﷽
(١) - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
﴿الر كِتَابٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو خبر ﴿الر﴾ (^١).
﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ صفةٌ له؛ أي: أُحكِمَت من جهة اللفظِ والمعنى والنظمِ عن تطرُّقِ الخللِ، فصارَت في غاية الإحكامِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: مُيِّزَت بعضُها عن بعضٍ في النزولِ (^٢)؛ كيلا يختل أمرُ الاستدلالِ على الأحكامِ، فالتراخي على الحقيقةِ.
وقيلَ: المرادُ: آياتُ السورِ (^٣)؛ إذ ليسَ فيها منسوخٌ، فمعنى إحكامها: منعُها من النسخِ.
أو: أُحكِمت بالحججِ والدلائلِ.
أو: جعلَتْ حكيمةً، منقولةٌ من: حَكُمَ، إذا صارَ حكيمًا؛ لأنها مشتملةٌ على أُمهاتِ الحِكَمِ النظريةِ والعمليةِ.
_________________
(١) "أو خبر آلر" من (م).
(٢) في هامش (ف): "ومن قال: أو بالإنزال، ثم قال: و﴿ثُمّ﴾ للتفاوت في الحكم، أو للتراخي في الإخبار، لم يصب كما لا يخفى، منه".
(٣) "وقيل المراد آيات السور" من (م).
[ ٥ / ١١٧ ]
ومعنى ﴿فُصِّلَتْ﴾: أنها فُصِّلَت بالفوائدِ، كما تُفصَّلُ القلائدُ بالفرائدِ؛ من العقائدِ والأحكام والمواعظ والأخبار، أو جعِلَت فصولًا فصولًا، آيةً آيةً، أو فصِّلَ فيها (^١) ما يحتاجُ العبادُ، أي: بُيِّن ولخِّص، فالتراخي رُتْبيٌّ.
وقرئ: (فَصَلَتْ) من الثلاثي المجرَّدِ (^٢)؛ أي: فرَّقت بين الحق والباطلِ.
وقرئ: (أَحْكَمْتُ آياتهِ ثمَّ فصَّلْتُ) على البناء للمتكلِّمِ (^٣).
﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ في تعلُّقه بـ (أحكمت ثم فصلت) طباق حسنٌ؛ لأن معناه: أحكَمها حكيمٌ، وفصَّلها وبيَّنها (^٤) خبيرٌ بالأشياءِ وأحوالِها، فصارَ على أكمل ما ينبغي باعتبارِ ما ظهرَ أمرُه وما خفِي.
(٢) - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير﴾.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لأنْ لا تعبدوا، أو نهيٌ و﴿أَنْ﴾ مفسِّرة؛ لأنَّ في تفصيل الآياِت معنى القولِ، أو أمرٌ لأن فيه معنى الأمرِ؛ أي: أُمِرتم أن لا تعبدوا إلا اللهَ.
ويجوزُ أن يكون كلامًا مبتدأً منقطِعًا عما قبلُ على لسانِ النبيِّ ﵇ بتقديرِ: قل؛ إغراءً منهُ على تخصيصِ الله تعالى بالعبادةِ، أو أمرًا بهِ، ويدلُّ عليه
_________________
(١) في (ف) و(م): "منها"، والمثبت من (ك) و"الكشاف" (٢/ ٣٧٧).
(٢) نسبت لعكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣٧٧)، و"البحر المحيط" (١٢/ ١٩٦).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٧٧).
(٤) "وبينها" في (م).
[ ٥ / ١١٨ ]
قوله (^١): ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾: مِن جهتِه ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾؛ أي: هلَّا تعبدوا إلا اللهَ، أو: التزموا تركَ عبادةِ غير الله تعالى، على أنَّ (أنْ) مصدريةٌ، و(لا) نافيةٌ.
وإنما قدّمَ ﴿نَذِير﴾ على ﴿بَشِيرٌ﴾ (^٢) لأن الإنذارَ أعمُّ وأهمُّ.
(٣) - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ (^٣).
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: استغفِروا من الكفرِ والمعصيةِ، ثم توبوا إلى اللهِ تعالى بالطاعةِ، فالتراخي على الحقيقةِ، ويجوزُ أن يرادَ التراخي في الرتبةِ؛ لأنَّ التخليةَ أفضلُ من التحليةِ (^٤).
والاستغفارُ ينتظِمُ الندمَ على ما سلَفَ، وإحسانَ العملِ في المؤتنَف، حتى يكونَ راجعًا بعملِه إلى ربهِ، ولهذا قدَّمَ ذِكر الاستغفارِ على التوبةِ؛ أي: اطلُبوا مغفرةَ ربِّكُم بالإسلام، والندمِ على سالفِ الإجرام، والثباتِ على الطاعةِ في باقي الأيام، وارجعوا إلى اللهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثباتِ والدوام.
_________________
(١) بعدها في (ك): " ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطف على أن لا تعبدوا"، وموضعها ليس هنا بل فيما بعد كما سيأتي، والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٢/ ٣٧٧).
(٢) من قوله: "أي: هلا تعبدوا .. " إلى هنا سقط من (ك).
(٣) "عطف على أن لا تعبدوا" سقط من (ك).
(٤) في (ك): "التحلية أفضل من التخلية".
[ ٥ / ١١٩ ]
﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: في خفضِ عيشٍ وسعة، وأمنٍ ودَعَة.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معيَّنٍ (^١) عند اللهِ تعالى، فهو آخرُ أعماركم المقدَّرةِ؟ إذ لا يهلِكُكم بعذاب الاستئصالِ.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في العمل والطاعةِ ﴿فَضْلَهُ﴾: جزاءَ فضلِه في الآخرةِ.
أو: كلَّ ذي فضلٍ في الدينِ فضلَه في الثوابِ والدرجاتِ (^٢)، فإن الدرجاتِ تتفاضلُ في الجنة بحسبِ تفاضُلِ الأعمالِ.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تتولَّوا، وقرئ: (تُوَلُّوا) من ولَّى (^٣).
﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: يومَ القيامةِ، وصِفَ بالكبرِ كما وصفَ بالعظمِ والثقلِ.
(٤) - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾.
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا (^٤): رجُوعُكم في ذلك اليومِ.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: بيانٌ لوجهِ كبرِ ذلك اليومِ بأنَّ مرجِعَهم إلى مَن هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ لا إلى غيرِه، فهو قادرٌ على أشد ما يريدُه من العذابِ، ولا يمكنُهم التَّفَصِّي عنه.
_________________
(١) في (ك): "يعني".
(٢) "والدرجات": ليست في (م).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩).
(٤) قوله: "جميعًا" جعلت في (ف) و(ك) من ضمن الآية، والصواب هنا أنها ليست منها.
[ ٥ / ١٢٠ ]
(٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: يزوَرُّون عن الحقِّ، وينحرفون عنهُ؛ لأن مَن ازورَّ عن الشيء ثنى عنهُ صدرَهُ، وطَوَى عنهُ كشحَهُ، كما أن مَن توجَّه إليه استقبلَه بصدرِه، أو يعطفُون صدورَهم على الكفرِ وعداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أي: يضمرونهما (^١).
وقرئ: (تَثْنَوْني صدورُهم) بالتاءِ والياءِ (^٢)، من اثنَوْنَى: افعَوْعَل من الثَّنْيِ، كاحْلَوْلى من الحلاوة، وهي مبالغةٌ.
وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بالتاء والياءِ، وأصلُه: تَثْنَوْنِنُ، تَفْعَوْعِلُ من الثِّنِّ، وهو ما هشَّ وضَعُفَ من الكلأ أي: تُطاوعُ صدورهم للثَّني كما ينثني الهشُّ من النباتِ، أو تَضعفُ قلوبهم وإيمانهم.
و: (تَثْنَئِنُّ) من اثْنَأنَّ: افْعَالَّ منهُ ثم هُمِزَ، كابيأضَّ في ابيَاضَّ.
و: (تَثْنَوِي) بوزنِ تَرْعَوِي (^٣).
﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾؛ أي: يريدون ليستخفُوا من اللّهِ تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم؛ لأن ثَنْيَ الصدورِ بمعنى الإعراضِ إظهارٌ للنفاقِ، فلا
_________________
(١) في (ك): "أي يصيرونهما". وفي (م): "أي يضمرونها".
(٢) هما قراءتان نسبت كل منهما لجمع من الأئمة منهم ابن عباس ﵄ ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣٧٩)، و"البحر" (١٢/ ٢٠٢).
(٣) انظر هذه القراءات في "الكشاف" (٢/ ٣٧٩) وعنه نقل المؤلف، و"البحر" (١٢/ ٢٠٢)، وقد وقع في النسخ هنا تحريف كثير، صححناه من المصدرين المذكورين، وجميع هذه القراءت مع زيادة عليها ومَن قرأ بكل منها مذكورة في "البحر"، وقد عُنينا بها عناية فائقة وضبطناها كاملة في تحقيقنا للكتاب المذكور والحمد لله.
[ ٥ / ١٢١ ]
يصحُّ تعليلُهُ بالاستخفاءِ، ونظيرُ إضمارِ (يريدون) لقَوْدِ (^١) المعنى إلى إضمارِه [الإضمارُ] في قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]؛ أي: فضرَبوه فحَيِيَ كذلك يُحيي اللهُ الموتى.
فالمعنى: يظهِرون النفاقَ، ويريدون مع ذلك أن يستخفُوه، هذا على الوجه الأولِ من التفسيرِ، وأما على الثاني فلا حاجةَ إلى الإضمارِ.
﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يتغطَّونها يريدونَ الاستخفاءَ أيضًا كراهةً لاستماعِ كلام اللهِ تعالى؛ كقولِ نوحٍ ﵇: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أي: ألا حينَ يَزيدون في إظهارِ نفاقِهم، ويفعلون ما هو أدلُّ عليه من ثَنْي الصدورِ.
قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: إنها نزلت في أخنسِ بن شريقٍ، وكان يُظهِرُ لرسولِ اللهِ ﷺ المحبَّةَ، وله منطِقٌ حلو وحسنُ سياقٍ للحديثِ بحيثُ كان يتعجبُ رسول الله ﷺ من مجالسَتِه ومحادثَتِه، وهو (^٢) يضمِرُ خلافَ ما يظهِرُ (^٣).
وقيلَ: نزلَت في المنافقين جميعًا (^٤)، وكونُ النفاقِ في المدينةِ غيرُ مسلَّمٍ، بل ظهورُهُ والامتيازُ بثلاثِ طوائفَ كان فيها.
﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بأفواهِهم، أرادَ التسويةَ بينهما،
_________________
(١) في (ف) و(ك): "لفقد"، وفي (م): "ليفد"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٣٧٩)، والكلام وما بين معكوفتين منه.
(٢) "هو" من (ك).
(٣) ذكره الزمخشري دون عزو لابن عباس ﵄، انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٧٩).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣١٩) عن الحسن وقتادة وأبي رزين وابن عباس ﵄.
[ ٥ / ١٢٢ ]
ولهذا عدَلَ عن أسلوبِ الترقِّي الظاهرِ في خلافِهِ؛ أي: يستوي في علمِه سرُّهم وعلنُهم، فكيفَ يخفَى عليه ما يُظهرُونه (^١).
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بسرائرِها وضمائرِها، تعليل على سبيلِ الاستئنافِ للتلويحِ المذكورِ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ﴾ إلخ، و(ألَا) و(إنَّ) للتنبيهِ على جهلِهم، وفسادِ اعتقادِهم، والاستغشاءِ (^٢)، وثني الصدورِ.
* * *
(٦) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: أسبابُ معاشِها، لتكفُّله إياهُ تفضلًا ورحمةً، وإنما أتى بلفظِ الوجوبِ تحقيقًا لوصولِه، وحملًا (^٣) على التوكُّلِ فيه.
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: أماكنَها في الحياةِ والمماتِ، أو الأصلابِ والأرحامِ.
أو: مساكِنَها في الأرضِ حينَ وُجِدَت بالفعلِ، ومودَعَها من الموادِّ والمقارِّ (^٤) حين كانَتْ بعدُ بالقوةِ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "يضمرونه "، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٨)، ولفظه: (ما عسى يظهرونه).
(٢) في النسخ: "والاستثناء"، والمثبت من نسخة أشير إليها في هامش (م).
(٣) في (ك) و(م): "وحثا"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٨).
(٤) في النسخ: "المبدأ والمعاد"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٢٨). وكذا جاء في حواشيه وعليها شرح بعضهم. انظر: "حاشية الشهاب" (٧٣/ ٥)، و"حاشية شيخ زاده" (٤/ ٦٢٠)، و"حاشية القونوي" (١٠/ ٢١)، ومثله في "روح المعاني" (١١/ ٣٤٥).
[ ٥ / ١٢٣ ]
﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحدٍ من الدوابِّ وأحوالها ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُثْبَتٍ في اللوح المحفوظِ.
بيان وتقريرٌ لكونِه تعالى عالمًا بجميعِ المعلوماتِ، والآيةُ التي بعدها بيان لكونه قادرًا على كل شيءٍ، وتقرير لِمَا سبقَ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ.
* * *
(٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ، ووجهُ الجمعِ في الأولى والإفرادِ في الثانيةِ مرَّ في سورة الأنعام.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ عرشُه عبارةٌ عن قيُّوميَّتهِ تعالى، والماءُ إشارةٌ إلى حقيقة (^١) الحياةِ؛ إذ من الماءِ كلُّ شيءٍ حيٍّ، وفي ﴿عَلَى﴾ بناءُ الأولى (^٢) على الثانيةِ، أي: وكان حيًّا قيُّومًا، فلا دلالة فيه على إمكانِ الخلاءِ، ولا على أن الماء أولُ حادثٍ بعد العرش من أجرامِ هذا العالم، وليتَ شعري من أينَ الدلالة على تأخُّرِ خلق الماءِ من خلق العرشِ؟
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: علةٌ للخلقِ؛ أي: خلقَ ذلك ليعاملَكم (^٣) معاملةَ المبتلي لأحوالكُم كيفَ تعملُونَ، فإنَّ جملَة ذلك أسبابٌ وموادُّ لوجودكُم ومعاشِكم،
_________________
(١) في (ف) و(م): "صفة".
(٢) في (م): "وفي على بناء بيان الأولى"، وفي (ك): "وقع على بناء الأولى"، والمثبت من (ف).
(٣) في (ك): "يعاملكم".
[ ٥ / ١٢٤ ]
وما تحتاجُ إليهِ أعمالُكم، ودلائلُ وأماراتٌ تستدلُّونَ بها، وتستنبِطون منها (^١).
ولما كان الابتلاءُ - أي: الاختبارُ - أحدَ طرفي العلمِ وأشهرَها وأعملَها استُعيرَ للعلمِ لأنهُ مُلابِسٌ له؛ كالنظرِ في قولهِ (^٢): ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].
وإنما قالَ: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلً﴾ وهم المتَّقون (^٣) - وفي المخاطَبِين مَن عملُهُ قبيحٌ وأقبحُ - لأمرين:
أحدُهما: أن المقصودَ من الخلقِ بالقصد الأولِ وبالذاتِ هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ، ونظرُه تعالى إلى ما هو (^٤) أحسنُ من ذلكَ، لا إلى القبيحِ والأقبحِ.
والثاني: التحريضُ والحثُّ على حسن العملِ والترغيب فيهِ، وهو أعمُّ من الأعمالِ البدنية كالطاعاتِ والخيراتِ، والقلبيةِ كالاعتقاداتِ والنيَّاتِ، فكأنُه قالَ: ليظهَر مَن هو أكملُ علمًا وعملًا، ويتميّزَ ممن هو على خلافِه، ولهذا قالَ النبي ﵇: "ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا، وأورعُ عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله" (^٥) وفيه تعظيمٌ للمحبِّينَ المتَّقينَ وتشريفٌ (^٦) لهم، وإشارةٌ إلى أنهم من اللهِ تعالى بمكان.
_________________
(١) في (ف): (فيها).
(٢) "ولما كان الابتلاء … " غلى هنا من (ك).
(٣) "وهم المتقون" سقط من (ك).
(٤) في (ك): "والعمل الصالح وهل إلى ما".
(٥) رواه داود بن المحبر في كتاب "العقل"، ومن طريقه الحارث في "مسنده" (٨٣١)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٣٥)، عن عبد الواحد بن زياد عن كليب بن وائل عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وداود ساقط. ورواه ابن مردويه من طريق آخر عن كليب كذلك، وإسناده أسقط من الأول. انظر: "الكافي الشاف" (ص: ٨٦).
(٦) في (ف): "أو تشريف".
[ ٥ / ١٢٥ ]
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للجزاءِ على ما انكشَف منكم بالابتلاء.
﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إشارةٌ إلى القول بالبعثِ؛ أي: إنه باطل كالسحرِ الظاهرِ البطلانِ في الخديعة (^١)، أو إلى القرآنِ لأنهُ ناطق بالبعثِ، فإذا جعلوه ظاهرَ البطلان كالسحرِ لزمَ بطلانُ ما فيه من البعثِ، وغيرِه من الوعدِ والوعيدِ.
وقرئ ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾ (^٢) إشارةً إلى الرسول ﷺ؛ أي: كاذب مبطِل كالساحرِ.
وقرئ: (أنكم) بفتحِ الهمزةِ (^٣) على تضمينِ ﴿قُلْتَ﴾ معنى: ذكرتَ، أو على أنَّ (أنَّ) بمعنى: لعل؛ أي: ولئن قلتَ: لعلَّكُم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثَكُم، ولا تجزموا بإنكاره يَعُدُّوهُ من قبيل ما لا حقيقةَ له مبالغةً في إنكارِه.
واللامُ في ﴿وَلَئِنْ﴾ موطئةٌ للقسمِ في الآيات الأربعِ، والجوابُ له سادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ.
* * *
(٨) - ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
_________________
(١) في (م): "الحذيقة".
(٢) قرأ بها حمزة والكسائي، انظر: "التيسير" (ص: ١٠٢).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩).
[ ٥ / ١٢٦ ]
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ الموعودَ ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى (^١) جملةٍ من الأوقاتِ قليلةٍ.
﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما يمنعُه من الوقوعِ.
﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيوم بدرٍ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾: ليسَ العذاب مدفوعًا عنهم، و﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بخبرِ ﴿لَيْسَ﴾ مقدمٌ عليهِ، قيلَ: هو دليل على جوازِ تقدُّمِ خبرِها عليها؛ إذ المعمولُ لا يقعُ إلا حيث يقعُ العاملُ.
وابنُ الحاجبِ يمنعُ دلالةَ جواز تقدُّمِ المعمولِ على جوازِ تقدُّمِ العاملِ، وأيضًا الظرفُ والمجرورُ يُتوسَّعُ فيهما ما لا يُتوسَّعُ في غيرهما، ويقعان حيثُ لا يقعُ العامل فيهِ.
وكان ما ذُكرَ استعجالًا منهم للتعذُّرِ على وجهِ التكذيب والاستهزاءِ، ولذلك قال:
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: أحاطَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وواضعًا ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٢) موضعَ: يستعجلون، كأنه محضُ الاستهزاءِ، ولكون عذابهم محقَّقَ الوقوعِ عما قريبٍ أوردَ ﴿وَحَاقَ﴾ موضعَ يحيقُ - على عادةِ كلام الله تعالى - كأنه قد وقعَ مبالغةً في التهديدِ.
* * *
(٩) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.
_________________
(١) "إلى" سقط من (ك).
(٢) "واضعًا يستهزؤون" زيادة من (م).
[ ٥ / ١٢٧ ]
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: نعمةً من صحةٍ وأمنٍ، وخصبٍ وجِدةٍ، بحيثُ يجِدُ ذوقها ولذَّتها.
﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا﴾: سلبناها ﴿مِنْهُ﴾ وفي عبارة النزعِ إشارةٌ إلى ما في السلبِ المذكور من شدة الألمِ.
﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: شديد الياسِ من عَودِ مثلِها إليه، قاطعٌ رجاءَه من فضلِ الله تعالى وسعةِ رحمتِه، غيرُ صابرٍ ولا مسترجِعٍ، ولا مسلِّمٍ لقضائه.
﴿كَفُورٌ﴾: عظيمُ الكفرانِ بما سلفَ له من (^١) النعمةِ.
* * *
(١٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: كصحةٍ بعد سَقَمٍ، وغنًى بعد عَدَمٍ، وفي ذكر الإذاقةِ مع النعماءِ والمسِّ بعد الضراءِ إشارةٌ إلى أن النعمةَ أدومُ حتى يجد الإنسانُ ذوقَها ويتلذَّذُ بها، بخلاف الضرِّ، فإن المسَّ مبدأُ الوصول، ففيهِ دلالةٌ على قلةِ صبرِهم كأنهم بمجرَّدِ أثره جزعوا وكفروا النعمةَ الطويلة الزمانِ.
﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾؛ أي: البلياتُ التي ساءتني.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أشرٌ بطرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ على الناسِ بما أذاقَه اللهُ تعالى من نعمائه، قد شغَلَه الفخرُ والفرح عن الشكر.
* * *
_________________
(١) في (ك): "من كفران".
[ ٥ / ١٢٨ ]
(١١) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضراءِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ شكرًا لآلائه سابقِها ولاحقِها، فإن في قوله: ﴿صَبَرُوا﴾ دلالةً على (^١) هذا؛ لأن الإيمانَ نصفانِ: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، أي: المؤمنين الذين عادتهم الصبرُ عند زوالِ النعمةِ ووقوع الضرَّاءِ، والشكرُ عند النعماءِ.
استثناءٌ من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، واللامُ لاستغراق الجنسِ؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ومن خصَّ الإنسانَ بالكافرِ بسبق ذكرِهم جعلَ الاستثناء منقطعًا.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: ثوابٌ عظيمُ.
* * *
(١٢) - ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ هذا على النهيِ؛ أي: لا تترُك بعضَ ما يوحى إليك - وهوَ ما يخالِفُ رأي المشركينَ - مخافةَ ردِّهم واستهزائهم (^٢)، وهو كما يقولُ الرجلُ لآخرَ: لعلَّك تريدُ أن تفعلَ كذا، وهو ينهاه (^٣) عنهُ، ولما كان مبنَى هذا النهيِ على الصبرِ على أذى المشركِينَ واستهزائهم صحَّ ترتيبُه على كلامٍ تضمَّنَ الحثَّ والتحريضَ على الصبرِ، ومن وهَم أن (لعلَّ) للتوقُّعِ فقد وَهِم.
_________________
(١) في (ك): "على أن".
(٢) في (م) زيادة: "به". وفي هامش (ف): "نقله صاحب التيسير عن الإمام أبي منصور، منه".
(٣) في (ف): "نهاه".
[ ٥ / ١٢٩ ]
﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: وعارضٌ لك أحيانًا ضِيقُ صدرِك، وإنما اختار ﴿وَضَائِقٌ﴾ على ضيِّقٌ لأن نهيَهُ أبلغُ، وهو يناسب لفظَ ﴿تَارِكٌ﴾.
﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: بأن يقولوا.
وقيلَ: الضميرُ في ﴿بِهِ﴾ مبهَم، و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ تفسيرُه؛ أي: يضيقُ صدرُكَ بسبب قولهم هذا.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾: ينفعُه في استتباعِ الناس كالملوك ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدَقه.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: ما عليكَ إلا الإنذارُ، وما عليك أن يقبلُوه ولا يردُّوهُ، فلا يضيقُ صدرُكَ بردِّهم وتهاونِهم به.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: فكِلْ إليه أمرَكَ فإنهُ حافظٌ عليهم ما يقولونَ ويفعلونَ، وفاعلٌ بهم ما يجبُ أن يُفعَلَ من جزائهم.
* * *
(١٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ والضميرُ في ﴿افْتَرَاهُ﴾ لـ ﴿مَا يُوحَى﴾.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾: في البلاغةِ، نزَلَ أولًا قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وهو كُلُّ القرآن في ذلك الوقتِ، فلما ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشرِ سور مثلِه (^١)، فلما عجَزوا عنه أيضًا سهَّلَ عليهم وتحدَّاهم بسورةٍ واحدةٍ؛ كما هو عادةُ المعارِضين.
_________________
(١) في (م): "منه".
[ ٥ / ١٣٠ ]
وتوحيدُ المثل لأنَّ المرادَ المماثلةُ من جهةِ البلاغةِ، ولا اختلافَ بين السورِ فيها، فما هو مِثْل لإحداها (^١) مِثْلٌ لسائرها، ففيهِ تنبيهٌ على أن المرادَ المماثلةُ في حسنِ البيان لا في بدائعِ المعاني.
﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: من بابِ (^٢) المساهلةِ، وإرخاء العنانِ، لمَّا قالوا: افتراهُ من عندِه، أُمِرَ بأن يعاودهم (^٣) على دعواهم ويقولَ: هَبُوا أني افتريتُه، فأتوا أنتم بكلامٍ مثله في حُسن النظمِ والبيانِ مفترً ى من عندِكم، فإنكم فصحاءُ مثلي.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المعاونةِ على المعارضةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنه مُفترًى.
