنين، وهو قوله:
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الإيمانِ والطاعة.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قبضُ اليدِ عبارة عن الشحِّ؛ أي: يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الخير.
﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ النِّسيان في الأوَّل كنايةٌ عن التَّرك، والمراد: ترك طاعته، وفي الثاني مجازًا مرتَّبًا على الكناية، والمراد ترك (^٣) رحمتهم، وإنما يعبَّر
_________________
(١) في النسخ: "بقوله"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٨)، و"روح المعاني" (١٠/ ٤٠٧).
(٢) في (ف) و(ك): "بيان". والمثبت من (م) وهو الصواب، ولفظ البيضاوي: (وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين).
(٣) "طاعته وفي الثاني مجازًا مرتبًا على الكناية والمراد ترك" من (م) زيد في الهامش وعليه علامة التصحيح، والصواب: (مجاز مرتب).
[ ٤ / ٣٩٤ ]
بالنِّسيان عن التَّركِ مبالغةً إذا بلغ وجوه الترك الوجهَ (^١) الذي يقترِن به النسيان.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في التَّمرُّد والخروج عن دائرة الخير، والمبالغةُ في ذمِّهم بالفسق، وجعلُه غايةً في التَّمرُّد والعتوِّ، والفاروقَ الأعظم بينهم وبين المسلمين، تنفيرٌ للمسلمين عنه.
(٦٨) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ التَّفصيل بين الجنسين منهم للاهتمام بشأنهم لأن الكلام في ذمِّهم (^٢).
﴿وَالْكُفَّارَ﴾؛ أي: المجاهرين بالكفر، بقرينةِ المقابلة، وهي لا تخلو عن الدّلالة إلى (^٣) أنَّهم جنسٌ آخر.
﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال عن معنى ﴿وَعَدَ﴾، فإنه كنايةٌ عن وقوع العذاب، كأنه قيل: يعذبهم الله بنار جهنَّم خالدين فيها.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ إشارةٌ إلى عظم عذابها، وأنَّه لا مزيد عليه؛ أي: حسبُهم عقابًا وعذابًا إذ لا شيء أبلغ منه.
﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردَهم وأهانهم مع التَّعذيب.، وقَرَنهم بالشَّياطين الملاعين في التَّبعيد، ففيه بيان عذابهم الروحاني.
_________________
(١) في النسخ: "هو" بدل: " الوجه"، والصواب المثبت. انظر: " المحرر الوجيز" (٣/ ٥٦).
(٢) "لأن الكلام في ذمهم" من (م).
(٣) في (ك): (أي)، ولعل الصواب: (على).
[ ٤ / ٣٩٥ ]
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾؛ أي: ولهم نوعٌ من العذاب سوى الصلي بالنَّار.
﴿مُقِيمٌ﴾: دائم كعذاب النَّار.
(٦٩) - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿كَالَّذِينَ﴾؛ أي: أنتم مثلَ الذين مِن قبلكم، أو: فعلتم مثل الذين ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾: منعة وبطشًا ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾؛ أي: كانوا أشد منكم قوةً وأقدر، فإذا كنتُم في سوء المعاملة مثلَهم وفي القوة دونهم، فما يُؤْمنكم أن يصيبكم من العقوبة مثلُ ما أصابهم.
ومَن وَهَمَ أنه بيانٌ لتشبيههم بهم وتمثيلِ حالهم بحالهم فقد وَهِمَ (^١)، فافهم.
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ الخَلَاقُ: النَّصيب، من الخَلْق بمعنى التَّقدير، وهو ما خُلق للإنسان؛ أي: قُدِّرَ له من خيرٍ، كما سُمِّيَ نصيبًا؛ لأنَّه نُصب له وأثْبِتْ (^٢)، وتقديمه على التشبيه المذكور بقوله:
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ تمهيدٌ لذمِّهم بذمِّ الأوَّلينَ بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا واشتغالِهم بها، وذهولِهم بلذَّاتها الفانية عن التَّفكُّر في أمر الآخرة والنَّظرِ في العاقبة وطلبِ الفلاح، وتحصيلِ اللَّذات
_________________
(١) في هامش (ف): "فإنَّ اعتبار التفصيل في الوصفين يرشد إلى ما ذكرنا".
(٢) في (ك): "لأنَّه نصيب له" وسقط منه "وأثبت".
[ ٤ / ٣٩٦ ]
الباقية؛ ليتقرَّرَ سوءُ حالهم وسماجةُ فعلهم في أنفسهم، ثم يتفطَّنوا ويتيقَّظوا (^١) لقبحِ ما هم فيه بتشبُّههم واقتفاءِ آثارهم.
والاستمتاع: طلب المتعة، وهي فعلُ ما فيه اللذةُ من المآكل والمشارب والمناكح.
﴿وَخُضْتُمْ﴾؛ أي: دخلتُم في الباطل ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، أي: كالذين خاضوا.
(الذي): اسمٌ ناقصٌ يُعبَّرُ به عن الواحد والجمع.
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين رضوا من آخرتهم بدنياهم ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الآخرة فلأنَّه لا ثواب لهم ولا نجاة من العذاب، وأمَّا في الدُّنيا فلأنهم قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل الله تعالى كيدَهم وخيَّبَ أملَهم.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ذهبَ أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعْهم، ولو ذهب فيما لا يضرُّهم ولا ينفعهم كان خسرانًا، فكيف وقد ذهب فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟!
أشارَ إلى الأوَّلينَ المستمتِعينَ؛ ليَعلَمَ المشبَّهون بهم أنَّ استمتاعَهم وتَلهِّيهِم سببٌ لحَبْط أعمالهم في الدُّنيا والآخرة وخسرانهم المطلَقِ، فيَرتدِعوا.
(٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "ويتعظوا".
[ ٤ / ٣٩٧ ]
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الاستفهام للتَّقرير والتَّحذير. والنَّبأُ: الخبرُ الذي له شأن.
﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغرِقوا بالطُّوفان ﴿وَعَادٍ﴾ أُهلِكوا بالرِّيح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلِكوا بالرَّجفة.
﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هلك نمرود ببعوضٍ وكذا أصحابُه.
﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أُهلكوا بالرَّجفة على ما صرَّح في سورة الأعراف، والذين أُهلكوا بالنَّار يومَ الظُّلة هم أصحاب الأيكة من قوم شعيبٍ ﵇، ولم يقل: وقومِ شعيب؛ لأن كثيرًا منهم آمَنوا له ﵇، ولمثلِ هذا عدل فيما سبق من (قوم هود وقوم صالح ﵉ إلى: (عادٍ وثمود).
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الائتفاك: الانقلاب، والمرادُ: كلُّ مَنْ أُهْلِكَ مِنَ المكذِّبين المتمرِّدين، كما يُقالُ: انقلبَتْ عليه الدُّنيا، ويدخل فيهم دخولًا أوَّليًّا قوم لوط، ولو أريد بها قومه ﵇ خاصَّة لكان حقَّها أن يُذكَر قبل أصحاب مدين.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الضَّمير لكلِّ ما تقدَّم ذكره من الأمم.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن من عادته العقوبة بلا جُرم، ولمَّا تبيَّن هذا مما تقدَّم صَدَّره بأداة التَّفريع (^١)، وهو كما يكون باعتبارِ الوجود يكون باعتبار (^٢) الظهور.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإيقاعها فيما يوجب العقوبة، وتقديم المفعول يفيد التَّخصيص.
_________________
(١) في (ك): "التقريع".
(٢) "الوجود يكون باعتبار" زيادة من (م).
[ ٤ / ٣٩٨ ]
(٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ذكر في مقابلة المنافقين والمنافقات، والمراد: المخلِصون والمخلِصات، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ الإيمان الإخلاص، وأنَّ المنافقين ليسوا (^١) من جنس المؤمنين.
والمعنى: أنَّ ذكورَهم وإناثهم يتوالون على الدِّين ويتناصرون ويتعاونون، حتى إنَّ الرَّجلَ يخرجُ إلى الجهاد وامرأتَه تهيِّئ أسبابه، ويخرج النِّساء مع الرِّجال أيضًا، فيداوْينَ الجرحى، ويعالجْنَ المرضى، ويُصلحْنَ الطَّعام، ويحملْنَ الماء، وغير ذلك من المهمَّات.
واختيار كلمة التَّبعيض ثمَّة لشدَّةِ الارتباط فيما بينهم، وقوَّةِ اتِّفاقهم على الكفر والنِّفاق (^٢)، وإيثارُ عبارة الولاية هنا للإشارة إلى أن حقَّ الأخوَّة الإيمانيَّة الموالاةُ في المصالح الدِّينية وإنْ كان بينهم (^٣) معاداةٌ في المصالح الدُّنيويَّة.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التَّعريف في الموضعين للجنس.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ فهم يذكرون الله تعالى.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فلا يقبضون أيديَهم، والتعريفان (^٤) هنا للعهد، ولو
_________________
(١) في (ف) و(ك): "ليس".
(٢) في (ف) و(ك): "والشقاق".
(٣) "بينهم" ليست في (م).
(٤) في (ك): "التعريفان".
[ ٤ / ٣٩٩ ]
حُمِلَ على الجنس نظرًا إلى أن المدح بالنَّوافل أبلغ، أو مَن يقيم النَّافلة أحرى بإقامة الفرض، لكانَ له وجهٌ.
﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنَّواهي.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ السِّين مؤكِّدةٌ للوعد، مُفيدةٌ لوقوع الرَّحمة لا محالة.
هذا ما بحسب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه أنها مدخلةٌ في الوعد مهلةً لتكون النُّفوس تتنَّعم برجائه، وفضلُه تعالى زعيمٌ بالإنجاز (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: قويٌّ غالبٌ قادرٌ على قهر أعدائه وإعزاز أوليائه بجميع الوجوه.
﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء مواضعها، فيخصُّ النِّقمة بالمنافقين والكفَّار، والرَّحمة بأعدائهم على حَسَب استحقا قاتهم، فليتعذَّبوا بكِلَا الأمرين، فهو من تتمَّة وعيد المنافقين على وجهٍ يتضمَّن وعد المؤمنين.
* * *
(٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه انتقالٌ من التَّضمين والإشارة إلى التَّصريح؛ اهتمامًا لأمر البِشارة.
﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: السُّكونَ والقرارَ فيها.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لمَّا كان الموعود قرارهم فيها صحَّ أن يكون قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالًا عنه بلا تأويلٍ.
_________________
(١) في (م): "الإنجاز".
[ ٤ / ٤٠٠ ]
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ تستطيبُها النَّفس، أو يطيبُ فيها العيش، وفي الحديث أنها قصور من اللُّؤلؤ والزَّبرجد والياقوت الأحمر (^١).
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مقامٌ معيَّن؛ لِمَا روى أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ: "عدنٌ دارُ الله التي لم ترها عينٌ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النَّبيُّون والصِّدِّيقون والشُّهداء" (^٢).
وهذا لا ينافي تعميم الوعد لسائر المؤمنين، فإنَّ الموعود لهم ما (^٣) حوله من الجنَّات.
قال ابنُ مسعود ﵁: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجنَّةِ وسُرَّتُها (^٤).
ولا يجوز أنْ يُراد به معناه اللُّغوي، وهو الإقامة والخلود؛ لِمَا فيه من التكرار في اعتبار معنًى واحد.
_________________
(١) روى نحوه ابن المبارك في "الزهد" (١٥٧٧)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٥٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ١٦٠) من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٣٩) من حديث عمران بن حصين ﵁. ولفظ الطبراني: "عن الحسن، عن عمران بن حصين، وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] قال: قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زبرجدة خضراء … ". والحديث فيه كلام، وجعله ابن الجوزي في "الموضوعات" (١٧٠٤). وكلمة: "الأحمر" من (م).
(٢) رواه البزار كما في "كشف الأستار" (٣٥١٦)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (٣/ ١١٥١)، وابن الجوزي في "العلل" (٢١)، وقال: هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد.
(٣) في (ك) و(م): "ما في".
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥١٦٧)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦١).
[ ٤ / ٤٠١ ]
وَعَدهم أوَّلًا بالرَّحمة المطلقة إجمالًا، ثمَّ فصَّلها وفسَّرها بما هو أبهى الأماكنِ التي يعرفونها من جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ونكَّرها للتَّعظيم لتميلَ إليها طباعهم أوَّلَ ما تقرعُ أسماعَهم، ثمَّ زادَ عليها دفعَ وهم ما يُنَغَّصُ (^١) به العيش، وهو زوال تلك النِّعمة، ثمَّ وصفَه بأنَّه محفوفٌ بطِيب العيش، معرًّى عن شوائب الكُدُورات التي لا يخلو شيء منها أماكن الدنيا.
وأمَّا زيادة قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فلدفع وهم أن تكونَ تلك المساكن خارجةً عن الجنَّات، ويكونَ سكون المؤمنين فيها قبل الدخول في الجنة (^٢).
ثمَّ وعدهم بما هو أكبر ممَّا تقدَّم ذِكْرُه فقالَ:
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أفرده بالذِّكْرِ ونوَّنه تعظيمًا في شأنه؛ أي: وشيءٌ من رضوان الله تعالى أكبر من ذلك كلِّه؛ لأن رضاه تعالى سببُ كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، ومُوجِب كلِّ قُرْبٍ وكرامة.
روي أن الله تعالى يقول لأهل (^٣) الجنَّة: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقِكَ؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأيُّ شيءٍ أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم أبدًا (^٤).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى جميع ما وعدهم، وقيل: إلى الرِّضوان خاصَّة لتعظيمه، وفيه
_________________
(١) في (ك): "نغص"، وفي (م): "نقص".
(٢) "في الجنة" من (م).
(٣) في (ف): "أهل".
(٤) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
إخراج ما عدا الرِّضوانَ المذكورَ عن حدِّ الفوز العظيم، ويأباه ما يأتي من قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فإنه صريحٌ في دخوله في حدِّ الفوزِ المذكور (^١).
﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لا ما يَعُدُّه النَّاس في الدُّنيا فوزًا؛ لأنَّه يَفنى ويتغيَّر دونه، وينقص ويتكدَّر بخلافه.
* * *
(٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ المجاهرين بالقتل والسَّبي ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بإلزام الحجَّة وإقامة الحدود، وتقديم الكفَّار لأنَّ جهادَهم أهمُّ وأتمُّ؛ لكونه باللِّسان أوَّلًا، وبالسِّنَان ثانيًا، وجهاد المنافقين بالثاني فقط.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في الجهادين.
قال عطاء: نَسَخَتْ هذه الآيةُ كلَّ شيءٍ من العفو والصَّفح (^٢).
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عطفه بالواو؛ دلالةً على أنَّ المذكورَ بعضُ ما أُعِدَّ لهم، فأضمرَ بعضَه ثمَّ عطف عليه ما ذكرَ، ولا يخفى ما فيه من التَّهويل.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هو.
_________________
(١) في (ك): "في الحد المذكور"، وفي (ف): "في حد المذكور"، والمثبت من (م).
(٢) ذكره عن عطاء البغوي في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية، وعزي أيضا لابن عباس وابن مسعود ﵃. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ٦٩).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
(٧٤) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ روي أنَّه أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك (^١) شهرين ينزل عليه القرآن وَيعيب المتخلِّفين، فقال الجُلَاس بن سُوَيْدٍ: لئن كان ما يقول محمَّدٌ لإخواننا حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، فبلغ رسولَ الله ﷺ فاستحضره، فحلف بالله ما قاله، فنزلت (^٢)، فتاب الجُلَاس وحسُنَتْ توبتُه (^٣).
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ هي كلُّ لفظةٍ ترجع إلى الطَّعن في الدِّين أو في الرَّسول ﷺ.
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾؛ أي: أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإسلام.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وهو الفَتْكُ برسولِ الله ﷺ، وذلك عند مرجعه من تبوك.
