الرسالة: باب (بيان فَرَض الله في كتابه اتباع سنة نبيه - ﷺ)
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وضع اللَّه رسوله من دينه وفرضه وكتابه
الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَنَ من الإيمان برسوله مع الإيمان به.
_________________
(١) اليعملات: جمع يعمله: وهي الناقة السريعة اللينة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له: (الإيمان بالله ثم برسوله) .
فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا.
حتى يؤمن برسوله معه.
وهكذا سنّ رسول الله - ﷺ - في كل من امتحنه للإيمان.
أخبرنا مالك، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم
قال: أتيت رسول اللَّه بجارية، فقلت: يا رسول اللَّه، عليُّ رقبة، أفأعتقها؟
فقال لها رسول الله - ﷺ -: "أين الله؟ "
فقالت: في السماء، "ومن أنا؟ "
قالت: أنت رسول اللَّه، قال: "فاعتِقها" الحديث.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ففرض اللَّه على الناس اتباع وحيه
وسنن رسوله، فقال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) .
أحكام القرآن: فصل (فرض الله - ﷿ في كتابه واتباع سنة نبيه - ﷺ):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فرض اللَّه تعالى على الناس اتباع وحيه وسنن
رسوله - ﷺ - فقال في كتابه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) .
وقال - ﷿ -: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)
الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فذكر اللَّه تعالى الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله - ﷺ -.
وهذا يشبه ما قال - واللَّه أعلم - بأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكرَ
الله - ﷿ - منته على خلقه بئعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز - واللَّه أعلم - أن تعدّ الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله - ﷺ -؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب اللَّه، وأن
الله قد افترض طاعة رسول الله - ﷺ -، وحتّم على الناس اتباع أمره.
فلا يجوز أن يقال لقول: فرض إلا لكتاب الله، ثم سنة رسول الله - ﷺ - مبينة عن الله ما أراد دليلًا على خاصه وعامِّه، ثم قرن الحكمة بكتابه، فاتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسول الله - ﷺ -.