* * *
(١٤) - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾، أي: لك وللمؤمنين بإتيانِ مثلِه، فإنهم أيضًا كانوا يتحدَّونهم، وكان أمرُ الرسولِ ﵇ مُتناولًا لهم من حيثُ إنه يجبُ عليهم اتباعُه في كل أمرٍ إلا ما خصَّهُ الدليلُ، وللتنبيهِ على أن التحدي مما يوجِبُ رسوخَ إيمانهم وقوةَ تيقُّنِهم فلا يغفلون عنهُ، ولذلك رتَّبَ عليه الأمرَ الآتي ذكرُ.
ويجوزُ أن يكون الجمعُ في الخطاب لتعظيمِ الرسولِ ﵇.
ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمشركينَ، والضميرُ في (لم يستجيبوا) لـ ﴿مَنْ﴾
_________________
(١) في (ك): "لأحد منها".
(٢) في (ك): "على" بدل: "من باب".
(٣) في (ك) و(م): "يغادرهم".
[ ٥ / ١٣١ ]
في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ أي: فإن لم يستجِب لكم من تدعُونه من دونِ الله إلى المظاهرةِ عن معارضَتِه لعلمِهم أنهم عاجزونَ عن ذلك.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ﴾ مُلْتبسًا (^١) ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما لا يعلمُه إلا اللهُ من نظمٍ معجزٍ للخلق.
﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: واعلمُوا عند عجز الكلِّ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ القادرُ على ما لا يقدِرُ عليه أحدٌ، وأن الشركَ به ظلمٌ، وأن ما تعبدُونه ليس من الألوهيةِ في شيءٍ.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ بعد هذه الحجةِ القاطعةِ.
ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمسلمينَ، ومعناه: واثبُتوا على العلم بالتوحيدِ، وزيدوا يقينًا؛ فهل أنتم دائمون على الإسلامِ، مخلصون للهِ تعالى بازديادِ اليقين وثباتِ القدم والطمأنينةِ؟
وفي تفسيرِ مقتضى الاستفهامِ بـ (هل)، والعدولِ عن الفعل إلى الجملَةِ، وسبكِ المسلمون من: يُسلمونَ، إيذانٌ بطلبِ دوام الإسلامِ، وقوةِ الثباتِ في الدين، وأنهم مُطالبون بذلك لزوالِ العُذر ووضوحِ الدليلِ وقوَّتِه.
وعلى خطابِ المشركينَ فإشارةٌ إلى أنَّ قوةَ الصارفِ عن الشركِ وقيامَ مُوجِبِ التوحيدِ يقتَضي استحالةَ الشركِ، والمواظبة على الإسلامِ، فما أبعدَ حالَكُم عن ذلكَ! وفيه تهديد بليغٌ، وإقناط من أن يجيرَهم من بأس اللهِ تعالى شركاؤهم؛ لأن دليلَ التوحيدِ دالّ على نفي القدر والألوهيةِ عن الغيرِ، ووجوب الإذعانِ له.
* * *
_________________
(١) في (ك): "بينًا".
[ ٥ / ١٣٢ ]
(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: بإحسانه وبرِّه، وزيادةُ (كان) للدلالةِ على استمرارِ تلك الحالِ، ولا بد منه في ترتُّبِ ما يأتي ذكرُه.
﴿وَزِينَتَهَا﴾: الزينةُ تختصُّ الشيء وغيرَهُ من لبسِهِ وحِليَته (^١) وغير ذلكَ.
﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (يُوَفِّ) بالياءِ (^٢)، أي: يوفِّ اللهُ تعالى، و(تُوَفَّ) للبناءِ على المفعولِ (^٣)، و(نُوْفِي) بالتخفيفِ (^٤) لأن الشرطَ ماضٍ إليهم.
﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: جزاءَ أعمالهم (^٥)، من الصحةِ، والأمنِ، وسعةِ الرزق، وكثرة ا أولادِ، والرياسةِ، والتوفيةُ: تأديةُ الحقِّ على تمامٍ.
﴿فِيهَا﴾: في الحياة الدنيا.
﴿وَهُمْ فِيهَا﴾: أي: في حقِّ الأعمالِ، ولا يجوزُ عودُ الضميرِ إلى ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لما فيهِ من الإعادةِ دون الإفادةِ.
﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ البخسُ: نقصانُ الحقِّ ظلمًا؛ يعني: لا ظلمَ في إيفاء جزاءِ أعمالهم في هذه الدارِ دون إبقائه إلى دارِ القرارِ، فما ذكره (^٦) تأسيسٌ لا تأكيدٌ، والآيةُ عامةٌ في الكفرة وبرِّهم.
_________________
(١) في (ك): "لبس وحلية".
(٢) نسبت لطلحة بن مصرف وميمون بن مهران، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣٨٤)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١٥٦).
(٣) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٨٤).
(٤) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"الكشاف" (٢/ ٣٨٤).
(٥) "جزاء أعمالهم" سقط من (ك).
(٦) في (ف): "ذكرناه".
[ ٥ / ١٣٣ ]
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: لو حط فما لهم ما بهِ يقابل، لعلهم يكونُ الكلامُ على طريقةِ: بشِّر قاتِلَ الزبيرِ بالنارِ (^١).
﴿إِلَّا النَّارُ﴾: وما فيها من أنواع العذابِ، والاقتصارُ على ذكر النارِ من قَبيلِ الاكتفاءِ عن الشيءِ بذكرِ منبَعِه، وذلك لأنهم استوفوا ما يقتَضِيه صورُ أعمالهم الحسنةِ، وبقيَت عليهِم أوزارُ العزائمِ السيئةِ.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾: في مصلحةِ الآخرةِ من وجوه البرِّ بنوع من التكليفِ؛ لأنَّه خلافُ مقتضى الطبعِ وهوى النفسِ، ولهذا عبَّرَ عنه بالصنعِ.
وإنما قال فيه: ﴿وَحَبِطَ﴾ لأنَّه ليسَ باطلًا في حدِّ نفسِه لقرينه الآتي ذكرُه، إلا أنه لا يجدِي في الآخرةِ؛ لأنَّه لم يقارِن شرطَ القَبول وهو الإيمانُ.
﴿وَبَاطِلٌ﴾ في نفسِه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما اعتادوا عملَه في مصالحِ الحياة الدنيا وأسبابِ زينتِها، وللدلالةِ على الاستمرارِ التجدُّدِي جمعَ بين (كان) وصيغةِ المضارعِ؛ كما في قولِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ومجموعُ الجملَتين علةٌ لِمَا قبلَها.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٧٠٧٢)، والحاكم في "المستدرك" (٥٥٨٠)، عن علي ﵁ من كلامه. ولفظ "المسند" و"المستدرك": "بشر قاتل ابن صفية بالنار".
[ ٥ / ١٣٤ ]
وقرئ: (بَطَلَ) على الفعلِ (^١)، و: (باطلًا) (^٢) على أنه مفعولُ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، و(ما) إبهاميةٌ، أو في معنى المصدرِ كقوله:
ولا خارِجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (^٣)
* * *
(١٧) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ برهانٌ من اللهِ تعالى على أن دينَ الإسلام حقٌّ وهو القرآنُ، (مَن) مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه: أفمَن كان على بينةٍ من ربِه كمَن كان يريدُ الحياةَ الدنيا في المنزلةِ والرتبةِ؛ يعني: أن بين هؤلاءِ الكاملينَ المحقِّقينَ وبين أولئك الناقصينَ المقصِّرين بونًا بعيدًا وتفاوتًا عظيمًا، فالهمزةُ لإنكارِ المماثلة بينَهُما، والفاء لتفريعِ هذا الإنكارِ وترتيبِه على ما تقدَّمَ من بيانِ مساواةِ حالِ تلك الناقصِينَ، فهي متقدِّمةٌ معنًى، وإن أُخِّرَت عن الهمزةِ لفظًا لاقتضائها الصدارةَ في الكلامِ.
_________________
(١) نسبت ليحيى بن يعمر، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩).
(٢) نسبت لأبي وابن مسعود ﵄، وإلى عاصم في غير المشهور عنه، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"المحتسب" (١/ ٣٢٠).
(٣) عجز بيت للفرزدق تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، وصدره: على حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا
[ ٥ / ١٣٥ ]
ومَن ذهبَ إلى أن الفاءَ عاطفةٌ للتعقيبِ (^١)، مستدعيةٌ سبقَ ما يعطَفُ عليهِ؛ فالتقديرُ: أمَن كان يريدُ الحياة الدنيا، فمَن كان على بينةٍ من ربهِ. والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الفاءِ عليه؛ أي: يَعقبونهم ويَقْربُونهم (^٢)، والاستفهامُ لإنكارِ هذا التعقيبِ، فقد تكلَّفَ.
وأما مَن اختارَ التقديرَ الأول (^٣)، وزعمَ أن الهمزة لإنكارِ التعقيبِ، فلم يكُن على بصيرةٍ؛ حيثُ خلَّطَ بين الوجهَين فخبَّطَ.
﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: يَتْبعُ ذلك البرهانَ الذي يتضمَّنُ الدليل العقلي لكونه معجزًا.
﴿شَاهِدٌ﴾: هو عيسى ﵇؛ حيثُ بشَّرَ ببعثةِ نبيِّنا ﵇، وهذه البشارةُ منه شهادةٌ بحقيَّةِ (^٤) دين الإسلامِ، والتنكيرُ للتعظيمِ، وكذا قولُه:
﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من اللهِ تعالى.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبلِ ذلك الشاهدِ ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني: التوراةَ، فإنه أيضًا يتلوهُ في التصديقِ، وقرئ: (كتابَ) بالنصب (^٥) عطفًا على الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ﴾، والضميرُ في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن الذي عبَّرَ عنه بالبيِّنةِ، فالمعنى أن الشاهدَ المذكورَ يتبعُ الكتابينِ القرآنَ والتوراةَ.
_________________
(١) في هامش (ف): "رد لصاحب الكشاف". وانظر التعقيب الآتي.
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٨٤)، ولفظه: (أمَن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنَّ بين الفريقين تفاوتًا بعيدًا وتباينًا بينًا).
(٣) في هامش (ف): "القاضي ".
(٤) فى (ف): "بحقيقة".
(٥) تنسب لمحمد بن السائب الكلبي، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩).
[ ٥ / ١٣٦ ]
﴿إِمَامًا﴾: كتابًا يؤمُّ بهِ في الدين قدوةً (^١) منه.
﴿وَرَحْمَةً﴾: تامَّةً عظيمةً على المنزَلِ إليهم؛ لأنَّه الوصلةُ إلى الفوزِ بخير الدارَين.
﴿أُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن كان على بيِّنةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآنِ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ من أصنافِ الكُفَّارِ مشركًا كان أو كتابيًّا ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يَرِدُها لا محالةَ؛ لأنهُ تعالى لا يُخلِفُ وعدَه.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: من القرآنِ، وقيلَ: من الوعدِ، وقولُه: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ظاهرٌ في الأولِ، وقرئ: (مُريَةٍ) بضم الميم وهما لغتان (^٢)، وقد مر في أولِ سورةِ البقرة الفرقُ بينها وبينَ الريب والشكِّ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكونِه من عند اللهِ تعالى؛ لقلةِ نظرِهم، وقصورِ تدبيرِهم.
* * *
(١٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن أسندَ إليهِ ما لم يُنزِل (^٣)، أو نفى عنهُ ما أنزَلَ، وقد مرَّ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة الأنعامِ.
_________________
(١) في (ك): "عدوه".
(٢) نسبت لأبي رجاء وأبي الخطاب السدوسي والحسن وغيرهم، وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغة أهل الحجاز. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩)، و"البحر" (١٢/ ٢٢٦).
(٣) في (ك): "ينزله".
[ ٥ / ١٣٧ ]
﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يُحبَسون في الموقفِ، وتُعرَض أعمالُهم.
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ من الملائكةِ والنبيينَ: جمعُ شاهدٍ أو شهيدٍ، كأصحابٍ وأشرافٍ، وما وَصَفَهم بذلك لأنهم يختصُّون بهذا العَرْضِ؛ لأن العَرْضَ عامٌّ في كل العبادِ؛ كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] بل أرادَ أنهم يُعرَضون فيفتَضِحون بقولِ الأشهاد عند عرضِهم:
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ بنسبةِ الولدِ والشريك إليهِ، ونفي ما أنزلَ عنه.
﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ من قولِ الأشهادِ، أو قول اللهِ تعالى، أي: طُرِدوا ولُعِنوا بسببِ ظلمِهم بالكذبِ على الله تعالى، وفيه تهويلٌ عظيمٌ مما يَحيق بهم.
* * *
(١٩) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينِه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يصفونَها بالاعوجاج، أو يبغُون أهلَها أن يعوجُّوا بالارتدادِ، والعِوَجُ: الانحرافُ والميلُ المؤدِّي إلى الفسادِ. تقول: بغيتُكَ خيرًا أو شرًا، أي: طلبتُ لكَ.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: والحالُ أنهم كافرون بالآخرةِ، وتكريرُ ﴿هُمْ﴾ لتأكيدِ كفرِهم واختصاصِهم به.
* * *
(٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
[ ٥ / ١٣٨ ]
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾؛ أي: ما كانوا معجِزين اللهَ تعالى في الدنيا أن يعاقِبَهم، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ﴾: مُفْلَتين لا يُقدَر عليهِم، وإنما قالَ:
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لأن تصرُّفَ ابن آدمَ وتمتُّعَه إنما هو فيها وهي قُصاراهُ لا يستطيعُ التجاوزَ منها.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أُثبتَ ذكرُ الله هنا، وأُسقط فيما سبق، وكان مقتضى الظاهرِ إثباتُه ثمَّةَ، والاكتفاءُ بالضميرِ هنا، وإنما عدلَ إلى ما وقع احترازًا عن إضافةِ العجزِ إليه تعالى صريحًا.
﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يمنعونهم من العقابِ، ولكن أخَّرهم إلى هذا اليومِ ليتضاعفَ عذابُهم، فقولُه:
﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ استئنافٌ في مقام التدارُكِ بالجواب للسؤالِ عن وجهِ تأخيرِ العقابِ، والله أعلم بالصوابِ.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لفرطِ تصامِّهم كراهةَ استماع الحقِّ؛ كأنهم لا يقدرُون على استماعِهِ.
﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لفرطِ تعامِيهم كراهةَ إبصاره، وكأنهُ العلَّةُ لمضاعفةِ العذاب.
* * *
(٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراءِ عبادة الأوثان بعبادة الله تعالى.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الآلهةِ وشفاعَتِها.
أو: خسروا بما بذلُوا وضاعَ عنهم ما حصَّلُوا، فلم يبقَ معهم سوى الندامةِ.
[ ٥ / ١٣٩ ]
(٢٢) - ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾ مذهبُ الخليلِ وسيبويهِ أنهُ رُكِّبَ من (لا) و(جرم) وبُنيَ، والمعنى: حقَّ، وما بعدَه رفع على الفاعليَّةِ (^١).
وقال الكسائيُّ: معناهُ: لا صدَّ ولا منعَ، فيكونُ (جرم) اسمَ (لا) وهو مبنيٌّ على الفتحِ (^٢).
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لما كانَ خُسرانُ النفسِ أعظمَ الخُسرانِ حكمَ عليهم بأنهم الزائدونَ في الخسرانِ على كلِّ خاسرٍ مِن سواهم.
* * *
(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: اطمأنوا إليهِ بالخشوعِ، من الخبتِ: وهو الأرضُ المطمئنَّةُ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمونَ.
* * *
(٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾: الكافرِ والمؤمنِ، وقدِّمَ الكافرُ اعتبارًا للسياق.
_________________
(١) انظر: "الكتاب" (٣/ ١٣٨).
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٢٧٨).
[ ٥ / ١٤٠ ]
﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ شبَّهَ فريق الكافرين في عدمِ انتفاعهم بالمشاعرِ بالأعمى والأصمِّ، وفريق المؤمنينَ بالسميعِ والبصيرِ، والتشبيهُ بحسبِ جليل النظرِ من قبيلِ المفرد، وبحسب دقيقِه من قَبيلِ المركَّبِ؛ لأنَّه أبلغُ، والتعييرُ بالمثل أنسَبُ، وذلك أن المقامَ يتحملُ تشبيه الفريقين بالجامعِ بين العمى والصمَمِ، والجامعِ بين السمع والبصرِ.
على أن (الواوَ) في ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ للجمعِ بين الصفتَينِ، كما في قوله: الصالح (^١) والغانم والآيب، وتشبيهِ أحدِهما بكلِّ واحدٍ من الأعمى والأصمِّ، والآخرِ بكلِّ واحدٍ من السميع والبصيرِ، فيكون لكلٍّ منهُما تشبيهان كما في قولِه:
كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطبًا ويابِسًا … لدى وكْرِها العنابُ والحشَفُ البالي (^٢)
وهو من بابِ اللفِّ والطِّباقِ، والوجه هو الأولُ؛ لأن (^٣) تقسيم الكفارِ إلى مشبَّهٍ بالأولِ ومشبَّهٍ بالثاني وكذلك المؤمنون غيرُ مقصودٍ في الآية؛ بخلافِ البيت المذكورِ.
بل المرادُ تشبيهُ حالِ هؤلاء الكفرةِ الغاوينَ الموصوفين بالتصامِّ عن آياتِ اللهِ بحالِ من خُلِقَ أعمى وأصمَّ لا تنفعُه إشارةٌ ولا عبارةٌ.
وحالِ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فانتفعوا بأسماعِهم وأبصارِهم
_________________
(١) في (ك): "الصابح".
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" (ص: ٣٨). العناب: ثمر، والحشف: اليابس الفاسد من التمر.
(٣) في (م): "لأنَّه".
[ ٥ / ١٤١ ]
اهتداءً إلى الجنة، وانكفاءً (^١) عما كانوا خابطِين فيه من ضلالِ الكفر والدُّجُنةِ (^٢) بحالِ مَن هو بصيرٌ سميعٌ يستضيءُ بالأنوارِ في الظلامِ، ويستفيء بمغانمَ (^٣) الإنذارِ والإبشارِ فوزًا بالمرام.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾؛ أي (^٤): الفريقان، لاستفهامُ إنكاريٌّ.
﴿مَثَلًا﴾: صفةً أو تشبيهًا.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بالتأمل فيما ضربناهُ من المثلِ، فالفاءُ لترتيبِ الاستفهام التقريريِّ على ما تقدَّمَ، وتأخُّرُها لفظًا لرعايةِ ما للاستفهام من حقِّ الصدارة في الكلامِ.
* * *
(٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: قرئ: ﴿إِنِّي﴾ بالكسرِ على إرادة القولِ، أو قائلًا: إني، وبالفتحِ (^٥)، فتقديرُه: بأني؛ أي: أرسلناه ملتبِسًا بهذا الكلامِ، فلما اتصلَ به الباء فُتح - والمعنى على الكسرِ - كما فُتحَ (إنَّ) في قولكَ: إنَّ زيدًا كالأسدِ، إذا اتصلَ به الكافُ؛ فقيل: كأنَّ زيدًا الأسدُ، والمعنى بحاله.
﴿مُبِينٌ﴾: أبيِّنُ لكم مُوجِباتِ العذاب ووجهَ الخلاص عنه.
* * *
_________________
(١) في النسخ: "والكفار"، والمثبت من "روح المعاني" (١١/ ٤٠٩)، وبه يستقيم السياق.
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "والرحبة"، والمثبت من المصدر السابق. والدُّجُنَة: الظلمة.
(٣) في (ف) و(م): "ويستضيء مغانم "، وفي (ك): "ويستضيء معالم".
(٤) "أي" سقط من (ك).
(٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤).
[ ٥ / ١٤٢ ]
(٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ بدلٌ من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ على قراءة الفتحِ، وعلى قراءة الكسرِ (أنْ) مفسِّرةٌ متعلقةٌ بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ أو بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾.
ويجوزُ أن يكون المعنى: بأنْ لا تعبُدوا إلا الله (^١)، على أن الباءَ صلةُ: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ كأنه قيلَ: أرسلناهُ ينهاهُم عن الإشراكِ قائلًا: إني نذيرٌ.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصفُ اليومِ بأليم من الإسنادِ المجازي لوقوعِ الألم فيهِ؛ كقولِه: نهارُه صائمٌ.
* * *
(٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أرادوا بهِ نفي رسالتِه بطريقِ البرهانِ، على زعمِهم أن الرسولَ يجبُ أن يكون ملَكًا (^٢)، فقوله: ﴿مِثْلَنَا﴾ لتحقيقِ البشريةِ، وقولُه:
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: استدلالٌ بأنهم ضعفاءُ العقولِ لا تمييز (^٣) لهم، فجوَّزوا أن لا يكونَ الرسولُ بشرًا، والأراذل: جمع الأَرْذلِ (^٤)،
_________________
(١) "إلا الله" ليست في (ك).
(٢) قوله: "أن الرسول يجب أن يكون ملكا" من (م)، ووقع فيها بعدها: "وأما ما قيل: أي: لا نرى لك علينا تفضل بالنبوة ووجوب الطاعات فمعنى قوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، ولعل مكانها ليس هنا.
(٣) في (م): "تميز".
(٤) "الأرذل" يحتمل هنا أن يكون بفتح الذال فيكون مفردًا مثل أساود: جمع الأسوَد من الحيات،=
[ ٥ / ١٤٣ ]
وهو (^١) بمعنى الأخسِّ؛ فإنه بالغلبةِ صار كالاسمِ؛ كالأكبرِ، والأَرْذُل: جمعُ رَذْلٍ.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرئ بالهمزةِ من بدأ يبدأ بَدْءًا: إذا ابتدأ؛ أي: أولَ الرأيِ، وبغير الهمز (^٢) من بدا يبدو: إذا ظهر؛ أي: ظاهرَ الرأي.
نصبٌ على الظرفِ، والعاملُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾؛ أي: اتَّبعوك وقت حدوثِ أولِ رأيهِم، أو وقتَ حدوث ظاهرِ رأيهم، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مُقامهُ.
وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرِهم؛ فإنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا كان الأحظُّ بها أشرفَ، والمحرومُ منها (^٣) أرذلَ.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾؛ أي: لك ولمتَّبِعيك، فغلَّب المخاطب على الغائبينَ.
﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ التنكيرُ للتقليلِ، فهذا القولُ منهم تسجيلٌ بأن دعوى النبوة باطلةٌ لإدخالِه ﵇ والأرذلَ (^٤) في سلكٍ على أسلوبٍ يدلُّ على أنهم أنقصُ البشرِ فضلًا عن الارتقاء (^٥) إلى درجةِ التفضيلِ.
﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: إياكَ في دعوى النبوةِ، وإياهم في دعوى العلمِ بصدقكَ، وكأنهم أظهروا الاحترازَ عن الجُزاف (^٦)، والاقتصارَ على قَدْرِ
_________________
(١) = ويحتمل أن يكون بضمها فيكون جمعًا مفرده: رَذْلٌ، فيكون مثل: كَلْب وأَكلُب وأَكالب. انظر: "تفسير القرطبي" (١١/ ٩٨).
(٢) "وهو"سقط من (ك).
(٣) قرأ أبو عمرو بالهمز وباقي السبعة بغير همز. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٧).
(٤) في (ف): "فيها".
(٥) في (ك) و(م): "الأرذل" دون واو.
(٦) في (ف) و(ك): "الإيقاع".
(٧) في (ف) و(ك): "الحراز"، وفي (م): "الخراف"، والصواب المثبت. انظر: "تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٠١)، ولفظه: (واقتصارُهم على الظنّ احترازٌ منهم عن نسبتهم إلى المجازفة).
[ ٥ / ١٤٤ ]
الحاجةِ، ولهذا عدَلوا عن دعوى اليقينِ إلى دعوى الظنِّ الكافي في إيجاب العاقلِ لموجَبِه.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حجةٍ شاهدةٍ بصحةِ دعواي ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾ هي النبوةُ.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: فخَفِيَتْ (^١) عليكم البيِّنةُ؛ لأن خفاءَها يوجبُ خفاء النبوةِ؛ إذ النبوَّةُ بعد ظهورِ البيِّنةِ، أو كلُّ واحدةٍ منهما، أو قدِّر ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بعد البينةِ فحذفَ للاختصارِ والاكتفاءِ بذكره مرةً كقولِه:
بينَ ذراعَي وجبهَةِ الأسدِ (^٢)
ويجوزُ أن يُرادَ بالبينةِ الرحمةُ مع النبوةِ.
وقرئ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بالتشديد (^٣)؛ أي: أُخفِيَت.
وقرئ: (فعَمَّاها) (^٤) على أن الفعل للهِ تعالى.
_________________
(١) في (ك): "خفيت".
(٢) هذا عجز بيت للفرزدق، كما في "خزانة الأدب" (٢/ ٣١٩)، وصدره: يا من رأى عارضًا أُسَرُّ به
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بضم العين وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح العين وتخفيف الميم، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤)، و"النشر" (٢/ ٢٨٨).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٩).
[ ٥ / ١٤٥ ]
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنُكْرِهُكم على الاهتداءِ بها؟ جوابُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ سادٌّ مسدَّ جوابِ (^١) الشرطِ، وإذا اجتمعَ ضميران وليسَ أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها.
﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: لا تختارونها ولا تتأمَّلُون فيها.
* * *
(٢٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: الضميرُ راجعٌ إلى قوله لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وهذا -أي: الرجوعُ إلى القول- أولى من الرجوعِ إلى المدلول؛ لأن الأجرَ في مقابلة الشغلِ، فالقولُ المشتمِلُ على الإنذار هو المقابَلُ بالأجرِ.