﴿وَمَا نَقَمُوا﴾: وما أنكروا، أو: ما وجدوا ما يورِثُ نقمَتهم ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ استثناء مفرَّغ من أعم المفاعيل والعلل، وعلى الأخير يكون الكلام على طريقة قولِ النَّابغة:
ولا عيْبَ فيهِمْ غيْرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ (^٤)
_________________
(١) "في غزوة تبوك" من (م).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٦٩) عن عروة وابن إسحاق ومجاهد. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٤٣) عن كعب بن مالك وابن عباس ﵃.
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٨٣٠٣).
(٤) انظر: "ديوان النابغة" (ص: ١١). وقد تقدم مرارًا.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
أو: ما نقموا إلَّا وحقُّه أن يُشْكَر، وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنكٍ من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فأَثْرَوا بالغنائم.
﴿وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الضمير لله تعالى، وتوسيط ذِكْرِ الرَّسول ﷺ لأنَّه الواسطة في وصول الفضلِ المذكور منه تعالى إليهم.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ والضمير في ﴿يَكُ﴾ للتَّوب، وهذا إحسان منه تعالى ورفقٌ بهم؛ حيث فتح لهم باب التَّوبة بعد ارتكاب تلك الجرائم العظيمة، وهذا هو الذي حمل الجُلَاس على التَّوبة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بالإصرار على النِّفاق ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل وفي ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنَّار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينجيهم من العذاب باللُّطف أو بالعنف.
وإنَّما أفرد الأرض بالذِّكْرِ تخصيصًا لِمَا هو المحتمل بالنَّفي، وهذا أبلغ من ذكر السَّماء معها، والتَّصريح بنفي الولي والنَّصير فيه أيضًا (^١).
* * *
(٧٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ قال الضحاك: هم نَبْتَلُ بن الحارث، وجَدُّ بن قيس، ومُعَتِّب بن قشير، وثَعْلَبة بن حاطب، وفيهم نزلَتِ الآية (^٢).
_________________
(١) لعله يعني: أن تخصيص الأرض بالذكر في نفي الولي والنصير لأنَّه لا ولي ولا نصير لهم في السماء قطعًا فلا حاجة لنفي ذلك في السماء.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٢٧)، و"زاد المسير" (٣/ ٤٧٤).
[ ٤ / ٤٠٥ ]
روي أنه قال: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا، فقال ﵇: "يا ثعلبةُ، قليل تؤدِّي شكرَه خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقُه" فراجعَه، وقال: والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فدعا له، فاتَّخذ غنمًا، فنمَتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقَتْ بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجُمُعة.
فسأل عنه رسولُ الله ﷺ، فقيل: كثر مالُه حتى لا يسعه وادٍ، فقال: "يا ويحَ ثعلبة"، فبعث رسول الله ﷺ مصدِّقَين لأخذ الصَّدقات، فاستقبلهما النَّاس بصدقاتهم، ومرَّا بثعلبة فسألاه الصَّدقة، وأقرأاه كتابَ رسولِ الله ﷺ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلَّا جزية، ما هذه إلَّا أخت الجزية، وقال: ارجعا منِّي حتى أراني، فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه: "يا ويحَ ثعلبةَ" مرتين فنزلَتْ، فجاء ثعلبة بالصَّدقة، فقال ﵇: "إنَّ الله منعني أنْ أقبلَ منك"، فجعل يحثو التُّراب على رأسه، فقال ﵇: "هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطِعني"، فقُبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عمر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عثمان ﵁ فلم يَقبلها، وهلَك في زمن خلافته (^١).
﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد الحجَّ (^٢)؛ ليلائم
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٢٥٣)، والطبري في "التفسير" (١١/ ٥٧٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧٨٧٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢) من حديث أبي أمامة ﵁، قال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولًا بأسانيد ضعاف. وقال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" (ص: ٦٦): منكرٌ بمرَّة.
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٩٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٧١، ٦٧٢) عن الضحاك بن مزاحم، وبمعناه عن ابن عباس ﵄، لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
المعطوفَ عليه، أعني: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارة إلى الزَّكاة، فيَحْسُن ترتيبُها على إيتاء المال المشار إليه بـ (^١) ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾، ومن هنا قالوا: الصَّلاح في المال بعد النَّفقة (^٢) في الحجِّ والغزو.
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾: منعوا حقَّ الله تعالى منه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قوم عادتُهم الإعراض عنها.
* * *
(٧٧) - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾؛ أي: فعلُهم ذلك من البخل والتَّولي ﴿نِفَاقًا﴾ متمكِّنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنَّه كان سببًا فيه، والظاهر أنَّ الضَّمير لله تعالى، أي: فجعل عاقبة فعلهم ذلك نفاقًا ثابتًا في قلوبهم.
﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ دلَّ على موتهم على النِّفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء زكاة ثعلبة.
والضَّميرُ للهِ تعالى، ويومُ لقائه: وقتُ (^٣) الجزاء، وابتداؤه من وقت الموت.
_________________
(١) في (م): "بقوله".
(٢) في (ك): "الصدقة".
(٣) في (م): "يوم".
[ ٤ / ٤٠٧ ]
أو لفعلِهم، والأعمال تتجسَّم حينئذ، وتحصل الملاقاة حقيقةً، على ما ورد في الأحاديث الصحيحة وإنَّما لم يقل: إلى أن يموتوا؛ تنبيهًا على أن يوم الجزاء ابتداؤه من وقت الموت، ولهذا قال النبي ﷺ: "مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه" (^١).
﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى من التَّصدُّق والصَّلاح.
﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: وبكونهم كاذبين فيه، فإنَّ خُلْفَ الوعد أختُ الكذبِ، يجوز استعارة اسمه له. فيه وعيدٌ بالعذاب، وتهديدٌ بالعقاب. ثم عقبه تأكيدًا للوعيد بقوله:
(٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ أي: المنافقون، وقرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على الالتفات (^٢).
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما أسرُّوه من النِّفاق والعزمِ على إخلاف الوعد، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدِّين، وتسميةِ الصَّدقة جزيةً، وتدبيرِ منعها.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فلا يخفى عليه شيء من ذلك.
_________________
(١) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (١١١٧) من حديث أنس ﵁، وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/ ١٠١٣): رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" بإسناد ضعيف. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦٨) عن المغيرة بن شعبة ﵁ موقوفًا.
(٢) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٥٤).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
(٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محلُّه النَّصب، أو الرَّفع على المدح، أو الجرُّ على البدل من الضَّمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. واللَّمزُ قد مرَّ تفسيره.
﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: المتطوعين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ روي أنَّ رسول الله ﷺ حثَّ على الصَّدقة، فجاء عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ بأربعة آلاف درهم، وأمسك مثلَها، فبارك له الرَّسول ﷺ فيما أعطاه وفيما أمسك، وتصدق عاصم بن عدي بمئة وسق تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاريُّ بصاعِ تمرٍ، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصَّدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرَّحمن وعاصم إلَّا رياء، وما تصدَّق أبو عقيل إلا ليُذْكَر مع الأكابر، أو ليذكِّرَه بنفسه لِيُعْطَى من الصَّدقات، والله غنيٌّ عن صاعه، فنزلَتْ (^١).
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ وقرئ بالضَّم (^٢)، وهو مصدر جَهِدَ في
_________________
(١) رواه أبو الشيخ في "تفسيره" عن الحسن مرسلًا مطولًا كما في "الدر المنثور" (٤/ ٢٥٢)، وللقصة شواهد رواها مفرقة الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٨٨ - ٥٩٦). وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص:٢٥٤). وخبر أبي عقيل رواه البخاري (١٤١٥)، ومسلم (١٠١٨) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٢) قراءة الضم هي قراءة السبعة، أما قراءة الفتح فهي قراءة شاذة نسبت لعطاء والأعرج ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤). وكان الأولى بالمؤلف أن يصدر بالمتواتر. وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٩١)، وفيه: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: إلا طاقتهم. وقرئ بالفتح وهو مصدر جهد في الأمر …)، فإما أن المؤلف عكس ما جاء فيه، أو أنه وقع في النسخ تحريف بين الضم والفتح.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
الأمر: إذا بالغ فيه وحمل على نفسه (^١) المشقَّة فيه، وقيل: هو بالضَّمِّ: الطَّاقة، وبالفتح: المشقَّة.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: يهزؤون بهم.
﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ قد مرَّ بيانه في تفسير: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] من سورة البقرة.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تنكير العذاب للتَّعظيم، ومعلوم أن العذاب لا يخلو عن ألم، فالتَّوصيف إنما يفيد إذا قصد به المبالغة، وتقديم الجار والمجرور لمحافظة الفاصلة.
* * *
(٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أراد الخبر عن تسوية الاستغفار وتركه في امتناع الغفران، كما نصَّ عليه في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
وفائدة الأمر به وبتركه أن يُمتحن فيعلم يقينًا أنه لا يتفاوتُ في الحالَيْن عدمُ الغفران.
﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ روي أنه سأل عبدُ الله أبنَ عبدِ الله، ابن أُبيٍّ رسولَ الله ﷺ - وكان رجلًا مخلصًا - أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت، فقال ﵇: لأزيدن على السَّبعين، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (^٢).
_________________
(١) في (ك) و(م): "نفس".
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٢٩٤)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٩١)، وما بين معكوفتين منهما، وأورد =
[ ٤ / ٤١٠ ]
وذلك لأنَّه ﵇ فهم من السَّبعين العددَ المخصوص؛ لأنَّه الأصل، فجوَّز أن يكون (^١) حدًّا يخالفه حكم ما وراءه، فبيِّن له أن المراد به التكثير (^٢) دون التَّحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التَّكثير؛ لاشتمال السبعة على جملةِ ما هو الأصول من كسور العدد، فكأنها العدد بأسره.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع الغفران، وعدمِ تأثير الاستغفار في حقِّهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: أنَّ ذلك لعدم قَبولهم له بسبب كفرهم وتمرُّدهم في الفسق والعصيان، ولا لمنعي (^٣) ولا لتقصيرك.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ قد مرَّ أنَّه من قَبيل تنزيل الموجود منزلةَ المعدوم لعدم أثره ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ المتمرِّدين في كفرهم.
وهذا كالدَّليل على الحكم السَّابق؛ فإنَّ مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر
_________________
(١) = عليهما أنّ سورة براءة آخر ما نزل فكيف تكون هذه الآية نازلة بعدها. قاله الشهاب في "الحاشية" (٤/ ٣٤٩). وقال ابن حجر "الكافي الشافي" (ص: ٧٨): (لم أجده بهذا السياق، وأصله في المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ قال: لما توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعصيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام يصلي عليه، فأخذ عمر ﵁ بثوبه فقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلى عليه؟ فقال: "إنما خيرنى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، وسأزيده على السبعين" فصلى عليه، فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ فتُركت الصلاة عليهم. لفظ مسلم). قلت: رواه البخاري (٤٦٧٠، ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠).
(٢) "أن يكون" مكررة في (ك).
(٣) في (م): "الكثير".
(٤) في (ف) و(م): "بمنعي".
[ ٤ / ٤١١ ]
والإرشاد إلى الحقِّ، والمنهمِكُ في كفره المطبوعُ عليه لا ينقلع ولا يهتدي، والتَّنبيه على عذر النَّبي ﵇ في استغفاره وهو عدم يأسه ﵇ عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضَّلالة، والممنوعُ هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
* * *
(٨١) - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾: الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك.
المخلَّفُ: المتروكُ خلفَ مَن مضى. والفرحُ: انشراحُ الصَّدر بلذَّةٍ عاجلةٍ.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾؛ أي: بقعودهم عن الغزو في المدينة عند خروجه ﵇.
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نصبٌ على الظَّرف؛ أي: خلفَه، يُقال: أقام خلاف الحيِّ؛ أي: بعد ارتحالهم، ويعضده قراءة أبي حيوة: (خلف رسول الله) (^١) ﷺ على المصدر، أي: خالفوا رسول الله خلافًا، نحو قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي: اضربوا الرِّقاب ضربًا.
وقيل: هو بمعنى المخالفة؛ لأنهم خالفوه ﵇، وحينئذ يكون حالًا أو مفعولًا له؛ أي: مخالِفِين له، أو: للمخالفة.
﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ إيثارًا للموجود الفاني على الموجود الباقي
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤).
[ ٤ / ٤١٢ ]
﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ترجيحًا للدَّعة على طاعة الله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طريق الغُزاة (^١).
والإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف والتَّنبيهِ على أن الغزو (^٢) المحمود ما كان خالصًا لله تعالى.
وفي ذكر حالهم هذه في معرض القدح تعريضٌ لحال الباذلين أموالَهم وأنفسَهم في سبيل الله تعالى، المتحمِّلين للمشاقِّ لوجه الله تعالى بالمدح.
﴿وَقَالُوا﴾ حُذف المقول له للتَّعميم؛ أي: قالوا لكلِّ مَنْ لاقَوه وقدروا على إغوائه وإضلاله:
﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ في وقته؛ أي: لا تخرجوا للغزو؛ فإنه وقع في شدَّة (^٣) الحرِّ، لا يؤمَن معها قلَّةُ المياه، وهلاكُ الظَّهر، والضَّعفُ عن المشي.
فعاب الله هذا من قولهم، وهدَّدهم عليه بالنَّار بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أُقيمت عليهم الحجَّة بأن قيل لهم: فإذا كنتم تجزعون من حرِّ القيظ فنار جهنَّم أشدُّ حرًّا، فأحرى أن تجزعوا منها.
وذِكْرُه في سياق الوعيد لهم يتضمَّن الدلالة على أن حالتهم هذه موجبة للتَّعذيب بنار جهنَّم.
﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ الفقهُ: الفهم بالفطنة؛ أي: لو كان لهم فهمٌ وفطنةٌ لَمَا رغبوا
_________________
(١) في النسخ: "الغزا"، فإن كان المراد: الغزاء، بمعنى الغزو، فلم أجده.
(٢) في النسخ: "الغزا"، وانظر التعليق السابق.
(٣) "شدة" ليست في (ف).
[ ٤ / ٤١٣ ]
عن طاعة الله تعالى لِمَا فيها من التَّعب، وهو سببُ الرغبة فيها (^١)؛ لأن الأجرة للعمل بقَدْر المشقَّة فيه، قال ﵇: "أفضل الأعمال أحمزُها (^٢) " (^٣).
وأما ما قيل: استجهالٌ لهم؛ لأن مَن تصوَّن عن مشقَّة ساعةً فوقع بسبب ذلك التصوُّنِ في مشقَّةِ الأبد كان أجهلَ مِنْ كلِّ جاهل = فلا يناسبه إيثار ﴿يَفْقَهُونَ﴾ على: يعلمون.
* * *
(٨٢) - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ الفاء للتَّسبب.
والضَّحكُ: حالُ تفتُّحٍ (^٤) وانبساطٍ يظهر في وجه الإنسان عن تعجُّب مع فرحٍ.
والبكاءُ: حالٌ يَظهر في الوجه عن غمٍّ مع جَرْي الدُّموع على الخدِّ.
_________________
(١) "فيها" ليست في (ف).
(٢) في (ف): "أحمدها".
(٣) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ٢٣٣)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٧٠)، و"غريب الحديث" للحربي (٢/ ٤٨٠). قال أبو عبيد: يروى هذا عن ابن جريج عمن يُحدِّثُه، عن ابن عباس. وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٣٠): قال المزي: هو من غرائب الأحاديث، لم يرو في شيء من الكتب الستة. وقال القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص: ١٠٠): قال الزركشي: لا يعرف، وقال ابن القيم في "شرح المنازل": لا أصل له، قلت: ومعناه صحيح؛ لما في الصحيحين عن عائشة: "الأجر على قدر التعب". اهـ. قلت: رواه مسلم (١٢١١/ ١٢٦) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "ولكنها على قدر نصَبك" أو قال: "نفقتك".
(٤) في (ف) و(م): "بفتح".
[ ٤ / ٤١٤ ]
والأمر في الموضعين للتَّكوين، ومجيئه على صيغة المضارع لأن كون تلك الحال في الاستقبال.
وقيل (^١): إخبار عمَّا يَؤُول إليه حالهم في الدُّنيا والآخرة، أخرجه على صيغة الأمر للدَّلالة على أنه حتمٌ واجبٌ.