﴿مَالًا﴾: جُعلًا حتى تتفاوتَ الحالُ بسببِ كون المستجيبِ فقيرًا أو غنيًا؛ ففيهِ الجوابُ عن قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: بالتزامِه تفضُّلًا لا بالإيجابِ شرعًا أو عقلًا.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: جوابٌ لهم حين سألوه طردَهم ليؤمِنوا بهِ آنفةً من أن يكونوا معهم، ولما لوَّحَ إليهم ما شكَّكهم في أمرِهم وتردَّدوا في علَّتِه قال:
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾؛ أي: فائزونَ بلقاءِ ربهم وقُربهِ، فكيفَ أطرُدُهم؟
ويجوزُ أن يكون جوابًا عن قولهم: اتَّبعوك بادي الرأي، أي: فعَليَّ العملِ
_________________
(١) في (ك) زيادة: "أرأيتم".
[ ٥ / ١٤٦ ]
بظاهر ما أرى، فاكتفى بظاهرِ إيمانهم، ووكَل (^١) باطنهم إلى اللهِ تعالى فإنهم ملاقوه فيجازِيهم على سرائرِهم.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: استدراكٌ عما تقدَّمَ من قولهم: ﴿مَا نَرَاكَ … ﴿وَمَا نَرَاكَ﴾؛ أي: لا حقيقَة لما رأيتُم، فكأنَّكُم ما رأيتُم فينا شيئًا، ولكني أراكم قومًا تجهَلُون ما لا ينبَغي أن يخفَى على الرجالِ من أن الناسَ لا يتفاضلون بالأحسابِ والأنسابِ والأموالِ، بل بأسبابِ الكمال من الأعمالِ والأحوالِ، وبما قرَّرناه (^٢) تبيَّن وجهُ إدراجِ قولِه: ﴿قَوْمًا﴾ في الكلامِ، وإدماجُ دقيقةٍ أنيقةٍ في أثناءِ تقرير (^٣) المرامِ.
* * *
(٣٠) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ﴾: تلطَّفَ نوحٌ ﵇ بندائه إيَّاهُم بقولِه: (يا قوم … يا قوم) (^٤) استدراجًا لهم في قَبولِ كلامِه، كما تلطَّفَ مؤمنُ آل فرعونَ بقولِه: (يا قوم … يا قوم).
﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ بدفعِ انتقامِه ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ وهُم بتلك المثابةِ من القربِ والكرامةِ عندَ اللهِ تعالى.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ لتعرفوا أن توقيفَ الإيمان على طردِهم ليس بصوابٍ.
* * *
_________________
(١) في (ك) و(م): "وأحال".
(٢) في (ك): "قررنا".
(٣) في (ك) و(م): "تقريب".
(٤) "يا قوم" الثانية من (ك)، وكذا في الموضع الآتي.
[ ٥ / ١٤٧ ]
(٣١) - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: خزائنُ رزقِه ونعَمِه؛ أي: كما لا أسألُكم مالًا فكذلك لا أدَّعي أني أملِكُ مالًا (^١) أدفعُه لأتْباعي، فلا غرضَ لي في المالِ لا أخذًا ولا دفعًا.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ حتى أصلَ إلى ما أريدُه لنفسي ولأتباعي (^٢)، عطفٌ على إلا أقول) لا على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القولِ للفرقِ الدقيقِ بينَهُ وبينَ ما أتى فيهِ لنفسِهِ، وقد مرَّ بيانُه في تفسير سورة الأنعامِ (^٣)، وأما فائدةُ تكرارِ (لا) أنكَ إذا أكَّدتَ بهِ لإزالَة (^٤) احتمالِ المعيةِ في النفيِ فقد آذنتَ أنك في الكلامِ محق بانٍ (^٥) على اليقينِ بعيدٌ عن السهوِ والتجوُّزِ.
﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ بعبارَته جوابٌ عن قولِهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وبإشارته جوابٌ عن طعنِهم فيهِ ﵇ لمخالطَتِه للفقراءِ؛ أي: لا أتعاظَمُ بذلكَ عليكُم، بل طريقي الخضوعُ والتواضعُ، ومَن كانَ شأنه وطريقُه (^٦) كذلك لا يستنكِفُ عن مخالطَةِ الفقراءِ والمساكين، ولا يطلُبُ مجالسة الأغنياءِ والسلاطين، فلمَّا كانت طريقَتي توجِبُ مخالطةَ الفقراءِ لي فكيفَ جعلتُم ذلك عيبًا عليَّ؟ ثم أكَّدَ هذا بقولِه:
_________________
(١) في (ك): "لا أدعو إلى ملك لا".
(٢) في (ف): "وتباعي".
(٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٠].
(٤) في (ك) و(م): "لأزال".
(٥) في (م): "باق".
(٦) في (ف) و(ك): "ومن كان طريقه".
[ ٥ / ١٤٨ ]
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾؛ أي: في شأنِ مَن استرذلتُموهم (^١) لفقرِهم.
الازدراءُ: افتعالٌ من زرَى عليهِ: إذا عاب، وأزرى به قصَّرَ بهِ (^٢)، وازدريتُه؛ أي: احتقرتُه، وإسناد الازدراءِ إلى الأعينِ مجازٌ للمبالغةِ والتنبيهِ على أنهم استخسُّوهم بادِئ الرؤيةِ من غير رويَّةٍ، بل بما عاينوا من رثاثةِ حالهم وقلةِ منالِهم، من غير تأمُّلٍ في معتقداتهم وكمالاتهم.
﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ عسى أن يكون ما أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، خيرًا مما آتاكم من الغِنى.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الإيقان وعدَمِه.
﴿إِنِّي إِذًا﴾: إن فعلتُ أو قلتُ شيئًا من ذلك ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفُسَهم بطردِ من أُمرتُ بقَبولِه.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾؛ أي: خاصَمْتَنا؛ يقالُ: جادلَه: إذا خاصَمه ليُرِجعه عما عليهِ، وأصله الجدْلُ، وهو الفتلُ.
﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾: فأطلتَهُ، أو: أتيتَ بأنواعه.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ المعجَّلِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الوعيد، فإن مناظرَتكَ لا تؤثِّرُ فينا ولا تفيدُ.
_________________
(١) في (ف): "استرذلتموه".
(٢) في (ف): "فعير به"، وفي (م): "قصد به"، وغير واضحة في (ك). والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٣٩٠).
[ ٥ / ١٤٩ ]
(٣٣) - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: ليسَ الإتيانُ به إليَّ إنْ هو إلا إلى الذي عصيتُموه وكفرتُم بهِ، فيفعلُه (^١) إن شاءَ كما شاءَ عاجلًا أو آجلًا.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بدفعِ العذابِ، أو الهربِ عنه (^٢).
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ، ونقيضُه الغشُّ.
وقيلَ: هو إعلامُ موضعِ الغَيِّ (^٣) ليُتَّقى، والرُّشدِ ليُبتغَى.
﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: شرطٌ ودليلٌ وجوابٌ له، والجملةُ دليلُ جوابِ قوله:
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وتقديرُ الكلامِ: إن كانَ الله يريدُ أن يُغويكم إن أردتُ (^٤) أن أنصَحَ لكُم لا ينفعُكم نصحِي، وهو جوابٌ لما أَوهَموا من أنَّ جِداله كلامٌ بلا طائلٍ.
وإنما قالَ: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ﴾ مع وقوعِ النصح استظهارًا في الحجةِ؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليسَ بنصحٍ فقال: لو كان نصحًا ما نفعَ مَن لا يقبلُهُ.
_________________
(١) في (ك): "فيفعل".
(٢) "عنه" سقط من (ك).
(٣) في (ف) و(ك): "البغي". والمثبت موافق لما في "تفسير النسفي" (٢/ ٥٦)، و"نظم الدرر" للبقاعي (٩/ ٢٧٩).
(٤) في هامش (ف): "عبارة القاضي: فإن أردت، وفيها ما فيها، منه".
[ ٥ / ١٥٠ ]
وفيهِ دلالة على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ (^١).
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: خالقُكم ومبقِيكم في الدنيا إلى وقتِ إهلاككُم.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكُم على أعمالكُم.
* * *
(٣٥) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قال مقاتلٌ: هذا الكلامُ في شأنِ محمد ﷺ، اعترضَ في قصة نوحٍ ﵇ (^٢). وهذا أظهرُ وأنسبُ بالسياق؛ لأنَّه كالتقريرِ لقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ دلالةً على كمالِ العنادِ، وأن مثلَهُ بعد الإتيانِ بالقصةِ على هذا الأسلوبِ المعجزِ لا ينبغي أن يُنسَب إلى افترائهِ، فجاءَ زيادةَ إنكارٍ على إنكارٍ، كأنه قيلَ: بل أمَعَ هذا البيان أيضًا يقولون: افتراهُ؟! وهو نظيرُ اعتراضِ قولِهِ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨] بيَّنَ قصةَ إبراهيمَ ﵇ على أحد الوجهَين.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾؛ أي: إن ثبتَ افترائي فعليَّ عقوبةُ إجرامي، وكان حقِّي حينئذٍ أن تُعرِضوا عني وتعادُوني.
﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾؛ أي: ولم يثبُت ذلك، بل هو فرضُ محالٍ، وأنا بريءٌ من افترائكم؛ أي: نسبتِكم إيايَ إلى الافتراءِ.
_________________
(١) في هامش (ف): "عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه ". قلت: وعبارة القاضي: (.. وأن خلاف مراده محال).
(٢) انظر قول مقاتل في "تفسير أبي الليث" (٢/ ١٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ١٦٦).
[ ٥ / ١٥١ ]
وإنما عدَلَ إلى المنزَلِ على طريقة المشاكلةِ إدماجًا لكونهم مجرِمين، وأن المسألة معكوسةٌ.
* * *
(٣٦) - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ﴾ هذا الاستثناءُ على طريقةِ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على ما قيلَ: إنه استثناءٌ من اللفظِ للمبالغةِ في التحريمِ.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أقنطَهُ الله تعالى في إيمانِهم على وجهٍ أبلغَ، ثم نهاهُ أن يغتمَّ بما استمرُّوا عليه من تجديدِ التكذيبِ والاستهزاءِ.
والابتئاسُ: حزنٌ في استكانة.
* * *
(٣٧) - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: ملتبِسًا بأعيننا، ولما كان العينُ هي الجارحةَ التي بها يُحفَظُ الشيءُ عبَر بكثرَتها عن المبالغةِ في الحفظِ والرعايةِ عن الاختلالِ والزيغِ عن صنعَتهِ، وعن مُزاحمة العدوِّ له وكيدِه في المنعِ ومن عملِه، على طريقة التمثيلِ.
﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليكَ كيف تصنَعُها.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ نهى عن التكلُّمِ فيهم مبالغةً في النهي عن الدعاءِ في استدفاعِ العذاب عنهُم.
[ ٥ / ١٥٢ ]
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكومٌ عليهم بالإغراقِ، فلا سبيلَ إلى كفِّهِ.
* * *
(٣٨) - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.
﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ من عملِ السفينةِ، وكان يعمَلُها في بريَّةٍ بعيدةٍ من الماءِ أوانَ عزَّته، فكانوا يتضاحكُون منهُ ويقولون: يا نوحُ! صرتَ نجارًا بعد ما كنتَ نبيًّا؟! والسخريةُ (^١): الاستجهالُ مع الاستهزاءِ، ومصدَرُه: سُخرِيٌّ بضمِّ السينِ، والمصدرُ من السُّخرةِ سِخريٌّ بكسرِها.
﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ فيهِ تنزيلُ المحقَّقِ منزلةَ المشكوكِ تمهيدًا لما قصدُوه من تجهيلِهم فيما فعلُوه.
﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ المرادُ من سخريَتِه ﵇ مجرَّدُ الاستجهالِ، وإطلاقُ السخريةِ عليه (^٢) بطريقِ المشاكلَةِ، أي: إنا نستجهلُكم (^٣) في استجهالكم (^٤) إيانا بناءً على ظاهر الحالِ جهلًا بحقيقةِ الأمرِ كما هو عادةُ الجهَّالِ، والسخرية بهذا المعنى منهُ ﵇ في الحالِ.
ومَن قالَ: إذا أخذكم الغرقُ في الدُّنيا، والحرقُ في الآخرةِ، فقد حملَها على الحقيقةِ، وكأنه لم يدرِ أن الاستهزاءَ لا يناسِبُه ﵇.
_________________
(١) في (ف): "والسخر".
(٢) "عليه" سقط من (ك).
(٣) "إنا نستجهلكم" من (م).
(٤) في (ك): "لاستجهلكم".
[ ٥ / ١٥٣ ]
(٣٩) - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ بليغٌ.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يعني بـ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾: إياهم، وبـ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: الغرقُ في الدنيا.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حلولَ الدَّينِ اللازم الذي لا انفكاكَ له عنه في الآخِرةِ.
﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ هو عذابُ النارِ.
* * *
(٤٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ غايةٌ لقولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وما ينهما حالٌ من الضميرِ فيهِ، أو (حتى) هي التي يُبتدأ بعدها الكلامُ.
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كما يفورُ القِدرُ بالغليانِ؛ أي: نبعَ الماءُ وارتفعَ من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ، والتنورُ: تنور الخبز، ابتدأ منه ينبوعٌ على خرقِ العادة.
﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾: الضميرُ للسفينةِ وكانت ذاتَ بطونٍ، والمحمولون كانوا في بطونها على طبقاتِهم، ولهذا قالَ: ﴿فِيهَا﴾ دونَ: عليها.
﴿مِنْ كُلٍّ﴾: من كلِّ نوعٍ لابدَّ منهُ.
﴿زَوْجَيْنِ﴾: الزوجُ واحدٌ له شكلٌ، فالذكر زوج والأنثى زوجٌ، وقد يُطلَقُ الزوج على مجموعِهما ولدفعِ هذا الاحتمال قالَ: ﴿اثْنَيْنِ﴾.
وإنما لم يقُل: من كلِّ نوعٍ اثنينِ، إخراجًا لمِثْلِ البغلِ عن حيِّزِ الأمر بالحملِ؛ لعدم الحاجةِ إليه.
[ ٥ / ١٥٤ ]
وقرئ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ (^١) بالإضافة على معنى: احمل اثنين من كلِّ زوجَين.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أو ﴿اثْنَيْنِ﴾، والمرادُ: امرأتُه وبنوهُ ونساؤهم.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرَقين، ولما كان القولُ السابق ضارًّا لهم قالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ دونَ: فيه، استثناءً من المعنى اللازم للأمرِ، وكأنهُ قيلَ: إنهم لا يغرقون إلا مَن سبقَ عليهِ القولُ؛ يعني: ابنَه كنعانَ وامرأتَه واعلةَ فإنهما كانا كافِرَين.
فاندفعَ السؤالُ بأنه: لا يخلو من أن يكونَ المستثنى (^٢) معلومًا لنوحٍ ﵇، فلا حاجةَ لقولِه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أو لا، فيلزَمُ استثناء المجهولِ من الذين أمرَ ﵇ بحملِهم على السفينةِ، ولا وجه له.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾؛ أي: والذين آمنوا مِن غيرِهم، وأفردهم بالذكرِ مع أنهم من الذين آمنوا لمصلحةِ الاستثناءِ المذكور المتضمِّنِ للإشارة إلى أن الانتسابَ إليه ﵇ لا يُجدِي نفعًا في دفعِ العذابِ المذكورِ، إنما المنجِّي عنه هو الاتِّباعُ له ﵇.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه، وكلمةُ (مع) هنا كالتي في قولِه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
* * *
_________________
(١) قراءة السبعة عدا حفص، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤).
(٢) "المستثنى" من (م).
[ ٥ / ١٥٥ ]
(٤١) - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَقَالَ﴾؛ أي: قال نوحٌ ﵇ لمن آمَنَ معه: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ والركوب: العلوُّ على ظهر الشيءِ، وهو يتعدَّى بنفسِه فيُقالُ: ركبتُ السفينةَ، وزيادةُ (في) لأنَّه ﵇ أمرَهم أن يكونوا في جوفِها لا على فوقِها.
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿ارْكَبُوا﴾ حالٌ من ضميرِ الفاعلِ؛ أي: اركبوا مسمِّينَ الله تعالى، أو قائلينَ: بسم الله.
﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ إرسائها وإجرائها؛ لأنهما اسما زمانٍ، أو مصدرانِ كالإجراء والإرساءِ بحذفِ الوقتِ؛ كقولهم: [آتيكَ] (^١) خفوقَ النجمِ، ويجوزُ أن يكونا اسمي مكانٍ، وانتصابُهما بما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو إرادةِ القولِ.
ويجوزُ أن تكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ جملةً من مبتدأ وخبرٍ في موضعِ الحالِ من ضميرِ الفلكِ؛ أي: اركبوا فيه مُجراهُ ومُرساه بسم الله، بمعنى التقديرِ؛ كقولِهِ: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
أو جملةً مقتضبةً (^٢) على أن نوحًا ﵇ أمرَهم بالركوبِ فيها ثم أخبرَهم بأن إجراءها وإرساءها باسمِ اللهِ تعالى؛ فيكونان كلامَين لهُ ﵇.
_________________
(١) من "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٣٥).
(٢) في (ف) و(م): "مقتضية"، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: "الكشاف" (٢/ ٣٩٥)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٠٩)، و"روح المعاني" (١١/ ٤٥٥). ومعنى مقتضبة: أنها لا تعلق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب؛ أي: منقطعة عما قبلها لاختلافهما خبرًا وطلبًا، كما يفيد اللاحق من كلام المؤلف، وهو قوله: "على أن نوحا أمرهم .. ". وانظر: "البحر" (١٢/ ٢٦٠)، و"روح المعاني" (١١/ ٤٥٥).
[ ٥ / ١٥٦ ]
يروى: أنه إذا أراد أن تجري قالَ: (بسم الله) فجرَتْ، وإن (^١) أرادَ أن ترسوَ قال: (بسم اللهِ) فرست (^٢).
ويجوزُ أن يكونَ الاسمُ مُقحمًا كقولِهِ:
ثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيكُما (^٣)
ويرادُ: بالله إجراؤها وإرساؤها؛ أي: بقد رَتهِ وأمرِهِ.
وقرئ: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتحِ الميم (^٤)، من جرى ورسى مصدرَين، أو زمانَين، أو مكانَين.
وقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بلفظِ اسم الفاعلِ مجرورَي المحلِّ صفتَين لله تعالى (^٥).
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لو لا مغفرَته لفرَطاتكم ورحمتُه إياكم لمَا نجَّاكم.
* * *
_________________
(١) في (ك): "وإذا".
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (١٢/ ٤١٦) عن الضحاك.
(٣) هو جزء من بيت للبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور، وتمامه: إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما … ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعتذرْ انظر: "شرح ديوان لبيد" (ص: ٢١٣ - ٢١٤)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٩٧).
(٤) تنسب لابن مسعود وعيسى الثقفي والأعمش وغيرهم. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٢٨٣)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١٧٢)، و"البحر" (١٢/ ٢٦٠). أما المتواتر فقد اتفق العشرة على ضم الميم في ﴿وَمُرْسَاهَا﴾، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: ﴿مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم، وباقي العشرة بالضم. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤)، و"النشر" (٢/ ٢٨٨).
(٥) قراءة مجاهد، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠)، و"البحر" (١٢/ ٢٦٠).
[ ٥ / ١٥٧ ]
(٤٢) - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليهِ: ﴿ارْكَبُوا﴾؛ أي: فركِبُوا مسمِّين وهي تجري بهم، والباء في ﴿بِهِمْ﴾ كالتي في قولِكَ: دخلت عليه بثيابِ السفرِ، والجريُ: مرٌّ سريعٌ، والعدولُ إلى صيغةِ المضارع لاستحضارِ تلك الحالة العجيبةِ.
﴿فِي مَوْجٍ﴾: جمعُ موجةٍ، وهي قطعةٌ عظيمةٌ ترتفِعُ عن جملة الماءِ الكثيرِ عند اضطرابِه.
﴿كَالْجِبَالِ﴾: شبَّهَ كلَّ موجةٍ بجبل في تراكُمِها وارتفاعِها، وفي قوله: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ردٌّ لما قيلَ: إن الماء طبَّقَ ما بين السماءِ والأرضِ، وكانت السفينةُ تجري في جوفِه، إذ حينئذٍ لا مجال للموجِ، والحملُ على أنه في ابتداءِ الحال يأباهُ المقامُ؛ لأنَّه مقامُ المبالغةِ في بيانِ تلك الأهوالِ، فلا حاجَةَ للاكتفاءِ بذكر أوائلِها.
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعانَ، وقرئ: (ابنها)، و(ابنهَ) (^١) بفتحِ الهاءِ اكتفاءً بالفتحة عن الألفِ، والضميرُ لامرأته على أنه كانَ ربيبَهُ.
وقرئ: (ابنَاهُ) على الندبةِ (^٢)، ولكونها حكايةً سوِّغَ حذفُ الحرفِ.
﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ المعزلُ موضع منقطعٌ عن غيرِه، وكان كنعانُ في ناحيةٍ منفصلةٍ عن موضعه ﵇.
_________________
(١) قرأ علي ﵁: (ابنها) بالنسبة إلى امرأته، وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير: (ابنهَ) بالفتح، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٢) قراءة السدي، بألف وهاء السكت، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
[ ٥ / ١٥٨ ]
﴿يَابُنَيَّ﴾: قرئ بكسرِ الياء (^١) اقتصارًا عليه من ياء الإضافةِ، وبالفتحِ اقتصارًا عليهِ بالألف المبدلةِ من ياء الإضافةِ في قولكَ: [يا بنيَّا] (^٢)، أو سقطَتِ (^٣) الألفُ والياءُ لالتقاء الساكنين؛ لأن الراءَ بعدَهما ساكنةٌ.
﴿ارْكَبْ﴾؛ أي: اركبِ السفينة ﴿مَعَنَا﴾ فنَجُوزَ، وقرئ بإدغامِ الباء في الميمِ لتقارُبهما (^٤).
﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلِكَ.
وحالُه كانت ملتبسةً عليهِ ﵇ لأنَّه كان يُنافقُه، ولهذا سعى في خلاصِهِ بعد العلمِ بأن الكفارَ كلَّهم مُغرقونَ، وأما السؤالُ بأنه: كيف ساغَ له الأمرُ بركوبِه في السفينة بعد العلمِ بأنهُ من جملةِ المستثنى من أهلِهِ المأمورِ بحملِهم؛ فقد مرَّ وجهُ اندفاعِه.
* * *
(٤٣) - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ عظيمٍ ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يعني: بارتفاعِه.
_________________
(١) هي قراءة جمهور القراء عدا عاصمًا، فإنه قرأ بفتح ﴿يَابُنَيَّ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٤).
(٢) من "الكشاف" (٢/ ٣٩٧)، والكلام منقول منه.
(٣) "بالألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك أو سقطت" ليست في (ك).
(٤) قرأ بالإظهار قالون والبزي وخلاد بخلف عنهم، وقرأه بالإظهار بلا خلاف ورش وابن عامر، وخلف عن حمزة، وفي اختياره، وأبو جعفر، والباقون بالإدغام قولًا واحدًا، وهم: قنبل ويعقوب وأبو عمرو والكسائي وعاصم، انظر: "النشر" (٢/ ١١)، و"البدور الزاهرة" (ص: ١٥٦).
[ ٥ / ١٥٩ ]
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ إنما قالَ: ﴿الْيَوْمَ﴾ لأنَّ في سائر الأيامِ يوجدُ عاصمٌ من أمرِ الله على ما نطَقَ بهِ قولُه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] والمرادُ من ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: الآفاتُ الواقعةُ على خلاف العادةِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ أي: إلا الله (^١) الذي قد رحمَنا بما آمننا من الغرقِ، وفي العدولِ من الضميرِ إلى الموصولِ زيادةُ تفخيمٍ وتحقيقٍ لرحمته، وأن رحمته هي المُعتَصمُ لا الجبلُ.
وقيلَ: ﴿لَا عَاصِمَ﴾ بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا مَن رحمَ اللهُ (^٢).
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾: بينَ نوحٍ ﵇ وابنِه، لا بينَ ابنه والجبلِ؛ لمكان التفريعِ في قولِه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ إذ لا دخلَ للحيلولةِ بينَهُ وبينَ الجبلِ في صيرورَته من المهلكينَ بالماءِ، لما مرَّ أنه ليسَ بعاصمٍ.
* * *
(٤٤) - ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾: البلعُ: الازدرادُ، والمرادُ بهِ: نشفُ الماءِ على طريقةِ الاستعارة، لا غورُ الماء في الأرضِ؛ لأن فعلَ الأرض هو النشفُ دون الغَورِ، فإنه فعلُ الماء بطبعِهِ.
_________________
(١) في (ف): "إلا الله أي آلاء الله".
(٢) في (ك): "﵀"، وفي هامش (ف): "رد لصاحب المفتاح".
[ ٥ / ١٦٠ ]
والإقلاع: إذهابُ الشيءِ من أصلِه حتى لا يبقى له أثرٌ، يقالُ: أقلعتِ السماءُ، إذا ذهبَ مطرُها حتى لا يبقى شيءٌ منها.