ومبناه على أن يكون الإخراج المذكور أقوى من إبقاء الإخبار على صيغته، ولا يخفى ضعفُه، كيف وما عليه الجمهور - وهو المشهور - أن إخراج الأمر على صيغة الإخبار أقوى من إبقائه على حاله؟!
ويجوز أن يكون المراد من الضحك والبكاء: فرطَ (^٢) السُّرور والغمِّ، ومن القلَّة: العَدَم، ومن الكثرة: الأبد.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من أنواع المعاصي، ويندرج فيه معصيتهم السَّالفُ ذكرُها اندراجًا أوَّليًّا، ففيه تقريرٌ وتعيين لِمَا دلَّ عليه الفاء السَّببيَّة.
والكسب: اجتلاب لفظ بما هُيِّئ له من الأسباب، فلا ينتظِم تركَ الواجب، والمفهوم إنَّما يُعتبر إذا لم يعارضه منطوقُ نصٍّ آخر.
والجمع بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّدي، واعتباره (^٣) يناسب الإخبار عن الجزاء الدائم.
_________________
(١) في (ف) و(م): "وما قيل".
(٢) في (م): "قوة".
(٣) في (ف) و(ك): "واعتبارها".
[ ٤ / ٤١٥ ]
(٨٣) - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ الفاء للتفريع على ما تقدَّم، ورجع متعدٍّ من الرَّجع بمعنى الرَّد، والطَّائفة: الجماعة التي من شأنها أن تطوف، ولهذا لا يقال في جماعة الحجارة: طائفة.
والمراد: الجماعة المتخلِّفون، وإنَّما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لأنَّ كلَّهم لم يكونوا منافقين، أو لأنَّ فيهم من تاب ومات، كان يقول الرسول ﷺ إلى الطيبة بطيب (^١) الخاطر وحسن الاختيار، وأما وصوله إلى زمرة المنافقين فقد كان بكراهة واضطرار، فأُوثر صيغةُ المتعدِّي على اللازم للإشعار بهذه الدَّقيقة الأنيقة.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾ الاستئذان: طلب الإذن، وهو رفع التَّبعة في الفعل أو التَّرك، وأصله أن يكون بقولٍ يُسمَع بالأذن.
والفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر، تقديره: فمن أراد الخروج إلى غزوة أخرى.
﴿لِلْخُرُوجِ﴾؛ أي: معك. والخروج في الأصل: الانتقال عن محيط.
﴿فَقُلْ﴾ جواب شرط: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ نهيٌّ عن خروجهم معه ﵇ إلى الغزاة، أخرجه على صيغة الإخبار للدلالة على وقوع الامتثال عنهم بالاضطرار، وعدمِ قدرتهم على المخالفة.
﴿أَبَدًا﴾ الأبدُ: الزَّمان المستقبل من غير انتهاء إلى حدٍّ، ونظيره في الماضي: (قطّ).
_________________
(١) في (ف): "تطييب"، وفي (م): "يطيب".
[ ٤ / ٤١٦ ]
﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ الأوَّل لإسقاطهم عن ديوان الغزاة خاصَّة، وهذا لإسقاطهم عن ديوان المجاهدين مطلقًا.
﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ تعليلٌ للنَّهي المذكور، وكان إسقاطهم عن الدِّيوانَيْن المذكورَيْن آنفًا عقوبةً لهم عن التَّخلف بالاختيار بلا كره واضطرار (^١)، لا على التَّخلُّف مطلقًا، وللإشارة إلى هذا أتى بعبارة الرِّضا.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجة إلى غزوة تبوك.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من النِّساء والصِّبيان، وسائرِ مَن لا يليق بالجهاد من أصحاب الأعذار.
* * *
(٨٤) - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ هذه فضيحة لهم بعد الوفاة، وما ذُكر قبلها خزيٌ لهم في حال الحياة.
قال قتادة: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيٍّ ابنِ سلولَ في مرض موته، وكان دعاه، فسأله أن يصلِّي عليه، ويقوم على قبره، ويكفِّنه في قميصه، ففعل ذلك، فنزلَتِ الآية (^٢).
وعن عمر ﵁ أنَّه قال: لَمَّا توفِّي عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنُ سلولَ ووضعناه لنصلِّي عليه قام رسول الله ﷺ، فقلْتُ: أتصلِّي على عدوِّ الله، القائل يوم كذا: كذا،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "للإكراه والاضطرار".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٦١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٦١٤).
[ ٤ / ٤١٧ ]
والقائل يوم كذا: كذا (^١)، وعددتُ أيامه الخبيثة، فتبسَّم رسول الله ﷺ وصلى عليه، ثم مشى معه، وقام على حفرته حتى دفن وانصرف، فوالله ما لبث إلا يسيرًا حتى نزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره (^٢).
وإنما (^٣) قال: ﴿مَاتَ﴾ والمراد الاستقبال؛ لأنَّه كائن لا محالة.
وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ (^٤).
ولم يَدْرِ أنه على التقدير المذكور أيضًا لا حاجة إلى التوجيه المزبور، بل لا وجه له؛ لأن الحياة في البرزخ لا تنافي استمرار الموت الواقع في الدُّنيا.
﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ القبرُ: حفرةٌ يُدفَنُ فيها الميت، والمراد من القيام عليه معناه الحقيقيُّ، وهو نوع إكرام، وقيل: أراد به المباشرة بأسباب دفنه ومواراته، وعلى هذا يراد بالقبر معناه المصدريُّ، ويندرج فيه التَكفين، فلا يتمشَّى ما قيل: إنما لم ينهَ عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضِّنة بالقميص كانت مُخلَّة (^٥) بالكرم، ولأنه كان (^٦) مكافأةً لإلباسه العبَّاس ﵁ قميصَه حين أُسِرَ ببدر (^٧).
_________________
(١) "والقائل يوم كذا كذا" سقط من (م). وعبارة البخاري: "القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا".
(٢) رواه بنحوه البخاري (١٣٦٦)، ومسلم (٢٤٠٠).
(٣) في (ف) و(ك): "إنما".
(٤) قائله البيضاوي في "تفسيره" (٣/ ٩٢).
(٥) في (ف) و(م): "مخلًا".
(٦) "كان" سقط من (ف).
(٧) رواه البخاري (٣٠٠٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
[ ٤ / ٤١٨ ]
على أن ما ذكره لا يصلُح تعليلًا لعدم النَّهي عنه، لِمَا عرفتَ أنَّ نزول الآية المذكورة بعد الصَّلاة والتَّكفين، فيكون النَّهي على تقدير وروده عن العود إلى مثله.
وفي المرويات (^١) قيل له ﵇: أَتُلْبِسُ عدوَّ اللهِ قميصَك؟ قالَ: "إنِّي لأرجو أنْ يُسلمَ بقميصي ألفٌ من بني الخزرج" (^٢)، وكان كذلك (^٣).
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تعليلُ النَّهي على سبيل الاستئناف.
﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أي: كفروا وأصرُّوا عليه حتى ماتوا على الفسق؛ أي: الخروج عن الطَّاعة.
قال الإمام أبو منصور: سمَّى الله تعالى الكفَّار والمنافقين فاسقين في آيات وإن كان اسم الكافر والمنافق أبلغ في الذَّمِّ من اسم الفاسق؛ لأنَّ اسم الفاسق يأنف منه كل ذي دِينٍ، فإنَّه خروج عما تديَّن به، فأخبر الله تعالى أنهم مع تديُّنهم بالباطل فاسقون في معاملاتهم، خارجون عن دياناتهم، مستوجبون للمذمَّة بتلك الجهة أيضًا (^٤).
_________________
(١) في (ك): "الروايات"، وفي (م): "وفي بعض الروايات".
(٢) رواه ابن شبة في "أخبار المدينة" (٧٣٢) عن الحسن، و(٧٣٤) عن قتادة، وفيهما: (من بني النجار) بدل (من بني الخزرج). ورواه عن قتادة أيضًا الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦١٤)، وفيه: (من قومه).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٦٣). وفيه: (فيروى أنه أسلم من بني الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ). قلت: وهذا كله لم يرد به خبر يصلح للاحتجاج به.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٤١).
[ ٤ / ٤١٩ ]
(٨٥) - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد مرَّ تفسيره (^١)، ومعنى التَّكرير: المبالغةُ في التَّأكيد والتَّقرير، والأمر حقيق به؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والقلوب مرتبطة بهما، والنفوس منقبضة (^٢) عليهما.
وإنَّما عطفت هاهنا بالواو دون الفاء لعدم صحَّة التفريع على ما تقدَّم، بخلاف ما سبق فإنَّ للتَّفريع ثمة (^٣) جهةً على ما بُيِّنَ هناك.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ لا تحسبنَّ أنَّ تمكينَ أهل النِّفاق من تنفيذ مرادهم وتكثيرِ (^٤) أموالهم وأولادهم إسداءُ معروفٍ مِنَ الله تعالى إليهم، أو إسباغُ إنعامٍ من لدنه عليهم، إنما ذلك مَكْرٌ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمالٌ، والله قديرٌ مُتَعالٍ.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فيَعذَّبون بالنَّار في دار القرار أبدًا.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بتمامها على الحقيقة، أو بعضُها على المجاز؛ لأنَّه عَلَمٌ
_________________
(١) في (ك): "التَّفسير".
(٢) في (ك): "مغتبطة" وفي (م): "معتبطة".
(٣) "ثمة" من (م)، وفي (ف): "التفريع".
(٤) في (ك): "وتكثر".
[ ٤ / ٤٢٠ ]
للمجموع المعيَّن، بخلاف القرآن والكتاب فإنَّه يقع كلٌّ منهما على الكلِّ والبعض على الحقيقة.
﴿أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة.
﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾؛ أي: جاهدوا الكفار متابِعينَ لرسول الله ﷺ.
﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: ذوو الفضل والسَّعة، مِنْ طال عليه طَولًا.
﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: الذين قعدوا عن الجهاد بعذرٍ.
* * *
(٨٧) - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ من النِّساء، جمعُ خالفة، وقيل: معناه: مع الخِسَاس (^١)، من قولهم: فلان خالفةُ قومه: إذا كان دونهم في أسباب الفضل، وهذا تعييرٌ لهم وذمٌّ.
﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: خُتِمَ عليها. إنَّما عطفه على ما تقدَّم بالواو دون الفاء؛ تنبيهًا على أنَّ الطَّبع المذكور ليس أثرَ الرضا المذكور، بل الأمرُ بالعكس.
﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ فضلَ ما في الجهاد من السَّعادة الآجلة على ما في تركه من الرَّاحة العاجلة، ورجحانَ ما في التَّخلف من الشَّقاوة الباقية على ما في عدمه من المشقَّة الزَّائلة.
وعلى هذا يظهر وجه إيثار ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ على (لا يعلمون).
_________________
(١) في (ف): "الخسايس".
[ ٤ / ٤٢١ ]
وأيضًا فيه تنبيا على أنَّ أثرَ الطَّبع إزالةُ الفطنة، لا إزالةُ (^١) الفهم رأسًا حتى ينافيَ بقاء التَّكليف.
* * *
(٨٨) - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ استدراك عمَّا تقدَّم من جهة المعنى، فإنَّ قوله تعالى: ﴿رَضُوا﴾ إلخ، في معنى: لم يجاهدوا أصلًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: المخلِصين من المؤمنين، وإنما قال: ﴿مَعَهُ﴾ إفادةً لمعنى التَّبعيَّة له ﵇.
﴿جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ إنْ تخلَّفَ هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد مَنْ هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيَّةً، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
صرَّح هاهنا بما قدَّمه تعريضًا.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ إنما أتى بالواو عطفًا على مُضمَر، كأنَّه قيل: فأولئك لهم النُّصرة والغَلَبة.
والمراد من الخيرات: أنواع الغنائم، فإنها جمع خَيْرَةٍ، تخفيف خَيِّرَةٍ، وهو المستحسن من كلِّ شيء، وكثر استعمالها في النِّساء، ومنه ما في قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قيل: أريد هاهنا الحور.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين أدركوا بُغيتهم في الآخرة.
_________________
(١) في (م): "لا زالت"، وفي (ف): "لإزلة".
[ ٤ / ٤٢٢ ]
والحصر في المواضع الثَّلاثة إضافيٌّ.
* * *
(٨٩) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بيانُ وجهِ إدراكهم (^١) البُغية.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ ما يتعلق به من التَّفسير.
* * *
(٩٠) - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ يقال: أَعْذَرْتُ إلى فلان؛ أي: تكلَّمْتُ بالعذر فعَذَرني، أي: قبلَ عُذْري. واعتَذَرْتُ إليه، أي: أَقَمْتُ العذرَ الصَّحيح على أمري، وعذَّرتُ (^٢) بالتَّشديد؛ أي: أتيتُ بما هو في صورة العذر، ولا عذر لي فيه حقيقةً.
والآية قرئت بالتَّخفيف، وهو قراءة ابن عباس ﵄ (^٣)، وبالتَّشديد وهو قراءة سائر الناس.
فبالتَّخفيف مِن أَعْذَرَ، وبالتَّشديد من اعْتَذَر، على إدغام التَّاء في الذَّال ونقل حركتها إلى العين (^٤).
_________________
(١) في (م): "لإدراكهم".
(٢) في (ف) و(ك): "وعذرني".
(٣) كما في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤)، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في "النشر" (٢/ ٢٨٠)، ورواية عن الكسائي - في غير المشهور عنه - كما في "جامع البيان" للداني (٢/ ١٨٢).
(٤) كذا اقتصر المؤلف على هذا الوجه في تعليل التشديد، بينما ذكر الأئمة وجها آخر له بل وقدموه، =
[ ٤ / ٤٢٣ ]
إخبارٌ عن قومٍ أَتَوا بالعذر الصَّحيح فعُذِّروا - بالتَّشديد - من عذَّر (^١)، [أو] (^٢) إخبارٌ عن أعراب تكلَّموا بالعذر ولا عذر لهم، فلم يُعذروا، وفي الآية ذمٌّ لهم.
وجملته: أنَّ نزول السُّورة في الجهاد صار النَّاس على أصناف:
منافقو أهل المدينة: وقد ذكرهم (^٣) في قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦].
والمخلصون: وذكرهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٤].
وأعراب أهل البادية ممَّن لهم عذرٌ حقيقةً أو لا عذر لهم: وذكرهم الله تعالى في هذه الآية على القراءتين.
وآخرون من الأعراب تخلَّفوا من غير استئذان: وذكرهم في قوله:
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في ادِّعاء الإيمان، وفى ليله قراءة أُبَيٍّ ﵁: (كذَّبوا اللهَ) بالتَّشديد (^٤).
_________________
(١) = قال الزمخشري: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ من عذَّر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ، وحقيقته أنه يوهم أن له عذرًا فيما يفعل ولا عذر له. أو: المعذرون بإدغام التاء …). ونحوه فعل البيضاوي وأبو حيان والآلوسي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٠٠)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٣)، و"البحر" (١١/)، و"روح المعاني" (١٠/ ٤٦١).
(٢) كذا قال المؤلف ﵀، والذي يقتضيه ما ذكره في أول الآية من معاني عذر وتصريفاتها أن يقول هنا: (فعُذِروا - بالتخفيف - من عَذَر)، وهو الموافق لما نقلناه عن الزمخشري في التعليق السابق.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، فما قبلها هو المعنى على قراءة التخفيف، وما بعدها على التشديد بكلا وجهيه؛ أي: سواء كان من (عذَّر) أو من (اعتذر). انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٠٠).
(٤) في (ف): "ذكر".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣٥)، و"الكشاف" (٢/ ٣٠٠). ونسبها في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤) إلى ابن عباس ﵄ والحسن وأبي رجاء.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: من الأعراب، وإنما قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ لأن منهم مَن اعتذرَ للسَّامة (^١)، لا للكفر.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدُّنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنَّار.
وقوم آخرون من ضعفاء المسلمين لم يكن لهم عُدَّةٌ، فجاؤوا واستعانوا، وذكرهم في قوله:
* * *
(٩١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الذين لا قوَّة لهم بسبب كبر سنٍّ أو زَمانةٍ أو عرجٍ أو عمًى أو غير ذلك ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الذين بهم علَّة يرجى زوالها، إلَّا أنَّه لا طاقةَ به في الحال ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ لفقرهم ﴿حَرَجٌ﴾: إثمٌ في التَّأخير.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ النُّصح لله تعالى ولرسوله ﵇: الإيمان بهما، وطاعتُهما في السِّرِّ والعلن، والقيامُ بما يعود إلى الإسلام والمسلمين بالصَّلاح قولًا وفعلًا كما يفعله النَّاصح لمن ينصحه، ويندرجُ فيه اندراجًا أوَّليًّا ما قيل؛ أي: لم يثبِّطوا غيرهم من الموسرين والأصحَّاء عن الخروج، ولم يُوْهموهم أن قعودهم كان لجواز التَّخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سببَ تخلُّفهم، ووضعوا القادرين عليه، وقاموا بأسبابهم عند خروجهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: ليس عليهم جُناح، ولا إلى معاتبهم
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (للسلامة)، وعند البيضاوي: (فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٣).
[ ٤ / ٤٢٥ ]
سبيل. وأمَّا وضع الظَّاهر موضعَ الضَّمير فللدَّلالة على أنَّهم موصوفون بصفةٍ تنافي العِتاب فيفيد المدح والتَّعليل.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمسيء، فكيف للمحسن؟!
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿الضُّعَفَاءِ﴾؛ أي: ولا حرج أيضًا على الأصحَّاء الذين لا يستطيعون المشي ويحتاجون إلى المركب وجاؤوك ليسألوك (^١) مراكبَ تحملُهم عليها. يقال: حمل الأمير فلانًا: إذا أعطاه مركبًا.
﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حالٌ من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾ بإضمار (قد)، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: إذا ما أتوك قائلًا: لا أجد ﴿تَوَلَّوْا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾، ويجوز أن يكون جوابًا لسؤالٍ مقدَّر كأنَّه قيل: فما حالُهم إذا أجابهم الرَّسول؟ قيل: تولوا، ويكون جوابُ ﴿إِذَا﴾ قولَه: ﴿قُلْتَ﴾.
﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ الفَيْضُ: هو السَّيلان عن الامتلاء.
﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، كما في قولك: أفديك مِن رجلٍ.
قيل: محل الجارِّ والمجرور النَّصب على التَّمييز. ورُدَّ بأنَّ التَّمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جرُّه بـ (مِن).
_________________
(١) في (ف) و(م): "يسألوك".
[ ٤ / ٤٢٦ ]
وأصل (^١) الكلام: يفيض دمعُها، فعُدل إلى ما ذُكِرَ ليكون أبلغ، كأنَّ العينَ كلُّها دمع فيَّاض.
﴿حَزَنًا﴾ مفعول له، أو حال، أو مصدر لفعلٍ دلَّ عليه ما قبله.
﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾؛ أي: لئلا يجدوا، متعلِّق بـ ﴿حَزَنًا﴾، أو بـ ﴿تَفِيضُ﴾.
﴿مَا يُنْفِقُونَ﴾ في مغزاهم.
فيه دلالة على أنَّهم مندرجون تحت قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ معطوفًا على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ عطفَ الخاصِّ على العام، ويحسِّن هذا قولُه:
(٩٣) - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ معرَّفًا بالألف واللَّام؛ إذ عاد على النَّكرة.
وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ ليست للحصر، بل هي للمبالغة فيما يريد تقريره، كما في قولِكَ: إنَّما الشُّجاع عنترة.
﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ السَّبيل قد يوصَل بـ (على) وبـ (إلى)، غير أنَّ وصلَها بـ (على) يقتضي ضعف (^٢) المتوصَّل إليه وقلَّة منعته، فلذلك حَسُنت في هذه الآية.
﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: واجدون الأُهْبةَ.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل: ما بالُهم
_________________
(١) في (ك): "أصل".
(٢) في النسخ: "صفة"، والتصويب من "المحرر الوجيز" (٣/ ٧١).
[ ٤ / ٤٢٧ ]
استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالضَّعَة والدَّناءة والانتظامِ في سلك الخوالف؛ إيثارًا للدَّعة.
وفائدتُه: بيانُ سبب الاستئذان مع الغنى، وهو أمران: رضاؤهم بالدَّناءة، والطَّبعُ على قلوبهم بالخذلان حتى غفلوا وجهلوا وَخَامَة (^١) عاقبتهم.
﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مغبَّته (^٢).
قد حُصِرَ المعذِّرون في التَّخلُّف في ثلاثة أقسام: الذين فقدوا الاستطاعة البدنيَّة، والذين عدموا الاستطاعة الماليَّة، والذين استحملوه فلم يجدوا ما يحملُهم عليه.
* * *
(٩٤) - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التَّخلُّف، خطابٌ للصَّحابة ﵃ ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ مِنْ هذا السَّفر.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالمعاذير الكاذبة ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ علَّةٌ للنَّهي عن الاعتذار؛ لأنَّ غرضَ المعتذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فيما يعتذِرُ به فلا يعاتَبَ، فإذا لم يُصَدَّقْ يَترك الاعتذار.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ علَّة لانتفاء التَّصديق؛ أي: أَعْلَمنا بالوحي إلى نبيِّه ﵇ بعضَ أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشَّرِّ والفساد.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وخابت".
(٢) كلمة غير واضحة في (ك) و(ف)، وفي (م): "معنيه"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٤).
[ ٤ / ٤٢٨ ]
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ رؤيةُ العمل في مثل هذا المقام يكون كنايةً عن فعل الرَّائي ما يستحقُّه العاملُ بسببه؛ أي: سيرى الله تعالى أتُنيبون إليه وتتوبون، أم تَثْبتون على الكفر وتُصرُّون عليه. ففيه وعيدٌ بالإساءة في الدُّنيا، ووعدٌ بالإحسان فيها.
وتقديم ﴿عَمَلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ للفصلِ بين الرُّؤيتَيْن؛ تنبيهًا على أنَّ الثَّاني على حقيقته، والمراد مُوجَبُها، وهو الفصاحة على تقدير الثَّبات على الكفر، ولا يخفى أنَّه في غاية الإيجاز والفصاحة.
ثمَّ إنَّ في عبارة التَّسويف إشارةً إلى الإمهال لتدارك الإنابة، ففي الكلام استتابةٌ (^١) على العطف وجيه (^٢).
وإنَّما قلنا: إن ما ذُكِرَ مِن الوعد والوعيد في الدُّنيا؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ في الآخرة.
وفيه تداركٌ لِمَا عسى أنْ يذهبَ إليه الوهم من قوله: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ إلى ما لا يليق بشأنه تعالى من الحاجة إلى الرؤية، وسبق علمه ببعض الأشياء بالغفلة عنه، ولهذا وضع ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ موضعَ الضمير؛ أي: لا يخفى عليه خافية ممَّا في قلوبكم، ولا بادرة مما يظهر على ألسنتكم وجوارحكم، فيجازيكم به.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ على رؤوس الأشهاد ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تشهيرًا لحالهم، وتقريرًا لو بالهم، وتذكيرًا لِمَا ذهب عن خيالهم وبالهم، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر بقوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، فيتمنَّون عنده المسارعةَ بهم إلى النَّار لِمَا يُحيقهم (^٣) به من الخزي والعار.
_________________
(١) في (ف) و(م): "اتنابة".
(٢) في (ك) و(م): "وجه"، والعبارة غير واضحة.
(٣) في (ف) و(م): "يحفهم".
[ ٤ / ٤٢٩ ]
(٩٥) - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لمَّا ذكر أنَّه يصدر منهم الاعتذار، أخبر ألَهم سيؤكِّدون ذلك الاعتذار الكاذب بالحلف بالله، وأنَّ سببَ الحلف طلبهم أن يعرضوا عنهم إعراضَ صفحٍ فلا يلوموهم ولا يوبِّخوهم.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأجيبوا إلى طَلِبتِهم، وفي تعليل الإعراض عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على أنَّه إعراضُ مقتٍ؛ أي: مستقذَرون بما انطَوَوا عليه من النِّفاق، فيجب مباعدتُهم واجتنابهم (^١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
وهذا أولى مما قيل: لا ينفع فيهم التَّأنيب فإن المقصود منه التَّطهيرُ بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التَّطهير؛ لأنَّ قوله:
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يفيد هذا المعنى؛ أي: إنَّهم أرجاسٌ من أهل النَّار، لا يجدي فيهم التَّوبيخ، والإفادة خير من الإعادة إليهم.
إلَّا أن يُقال: إنَّه تعليل آخر؛ أي: وكَفَتْهم جهنَّم عقابًا وتوبيخًا، فلا تتكلَّفوا في عقابهم.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو مفعول له، أو حال من ﴿جَهَنَّمُ﴾.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "فيجب اجتنابهم".
[ ٤ / ٤٣٠ ]
(٩٦) - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ حُذِفَ هاهنا المحلوف به وأُثْبِتَ فيما تقدَّم؛ اكتفاءً بذكره مرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾؛ أي: غرضُهم من الحلف بالله طلبُ رضاكم لينفعهم في دنياهم.
﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: فإنَّ رضاكم عنهم لا ينفعُهم إذا كان اللهُ تعالى ساخطًا عليهم؛ لأنَّ سخطَ اللهِ تعالى يورثهم عقوبةَ الدُّنيا والآخرة، ورضاكم لا يستلزم رضاه.
والعدولُ عن الضَّمير إلى الظَّاهر للتَّسجيل عليهم بالفسق، والدلالة (^١) على أنَّ سخطَه تعالى عليهم مسبَّب عن فسقِهم، فلا يحصل رضاه ما داموا فاسقين، وعلى أنَّ الحكم عامٌّ وإنْ كان سببُ الورودِ خاصًّا؛ لأنَّ العبرةَ لعموم اللَّفظ لا لخصوصِ السَّبب.
والمرادُ: نهيُهم عن الرِّضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم.
لَمَّا ذكرَ حَلِفهم فيما سبقَ لأجل الإعراض جاءَ الأمرُ بالإعراض هنا؛ لأنَّها تتنوَّع بحسب الإعراض، فيكون المعنى على مقتضى الحكمة ولا كذلك الرِّضا، وقد ذكر هاهنا الحلف لأجل الرِّضا وأبرزَ النَّهي عنه في صورة الشَّرطيَّة إخراجًا له مخرجَ التَّردُّد فيه لأنَّه مِنَ الأمور القلبيَّة، بخلاف الإعراض فإنَّه محسوسٌ مشاهدٌ، وجعلَ جوابه انتفاءَ رضاء الله تعالى عنهم، فصار رضا المؤمنين أبعدَ شيءٍ من الوقوع؛ لأنَّ اللَّائق بهم أن لا يرضَوا عمَّنْ لا يرضي الله عنهم.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وللدلالة".
[ ٤ / ٤٣١ ]
(٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿الْأَعْرَابُ﴾: سكان البوادي ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر؛ لأنَّهم كانوا في البوادي، ولا محالةَ أنَّ خوفَهم هنالك أقلُّ من خوف منافقي المدينة، فألسنتُهم لذلك أطلق، ونفاقُهم أشقُّ إزالةً؛ لقساوة قلوبهم.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ﴾ وأحقُّ بأن لا يعلموا؛ لبعدهم عن رسول الله ﷺ، وغيبتهم عن مجالسته، وقلَّة ما يَرِدُ عليهم من مواعظ (^١) القرآن.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الأوامر والنَّواهي؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: يعلمُ حالَ كلِّ واحدٍ مِنْ أهلِ الوَبَر والمَدَر.
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابًا وثوابًا.
ذِكْرُ العِلم بعد العملِ أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ، وأكملُ بشارةٍ وتهديدٍ.
* * *
(٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾: يصرفُه في سبيل الله ويتصدَّق به (^٢).
﴿مَغْرَمًا﴾: غرامةً وخسرانًا؛ أي: يجعلُه مقصدَه، ولا يرى فيه غير ذلك؛ إذ لا يحتسبُه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابًا، وإنَّما ينفقُ رياءً أو تَقيَّة.
_________________
(١) "مواعظ" من (م).
(٢) في (ك): "بصرفه … وبتصدق"، والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٥).
[ ٤ / ٤٣٢ ]
وأصل الغُرْمِ: الدَّين، ومنه تعوّذ رسول الله ﷺ من المغرَمِ والمأثم (^١)، ولكنْ كثر استعمالُه فيما يؤديه (^٢) الإنسان مما لا يلزمُه بحقٍّ، وفي لفظه معنى اللُّزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدَّائرة في الأصل: مصدرٌ سُمِّيَ به كالعاقبة، أو اسمُ فاعل من دار يدور، سُمِّيَ به عُقبةُ الزَّمان التي لا مخلَص عنها، فهي تحيط الشَّيء كما تحيط الدَّائرة.
ويحتمل أن يؤخذ من دور الزَّمان؛ أي: ينتظِر بكم ما تأتي به الأيَّام وتدور به من النَّوائب؛ لينقلبَ الأمر عليكم فيتخلَّصوا من الإنفاق (^٣).
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاءٌ عليهم بنحو ما تربَّصوا به، معترِضٌ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤].
﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح، وهو ذمٌّ للدائرة أضيف إليه (^٤)، كقولك: رجلُ سَوءٍ؛ لأنَّ مَن (^٥) دارت إليه ذمَّها بالسوء.
وقرئ بضم السِّين (^٦)، قيل: بالفتح المصدر، وبالضَّم الاسم.
وقال أبو علي: معنى الدَّائرة يقتضي معنى السوء، فإنما هي إضافة بيانٍ وتأكيدٍ، كما قالوا: شمس النَّهار، ولَحْيَا رأسه، ولا يقال: رجل سَوءٍ، إلَّا بفتح السين، ولهذا
_________________
(١) رواه البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) في (م) و(ك): "يدريه"، وفي (ف): " بدريه". والصواب المثبت.
(٣) في (م) زيادة: "عليهم".
(٤) فهو من إضافة الموصوف إلى صفته. انظر: "البحر" (١١/ ٤٠٧).
(٥) "من" سقطت من (ف) و(ك).
(٦) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ١١٩).
[ ٤ / ٤٣٣ ]
لم تختلف القرَّاء في فتح السين في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] (^١).
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا يُظهرونه عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه من النِّفاق.
* * *
(٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لمَّا ذكر مَن يتَّخذ ما ينفق مغرمًا ذكرَ مُقابِلَه، وهو مَن يتَّخذ ما ينفق مَغنمًا، وذكر هاهنا الأصل الذي يترتَّب عليه إنفاق المال في القُرُبات، وهو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر؛ إذ (^٢) جزاء ما ينفق إنما يَظهر ثوابه الدَّائم في الآخرة، وقد اكتفى ثمَّة بذكر سجيَّة الكفر، وهو اتِّخاذ ما ينفق مَغرمًا والتَّربُّصُ بالمؤمنين الدَّوائر.
﴿وَيَتَّخِذُ﴾؛ أي: يجعل مقصدًا ﴿مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سببَ قُرباتٍ، وهو ثاني مفعولي (يتخذ)، (وعند الله) صفتُها، أو ظرفٌ لـ (يتخذ).
﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: سببَ صلواته؛ لأنَّه ﵇ كان يدعو للمتصدِّقين، ويستغفر لهم، ولذلك سُنَّ للمتصدَّق عليه أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذ صدقته، لكن ليس له أن يصلِّي عليه كما قال ﵇: "اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى" (^٣)؛ لأنَّه منصبُه، فله أن يتفضَّلَ به على غيره.
_________________
(١) انظر: "الحجة" للفارسي (٤/ ٢٠٦)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٧٤)، وعنه نقل المؤلف.
(٢) في (ك): "إن".
(٣) رواه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
أقيم المسبَّب مقام السَّبب في الموضعين لقوَّة الاستلزام، وشدَّة التَّشوُّق إلى اللَّازم.
﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شهادةٌ من الله تعالى للمتصدِّقين بصحَّة ما اعتقدوه على أبلغ الوجوه؛ من التَّأكيد بالاستئناف و(ألا) و(إنَّ) المفيدين للتَّحقيق وثبات الأمر وتمكُّنه.
وتنكير ﴿قُرْبَةٌ﴾ للتَّعظيم، والضَّمير لنفقتهم.
﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تصديقًا (^١) لرجائهم؛ لِمَا في السِّين من تحقيق الوعد بإحاطة الرَّحمة عليهم.
وما أقوى دلالة هذا الكلام على رضى الله تعالى على (^٢) المتصدِّقين، وأنَّ الصَّدقة من الله تعالى بمكانٍ إذا خَلَصت النيَّة من صاحبها.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استئنافٌ لتقرير ما وعد لهم.
* * *
(١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾: هم الذين صلَّوا إلى القبلَتَيْن، وقيل: هم الذين شهدوا بدرًا ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾: أهلِ بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعةَ نفر، وأهلِ العقبة الثَّانية، وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عُمَير.
_________________
(١) في (ك): "تصديق".
(٢) في (م): "عن".
[ ٤ / ٤٣٥ ]
وقرئ بالرَّفع عطفًا على (السابقون) (^١).
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ اللَّاحقون بالسَّابقين من القبيلين، والذين اتَّبعوهم بالإيمان والطَّاعة إلى يوم القيامة.
﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بإخلاصٍ، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢].
﴿﵃﴾ لطاعتهم وأعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لإفاضته عليهم نعمه الدِّينية والدُّنيويَّة.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ وقرئ: ﴿مِنْ تَحْتَهَا﴾ (^٢).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ تفسيره.
* * *
(١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول بلدتكم وهي المدينة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وهي جُهَينةُ ومُزينةُ وأَسْلَمُ وأَشْجَعُ وغِفَارٌ.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عطفٌ على (ممن حولكم)، أو خبرٌ لمحذوف صفته: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: دربوا فيه، ومَرَدوا عليه (^٣)، ولجُّوا فيه، وهو يستعمل في الشَّرِّ لا في الخير، ونظيره في حذف الموصوف وإقامةِ الصِّفة مقامه، قوله:
_________________
(١) قرأ بها يعقوب من العشر. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨٠).
(٢) وهي قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير" (ص: ١١٩).
(٣) قوله: "ومردوا عليه"، لا وجه لذكره هنا لأنَّه من تعريف الشيء بنفسه.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
أنا ابنُ جَلا وطلَّاع الثَّنايا (^١)
وعلى الأوَّل صفة للمنافقين فُصلَ بينها وبينه بالمعطوف على الخبر، أو كلامٌ مبتدأ لبيان تمرُّنهم وتمهُّرهم في النفاق.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: لا تعرفُهم بأعيانهم، بيانٌ لقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: بلغوا من مهارتهم فيه إلى أنْ خَفِيَ حالهم عليك مع كمال فطنتك وصدقِ فِراستك؛ لتنوُّقهم (^٢) في توقِّي مواقع التُّهم.
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تأكيدٌ للبيان؛ لإفادة تقديم الضَّميرِ التَّخصيصَ؛ أي: لا يعلمهم إلَّا الله وحده، ولا يطَّلع على سرِّهم غيرُه لشدَّة إبطانهم الكفر وإظهارهم (^٣) الإخلاص.
وحملُ ﴿مَرَدُوا﴾ على الاستئناف أبلغُ وأنسبُ لهذه المبالغة.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ فيه تحقيق لعذابهم بموجب علمه.
﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بالفضيحة والقتل، أو بأحدهما وعذابِ القبر، أو بأخذِ الزكاة ونهكِ الأبدان، ويحتمل أن لا يراد بها شَفْعُ الواحد، بل يكون المعنى على التَّكثير، كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٤]؛ أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ إلى عذاب النَّار في دار القَرار.
_________________
(١) صدر بيت لسحيم بن وثيل اليربوعي. انظر: "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٢٠٧)، و"الأصمعيات" (ص: ١٦)، و"الشعر والشعراء" (٢/ ٦٤٣). وعجزه: متى أضع العمامة تعرفوني
(٢) في (ك): "لتفوقهم". والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"، والتنوق: التصنع والتكلف بإظهار النيقة وهي الحذف وما يعجب الناظر. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٣٥٩).
(٣) في (ك): "وإظهار".
[ ٤ / ٤٣٧ ]
(١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: لم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة من تخلُّفهم واعترفوا بتقصيرهم ومخالفتهم نادمين.
وهم طائفة من المتخلِّفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لَمَّا بلغهم ما نزل في المتخلِّفين، فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد على عادته، فصلَّى ركعتين، فرآهم فسأل عنهم، فذكر أنهم أقسموا أن لا يحلُّوا أنفسهم حتَّى تحلَّهم، فقال: وأنا أقسم أنْ لا أحلَّهم حتى أؤمر فيهم، فنزلت فأطلقهم (^١).
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ هو إظهار النَّدم والاعتراف بالذَّنب.
﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ هو التَّخلُّف وموافقة أهل النِّفاق.
والواو في الخلط أبلغ من الباء؛ لدلالتها على كون كلٍّ منهما مخلوطًا ومخلوطًا به، بخلاف الباء لإفادتها أن يكون أحدهما مخلوطًا والآخر مخلوطًا به.
ويجوز أن تكون بمعنى الباء، والمفعول محذوف، و﴿عَمَلًا﴾ بدل منه، من قولهم: بعْتُ الشَّاة شاةً ودرهمًا.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبلَ توبتَهم، وهي مدلولٌ عليها بقوله: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال الكلبي: (عسى) من الله تعالى واجب (^٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم إيجاب.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥١)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٧١)، وابن مردويه كما في "الكافي الشاف" (ص: ٨٠) عن ابن عباس ﵄.
(٢) قطعة من الخبر السابق عن ابن عباس.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عن التَّائب ويتفضَّل عليه.
قال بعض العلماء: المسيء منَّا إلى مخلوق إذا خافه لم يخلصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرَار، والمسيء في حقِّ الله تعالى لا ينجيه إلَّا شيئان: الإقرار والقَرار.
قال قائلهم:
أَقْرِرْ بذنبكَ ثمَّ اطلبْ تجاوُزَه … واعلمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنبانِ (^١)
* * *
(١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ روي أنهم لما أُطْلِقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلَّفَتْنا عنك فتصدَّق بها وطهِّرنا، فقال ﵇: "ما أُمِرْتُ أنْ آخذَ مِنْ أموالِكم شيئًا"، فنزلَتْ (^٢).
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن الذُّنوب، أو حبِّ المال المؤدي لهم إلى مثله، صفةٌ لـ ﴿صَدَقَةً﴾، والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث.
وقرئ: (تُطْهِرُهُمْ) (^٣) من أَطَهَره بمعنى طَهَّره، وقرئ: (تُطَهِّرْهم) بالجزم جوابًا للأمر (^٤).
_________________
(١) بلا نسبة في "الأغاني" (١٣/ ١٢٨)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٧٠)، و"محاضرات الأدباء" (١/ ٢٨٥).
(٢) قطعة من خبر ابن عباس المتقدم.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤).
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٠٧)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٦).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
ولم يُقرأ: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ إلا بإثبات الياء. والتَّزكيةُ: مبالغةٌ في التَّطهير، وزيادةٌ فيه، أو (^١) الإنماء والبركة في المال.
﴿بِهَا﴾؛ أي: بالصَّدقة ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: واعطف عليهم وترحَّم بالدُّعاء والاستغفار لهم.
﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: تسكنُ إليها نفوسُهم، وتطمئنُّ قلوبُهم بأنَّ الله تعالى قَبِلَ توبتَهم. وجمعها لتعدُّد المدعوِّ لهم.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم من الغمِّ والنَّدم وصدق التَّوبة.
* * *
(١٠٤) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضمير إمَّا للمَتوب عليهم، والمراد: أنْ يُمكَّن في قلوبِهم قَبولُ توبتهم، والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد التَّحضيض عليهما.
﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ إذا صحَّت، لا رسولُه ولا غيرُه.
﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ تعدية ﴿يَقْبَلُ﴾ بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى التَّجاوز.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ إذا صدرَتْ عن خلوص النِّيَّة.
وأخذها مجاز عن قَبولها، وقَبولُها كناية عن إعطاء الثَّواب في مقابَلته، كما هو شأن الكريم.
_________________
(١) في (ف): "و".
[ ٤ / ٤٤٠ ]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: وأنَّ مِنْ شأنه قَبولُ توبةِ التَّائبين مرَّةً بعدَ أخرى، والتَّفضُّلُ عليهم بالتَّجاوز عمَّا وقع بين التَّوبتَيْن، والواو للعطف على مُقدَّر، كأنَّه قيل: إن الله هو البَرُّ الكريم، تعليل للكناية المذكورة، وحذفُ أداة التَّعليل لأنَّه قياسيٌّ (^١)، وتقديمُه على ما ذكر في تعليل قَبول التَّوبة للتَّقريب بين التَّعليل والمعلَّل مهما أَمْكَن، فتأمَّل.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شئتم، ظاهرُه أمرٌ وباطنُه وعدٌ ووعيدٌ، والخطاب للجميع.
﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ خيرًا كان أو شرًا، وقد مرَّ بيانُه.
﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفي الخبر: لو أنَّ رجلًا عمل في صخرة لا بابَ لها ولا كوَّة، يخرج عمله إلى النَّاس كائنًا ما كان (^٢).
﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قد مَرَّ بيانُه، وإنَّما أتى هنا بدل (ثم) حرفُ
_________________
(١) في (ف): "مع أن قياسي"، وفي (ك) و(م): "مع أنه قياس". والصواب المثبت. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٣٦١ - ٣٦٢). ثم نقل الشهاب تعقبًا عليه فقال: (وقيل عليه: إنه لا حاجة إلى الاعتذار عن حذف أداة التعليل؛ لإمكان تقديرها في المعطوف عليه المقدر، وكل ذلك من ضيق العطن).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٢٣٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٧٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٦٧٨)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٤٤١ ]
التَّقريب (^١)؛ لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ؛ ولأنَّ الرَّدَّ عند الموت، وهو محتملٌ في كلِّ آنٍ، والمقام مقام التَّحذير، فلا يناسبه أداة التَّسويف.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ في حقِّ المحسن، ووعيدٌ في حقِّ المسيء.
* * *
(١٠٦) - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلِّفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ قرئ بالهمزة من أرجأه، وبغير الهمزة من أرجيته (^٢)، ومعناه: مؤخَّرون؛ أي: موقوفٌ أمرُهم.
﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلى أمر الله تعالى في شأنهم.
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾؛ أي (^٣): إن أصرُّوا ولم يتوبوا ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابوا.
والتَّرديد لنا، ولدفع وهم أن يكون له تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم ونيَّاتهم ﴿حَكِيمٌ﴾ بما (^٤) يَفعل بهم، ويدخل فيه أمر التَّأخير دخولًا أوَّليًّا.
وقرئ: (غفورٌ رحيمٌ) (^٥).
والمراد بهؤلاء كعبُ بن مالك وهِلالُ بن أميَّة ومُرارةُ بن الرَّبيع، أمرَ
_________________
(١) في (ك): "للتقريب".
(٢) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بغير همز. انظر: "التيسير" (ص:١١٩).
(٣) "أي" سقط من (ك).
(٤) في (م): "فيما".
(٥) انظر: "الكشاف" (٣/ ٣٠٩)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٧).
[ ٤ / ٤٤٢ ]
رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه ﵃ أن لا يسلِّموا عليهم ولا يكلِّموهم، فلمَّا رأوا ذلك أخلصوا نيَّاتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله تعالى (^١).
* * *
(١٠٧) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عطف على ﴿وَآخَرُونَ﴾، أو نصب على الذَّم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا.
والواو عاطفة الجملة على الجملة (^٢).
وقرئ بغير الواو (^٣)، فاحتَمَل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾، وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأً محذوفَ الخبر.
و﴿تَّخَذُوا﴾ هنا تعدَّى إلى واحد (^٤) كما في قوله: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ١٤]؛ أي: عَمِلته.
﴿ضِرَارًا﴾؛ أي: مُضارَّة، مفعولٌ لأجله، لمَّا ذكر طرائق ذميمة لأصناف المنافقين
_________________
(١) روى حديثهم مطولًا البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٢) "على الجملة"من (م).
(٣) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: "التيسير" (ص: ١١٩).
(٤) في (ك): "لواحد".
[ ٤ / ٤٤٣ ]
أقوالًا وأفعالًا، ذكر أنَّ منهم مَن بالغ في الشَّرِّ حتى ابتنى مجمعًا للمنافقين يرتِّبون ما شاؤوا فيه من الشَّرِّ، وسمَّوه مسجدًا.
﴿وَكُفْرًا﴾: وتقويةً للكفر الذي يُضْمِرونه.
رُوي أن بني عمرو بن عوف لمَّا بنوا مسجد قُبَاء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلَّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجدًا على قصد أن يؤمَّهم فيه ابن عامر الرَّاهب إذا قدم من الشَّام (^١).
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المجتمعين على الصَّلاة في مسجد قباء؛ لأنهم أرادوا أن يتفرَّقوا عنه وتختلفَ كلمتهم.
﴿وَإِرْصَادًا﴾: وترقبًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ﴾: لأَجْل مَن حارب الله (^٢) يعني: الرَّاهب، فإنَّه قال لرسول الله ﷺ يومَ أُحُد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم، فلم يزل يقاتله ﵇ إلى يوم حنين، انهزم مع هوازن، وهرب (^٣) إلى الشَّام، ليأتيَ من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ﷺ، ومات بقِنَّسْرين وحيدًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٠٩)، وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٨١): (لم أجده بهذا السياق إلا في الثعلبي بلا إسناد، وليس صدره بصحيح فإن مسجد قباء كان قد أسس والنبي ﷺ بقباء أول ما هاجر، وبني مسجد الضرار وكان في غزوة تبوك فبينهما تسع سنين). قلت: وفي ذكر أن الباعث على بنائه حسدهم لإخوانهم نظر، فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم بنوه ضرارًا وكفرا وتفريقا، ولو كان ذلك لمجرد الحسد لما بالغ القرآن في ذمهم، والرسول ﵇ في هدمه وتحريقه كما سيأتي.
(٢) "لأجل من حارب الله" من (م).
(٣) "وهرب" سقط من (ك).
(٤) انظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٨٥)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٩٢)، و"زاد المسير" (٣/ ٤٩٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣١٠). وقنسرين بكسر القاف وفتح النون المشددة فتحها أبو عبيدة سنة (١٧ هـ)، وكانت هي وحمص شيئًا واحدًا. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤٠٣).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
﴿وَرَسُولَهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيم أمر محاربته ﵇.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿حَارَبَ﴾، أو بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتَّخلف؛ لِمَا رُوي أنه بُنِيَ قُبيلَ غزوة تبوك، فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتيه فقال: "أنا على جَناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله صلَّينا فيه"، فلما قفلَ كُرِّر عليه، فنزلَتْ، فدعا بجماعة منهم الوحشيُّ، فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهدِموه وأَحْرقوه، ففُعِلَ، واتُّخِذَ مكانه كناسةً (^١).
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى، أو: الإرادة الحسنى، وهي الصَّلاة والزَّكاة والتَّوسعة على المصلِّين، فإنَّهم قد قالوا لَمَّا أتوا رسول الله ﷺ بعدما أتمُّوا بناءه: إنَّا قد بنيناه مسجدًا لذي الحاجة والعلَّة واللَّيلة المطيرة والشَّاتية (^٢). ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حَلِفهم.
* * *
(١٠٨) - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾ أراد القيام للصَّلاة، كما في قوله ﵇: "مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه" (^٣).
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن هشام" (٢/ ٥٣٠)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٧٣) عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة.
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٩٧).
(٣) رواه أبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٦٨٣)، وابن ماجه (١٣٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ يعني: مسجدَ رسول الله ﷺ أُسِّسَ لإحياء دين الله تعالى وإظهار شريعته التي لا يقوم بها إلَّا مَنِ اتَّقى اللهَ تعالى.