شُبِّهت السماءُ والأرضُ في سرعةِ انقيادِهما لأمرِ ربِّهما وانفعاِلهما بفعلِه فيهما بلا توقُّفٍ، وقبولِ ما يريدُ منهما مع تعلُّقِ الإرادةِ بهِ (^١) من غير امتناعٍ، بالمأمورِ المطيع للآمرِ المطاع القادرِ على ما شاءَ، الذي إذا أُمِرَ سارعَ إلى الامتثال من غير ريبٍ، وبادرَ إلى الطاعة بلا لَبثٍ؛ خشيةً وهيبةً من عظمتِهِ وجلالِهِ، فنوديتا بما يُنادى به العاقلُ المميَز المطلوبُ إقبالُه، وأُمِرتا بما يؤمَرُ به المدرِكُ المتفطِّنُ لما أُمِرَ به، تنبيهًا على كمالِ قُدرته، ونفاذِ أمرِه ومشيئته في الكلِّ.
﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ مِن غاضَهُ: إذا نقصَهُ.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: وأنجِزَ ما وُعِدَ من إهلاك الكافرين وإنجاءِ المؤمنين.
﴿وَاسْتَوَتْ﴾ استقرَّت السفينَةُ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ جبلٌ بالموصلِ.
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هلاكًا لهم، يقالُ: بَعُدَ بعدًا: إذا صارَ بعيدًا بحيثُ لا يُرجَى عودُه، ثم استُعيرَ للهلاكِ، وخُصَّ بدعاءِ السوء.
وإيرادُ الإخبارِ على الفعل المبنيِّ للمفعولِ للدلالةِ على عظمةِ الفاعلِ، وجلالَةِ قدرِه، وعلوِّ شأنِهِ (^٢)، وأنَّه لا يمكنُ أن تكون تلكَ الأفعالُ والآثارُ إلا لله الواحدِ القهَّار، القادرِ على ما يشاءُ ويختار، وأنَّه متعيِّنٌ عند العقلِ بدليلٍ أبينَ من اللفظِ، إذ يستحيل أن يشارِكَهُ (^٣) فيها غيرُه، ولا يذهب الوهمُ إلى أن يقولَ غيرُه: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي
_________________
(١) "به "سقط من (ك).
(٢) في هامش (ف) و(م): "بخلاف الإخبار عن النداء لأن فيه خصوصية زائدة على مطلق الخطاب المستفاد من قال، منه".
(٣) في (ك): "يشارك".
[ ٥ / ١٦١ ]
مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، ولا أن يقضِيَ ذلك الأمرَ العظيم الهائلَ سواهُ، ولا أن تستقِرَّ السفينة بعد اضطرابها إلا بأمرِه وتقديرِه، ولا أن يهلكَ الظلمةُ ذلك الهلاكَ الفظيعَ إلا بقهرِه وتدميرِه.
وقد جمعتِ الآية من فخامةِ المعنى، وجزالةِ اللفظِ، وحسنِ النظمِ، ورصافةِ التركيبِ، ووضوحِ الدلالةِ على كُنْهِ الحال، معَ الإيجاز الخالي من الإخلال (^١)، ما تاهتِ الأفهامُ في مجازيه (^٢)، واستقلَّتِ الألبابُ من كثرةِ النكاتِ ولطائفِ المعاني التي تحويه، بدائعُ الطباقِ والجناسِ التي فيه؛ لأنها وإن كانت تحسِّنُ ظاهرَ الكلام، وتزيِّنُ ديباجةَ النظام، لكنها بالنسبةِ إلى اللطائفِ المعنوية كالقشرِ من اللُّباب، وكالدُّرْدِيِّ من صَفْو الشرابِ.
* * *
(٤٥) - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله:
﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ، فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خِلْوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها.
﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الذي وعدتَني أنجاءَهم بالركوبِ في السفينةِ، هذا الوعدُ غيرُ مذكورٍ في القرآن صريحًا، بل يُفهَمُ من الأمرِ بحملِهم في السفينةِ.
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: وإن كلَّ وعدٌ تعِدُه لا يَتطرَّقُ إليه الخُلفُ.
_________________
(١) في (ف) و(م): "الضلال".
(٢) في (ك) و(م): "مجاريه".
[ ٥ / ١٦٢ ]
﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنك أعلمُهم وأعدلُهم، فلا يشوبُ حكمَكَ ذلك دَخَلٌ (^١) فترجعَ، وهذا ابني قد حُرِمَ عن الركوبِ في السفينةِ، وعرِّفني السبب فيه حتى أكونَ على علمٍ فيسكُنَ قلبي، ومبنى هذا على زعمِهِ (^٢) أن ابنَهُ ليس بكافرٍ؛ لِمَا أنه كانَ يُنافِقُه على ما تقدَّمَ بيانُه.
وهذا النداءُ منهُ ﵇ وإن كانَ بعد مكالمتِه مع ابنِه، لكنَّ قولَه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ …﴾ إلخ لا يدلُّ على كفرِه؛ لجوازِ أن يكونَ قد ظن أن الصعودَ على الجبل الشامخِ يجري مجرى ركوبِ السفينةِ، وأنَّه يصونُه عن الغرَقِ، وبعد إخبارِ أبيهِ أنه لا عاصِمَ اليوم من أمرِ اللهِ حالَ الموجُ بينه وبين ابنه فلم يبقَ له مجالُ الركوبِ.
وإنما قلنا: إنه بعد المكالمةِ؛ لأنَّه لو كان قبلَه لمَا ساغَ له ﵇ أن يقولَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ إذ حينئذٍ يكون معلومًا له ﵇ أنه من الذينَ نهِيَ عن حملِهم في السفينةِ.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(م): "حكمك ذلك ولا خلل".
(٢) قوله: "على زعمه"، فيه نظر، فلا يليق إطلاق الزعم في حق الأنبياء، فإن فيه شبهة الذم، حيث لم يرد في القرآن إلا بهذا المعنى، حتى إن المؤلف نفسه قد جعله كالعلَم في الباطل عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الاْنعام: ٢٢]، وإن كان في غير القرآن قد يأتي بمعنى القول، لكنه ليس مبررا لإطلاقه في حق الأنبياء ﵈. وانظر كلامنا على هذه المسألة عند تفسير الآية المذكورة. ولو قال: حسب ظنه، أو نحوه لكان أولى. هذا إن كان هذا الظن موجودًا أصلا، فإن حال ابنه أو غيره لا يمكن أن يخفى عليه ﵇، وهو النبي المتصف بكمال الفطنة والمؤيد بالوحي، وخصوصًا مع طول المدة التي لبثها في قومه.
[ ٥ / ١٦٣ ]
(٤٦) ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لانقطاعِ الولاية بين المؤمنينَ والكافرينَ، وأشارَ إليه بقولِه:
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فإنه تعليلٌ لنفي كونِه من أهلِه.
وأبدلَ (فاسدٌ) بـ ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾ تصريحًا بالمنافاةِ بين وصفَيهِما، الموجبةِ لانتفاءِ القرابةِ بينَهُما، ونفيًا لِمَا أوجبَ النجاة لمن نجا من أهلِه، وإيماءً إلى أن مَن نجا من أهلِه إنما نجا بالصلاحِ لا بقرابتِه.
وجَعَل ذاتَه نفسَ العمل للمبالغة في ذمه، وأصله: ذو عملٍ فاسدٍ، فحذف (ذو) (^١).
وقرئ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (^٢) أيْ عمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ.
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ قرئ بكسر النون من غير ياءٍ (^٣)، وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء (^٤).
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: لا تطلُب مني ما لا تعلَمُ أصواب هو أم ليسَ بصوابٍ حتى يتبيَّن لك وجهُ كونه صوابًا.
_________________
(١) قوله: "وجعل ذاته .. " إلى هنا من (م)، لكنه وقع فيها قبل قوله: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ وحقه الكون هنا.
(٢) قراءة الكسائي. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٣) في النسخ: "قرئ بتشديد النون .. "، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٣٩٩)، والكلام منه، وهو الصواب؛ لأن الذي في النسخ فيه إشكال التكرار مع الجملة الآتية. وانظر التعليق الآتي.
(٤) قرأ نافع وابن عامر بفتح اللَّام وكسر النُّون وتشديدها، وابن كثير كذلك إلا أنه بفتح النون، والباقونَ بإسكان اللَّام وكسر النُّون وتخفيفها، وكلها بغير ياء. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥). أما القراءة بإثبات الياء بعد النون المشددة المكسورة فنسبت لأبي جعفر وشيبة وزيد بن علي. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٧٧)، و"البحر المحيط" (١٢/ ٢٧٤).
[ ٥ / ١٦٤ ]
وإنما نهاه عن ذلكَ ليضمنَ كلامَهُ بتذكيرِ الوعد بنجاةِ أهله استجارةً في حقِّ ولدِه، وهذا لأنَّه ﵇ لم يكُن حينئذٍ عالمًا بهلاك ابنِه، ولا دلالةَ على هلاكِه في حيلولةِ الموج بينهُما، وأما ظاهرُ كلامِه ﵇، وهو سؤال استفسارٍ عن المانعِ لكونه محمولًا في السفينةِ معَ كونه من أهلِه الذين وردَ البِشارةُ في حقِّهم بذلكَ، فلا يُناسبُه النهيُ عنه خصوصًا معَ التقييدِ بقولِه: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فإنه باعثٌ للاستفسارِ دون الانتهاءِ عنه.
﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ الوعظُ: الزجرُ عن القبيحِ بما يدعو إلى (^١) الجهلِ على وجهِ الترغيب والترهيب.
﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إنما سمَّاهُ جهلًا ونهاه عنه؛ لأنَّه لمَّا استثنى عندَ الموعد بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ فقد نبَّهه أنَّ من أهلِكَ مَن يهلِكُ، فكان الواجبُ عليه أن يوطِّنَ نفسه على أن مِن أهلِه من يستوجِبُ العذابَ، وقد دلَّ ظاهرُ حال ابنِه أنه منهم؛ فلا رخصَة في حقِّه بسؤالِ الاستنجاز لتبيُّنَ (^٢) حاله، فعوتبَ على ذلك.
وأما سؤالُ الاستفسار وإن كان ينتظِمه أيضًا هذا القول (^٣)، لكن القيدَ المقدَّمَ ذكرُه لا يتحمَّله على ما نبهتُ عليهِ آنفًا.
وأما ما قيلَ: إنَّ استثناءَ مَن (^٤) سبقَ عليه القولُ من أهله قد دلَّه على الحالِ، واستغناه عن السؤالِ، لكنْ شغلَهُ حبُّ الولدِ عنه حتى اشتبَه عليه
_________________
(١) في (ك): "لما يزال" بدل: "بما يدعو إلى".
(٢) في (م): "قبل أن تبين".
(٣) "القول" من (م).
(٤) في (ك): "الاستثناء ممن".
[ ٥ / ١٦٥ ]
الأمرُ، فمبناهُ على أن يكونَ الاستثناءُ المذكورُ من لفظِ أهله، وقد عرفتَ ما فيه من الإشكالِ؛ فإنه بعدَ علمِه ﵇ أن ابنَه مستثنًى من الذينَ أُمِرَ بحملِهم في السفينة يكون قولُه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ عصيانًا، والاعتذارُ بما ذُكر لا يجدي نفعًا.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ العياذُ: الاعتصامُ بما يمنَعُ من الشرِّ.
﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾؛ أي: أطلُبَ منك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: بحالِه (^١)؛ لاحتمال الخطأ، وهذا توبةٌ منه ﵇ عن أن يعودَ إلى مثلِه في المستقبلِ تأدُّبًا بتأديبِ اللهِ تعالى.
﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرَطَ مني ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بالتفضُّلِ عليَّ بقَبول توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أعمالًا.
طلبُ المغفرة والرحمة بهذهِ الطريقة الكنائية أبلَغُ وآكدُ من قولِه: اللهمَّ اغفِر لي وارحمني؛ لما فيه من قطعِ الرجاء مِن غيره تعالى، وإخبارِ أنهُ لا يملِكُ أحدٌ ذلكَ غيرُه، بخلافِ ما صرَّحَ فيهِ بالطلبِ.
* * *
(٤٨) - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) في هامش (ف): "من قال: لا علم لي بصحته، لم يحسن؛ لأنَّه ينتظِم ما له علم بفساده، منه ".
[ ٥ / ١٦٦ ]
﴿قِيلَ يَانُوحُ﴾؛ أي: انزِل من الجبَلِ إلى قرارِ الأرضِ، فالهبوطُ نزولٌ من أعلى مكانٍ إلى ما (^١) دونَهُ.
﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾؛ أي: تحيةٍ؛ كما قالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩].
وقيلَ: أي: سلامةٍ من الآفاتِ.
﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ جمعُ بركةٍ وهو ثبوتُ الخيرِ بتمامِه؛ وهي في حقِّهِ ﵇ بتكثيرِ ذُرِّيته وأتباعِه وسائرِ المنافعِ.
لما كانَ الطوفانُ عامًّا، فعندَما خرجَ نوحٌ ﵇ من السفينةِ علِمَ أنه ليسَ في الأرض ما يُنتفَعُ به من النباتِ والحيوانِ، فكان كالخائفِ في أنهُ كيفَ يعيشُ، وكيفَ يدفَعُ جميعَ الحاجاتِ عن نفسِه من المأكولِ والمشروبِ، فأزالَ اللهُ تعالى ذلك الخوفَ عنهُ بالبشارةِ بحصولِ السلامةِ عن العاهاتِ (^٢)، وسعةِ الرزقِ والمهماتِ.
﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو (^٣) لأن الأممَ تتشعَّبُ منه.
﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفةٌ لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أممٌ سنمتِّعُهم، ولما خصَّ أممًا ناشئةً ممن معهُ بالسلامِ
_________________
(١) "ما": ليست في (م).
(٢) في (ك): "البلاغة عن الآفات".
(٣) في (ك): "و".
[ ٥ / ١٦٧ ]
والبركاتِ وهم المؤمنونَ، أشارَ إلى أنَّ مِنهم أممًا ممتَّعين (^١) في الدُّنيا، معذَّبين في الآخرةِ، وهم الكافرونَ.
وقيلَ: هم قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ ﵈، والعذابُ المذكور في قوله:
﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نزلَ بهم.
* * *
(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى قصةِ نوحٍ ﵇، ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وخبرُه: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: بعضُها.
﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ خبرٌ ثانٍ، والضميرُ لها؛ أي: موحاةٌ إليك (^٢)، أو حالٌ من الأنباءِ، أو هو الخبرُ، و﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ متعلق بهِ، أو حالٌ من الهاء.
﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ خبر آخرُ؛ أي: مجهولة عندَك وعندَ قومِكَ ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: مِن قبل إيحائنا إليكَ، أو حالٌ من الهاءِ في ﴿نُوحِيهَا﴾، أو الكافِ في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ أي: جاهلًا أنتَ وقومُكَ بها.
والفائدة في قوله: ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾: أن قومَك مع كثرتهم ليسوا عن علم القصصِ والأخبارِ، وأنت أحدُهم فلم يمكِن تعلُّمك منهُم، ولم تخالِط غيرَهم فما علمتَ إلا بالوحي.
_________________
(١) في (م): "متمتعين".
(٢) "إليك" ليست في (ك).
[ ٥ / ١٦٨ ]
﴿فَاصْبِرْ﴾ على أداءِ الرسالة وأذى قومِكَ كما صبرَ نوحٌ ﵇، وتوقَّع في العاقبةِ لك ولمَن تبعِكَ ما قيّضَ له ولقومِه.
﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ بالظفَرِ في الدُّنيا والفوزِ في الآخرةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الكُفرِ والمعاصي.
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾: واحدًا منهم، عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
﴿هُودًا﴾ عطفُ بيانٍ.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تعبدُوا غيرَهُ، دلَّ عليهِ تعقيبُهُ بقولِه:
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذلك يدلُّ على أن المقصودَ من هذا منعُهم عن عبادة الأصنامِ، و﴿غَيْرُهُ﴾ صفةٌ لـ ﴿إِلَهٍ﴾، قرئَ بالرفع حملًا على محلِّهِ وبالجرِّ على لفظِه (^١).
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللهِ تعالى في قولِكُم: إنه أمرَ بعبادة الأصنامِ.
وأما ما قيلَ: باتخاذ الأوثانِ شركاءَ وجعلِها شفعاءَ، فمبناه عدمُ الفرقِ بين الكذب والافتراءِ.
* * *
(٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
_________________
(١) قراءة الجر للكسائي، وقرأ الباقون بالرفع، انظر: "التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٥ / ١٦٩ ]
﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما (^١) من رسولٍ إلا خاطَبَ قومَه بهذا القولِ، إزاحةً (^٢) للتهمةِ، وتمحِيضًا للنصيحةِ" فإنها ما دامَت مشوبةً بالمطامعِ لا تنجَعُ.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتميِّزون بين الحقِّ والباطلِ، وتعلمونَ أن مَن لا غرَضَ له في النصيحةِ لا تُردُّ نصيحَتُه.
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ إنما قدَّمَ الاستغفار على التوبةِ لأنَّه طلبُ (^٣) المغفرةِ التي هي (^٤) الغرضُ، ثم بيَّنَ ما به يُتوصَّلُ إليها من التوبةِ، فعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا كالتي في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ المدرارُ: كثيرُ الدَّرِّ (^٥) والمرادُ من السماءِ المطرُ.
﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: ويضاعِف قوَّتَكم، وإنما رغَّبَهم بذلك لأنهم
_________________
(١) في (ف) و(م): "فما".
(٢) في (ف): "إزالة".
(٣) في (ك): "لأنَّه من".
(٤) في (ك) و(م): "هو".
(٥) في (م): "الدرور".
[ ٥ / ١٧٠ ]
كانوا أصحابَ زروعٍ وعماراتٍ، قيلَ: حُبِسَ عنهم القطرُ وعقمَت نساؤهم ثلاثَ سنين، فالمرادُ بالقوةِ كثرة الأولادِ.
﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تعرِضُوا عما أدعوكم إليه ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصرِّين على إجرامِكُم.
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: بحجةٍ تدلُّ على صحةِ دعواكَ، قالوا ذلك عِنادًا وجحودًا (^١) معَ كثرةِ مُعجزاتهِ؛ كقولِ قريشٍ لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] معَ فوتِ آياتهِ الحصر.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضميرِ في (تاركي)؛ أي: صادرين عن قولك. الجملةُ الاسمية، وسبكُ اسمِ الفاعلِ من (ترك)، وزيادةُ الباء في الخبرِ في قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ما يصحُّ من أمثالنا مع وفورِ العقل والكياسةِ أن يُصدِّقوا مثلكَ= إقناطٌ له ﵇ من الإجابةِ والتصديقِ على وجه المبالغةِ والتأكيدِ.
* * *
(٥٤) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ ﴿اعْتَرَاكَ﴾ مقولُ القولِ، و﴿إِلَّا﴾ لغو؛ لأن الاستثناء
_________________
(١) في (ف) و(م): "أو جحودًا".
[ ٥ / ١٧١ ]
مفرغٌ، أي: ما نقولُ إلا قولَنا: اعتراك، هو من اعتراهُ؛ أي: قصدَ عُراه، وهو الفضاءُ والساحة، والمراد الإصابةُ بطريق الكناية.
﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: بجنونٍ، بسبِّك إياها وصدِّكَ عنها، ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافاتِ، والقومُ كانوا جفاةً ثابتين (^١).
﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ، وإشهاده تعالى كلامٌ جارٍ على أصله جيءَ ليؤكِّدَ به ما ذكرَه من البراءة عن شركِهم وشركائهم، وأما إشهاده إياهُم على البراءةِ فلا؛ إذ لا يقولُ أحدٌ لمن يعاديه: أشهِدُك أني منك بريءٌ، إلا وهو يريدُ عدم المبالاةِ والاستهانةَ بعداوته، وإذا كان كذلك لزِمَ التخالف بين الصيغتين (^٢): خبرًا ثانيًا (^٣) إبانةً، وطلبًا جازمًا استهانةً.
* * *
(٥٥) - ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أنتم تجعلونها شركاءَ، ولم يجعلها هو شركاءه، ولم ينزِّل بذلك سلطانًا.
لمَّا واجهوه بكلمتهم الحمقاء، وبَهَتوه بتخييلِ الآلهة، وسمَّوا التوحيدَ الذي دعاهم إليهِ والإرشادَ الذي نصحَهم به خبتًا وخبطًا، ولم يعتدُّوا ببيناتٍ، وخوَّفُوه من آلهتهم، وآيسوه من الإيمان بما جاء بهِ - أجابَهم بالبراءة عن آلهتهم، وقابلَهم بعدم المبالاة بهمِ وآلهَتِهم ثقةً باللهِ، وأكَّدَ البراءة ووثَّقها بشهادة اللهِ، وبشهادة العبادِ
_________________
(١) في (ك): "كانوا صائين". وعبارة "الكشاف" (٢/ ٤٠٣): (كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد).
(٢) في (ف): "الصفتين"، وفي (م): "الصنفين".
(٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "ثابتًا".
[ ٥ / ١٧٢ ]
على مجرى العادةِ، وبالغ في ذلكَ أن قالَ: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾، وخالف بين إشهادِ الله وإشهادِهم بأن بتَّ في الأولِ، وأكَّدَ إخباره تثبيتًا (^١) للتوحيدِ، وإحكامًا لمعاقدِه، وعدلَ عن الخبر إلى الأمرِ في الثاني قلَّةَ مبالاةٍ بهم وبدينِهم وآلهتهم، واستهانةً بما زعموا واعتقدوا من عقوبتِهم؛ ثقة باللهِ، وقوةَ اعتمادٍ عليهِ وصحةَ توكُّلٍ، وزاد على ذلك أن أمرَهم بالاجتماعِ على الكيد في إهلاكِه والاجتهاد (^٢) فيهِ، وعدم الإنظار والتوقُّف بقولِه:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ كقول نوحٍ ﵇: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وذلك من أعظمِ المعجزاتِ، فإنه كان رجلًا واحدًا بين الجمِّ الغفيرِ، والعدوِّ الوتير (^٣) من الأقوياءِ الغلاظ الشدادِ، وخاطبهم بما يخاطِبُ، وحقَّرهم وآلهتَهم بما حقَّرَ، وشجعهم على نفسِه، فلم يقدروا على إضرِاره، ولم يَجسُروا على بطشه، وما ذاك إلا بعصمةِ الله تعالى إيَّاهُ وحُسنِ كلاءَته، ولذلك عقَّبه بقولِه:
(٥٦) - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ تقريرًا له؛ أي: إنكم إن اجتمعتُم وتعاونتُم أنتم وآلهتكم عليَّ، وبذلتم وسعَكم في قصدي بالسوءِ، لم تضرُّوني، ولم تقدروا على إهلاكي، فإني توكَّلت على اللهِ مالكِي ومالكِكم، لم يمكِنكُم إصابتي بما لم يُرِدهُ، ثم برهَن على ذلكَ بقولِه:
_________________
(١) في (م): "تثبتا".
(٢) في (ف) و(م): "والإحساد".
(٣) في (ف): "الوقير".
[ ٥ / ١٧٣ ]
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ أي: إلا هو مالكُها ومصرِّفُها على مُقتضَى مشيئتِه، وهي في قبضتِه ومِلْكته (^١) وتحتَ قهره وسلطنتِه، والأخذُ بالنواصي تمثيلٌ لذلك، حتى صار الأخذُ بالناصية عُرفًا في القدرة على التصرفِ، وكانت العرب تجزُّ ناصيةَ الأسير الممنونِ عليه علامةَ أنه قد قُدِرَ عليه، وقُبضَ على (^٢) ناصيَته.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على طريق الحقِّ والعدلِ في ربوبيته، لا يسلِّطُ على مَن توكل عليهِ ظالمًا، ولا يَضيعُ عندَه معتصِمٌ بهِ، ولا يَغلبُ أحدٌ أحدًا إلا بإذنه.
وفي قولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ من غيرِ إعادة (ربكم) - كما في الأول - نكتةٌ سَرِيةٌ بعد الاختصارِ المُغْني عن الحشوِ فيه، ما يدلُّ على زيادة اختصاصهِ به (^٣)، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقًا، وربُّه دونَهم تشريفًا.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، وجوابُ الشرطِ ماضٍ صريحٌ، فلذلكَ جاءَ بالفاءِ و(قد).
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: فإن تُعرِضوا والحجةُ عليكُم لم أعاتَب، فإني ما فرَّطتُ في الإبلاغِ، وأداءِ ما أُرسِلت به إليكُم، وأنتم ما أردتُم إلا تكذيبَ الرسالةِ، ومكافأةَ الرسولِ بالعداوةِ.
_________________
(١) في (ك) و(م): "وملكيته".
(٢) "على" من (ك).
(٣) "به" من (م).
[ ٥ / ١٧٤ ]
﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ بالوعيدِ لهم، أي: ويهلِكُكم ويأتي بقومٍ آخرينَ يخلفُكم في ديارِكم وأموالِكم.
﴿تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ من الضررِ بتولِّيكم؛ لاستحالةِ ذلك عليهِ.