قال أبو سعيد الخدري وأبيُّ بن كعب ﵁: قال النَّبي ﵇: "هو مسجدي هذا" (^١).
﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أيَّام وجوده.
وقيل: هو مسجد قُباء؛ لأنَّه (^٢) أوفق للقصَّة.
والأوَّل هو الوجه؛ لأنَّه لا نظر مع الحديث (^٣)؛ ولأنه أوفق لقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ أولى بأن تصلِّي فيه.
﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من المعاصي والخصال المذمومة؛ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وقيل: من الجنابة فلا ينامون عليها.
استئنافٌ تعليليٌّ يتضمَّن الإشارة إلى أن صلاح جماعة من أسباب ترجيح الصلاة في مسجدهم.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يرضى عنهم ويُدْنيهم من جَنابه إدناءَ المحبِّ حبيبَه.
روي أنَّه ﵇ قال: "يا معشر الأنصار، رأيت الله قد (^٤) أثنى عليكم
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)، والنسائي (٦٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. واللفظ للترمذي والنسائي. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢١١٠٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٨٤) وصححه، من حديث أبي بن كعب ﵁.
(٢) في (ف) و(م): "لأنَّه هو".
(٣) في النسخ: "لا نظر مع نظر"، والصواب المثبت. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٨٢).
(٤) "قد" من (م).
[ ٤ / ٤٤٦ ]
بالطُّهور، فماذا تفعلون عند الغائط؟ " فقالوا (^١): نُتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نُتبع الأحجار الماء فتلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (^٢).
* * *
(١٠٩) - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾؛ أي (^٣): بنيانَ دينِه.
﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: على قاعدةٍ محكَمة هي التَّقوى من الله تعالى وطلبُ مرضاته بالطَّاعة.
﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ على قاعدةٍ هي أضعف القواعد وأرخاها.
الشَّفا: الحَرْف والشَّفير.
_________________
(١) في (م): "قالوا".
(٢) روى نحوه الإمام أحمد في "المسند" (١٥٤٨٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٨٣)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٤٨)، من حديث عويم بن ساعدة الأنصاري ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢١٢): رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل ابن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان. وقال الحافظ في "التقريب": وفي سماعه من عويم نظر. وروى نحوه أيضًا ابن ماجه (٣٥٥)، والدارقطني في "السنن" (١٧٤) من حديث أبي أيوب وأنس وجابر ﵃. وصعفه الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ١١٣). وأصل استنجاء أهل قباء بالماء عند أبي داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) "أي" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٤٧ ]
وجُرُفُ الوادي: جانبه الذي جَرَف أصلَه السُّيولُ وتحفَّر بالمياه فبقي واهيًا، من الجَرْف، وهو انقلاع الشَّيء من أصله.
والهاري (^١): الهائر، وهو المتصدِّع الذي أَشْفَى على الهدم والسقوط.
لَمَّا استعار الجُرُف الهائر لمقابل التَّقوى من الباطل الذي هو الفجور والنِّفاق والضِّرار على أنه (^٢) شبَّه الحق الذي هو التَّقوى بقاعدة محكمة قويَّة على طريق الاستعارة بالكناية، ولهذا نكَّر التَّقوى للتَّعظيم، ووصفها بكونها من الله تعالى، ثمَّ رشَّح الاستعارة بقوله:
﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ الجُرُف الهائر سهل الانهيار لخَوَره وقلَّة ثباته واستمساكه، وهو تصويرٌ لسرعة أداء الباطل إلى هُوِيِّ صاحبه في قعر جهنَّم كأنه بني على جُرُفِ وادٍ من أودية جهنم (^٣) جرفَ أصلَه السيلُ.
ويُفهم منه أنَّ تأسيس الذي يقابله على أمر يحفظه عن النَّار ويوصله إلى الرِّضوان الذي أدنى مقتضياته الجنَّة، ولذلك عُطف الرِّضوانُ على التَّقوى، وجُعِلا كأنهما أمران متلازمان ونكِّرت التقوى (^٤)؛ إشعارًا بأن تلازمهما بحيث كلُّ ما يلزم أحدهما يلزم الآخر.
ولا نرى أبلغ من هذا الكلام ولا أدلَّ على المقصود من المقام منه. وإنما لم يقل: (فوقع في نار جهنم)؛ لأنَّه ما دام حيًّا أمكنه أن يخلص فيتخلَّص ولا يقع فيها.
_________________
(١) في النسخ: "والهار"، والصواب المثبت.
(٢) قوله: "على أنه" كذا وقع في النسخ، ولعل الأحسن حذفه، أو أن في الكلام سقطًا، ويكون الكلام هكذا: (على أنه مَثَلٌ في قلة الثبات والاستمساك).
(٣) "كأنه بني على جرف واد من أودية جهنم" من (م).
(٤) "ونكرت كالتقوى" من (م).
[ ٤ / ٤٤٨ ]
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يهديهم من حيث هم ظالمون إلى ما فيه صلاح ونجاة، وقد مَرَّ أنَّ نفي الهداية في مثل هذا على طريقة تنزيل ما لا أثر له منزلةَ العدم، وإلَّا فالله هادي الكلِّ إلى مصالحهم.
* * *
(١١٠) - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾: بناؤهم الذي بنوه، مصدرٌ أُريدَ به المفعول، وقيل: هو جمع واحدُه: بنيانةٌ، وحينئذ يكون ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: الذين.
والإخبار بقوله: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ عن المضاف المحذوف؛ أي: بناء بنيانهم الذي بنوها سببَ ريبة؛ فإنَّه حملهم على ذلك، ثمَّ لَمَّا هدمَه رسولُ اللّه - صلى اللّه تعالى عليه وسلم - رسخَ ذلك في قلوبهم، وازدادوا نفاقًا بحيث لا يزول وَسْمه من قلوبهم.
﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قِطَعًا، بحيث لا يبقى لها قابليةُ الإدراك والإضمار (^١)، فالتقطيع تصوير لامتناع زوال السّكر (^٢) عن القلوب مع بقائها، وأن زواله (^٣) لا يكون إلا بزوالها (^٤)، وهو في غاية المبالغة.
والاستثناء من أعمِّ الأزمنة؛ أي: وقتَ أن تقطَّع. وهو في محل النَّصب على الظَّرف.
_________________
(١) في (ف): "قابلية الإضمار أو الإدراك".
(٢) في (م): "الشكر"، وفي (ف): "التنكير". وقوله: "السكر" إن كان بفتح السين والكاف فيحتمل الغيظ والغضب، وكذا كل ما يُسكر فهو سَكَرٌ، وإن كان بكسر السين وسكون الكاف فالمراد: ما يسد تلك القلوب ويمنعها عن الإيمان.
(٣) في (م): "زوالها".
(٤) في (ف): "بزواله"، وفي (ك) و(م): "بزوال". والصواب المثبت.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
ويجوز أن يكون المراد حقيقةَ التَّقطيع بالقتل، أو في القبور، أو في النَّار.
وقيل: معناه: إلَّا أن يتوبوا توبةً تتقطَّع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم.
وقرئ بحرف الانتهاء (^١)، و﴿تَقَطَّعَ﴾ بمعنى تَتَقطَّع (^٢).
وقرئ: (يُقَطَعَ) بالياء، و(تُقْطَعَ) بالتَّخفيف، و(تُقَطِّعَ) على خطاب الرَّسول ﷺ أو كلِّ مخاطب (^٣).
وقرئ: (ولو قطعت) على البناءين (^٤).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بضمائر العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ في التَّمييز بين أهل الصَّلاح وأهل الفساد.
فيدخل في الأول بناؤهم وفي الثانية الأمرُ الوارد في حقِّهم دخولًا أوَّليًّا.
* * *
(١١١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
_________________
(١) يقصد بحرف الانتهاء: (إلى). ونسبت هذه القراءة إلى الحسن. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٥٢)، و"الكشاف" (٢/ ٣١٣). وقرأ بها أيضًا يعقوب مع الإمالة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٨١).
(٢) وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
(٣) انظر هذه القراءات في "الكشاف" (٢/ ٣١٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٨٦)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٩٨)، و"البحر المحيط" (١١/ ٤٣٧).
(٤) نسب إلى ابن مسعود أنه قرأ: (ولو قُطِّعَتْ قلوبُهم) على إسناد الفعل مجهولا إلى (قلوبهم). انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٥٢)، و"الكشاف" (٢/ ٣١٣). ونسب إلى طلحة أنه قرأ: (ولو قطَّعْتَ قلوبَهم) على خطاب النبي أو كل مخاطب. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣١٣)، و"البحر المحيط" (١١/ ٤٣٨). وأورد ابن خالويه عن طلحة أنه قرأ: (حتى تقطع قلوبهم). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٥).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ استعار الاشتراء لإثابتهم الجنة على بذل الأموال والأنفس في سبيل الله تعالى.
ولم يقل: (بالجنَّة)؛ مدحًا لهم باعتبار أنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم (^١) بمجرد الوعد، وفيه كمال ثقتهم بوعده تعالى، وأيضًا تمامُ الاستعارة المذكورة به؛ إذ لا بُدَّ لها من قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة الحقيقة، ولو قيل: (بالجنة) لم تُوْجَد تلك القرينة؛ لأنَّ الجنَّة صالحةٌ لأنْ تكون أَحَدَ العِوَضَيْن، بخلاف الوعد بها.
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استئناف لبيان الاشتراء، لا لبيان ما لِأَجْلِه الشِّراء.
وقيل: خبر بمعنى الأمر، كقوله: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] إظهارًا لاهتمامهم بالمأمور به، كأنهم سارَعوا إلى الامتثال، فأخبر عنه، فعلى هذا يكون الاشتراء تمهيدًا له.
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ تفصيل لمقاتَلتهم (^٢)، وبيانٌ لإحرازهم فضيلتي الجهاد.
وقرئ بتقديم المبني للمفعول (^٣)، ومبناه على إسنادِ فعل البعض إلى الكلِّ، وفيه دلالة على ثبات قلوبهم وجرأتهم (^٤) على العدوِّ، حيث لم ينكسروا بأن قُتِلَ بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ (^٥).
_________________
(١) "وأموالهم" زيادة من (م).
(٢) في (م): "لمقاتلهم"، وفي هامشها إشارة لنسخة: "لمقاسيهم".
(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ٩٣).
(٤) في (م): "جرأتهم".
(٥) قرأ الكوفيون وابن عامر: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾، وقرأ الباقون: (قُتِلَ) بضم القاف وكسر التاء من غير=
[ ٤ / ٤٥١ ]
وقيل في توجيهه: إنَّ الواو لا توجب التَّرتيب. ولا (^١) يجدي؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التَّأخير لا يكون بسلامة الأمر (^٢).
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.
﴿حَقًّا﴾ صفته ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ أي: أوحى به إلى أنبيائه ﵈، وأثبته في كتبه.
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ مبالغة في إنجاز الوعد، وتقريرٌ لكونه حقًّا.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا به غاية الفرح؛ فإنَكم تبيعون فانيًا بباقٍ، وتأخذون ثمنًا من مشترٍ (^٣) بمبيع هو (^٤) ملكه وحقُّه.
خاطبهم على سبيل الالتفات؛ تشريفًا لهم.
واستبشر: فِعْل جاء فيه استَفْعَلَ بمعنى أفْعَلَ، وليس هذا من معنى الطلب في شيءٍ؛ كعَجِبَ واستَعْجَب (^٥).
﴿وَذَلِكَ﴾ البيع ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ لأنَّه الوصول إلى الحظِّ الأغبط من حَطِّ الذُّنوب ودخول الجنَّة بلا حساب.
_________________
(١) = ألف. انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٢) في (ف) و(م): "ولا هو" والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ٣٦٨)، و"روح المعاني" (١٠/ ٥٣٠).
(٣) كذا في النسخ، والذي في المصدرين السابقين: (بسلامة الأمير)، وهي كلمة استعملها الشهاب كثيرا في "حاشيته".
(٤) في النسخ: "مشترى"، والصواب المثبت.
(٥) في (ف) و(ك): "وهو".
(٦) "واستعجب" زيادة من (م) و(ك).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
(١١٢) - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿التَّائِبُونَ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هم التَّائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون، والدليل عليه قراءة: (التائبين) إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾ نصبًا على المدح، أو جرًّا صفةً للمؤمنين (^١).
ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: التائبون الموصوفون بهذه الصِّفات من أهل الجنَّة وإن لم يجاهدوا؛ لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، أو خبره.
﴿الْعَابِدُونَ﴾ وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الصِّفات، ﴿الْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله تعالى وحده مخلصين له الدِّين.
﴿الْحَامِدُونَ﴾ لنَعمائه، أو لِمَا نالهم من السَّرَّاء والضَّرَّاء.
﴿السَّائِحُونَ﴾؛ أي: الصَّائمون؛ لقوله ﵇: "سياحةُ أمتي الصيام" (^٢)، شُبِّهَ بها من حيث إنَّه يعوِّق عن الشَّهوات، أو لأنَّه رياضة نفسانيَّة يُتوصَّل بها إلى الاطِّلاع على خفايا المُلك والملكوت.
أو: السَّائرون للجهاد، أو طلب العلم.
_________________
(١) نسبت هذه القراءة إلى ابن مسعود ﵁. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٥).
(٢) رواه العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣١٧)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٣٨)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال العقيلي: فيه حكيم بن خذام كان يرى القدر، منكر الحديث. ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢) عن أبي هريرة موقوفًا، وصوب وقفه ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاة.
﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عن الشرك والمعاصي. والعاطف فيه (^١) للدلالة على أنهما بمنزلةِ خصلةٍ واحدة، كأنه قال: والجامعون بينهما.
وفي (^٢) قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾؛ أي: فيما بيَّنه وعيَّنه من الحقائق والشَّرائع؛ لأنَّه من تمام تلك الخصلة، فإنَّ مَنْ لم يصدِّق فعلُه قولَه (^٣)، ولم يوافق حالُه مقالَه، لا يجدي أمرُه نفعًا، ولا يفيد نهيُه رَدْعًا.
ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: إنه للتَّنبيه على أن ما قبله مفصَّل الفضائل وهذا مجمَلُها، وليت شعري ما وجه الدلالة في العاطف على هذا؟!
وقيل: إنه للإيذان بأنَّ التَّعداد قد تمَّ بالسَّامع، من حيث إنَّ السَّبعة هو العدد التَّام، والثَّامن ابتداءُ تعداد آخر معطوفٍ عليه، ولذلك تُسمَّى واوَ الثَّمانية. وتقف بإذن اللّه تعالى على ما فيه في موضعه.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل (^٤).
ووضعُ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ موضعَ ضميرهم إشعار بأنَّ الإيمان هو الباعث على هذه الخِصال، وأن الكامل في الإيمان مَن كان على الصِّفات المذكورة، وحُذف المبشَّر
_________________
(١) "فيه "من (م).
(٢) في (م): "في". والصواب إثبات الواو؛ لأنَّه معطوف على: "فيه"، أي: (والعاطف فيه للدلالة … والعاطف في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾ … لأنَّه من تمام …)
(٣) في (م): "قولًا".
(٤) "بتلك الفضائل" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
به للتَّعظيم؛ كأنَّه قيل: وبشرهم لما (^١) يجلُّ عن الوصف وإحاطةِ الإفهام والتَّعبيرِ عنه بالكلام.
* * *
(١١٣) - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ فائدة دخول ﴿كَانَ﴾ المبالغةُ (^٢) في نفي الفعل الدَّاخلةِ هي عليه بتعديد جهة نعته، عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الاستغفار مثلًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أن (^٣) يطلبوا المغفرة لهم.
﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ روي أنَّه ﵇ قال لأبي طالب لَمَّا حضره الوفاة: "قل كلمةً أحاجُّ بها عند اللّه"، فأبى، فقال ﵇: "لا أزال أستغفر لك ما لم أُنْهَ عنه" فنزلت (^٤).
وفيه: أنَّ موتَ أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزلت بالمدينة.
لا يقال: ما ذكر إنَّما يتمُّ أن (^٥) لو كان نزول الآية عقيب موت أبي طالب، وليس بلازم؛ لجواز أن يكون النبي ﵇ يستغفر له إلى وقت نزول الآية=
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "بما".
(٢) في (ك): "للمبالغة".
(٣) في (م): "أي".
(٤) رواه البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن ﵁.
(٥) "أن" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٥٥ ]
لأنَّا نقول: الظاهر من قوله (^١): (فنزلت) إنَّما هو التَّعقيب بلا تراخٍ (^٢).
وإنما قال: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ دون: الكافرين؛ لأنَّ منهم مَن هو معذور؛ كالذي لم تبلغه الدَّعوة، فلا نهي عن الاستغفار لهم.
وذكر الكلبي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ زارَ قبر أمِّه في ألف فارس وهو يريد أن يستغفرَ لها، فلمَّا قام عند قبرها فإذا هو بجبريل ﵇، فوضع يده على صدره، وتلا هذه الآية، فبكى النبي ﷺ وبكى المسلمون، فما رؤي يومًا (^٣) أشد باكيّا من يومئذ (^٤).
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لا بموتهم على الشِّرك خاصَّة، بل به وبنزول الوحي فيه، فلا يختصُّ النَّهي بالذين ماتوا على الشرك، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ لعدم المنع عن الاستغفار قبل ذلك؛ لأنَّه طلب التَّوفيق للإيمان اقتضاء، ومَن قال بحجيَّة المفهوم اتخذه دليلًا على جواز الاستغفار للأحياء من الكفار مطلقًا.
_________________
(١) في (ك): (قول)، وفي (م): "قول الراوي".
(٢) ويمكن أن يقال: إن الفاء للسببية لا للتعقيب، يعني أن قوله: (فنزلت) لا يراد به أن النزول كان عقيب القول، بل يراد أن ذلك سبب النزول. انظر: "روح المعاني" (١٠/ ٥٣٩).
(٣) "يومًا" من (م).
(٤) لم أقف عليه بهذا السياق، والكلبي كذاب متروك، لكن روى مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت". وليس فيه أن الآية نزلت في ذلك، لكن روي عن ابن مسعود نحو هذه القصة على أنها سبب نزول الآية، رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٩٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٩٢)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١٨٩).
[ ٤ / ٤٥٦ ]
ولَمَّا ورد النَّهي عن الاستغفار للمشركين قال النَّاس: إن إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه المشرك (^١)، فنزلت هذه الآية (^٢).
* * *
(١١٤) - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ يعني: بعد موته على الشرك؛ لأن الاستغفار له قبل الموت لا يصلح متمسَّكًا للقائل المذكور - وذلك ظاهر - فلا ينطبق سببُ النزول.
﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ وقرئ: (أباه) (^٣)؛ أي: وعدها إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، فأنجز وعده؛ فإن إنجاز الوعد واجب، ولم يكن موته على الشرك ظاهرًا حينئذ (^٤) عنده ﵇، كما هو الظاهر من قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ وهذا التَّبيين عنده ﵇ كان يومَ الجزاء على ما ورد في الحديث الصحيح (^٥).
_________________
(١) "المشرك" من (م).
(٢) رواه بنحوه النَّسَائِيّ (٢٠٣٦)، والترمذي (٣١٠١) وحسنه، من حديث علي ﵁.
(٣) نسبها ابن خالويه لحماد الراوية ثم قال: ويقال: إنه صحفه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (٥٥).
(٤) "حينئذ"سقط من (ك).
(٥) لعله يقصد ما رواه البخاري (٣٣٥٠) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا=
[ ٤ / ٤٥٧ ]
﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ولم يطلب مغفرته بعد ذلك.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ استئناف لبيان ما حمله ﵇ على الاستغفار لأبيه.
﴿لَأَوَّاهٌ﴾ فعَّالٌ (^١) من أَوَّهَ، وهو الذي يُكثر التَّأوُّه؛ أي: الترحُّم والتعطُّف، ولكثرة تأوُّهِهِ كان يتعطَّف لأبيه المشرك.
﴿حَلِيمٌ﴾: صبورٌ على الأذى، ولذلك كان يحلم عن أبيه ويتحمَّل أذاه ويستغفر له مع شكاسة خلقه.
* * *
(١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ قد مرَّ وجه زيادة ﴿كَانَ﴾ في مثل هذا المقام.
﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾: ليَخْلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا، فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ للإِسْلَامِ ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالنَّهي عبارةً أو دلالةً ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾: ما يجب اتِّقاؤه؛ أي: ليس من شأنه تعالى تكليفُ الغافل، فالمهتدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الشرع إنما يكون ضالًا إذا كان إقدامه
_________________
(١) = تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول اللّه تعالى: "إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار".
(٢) في (م): "يقال".
[ ٤ / ٤٥٨ ]
عليه بعد بيان حظره (^١)، وكأنه عذر الرسول ﷺ في الإقدام (^٢) على استغفار أمِّه.
وفيه دليل على أن تكليف الغافل غير واقع في شرائع الأنبياء ﵈.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم حاجة الغافل إلى البيان فيَعذره، وهو تتميمٌ للبيان المذكور.
* * *
(١١٦) - ﴿إِنّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ﴾ خاصَّة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريك له ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: يَهدي ويُضل ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
لمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، وأشار بقوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ إلى وجوب التَّبرِّي منهم بعد ما تبيَّن حالهم، بيَّنَ أن المُلك والحول والقوة كلَّها لله تعالى، وأنَّه الهادي والمضل، ولا ولاية ولا نصرة لهم إلَّا منه؛ ليتولَّوه ويتوجَّهوا إليه بشراشرهم (^٣)، ويتبرؤوا عمَّا عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه.
* * *
_________________
(١) في (ك): "خطره".
(٢) "في الإقدام" من (م).
(٣) في (ف) و(م): "بسرائرهم". و(بشراشرهم)؛ أي: بجملتهم وكليتهم. انظر: "حاشية الشهاب" (٤/ ٣٧١).
[ ٤ / ٤٥٩ ]
(١١٧) - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس ﵁: هو (^١) العفو عن إذنه للمنافقين بالتَّخلُّف عنه (^٢).
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ قيل: هو في حقِّ زلَّات سبقَتْ منهم يوم أُحُد وحُنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. ففيه بعث للمؤمنين على التَّوبة.
والمعنى: ما من أحدٍ إلا وهو محتاجٌ إلى التَّوبة حتى النبيُّ ﵇ والمهاجرون (^٣) والأنصار ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾، إذ لا أحد إلا وله حالٌ سينتقِص ما هو فيه بالنسبة إليها، فالتَّرقي منه إليها توبة (^٤) من تلك النقيصة.
وفيه بيانٌ لفضلها وشرفها بأنها مقام الأنبياء ﵈ والصَّالحين رحمهم اللّه تعالى.
_________________
(١) في (م): "وهو".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٠/ ٤٠٧).
(٣) في النسخ: "والمهاجرين"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣١٦)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٠)، و"البحر" (١١/ ٤٥٢).
(٤) في (ك): "توبته". وعبارة البيضاوي: (إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة). انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٠)
[ ٤ / ٤٦٠ ]
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: كانت السُّورة تدعى الفاضحة، فلما نزلت هذه الآية سُمِّيَتْ بها: سورةَ التَّوبة.
﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي: اتَبعوا أمره ﵇.
﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في وقتها؛ فإن السَّاعة في اللغة بمعنى مطلق الزَّمان، والعسرة: الضِّيق والشِّدة والعدم، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة الظَّهر يَعتقِب العشرة على بعير واحد، والزَّادِ حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والماءِ حتى نحروا الإبل واعتصروا فُروثها، في شدَّة زمانٍ في حرارة القيظ.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾؛ أي: بعدما قاربوا من الميل عن اتِّباع الرَّسول ﷺ في تلك الغزوة، وإنما أسند زيغهم إلى القلب إظهارًا لكونه بمعنى الميل القلبي لا بمعنى الانحراف القالبي.
﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المتَّبعين له ﵇.
وفي ﴿كَادَ﴾ ضمير الشَّأن، أو ضمير القوم، والعائد عليه الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾.
لم يقل: زاغت، بل قال: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾، ولم يقل: قلوبهم، بل قال: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ تنبيهًا على شركة كلهم في القرار على عدم الثبات في مثل (^١) تلك الحال، وامتيازِ جلِّهم عن الباقين بقوة الثبات.
وفيه إشارة إلى جهة استحقاقهم لِأَنْ يتوبَ الله تعالى عليهم.
وما في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الإبهام؛ لإيهام أنهم ليسوا من المهاجرين والأنصار
_________________
(١) "مثل" من (م).
[ ٤ / ٤٦١ ]
لعدم انحصار المتَّبعين له ﵇ فيهما، ما لا يخفى من التَّعظيم لشأنهما، والترفيع لمكانهما عن مَظِنة التَّشنيع.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ على الفريق الذي كاد يزيغ قلوبهم لكيدودتهم، وعلى قراءة عبد الله: (من بعد ما زاغَتْ) (^١) لزيغهم، وما تقدَّم في حقِّ زلَّاتٍ سبقت من المهاجرين والأنصار في يوم أُحُد وحُنين لا يغني عن هذا، فلا تكرير.
وفي عبارة التراخي إشارةٌ إلى تأخُّر عفوهم [لا] (^٢) إلى تخلُّل الكفر بينه وبين جريمتهم.
﴿إِنَّهُ بِهِمْ﴾ استئناف تعليلي ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والجمع بين الاسمين للمبالغة والتأكيد.
* * *
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ﴾ هم الذين تقدم فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، معطوفٌ على قوله: ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾.
﴿خُلِّفُوا﴾: أُخِّروا وتُرِك أمرهم، لم تقبل منهم معذرة ولا رُدَّت عليهم، فكأنَّهم خُلِّفوا عن المعتذرين ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: برُحْبها؛
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٥)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٩٣)، و"البحر المحيط" (١١/ ٤٥٦).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
لإعراض النَّاس عنهم (^١) بالكليَّة، وهو مَثَلٌ لشدة الحيرة.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: قلوبهم من فرط حيرة الوحشة والغَمِّ، بحيث لا يسعها أُنْسٌ ولا سرورٌ.
﴿وَظَنُّوا﴾: وعلموا ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ من سخطه ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ بالتوبة والاستغفار.
جاءت هذه الجملة في كنف (^٢) ﴿إِذَا﴾ في غاية الحسن والتَّرتيب؛ حيث ذكرَ أوْلًا ما هو كنايةٌ عن ضيق المحل، وثانيًا ما هو كنايةٌ عن ضيق الحال، والأوَّل لا يغني عن الثَّاني لأنَّه قد يضيق المحل (^٣) وتكون النَّفس منشرحة، وثالثًا ما هو كنايةٌ عن اليأس عن النَّاس، والانقطاع إلى الله تعالى.
و﴿حَتَّى إِذَا﴾ كلمةُ غايةٍ، تقديره: وخلِّفوا إلى هذه الغاية.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: وفَّقهم للتوبة ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أو: أنزل قَبول توبتهم - بقرينة الاستئناف - ليصيروا من جملة التَّوابين، أو: رجع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرَّة بعدَ أخرى ليستقيموا على توبتهم بقرينة الاستئناف (^٤)، للتَّعليل بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب ولو عاد في يوم ألفَ مرة.
_________________
(١) "عنهم" من (م).
(٢) في (م)، و(ك): "كيف".
(٣) قوله: "وثانيًا ما هو كناية عن ضيق المحل والأول لا يغني عن الثاني لأنَّه قد يضيق المحل" ليس في (م).
(٤) "ليصيروا من جملة التوابين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم بقرينة الاستئناف" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
﴿الرَّحِيمُ﴾ المتفضِّل عليهم بأصناف النِّعم، وهم (^١) المستحقُّون بأنواع النِّعم (^٢).
* * *
(١١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاه.
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا في دين الله تعالى نيَّةً وقولًا وعملًا، أو في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله ﵇ على الطَّاعة، أو في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد هؤلاء الثلاثةَ وأضرابهم.
وقرئ: (مِنَ الصَّادقِيْنَ) (^٣)، ونسبة القراءتين (^٤) إلى المعاني المذكورة على السَّواء.
* * *
(١٢٠) - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: ما صحَّ وما جاز لهم.
_________________
(١) في (ف): "وهو".
(٢) كذا وقعت العبارة في النسخ، وجاء في "تفسير أبي السعود" (٤/ ١٠٩)، و"روح المعاني" (١٠/ ٥٥٨):) المتفضل عليهم بفنون الآلاءِ مع استحقاقهم لأفانينِ العقاب).
(٣) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٦٢)، و"زاد المسير" (٣/ ٥١٤).
(٤) في (ك): "القراءة".
[ ٤ / ٤٦٤ ]
﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كمُزينة وأشجعَ وجُهينة وغِفار.
﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التَّخلف عن رسول اللّه ﷺ في غزوه، ويُفهَم منها الأمر على أبلغ وجه بملازمته ﵇ أينما توجَّه غازيًا، وبذل النُّفوس دونه.
﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: ولا أن يرغبوا، عطفًا على الأول.
و(رغب) إذا تعدَّى بـ (في) أو الباء يفيد معنى الطَّلب، وإذا تعدَّى بـ (عن) يفيد معنى التَّرك والإعراض.
ومآل المعنى: ولا يرضوا أن يكونوا في خفضِ عيشٍ (^١) ودَعَةٍ ورسولُ اللّه ﷺ في شدَّةٍ ونَصَب.
روي أن أبا خيثمة بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء، فرشَّت له في الظِّل، وبسطت له الحصير، وقرَّبت إليه (^٢) الرُّطب والماء البارد، فقال: ظلٌّ ظليل، ورُطَبٌ يانع، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضَّحِ والرِّيح (^٣)! ما هذا بخير. فقام فرحَل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومرَّ كالرِّيح، فمدَّ رسولُ اللّه ﷺ طرفه إلى الطَّريق فإذا براكب يزهاه السَّراب، فقال: "كن أبا خيثمة" (^٤)، فكأنه، ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له.
_________________
(١) "عيش" من (ك).
(٢) في (ف): "له".
(٣) في (م): "والرمح".
(٤) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣١٩)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠١). ورواه البيهقي في "الدلائل" من طريق ابن إسحاق عن عبد بن أبي بكر بن حزم: أن أبا خيثمة …، وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٢٠) عن ابن إسحاق قوله. ورواه الطبراني في "الكبير" (٥٤١٩) من حديث سعد بن خيثمة، وإسناده ضعيف لضعف يعقوب بن محمد الزهري. انظر: "مجمع الزوائد" (٦/ ١٩٣). وورد ذكر=
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وفي ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ يجوز النصب والجزم.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى وجوب متابعته ﵇ المدلول عليه بقوله: ما كان لهم أن يتخلَّفوا.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾: عطش ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾: تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: مجاعة، مَفْعَلة من خموص البطن، وهو ضمرُه، وكني بذلك عن حالة الجوع لأنَّه ملازم لها.
والتَّنكير في الثَّلاثة للتَّقليل.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طريق الجهاد.
﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ بأقدامهم، أو أرجل خيولهم، والموطئُ يجوز أن يكون مصدرًا، وأن يكون موضعًا كالمرجع (^١).
﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم إيَّاه ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ﴾ لم يقل: منهم؛ إخراجًا للمسالمين (^٢) منهم، والغيظُ - وهو انقباض الطَّبع بما يرى ممَّا يسوءه - يَنتظِمهم.
﴿نَيْلًا﴾ شيئًا مَنْ قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أسرٍ أو تشريدٍ أو أخذِ مالٍ.
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ أي: حصل لهم بكلِّ واحدٍ من هذه الآثار حسنةٌ مقبولةٌ، فإنَّ كتابته كناية عن حصوله، وذلك مما يوجب المشايَعة.