وقرئ: (ويَسْتخلِفْ) بالجزم (^١)، وكذلكِ: (ولا تَضرُّوه) بحذف النون (^٢) عطفًا على محلِّ: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾؛ أي: إنْ تتولوا يَعْذَرْني ويستخلفْ قومًا غيرَكم ولا تضرُّوا إلا أنفُسَكم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيبٌ مهيمنٌ يحفَظُ أعمالكُم ويؤاخِذُكم بها، أو: حافظ على الأشياء كلِّها، والكل محتاجٌ إلى حفظه من الضررِ، ومَن كان كذلكَ لا يمكنُ أن يضرَّهُ شيءٌ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في التعبيرِ بمجيء الأمرِ عن نزول عذابِ الاستئصال على عادٍ ما لا يخفى من الدلالة على العظمةِ والجلال في جانب الأمرِ، وسرعةِ الامتثالِ في جانبِ المأمور.
﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كانوا أربعةَ آلافٍ.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: من شؤمِ معاصي العاصينَ، فإنه (^٣) لو لم تدرِكهم الرحمةُ من
_________________
(١) نسبت لحفص من رواية هبيرة، انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٨٢).
(٢) نسبت لابن مسعود، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٣) "فإنه" سقط من (ك).
[ ٥ / ١٧٥ ]
الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.
والتنكيرُ في ﴿عَذَابٍ﴾ و(رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولًا بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضًا على الإيمانِ.
أو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.
والأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضًا لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضارًا لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ﴾ استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ ﵇؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضًا، فإذا عصوا واحدًا منهم فقد عصَوا كلَّهم.
[ ٥ / ١٧٦ ]
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾؛ أي: رؤسائهم وكبرائهم الطاغينَ، و﴿عَنِيدٍ﴾ من عَنَدَ عَندًا وعُنودًا: إذا طغى، واتِّباعُ أمرِهم: طاعتُهم؛ أي: عصَوا مَن دعاهم إلى الإيمانِ وما ينجِيهم، وأطاعوا مَن دعاهم إلى الكُفر وما يُرديهم.
* * *
(٦٠) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لما اتَّبعُوا الجبابرة الطغاةَ جُعِلت اللعنةُ تابعةً لهم في الدارينِ تَكبُّهم (^١) على وجوههم في عذاب اللهِ.
﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوه، أو: كفروا نعمهُ، أو: كفروا به، وإنما عدِّي بالذات حملًا لهُ على نقيضِه (^٢).
﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾: دعاءٌ عليهِم بالهلاك، والمراد به الدلالةُ على أنهم كانوا مستَوجِبين لِمَا نزلَ عليهِم بسبب ما حكَى عنهم، وتكريرُ حرف التنبيهِ مع اسمِهم في الموضعَين، وإيرادُ حرف التحقيقِ معَ وصفِهم الموجِب للهلاكِ والعذاب، تهويلٌ وتفظيع لأمرِهم، وحثٌّ على الحذر من مثلِ حالهِم، والاعتبارِ بهم، وإيماءٌ إلى أنهم في اليقينِ والاستحقاق لِمَا نزل بهم بسببِ كفرِهم كالعلَم حتى صاروا مَثلًا مشهورًا.
﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (عادٍ)، وفائدَتُه: التمييزُ بينهُم وبين عاب الثانيةِ، وإيماءٌ إلى أن استئصالهم بغايةِ البعد بالهلاكِ بسبب ما جرى بينَهم وبين هودٍ ﵇.
_________________
(١) في (ف) و(م): "بكبهم".
(٢) أي: عدي بنفسه دون حرف الجر حملًا على نقيضه الذي هو الشكر المتعدي بنفسه.
[ ٥ / ١٧٧ ]
(٦١) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: لم ينشِئكم منها إلا هو، وذلك الإنشاءُ بخلق آدمَ ﵇، أو بخلقِ موادِّ النُّطَفِ التي خُلِقوا منها من التراب.
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: وعمَّركم فيها واستبقاكم من العمرِ، أو: أقدَركم على عِمارتها (^١) وأمركَم بها، وقيلَ: هو من العُمرى بمعنى: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.
أو: جعلكُم معمِّرين دياركم تسكنُونها مدةَ عُمرِكم، ثم تتركُونها لغيركم.
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد مرَّ تفسيره، فالفاءُ فصيحةٌ عاطفةٌ على مقدَّرٍ معناه: وقابلتُم العصيان بالإحسان.
﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: إلى الرحمةِ ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيهِ؛ استئنافٌ للترغيبِ في الامتثال بما أمرَ بهِ.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا﴾: فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾؛ أي: كنا نشاهِدُ منك مخائل الرشدِ، وأماراتِ الصلاحِ، فرجونا أن تكون فينا سيدًا ومُستشارًا،
_________________
(١) في هامش (ف): "العمارة".
[ ٥ / ١٧٨ ]
ومُرشِدًا (^١) ومُسترشَدًا في التدابيرِ، أو مقدَّمًا في ديننا، فلما تكلَّمت بهذا القول انقطعَ رجاؤنا عنك.
﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ والتبرُّؤ من الأوثانِ.
﴿مُرِيبٍ﴾: اسم فاعلٍ من متعدٍّ، يقالُ: أرابَهُ: إذا أوقعَهُ في ريبةٍ وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ، أو من لازمٍ؛ يقالُ: أراب الرجلُ: إذا كان ذا ريبةٍ، والإسناد إلى الشكِّ مجازيٌّ على كلا الوجهَين (^٢).
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: أتى بحرف الشكِّ باعتبارِ المخاطَبين الجاحدين؛ أي: قدِّروا أني على برهانٍ ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: نبوةً ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾: فمن يمنعُني من عذاب اللهِ، والعدولُ من الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للتفخيمِ.
﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: في تبليغِ الرسالة والمنعِ من الإشراك بهِ على هذا التقديرِ.
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ إذًا باستتباعِكُم إيايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غيرَ أن تخسِّروني (^٣)
_________________
(١) "ومرشدًا" سقط من (ك).
(٢) في هامش (ف): "نص على ذلك الكشاف في تفسير سورة سبأ، والظاهر من كلام القاضي خلافه، منه".
(٣) في النسخ: "تخسرون"، والصواب المثبت، ومعناه: تجعلوني خاسرًا. انظر: "روح المعاني" (١١/ ٥٢٧).
[ ٥ / ١٧٩ ]
بإبطالِ أعمالي، والتعرُّض لعذابِه، أو: فما تزيدُونني بما تقولون لي غيرَ أن أُخسِّركم فأَنسُبكم إلى الخُسرانِ.
* * *
(٦٤) - ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافة للتعظيم.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في اسمِ الإشارة من معنى الفعلِ، ﴿لَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آيَةً﴾ لتقدُّمها عليها، ولو تأخَّرت عنها كانت صفةً لها.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: تَرْعَ نباتها، وتشرَبْ ماءها، وإنما أضافَ الأرضَ إليه تعالى إظهارًا لوجهِ التفريعِ، يعني: أن الأرض أرضُ اللهِ والناقةَ ناقتُه، فذروها تأكُل في أرض صاحبِها.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجلٌ لا يتراخى عن مسِّكم لها بالسوءِ إلا يسيرًا وهو ثلاثةُ أيامٍ.
* * *
(٦٥) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ العقرُ: قطع العضوِ الذي له تأثيرٌ في النفسِ.
﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا﴾؛ أي: تلذَّذوا بما تريدونَ من أسباب العيشِ.
﴿فِي دَارِكُمْ﴾: في بلدِكم، تقولُ العربُ الذين (^١) حوالي مكةَ: نحنُ من عربِ الدارِ؛ أي: من عربِ البلدِ، وقيل: في دُنياكم.
_________________
(١) في (م): "الذين في".
[ ٥ / ١٨٠ ]
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ قيلَ: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت.
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾؛ أي: غيرُ مكذوبٍ فيهِ، واتُّسع في الظرف بحذفِ حرف الجرِّ وإجرائه مجرى المفعول بهِ؛ كقولِه: يومٌ مشهودٌ. أو: وعدٌ غيرُ كذبٍ، على أن المكذوبَ مصدرٌ كالمجلودِ والمعقولِ، و(^١) كالمصدوقِ بمعنى: الصدقِ.
ويجوزُ أن يكون من بابِ الإسناد المجازيِّ، كأنهُ قيلَ للوعدِ: يوفَى بك، فإذا أُوفي بهِ فقد صُدِقَ ولم يُكْذَب.
* * *
(٦٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قد مر تفسيره.
﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (مِن) متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: ونجيناهم من خزي، على وفق ما تقدَّمَ في قصةِ هودٍ ﵇، والمراد من الخزي: هلاكُهم بالذلِّ والفضيحةِ.
وقرئ: (ومن خِزيٍ) بالتنوينِ، وبنصبِ (يومَئذٍ) على الظرفِ معمولًا بـ ﴿خِزْيِ﴾ (^٢).
وقرئ بالإضافة وفتح الميم (^٣).
والتنوينُ في (إذٍ) عوضٌ من الجملةِ المحذوفة المتقدمةِ الذكرِ؛ أي: ومن فضيحةِ يومِ إذ جاءَ الأمرُ وحلَّ بهم.
_________________
(١) "الواو" زيادة من (ك).
(٢) قرأ بها طلحة وأبان بن تغلب، انظر: "البحر المحيط" (١٢/ ٣٠١).
(٣) هي قراءة نافع والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة وكسر الميم. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٥ / ١٨١ ]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: القادرُ على كل شيءٍ، الغالبُ عليهِ.
* * *
(٦٧) - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف.
* * *
(٦٨) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنهم لم يوجَدوا، والمَغْنَى: المقام (^١) الذي يقيمُ به الحيُّ.
﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرئ: ﴿ثَمُودَا﴾ بفتح الدالِ من غير تنوينٍ، وقرئ بالتنوينِ وبخفضِ الدالِ في قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (^٢)؛ أي: نسبًا إلى الحيِّ، أو للأبِ الأكبر.
* * *
(٦٩) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ﴾ اللامُ لتأكيد الخبرِ، و(قد) للتوقُّعِ؛ لأن السامعَ بقصص الأنبياء ﵈ يتوقَّعُ قصةً بعد قصةٍ.
_________________
(١) في (ف) و(ك): "القائم".
(٢) ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَا﴾ مَنَعَ حمزةُ وحفصٌ صَرْفَه، وصرَفه الباقون، ﴿لِثَمُودَ﴾ صرَفه الكسائِيُّ ومنَعه باقي السَّبعة. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٥ / ١٨٢ ]
﴿رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: الملائكةُ ﴿بِالْبُشْرَى﴾؛ أي: بالبشارة بالولدِ.
وقيلَ: بهلاك قوم لوطٍ. ويأباهُ ما في الذاريات من قولِه: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ثم بعدَه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١].
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سلَّمنا عليك سلامًا، ويجوزُ نصبُه بما في ﴿قَالُوا﴾ من معنى: ذَكروا.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: عليكم سلامٌ، أو: سلامٌ عليكم، حيَّاهُم بأحسَن من تحيَّتِهم، والتنكيرُ لدلالَتهِ على التعظيم أبلغُ من التنوينِ.
وقرئ: ﴿سِلْمٌ﴾ (^١) بمعنى السلامِ؛ كحِرْمٍ وحرامٍ، وقيلَ: المرادُ به الصلحُ.
﴿فَمَا لَبِثَ﴾: فما مكثَ؛ إذ كان عندَهُ طعامٌ معدٌّ للأضيافِ كلَّ يومٍ، والفاءُ للتفريعِ على ما ظهرَ من المسالمةِ أنهم جاؤوا بالخيرِ دون الشرِّ.
﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾: (ما) في محلِّ الجرِّ على تقديرِ: فما لبثَ في المجيء به، أو: فما تأخَّرَ عن المجيءِ به، أو النصبِ على حذف حرف الجرِّ، أو الرفعِ على الفاعليةِ؛ أي: فما لبث مجيئُه.
والعجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل (^٢) أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ.
﴿حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ هو الذي يَقطُر دسمه، مِن حَنَذْتُ الفرسَ، إذا ألقيتُ عليه الجلَّ حتى يقطُرَ عَرَقًا، ويدل عليه قولُه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦].
_________________
(١) قراءة حمزة والكسائي، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٢) في (ك): "لتعجل".
[ ٥ / ١٨٣ ]
وقيلَ: المشويُّ بالرَّضْفِ (^١) في أخدودٍ.
وفيهِ: أن اعتبارَ قيدٍ لا يهمُّ إظهاره في المقام مما يعَدُّ هُجنةً في الكلام.
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ روي أنهم كانوا يَنْكُتون بأعوادٍ (^٢) كانت في أيديهِم في اللحمِ ولا تصِلُ أيديهم إليهِ (^٣)، وعلى هذا يظهرُ وجهُ الإتيان بالفاء الفصيحةِ، والعدولِ عن: لا يمدون إليه (^٤) أيديهم.
ومن وَهَم أن المذكورَ كنايةٌ عن المتروكِ فقد وَهِمَ.
﴿نَكِرَهُمْ﴾: هذا صريحٌ في أن إنكارَه ﵇ إياهُم كان بعدَما رأى أنهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطعامِ، والظاهرُ من قولِه: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أنهُ كان قبلَ ذلكَ في سورة الحجر (^٥).
_________________
(١) حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم لتشوى. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١١٤).
(٢) في (ك): "بعواج". والذي في المصادر - وستأتي -: (بقداح).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٨٨)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ١٦١)، و"البحر" (١٢/ ٣٠٥)، و"روح المعاني" (١٢/ ٩). قال الآلوسي: وليس بشيء، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء، إذ هذا النَّكت أشبه شيء بالبعث، والملائكة ﵈ يجلون عن مثله.
(٤) "إليه" سقط من (ك).
(٥) الذي في الحجر: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الآية: ٥٢]. ووقع في (ك): "صوره الحر".
[ ٥ / ١٨٤ ]
والتوفيقُ: أنه نكرَهم بعينِه حينَ رآهُم، ونكرَهم بقلبِه بعدما رأى منهم أمارةَ الخلافِ، قالَ أبو العاليةِ: يُقالُ: نكرَهُ بقلبِه وأنكرَهُ بعينِه.
﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الإيجاسُ: الإحساسُ، وذلك لأنهم كانوا إذا نزَلَ بهم ضيفٌ ولم يأكُل من طعامِهم ظنُّوا أنه لم يجِئ بخيرٍ.
قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ (^١). ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢].
وكذا يردُّ (^٢) ما قيلَ: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكةٌ موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فإن مبنى هذا أيضًا الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ.
﴿قَالُوا﴾ له ﵇: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
قيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضًا الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾ [الذاريات: ٣١].
وكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.
_________________
(١) في هامش (ف) و(م): "عبارة "الكشاف": ﴿فَأَوْجَسَ﴾: فأضمر، ولا يخفى ما فيها. منه".
(٢) في النسخ جميعًا: "يرده"، والصواب المثبت، يعني ما في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ يرد ما سيأتي من القيل، كما هو واضح من السياق.
[ ٥ / ١٨٥ ]
(٧١) - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضع آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩].
﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمنِ وبهلاك أهلِ الفسادِ.
وقيلَ: بإصابةِ رأيها؛ فإنها كانَتْ تقولُ لإبراهيمَ: اضمم إليك لوطًا؛ فإني أعلَمُ أن العذابَ نزلَ بهذا القومِ.
ويردُ عليه: أنه حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكونَ المعنى: فضحِكَت من إصابة رأيها - يخرجُ الكلام مخرج الألغازِ.
وأما ما قيلَ: إنَّ (ضحِكَت) بمعنى: حاضَت. رُدَّ بأن التعجُّبَ بعدَه يبعِدُه، إذ لا يعجَبُ من الولادةِ في زمن الحيضِ، وإدخالُه في سياقِ التعجُّبِ يأباه اللفظُ.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: هذِه البشارةُ أيضًا على لسانِ الملائكة، والفاءُ للتعقيبِ؛ أي: بشَّرناها بالولدِ وبولد الولدِ عقِيبَ ما أوجبَ سرورَها، والاسمان يحتَملُ وقوعُهما في البشارةِ كيحيى، ويحتَملُ وقوعُهما في الحكايةِ (^١).
﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ رفعٌ بالابتداءِ خبرُه الظرفُ؛ أي: من وراءِ إسحاقَ يعقوبُ مولودٌ، قرئ بالنصبِ (^٢) بفعلٍ دلَّ عليهِ (بشرناها)؛ أي: ووهبنا له من وراءِ إسحاق يعقوبَ.
_________________
(١) يعني: اسم إسحاق ويعقوب يُحتمَل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] وهو الأظهر، ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سُميا بعد الولادة. انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١١٦)، و"روح المعاني" (١٢/ ٢١).
(٢) قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، والباقون بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
[ ٥ / ١٨٦ ]
(٧٢ - ٧٣) - ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾: يا عجبًا، وأصلُه في الشرِّ، ثم أطلِقَ في كلِّ أمرٍ فظيعٍ، والألفُ فيها مبدلَةٌ من ياء الإضافةِ، وقرئ بالياء على الأصلِ (^١).
﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾؛ أي: مسنَّةٌ، قيلَ: كانَت في تسعٍ وتسعينَ، ولم تدخُلها الهاءُ لأنها وضِعت للأنثى خاصةً.
﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي، وأصلُه: القائم بالأمرِ.
﴿شَيْخًا﴾ حالٌ، والعاملُ فيهِ معنى الإشارةِ في ﴿وَهَذَا﴾، وقرئ: (شيخٌ) (^٢) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هذا بعلي هو شيخٌ، أو خبرُ مبتدأ لـ (هذا)، و﴿بَعْلِي﴾ بدلٌ منهُ، أو خبر بعدَ خبرٍ.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يعني الولَدُ من هرِمَين، وهو استبعادٌ من حيث العادةُ، وإنما أنكرَتِ الملائكةُ تعجِيبَها بقولهم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لأنها كانَت في بيتِ الآياتِ والمعجزاتِ، وخوارق العاداتِ، فكانَ حقَّها أنْ لا تنبو (^٣) بل تستقرَّ وتشكُرَ نعمةَ اللهِ تعالى وتحمدَهُ وتمجِّدَه، ولا تتعجَّب منه لاعتيادِها بأمثالها، ولهذا قالت الملائكةُ:
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ علِّلَ به إنكارُ التعجُّبِ، كأنَّه
_________________
(١) نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٢) نسبت للحسن والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٣) "تنبو" غير واضحة في النسخ، وجاء عند أبي السعود والآلوسي: (فكان حقها أن تتوقر). انظر: "تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٢٦)، و"روح المعاني" (١٢/ ٢٣).
[ ٥ / ١٨٧ ]
قيلَ: ليسَ هذا بمكان التعجُّبِ، فإن الله خصَّكم من بين الناسِ بأمثال هذه الكراماتِ، وأكرمَكُم بها أهلَ بيت النبوةِ، ونصبُه على المدحِ أو على النداءِ لقصدِ التخصيصِ.
وقيلَ: الرحمةُ: النبوةُ، والبركاتُ: الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأن الأنبياءَ كانوا فيه كثيرًا.
﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: فاعلٌ ما يستوجِبُ به الحمدَ.
﴿مَجِيدٌ﴾: كريمٌ يستحقُّ التمجُّدَ والثناءَ بكثرةِ الإحسان والإنعام على عبادِه.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: الإفزاعُ بما أوجسَ من الخيفةِ، واطمأنَّ قلبُه بعرفانهم وعرفانِ سبب مجيئهم، والفاءُ لترتيبِ بعض ما يتعلَّقُ بإبراهيمَ ﵇ من الكلامِ على بعضٍ، وقد تخلَّلَ بينهما ما يتعلَّقُ بامرأته، وله أيضًا مدخلٌ في ذهابِ روعِه ﵇.
﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بدلَ الروعِ.
﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: يجادِلُ رسلَنا في شأنهم، ومجادلتُه إيَّاهُم قولُه: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وجوابُ: (لما) محذوفٌ، و﴿يُجَادِلُنَا﴾ كلامٌ مستأنَفٌ، وقيلَ: دالٌّ عليهِ تقديرُه: اجترأ على خطابنا، أو: فرغ لمجادلتنا، ونحو ذلكَ.
وقيلَ: الجوابُ ﴿يُجَادِلُنَا﴾ على حكاية الحالِ الماضيةِ.
وقيلَ: (لمَّا) يردُّ المضارعَ إلى معنى الماضي، كما يردُّ الماضي إلى المستقبلِ معنًى.
وقيلَ: معناه: أخذَ يجادِلُنا، أو: أقبل يجادلنا، أو ما في معناهما.
[ ٥ / ١٨٨ ]
(٧٥) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: متحمِّلٌ جهلَ السفهاءِ، غيرُ عجولٍ على الانتقامِ ممَّن أساء إليهِ.
﴿أَوَّاهٌ﴾: كثيرُ التأوُّه من الذنوبِ، والتأسُّفِ على الناسِ.
﴿مُنِيبٌ﴾: رجاعٌ إلى اللهِ تعالى بما يحِبُّ ويرضى.
والمقصود من ذلك: بيانُ الحاملِ لهُ على المجادلةِ، وهو الرأفةُ والرحمةُ والرقَّةُ على أبناء الجنسِ.
* * *
(٧٦) - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ على إرادةِ القول؛ أي: قالت الملائكةُ له: يا إبراهِيمُ ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ، وإن كانتِ الرحمةُ دعتكَ إليهِم فربُّهم أعلَمُ بهم وبما يستوجِبونَه.
﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاؤه وحُكمه ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مصروفٍ بجدالٍ ولا دعاءٍ ولا غيرِ ذلكَ؛ لإبرامه عندَ اللهِ تعالى، فلا فائدةَ في جدالِكَ.
* * *
(٧٧) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: أسِفَ واغتمَّ لمجيئهم؛ لأنهم جاؤوا في صورةِ غلمانٍ حسانٍ فحسِبَهم إنسًا، فخافَ عليهم خُبثَ قومِه وعجزَه عن مدافعتهم (^١).
_________________
(١) في النسخ: "موافقتهم"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤١٣).
[ ٥ / ١٨٩ ]
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ كنايةٌ عن شدةِ الانقباضِ عن موافقةِ المكروه، كأنه ضاقَ بمكانهم صدرُه.
﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ؛ من قولكَ: عصَبه: إذا شدَّهُ.
* * *
(٧٨) - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾: يسرِعون ﴿إِلَيْهِ﴾ كأنهم يُدفَعون دفعًا لطلبِ الفاحشةِ من أضيافه.
﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: ومن قبلِ ذلك الوقتِ ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الفواحشَ فتمرَّنُوا عليها، ولم يَسْتَحْيوا منها؛ فلذلكَ جاؤوا يُهرَعون إليه مجاهِرين.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فتزوجُّوهنَّ، فدَى بهنَّ أضيافَهُ كرمًا وفتوَّةً وحمِيَّةً، وكان إذ ذاك تزويجُ المسلماتِ من الكفارِ جائزًا.
ومَن زاد على هذا قولَه: يطلبونهن قبَل ذلك ولا يجيبُهم إليهِنَّ لخبثِهم وعدمِ كفايَتِهم، فكأنَّهُ لم يتأمَّل في قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ فإنه ظاهرٌ في عدمِ رغبَتِهم فيهنَّ.
وقيلَ: المراد بالبناتِ نساؤهم، فإنَّ كل نبيٍّ أبو أمَّتِه من حيثُ الشفقةُ والتربيةُ، وفي مصحف ابنِ مسعودٍ ﵁: (وأزواجُه أمهاتُهم وهو أبٌ لهم) (^١). فيأباه قولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١١٩).
[ ٥ / ١٩٠ ]
وأما ما قيلَ: قالَهُ ﵇ مبالغةً في تناهي خُبثِ ما يُريدونه حتى إن ذاك أهوَنُ منه، أو إظهارًا لشدَّةِ استقباحِه (^١)، فلا يلائمه قولُه:
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أراد المبالغةَ في الطهارةِ، لا تفضيلَهُنَّ فيها على مَن ما راموا بهِ، كقولِه ﵇: "اللهُ أعلى وأجلُّ" (^٢) في مقابلةِ قول أبي سفيانَ: اعلُ هبَل.
وقرئ: (أطهَرَ) بالنصبِ (^٣) على تقديرِ: خذوا هؤلاء أطهرَ لكم، وقولُه: ﴿بَنَاتِي هُنَّ﴾ جملةٌ معترِضةٌ تعليلًا للأمرِ وكونهنَّ أولى قدِّمت للإسماعِ، كأنهُ قيلَ: خذوا هؤلاء العفائفَ أطهرَ لكم إن بناتي هن وأنتُم تعلمون طهارَتي وطهارَةِ بناتي.
ويجوزُ أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً و﴿بَنَاتِي﴾ خبرًا، و﴿هُنَّ﴾ تأكيدٌ للمستكنِّ في ﴿بَنَاتِي﴾ لأنهُ وصفٌ مشتَقٌّ، و(أطهرَ) حالٌ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوبِ الفاحشةِ.
﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزيِ وهو الهوانُ، أو من الخزايَةِ وهو الخجالةُ.
﴿فِي ضَيْفِي﴾: بسبَبِهم، فإن التعدِّيَ لضيفِ الرجلِ إخزاءٌ له، وترتَّبَ على المحذوفِ لا على المذكورِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ، حيثُ قالَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٨، ٦٩]، وقد عُلمَ منه أن المرادَ من الخزي معنًى آخرُ غيرُ الفضاحَةِ.
_________________
(١) في هامش (م): "فإن عرض البنات على الوجه المذكور لا يليق بأهل الأرض فكيف بالنبي، منه".
(٢) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (٣٠٣٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٧٣٨)، عن البراء بن عازب ﵁ في خبر غزوة أحد.
(٣) نسبت للحسن وعيسى بن عمر، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
[ ٥ / ١٩١ ]
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يهتدي إلى الحقِّ ويرعوي عن القبيحِ، فيرشِدُ أصحابَه إليه ويمنَعُهم عنه، والمراد هذا، ولذلك قالَ: ﴿مِنْكُمْ﴾ دونَ: فيكم؛ لعمومِه الأجنبيَّ، وكلامه لا يؤثِّرُ تأثيرَ كلامِ الذي منهُم.
* * *
(٧٩) - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: من حاجةٍ، بالغوا في المنفيِّ بتنكيرِ ﴿حَقٍّ﴾ وزيادةِ ﴿مِنْ﴾ كما بالغُوا في النفي بإثبات علمِه له على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيانِ الذُّكرانِ.
* * *
(٨٠ - ٨١) - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لما كان فيه معنى الفعل عطف عليه قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: لو قويتُ عليكم بنفسي، أو آويتُ إلى قويٍّ أستنِدُ إليه وأتمنَّعِ به فيحمي (^١) منكُم.
شبَّهَ القويَّ العزيزَ الذي يجيء مَن يأوي إليهِ ويحميه بالركنِ من الجبلِ في شدَّته ومنعتِه، وجوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديرُه: لدفعتكم.
_________________
(١) في (ف): "فيحمني".
[ ٥ / ١٩٢ ]
وقرئ: (أو آوِيَ) بالنصب (^١) بإضمارِ (أنْ)، كأنهُ قالَ: لو أن لي بكم قوةً أو أُوِيًّا.
فلمَّا رأى (^٢) الملائكةُ ما يملأ لوطًا ﵇ من الكربِ ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ فلن يصلوا إلينا.
ولمَّا احتمَل أن يضرُّوه ﵇ لعدَمِ حصولِ بغيَتِهم دفعَه بقولِه: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فهو استئنافٌ في غاية الجزالة، ومن لم يتنبَّه له قالَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارِنا، ثم إنه لم يَدْرِ أن حق الكلامِ حينئذٍ الوصلُ بالفاء دون الفصلِ.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقَطعِ من الإسراء، وقرئ بالوصلِ من السُّرَى (^٣)، ترتُّبُه على المحذوفِ المذكورِ في موضعٍ آخرَ بقوله: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤].
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ منهُ.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ ولا يتخلَّف، أو لا ينظُر إلى ورائهِ، والنهيُ عامٌّ له ﵇ ولأهلِه، والمخصوصُ به إنما هو تبليغُه إليهم.
ومَن وهَم أنه في اللفظِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾ وفي المعنى للوطٍ ﵇ فقد وهِمَ.
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصبِ، استثناءٌ من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ويدلُّ عليه قراءة: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ) (^٤).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦٠).
(٢) في (ف) و(م): "رأوا".
(٣) قرأ بالوصل من السبعة نافع وابن كثير، وقرأ الباقون بقطعها، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٥٢٤)، و"الكشاف" (٢/ ٤١٦) و"البحر" (١٢/ ٣٢٥).
[ ٥ / ١٩٣ ]
قيل: وذلك إنما يصحُّ على تأويل الالتفاتِ بالتخلفِ لا بالنظرِ إلى الخلفِ؛ لئلا يناقضَ قراءة من قرأ بالرفع (^١) بدلًا من ﴿أَحَدٌ﴾ وإلا لزمَ على القراءَتين أن يكونَ امرأته مُسْرًى بها وغيرَ مُسْرًى بها.
وفيه نظرٌ؛ لأن الاستثناءَ من الأهلِ يقتضِي أن لا يكون لوطٌ ﵇ مأمورًا بالإسراءِ، ولا يمنَع أنها سرَت بنفسِها، ويكفي لصحةِ الاستثناءِ من هذا المقدارِ، كيف ولم يُنهَ عن إخراجِها، ولكنه أُمرَ بإخراجِ غيرِها.
وبهذا اندفع (^٢) أيضًا ما قيلَ: إنه إما أن أُسري بها، فالاستثناءُ من قولِه: ﴿أَحَدٌ﴾ متعينٌ، أو لا، فيتعيَّن من قولِه ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، والقصةُ واحدةٌ فأحدُ التأويلين باطلٌ قطعًا، والقراءتان الثابتتان قطعًا لا يجِبُ حملُهما على ما يوجِبُ بطلانَ مقتضى أحدِهما.
وأما ما قيلَ: وفي إخراجها معَ أهلهِ روايتان: روي أنه أخرَجها معهُم وأمرَ أن لا يلتفِتَ منهم أحدٌ إلا هي، فلما سمعَت هدَّة (^٣) العذابَ التفتَت له وقالَت: يا قوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها، وروي أنه أُمِرَ بأن يخلِّفَها مع قومِها فإن هواها إليهم، فلم يَسْرِ بها (^٤). واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
_________________
(١) قراءة أبي عمرو وابن كثير، انظر: "التيسير" (ص: ١٢٥).
(٢) في (ك): "يدفع".
(٣) في (ك) و(م): "هذا"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "الكشاف" و"القرطبي" و"تفسير أبي السعود"، و"روح المعاني".
(٤) انظر المصادر السابق، وروى الأثرين الطبري في "التفسير" (١٢/ ٥١٨ - ٥١٩) عن قتادة والسدي.
[ ٥ / ١٩٤ ]
فاعترِضَ عليه: بأنه لا يجوزُ؛ لأن القواطِع [لا يجوز] (^١) حملُها على المعاني المتناقضةِ.
وأُجيبَ بأن معناه: اختلافُ القراءتينِ (^٢) جالبٌ وسببٌ لاختلافِ الروايتَين، كما تقولُ: السلاحُ للغزوِ (^٣)؛ أي: أداةٌ وصالحٌ له. ولم يُرِدْ أن اختلافَ القراءتين لأجلِ اختلاف الروايتين قد حصَلَ.
وَيرِدُ عليهِ: أنه حينئذٍ تنقلِبُ الروايةُ درايةً لاتِّخاذِها (^٤) من ظاهر القراءةِ، وأيضًا فيه التزامٌ باستلزامِ اختلافِ القراءتين أمرًا محذورًا وهو الجمعُ بين المتنافِيين.
والأولى جعلُ الاستثناءِ في القراءَتين من قولِه: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾ كما في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] و: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٥)، ولا بُعدَ أن يكونَ أكثرُ القراء على غير الأفصحِ، فإن النصب أخفُّ، وإن كان البدلُ أفصَحَ.
﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ استئنافٌ علِّلَ بهِ استثناؤها من أهلِه، ولا يلزَم من ذلك أمرُها بالالتفاتِ، بل عدَمُ نهيها عنه استصلاحًا، ولا يَحسُن جعل الاستثناءِ منقطعًا على قراءة الرفعِ.
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كأنهُ علةُ الأمرِ بالإسراء.
_________________
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وانظر: "روح المعاني" (١٢/ ٤٥)، وفيه: (والقراءتان الثابتتان قطعا لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما).
(٢) قوله: "فاعترض عليه .. " إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).
(٣) في (ك): "للعدو".
(٤) في (ف) و(ك): "ولاتخاذها".
(٥) هي قراءة ابن عامر وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦)، وقد تقدمت في سورة النساء.
[ ٥ / ١٩٥ ]
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جوابٌ لاستعجال لوطٍ ﵇ واستبطائه العذابَ، وإنما جعِلَ الصبحُ ميقاتًا لهلاكِهم؛ لأن النفوسَ فيهِ أودَعُ، والراحةَ فيه أجمَعُ، فيكون العذابُ فيه أفظعَ.
* * *
(٨٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: وقتُ أمرِنا، وأما الأمر نفسُه فقد وردَ قبلَ هذا، وأما المأمورُ به فنفسُ ما ذكِرَ في قولِه:
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ جوابُ (لمَّا)، وإنما عدلَ عن الظاهرِ وهو: جعلوا؛ أي: الملائكة المأمورون به (^١) وأَسندَ إلى نفسِه من حيثُ إنه المسبِّبُ تعظيمًا للأمرِ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾: على المدنِ ﴿حِجَارَةً﴾، رويَ أن جبريلَ ﵇ أدخَلَ جناحه تحت مدائنهم ورفعَها إلى السماءِ، ثمَّ قلبَها عليهم، وأُتبِعوا الحجارة من فوقِهم (^٢).
والتنكيرُ في ﴿حِجَارَةً﴾ للتعظيمِ.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّرٍ؛ لقولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] كلمةٌ معربةٌ من سَنْك كَلْ.
_________________
(١) "به" ليس (ك).
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (١٢/ ٥١٥ - ٥١٦) عن سعيد بن جبير، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٦) عن حذيفة بن اليمان ﵁.
[ ٥ / ١٩٦ ]
وقيلَ: هو من أسجَله إذا أرسلَه؛ لأنها تُرسَلُ على الظالمين؛ لقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
وقيلَ: مما كتبَ الله أن يعذِّب فيه من السِّجلِّ، وسجل لفلان.
﴿مَنْضُودٍ﴾ في الإرسالِ يرسلُ بعضُها إثرَ بعضٍ كقطارِ الأمطارِ، أو نُضدَ بعضُه على بعضٍ وألصِق بهِ، أو نُضدَ معدًّا لعذابِهم.
* * *
(٨٣) - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلَّمةً للعذابِ، أو بسِيْما تتميَّزُ به منْ حجارةِ الأرض، أو باسمِ مَن يُرمى به.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في خزائنه التي لا يتصرَّفُ فيها إلا هوَ.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ لاستحقاقِهم لذلكَ، وفيه وعيدٌ لأهلِ مكَّةَ، وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه سألَ جبريلَ ﵇ عن هذا، فقالَ: يعني مِن ظالمي أُمَّتك (^١).
وقيل: الضميرُ للقرى؛ أي: هي قريبةٌ من ظالمي أُمتكَ يمرُّون بها في سيرِهم.
قوله: ﴿بِبَعِيدٍ﴾: بشيءٍ بعيدٍ، أو: بمكان بعيدٍ، كذا قيلَ، ولا حاجة إلى التأويلِ؛ لأنَّه على زنةِ المصدرِ كالزفيرِ (^٢) والصهيلِ، والمصادرُ يستوي في الوصفِ بها المؤنَّثُ والمذكَّرُ.
_________________
(١) انظر: "الكشاف" (٢/ ٤١٦). وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: ٨٧): (ذكره الثعلبي عن أنس دون إسناد). وقال العراقي كما في "روح المعاني" (١٢/ ٥٣): (لم أقف له على إسناد).
(٢) في (ك): "كالزئير".
[ ٥ / ١٩٧ ]
(٨٤) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قد مرَّ نظائره، ومديَنُ مدينةٌ بناها مدينُ بن إبراهيمَ ﵇ فسمِّيَت باسمِه، والمرادُ: أهلُها وأولاده.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُه.
﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَهم بالتوحيدِ أولًا لأنَّه ملاكُ الأمرِ، ثم نهاهُم عما اعتادُوه من البَخْسِ المنافي للعدلِ المخلِّ بحكمةِ التعاوُضِ.
﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: بسعةٍ وثروةٍ تغنيكُم عن التطفيفِ، أو: بنعمةٍ حقُّها أن تُقابلَ (^١) بالشكرِ، لا بما تفعلون، أو: بخيرٍ فلا تزيلوه عنكم بما تفعلونَ، وهو على كلِّ الوجوهِ علَّةٌ للنهيِ.
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾: لا يشذُّ منه أحدٌ، أو: مهلك، من قولِه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢].
والمرادُ: عذابُ يوم القيامةِ، أو عذابُ الاستئصالِ، وتوصيفُ اليوم بالإحاطةِ من باب الإسنادِ المجازيِّ، وهو أبلغ من وصفِ العذابِ بها؛ لأنَّه مشتمِلٌ على حوادثَ مع اشتمالِه على العذابِ، فإذا كان مهلِكًا فما اشتملَ عليه الحوادثُ كان مجتمعًا على المعذَّبِ في إهلاكِه.
* * *
_________________
(١) في (ك): "تقابل".
[ ٥ / ١٩٨ ]
(٨٥) - ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَ بالإيفاء بعد النهيِ عن ضدِّه قصدًا إلى تقبيحِ المنهيِّ وتعييبِه؛ لأن التصريحَ بالمنهيِّ عنهُ توبيخٌ للمنهيِّ وتعييرٌ لهُ يبتكر ويرجوا إلى القبولِ، فإذا وردَ الأمرُ بعدَه مصرَّحًا به كان أوقَع في نفسِه، وأسرعَ إلى القَبول والامتثالِ؛ لأنَّه ترغيبٌ وحثٌّ بعد ترهيبٍ وزجرٍ عن ضدِّه فكانَ أبلغَ.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ والتسويةِ من غير زيادةٍ ونقصانٍ، وإنما قيَّدَهما به قصرًا على ما هو الواجبُ، وتنبِيهًا على أن المطلوبَ من الإيفاءِ القسطُ، ولهذا قد يكونُ الفضلُ محرَّمًا كما في الربوياتِ.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ لأنَّ نقصَ الحقوقِ مُطلقًا أعمُّ من النقصِ في الكيلِ والوزنِ.
وكذا: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنَّه التمادي في أنواعِ الفسادِ، ودرجهم في النهي مما غلبَ عليهم إلى سائرِ القبائحِ.
ويجوزُ أن يرادَ بالعثي: البخسُ؛ مبالغةً وتعريضًا بأنه شرُّ أنواع الفسادِ.
وإنما قالَ: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ إخراجًا لمَا يقصَدُ به الإصلاحُ كما فعله الخضِرُ.
* * *
(٨٦) - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: ما يبقي عليكُم من الحلال بعدَ التنزُّه عما حرَّمَ عليكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما تجمعُونَ بالتطفيفِ ونقصِ الحقوقِ.
[ ٥ / ١٩٩ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: بشرطِ أن تؤمنوا، وإنما قيَّدَ به لظهورِ فائدتها معهُ، وإن كان معَ الكفرِ نجاةٌ عن تبِعَتها، وذلك لأن حصولَ الثواب بها مشروطٌ بالإيمانِ، ولا يظهَرُ على الكافر أثرُ النجاةِ من تبعة البخسِ لانغماسه (^١) في غمراتِ الكفرِ، وفي ذلك تعظيمٌ للإيمان وتنبيهٌ على جلالة قدرِه، وإيماءٌ إلى أنْ لا فائدةَ للحسنات بدونِه.
أو: إن كنتم مصدِّقين لي في نصحي إيَّاكُم.
وقيلَ: البقيةُ الطاعةُ؛ أي: ما يبقَى لكم عند اللهِ تعالى من الطاعاتِ خيرٌ مما يَفْنَى (^٢)؛ كقولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافتُها إلى اللهِ تعالى تعظيمٌ لها وتشريفٌ بنسبتِها (^٣) إليهِ.
وقرئ: (تَقيَّة) الله بالتاءِ (^٤)، وهي تَقْواه التي تَكُفُّ عن المعاصي والقبائحِ.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ تقديمُ الظرفِ وإيلاؤه حرفَ النفي وعيدٌ بليغٌ؛ أي: اللهُ حفيظٌ عليكم ومجازيكم بها لا أنا، إنما أنا نذيرٌ مبلِّغٌ، وقد أنذرتُ وبلَّغت ونصحتُ وأعذرتُ.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "لانغماره".
(٢) تحرفت في (ف) و(ك) إلى: "بقي".
(٣) في (م): "نسبتها"، وسقطت من (ك).
(٤) نسبت للحسن. انظر: "البحر المحيط" (١٢/ ٣٣٧).
[ ٥ / ٢٠٠ ]
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعارًا بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو (^١) عقلٍ.
وأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه ﵇ كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول (^٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ …﴾ الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.
وأما جمعُها فلأنه ﵇ كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعادًا منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها (^٣) على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.
ثم إنهم جعلُوه ﵇ مأمورًا بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو ﵇ قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضًا نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.
_________________
(١) في (ك): "و".
(٢) في (ف): "كما عرف الله تعالى عباده"، وكلمة "بقول" ليست في (ف) و(ك).
(٣) في (ف) و(ك): "إثباتها".
[ ٥ / ٢٠١ ]
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ عطفٌ على ﴿مَا﴾؛ أي: أو أن نترُكَ فعلنا ما نشاءُ في أموالنا، والعطفُ بـ ﴿أَوْ﴾ دون الواوِ للإشعار بأن الأمرَ بواحدٍ منهما على سبيل البدَلِ يكفي في التسفيهِ والنسبةِ إلى الضلالِ، فكيفَ إذا أمرَ بهما معًا؟ ولا يخفى ما فيه من الدلالةِ على أنهم كانوا آيةً في الجهالةِ، قد بلغوا غايةَ الضلالةِ.
وقرى بالتاء في (تفعل) و(تشاء) (^١) على أنَّ العطفَ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ (^٢).
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ تهكم به (^٣) وبفعلِه؛ لأنهم أرادوا وصفَه بغايةِ السفهِ والغَيِّ على ما يقتضيه السباقُ والسياقُ، فعكسُوا تهكُّمًا، كقولِ خزنَةِ جهنَّمَ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
وأما ما قيلَ: علَّلوا إنكارَ ما سمعوا منه واستبعادَه بأنه موسومٌ بالحلمِ والرشدِ (^٤) المانعَين عن المبادرةِ إلى أمثال ذلكَ، فيأباه ما في سياقِ الكلام من الإقدامِ على السخريةِ والاستهزاءِ من وجوهٍ شتَّى.
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) قراءة السلمي والضحاك بن قيس، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦١).
(٢) في هامش (ف): "هذا على ما ذكرناه، وأما على ما ذكروا من تقدير المضاف فالعطف على ذلك المقدر فتدبر، منه". قلت: والمراد بتقدير المضاف ما تقدم من أن المراد: (أصلاتك تأمرك بتكليف أن نترك)، وهذا التقدير للبيضاوي في "تفسيره" (٣/ ١٤٥).
(٣) في (ك): "تهكم به بهم".
(٤) في (ك): "بالحلم بالرشد".
[ ٥ / ٢٠٢ ]
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى ما آتاهُ من العلمِ والنبوَّةِ.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارةٌ إلى ما آتاه من المالِ الحلالِ، والتقييدُ بـ ﴿حَسَنًا﴾ للاحترازِ عن الرزقِ القبيحِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن الحرامَ رزقٌ.
وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه: فهل يسعُ لي مع هذا الإنعامِ الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجسمانية أن أخون في وحيِه، وأخالفَهُ عن أمرِه ونهيِه، وهو اعتذارٌ عما أنكروا عليهِ من الإقدامِ على تغيرِ المألوفِ، والنهيِ عن دين الآباءِ، ولا يخفى ما فيهِ من حُسن (^١) المراجعةِ، وحسن الاستنزالِ، ورفق الاستدعاءِ، ولذلك قالَ فيهِ ﵇: "ذلكَ خطيبُ الأنبياءِ" (^٢).
والضميرُ في ﴿مِنْهُ﴾ للهِ تعالى؛ أي: من عندِه وبإعانته بلا كدٍّ مني في تحصيلِه، فقد أدمجَ فيهِ الجوابَ عن قولهِم: (أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) على القراءةِ بالتاء فيهما.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: وما أُريدُ أن أقصِدَ إلى ما أنهاكم عنهُ من المعاصي والملاذِّ لأستبدَّ بها دونَكُم، فلو كان صوابًا لآثرتُه ولم أُعرِض عنهُ فضلًا عن أن أَنهى عنهُ، يُقالُ: خالفَني إلى كذا: إذا قصدَهُ وأنتَ مُولٍّ عنهُ، وخالفَني عنهُ: إذا ولَّى عنهُ وأنتَ قاصِدُه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما أريدُ إلا أن أصلِحَكم بموعظَتي ونصيحَتي ما أمكنَني، فلو وجدتُ الصلاحَ فيما أنتم عليهِ لمَا نهيتكم عنهُ.
_________________
(١) في هامش (ف): "لطف".
(٢) رواه الطبري في "تاريخه" (١/ ١٩٨) من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن أبي سلمة، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٧١) عن محمد بن إسحاق، وكلاهما مرسل. وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٤٢٩) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده إسحاق بن بشر وهو متروك.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
ولهذه الأجوبةِ الثلاثةِ على هذا النسقِ شأنٌ، وهو التنبيهُ على أن العاقلَ يجبُ عليه أن يراعيَ فيما يباشِرُه أحدَ ثلاثةِ حقوقٍ: أوَّلُها وأعلاها حقُّ اللهِ تعالى، وثانيها حقُّ نفسِه، وثالثها حقُ الناسِ، وكلُّ ذلك يقتضي أن آمرَكُم بما أمرتُكم بهِ، وأنهاكم عما نهيتُكم عنهُ (^١).
و﴿مَا﴾ مصدريةٌ واقعٌ موقعَ الظرفِ؛ أي: مدَّةَ استطاعتي، أو خبريةٌ بدلٌ من ﴿الْإِصْلَاحَ﴾؛ أي: إلا المقدار الذي استطعت منهُ، أو على تقديرِ حذف المضافِ؛ أي: إلا الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ.
أو مفعولٌ؛ أي: إلا أن أُصلحَ ما استطعتُ إصلاحه من فاسدِكم. وفيه: أن إعمالَ المصدرِ المعرَّفِ قليلٌ.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: وما توفيقي لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما آتي وما أذرُ إلا بتأييدِ الله تعالى ومعونَتِه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا على غيرِه، فإنه القادرُ على ما يشاءُ دون غيرِهِ، فإنَّ مَن عدَاه عاجزٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبارِ في الوجود فضلًا عن القدرَةِ.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لا إلى غيرِه.
وفي الآيةِ طلبُ التوفيقِ من الله تعالى لإصابة الحقِّ فيما هو بصددِه على أبلغ وجهٍ، وحسمٌ لإطماعِهم، وعدمُ المبالاة بهم، ومعاداتُهم بتوكُّلِه على الله تعالى، وتهديدُ الكفارِ بإتيانهم إليه تعالى للجزاءِ.
* * *
_________________
(١) في (ك): "يقتضي أن آمركم به وأنهاكم عنه".
[ ٥ / ٢٠٤ ]
(٨٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكسبنَّكُم ﴿شِقَاقِي﴾ معاداتي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرقِ ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفَةِ.
و﴿أَنْ﴾ بصلَتِها ثاني مفعولي (جرَم)، فإنه مثلُ كسبَ في معناه وتعدِيتهِ إلى مفعولٍ واحدٍ وإلى مفعولينِ.
وقرئ: (لا يُجْرِمَنَّكمْ) بضم الياءِ (^١)، من أَجْرمتُه: إذا جعلتَه جارِمًا (^٢)، وهو منقولٌ من (جرم) المتعدي إلى مفعولٍ واحدٍ، كما نقل: أكسَبهُ المالَ، من: كسبَ [المال]، والأول أفصَحُ، فإن أجرمَ أقلُّ دورانًا على ألسنة الفصحاءِ.
وقرئ: (مثلَ) بالفتحِ (^٣) لإضافته إلى المبنيِّ.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا أو مكانًا، فإنهم أقرَبُ الهالكين منهُم، أو: ليسوا ببعيدٍ منكُم في الكفر والمعاصي، وما يُستَحقُّ بهِ العقابُ، فحالكُم حالهُم، وإفراد البعيدِ قد مرَّ وجهُه (^٤)، فتذكَّر.
* * *
(٩٠) - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
_________________
(١) نسبت ليحيى بن وثاب، انظر: "المحتسب" (١/ ٣٢٧).
(٢) أي: من أجرمته ذنبًا، إذا جعلته جارمًا له، أي: كاسبًا. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٢١)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.
(٣) نسبت لمجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦١).
(٤) في هامش (ف): "في تفسير قوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ في هذه السورة. منه".
[ ٥ / ٢٠٥ ]
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد سبقَ ما يتعلَّقُ بهِ أيضًا.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾: عظيمُ الرحمةِ للتائبينَ ﴿وَدُودٌ﴾ بعبادِه يفعَلُ بهم من اللطفِ والإحسان ما يفعلُ البليغُ المودَّةِ بمن يودُّه، وهو (^١) وعد على التوبةِ بعدَ الوعيدِ على الإصرارِ؛ لشمولِ الدعوةِ وأخذِ الحبلِ بطرفَيهِ.
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ الفقهُ (^٢): فهمُ الكلام على ما تضمَّنَ من المعنى، وفي نفيه دونَ نفي الفهم دلالةٌ على أنهم لم يريدوا قصورَه في أداء الكلامِ، كما سبق إلى بعضِ الأوهام حيث قال في (^٣) وجهِ ما ذكِرَ: إنه ﵇ كان ألثغَ.
وإنما قالوا ذلكَ استهانةً بكلامِه حيث كنَوا بعدم فقهِهم ما قاله عن عدمِ دلالته على معنًى صحيحٍ، فنزَّلوه منزلة الهذيانِ والتخليطِ (^٤).