_________________
(١) = لحاق أبي خيثمة بالنبي ﷺ، وقوله ﵊: "كن أبا خيثمة" ضمن حديث كعب بن مالك ﵁ الطويل في رواية مسلم (٢٧٦٩).
(٢) في (ك): "كالمرح"، وفي (م): "كالمبرح".
(٣) في (ف): "للمساكين".
[ ٤ / ٤٦٦ ]
وإنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياء جمعًا؛ لأنَّه لَمَّا أدخل بينَ كلِّ شيئين منها ﴿لَا﴾ مكرّرًا، صار كلُّ واحد منها مفردًا بالذِّكر مقصودًا بالوعد، ولهذا قالوا: مَن حلف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا حنثَ بكلِّ واحدٍ منهما، ولو قال: لا يأكل خبزًا ولحمًا، لا يحنث إلَّا بهما جميعًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم، فيه إيذانٌ بأنَّ الجهاد إحسانٌ، وأنَّ الإحسانَ مُوجِب للأجر، فيكون تعليلًا لـ ﴿كُتِبَ﴾.
أمَّا كونه إحسانًا بالنسبة إلى المؤمنين فلِمَا فيه من صيانة حوزة الإسلام عن استيلاء الكفَّار، وأمَّا بالنِّسبة إلى الكفَّار فلأنَه سعيٌ في إصلاحهم وإرشادهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون ليشرب الدَّواء النَّافع.
* * *
(١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو عِلَاقةَ سوط ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة.
وتقديم النَّفقة الصغيرة مع أنَّ حقَها التَّأخير للاهتمام بشأنها؛ لأنها مظنَّة التَّحقير وعدم الالتفات بها.
﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كلُّ مُنفرجٍ (^١) ينفذ فيه السَّيل، اسم فاعل من وَدَى: إذا سالَ، فشاع في معنى الأرض.
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أثْبِتَ لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ به ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا
_________________
(١) في (ك): "منعرج".
[ ٤ / ٤٦٧ ]
يَعْمَلُونَ﴾: أحسنَ عملِهم، مصدر (^١)، أو مفعول ثانٍ؛ أي: جزاء أحسنِ أعمالهم، أو أحسنَ جزاءِ أعمالهم (^٢)، فيُلحق ما دونه به؛ شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام لتأكيد النَّفي؛ أي: وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحوِ غزوٍ أو طلب علمٍ، كما لا يستقيم لهم أن يتثبَّطوا جميعًا؛ فإنَّه مخلٌّ بأمر المعاش، وهو تمهيدٌ لوجوب النَّفر في طلب العلم؛ لأنَّه فهم منه أنَّه لو أَمْكن نَفْرُ الكلِّ ولم يؤدِّ إلى مَفسدةٍ لوجب (^٣)، وهذا لوجوب التَّفقُّه (^٤) على كلِّ مسلمٍ؛ لقوله ﵇: "طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم" (^٥).
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾؛ أي: فإذا لم يمكن (^٦) نفرُ الكل لمنافاته المصلحة، فهلَّا نفرَ مِنْ كلِّ فرقة كثيرةٍ منهم كقبيلةٍ وأهلِ بلدةٍ طائفةٌ قليلة.
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي:
_________________
(١) "مصدر" ليس في (ك)، و"عملهم" ليس في (ف) و(م).
(٢) "أو أحسن جزاء أعمالهم" زيادة من (ك)، و(م).
(٣) "لوجب" سقط من (ك).
(٤) في (ف) و(م) و(ك): "النفقة"، والصواب المثبت.
(٥) رواه ابن ماجه (٢٢٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٣٧)، من حديث أنس ﵁. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٤٠): ضعيف.
(٦) في (ف) و(م): "يكن".
[ ٤ / ٤٦٨ ]
ليتكلَّفوا الفقاهة، ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غرضهم في ذلك ونهاية سعيهم إنذارَ قومهم وإرشادهم إرادة أن يحذروا الله تعالى في اجتناب معاصيه وامتثال أوامره.
وتخصيص الإنذار بالذِّكر، وجعلُه وحده غرضَ التَّفقُّه وإن كان العمل به أقدمَ وأهمَّ؛ لأنَّه أشرف وأعلى؛ لأنَّ التَّفقُّه (^١) لا يكون تفقُّهًا إلَّا عند العمل به، فمَن لم يعمل بما عَلِم فليس بفقيه، ولا شكَّ أنَّ التكميل بعد الكمال، فكان العمل داخلًا في التَّفقُّه، وبعد الكمال بالعلم والعمل لا يكون الغرض منه إلَّا التَّكميل.
وفيه دليل على أن التَّفقُّه في الدِّين والتَّذكير من فروض الكفاية، وأن خبر الآحاد حجَّة لعموم ﴿كُلِّ فِرْقَةٍ﴾، فلو كانت فرقة في قرية لوجب خروج بعضهم للتَّفقُّه وإنذارهم، ولوجب عمل الباقين بإخبارهم وإن لم يتواتر، فإنه غير ممكنٍ فيه.
وفي الآية وجهٌ آخر، وهو أنَّ المؤمنين بعدما سمعوا ما أنزل الله تعالى في المتخلِّفين عن غزوة تبوك تسابقوا في الجهاد، فكان إذا بعثَ رسول اللّه ﷺ جيشًا نفروا عن آخرهم وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتَّفقُّه، فأُمِروا أن ينفر من كلِّ فرقةٍ طائفةٌ ليتفقَّه الباقون في الدِّين، فلا ينقطع التَّفقُّه الذي هو الغرض من البعثة والجهاد الأكبر، فإنَّ الجدال (^٢) بالحجَّة أعظم أثرًا من الجدال بالسَّيف، ولينذروا قومهم النَّافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم.
وعلى هذا الوجه فالضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ و﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ و﴿إِلَيْهِمْ﴾ للفرقة الباقين، وفي ﴿رَجَعُوا﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ﴾ للطَّائفة النَّافرين، وفيه تشتيتُ الضمائر،
_________________
(١) في (ك): "النفقة" في الموضعين.
(٢) في (ك): "الجهاد".
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وهو وإن لم يكن مخلًّا بالفصاحة عند انتظام المعنى وانسياق الذِّهن إليه، لكن عدمه أولى، فالراجح هو الوجه الأول.
* * *
(١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾: يَقْربون منكم ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب منهم (^١) فالأقرب.
قيل: كان النَّبي ﷺ إذا غزا ربَّما يجاوز كفَّارًا ويقاتل الأبعد؛ ليكون آيةً لنبوَّته أنَّه لا يبالي ولا يخافُ مَن تركه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في آياتٍ أُخَر؛ من الأمر بأخذ الحذر، وإعداد ما استطاعوا من قوة.
وقيل: إن الذين يلونهم من الأعداء يوم نزول هذه الآية هم الرُّوم الذين بهم ختم رسول اللّه ﷺ غزوةَ تبوك، فكان الكلام متَّصلًا بما تقدَّم من غزوة تبوك.
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: خشونةً وشدَّة وصبرًا على القتال.
وقرئ: (غلظة) بالحركات الثَّلاث (^٢).
﴿وَاعْلَمُوا﴾ قد مرَّ وجه زيادة (اعلموا) في مثل هذا المقام.
﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ينصر مَنِ اتَّقاه، فهو تبشير لهم بالنَّصر.
* * *
_________________
(١) "منهم" ليست في (ف).
(٢) قرأ بالضم أبان بن عثمان، وبالفتح المفضل عن عاصم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٥٥).
[ ٤ / ٤٧٠ ]
(١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾: فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لبعضهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورة ﴿إِيمَانًا﴾ إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنين.
وقرئ: (أيَّكم) بالنَّصب (^١)، على إضمارِ فعلٍ يفسره ﴿زَادَتْهُ﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فأمَّا (^٢) المخلِصون، والفاء لترتيب الإخبار عنهم وعن مقابِليهم على التنويع والتفصيل على ما تقدَّم (^٣).
﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادة اليفين الحاصل من تدبُّر السُّورة، وانضمامِ الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم.
﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وهم يفرحون بنزولها لزيادة أعمالهم وارتفاع درجاتهم، حتى يتبين ذلك في وجوههم وبشرتهم.
* * *
(١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: كفرًا مضمومًا إلى الكفر بغيرها ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه.
إنزالُ القرآنِ لقومٍ شفاءٌ ولقومٍ شَقاءٌ.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٥).
(٢) في (م): "فأما الذين".
(٣) "على ما تقدم" من (م).
[ ٤ / ٤٧١ ]
(١٢٦) - ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: المنافقين، وإنَّما فُتحَتِ الواو لأنها عاطفة دخل عليها ألف الاستفهام للتَّوبيخ، فالكلام مستأنفٌ من وجهٍ، متَّصلٌ من وجهٍ.
وقرئ بناء الخطاب (^١)؛ يعني: المؤمنين، والاستفهام حينئذ للتَّعجُّب؛ أي: عَجبًا منهم كيف قسَتْ قلوبُهم وعميت أبصارُهم عمَّا يتتابع عليهم من أنواع المحن وأصناف الفتن.
﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾: يُبتلَون بأنواع البليَّات، أو بالجهاد مع رسول الله ﷺ، فيعاينون بما يظهر عليه من الآيات.
﴿فِي كُلِّ عَامٍ﴾ العام هنا ليس على عمومه، بل مُخصَّص بقرينة المقام.
﴿مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قيل: هذه الفتنة تَهتكُ أستارهم وتُظهر (^٢) أسرارهم.
﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم (^٣) ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: ولا يتَّعظون بما يصيبهم حتى ينتهون عمَّا هم عليه.
وزيادة ﴿هُمْ﴾ لأنَّ غيرهم يتَّعظون باختبارهم أنَّ سنَّة الله تعالى أنْ لا يُخْليَ أرباب التَّكليف من دلائل التَّعريف والتَّحريكِ لهم في كلِّ وقتٍ بنوعٍ من البيان، والتَّعريكِ في كلِّ أوان بضربٍ من الامتحان، فمنهم من لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادة الخذلان، والحجبة عن قرائر البيان.
_________________
(١) وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٠).
(٢) في (ف) و(م): "بهتك … وإظهار".
(٣) "من نفاقهم" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٧٢ ]
(١٢٧) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ذكر فيما سبق ما يَحدث منهم من القول على سبيل الاستهزاء، وذكر هاهنا ما يحدث منهم من الفعل استهزاءً.
﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: تغامزوا بالعيون؛ إنكارًا لها وسخرية، أو غيظًا (^١) لِمَا فيها من عيوبهم.
﴿هَلْ يَرَاكُمْ﴾ قائلين: هل يراكم ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين، يريدون الانصراف سرًّا، لانتفاء صبرهم على الاستماع (^٢) لغلبة الضحك، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال؛ لغلبة الغيظ، فإن لم يرهم أحدٌ قاموا (^٣)، وإن رآهم أقاموا (^٤) نفاقًا.
﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن حضرته ﵇ مخافةَ الفضيحة على التَّقديرَيْن.
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الظَّاهر أنَّه خبر، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوء فهمهم، أو عدم تدبُّرهم.
لَمَّا كان الكلام في معرض ذِكْرِ الذَّنب بدأ بالفعل المنسوب إليهم بقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾، ثم ذكر فعله بهم على سبيل المجازاة (^٥) لهم في فعلهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
_________________
(١) "أو غيظًا" من (م).
(٢) في (ف) و(ك): "استماع".
(٣) في (ك): "أقاموا".
(٤) في النسخ: "قاموا"، والصواب المثبت؛ أي: مكثوا وبقوا ولم يقوموا.
(٥) في (ف): "المجاز".
[ ٤ / ٤٧٣ ]
ومن بلاغة القرآن وبديعِ نَظْمه: أنه إذا كان القول في تعداد الذَّنب بدأ في ترتيبه من الجهة التي هي عن المذنب، كما في المثالَيْن المذكورين؛ ليكون هذا أشدَّ تقريرًا للذَّنب عليهم، وإذا كان في تعداد نِعَمه تعالى بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عنه تعالى، كما في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ليكون ذلك منبِّهًا على تلقاء النِّعمة من عنده.
* * *
(١٢٨) - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مخاطبة للعرب على جهة تعديد النِّعمة عليهم في ذلك؛ إذ نشأ من مكانهم، وجاء بلسانهم، وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة، وتشرفوا به غابر الأيام على سائر الأنام.
وقرئ: (مِنْ أَنْفَسِكُمْ) (^١)؛ أي: أَشْرَفِكم.
ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: شديدٌ وشاقٌّ عليه عنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ من سوء العاقبة والوقوع في العذاب.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: على إيمانكم وصلاح شأنكم.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خاصَّة - ففيه تعميم من وجهٍ، وتخصيصٌ من وجهٍ - ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرَّأفة: أشدُّ الرَّحمة. والرَّحمةُ أعمُّ منها؛ لأنَّ الرَّحمة تُستَعمل
_________________
(١) نسبت إلى النبي ﷺ وفاطمة وابن عباس ﵃. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص:٥٦).
[ ٤ / ٤٧٤ ]
في كلِّ نفعٍ من المطر والسَّعة والعافية وغيرها، فكان المعنى في الرؤوف: الشَّفيق العطوف، وفي الرَّحيم: النَّافع المفضِّل، فلكلٍّ منهما وجهُ تقدُّمٍ على الآخر.
وقيل: قدَّم الرَّأفة على الرَّحمة لأنَّ الرَّأفةَ إنَّما تكون باعتبار الحفظِ والصِّيانةِ عن الآفات والنَّقائص التي يُستحقُّ بها العقاب، والرَّحمةَ باعتبار إفاضة الكمالات والسَّعادات التي يُستحقُّ بها الثواب، فالأُولى من باب التَّزكية، والثَّانية من باب التَّحلية، ولا تكون التَّحلية إلَّا بعد التَّزكية، ونسبتها إلى الأولى نسبةَ ﴿حَرِيصٌ﴾ إلى ﴿عَزِيزٌ﴾.
* * *
(١٢٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ﴾ أي: فإن أعرضوا عن الإيمان بك فقل لهم، وفيه تلوين الخطاب، ووجهُ التَّفريع: أنَّ مقتضى الرَّحمة والرَّأفة أنْ لا يدعو عليهم ولا يجازَيهم بالفعل الذي يؤذيهِم، أي: فاقتصِرْ على القول الجامع للتَّرغيب والتَّرهيب.
﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي (^١): فاستعِنْ بالله تعالى، وفوِّض إليه أمرك، فإنَّه يكفيك مَعرَّتهم ويُعينك عليهم.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كالدَّليل على التَّسليم والتَّوكُّل.
_________________
(١) "أي" سقط من (ك).
[ ٤ / ٤٧٥ ]
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه.
﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: المُلك العظيم، أو الجسم الأعظم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير.
وعن أُبَيِّ ﵁: آخر ما نزل هاتان الآيتان (^١).
وقال البراء بن عازب ﵁: آخر سورة أُنزِلَتْ كاملةً براءة (^٢).
ومَن قال (^٣): وعن النبي ﷺ: "ما نزل القرآن إلا آيةً آيةً وحرفًا (^٤) حرفًا ما خلا سورةَ براءة وقل هو الله أحد، فإنَّهما نزلَتَا عليَّ ومعهما سبعون ألف صفٍّ من الملائكة" (^٥)، فكأنه نسي ما قدَّمه من قوله عن رسول الله ﷺ: "أُنزِلَتْ عليَّ سورة الأنعام جملةً واحدةً معها سبعون ألف ملك" الحديث (^٦)، والله أعلم بالصواب (^٧).
* * *
_________________
(١) روى نحوه الإمام أحمد في "المسند" (٢١١١٣)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥٣٣).
(٢) رواه البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨).
(٣) هو الزمخشري وعنه البيضاوي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٢٥)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٠٣).
(٤) في (ك): "حرفًا".
(٥) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٥) من حديث عائشة ﵂ بإسناد واه كما قال الحافظ في "الكافي الشاف" (ص: ٨٣).
(٦) انظر: "الكشاف" (٢/ ٨٥)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٩٢).
(٧) "والله أعلم بالصواب" ليست في (ف).
[ ٤ / ٤٧٦ ]