وفي التقييدِ بقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ إظهارُ التنزُّهِ عن المكابرةِ، وهذا أبلَغُ في المبالغةِ عن الكلام الخالي من ذلكَ القيدِ، ومن هذا القبيل قولُهم في وصف سيف الشجاعِ: يقطُر دمًا، دون: يسيلُ.
_________________
(١) "وهو" سقط من (ك).
(٢) "الفقه" من (ك).
(٣) "في" سقط من (ك).
(٤) في هامش (ف): "لا استهانةً به ﵇ كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول - لأنَّه لا يناسبه التقييد بـ ﴿كَثِيرًا﴾ كما لا يخفى. منه".
[ ٥ / ٢٠٦ ]
قيلَ: كانوا يفهمُونه ولكنَّهم لم يقبلُوه فكأنهم لم يفقَهوهُ، فلا يذهَبْ عليك أن هذا التنزيلَ إنما يناسِبُ اعتباره أن لو كان في الحكايةِ دون المحكيِّ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوةَ لك ولا عزَّةَ فيما بيننا، وفي قولهِ: ﴿فِينَا﴾ نوعُ تقويةٍ لما أرادوه من إثباتِ العجزِ له عن المدافعةِ، كأنهم يقولونَ: إنك لستَ بخارجٍ عنا حتى لا تَصِلَ إليك أيدينا، ولا قوةَ في نفسكَ، فلا مانِعَ ولا دافِعَ لا من جهةِ شأنكَ، ولا من جهةِ مكانِكَ، ولذلك قلَّلوا قومَه حيثُ جعلوهم رهطًا، والرهط من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وقيل: إلى السبعةِ.
وإنما قالوا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ احترامًا لهم لكونهم على ملَّتِهم، لا خوفًا منهم، ولدفع (^١) هذا الوهم عبروا عنه بالرهطِ دون العشيرةِ والقبيلَةِ ونحو ذلكَ.
والرجم: الرمي بالحجارةِ، والمرادُ قتلُهُ به، يعني: قتلناك شرَّ قتلةٍ بأصعبِ وجهٍ، وهذا ديدنُ السفيه المحجوجِ يقابلُ الحججَ والآياتِ بالسبِّ والتهديدِ.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: لستَ علينا بممتنِعٍ فلا نقدِرَ على رجمِك، وهذا هو المناسبُ لسياق الكلامِ، وعلى هذا لا مفهومَ فيهِ، ومن فهِمَ منه المفهوم قائلًا: (كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيز بل رهطُكَ هم الأعزةُ علينا)، فقد حمَلَ العزة على الكرامةِ على ما صرَّحَ بهِ حيث قالَ: (أي: لا تعزُّ علينا ولا تكرَمُ حتى نكرِمَك عن الرجمِ)، فقد غفِلَ عن أن المناسِبَ حينئذٍ أن يقولوا: عندَنا، بدلَ: ﴿عَلَيْنَا﴾.
ومنطوقُ قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أغنى عن اعتبارِ المفهومِ المذكورِ، لِمَا عرفت أن معناها: ولولا حرمَةُ رهطِكَ وعزتُهم عندنا لرجمناكَ، فاعتبارُه بعد هذا كالاستضاءَةِ بالمصباح بعدَ طلوعِ الصباحِ.
_________________
(١) في (ك): "ولرفع".
[ ٥ / ٢٠٧ ]
وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ (^١).
وأما ما قيلَ: وقد دلَّ إيلاء الضميرِ حرفَ النفي على أن الكلامَ واقعٌ في الفاعلِ لا في الفعلِ، كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطُكَ هم الأعزَّةُ علينا، ولذلكَ قال في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، ولو قيلَ: وما عزَزتَ علينا لم يصحَّ هذا الجوابُ.
فيرِدُ عليه أنه لا دلالةَ له في مفهومِ قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ على أنَّ رهطَهُ هم الأعزةُ، إنما دلالتُه على أنهم هم العزيزونَ؛ لأن المفهوم تابعٌ للمنطوقِ، والمنفيُّ عنه بطريقِ المنطوقِ إنما هو أصلُ العزةِ لا زيادَتُها.
ثم إن قولَهُ: (ولو قيلَ: وما عززت .. الخ) فقد مرَّ ما به يظهرُ أنه ليس بصوابٍ.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لما كان نبيًّا مبعوثًا من عندِ الله تعالى كانتِ الاستهانة به استهانةً باللهِ؛ لقولِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعَلَ كونَ رهطِه أعزَّ عليهم منه كونَهم أعزَّ من الله؛ لأنَّ أمرَهُ أمرُ اللهِ.
_________________
(١) في هامش (ف): "ومن وهم أنه للتعظيم فقد وهم لأنَّه لا يناسب المقام فإنهم في صدد الاستهانة به ﵇. منه".
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ويحتمِلُ الإنكارَ التوبيخيَّ، على أن المعنى: أرهطي أعزُّ عليكم من اللهِ في نظرِكم واعتبارِكم؟
والإنكارَ للإبطال (^١)، على أن المعنى: أنهم أعزُّ عليكُم منه تعالى في الواقعِ.
وعلى الأول يدخُلُ قولُه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أيضًا في حيِّزِ الاستشهادِ.
والاتخاذُ: أخذ الشيءِ لأمرٍ يستمرُ في المستأنَفِ؛ كاتخاذِ البيتِ، واتخاذ المركوبِ، فدلالتُه على المعنى المقصودِ أولى من دلالةِ الجعلِ عليهِ (^٢).
والظِّهريُّ منسوب إلى الظَّهرِ، كالإمسيِّ منسوبٌ إلى الأمسِ، والكسرةُ في مثل هذا من تغييراتِ النَّسبِ، والكنايةُ عن التركِ وعدم الاعتدادِ به قد (^٣) تمَّت بقولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ﴾ الإنذار (^٤)، وفيه بنسبتِه إلى الظهرِ إتمامٌ (^٥) لحقِّ المبالغةِ، وإفادةٌ لمعنى الإعراض عنه بالكليَّةِ.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: قد أحاط بأعمالِكُم علمًا، فلا يخفى منها شيءٌ، فهو يجازِيكُم عليها.
* * *
(٩٣) - ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
_________________
(١) في (ك) و(م): "الإبطال".
(٢) في هامش (ف) و(م): "ومن فسره به فقد نزل الكلام عن منزلته كما لا يخفى، منه".
(٣) في (ك) و(م): "فقد".
(٤) في (ف): "الأنذارا"، وفي (ك) و(م): "إلا إنذارا". ولعل المثبت هو الصواب.
(٥) في (م): "إيماء ما"، وتحرفت في (ك) إلى: "إنما هما".
[ ٥ / ٢٠٩ ]
﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سبقَ مثلُه في سورة الأنعامِ والفاءُ في ﴿فَسَوْفَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ثمةَ للتصريحِ بأن الإصرارَ والتمكُّن فيما هُم عليهِ سببٌ لذلكَ، وحذِفَ هاهنا للاستئنافِ؛ كأنه قيل: فماذا يكون إذا عمِلنا على مكانتنا وعملتَ أنتَ؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو أبلَغُ من الوصل بالفاءِ.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قياسُ الكلامِ: ومَن هو صادقٌ، بدل قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ليكونا قسمَين ينصرِفُ الأولُ إليهِم، والثاني إليهِ، لكنهم لما كانوا يدَّعُونه كاذبًا أجرى الكلامَ على مقتضى زعمِهم فقالَ: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾؛ أي: على زعمِكُم ودعواكم، وأراد (^١): سوفَ تعلمونَ مَن المعذَّبُ ومَن الكاذِبُ مني ومنكم؛ لأنهم كذَّبوه وأوعَدُوه.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾: وانتظروا ما أقولُ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظرٌ، فعيلٌ بمعنى الفاعلِ كالصريحِ، أو المراقبِ كالعشيرِ، أو المرتقِب (^٢) كالرفيعِ.
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ إنما (^٣) ذَكرَ ساقَتي (^٤)
_________________
(١) في (م): "أو أراد".
(٢) في (ك) و(م): "المتراقب"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق للمصادر. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٢٤)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ١٤٧)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٣٧).
(٣) في (ك): "فيما"، وفي (ف): "فما". والمثبت من (م) وهو الصواب.
(٤) في (ف) و(ك): "ساق"، وفي (م): "ساقي"، والمثبت من "الكشاف" (٢/ ٤٢٥)، والمراد: الخاتمتين.
[ ٥ / ٢١٠ ]
قصةِ عادٍ وقصة مدينَ بالواو، وساقَتي (^١) قصةِ ثمودَ ولوطٍ بالفاءِ؛ لأنَّه لم يسبِق فيهما وعدٌ يقتضي التسبيبَ فحقُّهما أن يُعطَفا بحرف الجمعِ عطفَ قصةٍ على قصةٍ، وأما في قصةِ ثمودَ ولوطٍ فقد سبقَ وعدٌ يقتضِي التسبيبَ وهو قولُه في الأولى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وفي الثانية: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فجيءَ بهما، كما تقولُ: وعدتُه فلما جاء الميعادُ كان كيتَ وكيتَ.
﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ صيحةً.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فهلكُوا بحيث لم يبرَحْ.
* * *
(٩٥) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا في ديارِهم متردِّدين في تصرفاتهم.
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ إنما شبَّهَهم بثمود في هلاكِهم لأنهم أيضًا أهلكوا بالصيحةِ، إلا أن صيحَتهم كانت من تحتِهم، وصيحة مدينَ كانت من فوقِهم.
وقرئ: (بَعُدَتْ) بالضمِّ على الأصلِ (^٢)، فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيصِ معنى البعدِ بما يكونُ بسببِ الهلاكِ، والبُعْدُ مصدرٌ لهما (^٣)، والبَعَد مصدرُ المكسورِ.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(ك): "وساق".
(٢) نسبت للسلمي وأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦١)، و"المحتسب" (١/ ٣٢٧)، و"البحر" (١٢/ ٣٤٩).
(٣) في (ك): "مصدرهما".
[ ٥ / ٢١١ ]
(٩٦ - ٩٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ له على صدقِ نبوَّتهِ.
يجوزُ أن يكون المرادُ بالآياتِ: المعجزاتُ، و(سلطان مبين) هو العصا، وإفرادُها (^١) بالذكرِ لأنها أبهرُها.
ويجوزُ أن يُرادَ بهما واحدٌ؛ أي: ولقد أرسلناه بالجامعِ بين كونها آياتٍ، وكونها سلطانًا له على صحَّةِ دعواهُ.
والفرقُ بينهما: أنَّ الآياتِ تعمُّ الأماراتِ والدلائلَ القاطعةَ، والسلطانُ يختصُّ بالقاطع (^٢)، والمبينُ: ما فيه جلاءٌ.
ومَن وهَم أن المرادَ من الآيات التوراةُ فقد وَهِم، وما فَهِم أنَّ قولَه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ يأباهُ؛ لأنَّ التوراة نزولُها إنما كان بعدَ هلاك فرعونَ وملئهِ.
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى، أو: فما اتَّبعوا موسى الهادي إلى الحقِّ المؤيَّدِ بالمعجزات الباهرةِ، واتبعوا طريقةَ فرعونَ البيِّنِ الضلالِ والطغيانِ لفرطِ جهلِهم وغَباوتهم، فإنه ادَّعى ما لا يخفَى على مَن له أدنى تمييزٍ وفطنةٍ إحالتُه (^٣)، وهو الإلهيةُ مع كونه بشرًا حادثًا مثلَهم.
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: بمرشِدٍ، أو: بذي رَشَدٍ، إنما هو على صريح ضلالٍ لا رشدَ فيهِ.
_________________
(١) في (ك): "وأفردها".
(٢) في (ف): "القاطع".
(٣) في (م): "أصالته".
[ ٥ / ٢١٢ ]
(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّمُهم إلى النارِ كما كان تقدَّمهم (^١) في الدنيا إلى الضلالِ؛ يقالُ: قَدَمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ، ومنهُ قادِمةُ الرحلِ، كما يُقالُ: قَدَّمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ (^٢)، ومنهُ مقدِّمةُ الجيشِ.
تفسيرٌ وبيانٌ لعدمِ كونِ أمر فرعونَ (^٣) بصوابٍ حميدِ العاقبةِ، وعُدلَ إلى الماضي فيما عُطفَ عليهِ فقيل: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ مبالغةًّ فَي تحقُّقِ وقوعِه، وشبِّه في جرِّهم إلى النارِ بالفارطِ الذي يتقدَّمُ الواردة، وأتباعُه بالواردةِ الحِراص على الماءِ.
ونزَّلَ (^٤) النارَ لهم منزلةَ الماء فسمَّى إتيانها موردًا، ثم قالَ: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؛ أي: بئسَ المورودُ الذي وردُوه، فإنهُ يرادُ لتبريدِ الاكبادِ وتسكِين العطشِ والنارِ بالضدِّ (^٥).
* * *
(٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في هذه الدُّنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُلعنونَ في الدنيا والآخرةِ.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: رِفدُهم، والرفدُ
_________________
(١) في (ك): "يقدمهم".
(٢) "بمعنى تقدمه" زيادة من (ك).
(٣) بعها في (م): "برشيد".
(٤) في (م): "ونزول".
(٥) في (ك): "بالعكس".
[ ٥ / ٢١٣ ]
هو العطيةُ، وأصلُه: الذي يعينُ بهِ على المطلوبِ، قال قتادةُ: تزايدَتْ عليهم لعنتانِ من الله تعالى: لعنةٌ في الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (^١). وكلُّ شيء جعلتَه عونًا لشيءٍ فقد رفدتَه به.
* * *
(١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ خبرُه؛ أي: ذلك النبأُ بعض أنباءِ القرى المهلَكة.
﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ؛ أي: مقصوصٌ عليك (^٢).
﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها؛ أي: بعضُها باقٍ على أمكنَتِها كالزرعِ القائمِ على ساقٍ، وبعضها باقي الأثرِ كالزرعِ الحصيدِ.
* * *
(١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكِنا إياهُم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ الشركِ والمعاصي التي أُهلِكوا بها.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: فما قدرَت أن تدفعَ عنهم بأسَ الله تعالى آلهتُهم ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ أي: التي كانوا يعبُدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: أصنامُهم التي اعتقدُوها آلهةً معبودةً.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٦٦).
(٢) "عليك" سقط من (ك).
[ ٥ / ٢١٤ ]
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: غناءً قليلًا.
﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: حين جاءَ عذاُبه ونِقمتُه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسيرٍ.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلكَ الأخذِ ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾ وقرئ: (أخَذَ ربُّكَ) بالفعلِ (^١) ويكونُ محلُّ الكافِ النصبَ على المصدرِ.
﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾؛ أي: أهلَها، وقرئ: (إذ) (^٢) لأن المعنى على الماضي.
﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ حالٌ من القُرى، وهي في الحقيقةِ لأهلِها، لكنها لما أقيمت مُقامها أُجريَت عليها، وفائدتها الإشعارُ بأنهم أُخِذوا بظلمِهم، وإنذارُ كلِّ ظالمٍ ظلمَ نفسَهُ أو غيرَه من وخامةِ العاقبةِ.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ من بابِ الإسنادِ المجازيِّ؛ لأنَّ الأخذ مؤلمٌ؛ كقولِه: ضربٌ وجيعٌ، ومعناهُ: صعبٌ على المأخوذِ حتى كان الآخذ تألَّمَ (^٣) مِن صعوبَتِه، ولا يخفى ما فيهِ من المبالغةِ في التهديدِ والتحذيرِ.
* * *
(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
_________________
(١) نسبت للجحدري وأبي رجاء العطاردي، انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٥٧٢)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ٢٠٦).
(٢) نسبت للجحدري، انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٥٧٢).
(٣) في (ك): "أليم".
[ ٥ / ٢١٥ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما نزلَ بالأممِ الهالكةِ، أو فيما قصَّهُ اللهُ تعالى ﴿لَآيَةً﴾ لعبرةً ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ لأنهُ ينظُرُ إلى ما نزَلَ بهم بسببِ ذنوبِهم فيعتَبرُ بهِ حالَ الآخرة، ويَعلم من شدَّتهِ شدةَ العذابِ الموعودِ وعظَمهِ فينزَجرُ، وأما الذي ينكِرُ الآخرةَ، أو لا يخطُرُ بباله أهوالها، فلا حظَّ لهُ من ذلك الاعتبارِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامةِ لدلالة عذابِ الآخرةِ عليهِ.
﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ للحسابِ والجزاءِ، و﴿النَّاسُ﴾ فاعلٌ مجموعٌ؛ كأنهُ قيلَ: يومٌ يجمَعُ له الناسُ، والعدولُ من لفظ الفعلِ إلى لفظِ اسمِ (^١) المفعولِ للدلالة على ثباتِ معنى الجمعِ لليومِ، وأنهُ موصوفٌ به صفةً لازمةً لا محالةَ، وأنَّه أثبتُ لإسناد الجمعِ إلى الناسِ؛ لأنَّه يفيدُ أنهم لا ينفكُّون عن الموصوفِ الذي هو ظرفٌ لهم، فهو أبلَغُ من قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩].
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾؛ أي: مشهودٌ فيه، فاتُّسعَ في الظرفِ بإجرائه مجرى المفعولِ بهِ؛ أي: تَشهَدُ فيه الخلائقُ الموقفَ، لا يغيبُ عنه أحدٌ، والمرادُ بالمشهودِ: الذي كثُرَ شاهدوه، كما يقالُ: لفلانٍ مجلسٌ مشهودٌ، وطعامٌ محضورٌ، يريدون الكثرةَ.
ولو جعِلَ اليومُ مشهودًا في نفسِهِ لفاتَ الغرَضُ: وهو التعظيمُ لليومِ وتميُّزُه فإن سائرَ الأيام كذلكَ، والتهويلُ الحاصلُ من عدَمِ ذكر المشهودِ.
* * *
(١٠٤) - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.
_________________
(١) "اسم" سقط من (ك).
[ ٥ / ٢١٦ ]
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: اليومَ ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: إلا لانتهاءِ مدةٍ معهودةٍ (^١) قليلةٍ، على حذفِ المضافِ، وإرادةِ مدَّة التأجيلِ كلِّها بالأجَلٍ، لا منتهاها فإنه غيرُ معدودٍ.
* * *
(١٠٥) - ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَ يَأْتي﴾ وقرئ بكسرِ التاءِ والاكتفاءِ بالكسرة عن الياءِ (^٢)، والفاعلُ هو الله تعالى؛ كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويؤيده قراءةُ: (وما يؤخِّره) بالياءِ (^٣) وقولُهُ: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أو اليوم كقولِه: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (^٤) [يوسف: ١٠٧]، والمرادُ من إتيانِ اليومِ: إتيانُ أهوالِه (^٥) وشدائدِه، فلا يلزَمُ أن يكونَ الزمانُ ظرفًا لنفسِه.
والعاملُ في الظرفِ: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ أو الانتهاء المحذوف؛ أي: ينتهي الأجلُ يومَ تأتي، فلا حاجةِ إلى تقديرِ: اذكُر.
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾: لا تتكلمُ بما ينفَعُ وينجي من جوابٍ أو شفاعةٍ.
﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: إلا بإذنِ الله تعالى؛ كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهذا في موقفٍ، وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] في
_________________
(١) في (ك): "معدودة".
(٢) قرأ عاصِم وابن عامر وحمزة: ﴿يَأتِ﴾ بِغَيْر ياء، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وأثبتها في الوصل نافع وأبو عَمرو والكسائيّ. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٧).
(٣) نسبت للأعمش. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٢٠٦)، و"البحر" (١٢/ ٣٥٩).
(٤) في النسخ: "إلا أن تأتيهم الساعة"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.
(٥) في (ك): "هوله".
[ ٥ / ٢١٧ ]
موقفٍ آخرَ، وقولُه: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ (^١) في موقفٍ آخرَ، وقوله: ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٦٥] في موقفٍ آخرَ.
ولما كان القولُ بتعدُّدِ المواقفِ مما لا بدَّ منه توفيقًا بين الآيات المذكورةِ فلا حاجةَ إلى تخصيصِ الممنوعِ عنه بالأعذارِ الباطلةِ، والمأذونِ فيه بالجواباتِ الحقة، بل لا وجه لهُ؛ لأن الشفاعةَ أيضًا مأذونٌ فيها، وليسَت من جنس الجوابِ.
﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ المذكورِ، أو لأهلِ الموقفِ المدلولِ بقولِه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾.
﴿شَقِيٌّ﴾ وجبَت له النارُ بمقتضَى الوعيدِ؛ تفصيلٌ لما فهِمَ من قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ انقسامُهم إلى قسمين إجمالًا، وتقديمُ الشقيِّ على السعيدِ لأنَّه المفهومُ أولًا في مرتبة الإجمالِ.
﴿وَسَعِيدٌ﴾: وجبَت له الجنةُ بمقتضَى الوعدِ، والأصلُ: ومنهم سعيدٌ، فحذِفَ (منهم) اختصارًا، والتنكيرُ فيها للنوعيةِ.
* * *
(١٠٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ شروع في تفصيلِ أحوالِ الصنفَينِ المذكورَين بعدَ تفصيلِهما.
﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ تقديم الظرفَين (^٢) للتخصيصِ ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفيرُ: إخراج النفَسِ،
_________________
(١) في النسخ: "يجادلون عن أنفسهم"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.
(٢) في (ك): "الظرف".
[ ٥ / ٢١٨ ]
والشهيقُ: ردُّهُ، واستعمالهما في أولِ الشهيقِ وآخرِه، وهما من أصواتِ المكروبين، ففيهِ تشبيهُ حالهم بحالِ مَن استولتِ الحرارةُ على قلبهِ، وانحصَر فيهِ روحُه؛ للدلالةِ على شدَّةِ كربهم وغمِّهم.
* * *
(١٠٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ انتصابُ ﴿خَالِدِينَ﴾ على أنها حالٌ مقدَّرةٌ، و﴿مَا﴾ مصدريَّةٌ ظرفيةٌ؛ أي: مدةَ دوام السماواتِ والأرضِ.
والمراد بهذا التوقيتِ التأبيدُ، على طريقةِ العربِ في قولهم: ما أقام ثبيرٌ، وما لاح كوكَبٌ، وغير ذلكَ مما يذكرُونَه في مقام المبالغةِ في نفي الانقطاعِ، ولا يسبِقُ إلى الفهمِ منها إلا التأبيدُ، لا تعليقُ مدَّتها بمدةِ بقائها.
ويجوزُ أن يرادَ التعليقُ، على أن المرادَ من السماوات والأرضِ: سماواتُ الآخرةِ وأرضُها، فإنه لا بدَّ لأهلِها من مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، ولا يلزَمُ في (^١) التعليق بهما علمُنا بكيفياتهِما، بل يكفي تعقُّلُ أبديَّتِهم بين مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، وهو معلومٌ من النصوصِ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وليسَ فيه تشبيهُ ما يُعرَفُ بما لا يعرفُ كما توهِّمَ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلودِ في عذاب النارِ؛ لأن الكفارَ يُنقلونَ من حرِّ النار إلى بردِ الزمهريرِ، والردُّ بأن النارَ عبارةٌ عن دارِ العقابِ غيرُ واردٍ؛
_________________
(١) في (ك): "من".
[ ٥ / ٢١٩ ]
لأنَّا لا ننكِرُ استعمال النارِ فيها تغليبًا، أما دَعوى الغلبةِ حتى يُهجَر الأصلُ فكلَّا، ألا يُرى إلى قولِه تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وكم كم (^١)؟
وأمَّا ما قيلَ: لأن بعضَهم وهو فسَّاقُ الموحِّدين يخرُجون منها، وذلك كافٍ لصحَّةِ الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكمِ عن الكلِّ يكفيهِ زوالُه عن البعضِ، وهم المرادُ بالاستثناءِ الثاني فإنهم مفارِقون عن الجنَّةِ أيامَ عذابِهم، فإن التأبيدَ من مبدأ معيَّنٍ ينتقِضُ باعتبارِ الابتداء كما ينتقِضُ باعتبارِ الانتهاء.
ففيه: أنَّ موجِبَ ذلك اندراجُ الفسَّاقِ في القسمَينِ فيفوتُ ما قُصِدَ بالتنكيرِ من التنويعِ والتميزِ بينهُما بحيث لا يندرِجُ أحدُهما في حكمِ الآخرِ، والتقابلُ المتعارَفُ بينهُما المفهومُ (^٢) من قولهِ ﵊: "السعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ، والشقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه" (^٣) يأبى عن الجمعِ بينهُما بالاعتبارَينِ.
ثم إن الزفيرَ والشهيقَ من خواصِّ الكفارِ، وعلى ما ذكِرَ يلزَمُ تشريكُ الفساقِ معهم فيها (^٤).
وأما ما ذكرَهُ ثانيًا ففيهِ: أنه لا دلالةَ في اللفظِ على المبدأ المعيَّنِ، ولو سلِّمَ فالاستثناءُ يقتضي إخراجًا عن حكمِ الخلودِ، وهو لا محالةَ بعد الدخولِ، ولا يجوزُ
_________________
(١) نقله الآلوسي في "روح المعاني" (١٢/ ١١٥ - ١١٦) بحرفه عن "الكشف" للقزويني.
(٢) "المفهوم" ليست في (ك).
(٣) رواه البزار في "مسنده" (٢١٥٠) من حديث أبي هريرة، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٩٣)، وطرفه الأول رواه مسلم (٢٦٤٥) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، ورفعه ابن ماجه (٤٦) بإسناد ضعيف كما قال البوصيري في "الزوائد".
(٤) "فيها" سقط من (ك).
[ ٥ / ٢٢٠ ]
أن يكون الاستثناءُ من قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ لأنَّ حق النظمِ حينئذٍ أن يقدَّمَ قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ على قولِهِ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلا يتَّجهُ الاعتراضُ عليهِ في تخصيصِه بعضَ أوقات الشقاءِ بأحدِ نوعَي العذابِ، وبعضَها بنوعِه الآخَرِ.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وقرئ: ﴿سُعِدُواْ﴾ على البناء للمفعول (^١) من: سَعَده اللهُ، بمعنى: أسعدَهُ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال الزجَّاجُ: هذا من باب: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] و﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] (^٢).
وقيل: أهل الجنةُ ينعَّمونَ بما هو أعلى من الجنةِ؛ كالاتِّصالِ بجناب القدسِ، والفوزِ برضوان اللهِ تعالى ولقائه. ورُدَّ بأن ما ذُكرَ يحصُلُ وهم في الجنةِ، فيأبى الاستثناء.
﴿عَطَاءً﴾ نصبٌ على المصدرِ المؤكِّدِ؛ أي: أُعطوا عطاءً، أو الحالِ من الجنةِ.
﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غير مقطوعٍ، وهو تصريحٌ بأن الثوابَ لا ينقطِعُ، وتنبيهٌ على أن المرادَ من الاستثناءِ هاهنا ليس الانقطاعَ، وقولُه في الأشقياءِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا
_________________
(١) قراءة حفص وحمزة والكسائي، والباقون على البناء للمعلوم. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ٧٩)، و"فتوح الغيب" للطيبي (٨/ ٢٠٣)، و"روح المعاني" (١٢/ ١١٨).
[ ٥ / ٢٢١ ]
يُرِيدُ﴾ في مقابلةِ هذا القولِ في السعداءِ يرجِّحُ نقل الأشقياءِ إلى ما هو أغلَظُ من عذاب النارِ من عقوباتٍ يقتَضِيها سخَطُ اللهِ تعالى، وما يعلمها إلا هو.
* * *
(١٠٩) - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ المريةُ: التردُّدُ الحاصِلُ مع الشكِّ، لما قصَّ ﵇ قصصَ عبدةِ الأوثانِ وما حلَّ بهم من أنواعِ العذابِ والنقَمِ أقبلَ عليه مسلِّيًا (^١) بقولِه هذا؛ أي: لا تكُن في تردُّدٍ بعدما أُنزِلَ إليكَ من (^٢) سوءِ عاقبة قومِكَ، ووبالِ عبادتهم الأوثانَ.
﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: من عبادةِ هؤلاء المشركينَ في أنها ضلالٌ مؤدٍّ إلى مثل ما حلَّ بمن قبلَهم ممن قصَصْتُ عليكَ سوءَ عاقبةِ عبادَتِهم، أو من حالِ ما يعبدون في أنه يضرُّ ولا ينفَعُ.
﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ استئنافٌ لتعليل النهي من المريةِ؛ أي: إن حالهم في الشركِ مثلُ حالِ آبائهم من غيرِ تفاوتٍ، وقد بينَّا لك ما نزلَ بآبائهم بسببِه، فينزِل (^٣) عليهم مثلُه؛ لأن التماثُلَ في الأسبابِ يقتضي التماثلَ في المسبَّباتِ.
ومعنى ﴿كَمَا يَعْبُدُ﴾: كما كان يعبد، فحذِفَ لدلالةِ ﴿قَبْلُ﴾ عليهِ.
_________________
(١) في (ف): "متلبسًا"، وفي (م): "متسليًا".
(٢) في (ك) و(م): "في".
(٣) في (ك) و(م): "فينزلن".
[ ٥ / ٢٢٢ ]
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: حظَّهم من العذابِ كما وفَّينا آباءهم أنصباءَهم، أو من الرزق فيكونُ عذرًا لتأخيرِ العذابِ عنهم (^١) مع قيامِ مُوجِبِه.
﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ نصب حالًا عن النصيبِ تقييدًا له؛ لدفعِ احتمالِ أن يكونَ منقوصًا في حدِّ نفسِه عما يستحقُّونَه، وتَوفِّيه لا يدفَعُ هذا الاحتمالَ، ومَن لم يتنبَّه لهذا قالَ: إنهُ لتقييدِ التوفيةِ؛ فإنك تقولُ: وفيتُه حقَّهُ، وتريدُ به وفاءَ بعضِه ولو مجازًا.
وأمَّا مَن قالَ (^٢): يجوزُ أن يوفَّى وهو ناقصٌ، ويوفَّى وهو كاملُ، ألا تراكَ تقولُ: وفيتُه شطرَ حقِّهِ، وثلُثَ حقِّه، وحقَّهُ كاملًا وناقصًا= فلم يُصِب في التنويرِ؛ لأن أوَّلهُ بمعزِلٍ عما فيه الكلامُ، وآخرَه ليس بتمام؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
* * *
(١١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فآمَن به قومٌ، وكفر به قومٌ، كما اختلَف هؤلاء في القرآن.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاءٌ سبقَ بتأخيرِهم إلى يوم القيامةِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بينَ قوم موسى ﵇، أو: بينَ قومِكَ، وميّزَ بين المحقِّ والمبطِل.
﴿وَإِنَّهُمْ﴾: وإن كفَّارَ قومِكَ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: من القرآنِ ﴿مُرِيبٍ﴾: موقعٍ في الريبةِ والقلَقِ، وهذه الآيةُ من جملة التسليةِ له ﵇.
_________________
(١) "عنهم" سقط من (ك).
(٢) هو الزمخشري. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٢).
[ ٥ / ٢٢٣ ]
(١١١) - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: التنوينُ عوَضٌ عن المضاف إليهِ؛ أي: جميعُ المختلفينَ فيهِ المؤمنينَ والكافرينَ، وقرئ بالتخفيف (^١) على إعمالِ المخفَّفةِ اعتبارًا للأصلِ.
﴿لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾: اللام الأُولى موطِّئةٌ للقسَمِ والثانية للتأكيدِ، أو بالعكس، و(ما) مزيدةٌ بينَهُما للفصلِ.
وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (^٢) على أن أصلَهُ: (لَمِن ما) فقلبَتِ النونُ ميمًا للإدغامِ، فاجتمعَتْ ثلاثُ ميماتٍ، فحذفَت أولاهن، والمعنى: لَمِن الذين يوفينَّهم ربُّكَ جزاءَ أعمالهم.
وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتنوين (^٣)؛ أي: جمعًا، وقرئ: (وإنْ كلٌّ لمَّا) على أنَّ (إنْ) نافية و(لمَّا) بمعنى: إلا (^٤)، وقد قُرئ به (^٥).
﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يفوتُ شيءٌ منهُ وإن خَفِي.
* * *
(١١٢) - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لمَّا بيَّنَ أمرَ المختلِفِين في التوحيدِ والنبوةِ، وبالغَ في الوعد والوعيدِ، أمر نبيَّهُ ﵇ بالاستقامةِ كما أُمرَ به في العقائدِ والأعمالِ من
_________________
(١) قراءة نافع وابن كثير وأبي بكر، والباقون: ﴿وَإِنَّ﴾ بالتشديد. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٦).
(٢) قراءة عاصم وحمزة وابن عامر، وخففها الباقون. انظر: "التيسير" (ص: ١٢٦).
(٣) نسبت للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦١).
(٤) نسبت لأبي. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٢).
(٥) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٢).
[ ٥ / ٢٢٤ ]
وظائفِ العباداتِ، والتبليغِ كما أُنزِلَ إليهِ، وبيانِ الشرائعِ جامعًا بين التنزيهِ والتشبيهِ في التوحيد (^١)، محترِزًا عن الإفراطِ والتفريط في الأعمالِ، محتاطًا في التبليغِ والتشريعِ، والفاءُ للسببيةِ؛ أي: إذا كان جزاءُ الكلِّ عليهِ لا عليكَ، فاستقِم أنت فيما أُمِرت بهِ، والكافُ في محلِّ النصبِ صفةٌ للمصدرِ؛ أي: استقامةً مثل الاستقامةِ التي أُمِرت بها.
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: عطفٌ على المستترِ في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وحسُنَ من غيرِ تأكيدٍ للفصلِ؛ أي: فليستقِم مَن تاب معكَ من الكفرِ، وآمَن في اتِّباعه في العقائدِ والأعمالِ سالكًا سبيلَ الأمرَينِ دونَ ما هوَ مخصوصٌ بهِ ﵇.
ولِمَا في هذه الضَّميمَةِ من تبليغِ ذلكَ الأمرِ العسير إلى غايةِ العسرِ (^٢) قالَ النبيُّ ﵇: "شيَّبتْني سورةُ هودٍ" (^٣)؛ أي: خصَّ هذه السورةَ بالذكرِ، وإلا فالأمرُ بالاستقامة واردٌ في سورة الشعراءِ.
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجُوا عما حدَّ لكم فتعتَدوا.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو مجازِيكم به، وهو في معنى التعليلِ للأمرِ والنهيِ.
_________________
(١) "في التوحيد" من (م). ولعل المراد من العبارة: (جامعًا بين التنزيه والتأويل)، على مذهب الخلف، أما البيضاوي فعبارته: (كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونًا من الطرفين) وقال الشهاب: (والتوسط بين التشبيه والتعطيل - أي: للصفات - هو مذهب أهل الحق). انظر: "حاشية الشهاب" (٥/ ١٤٢).
(٢) في (ك): "العسر غاية العسر"، وفي (ف): "العسر" وسقط الباقي.
(٣) رواه الترمذي (٣٢٩٧) وحسنه من حديث ابن عباس ﵄، ولفظه: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت".
[ ٥ / ٢٢٥ ]
وفي الآيةِ دليل على وجوب اتباعِ النصوصِ من غيرِ تصرُّفٍ وانحرافٍ بمجرَّدِ الرأي، وأما التصرُّفُ بمقتضى الاجتهادِ فيما يُحتاج إليهِ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ، بل مأمورٌ به على ما وردَ به النصوصُ، والتصرُّفُ بالقياسِ والاستحسانِ من المجتهدينَ من هذا القبيلِ.
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الركونُ: الميل اليسيرُ؛ أي: ولا تميلوا ميلًا مّا إلى مَن وجِدَ منه ظلمٌ، ولم يقل: إلى الظالمينَ للمبالغةِ في النهيِ، كأنه قيلَ: لا يوجد منكُم أدنى ميلةٍ إلى مَن صدرَ منهُ وقتًا مّا ظلم مّا فضلًا عن الميلِ الكثيرِ إلى الذين عادتُهم الظلمُ، فكيفَ بالظلمِ؟
ويتناوَلُ مصاحبَتهم، ومداهنتَهم في أعمالِهم، والانحطاطَ إلى هواهُم، والتزيِّيَ بزيِّهم، ومدَّ العين إلى زمرتِهم، وتعظيمَهم (^١)، وإنما قالَ: ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ دون: إلى الذي ظلَمَ؛ لأن كونَهم جماعةً مظِنَّةُ الرخصةِ في مداهَنتِهم، فالنهيُ عن ركونِهم أبلَغُ، والآيةُ أبلغُ ما يتصوَّرُ في النهي عن الظلم والتهديدِ عليهِ.
﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بالركونِ إليهم، وخطابُ الرسولِ ﷺ للتثبيتِ على الاستقامةِ التي هي العدلُ، وإيعادُهم بالنار مع سلبِ الولاية والنصرة عنهُم عند أدنى انحرافٍ منهم عن جادَّةِ العدلِ إلى مَن وجِدَ منهُ ضدُّهُ، مع كونِه ﵇ أحبَّ الخلائق
_________________
(١) في (ف) و(م): "وتعظمهم".
[ ٥ / ٢٢٦ ]
إليهِ، زيادةُ تأكيدٍ في المبالغةِ، فإن الميل إلى أحدُ طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ في نفسِه سواءٌ كان على نفسِ الظالم أو غيره.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: من أنصارٍ يمنعونَكُم مِن عذابهِ، حالٌ من قولِه: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وإنما أتى بصيغَةِ الجمعِ لمكان ﴿لَكُمْ﴾ وإلا فنفيُ المفرَدِ أبلغُ.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ هو أيضًا إذا سبقَ حكمُهُ بتعذيبِكُم فلا يبقى عليكُم، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ استبعادُ نصرَتِه لهم بعدَ الحُكمِ باستيجابِهم العذابَ.
* * *
(١١٤) - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: غدوةً وعشيةً، وانتصابُه على الظرفيةِ لإضافتِه إلى الوقتِ.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وساعاتٍ منه قريبةٍ من النهارِ، فإنه مِن أزلفَه إذا قرَّبهُ، وهو جمع زلفةٍ، عطفٌ على طرفي النهارِ، وإن فسر بـ: قُرَب (^١)، فالوجهُ أن يعطفَ على ﴿الصَّلَاةَ﴾ (^٢)؛ أي: وأقم صلواتٍ تتقرَّبُ بها إلى اللهِ تعالى في بعض الليلِ، وصلاةُ الغدوة: الفجرُ، وصلاة العشية: الظهرُ والعصرُ؛ لأن ما بعد الزوالِ عشيٌّ، وصلاة الزُّلَفِ: المغربُ والعشاءُ.
_________________
(١) في النسخ: "بقربى"، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٥)، وفيه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وقُرَبًا من الليل …). وضبطها من نسخة خطية ضبطها جيد لـ "الكشاف".
(٢) أي: أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفًا من الليل. انظر المصدر السابق.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
وقرئ: (زُلْفَى) بمعنى: زُلفَة (^١)؛ كقُربى وقُربةٍ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: يكفِّرنها، وفي الحديثِ: "إن الصلاةَ إلى الصلاةِ كفارةٌ لما بينهُما ما اجتنبتِ الكبائرُ" (^٢)، أو ينفينَ السيِّئاتِ بمعنى: يُزِلن استعدادَ ارتكابِها كقولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قولهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وما بعدَه ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾: عظةٌ للمتَّقينَ.
* * *
(١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ﴾ كرَّرَ التذكيرَ بالصبرِ بعد ما جاءَ بما هو خاتمةٌ للتذكيرِ؛ للدلالةِ على فضيلة الصبرِ وزينتِه (^٣)، والتنبيهِ على علوِّ شأنِه ومكانتِه، كأنهُ قالَ: وعليكَ بما هو أهمُّ بما ذكِّرت بهِ، وأخَصُّ بالتوصيةِ في بابه، وهو الصبرُ على امتثالِ ما أُمِرتَ بهِ، والانتهاءِ عما نهيتَ عنهُ، فلا يتمُّ شيءٌ إلا به.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: تعميمٌ كالتعليلِ بالبرهانِ للأوامرِ والنواهي المذكورةِ من قولِهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾، وإنما عدلَ عن الضميرِ إيماءً إلى أن الصلاةَ والصبرَ إحسانٌ إلا أنه لا يُعتدُّ بهما دونَ الإخلاصِ به.
* * *
_________________
(١) نسبت لمجاهد وابن محيصن. انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٢١٢).
(٢) رواه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (ك): "ومرتبته".
[ ٥ / ٢٢٨ ]
(١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ (لولا) هنا للتحضيضِ، ضمَّنَها معنى التوجُّعِ والتأسُّفِ الذي ينبغِي أن يقعَ من البشرِ على هذه الأممِ الذي لم تهتَدِ.
﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أولو فضلٍ وصبرٍ، وإنما سمِّي بقيةً لأن الرجل يستبقِي مما يخرجِهُ (^١) أجودَه وأفضلَهُ، فصارَ مثلًا في الجودة والفضلِ، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجالِ بقايا، وقوله ﵇ في العباس ﵁: "هذا بقيَّةُ آبائي" (^٢).
ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا كالتقيَّة (^٣)؛ أي: ذوو إبقاءٍ على أنفُسِهم وصيانةٍ لها من العذابِ، ويؤيدهُ أن قرئ: (بَقْيَةٍ) (^٤)، وهي المرةُ مصدرُ بَقَاه يَبْقِيهِ: إذا راقبه.
﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرونِ نهوا عن الفساد وأكثرُهم تاركون للنهيِ، على أن (مِن) للبيانِ لا
_________________
(١) في (ف): "مما يحترمه".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٢١٢) عن مجاهد مرفوعًا مرسلًا، والطبراني في "الكبير" (١١١٠٧) من حديث ابن عباس، وفي "الأوسط" (٤٢٠٩) من حديث الحسن بن علي، ﵃، وفي إسناديهما ضعف.
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥١). وعند غير البيضاوي فيه تفصيل، ولفظه: (ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى). انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٧)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٤٦)، و"روح المعاني" (١٢/ ١٥٥).
(٤) ذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٧).
[ ٥ / ٢٢٩ ]
للتبعيضِ؛ لأن النجاةَ إنما هي للناهينَ وحدَهم؛ لقولِه: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
ولا يجوزُ أن يكون الاستثناءُ متَّصلًا على الظاهر؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّه يكونُ تحضيضًا لأولي البقية على النهيِ عن الفسادِ إلا للقليلَ من الناجينَ منهم (^١)، ولكن إن استثني من النفي اللازمِ للتحضيض جازَ كونُه متصلًا؛ كأنه قيلَ: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ إلا قليلًا، وإن كان الأفصَحُ أن يُرفَعَ على البدلِ.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: تركوا النهيَ عن المنكراتِ ﴿مَا أُتْرِفُوا﴾ ما أُنعِموا ﴿فِيهِ﴾ منَ الشهواتِ، واهتمُّوا بتحصيلِ أسبابها، وأعرَضُوا عما وراء ذلكَ.
﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافرينَ، كأنه أرادَ أن يبينَ ما كان السببَ لاستئصالِ الأممِ السالفةِ، وهو فشوُّ الظلمِ فيهم (^٢)، واتِّباعُهم للهوى مع الكفرِ.
و﴿وَاتَّبَعَ﴾ عطفٌ على مضمرٍ دلَّ عليه الكلامُ، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفسادِ واتبعَ الذين ظلَموا …
﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عطفٌ على ﴿أُتْرِفُوا﴾؛ أي: اتَّبعوا ما أترِفوا فيهِ وعادتُهم التمادي في الإجرامِ، أو على ﴿اتَّبِعْ﴾، أو اعتراضٌ (^٣).
_________________
(١) كما تقوله: (هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضَّضين على قراءة القرآن). انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٧).
(٢) في (م): "منهم".
(٣) في (م): "واعتراض"، وسقطت الجملة من (ف) و(ك)، والصواب المثبت. انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٨)، و"روح المعاني" (١٢/ ١٥٩). قال الزمخشري: (ويجوز أن يكون اعتراضًا وحكمًا عليهم بأنهم قوم مجرمون). وقال الآلوسي: (وأن تكون الجملة اعتراضًا بناء على أنه قد يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني).
[ ٥ / ٢٣٠ ]
وقرئ: (وأُتبعَ) (^١)؛ أي: وأتبِعوا جزاءَ ما أُترِفوا، فيكونُ الواو للحالِ، ويجوز أن يفسَّرَ به المشهورةُ، ويعضدُه تقدُّمُ الإنجاء.
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ اللامُ لتأكيدِ النفي ﴿بِظُلْمٍ﴾ حالٌ من الفاعلِ، والتنكيُر للتعظيمِ، والإشارةِ إلى أن إهلاكَ المصلِحينَ ظلمٌ عظيمٌ، ولذلكَ أكدَ النفيَ باللامِ، وكذا إن فسِّرَ الظلمُ بالشركِ، والباء للسببيةِ؛ أي: لا يهلِكُكم بسببِ ظلمٍ أعظمَ منهُ.
﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: حالَ كونِهم مصلِحين ما بينَهم بالعدالةِ؛ لكمالِ رأفَتِه ورحمَتِه بالعبادِ ومساهلَتِه في حقِّهِ، ومن ثمةَ قدَّمَ الفقهاءُ عند تزاحُمِ الحقوقِ حقوقَ العبادِ؛ أي: وما صحَّ أن يهلِكَ ربُّكَ القرى ظالمًا لها تنزيهًا لذاتِه من الظلمِ، أو بسببِ شركِ أهلِها ما لم يضمُّوا إلى الشركِ إفسادًا فيما بينهُم، ولذلك قيلَ: المُلك يبقَى مع الكفرِ، ولا يبقَى مع الظلمِ.
* * *
(١١٨) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملةِ الإسلام كُلِّهم، وهو دليل على أن الأمرَ لا يستلزِمُ الإرادةَ، وأنَّه تعالى قادرٌ على إيقاعِ ما أرادَهُ في الخصوصِ المذكورِ، وأمَّا أنَّ كلَّ ما أرادَهُ يجِبُ وقوعُه فلا دلالةَ فيما ذُكِر عليهِ.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٦١)، و"المحتسب" (١/ ٣٣١).
[ ٥ / ٢٣١ ]
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: بعضُهم على الحقِّ، وبعضُهم على الباطلِ كما ترى (^١).
* * *
(١١٩) - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلا قومًا هداهم الله تعالى مِن فضله فاتَّفقوا على دين الحقِّ وملةِ التوحيدِ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الضميرُ للقومِ، والإشارةُ إلى الاختلافِ، واللامُ للعاقبةِ؛ أي: ولِمَا هم عليه من الاختلافِ خلقَهم؛ ليتميَّز المحِقُّ من المبطِل، ويترتَّبَ الثوابُ والعقابُ على العقائدِ والأعمال.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: وعيدُه، أو قولُه للملائكةِ:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ أي: مِن عصاتِهما ﴿أَجْمَعِينَ﴾: لا مِن أحدهما؛ ففيه دفعُ (^٢) احتمالِ أن يكونَ الإملاءُ من أحدِهما، ويضافَ إليهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] والمرادُ استيعابُ الصِّنفَين لا استيعابُ أفرادِهما.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) "كما ترى" ليست في (ك).
(٢) في (م): "رفع".
[ ٥ / ٢٣٢ ]
﴿وَكُلًّا﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾ في: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ والتنوينُ بدلٌ من المضافِ إليهِ؛ أي: نبأ.
وقولُهُ: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ بيانُ ﴿وَكُلًّا﴾ (^١)؛ أي: نخبرُك به ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بدل منهُ (^٢).
أو ﴿وَكُلًّا﴾ مصدرٌ، أي: وكلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، على معنى: وكلَّ نوعٍ وأسلوبٍ من أنواع القَصصِ وأساليبِه نقصُّ عليكَ، و﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾.
ومعنى تثبيت فؤادِه ﵇: طمأنينةُ قلبهِ، وزيادةُ يقينهِ، والتأسِّي بهم في الثباتِ والصبرِ على تبليغ الرسالةِ وتحمُّلِ الأذى؛ كقولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وذلكَ لأنَّ المشاركة في الأمورِ الصعبةِ تهوِّنُ ما يلقى الإنسان من الأذى، والإعلامُ بما جرى على المكذِّبين من العقوباتِ المستأصِلةِ بأنواعِ العذابِ مِن غرقٍ وريحٍ ورجفةٍ وخسفٍ (^٣) فيهِ طمأنينة النفسِ (^٤) وتثبيتٌ.
﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ السورةِ، أو: الأنباءِ المقتصَّةِ عليكَ ﴿الْحَقُّ﴾: ما هو الحقُّ ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى﴾ إشارةٌ إلى سائرِ فوائده العامَّةِ، وإنما قالَ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمن.
* * *
_________________
(١) قوله: "بيان كلا"، منعه الآلوسي، وجعله بيان المحذوف المضاف إلى (كل)، فقال: وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ صفة لذلك المحذوف لا لـ ﴿وَكُلًّا﴾؛ لأنها لا توصف في الفصيح كما في "إيضاح المفصل". انظر: "روح المعاني" (١٢/ ١٦٨).
(٢) في النسخ: "بدلًا منه"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٢/ ١٦٨).
(٣) "وخسف" سقط من (ك).
(٤) "النفس" سقط من (ك).
[ ٥ / ٢٣٣ ]
(١٢١) - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعامِ.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرِ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزِلَ بكُم ما نزَلَ على أمثالِكُم.
* * *
(١٢٣) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خاصةً دونَ غيرِه، ولا يخفى عليه خافيةٌ فيهِما فلا يخفى عليهِ أعمالُكم.
﴿وَإِلَيْهِ﴾ خاصَّةً لا إلى غيرِه ﴿يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا بدَّ أن يرجِعَ إليه أمرُكَ وأمرُهم، فينتقِم لك منهم.
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فإنه كافيكَ، وتقديمُ العبادةِ على التوكلِ للتنبيه على أن التوكلَ إنما لا (^١) يصحُّ إلا بعد تخصيصِه بالعبادةِ، والانسلاخِ عن أفعال النفسِ إلى المأمورِ به.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أنتَ وهم، فيجازيكَ بما تستحقُّ من الثوابِ، ويجازيهم بما يستحقُّون من العقابِ، والله أعلَمُ بالصوابِ.
* * *
_________________
(١) "لا" سقطت من (م). والأولى في العبارة حذف "إنما" وإثبات "لا".
[ ٥ / ٢٣٤ ]